حيدر إبراهيم: فرض الإخوان المسلمون نفوذهم في السودان بالسيطرة على الاقتصاد والتعليم

12886
عدد القراءات

2018-01-07

أكّد المفكر السوداني الدكتور حيدر إبراهيم أنّ الإخوان المسلمين هدفوا لفرض نفوذهم على مفاصل السلطة في السودان، سيّما في قطاع التعليم والاقتصاد؛ حيث إنّهم سيطروا على النظام المصرفي الإسلامي منذ السبعينيات، وراكموا ثروات طائلة، بينما كان المجتمع السوداني يمرّ بأزمة اقتصادية طاحنة في ظل حكم جعفر النّميري؛ بل وصل الأمر إلى انتشار المجاعات في بعض المناطق.

وكان هدفُ الإخوان من ذلك في بلد فقير، مدّ صلاتهم التجارية إلى الخارج، من خلال علاقاتهم مع بعض دول الخليج؛ حيث تمّ إنشاء العديد من المؤسسات، من ضمنها؛ منظمات الإغاثة، ومنظمة الدعوة الإسلامية، وكل هذه المؤسسات كانت تضخ أموالاً لجماعة الإخوان.

ونوّه إبراهيم، في حواره أجرته معه "حفريات"، إلى أنّ الإخوان المسلمين استثمرت جيداً في أنّ التعليم السوداني كان يعاني مشكلة كبيرة؛ حيث سافر عدد كبير من المنتمين لجماعة الإخوان إلى مصر، وتلقّوا تعليمهم في الأزهر ودار العلوم، وعند عودتهم إلى السودان اشتغلوا بالتدريس، ما انعكس ذلك على المجتمع.

حين دخل الإخوان إلى السلطة في السودان كان نظام النّميري يتآكل فأصبحوا وحدهم القوة الأساسية القادرة على الاستمرار

والدكتور حيدر إبراهيم، مفكر سوداني ولد في العام 1943، تحصّل على الدكتوارة في فلسفة في العلوم الاجتماعية من جامعة فرانكفورت عام 1978، عمل في العديد من المراكز البحثية في العالم العربي، شغل مناصب عدة منها: منسّق الدراسات والنشر بالمجلس القومي للثقافة العربية، مدير مركز الدراسات السودانية، رئيس تحرير مجلة دراسات سودانية، الأمين العام للجمعية العربية لعلم الاجتماع، له عديد الأبحاث والدراسات التي أثرت المكتبة العربية، منها: لاهوت التحرير، الدين والثروة في العالم الثالث، مقدمة في علم الاجتماع، أزمة الإسلام السياسي – الجبهة الإسلامية نموذجاً، التيارات الإسلامية وقضية الديمقراطية، سقوط المشروع الحضاري، وغيرها.

وهو مؤسس اللجنة الوطنية لمكافحة الفساد في السودان، شغل عضوية العديد من المؤتمرات ولجان التحكيم، مثل: عضوية المؤتمر القومي العربي ببيروت، وعضوية  لجنة تحكيم جائزة نادي دبي للصحافة 2003م، وهو عضو لجنة تسيير المجموعة السودانية للسياسات البديلة، وعضو لجنة علم اجتماع الدين، بالجمعية الدولية لعلم الاجتماع في إيطاليا، وأمين عام الجمعية العربية لعلم الاجتماع، وعضو مجلس الأمناء الآن، وهو عضو الجمعية الدولية لعلم الاجتماع، وعضو رابطة الانثروبولوجيين الملكية في بريطانيا، ومحكم مجلة العلوم الاجتماعية التابعة لجامعة الكويت.وغير ذلك

وفيما يلي نص الحوار:

في الوقت الذي عمل فيه إخوان الخارج ضمن تنظيم "الجبهة الوطنية" المعارض، كان إخوان الداخل يعقدون صفقة مريبة مع نظام النّميري، تمخّض عنها تعيين "الرشيد طه بكر" المقرب من الإخوان رئيساً للوزراء ونائباً للرئيس، قبل أن يسيطروا عقب مصالحة عام 1977 على عدد كبير من المناصب في المؤسسات السيادية، كيف تقرأ سيناريو القفز على السلطة في ضوء هذا التحرك النفعي؟ وكيف فشل النميري في قراءته؟

كانت هذه المصالحة بوابة ذهبية دخل من خلالها الإخوان إلى السلطة؛ حيث يظل جعفر النّميري رئيساً، بينما يتمكنون هم من مفاصل الدولة، وبالفعل تقلدوا عدداً من المناصب المهمة جداً، فمثلا تولى حسن الترابي وزارة العدل، وتولى أحمد عبد الرحمن وزارة الداخلية وغيرهم .

في الوقت الذي دخل فيه الإخوان إلى السلطة في السودان، كان نظام النّميري يتآكل، فأصبحوا وحدهم القوة الأساسية التي لديها القدرة على الاستمرار، وقبيل الانقلاب على النّميري، وكان في رحلة سفر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، اتخذ قراراً بمحاكمة الإخوان عند عودته، وقام بالفعل بعدة إجراءات، ففصل البعض، واعتقل البعض الآخر، وهو ما نجح الإخوان في الترويج له دعائياً، مدّعون أنّهم "آخر من خرج من سجون النميري"، على الرغم من تعاونهم معه، وقصر مدة اعتقالهم، والتي لم تتجاوز أشهر معدودة، وهو ما جعل البعض ينادي بمحاكمتهم لتعاونهم معه عقب انتفاضة 1985.

سيطر الإخوان على النظام المصرفي الإسلامي وراكموا ثروات طائلة بينما كان المجتمع السوداني يمرّ بأزمة اقتصادية طاحنة

بعد قيام الانتفاضة اختلفت الأحزاب حول الفترة الانتقالية، فتمّ الاتفاق على إنشاء مجلس انتقالي عسكري، هذا المجلس كان للإخوان المسلمين نصيب كبير فيه، وكذلك لذوى الميول الإخوانية، مثل "سوار الذهب"، وبصفة عامة كانت الحكومة الانتقالية التي جاءت بعد النّميري ذات ميول إخوانية، ومع حلول مع الانتخابات تم إنشاء دوائر خاصة لخريجي الجامعات، والتي عملت بطريقة إقليمية وليست قومية، وهذه الدوائر هي التي نجح بها الإخوان، واستطاعوا الحصول على الأغلبية بها، ويمكن القول إنّ النميري قرأ السيناريو متأخراً، في وقت نجح فيه الإخوان في التمدد في البنى التحتية والفوقية، وهو ما أدى إلى تمكنهم من السلطة عقب الانتفاضة.

جعفر محمد النميري، الرئيس الخامس للسودان، خلال الفترة من 25 مايو 1969 إلى 6 أبريل 1985

وهل كانت هناك قواعد اقتصادية ساعدت الإخوان على تقوية مركزاهم؟ خاصة في ظل ما أنفقوه من أموال في انتخابات 1986.

بالفعل، سيطر الإخوان على النظام المصرفي الإسلامي منذ السبعينيات، وراكموا ثروات طائلة، بينما كان المجتمع السوداني يمر بأزمة اقتصادية طاحنة في ظل حكم النميري؛ بل وصل الأمر إلى انتشار المجاعات في بعض المناطق، وكان هدف الإخوان هو تحقيق السيطرة الاقتصادية في بلد فقير، وامتدت صلاتهم التجارية إلى الخارج، من خلال علاقات مع بعض دول الخليج، من خلال هذه العلاقات تم إنشاء العديد من المؤسسات، من ضمنها منظمات الإغاثة، ومنظمة الدعوة الإسلامية، وكل هذه المؤسسات كانت تضخ أموالاً لجماعة الإخوان المسلمين، كما تم إنشاء العديد من المنظمات من خلال التمويلات الخليجية خاصة القطرية، من خلال البنوك الإسلامية التي تمكنت من القطاع المصرفي في السودان، كبنك التضامن الإسلامي، وبنك فيصل الإسلامي، وكلها كانت بأموال خليجية.

في انتخابات 1986 جاءت الجبهة الإسلامية القومية التابعة للإخوان في المركز الثالث خلف حزبي الأمة والاتحاد، وبغض النظر عن الأموال الضخمة التي ضختها الجبهة، يبقى السؤال: كيف أمكنها تحقيق هذا المركز المتقدم عقب انتفاضة أطاحت بحليف لم ينقلب سوى في الأشهر الأخيرة؟ وهل لعب نظام التعليم الذي غلبت عليه السمة الإسلامية دوراً في ذلك؟

نجحت الدعاية الإخوانية في ترويج خطاب المظلومية، والتي لم تتجاوز أشهر معدودة في ظل تاريخ طويل من التحالف مع النّميري، كما لعب التعليم دوراً كبيراً، ففي ذلك الوقت كان التعليم السوداني يعاني مشكلة كبيرة، استثمرها الإخوان جيداً؛ حيث سافر عدد كبير من المنتمين إلى الإخوان المسلمين إلى مصر، وتلقوا تعليمهم في الأزهر ودار العلوم، وعند عودتهم إلى السودان اشتغلوا بالتدريس، وهذا كله كان له تأثير كبير جداً على المجتمع السوداني، يكفي أن تعرف أن كتاب "شبهات حول الإسلام" لمحمد قطب، كان يدرس في المدارس الثانوية السودانية.

بالإضافة إلى ذلك، إن نظام دوائر الخريجين، وهو نظام انتخابي، كان موجوداً بعد الاستقلال، حتى تتمكن النخب المتعلمة في السودان من الوصول إلى البرلمان، خاصة مع انتشار الأمية وقلة عدد المتعلمين، وبالتالي تفوق الإخوان في معظم دوائر الخريجين، مع السماح للمغتربين بالتصويت.

ولكن، ورغم وجود هذا التفوق النوعي لحزبي الأمة والاتحاد في الانتخابات، كانت الجبهة الإسلامية هي الأكثر نفوذاً، والأعلى صوتاً؛ حيث ظهر أنّها الحاكم الفعلي للبلاد، كيف تفسر فشل أكبر حزبين في منع تمدد نفوذ الجبهة الإسلامية صاحبة المقاعد الأقل في البرلمان؟

كان حزبا الأمة والاتحاد حزبين كبيرين، لكنهما تقليديان ولديهما مرجعية دينية، بحكم الانتماء إلى خلفيات صوفية،  لذلك لم تكن لديهما القدرة على مجابهة الإخوان، نعم، حصلا على مقاعد كثيرة في الانتخابات؛ حيث كان لهما أكثر من 170 مقعداً في البرلمان، لكن السيطرة الحقيقية كانت للإخوان الذين رفعوا شعار الدولة الإسلامية، وعليه فليس في مقدور حزب قائم على أساس ديني أن يرفض هذا الشعار.

وماذا عن الأحزاب المدنية الأخرى؟

كانت هناك قوى مدنية حزبية، كالحزب الشيوعي وعدد آخر من الأحزاب، لكن لم يكن تتوفر لهم الإمكانيات المادية التي كانت متوفرة لجماعة الإخوان المسلمين، فمثلاً؛ في انتخابات النقابات أنفق الإخوان قدراً هائلاً من الأموال، وكأنها انتخابات برلمانية، وهو ما لم يكن متوفراً لغيرهم من القوى السياسية الأخرى .

فشل الإخوان بمصر في تجربة الحكم، وكذلك تساقطوا تباعاً في البلدان التي وصلوا فيها إلى دوائر السلطة، بينما نجحوا في السودان وشددوا قبضتهم، واستمروا في الحكم لأكثر من ربع قرن، كيف تفسر ذلك؟

في البداية، وعقب انقلاب عام 1989، اشتغل الإخوان على الناحية الأمنية؛ حيث استمر حظر التجوال في السودان قرابة العام، كما اهتموا بجهاز أمن المتبقي من نظام النّميري، والذي تلقى أفراده تدريباً عالياً في مدرب في الولايات المتحدة، وكان على كفاءة عالية جداً، بالإضافة إلى أن الإخوان كان لديهم كوادر تم تدريبها في إيران، ثم قاموا بعزل كل من لا ينتمي لهم أو يتعاطف معهم، في كل مؤسسات الدولة وأجهزتها من الخدمة المدنية، ففي الجامعة قاموا بفصل العديد من أساتذة الجامعات وكذلك الحال في الشرطة والقضاء والإعلام والجيش، وغيرها من المؤسسات، وقاموا بتعيين أفراد منهم أو موالين لهم، وبناء عليه، وبهذه الطريقة، تم تغيير جهاز الدولة، ليصبح تابعاً لهم.

من مظاهرات الإخوان السودانيين المؤيدة لإخوان مصر عقب ثورة 30 يونيو

انفجرت عاصفة "الربيع العربي"، وتناثرت شظاياها الثورية هنا وهناك، لتسدل الستار على أنظمة حكم أصحابها طويلاً، في تونس ومصر وليبيا واليمن، ورغم انتماء السودان لنفس المحيط الجغرافي، ورغم وجود صراعات داخلية وحروب أهلية منهكة، وحده نجا النظام السوداني من رياح التغيير. كيف يمكن أن نقرأ ذلك في ضوء بنية النظام، وطبيعة المعارضة؟

كانت محاولة توحيد المعارضة السودانية نقطة ضعف دائمة؛ لأن بها العديد من المشاكل؛ حيث كان هناك اتجاهان، الأول؛ تمثله الأحزاب التقليدية، والقوى اليسارية، وهم دائماً معارضون للنظام، لكن للأسف كان هناك دوماً صعوبة شديدة في العمل فيما بينهم، والتعاون مع بعضهم البعض، وفي كل مرة نجدهم يتحدون ظاهرياً، لكن الصراعات والخلافات الداخلية التي لا تنتهى بينهم سرعان ما تجهض أية محاولة لتوحيد قوى المعارضة المدنية، والاتجاه الثاني هو المعارضة المسلحة، فهناك العديد من القوى السودانية التي تؤمن بالكفاح المسلح، كالحركة الشعبية بجنوب السودان، والمجموعات المسلحة بدارفور، كما أنّه في فترة من الفترات كونت كل الأحزاب داخل السودان مليشيات مسلحة، ففي اجتماع "أسمرا" قرر كل حزب أن يُكَوّن جناحاً عسكرياً، وكانت هناك موجة حمل فيها الكل السلاح، خاصة بعد أن صرح الرئيس السوداني "عمر البشير" أن النظام السوداني: "جاء بالقوة ولا يمكن أن يخرج إلا بالقوة"، فقامت الأحزاب بتأسيس أجنحة عسكرية لها، وإنشاء معسكرات تدريب لها في أريتريا.

وهل تجد تعارضاً بين النمطين؟ وهل أدى ذلك إلى تقويض جهود حركة المعارضة؟

بالطبع، هناك تعارض كبير بين هذين النمطين من المعارضة: المسلحة والمدنية؛ وهو ما أحدث خللاً في المعادلة، لعدم اعتماد وسيلة واحدة ومحددة للتغيير والتعامل مع النظام، ويبقى الجدل لا ينتهي حول تساؤلات إشكالية مثل: هل الأنسب حمل السلاح ضد النظام؟ أم الأنسب هو الكفاح المدني عن طريق التظاهرات والإضرابات والاعتصامات؟ كان هذا الجدل العقيم هو السبب الرئيسي الذي أدى إلى عدم فاعلية أحداث "الربيع العربي" داخل السودان مثل بقية الدول العربية .

في النهاية، إلى متى يستطيع نظام الإنقاذ في السودان حل تناقضاته والاستمرار في السلطة؟

نظام الإنقاذ في السودان ليست لديه مقومات الاستمرار، فالنظام السوداني الآن يمر بأزمة اقتصادية صعبة جداً؛ حيث بلغت قيمة الدولار الأمريكي حوالي 27 جنيهاً سودانياً، كذلك هناك صعوبات ومشاكل متعلقة بالمواد التموينية، كما أنّ قطاع الخدمات منهار تماماً، فمثلاً أي سوداني يمر بأزمة صحية، سوف يضطر للسفر إلى القاهرة لتلقي العلاج، وهو أمر غير متوفر للجميع في ظل الأزمة الاقتصادية الحادة، فالسودان الآن يمر بوضع متأزم جداً، لذلك يسعى النظام لخلق مشاكل خارجية والدخول بها، والتورط في أحلاف عسكرية إقليمية، في محاولة يائسة لجني أي مكاسب، أو الاعتراف بوجوده وشرعيته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية

2019-11-10

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الباحث المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، الدكتور خالد الزعفراني، إنّ رموز الفكر القطبي كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير من جماعة شكري مصطفى، وأخبث وأخطر؛ لأنّهم كانوا يأخذون بنظرية التقية، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّه في عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة الإسلامية (قبل تشكلها) في دخول الإخوان سرّاً.

عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات كنت أظنها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير

وأوضح القيادي الإخواني السابق أنّه "عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل؛ كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، بذلك، استشاطوا غضباً، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط".
وأكد مبتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" أنّ جماعة الإخوان أصبحت الآن أبعد ما تكون عن الدعوة، "فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة"، أنّ الشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف.
وشدد على أنّ الدول التي تؤوي الإخوان اليوم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وهنا نصّ الحوار:

البداية التنظيمية

شكري مصطفى
كيف كانت بدايتك مع الجماعات الإسلامية من شكري مصطفى وصولاً إلى الإخوان؟

كانت البداية مع نكسة حزيران (يونيو) 1967؛ حيث حصل مدّ التنظيمات، التي انتهزت الفرصة مع انكسار الحلّ الناصري، وموجة التدين التي استغلت احتلال المسجد الأقصى، وأنا يومها تأثرت بهذه الحالة في أول دراستي الثانوية، والتزمت بالمحافظة على الصلاة وارتياد المساجد.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في قريتي كان يوجد شيخ أزهري كفيف، يحمل درجتي ماجستير، أعطاني جرعة معلومات دينية وتأثّرت به كثيراً، ولمّا ذهبت إلى الجامعة، العام 1971، بالقاهرة، كانت تلك الجماعات ما تزال ضعيفة، وعبارة عن أفراد متفرقين يلتقون فقط في مساجد الكليات للصلاة، لكنّ التيار اليساري كان كبيراً جداً، وبدأنا كأفراد نصطدم بهم، ونشكّل تجمعات صغيرة في الكليات المختلفة تحت مسميات مثل: الجماعة الدينية، وجمعية الدراسات الإسلامية، أو الجماعة الإسلامية، وغيرها.

اقرأ أيضاً: وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة
آنذاك كانت معلوماتنا الدينية فطرية وقليلة، ثم بدأنا نتواصل في كلّ جامعة عن طريق اتحادات الطلبة التي بدأنا نخوض انتخاباتها، وسهّلت لنا اتحادات الطلبة التواصل على مستوى الجمهورية، وباسمها أقمنا معسكرات صيفية إسلامية، كنّا ندعو إليها مشايخ بالإخوان؛ كالشيخ الغزالي، وسيد سابق، والشيخ المحلاوي، وغيرهم، وكانت هذه هي البداية ليست لي فقط، بل لكلّ التيار.
هل ظهرت جماعة التكفير والهجرة في تلك الفترة، أم كانت بداية تلك الموجة مع القطبيين؟
في الحقيقة؛ عندما أخذت الدولة المصرية، في بداية عهد السادات، قرار الإفراج عن الإخوان، كان ضمن المجموعات الأولى المفرَج عنها؛ شكري مصطفى، وطه السماوي، وقيادات ما يسمَّى "التكفير القطبي".

أفرجت الدولة في بداية عهد السادات عن الإخوان وكان ضمنهم شكري مصطفى وقيادات "التكفير القطبي" 

بدأ طه السماوي، العام 1972، يخطب في مسجد بميدان العتبة، أما شكري مصطفى فنشر أفكاره في بلدته أسيوط، وأقنع ابن أخته ماهر بكري، الذي أُعدم معه 1977، وعمّه الدكتور حمدي بكري، في التوقيت نفسه بدأ المتأثرون بسيد قطب، مثل: مصطفى الخضيري، وعبد المجيد الشاذلي، والدكتور محمد المأمون، ومحمد سالم، وهم من رموز الفكر القطبي، بدؤوا في نشر هذا الفكر في القاهرة والإسكندرية، وقد عمل القطبيون، ومؤسّسو جماعة التكفير، كلٌّ على حدة، لكنهم استغلوا ما منحه لهم الرئيس السادات من حرية، وعملوا في وقت واحد لنشر هذه الأفكار.
جماعة التكفير والهجرة

هل التقيت بشكري مصطفى آنذاك؟ وماذا عرض عليك؟
عرّفني إليه طالب بكلية دار العلوم بالقاهرة، كان مع شكري بالسجن، في نهاية الستينيات، ورتّب لي اللقاء معه ليعرض عليّ أفكاره، ولما بدأ في عرض فكره قفزت إلى ذهني فوراً عقيدة الخوارج؛ لأنّ الشيخ الأزهري الذي كان بقريتي وأعطاني نبذة عنهم، فسألته: "ما الفرق بينك وبين الخوارج؟"، فقال: "الخوارج يكفّرون بالمعصية، وأنا أكفّر بالإصرار عليها"، وناقشته في ذلك كثيراً فتعجَّب من معرفتي مع صغر سنّي (19 عاماً تقريباً).

وجدت أنّ أفكار شكري مصطفى وغيره من زعماء القطبيين متشابهة تماماً مع فكر الخوارج

بعدها اتفقت معه أن يزورني بالإسكندرية بمنتصف الإجازة الصيفية، ليحاور بعض المشايخ والدعاة لأتبيّن الحقّ، وليردّوا على كلامه، وأخذت منه بعض كتاباته، خاصّة عن التوقف والتبين والتكفير بالإصرار على المعصية.
ثم ذهبت لقريتي وعرضت على الشيخ الأزهري كتابات الرجل، فصاح في وجهي قائلاً: إنّه فكر الخوارج التكفيري، فقلت له إنّ عبدالناصر سجنه لدعوته لتطبيق الشريعة، لكنّه صرخ في وجهي إنّه فكر الخوارج، ثم قابلت مؤسّس التكفير والهجرة، شكري، بالإسكندرية، واجتمعنا بمشايخ وأقرباء لي وعدد من أصدقائي، وعرض فكره وردّ عليه مشايخ ودعاة، واستمع إليه عدد من الشباب، منهم وجدي غنيم، فاقتنع بعض الشباب بفكره، ثم عاد الرجل لأسيوط، وكان قبل أن يمضي قد أخبرني بأنّ شيخه (وهو الشيخ علي عبده إسماعيل، شقيق عبد الفتاح إسماعيل الذي أُعدم مع سيد قطب)، يقيم الآن بالإسكندرية.
كان الشيخ علي عبده إسماعيل أول من ابتدع فكر التوقّف والتبيّن، لكنّه أعلن توبته منه، وكفّره تلميذه شكري مصطفى، ماذا قال لكم عبده عن تلك الفترة؟
توجهت وأنا في الإسكندرية لمقابلة الشيخ علي عبده إسماعيل بمسجد سلطان، وجلست معه وناقشته، وحكى وبيّن لي قصّة بداية جماعة التكفير، وبالفعل قال لي إنّ شكري كان تلميذه، لكنّه هو نفسه تاب ورجع لعقيدة أهل السنّة، وتنبأ لي بأنني الذي سأردّ على شكري وأفحمه، وأقضي على مجموعته.

اقرأ أيضاً: فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎
ومن ثقته بي أرسلني لشخص ببنها أعطاني (كراسة) للردّ على شكري، وكتيّباً صغيراً "دعاة لا قضاة"، ولم يكن حينها قد طُبع بعد، فقرأتهما ودرستهما تماماً، لأبدأ فيما بعد سلسلة الردود على جماعة التكفير والهجرة.
الخروج من الهاوية

ما الذي تبينته لتحارب شكري مصطفى وتحاول هدم جماعته؟
بعدما سمعت قصة نشأة التكفير من الشيخ علي إسماعيل، وأيضاً من شكري مصطفى، وغيرهما من زعماء القطبيين، وجدت أنّ أفكارهم متشابهة تماماً، حرفياً ونصياً، مع فكر الخوارج، الذين كفّروا وقاتلوا الصحابة، رضي الله عنهم، وقتلوا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأعلنوا حرباً على الإسلام والمسلمين.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
وبعدما قرأت كتب الفرق الإسلامية، مثل: "الملل والنحل" للشهرستاني، و"الفرق بين الفِرق" للبغدادي، و"الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري، وغيرها، وجدت آراءهم تتطابق تماماً مع فرقة من الخوارج اسمها (الأزارقة)، و(الأخنسية) و(الثعالبة)، والقطبيون يشبهون فرقة اسمها (النجدات) لا تَعْذُر بالجهل.
كيف بدأت سلسلة المحاورات الفكرية والردود؟ وكيف كانت؟
أخذت أطوف الجامعات المختلفة، وأعطي دروساً في الردّ على التكفير وشكري، وفي العام 1975 كان هناك معسكر صيفي لجامعة القاهرة في المدينة الجامعية، وكان المسؤول عنه عصام العريان، وحضره الأستاذ فهمي هويدي، وكان وقتها مشرفاً على الصفحة الدينية بـ"الأهرام"، فقلت له أنا وعصام العريان: "لقد نشرت ثلاث مقالات لأتباع شكري مصطفى، ولديّ ردود"، فقال لي: "اكتب مقالاً ردّ فيه على التكفير"، فكتبت مقالاً بعنوان "إنّهم يرددون فكر الخوارج"، ونشر في "الأهرام"، بتاريخ 15 آب (أغسطس) 1975.

اقرأ أيضاً: شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين
وقد ناقشت أعضاء جماعة التكفير والهجرة بالحبّ والرفق، لا بالتحدي والمناظرة، فتاب أكثرهم، ومن ضمنهم عدد من قيادات جماعة شكري مثل: الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمود حماية.
من التكفير إلى الإخوان؛ كيف تطوّر شكل الجماعات الإسلامية بالجامعات؟
تكوّنت جماعات إسلامية على مستوى الكليات والجامعات، وفي معسكر صيف 1976 بالإسكندرية، بأبي قير، الذي حضرته كلّ قيادات هذه الجماعات من الإسكندرية إلى محافظة أسوان، تم الاتفاق على توحيد الجماعات في جميع جامعات مصر، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، وتمّ اختيار خالد داوود ليكون أول أمير عام لها، على مستوى مصر، وخلفه بعد أن تخرَّج حلمي الجزار، ولم تكن الجماعة الإسلامية تابعة للإخوان؛ بل كانت مستقلة تماماً عنها في ذلك الوقت.
لماذا كان الفكر السلفي هو الغالب على فكر هذه الجماعات في ذلك التوقيت؟
بالفعل كان هو الغالب؛ لأنّه عندما ظهرت فتنة التكفير من شكري والقطبيين لم يجد الشباب ردوداً عليها، إلا في كتب السلف التي تحدثت عن الخوارج، عكس كتب الإخوان الفكرية والحركية، التي لم تغنهم في الردّ، ووجد الشباب أنّ الكتب التراثية هي الأمان والحماية وطوق النجاة من فكر التكفير، ومن هنا بزغ نجم السلفية بالإسكندرية.
مع الإخوان

إذاً؛ كيف بدأت فكرة انضمام الجماعات الإسلامية بالجامعة للإخوان؟
بدأت بعد أن تخرَّج عدد كبير في الجامعة، وبدأنا نبحث في عمل جماعة تربط هؤلاء الخريجين، وبدأ البعض يقترح علينا الانضمام للإخوان المسلمين، والعمل معهم، مثل: الأستاذ محمد حسين، وحامد الدفراوي، من الإسكندرية، وأخذنا في شدّ وجذب واختلاف، ووافق البعض، واشترطنا على الإخوان الأخذ بفكر السلف، ووعدنا بذلك الأستاذ مصطفى مشهور.

الشعب يرفض تماماً أن يعود الإخوان كما كانوا قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة

وفي عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة في دخول الإخوان سرّاً، وكانت البداية من الإسكندرية: حامد الدفراوي، خالد داود، إبراهيم الزعفراني، عصام الحداد، وأنا كنت معهم. ومن القاهرة: عبد المنعم أبو الفتوح، محمد عبد اللطيف، عصام العريان، ومن المنيا: محيي الدين عيسى، أبو العلا ماضي، وآخرون غيرهم، ثمّ حدثت مشكلة بالإسكندرية؛ حيث وجد بعضنا أنّ الإخوان لم يلتزموا بمنهج السلف، مثل: الدكتور محمد إسماعيل، والدكتور أحمد فريد، وأبي إدريس، وبرهامي، وآخرين، فتركوا الإخوان وكوّنوا المدرسة السلفية.
ماذا كان موقف الجماعة الإسلامية في الصعيد من انضمامكم للإخوان؟
عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وغيرهم، بانضمام بعضنا للإخوان سرّاً، استشاطوا غضباً، ورفضوا الانضمام، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط.

اقرأ أيضاً: إبراهيم ربيع: الإخوان المسلمون كيان وظيفي يعمل بالوكالة
وبالتالي انقسمت الجماعات في الجامعات إلى ثلاثة أقسام: قسم يتبع الإخوان، وآخر يتبع الدعوة السلفية، وثالث يتبع الجماعة بالصعيد.

لماذا لم ينتهِ الفكر التكفيري بإعدام شكري مصطفى؛ بل انتشر عن طريق القطبيين؟
رغم انتشار فكر شكري، والضجيج الذي ثار حول جماعته، التي كانت هشّة جداً، وتعتمد على شخصية مؤسسها، وبإعدامه انتهى تنظيمه، لكن رموز الفكر القطبي الذين كانوا أكثر قرباً من سيد قطب كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير وفكرهم، وأخبث وأخطر، وكانوا يأخذون بنظرية التقية الشيعية، فنشروا فكرهم داخل تنظيمات الجهاد المختلفة، مثل: صالح سرية 1974، ويحيى هاشم 1975، و"الناجون من النار" 1979، ومحمد عبد السلام فرج، الذي حلّل دم السادات والجنود بأسيوط عام 1981، وغيرهم.
الانفصال عن الإخوان

كيف كنت ترى جماعة الإخوان قبل تحفّظ 1981 وبعده؟ ولماذا ابتعدت عنهم العام 1985؟
عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات؛ كنت أراها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير، وفصيلاً إسلامياً من فصائل الوطن المختلفة، لا تميّز نفسها عليهم، لكن في عامَي 1984 و1985 بدأت أرى مظاهر الفكر القطبي في الجماعة، وتقديس السمع والطاعة، فناقشت الأستاذ جمعة أمين في ذلك، عام 1985، فقال لي: "إنّك بذلك تتهم الجماعة بأنّها فاشستية وفيها فكر تكفيري، وتريد أن تهدمها"، وكان ذلك هو نهاية علاقتي بجماعة الإخوان، وابتعدت عنهم بهدوء، ثم انضممت لحزب العمل العام 1987.
عرفت أنّك أول من ابتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" كيف كان؟ وكيف اتّخذه الإخوان شعاراً بعد ذلك؟
نعم، أنا أول من كتب كتاباً بعنوان "الإسلام هو الحلّ"، وساعتها كنت مقتنعاً بأنّ الإسلام هو الحلّ لجميع مشاكل البشرية، لكن حدث في انتخابات برلمان، العام 1987، تحالف بين حزب العمل وحزب الأحرار والإخوان، باسم "التحالف الإسلامي"، وبحثوا عن شعارٍ موحّدٍ لا يكون شعاراً لأحد منهم قبل ذلك، واختاروا عنوان كتابي، وفي بداية الأمر رفض أفراد الجماعة الشعار؛ لأنّه ليس تقليدياً، مثل: "القرآن دستورنا"، و"الرسول زعيمنا"، وغيرهما، لكنّهم تراجعوا بعد أن وجدوا استحساناً له عند الناس، ثم إنّ حزب الأحرار ترك الشعار، وتمّ تجميد حزب العمل، فانفردت جماعة الإخوان به، وعدّوه خاصاً.
حدّثني عن الجماعة الآن؛ كيف تراها؟ وهل هناك بالفعل أجنحة داخلها؟
أصبحت جماعة الإخوان الآن أقرب ما تكون إلى السياسة من الدعوة، فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة، وهي تموج بتيارات وأجنحة مختلفة، فهناك الجناح التقليدي للجماعة الذي يقوده محمود عزت (نائب المرشد)، ويمثله علناً الدكتور محمود حسين (أمين الجماعة)، وإبراهيم منير، وهناك جناح محمد كمال، الذي تتبعه حسم، ولواء الثورة، وغيرها من تنظيمات العنف، وهناك مجموعة أخرى من القيادات نفضت يدها من سياسة الإخوان الحالية، مثل: الدكتور عمرو دراج، وغيره.

السادات منح الجماعات الإسلامية الحرية فاستغلوها في نشر الأفكار القطبية

وثمة أجنحة أخرى مشتاقة للعودة للقيادة، وتزعم أنّها إصلاحية، لكن في الحقيقة الفكر القطبي أصبح المسيطر على غالب التيار، وأنا متأكد من أنّ الإخوان منقسمون، وكلّ جناح يزايد على الآخر، إلى جانب أنّ الدول التي تؤويهم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وأما من جانب الدولة؛ فالشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل كانون الثاني (يناير) 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف، وأنا أعتقد أنّه الجماعة ستظلّ تضعف وتنقسم وتتشرذم على مرّ الوقت، إلى أن تنتهي أو تظهر بأشكال أخرى؛ لأنّها ليست جماعة خالدة.

للمشاركة:

حازم صاغية: خداع حزب الله فجّر الغضب الشيعي في لبنان

2019-11-05

أجرى الحوار: سامر مختار


في 17 تشرين الأول (أكتوبر) انتفض الشعب اللبناني، ونزل الشارع احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المتأزم، وضدّ فساد المسؤولين السياسيين في الحكومة اللبنانية، وسرعان ما تطور الوضع، بازدياد أعداد المتظاهرين في الساحات، وامتدادها لتشمل مناطق ومدن كثيرة في لبنان؛ من بيروت لطرابلس، للنبطية، وصيدا، وصور، وجسر جل الديب، ومناطق كثيرة، وهذه الانتفاضة أخذت شكلاً مغايراً عن الاحتجاجات الشعبية عام 2015 "طلعت ريحتكم"، بعد أزمة النفايات التي تراكمت في شوارع بيروت وسائر المناطق في لبنان.

صاغية: اليد الثقيلة لإيران في العراق أولاً، وفي لبنان ثانياً، تتعرض اليوم لتحدٍّ خطير ولامتحان خطير

هذه المرة لم يكتفِ المتظاهرون برفع شعارات تعبّر عن مطالبهم الاقتصادية فحسب، بل كانت هناك مطالب سياسية واجتماعية، وهتافات ضدّ الطبقة السياسية التي تتمتع بغنى فاحش، والمنتفعة من الوضع القائم.
تتالت خطابات المسؤولين اللبنانيين لتهدئة الوضع، وإلقاء الوعود بتحسن الوضع تارة، وإلقاء اللوم على بعضهم تارة أخرى، ولم تنجح هذه الخطابات سوى برفع سقف مطالب المحتجين في الشارع، التي وصلت إلى إسقاط الحكومة أولاً، ومن ثمّ رفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ أي إسقاط النظام الطائفي في لبنان.
ولم تنجح تهديدات الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المبطَّنة، في خطابه الثاني، وذلك باتهاماته التي وجهها للمتظاهرين، بأنّ السفارات وجهات أجنبية وراء المظاهرات التي تحصل، ونزول مؤيدين له لمحاولة تخريب المظاهرات السلمية، بليِّ عزيمة المتظاهرين في الرجوع عن مطالبهم.
اللبنانيون يطمحون، من خلال انتفاضتهم، إلى تغيير الشكل السائد للبنان، منذ الحرب الأهلية وحتى الآن، والتي أرست نظاماً سياساً قائماً على اقتسام السلطة طائفياً.

اقرأ أيضاً: هل تحدث الثورة اللبنانية تغييراً في المجتمعات العربية؟
على هامش الانتفاضة اللبنانية، وحول أفقها وتداعياتها، التقت "حفريات" الكاتب والمعلق السياسي اللبناني حازم صاغية، الذي أكد أنّ السياسات المخادعة لحزب الله فجرت الغضب الشيعي في لبنان.
لبنان يجاهر بطائفيته لسببين

من الواضح أنّ حزب الله قد أعلن عن نفسه باعتباره هراوة السلطة وهو الذارع التي ستتولى المهام القمعية
كان أول شيء يلحظه الغريب الوافد إلى لبنان هو وضوح الانتماءات الطائفية، التي يبنى على أساسها مواقف سياسية واجتماعية في الحياة اليومية، سواء كان ذلك من خلال حوارات قصيرة مع سائق التاكسي، أو التغييرات الثقافية التي تلحظها أثناء تنقلها من مكان إلى آخر، اليوم؛ هل تغيّر المشهد بفعل الانتفاضة الشعبية العابرة للطوائف؟ وهل هناك شكل جديد أعلى من الانتماءات الفرعية في لبنان لصالح هوية وطنية قيد التشكل؟ وكيف ترى لبنان قبل وبعد 17 تشرين الأول (أكتوبر)؟

ارتبطت صورة لبنان، واسم لبنان، تاريخياً بالطائفية، وهذا من دون أن يعني أنّ لبنان مختلف نوعياً عن تراكيب باقي البلدان العربية، إلا أنّه يجاهر بطائفيَّته، لسببَين رئيسَين: الأول أنّه لم يخضع لنظام قومي عسكري أيديولوجي، يفرض أيدولوجية فوقية على المجتمع، والثاني: أنّ الدولة تبنت رسمياً الطائفية، وتوزيع الحصص والمواقع والامتيازات على أساس طائفي، لكن مؤخراً، مع الثورة التي نعيشها اليوم، بدأ يظهر "الإنسان الاقتصادي" (الذي يرى العالم من منظور موقعه الطبقي واحتياجاته المعيشية)، وبدأ يحصل نوع من الانزياح من "الإنسان الطائفي"، إذا صحّ الوصف، هذا الانزياح ترافق مع أزمة اقتصادية هائلة، أقنعت الذين كانوا لا يرون تناقضاً بين الطائفية والازدهار، وبين الطائفية والحياة الديمقراطية، أقنعتهم بأنّ التناقض يستفحل ويكبر، ولهذا نشهد هذه الحركة الانزياحية، التي إذا ما تسنّى لها أن تكبر، وفي حال عدم تعرضها للقمع؛ فإنّها، في رأيي، وفي أملي، مرشحة لأن تتعاظم وتنمو.
لكن، لماذا لم يشعر من هم في السلطة اللبنانية، من مسؤولين وسياسيين، بتفاقم هذا التناقض ما بين الطائفية والازدهار؟ فلبنان شهد محاولات لخلق حراك قبل الانتفاضة، من أسابيع قليلة، لكنّه لم ينجح، أي كانت هناك إشارات لانفجار ما، لماذا لم يتوقع من هم في السلطة هذا الانفجار؟
لم يتوقع الرسميون في لبنان هذا الانفجار؛ أولاً لأنّهم لا يريدون أن يتوقعوا، بمعنى أنّهم مستفيدون من الواقع القائم، وليس من مصلحتهم تعديله لصالح وضع جديد، تنهض من خلاله قوة جديدة غير طائفية تضعه في الظل، ثانياً: لأنهم أيضاً على صعيد الوعي والتفكير والاستشراف لا يملكون القدرة والقابلية على إدراك إلى أين يسير الوضع، وبالتالي على إدراك التناقض بين الطائفية واستمرار الحياة الاقتصادية والسياسية في البلد، الذي يدرك، على الأرجح، هو حسن نصر الله، وهو مستفيد كبير من التركيب الطائفي القائم، الذي لولاه لما كانت ظاهرة حزب الله، ولما كان بنموّه وقوته القائمة.
افتراق بين حزب الله وقاعدته

مؤخراً ما حصل هو افتراق كبير بين حزب الله وقاعدته
حسن نصر الله، في خطابه الأول، طلب من المتظاهرين ألّا يستخدموا الشتائم ضمن الهتافات التي كنت تعلو في المظاهرات، وكانت المفاجأة خروج مظاهرات في مناطق كانت ينظَر إليها سابقاً أنها مؤيدة له، لكنّها انقلبت عليه فعلياً، كما في النبطية ومناطق في الجنوب؛ كيف ترى هذه الجرأة التي رأيناها على انتقاد حسن نصر الله بشكل واضح هذه المرة؟

ما من شكّ في أنّ حزب الله  استطاع دائماً أن يظهر كما لو أنّه حليف للمسألة الاجتماعية والمتضررين منها في طائفته، وفي طوائف أخرى إلى حدٍّ ما، لكن في الوقت نفسه؛ أن يزاوج هذه المسألة، أو أن يلحقها بمسألته الأولى (وضعه السياسي) كأداة إقليمية، لكن مؤخراً ما حصل هو افتراق كبير بين قاعدته وبينه، لا سيما مع جفاف التمويل الإيراني، بسبب الحصار التي تتعرض له إيران منذ فترة، وهذا في المقابل أضاف شحنة إضافية إلى الغضب الشيعي الذي أحسّ بلونٍ من الخديعة في ما يخصّ سياسات حزب الله، وما درج من تبنيه الفعلي لقضايا المحرومين والفقراء في النبطية وصور وبعلبك، وسائر مناطق التي يقطنها الشيعة؛ لهذا أعتقد أنّ الصراع داخل الطائفة الشيعية الذي لم تظهر أدواته بعد، سيكون أكثر حدّة منه في أيّ من الطوائف الأخرى، فبالنسبة إلى السنّة الذي يغادرون موقع الحريري، أو المسيحيين الذين يغادرون الموقع العوني، المسألة ليست مرتبطة بالسلاح؛ إذ لا سلاح فيها، وبالتالي العبور والانقسام والانشقاق أهون وأسهل منه في حالة الشيعة.
كثير من التحليلات اليوم من متابعي ومتأملي الانتفاضة اللبنانية ترى أنّ صمود المتظاهرين وتحديهم لحسن نصر الله هو مغامرة، ويرون أنّ اقتلاع قبضة حزب الله، أو حتى التخفيف من هيمنته، شيء صعب، كما أنّ هناك نظرة تجاه حزب الله، بأنّه سيحاول ألّا يصطدم صداماً عنيفاً مع المتظاهرين ومطالبهم، هل تتفق مع هذه التحليلات؟ وهل ترى أفقاَ للتفاوض بين حزب الله والمتظاهرين أم إنّه سيستخدم العنف ضدّهم؟
ما من شكّ في أنّ طرح حزب الله كشريك في السلطة والتعامل معه بهذه الصفة هو مغامرة كبرى، وقد ظهرت بعض علامات نتائجها في ساحة رياض الصلح، وفي الجنوب، وفي أمكنة أخرى ربما، قد يكون من الصعب توقع أيّ شكل سيتبعه حزب الله، لكن المؤكّد حتى الآن، أنّ الحزب، لا سيما مع ما يظهر من تردّد الجيش، ومن وجود وجهات نظر قوية داخل الجيش ترفض التدخل القمعي، من الواضح أنّ الحزب قد أعلن نفسه باعتباره هراوة السلطة، وهو الذارع التي ستتولى المهام القمعية، حين يأتي الوقت الملائم لذلك، أما الأشكال فمن المبكر لأوانه التحدث عنها.
من تجرأ على الأسد يتجرأ في لبنان

العراق ولبنان يتشاركان في الخضوع للسطوة الإيرانية التي تتضامن أو تتكامل مع فسادٍ داخلي ومع تناقضات داخلية
المتظاهرون اللبنانيون اليوم في الساحات وفي الاعتصامات، يحيون كثيراً من الانتفاضات التي حصلت في الأعوام السابقة؛ هناك ردّ اعتبار لروح الثورة السورية، هناك أغانٍ على النغمات والهتافات نفسها التي كانت تخرج في بداية الثورة السورية؛ كيف ترى هذا الارتباط بين الموجة الأولى، والموجة الثاني للثوارت العربية؟

لقد رأينا فعلاً في الثورة اللبنانية، درجة التأثر، لا سيما في المجالات الفنية والغنائية بالإرث التي خلفته الثورة السورية، والتي عاش لبنان أجواءها عن كثب، حتى من قبل الذين عارضوا الثورة، هذه الأجواء لا بدَّ من أنّها أثّرت في الوضع اللبناني عموماً، وأنعشت حالة التجرؤ على النظام؛ إذ يغدو من السهل أن تتجرأ على النظام اللبناني بعد أن تجرأ السوريون على نظام الأسد، كذلك لا شكّ في أنّ المناخ الانتفاضي والثوري الذي عبّرت عنه مؤخراً بلدان، كالجزائر والسودان والعراق، الذي تواكب حركته الحركة اللبنانية، كلّ هذا فعل فعله، بلا شكّ، عبر التأثرات التي وصلت عن طريق التلفزيون والتواصل الاجتماعي وسواها، لبنان حتى الآن هو آخر مسارح الانتفاض الثوري في المنطقة.
نلاحظ اليوم؛ أنّ هناك خيطاً يربط بين الانتفاضة اللبنانية والانتفاضة العراقية، وهو الانتقاد الواضح لهيمنة إيران في المنطقة، هناك هتافات وشعارات خرجت من العراق ضدّ إيران وضدّ قاسم سليماني؟ كيف ترى هذا الانتقاد الواضح لإيران ووكلائها المحليين في المنطقة؟
ما من شكّ في أنّ العراق ولبنان يتشاركان في الخضوع للسطوة الإيرانية، من دون أن يكون هذا هو العنصر الوحيد؛ إذ إنّ هذه السطوة تتضامن أو تتكامل مع فسادٍ داخلي ومع تناقضات داخلية لا حصر لها، لكنّ اليدَ الثقيلة لإيران في العراق أولاً، وفي لبنان ثانياً، تتعرض اليوم لتحدٍّ خطير ولامتحان خطير، مفاد ذلك أنّ الانسحاب الغربي من المنطقة، خلق نوعاً من التجرؤ الإيراني عليها، وهذا استعرض نفسه على أوضح ما يكون في قمع الثورة السورية، لكن من الواضح أنّ تخريب وضع ما شيء، وبناء وضع، شيء آخر، فإيران نجحت، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، في الإمعان في تخريب الوضعَين العراقي واللبناني، لكنّك حين تكون مسؤولاً، أو طرفاً في المسؤولية، عن إطعام الملايين، وعن حلّ مشاكل الناس؛ فهذا امتحان يتجاوز تخريب وضعٍ سابق، في هذا الامتحان تفشل إيران ووكلاؤها المحليون، وهذا هو سبب المواجهة التي نعيشها اليوم.

للمشاركة:

رزان إبراهيم: نعاني من نقاد لديهم رغبة مرضية في التعريض بالآخرين

2019-10-31

أجرت الحوار: رشا سلامة


قالت الناقدة الأردنية الدكتورة رزان إبراهيم إنّ هنالك نقّاداً يُسهمون في خلق فجوة بين نتاجهم والمتلقي، حين يستخدمون المصطلحات النقدية الثقيلة، على حد تعبيرها، دون أن تنفي وجود "نقّاد يفرضون هيبتهم من خلال مرتكزات معرفية تمنح كتاباتهم قوة وتأثيراً كبيرين".

ثمة نقاد تحت الطلب ارتبط منجزهم بعلاقات شخصية جعلتهم يروجون لأعمال فقيرة فكرياً وفنياً

وأضافت أستاذة الأدب العربي في جامعة البتراء، خلال حوارها مع "حفريات"، أنّ "الرواية تنمو وتزدهر حين تعم المأساة ويزيد البؤس، وتقوى لحظات التناقض التي يعيشها الإنسان، وهذا ما نعيشه الآن"، منتقدة الروائيين العرب ممَن "جرّتهم حمى الجوائز العالمية إلى محاولة إبهار الآخر الغربي حتى ولو على حساب القيمة والمبدأ".
وأكدت صاحبة كتاب "خطاب النهضة والتقدم في الرواية العربية المعاصرة" أنّ الأدب مؤهل لتناول الهموم السياسية الخطيرة، وأنّ كثيراً من الأشكال الفنية الشائعة الناجحة ترسخت علاقتنا بها من خلال انتمائها إلى حياتنا السياسية، مستدركة أنّه يبقى مطلوباً تجنب مغبة الوقوع في تصريحات مباشرة تضعف النص وتضر في بنيته.
وحول تحويل الرواية إلى عمل فني رأت أنّ من شأن هذا الأمر تيسير سبل رواج نصوص روائية يتكاسل الجيل الجديد عن قراءتها، أو لربما دفعت البعض للبحث عنها في صورتها الورقية.
وهنا نص الحوار:
تقبل النقد

لدينا أزمة نقدية أراها مع نقاد ينقصهم الكثير من الاطلاع والمتابعات المعرفية
ثمة من يرى أنّ طابع المجاملة يطغى على النقد العربي، هل تتفقين مع هذا الرأي؟ وهل يعدّ المزاج العربي نزقاً حيال النقد عموماً؟

لا يمكن بأي حال إطلاق حكم عام بغياب كلّي للنقد، أو بموت النقد كما يحلو للبعض أن يقول. وأعتقد أنّ في ذلك القول ظلماً كبيراً، لكن لا أنكر أنّ لدينا أزمة نقدية أراها مع نقاد ينقصهم الكثير من الاطلاع والمتابعات المعرفية. كذلك أراها مع نقاد يقيّدون أنفسهم بنقد مقولب كلّ همّه مراكمة المطلحات النقدية الثقيلة كيفما اتفق لدرجة أنّهم يخلقون فجوة كبيرة بينهم وبين القارئ.

هناك نقاد لديهم رغبة تكاد تكون مرضية في التسفيه وربما التعريض بآخرين لأسباب ودوافع شخصية

الموقف من النقد عموماً مرتبط بما بات شائعاً عن نقد يرفع من لا يستحق إلى أعلى، يقوم به نقاد تحت الطلب ارتبط نقدهم بعلاقات شخصية جعلتهم يروجون لأعمال فقيرة فكرياً وفنياً. وهناك صورة أخرى يمثلها نقاد لديهم رغبة تكاد تكون مرضية في التسفيه وربما التعريض بآخرين لأسباب ودوافع شخصية تحط من قدر المبدع وقد تصيبه بالإحباط، علماً أنك تجد غالبية الكتّاب من المبدعين الروائيين يضيق صدرهم بأي نقد يوجه لهم. 
في المقابل هناك من النقاد من يفرض هيبته من خلال مرتكزات معرفية تمنح كتابته قوة وتأثيراً كبيرين يظهران من خلال جهد واضح يبذله في القراءة، وكذلك من خلال تحصّنه بمؤهل أخلاقي يضمن له موقفاً نقدياً أميناً وحراً. هناك حديث عن أزمة نقدية يثيرها أحياناً كتّاب يحملون النقد مسؤولية عدم التطرق لهم دون أن يدركوا أنّ عدد الروايات أصبح كبيراً للغاية لدرجة أصبح من الصعب على الناقد الواحد متابعتها كلها.
يُلحظ طغيان جنس الرواية على الأجناس الأدبية الأخرى، برأيكِ، ما السبب وراء ذلك؟
كثيراً ما يقال إنّ الرواية تنمو وتزدهر حين تعم المأساة ويزيد البؤس، وتقوى لحظات التناقض التي يعيشها الإنسان، وهذا ما نعيشه الآن، لذلك أقول بإطلاق: نحن نعيش عصر الرواية؛ وظني أنّ كثيراً من التعقيدات والمشاكل التي نعيشها كانت الرواية هي الأداة الأقدر على مواجهتها. ولا أدل على ذلك مما نلاحظه من أن الرواية العربية توجهت إلى الإنسان وخاطبت حالات تمثل قطاعاً كبيراً من البشر بغرض استثارتهم ودعوتهم لإحداث تغيير ما.

اقرأ أيضاً: تجليات النقد والتنوير عند طه حسين
طبعاً لا يمكن الادعاء بأنّ الرواية قادرة على قلب الدنيا، ولكنها كانت الشاهد المباشر على تجارب عديدة، بل وكانت حريصة على ارتياد رحلات كشف مستمرة لا تنتهي، ورفعت الصوت عالياً لتظل سبيلاً فاعلاً من سبل المعرفة التي تجعلنا أكثر إدراكاً لقضايانا الراهنة. وأظنها أصبحت مرآتنا التي نرى فيها أنفسنا لأنها حكت بصدق وجرأة عن أكبر قضايانا.
يبقى أنّ الظاهرة الأدبية مرهونة تقدماً أو تأخراً بحركة الزمان، ولا ننسى أن اللغة الشعرية مسموح لها الدخول في الرواية في إطار ما بات معروفاً بتداخل الأجناس الأدبية، مشكلة الشعر الحقيقية أنّه بات فاقداً قيمته التبادلية والتواصلية مع الجمهور، وأنّ قيمة ذاتية تفرض نفسها عليه وقفت بالمرصاد لثقافة جماعية ننحاز إليها في مجتمعات اليوم.

اقرأ أيضاً: الصورة الثالثة لنجيب محفوظ التي غفل عنها ناقدوه
ولا يفوتني هنا ما بات متعارفاً عليه من جماليات حداثية غزت الشعر فأودت بالمعنى وأخفته وجعلت الرواية ديواناً للعرب بدلاً من الشعر، ليصبح بإمكاننا الحديث عن مزاج عام منحاز للرواية كان له أثره على دور نشر تدرك جيداً أنّ الزمن هو زمن الرواية بامتياز.

ترويج الإبداع

اللغة الشعرية مسموح لها الدخول في الرواية

الجوائز وحفلات التوقيع باتت تهيمن على أجواء الإنتاج الأدبي عموماً، كيف ترين تأثير ذلك على النتاج الأدبي؟
تعجبني فكرة الجائزة في حد ذاتها لأنها ترد الاعتبار للأدب وتساهم في تعريف القراء بشباب أو كتاب ما زالوا مغمورين وفي البدايات، لتكون الجائزة سبيلاً من سبل توجيه القراء نحو منجز بعينه. سؤال إن كان الأمر يضرّ بسوية النتاج الأدبي يبقى محكوماً بطبيعة لجان التحكيم المرتبطة أحياناً بمن أحب الأدب وأخلص له، وكان محصّناً بموقف نقدي حر ينأى بنفسه عن محددات تؤطر أحكامه، والمرتبطة في أحيان أخرى بطارئين على الأدب.. وبطبيعة الحال يبقى رجائي قائماً بأن لا تفقد أية جائزة مصداقيتها؛ لأنّها كما قلت الدليل إلى بعض القراء.

عدد الروايات أصبح كبيراً للغاية لدرجة أصبح من الصعب على الناقد الواحد متابعتها كلها

أؤكد في هذا السياق على أهمية الابتعاد عن التعميم؛ إذ لا تخلو الساحة الروائية من روائيين استحقوا الجوائز وآخرين جرتهم حمى الجوائز العالمية إلى محاولة إبهار الآخر الغربي حتى ولو على حساب القيمة والمبدأ جرياً وراء الخروج من دائرة المحلية عن طريق جائزة عالمية كبرى، ومنهم من كان يسارع إلى تجهيز روايته حتى تكون جاهزة لموسم الجائزة المقبل، فيأتي منجزه على غير المنتظر منه.
فيما يتعلق بحفلات التوقيع الجماهيرية المهيمنة على أجواء الإنتاج الأدبي، فإنّي صرت أرى مبالغة في هذا الجانب أفضت إلى تحويل الرواية إلى سلعة يتم الترويج لها عن طريق خلق نجومية مصطنعة في بعض الأحيان، لدرجة صرنا نرى فيها النصوص الروائية الفجة قد اكتسبت شعبية واهية بتأثير مما يطلق عليه ثقافة التسليع والتي لعبت دوراً في انحدار الأذواق، وهو ما يكون له تبعاته السلبية من حيث استدراج القراء تجاه عمل ضعيف دون غيره يفوقه بكثير.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
لكن الحياة علمتنا أن البقاء للأفضل وأن كتّاباً مثل ديستويفسكي وفلوبير وتولستوي ونجيب محفوظ بقوا معنا لا بفضل حفلات توقيع تمنح حضوراً هشاً لا قيمة حقيقية لها، وإنما بفضل قيمة ما نشروا الفنية والإنسانية المتجددة عبر الزمان.
طبعا أنا لست ضد الترويج للكتاب، ولكن فليكن في إطار فرز حقيقي لما يستحق ولا يستحق، ولنذكر دائماً أنّ النقد على رأي ميخائيل نعيمة غربلة وليس احتفالية.
 
سبق أن كتبتِ عن سويّة المنشورات التي تتابعين عبر منصة "فيسبوك"؛ لم تكوني راضية عن الأخطاء اللغوية فيها، هلاّ قيّمتِ لنا هذه الحالة؟
نعم، صحيح أن للفيسبوك ميزة إيصال الكلمة بكل أنواعها، لكن يبقى السؤال ملحّاً حول نوعية هذه الكلمة، خصوصاً أنّ الفيسبوك يدفع في تعزيز حالة أسميها وهم الإبداع تتعاظم مع مدونين تنهمر عليهم علامات إعجاب بريئة تأتي من أصدقاء لا دربة لهم أو معرفة في أصول الكتابة، وفي أحيان أخرى تحركها مجاملات غير مسؤولة من شأنها المساهمة في انحدار الذائقة الفنية.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
هذا لا يلغي جرعات أدبية خفيفة تتماشى وإيقاع التواصل السريع مع الفيسبوك، لكن الجيد منها قليل؛ وكما ورد في السؤال فإنّ كثيراً ممن يكتبون على الفيسبوك لا أستثني منهم أساتذة يعملون في الجامعات يتعدون على الكثير من الأعراف اللغوية، وتتكرر فيما ينشرون أخطاء لغوية تؤذي كل غيور على اللغة العربية.

الأدب والسياسة

الظاهرة الأدبية مرهونة تقدماً أو تأخراً بحركة الزمان
يتكئ كثير من الكُتّاب على الأحداث السياسية في أفكار رواياتهم، هل يمكن القول إنّ التاريخ والأحداث السياسية عموماً أصبحت منجى لمن يعانون الإفلاس الإبداعي؟

على العكس من ذلك تماماً، فإني أرى أنّ الأدب مؤهل لتناول الهموم السياسية الخطيرة؛ إذ ما عاد بالإمكان التركيز على ما هو جمالي بعيداً عن الواقع السياسي الذي نعيشه، بل إنّ كثيراً من الأشكال الفنية الشائعة الناجحة ترسخت علاقتنا بها من خلال انتمائها إلى حياتنا السياسية، فالرواية من طبعها أنها تساهم في خلق علاقة متبادلة بينها وبين احتياجات المجتمع الذي تتخلق فيه.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
لكن يبقى مطلوباً تجنب مغبة الوقوع في تصريحات مباشرة تضعف النص وتضر في بنيته الفنية حين تخترقه على نحو فج تترهل معه الرواية وتفقد حيويتها وألقها، الأحداث السياسية ليست منجى لمن يعانون الإفلاس الإبداعي، وأغلب الظن عندي أنّها تلهم الروائي الذي لا يستطيع أن يتغاضى عن مجمل التغيرات الخطيرة التي أصابت المشهد الإقليمي مؤخراً، بل إنّ الرواية صارت تربط بين الواقعة السياسية وجملة العوامل الاجتماعية التي تفضي إليها.

إلى أي مدى قد يضرّ إفصاح المبدع عموماً عن موقفه السياسي؟
المبدع بالضرورة له قناعاته التي يمررها بحيل فنية مختلفة، أما قصة الحياد فأكذوبة كبرى؛ هنا أعتقد أن الروائي المحنك سيفتح الباب على مصراعيه لحوارات فكرية متنوعة يتظاهر فيها بالموضوعية والحياد، لكن القارئ الحصيف لن يفوته أن يعرف اصطفافاته، ولا أظنه سيكون راضياً عن رواية تتعارض وقناعاته ورؤاه الخاصة.

من يسارع لتجهيز روايته لموسم الجائزة المقبل يأتي منجزه على غير المنتظر منه

وحتى أكون أكثر صراحة فإنّي أنا شخصياً أنحاز في العموم لكل ما يخص الإنسان؛ مشاعره وهواجسه وأشواقه، وتشدني الرواية التي تخاطب الإنسان في ضعفه وعجزه الجسدي والنفسي، وأنا من أولئك الذين يشجعون على روافد تدفع باتجاه التفكير بالرواية أداة للثقافة الأخلاقية تتجاوز مجرد رؤيتها مظهراً من مظاهر الخيال؛ إذ بإمكان الروائي التحرك في إطار حاجة إنسانية ملحة للتعايش مع الآخر ومقاومة كل أشكال الاستبداد والسيطرة والظلم في خضم إعلاء متناهٍ لكل ما هو أخلاقي وإنساني من شأنه حفظ حقوق الجماعات الإثنية والدينية المختلفة، لأني أفترض في الرواية صوتاً مناهضاً للبؤس ينتصر لمبادئ الحق والعدل بعيداً عن صور نمطية تضع البشر في قوالب تفرق أكثر مما تجمع وتساهم في إطلاق وعي القارئ وفي تشكيل ضميره البشري.
هل تعتقدين أنّ العالم الأكاديمي وأُطره تسحب المثقف نحو خانة البرج العاجي وتفرض قيوداً عليه؟
ما من شك أن قسطاً وافراً من الأكاديميين مغيبون عن واقع الحال مكتفون بمحاضرات لا تساهم كثيراً في إحداث تغيير حقيقي في عالمنا؛ قناعتي الخاصة أنّ المثقف مطلوب منه أن يحفر في الحياة التي يعيشها، بل وأفترض في خيارات الأكاديميين ما يقوله هشام شرابي من ضرورة العمل لتغيير الحاضر والاستمرار في النقد.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
ومن منطلق موقعي أستاذة جامعية تعمل منذ سنوات في الحقل الأكاديمي، فإني منشغلة بدور إيجابي يمكن للأستاذ الجامعي أن يقوم به، من مثل امتلاك ما يكفي من وعي للقضاء على الحواجز الصارمة بين التخصصات الأكاديمية، وكذلك أسعى قدر المستطاع إلى ربط طلبتي بالعالم من حولهم وبتعزيز مفهوم الانتماء بكل ما يحمله من دلالات سياسية واجتماعية خطيرة، ليكون العالم الأكاديمي وسيلة من وسائل تسخير الذات لصالح الأمة والجماعة، والانخراط في قضايا مصيرية هامة تتجاوز ركودا ثقافيا يحول دون تطوير وعي جديد.

تجربة تجسيد الدراما

 أعتقد أن تحويل الرواية إلى عمل فني من شأنه الارتقاء بما يعرض على الشاشة
كيف تقيّمين التجربة العربية بتحويل الروايات إلى أعمال فنية درامية؟

نحن هنا نتحدث عن عالمين يتقاطعان على نحو جدلي كبير؛ صحيح أنّ نقصاً في كتابة النصوص الدرامية المتخصصة يشكّل عاملاً مهماً يحرك باتجاه تحويل الروايات إلى أعمال فنية، إلا أنّ الروايات وإن تفاوتت بينها فإنّها تحمل صوراً بصرية عالية، كما روايات نجيب محفوظ في مرحلته الواقعية التي نجحت في وصف المجتمع المصري وتم تحويل الكثير منها للأعمال السينمائية بنجاح.

ثمة مدونون تنهمر عليهم علامات إعجاب بريئة من أصدقاء لا دربة لهم أو معرفة في أصول الكتابة

لا ننسى تقاطعاً في التقنيات بين الرواية والأعمال الفنية كما في الفلاش باك وتقاطع اللقطات، وكذلك وتيرة الإسراع والإبطاء وغيرها من تقنيات قادرة على إحياء الرواية بصريا وتشكيليا ونفسيا ولربما تقريب معنى الرواية للمتلقي.
عموماً أعتقد أن تحويل الرواية إلى عمل فني من شأنه الارتقاء بما يعرض على الشاشة (تلفزيون، سينما) ولربما يساهم في توفير أفلام ومسلسلات تجمع بين القيمة الدرامية والثقافية الراقية، وهو ما يبدو لي منسجماً مع حضارة الصورة التي نعيشها ومع هيمنة المرئي؛ عدا أنّ من شأن هذا الأمر تيسير سبل رواج نصوص روائية يتكاسل الجيل الجديد عن قراءتها، أو لربما دفعت البعض للبحث عنها في صورتها الورقية.
صحيح أنّ العمل الفني سيواجه مشكلة نقل الأفكار الفلسفية الذهنية كما يجب، وهو ما يدفع بعض المتلقين إلى الانحياز لرواية تتجاوز ما يمكن أن يقدمه لهم فيلم سينمائي يخيب ظنهم في هذا المجال.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
عموماً الموضوع يحتاج حرفية خاصة تجذب الجمهور لمتابعتها، وأعتقد أنّ السينما العربية عبر تاريخها تمكنت في حالات عديدة من الجمع بين القيمتين؛ المعرفية والجمالية (اللص والكلاب، ثلاثية محفوظ، قنديل أم هاشم وغيرها). وكذلك رأيت في بعض المسلسلات التلفزيونية ما حقق تفاعلاً نشطاً واستقبالاً إيجابياً (نهاية رجل شجاع لحنا مينة، واحة الغروب لبهاء طاهر، عندما تشيخ الذئاب لجمال ناجي وغيرها)، طبعاً هذا لا يلغي فشل بعضها الآخر كما "ذاكرة الجسد".
عموماً تبقى ميزة الرواية أنّها تفسح المجال واسعاً للروائي كي يطلق خياله على الورق، في حين تأتي حسابات التكاليف في الصناعة السينمائية قيداً يضحي بجوانب من شأنها الارتقاء بالعمل الفني. علماً أنّ بعض الروائيين يشترطون على الجهة المنفذة عدم التصرف بنصه إلا بعلمه، وآخرين يفاجأون بنصوصهم وقد مسخت وأصبحت أقل بكثير مما هي عليه في النسخة الورقية.
في كل الأحوال فإنّ نجاح العمل الفني يبقى مشروطاً بنص متميز يقع بين يدي مخرج متميز مع إمكانيات إنتاجية مريحة.

للمشاركة:



انطلاق القمة العالمية للتسامح في الإمارات

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

انطلقت اليوم فعاليات الدورة الثانية من القمة العالمية للتسامح، تحت شعار "التسامح في ظلّ الثقافات المتعددة: تحقيق المنافع الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية وصولاً إلى عالم متسامح"، التي ينظمها المعهد الدولي للتسامح التابع لمؤسسة مبادرات محمد بن راشد آل مكتوم العالمية، في قاعات مدينة جميرا بدبي.

القمة تنظق بمشاركة 3000 من القادة العالميين والخبراء ومسؤولين حكوميين من أكثر من 100 دولة

ويشارك في القمة، التي تعقد تحت رعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، نحو 3000 مشارك من القادة العالميين والخبراء الدوليين ومسؤولين حكوميين ومتخصصين من أكثر من 100 دولة، لبحث سبل نشر قيم التسامح عالمياً، ودعم الحوار البناء بين مختلف الحضارات والثقافات والأديان، والتأكيد على احترام المبادئ الأساسية للعدالة وحقوق الإنسان، وكيفية تدريب الشباب تمكينهم من ممارسة وتبنــي نهـج التسامـح، وفق ما نشرت صحيفة "البيان".

كذلك يتمّ تقديم نماذج من تجارب الدول في التسامح، ودور وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي في بثّ الرسائل الاجتماعية، بما يكفل احترام التعددية الثقافية والدينية، والالتزام المشترك بقيم الحوار واحترام الآخر وإذكاء الوعي بالحاجة الملحة إليهما، ودور المناهج في تعزيز قيم التسامح والسلام، إلى جانب التطرق لأهمية المشاركة في المبادرات المجتمعية والعالمية لتعزيز قيم التسامح.

وتتضمن القمة جلسات حوارية ملهمة، وورشات عمل يقدمها أكثر من 70 متحدثاً، إلى جانب فعاليات أخرى عدة بمشاركة بارزة لطلبة الجامعات؛ حيث تجمع أكثر من 1000 طالب، وذلك ضمن رؤية اللجنة العليا المنظمة الرامية إلى ضمان مشاركة كلّ فئات المجتمع الإنساني بكافة أطيافه وتوجهاته.

 

 

للمشاركة:

بلجيكا.. جريمة كراهية جديدة والأمن يحقّق

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

"إنها المرة الأولى التي يتم فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال لطالبي اللجوء في بلجيكا: وأعلنت السلطات أنها ستفتح تحقيقاً في ذلك. وأثار تحويل المركز احتجاجات كبيرة، خاصة من اليمين المتطرف في البلاد.

فتحت السلطات البلجيكية تحقيقاً، أمس، بعد إحراق مركز من المفترض أن يستقبل طالبي لجوء في بلدة بيلزين الصغيرة.

بلجيكا تفتح تحقيقاً في حرق مركز لاستقبال طالبي اللجوء وفي خطاب الكراهية عبر الإنترنت

واندلع الحريق، الذي لم يتسبَّب في إصابات، في وقت متأخر من يوم الأحد، في مأوى سابق للمتقاعدين، أدّت خطط تحويله إلى مركز لاستقبال طالبي اللجوء لاحتجاجات غاضبة، خاصة من قبل مؤيدي حزب "فلامس بيلانغ" اليميني المتطرف، أحد أكبر الأحزاب في إقليم فلاندرز الناطق باللغة الهولندية، وفق ما أوردت "فرانس برس".

وصرّح المتحدث باسم "فيداسيل"، الوكالة الفدرالية المسؤولة عن استقبال طالبي اللجوء بينوا مانسي: "إنها المرة الأولى التي يتمّ فيها إشعال حريق متعمَّد في مركز استقبال في بلجيكا".

وصفت وزيرة الهجرة البلجيكية، ماغي دي بلوك، في تصريح صحفي، الحريق بـ "المتعمَّد"، وقالت: "إنّه عمل إجرامي مصدره الكراهية وعدم التسامح"، وإضافة إلى التحقيق الجنائي، يجري التحقيق كذلك في احتمال انتهاك قوانين الحدّ من خطاب الكراهية على الإنترنت.

وبحسب صحيفة "دي مورغن"؛ ظهرت على مواقع التواصل الاجتماعي تعليقات تؤكّد أنّ العمل مصدر الكراهية، من بينها: "حسناً فعلتم، واصلوا ما تفعلونه"، و"أخيراً شخص ما تولى الأمر بيديه".

وكان من المقرر أن يستقبل المركز، الذي تديره اللجنة الدولية للصليب الأحمر، 140 طالب لجوء، ابتداءً من 15 كانون الأول (ديسمبر) المقبل، ورغم الاجتماعات مع السكان المحليين لاطّلاعهم على المعلومات، فقد واجه تحويل المركز اعتراضاً، وأدّى إلى خروج العديد من الاحتجاجات.

وأظهرت صورة على تويتر نحو 15 متظاهراً يحملون لافتة لحزب "فلامز بيلانغ" كتب عليها: "لا لمركز لجوء في بيلزين".

 

للمشاركة:

استقالات جديدة من الحزب الحاكم في تركيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

شهد حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا، أمس، موجة استقالات جديدة، شملت 3 رؤساء لفروعه بعدد من الولايات المختلفة.

وتقدّم بالاستقالة من الحزب؛ كلّ من رئيس فرع الحزب بولاية كوتاهية (غرب) علي تشتين باش، ورئيس فرع الحزب بولاية مانيسا (غرب) برْك مرسينلي، ورئيس فرع الحزب بولاية قيرشهر، مظفر آصلان، بحسب ما ذكره الموقع الإلكتروني لصحيفة "يني جاغ" التركية المعارضة.

حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا يشهد موجة استقالات جديدة شملت 3 رؤساء لفروعه

وأوضحت الصحيفة؛ أنّ أعضاء الحزب الثلاثة أعلنوا استقالاتهم في بيانات منفصلة، ولم يشيروا خلالها إلى دوافعهم في ذلك، غير أنّ الحزب شهد خلال الآونة الأخيرة انشقاق عدد من أعضائه الرافضين للسياسات التي ينتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحكومته.

ويفقد "العدالة والتنمية" الحاكم في تركيا عدداً من مؤسسيه وقاعدته الشعبية، منذ فشله في انتخابات البلدية، لا سيما فقدانه أحد رموز سيطرته وهي بلدية إسطنبول.

ويشهد الحزب التركي الحاكم منذ فترة سلسلة استقالات؛ كانت أبرزها استقالة رئيس الوزراء الأسبق، أحمد داود أوغلو، ونائب رئيس الوزراء الأسبق، علي باباجان، اللذان أعلنا نيتهما تأسيس أحزاب سياسية جديدة بحلول نهاية العام الجاري.

وانخفض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد، بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً، بحسب ما أعلنته المحكمة العليا، في 1 تموز (يوليو) الماضي، إذ سجّل عددهم 9 ملايين و931 ألفاً و103 أعضاء، بعد أن كانوا 10 ملايين و719 ألفاً و234 عضواً.

وخلال الشهرين الآخرَين، الممتدَّين من 1 تموز (يوليو) حتى 9 أيلول (سبتمبر) الماضي، انخفض أعضاء الحزب كذلك بمقدار 56 ألف شخص، ما شكّل حالة كبيرة من الذعر في أروقة العدالة والتنمية، دفعته للبحث عن حلول وصيغ لوقف هذا الانهيار.

انخفاض عدد أعضاء الحزب خلال عام واحد بمقدار 788 ألفاً و131 عضواً بسبب سياسة أردوغان

وذكرت العديد من وسائل الإعلام أيضاً؛ أنّ هناك تسريبات من داخل الحزب تتحدث عن أنّ أردوغان سيلجأ لاستخدام ورقة التعديلات الوزارية لوقف تراجع شعبية حزبه التي تأثرت كثيراً بنتائج الانتخابات المحلية الأخيرة، التي جرت 31 آذار (مارس) الماضي، وصبّت في مصلحة الأحزاب المعارضة.

وأوضحت مصادر داخل الحزب؛ أنّ وزير العدل، عبد الحميد جول، ووزير الصناعة والتكنولوجيا، مصطفى فارناك، سيكونان أول المطاح بهما في التعديل الوزاري، بسبب غضب المجموعة منهما.

وأشارت المصادر إلى أنّ الحزب من الداخل بدأت فيه أصوات تتهم الوزير جول بالتعاطف مع حركة رجل الدين فتح لله غولن، التي تعدّها الحكومة إرهابية، خاصة مع صدور العديد من القرارات القضائية لصالح أفراد ينتمون إلى الحركة.

هذه الانشقاقات والاضطرابات دفعت كثيرين، مراقبين ومعارضين، إلى التكهن باحتمال إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية مبكرة.

 

 

للمشاركة:



لهذه الأسباب يعتبر 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-11-13

ترجمة: مدني قصري


يعدّ عام 1979 عاماً محورياً في تاريخ الشرق الأوسط؛ حيث مهّدت الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان لحرب استمرت أربعين عاماً، هذا ما يشرحه المحلل حميد بوزارسلان.

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع بالشرق الأوسط يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً

وحول هذا الموضوع؛ كان هذا الحوار، الذي أجرته "lesclesdumoyenorient"، مع المحلل بمعهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية، حميد بوزارسلان.
وحميد بوزارسلان؛ حاصل على درجة الدكتوراه في التاريخ والعلوم السياسية، ومدير الدراسات في معهد الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية "EHESS"، وفي هذا التحليل الثري للغاية، يرسم هذا المحلل صورة بانورامية واسعة للمنطقة، الواقعة في قبضة المشاكل الطائفية، من خلال طرح مسألة المسؤولية السياسية؛ إنّه يشير أولاً، وقبل كلّ شيء، إلى عام 1979، وهو العام المحوري في المنطقة، فضلاً عن إشكالية السلطة في الشرق الأوسط، ويركز بعد ذلك على العديد من القضايا، فيما يتعلق بالأحداث الحالية: مسألة الأكراد في ضوء قرار دونالد ترامب سحب القوات الأمريكية من روجافا، وموقع تركيا وروسيا في هذا السياق، وأحداث المملكة العربية السعودية وإيران، والوضع الحالي في لبنان، كما يعود إلى قضية المرأة والبيئة.

حميد بوزارسلان

هنا نص الحوار:

أنت تقدّم عام 1979 كعامٍ محوريّ في تاريخ الشرق الأوسط مع الثورة الإيرانية واحتلال أفغانستان اللذين كانا بداية لحرب استمرت أربعين عاماً؛ أين نحن الآن من هذه الحلقة الزمانية؟
حتى عام 1979، كانت أنظمة الاحتجاج في الشرق الأوسط يُحدّدها اليسار، إلى حدّ كبير، وكان هذا الفضاء جزءاً من حركة ثلاثية قارية، مع آسيا وأمريكا الوسطى؛ فهو كيانٌ وهميٌّ حقيقي، لكنّه كان يحدّد البناء السياسي لهذه الفترة، ثم، بين 1979-1980، حدثت قطيعة.

بوزارسلان: التدخّل الخارجي ليس العنصر الرئيس للمأساة بالشرق الأوسط فالجهات الفاعلة المحلية تساهم في زعزعة الاستقرار الإقليمي

مع الثورة الإيرانية والحرب في أفغانستان، دخلنا في فترة أصبح فيها النزاع في الشرق الأوسط، يُحسَب أساساً حساباً إسلاموياً، مما أدّى إلى انكماش البعد العالمي، وهكذا، لم تعد حركات الاحتجاج تقاتل ضدّ الإمبريالية، لكنّها تنطلق من الصراع بين "الإسلاموية" و"الغرب"، رمزياً؛ أصبحت القطيعة تمثل نهاية التحدي اليساري في الشرق الأوسط.
علاوة على ذلك، بعد عام 1979؛ دخلنا في حلقة احتجاج ذات عنف شديد: كانت الثورة الإيرانية، ثم الحرب الإيرانية العراقية، حرباً وحشية جداً، تماماً مثل الحرب في أفغانستان، وظهرت في ذلك الوقت المنظومة الاحتجاجية الشيعية التي أدّت إلى تشكيل حزب الله اللبناني والمنظومة السنّية التي تولدت عنها حركة القاعدة، لا يمكن للمرء أن يفهم الوضع الحالي للنزاعات الإسلامية في الشرق الأوسط، دون مراعاة هذه السنة (1979) المحورية، ويجب أن نذكر أيضاً الحرب الأهلية اللبنانية، التي بدأت عام 1975؛ إنّها مكان لجوء وتأسيس سياسي، كما هو الحال بالنسبة إلى حزب العمال الكردستاني الكردي، ولا ينبغي أن ننسى أنّ حرب حزب العمال الكردستاني الأولى وقعت عام 1982 ضدّ إسرائيل، وهكذا فإنّ عام 1979 يمثل تغييراً جذرياً في خطوط القوة السياسية، ويشكل عاماً للقطيعة عندما نعود إلى تاريخ نشوء الحركات الإسلامية.

تقول إنّ قادة الشرق الأوسط "يُرجِعون مصدر نكباتهم ومصائبهم إلى مؤامرات "الإمبرياليين الصهاينة" التي لا تنتهي، وأنت ترفض، إلى حدٍّ ما، الحجج ما بعد الاستعمارية، في تحليلك، لكن ألا تعتقد أنّ العمل الإمبريالي ما يزال من خلال أعوانه المحليين في المنطقة يُجرِّد سكانَ الشرق الأوسط من مصائرهم؟
أنا لا أنكر أهمية القضية الفلسطينية، خاصة من حيث رمزيتها المركزية، ولا التدخّل الأمريكي في العراق، ولا تدخّل أوباما، الذي كان باهظ الثمن في بداية الحرب الأهلية السورية، بالمثل؛ فإنّ التدخل الروسي في سوريا، منذ عام 2015، كان لعبة دموية، ساخرة ومحسوبة حساباً بارداً؛ إذ يلعب بوتين دور الحَكم في سوريا، لكنّني لا أعرف كيف سيتمكن من السيطرة على الموقف.
ومع ذلك، لا أعتقد أنّ التدخل الخارجي هو العنصر الرئيس للمأساة في الشرق الأوسط، الجهات الفاعلة المحلية، تساهم مساهمة كبيرة في زعزعة الاستقرار الإقليمي مع بعض الدعم للميليشيات الطائفية أو الأنظمة الدكتاتورية.
هل يمكنك التوسّع في مفهوم مسؤولية قادة الشرق الأوسط؟
إذا أدّت التدخلات الخارجية إلى تفاقم المواقف، فقد عززت سلطات الشرق الأوسط نفسها الطائفية وتدمير مجتمعاتها، ولا ينبغي أن ننسى أنّ سجل صدام حسين، خارج الحرب، هو ثلاثمئة ألف حالة وفاة، وأنّ الطائفية الدينية تعود إلى ما قبل التدخل، عام 2003، وكذلك الحال بالنسبة إلى الطائفية وتفتيت الأراضي في سوريا قبل عام 2011، المجتمعات نفسها مفككة ومهزومة، كما يتضح من آلاف الهجمات الانتحارية التي زعزعت العراق بين عامي 2003 و2010.

اقرأ أيضاً: "حفريات" توثّق عمليات مصادرة ممتلكات الأكراد في سوريا وسرقة أعضائهم في أنقرة
إلقاء المسؤولية على الغرب يعني فشل القادة السياسيين والمفكرين ومواطني الشرق الأوسط في التفكير في مسؤوليتهم الخاصة وقراءة تاريخهم قراءة نقدية، مسألة المسؤولية أمر أساسي في الفلسفة، وتصدير المسؤولية إلى الغرب حلّ سهل، من الضروري من الآن فصاعداً أن يَطرح الشرق الأوسط ككل مسألةَ المسؤولية، يمكن أن يفكر في الأمثلة المضادة لتايوان أو كوريا، اللتين، رغم ماضيهما الاستعماري، تبليان بلاءً حسناً اليوم.
ما رأيك بالسجل العسكري والسياسي لاستثمار الجنود الأكراد لمقاومة داعش، وسحب دونالد ترامب لجنوده؟ لقد كتبت أنّ تركيا، مثل روسيا، هي جزء من الأنظمة الوطنية الفاسدة، وتهتم بمشاريع الهيمنة في الشرق الأوسط وغزو كردستان يؤكد هذه الأطروحة؟
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني، عام 2014، بالتالي فهي حركة عفوية غير مهيأة، وهي مقاومة بالتعبئة؛ لذلك جاء التفكير الإستراتيجي والعسكري بعد الأحداث؛ لأنّ الأمر كان يتعلق بالسيطرة على منطقة كبيرة تحتاج إلى مؤسسات، لقد تطلبت الحرب ضدّ داعش بالفعل تعبئة قوية وكلّفت من عشرة إلى 11 ألف قتيل بين الأكراد.

تكمن قوة داعش الكبيرة في الضعف الحالي للديمقراطيات كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي

انسحاب دونالد ترامب الحالي هو، بالنسبة إليّ، ميونيخ العصر الحديث، وتراجع واستسلام الديمقراطيات؛ لأنّها تفتقر إلى الشجاعة والتصميم، تكمن قوة داعش الكبيرة، بالنسبة إلي، في الضعف الحالي للديمقراطيات، كما كان حال الديمقراطيات الضعيفة في الثلاثينيات من القرن الماضي، من خلال التحايل على البنتاغون وإهانة الكونغرس، يدمر ترامب الديمقراطية الأمريكية، رغم أنّ الكونغرس كان قادراً على التوصية بعقوبات ضدّ تركيا، في 29 تشرين الأول (أكتوبر)، إلا أنّ أردوغان وبوتين قد أدركا أنّ أمريكا ترامب لم تعد تتمتع بالمصداقية أو المكانة والامتياز، لقد فهمت روسيا هذا منذ عام 2013، وفي أثناء غزو أوكرانيا، قال بوتين: "لم يعد للغربيين شرف"، إنّ انسحاب الجنود الأمريكيين من سوريا هو أيضاً عمل خيانة ضدّ الأكراد الذين اضطروا إلى الاستسلام لروسيا، بالتالي للنظام السوري.
كان هدف تركيا، أولاً وقبل كلّ شيء، تدمير المقاومة الكردية ككل، مثلما دمّر نظام سريلانكا معارضة التاميل قبل عشرة أعوام، والهدف الثاني لتركيا هو تحويل هذه المنطقة إلى جهادستان؛ لأنّ حلفاء تركيا جهاديون، وأخيراً تغيير الديموغرافيا من أجل توطين اللاجئين العرب في المنطقة الكردية، يتم تحقيق هذه الأهداف الثلاثة جزئياً، لكن يجب على الأكراد قبول الحكم الروسي لتجنب وقوع كارثة.
اندلع الصراع الكردي ضدّ داعش بمجرد تهديد مدينة كوباني عام 2014

هل هناك اليوم هوية، شعور بالانتماء إلى لبنان رغم الطائفية الراسخة في المجال الاجتماعي؟
يريد كثيرون من اللبنانيين الخروج من صراعات الشرق الأوسط والطائفية، ومن هذا التمثيل السياسي الذي يعوق اللعبة السياسية، اللبنانيون يريدون الخروج من هذه الهيمنة الخانقة، الإقليمية بالتأكيد، لكنّها هيمنة داخلية أيضاً، من قبل طبقة سياسية صغيرة فاسدة جداً، هذه الطبقة نصف سياسية ونصف عسكرية، وما تزال متمسكة بالسلطة وبقوة على حساب البلاد.
لقد بنى حزب الله شرعيته من خلال الردّ على الفراغ الذي خلفته الدولة اللبنانية، خاصة في مجال الخدمات الاجتماعية؛ هل يمكنه الحفاظ على هذه الشرعية الشعبية مع البقاء في السلطة في مثل هذا السياق؟
لحزب الله هوية مزدوجة، في المقام الأول، بفعل هويته كحزب اجتماعي، لكنّه حزب اجتماعي شيعي، ثم هويته كميليشيا تقدم نفسها على أنّها قومية، لكنّها ميليشيا ما تزال طائفية.
إذاً؛ إذا أصبح حزب الله حزباً لبنانياً، لكلّ اللبنانيين، هل يعني أنّه يجب أن يتوقف عن أن يكون حزباً شيعياً وطائفياً؟ في هذه الحالة، لا يمكن أن يُسمَّى حزب الله، وميليشياته يجب أن تندمج في الجيش اللبناني، تجدر الإشارة إلى أنّه، رغم أنّ الشيعة كانوا بالتأكيد مهمشين، وبلا اعتبار في التاريخ اللبناني، فقد خرجوا منتصرين من الحرب الأهلية، لأنّهم الطائفة التي أضحت الأكثر قوة خلال هذه الفترة من خلال حزب الله.
لاحظنا مظاهرات مضادة عنيفة من جانب حركة أمل الشيعية، رغم تعليمات حزب الله بعدم التدخل؛ هل يمكن للحزب السيطرة على قاعدته السياسية والاجتماعية؟
الأمر مرهون بآليات إعادة التوزيع والقيود التي سيستخدمها حزب الله، يجب ألا ننسى أنّ حزب الله جيشٌ وحزب، ونظام إعادة توزيع، ونظام اندماج المجتمع الشيعي ونظام خضوع جزء من المجتمع المسيحي، خاصة مخيم عون، حزب الله لديه، إذاً، كثير من الأوراق الفاعلة في يده.
مسألة مكانة المرأة في مجتمعات الشرق الأوسط: هل تطورها هو العنصر الأساسي لتغيير المجتمع المدني الذي يمكن أن يتوافق مع فكرة المسؤولية التي كنا نتحدث عنها قبل قليل؟
هذا أمرٌ تصعب جداً معرفته، على أيّ حال، فالرغبة في المشاركة النسوية قوية للغاية، وهذا واضح للغاية، منذ عام 2011، لقد رأينا هذا في النزاعات في مصر وتونس واليمن ولبنان والجزائر والسودان؛ حيث الوجود النسائي قوي جداً، باستثناء العراق، لكنّها مجتمعات تظل فيها سيطرة الذكور حاضرة للغاية.

اقرأ أيضاً: تركيا... تاريخ حافل بالقمع ضد الأرمن والأكراد
دمجُ المرأة في السياسة في الشرق الأوسط شرطٌ ضروري لكلّ شيء، بادئ ذي بدء، القدرة على الفكر الديني وتدبره، والتفكير في السيطرة على مساحة الرؤية، قبل كلّ شيء، إنّه إعادة النظر في اعتبار المرأة: من وجهة النظر هذه، يعد دمج المرأة في السياسة أمراً مهماً للغاية في بناء السلطة، وبناء الفضاء والمسؤولية، فمن دون تحرر المرأة، من الصعب للغاية التفكير في التحول الاجتماعي أو التحول الديمقراطي.
أخيراً؛ يطرح السؤال الإيكولوجي بشكل متزايد على الشرق الأوسط ويحدث إدراك بطيء (في إيران، على سبيل المثال)؛ ما هو الدور الذي تعتقد أنّه سيلعبه في العقود القادمة في الشرق الأوسط؟
عندما يتم الحديث عن البيئة في الشرق الأوسط؛ فهو حديث على السطح حقاً، بالنسبة إلى دولة قطر، على سبيل المثال؛ فإنّ البيئة بالنسبة إلى القطريين هي إنشاء ملعبٍ فائق البرودة (مكيف)، أو إنشاء خطوط مترو، من ناحية أخرى؛ يمكننا أن نرى كيف تمّ ذبح الطبيعة في تركيا، بما في ذلك في إسطنبول، والتي تتعرض لخطر زلزال كبير في الأعوام المقبلة، في السابق كان هناك 450 مكاناً للتجمع في العاصمة، للتعامل مع هذا الاحتمال، واليوم لا يوجد سوى 70 مكاناً؛ لأنّ الخرسانة احتلت بقية الأماكن الأخرى، وبالمثل؛ فإنّ سياسة التخطيط الحضري في مصر سياسة انتحارية للغاية من حيث البيئة، بالطبع، هذا لا يمنع الجميع من التحدث عن البيئة والإلحاح عليها، لكنّ الوعي الحقيقي ضعيف.


مصدر الترجمة عن الفرنسية: lesclesdumoyenorient

للمشاركة:

كتل نيابية وخبراء: حزب الله "عقدة" أمام مطالب اللبنانيين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

أحمد فتحي

قالت كتل نيابية لبنانية وخبراء بالشأن السياسي، في أحاديث خاصة لـ"العين الإخبارية"، إن مليشيا حزب الله تقف خلف "عقدة التشكيل"، وأنها تلعب "دورا معطلا" لحلحلة الأزمة الحالية، مشيرين في الوقت ذاته إلى محاولاته منذ بداية الانتفاضة على "تقويض الثورة".

ورغم مرور نحو أسبوعين على استقالة سعد الحريري من الحكومة، لا تزال الأزمة اللبنانية "محلك سر" حتى اللحظة، بسبب تعثر التوصل إلى اتفاق بين الفرقاء السياسيين على شكل وطبيعة الحكومة المزمع تشكيلها، في وقت تأخذ فيه الاحتجاجات زخما جديدا كل يوم مع إطالة أمد حل الأزمة.

ولم تسفر المشاورات التي يجريها الرئيس اللبناني ميشال عون مع كتل نيابية وقوى سياسية مختلفة طيلة الفترة الماضية، عن اختراق حقيقي لجدار أزمة التشكيل، فيما تتجه أنظار الجميع إلى ما سيعلنه عون، مساء اليوم في حواره مع إعلاميين وصحفيين يتناول فيه التطورات الراهنة.

وبخلاف موقف الشارع الذي يتمسك بضرورة تشكيل حكومة "تكنوقراط" (خبراء) من غير الحزبيين، يصر الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله على تشكيل حكومة تمثل المكونات السياسية، وهو ما جدد التأكيد عليه بدعوته إلى تشكيل "حكومة سيادية".

وكانت مصادر لبنانية مطلعة قد أكدت لـ"العين الإخبارية"، اليوم، أن رئيس الوزراء المستقيل سعد الحريري رفض كل العروض المقدمة إليه لتشكيل الحكومة الجديدة، ولا يزال متمسكا بشرط "التكنوقراط".

حزب الله يعتمد الحرب النفسية

وقال الدكتور سليم الصايغ نائب رئيس "حزب الكتائب" في حديث لـ"العين الإخبارية" عبر الهاتف من بيروت: "حزب الله لا يدخر جهدا ناعما أو خشنا متاحا له لتقويض هذه الثورة".

وأوضح قائلا: "هو (حزب الله) وعد أن تصريف الأعمال من قبل الحكومة المستقيلة سيكون طويلا، وهو ما نحن بصدده، ويعتمد الحرب النفسية أيضا من أجل تعزيز منعته الداخلية، وزرع القلق عند الآخرين، وهي تكتيكات أصبحت مكشوفة من قبل الجميع".

وشدد نائب رئيس حزب الكتائب (كتلته النيابية تتشكل من 3 نواب) على أنه "لا حرب أهلية في لبنان، ولا عودة إلى العنف والخيار الوحيد هو الخيار السلمي شاء حزب الله أم أبى".

وأكد الصايغ أن شكل الحكومة الأنسب هو "تكنوقراط من الخبراء ومستقلة، من أجل إدارة ملفات واضحة أهمها الإشراف على انتخابات نيابية مبكرة، والالتزام بسلة الإصلاحات المالية والسياسية المعروفة".

التقاط الإشارات والاستجابة للشارع
ومن جهته، دعا رئيس الحكومة اللبنانية الأسبق فؤاد السنيورة حزب الله أن يلتقط الإشارات الواضحة والعمل بموجبها مما يجري في لبنان، وهناك إشارات مماثلة فيما يجري بالنسبة لأحزاب شقيقة له بالعراق.

وأكد السنيورة في تصريح لـ"العين الإخبارية" أن الإنكار لن يفيد، ولن يجدي وعليه الاستجابة لهذا المد الشعبي الكبير من الشباب والشابات.

وواصل السنيورة: "على حزب الله وجميع الكتل النيابية والقوى السياسية التوصل إلى حلول تتجاوب مع أفكار الشباب في الساحات، ومع ما يحتاجه لبنان من تناغم مع المتغيرات الجارية في لبنان وحولنا، ويلبي الحاجة إلى إجراء الإصلاحات اللازمة السياسية والمالية والاقتصادية".

الإفلات من فكي الكماشة
كما أكد خبراء وسياسيون لبنانيون دور حزب الله "المعطل" لحل الأزمة.

وقال فادي عاكوم المحلل السياسي اللبناني إن "وجود حزب الله في الحياة السياسية كتنظيم عسكري وسياسي معا وتابع لجهة خارجية وهي الحرس الثوري الإيراني، هو أمر يعرقل جميع النواحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية في لبنان".

وبيَّن عاكوم أن حزب الله يرى في إسقاط حكومة سعد الحريري بهذه الطريقة تهديدا مباشرا لسلاحه وإسقاطا لحكومة العهد الذي كان يسيطر على الرئاسات الثلاثة (الحكومة والبرلمان والجمهورية).

وأكد المحلل السياسي اللبناني أن حزب الله يحاول "الإفلات من فكي الكماشة" عبر تقويض أي عمل سياسي مقبل في البلاد، لإبقاء الأوضاع كما هي عليه، أو العودة لشكل الحكومة السابقة التي كان يسيطر على أغلبها، خاصة أن المنطقة تشهد انقلابا على سيطرة الحرس الثوري الإيراني، وهو ما يجري بالعراق.

وتوقع عاكوم عدم رضوخ حزب الله لمطالب الشارع، قائلا: "سيلجأ حزب الله إلى الضغط السياسي، وما لم ينجح في ذلك فربما سيقوم بمغامرة مجنونة ستكون بداية نهايته الفعلية في لبنان، حين فرض الحزب نفسه بالقوة في 7 مايو/أيار 2008"، مستدركا "لكن هذا السيناريو سيؤدي لانفجار الأوضاع في لبنان ومواجهات داخلية عديدة".

وكان الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، قد أكد في كلمته بـ"يوم الشهيد" أمس أنه يرفض الحديث عن تشكيل الحكومة، لأن التداولات مستمرة حولها حتى الآن، فاتحا الباب لتأويل حديثه على أنه إشارة منه لعرقلة هذا التشكيل. وتابع "لن أتكلم على وضع الحكومة الآن، لأن الاستشارات قائمة، وكل الأبواب مفتوحة للوصول إلى أفضل نتيجة لبلدنا".

وزاد "مطلب إلغاء الطائفية السياسية ليس مطلبا يُجمع عليه كل اللبنانيين".

حزب الله في موقف حرج جدا
من جهته، قال الدكتور محمد سعيد الرز، الكاتب والمحلل السياسي اللبناني، إن العقدة الأساسية لتحقيق مطالب الشارع في تشكيل حكومة من أخصائيين تترأسها شخصية وطنية نزيهة تتمثل في عقدة الثنائي "حزب الله - وحركة أمل".

وبيَّن "الرز" أن حزب الله لا يريد تغيير المعادلة السياسية القائمة، لارتباطها بحسابات محلية وإقليمية، مشيرا إلى أنه يريد الإبقاء على جميع الأوراق بيده، لأسباب مرتبطة بالواقع الإقليمي، حتى يثبت لطهران سيطرته على الأوراق السياسية، لذا عمل منذ البداية على توجيه الاتهامات للانتفاضة.

غير أن "الرز" أكد أن "جميع الأوراق أصبحت خارج يد حزب الله، فلم يعد هناك شارع في مواجهة شارع، بل هناك شوارع وساحات في مواجهة عقدة سياسية يحاول الحزب أن يستخدمها".

ورأى "الرز" أن حالة الحراك الشعبي وضعت حزب الله في "موقف حرج جدا" فلا هو قادر على التنكر لمطالب الانتفاضة التي تحمل شعارات الإصلاح ومحاربة الفاسدين التي طالما نادى بها، أو الرضوخ لها وتنفيذها، مردفا "فوجئ حزب الله بأن الانتفاضة الشعبية تحمل الأسلوب المدني والسلمي والإنساني والحضاري والوطني، لذا فشلت محاولات الأمين العام لحزب الله للهجوم المضاد عليها".

ورأى المحلل السياسي اللبناني أن الانتفاضة الشعبية أصبحت من القوة حتى تفرض رأيها، ولا تستطيع أي قوة تجاوزها، بعد أن استطاعت التأثير داخل معاقل حزب الله، مع امتداد مطالب الشارع لجمهور الحزب، وخلخلة الواقع الذي كان سائدا لمصلحة الولاء للبنان فقط.

وبخلاف توقعات الخبير السياسي "عاكوم"، استبعد "الرز" سيناريو نزول حزب الله للشارع بالسلاح على غرار ما جرى في 7 مايو/أيار 2008، حين اجتاح العاصمة بيروت، قائلا: "هذا السيناريو سيضع لبنان في طريق مجهول وسيؤدي لحدوث فتنة وسيسمح بالتدخلات في الشأن اللبناني من كل حدب وصوب".

كما شدد على أن مفهوم الحرب الأهلية انتهى في لبنان، ولم يعد بمقدور حزب الله وحركة أمل إعادة إنتاج الحرب الأهلية، وليس أمام الحزب إلا خطوة واحدة بأن يرضخ للإجراءات الإصلاحية ويتراجع قليلا، فالأمور لم تعد تحتمل المماطلة، حتى لو من باب المناورة لاستعادة دوره.

وعلى صعيد سيناريوهات الخروج من الأزمة اللبنانية الحالية، عاد الخبير السياسي "عاكوم" ليؤكد أن حزب الله ربما يوافق على تشكيل حكومة تكون بعيدة عن الوجوه التقليدية مع "تحييد الوزارات السيادية" عبر أشخاص يمثلون حل وسط بين جميع الأطراف وتعهدات داخلية لعدم التطرق لسلاح حزب الله خلال الفترة المقبلة، لافتا إلى أن "الحكومة ستكون أول خطوة من ألف ميل للتخلص من السيطرة الطائفية على المنحنى السياسي في لبنان".

أما الدكتور محمد سعيد الرز فأكد أن "حفاظ الانتفاضة الشعبية على وحدتها والتمسك بأهدافها والابتعاد عن التأثيرات الأجنبية ومحاولات الاختراق، هو الضامن لفك عقدة الثنائي حزب الله - حركة أمل، وسرعة تشكيل الحكومة الجديدة".

وميدانيا، سجل اللبنانيون في اليوم الـ27 للاحتجاجات التزاما شبه تام بالإضراب العام المصاحب بالعودة إلى استراتيجية قطع الطرقات في بعض المناطق.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تغلغل الحركة الإسلامية في السودان لا يمنع تفكيكها

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-13

محمد أبوالفضل

تحاول الحركة الإسلامية الحفاظ على مكاسبها السياسية والاقتصادية والأمنية في السودان وخارجه، وتسعى منذ الإطاحة بنظام الرئيس عمر حسن البشير في أبريل الماضي نحو تخفيف حدة الاحتقانات المنصبة على قياداتها وأدواتها وأذرعها، وتأجيل المعركة الحاسمة لأطول فترة ممكنة، حيث تريد خوضها بعد أن تعيد ترتيب أوراقها وتستعيد عافيتها وجاهزيتها، وتنتهي فورة الحراك الثوري الذي أطاح بها من على كرسي الحكم.

اضطرت السلطة الانتقالية السودانية أخيرا للتخلّي عن حذرها في التعامل مع الحركة الإسلامية، وباغتتها بخطوات متلاحقة لخلع أنيابها، استجابة لضغوط كبيرة مارسها تحالف إعلان الحرية والتغيير.

ويرى هذا التحالف أن نكبة السودان الحقيقية في ابتلائه بهذه الحركة والقوى المختلفة المتحالفة معها وتعمل تحت جناحها، وأي ترحيل أو تسويف في خوض المعركة يؤدي إلى صعوبة اقتلاعها من جذورها، ويساعد على تمترسها في خندق الدولة العميقة، ويقلّل من فرص التغيير الناعم، وقد يفرض الدخول في مواجهة مسلحة مكلفة.

قناة سياسية موازية

اتخذ مجلس السيادة في السودان خطوة مهمة الاثنين، وأقدم على حلّ ما يسمى بـ”مجلس الأحزاب الأفريقية”، وقرّر مصادرة ممتلكاته، وتحويل داره إلى مقرّ لمفوضية السلام، وهو معروف بأنه من أهم الواجهات السياسية للحركة الإسلامية، امتطته خلال السنوات الماضية لتسهيل دورها على الساحة الأفريقية، ومحاولة التغلغل إلى وجدان وعقل ساسة وجماهير من خلال شراكة مفتعلة مع عدد من أحزاب مؤثرة، وتحسين صورة السودان وتقديمه كواجهة مدنية لها وكدولة منفتحة على الجميع، لعدم حصره في شق النظام الإسلامي، بما يساهم في توسيع الأطر أمام الحركة وجذب أنصار جدد إليها.

تأسس هذا الكيان في عهد الرئيس المعزول عمر البشير عام 2013، من 45 حزبا تنتمي إلى نحو 25 دولة أفريقية، ورأسه نافع علي نافع، القيادي في الحركة الإسلامية، بغرض تطوير العلاقات مع الأحزاب الحاكمة في الدول الأفريقية، لكن أدت لعبة الصراع الداخلي إلى إقدام البشير على عزل نافع في أكتوبر من العام الماضي، وتعيين مساعده فيصل حسن بدلا منه.

تعزز الإطاحة الدرامية البعد البراغماتي لدى القيادات الإسلامية عموما، وتكشف أيضا الأهمية السياسية التي حملها “مجلس الأحزاب الأفريقية” لمن يرأسه بالنسبة للحزب الحاكم، فهو قناة اتصال موازية لوزارة الخارجية، وربما تفوقها في المردودات السياسية.

وامتلك المجلس من الصلاحيات ما جعله رأس حربة في رسم كثير من المعالم الإقليمية للسودان، وأفادته الصبغة الحزبية- الشعبوية في التوسع والانتشار دون ضوابط دبلوماسية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

وفي الوقت ذاته منحته مساحة للهروب من المحاسبة عند وقوع أخطاء، الأمر الذي حصد من ورائه حزب المؤتمر الوطني الحاكم آنذاك، وفوقه الحركة الإسلامية، مغانم مختلفة، فتعدد الجهات والأدوار مكّن الأخيرة من وضع أقدامها بالقرب من أحزاب أفريقية حيوية.

تؤكد هذه المعطيات أن المواجهة مع الحركة الإسلامية السودانية وأفرعها لن تكون سهلة.

الأمر الذي تراهن عليه القيادات الكبيرة والوسيطة، مستفيدة من تراكم الأزمات الاقتصادية والأمنية التي تواجه السلطة الانتقالية، فكلما تعثرت خفّت حدة المطالبات للوفاء بالوعود التي قطعتها على نفسها أمام الشارع وقواه المصممة على عدم التراجع عن المواجهة، مهما كلفت البلاد، فاستمرار الحركة الإسلامية كجسم عنقودي متشعب يتمتع بمزايا نوعية يضع عراقيل كثيرة لتقدّم السودان على الصعيد الخارجي.

ولا يزال ملف الإرهاب يلاحق السودان في بعض المحافل الدولية، وما لم تتخذ السلطة الحاكمة خطوات جادّة على مستويات مختلفة، ظاهرة وخفية، سوف يظل شبحه يطاردها على الدوام، ولعل الموقف المعقّد من رفع اسم السودان من على اللائحة الأميركية للدول الراعية للإرهاب في مقدمة التحديات التي تحتاج وضع تصورات دقيقة للتخلص من الإرث الأيديولوجي الذي تركه البشير.

ويحتاج الموقف إجراءات عملية لإقناع دوائر أميركية باستكمال مهمة رفع العقوبات الاقتصادية، وفتح أفق جديد أمام البلاد، فالأزمة الخانقة تسهّل دور الحركة الإسلامية في القبض على زمام أمور رئيسية، وتعرقل عملية التخلّص من سيطرتها على بعض المؤسسات الرسمية، وتمنحها درجة من المرونة لتحجيم استهدافها.

بؤرة تشدد
فتحت الحركة الإسلامية أحضانها لشخصيات من دول مختلفة، وتحوّلت الخرطوم إلى بؤرة لتجمع قيادات متشددة، بعضها متهم في قضايا عنف وإرهاب، وكانت الأراضي السودانية معبرا أساسيا إلى دول أفريقية عديدة، ما أضاف أهمية نسبية لمجلس الأحزاب الأفريقية كواجهة يمكن من خلالها أن تتستر عناصر محسوبة على الحركة، وتمكينها من تلقي مساعدات لوجستية بلا منغصات سياسية أو بقليل منها.

خلقت هذه التوجهات عثرات كبيرة للحكومة السودانية الحالية، وفرضت عليها اتخاذ مجموعة من الإجراءات لتطويق الهيئات التي لا تزال تستغلها بعض العناصر الإسلامية، وتمارس أدوارا تسيء إلى السلطة الانتقالية، وتيقنت أن تأجيل الحسم وعدم وضع جدول زمني يمكن أن تترتب عليه نتائج أشد خطورة، توحي أن السلطة الانتقالية مترددة أو مخترقة من جانب شخصيات حزبية وأمنية تعمل على زيادة الارتباك في المشهد السوداني، وتعطيل التوجهات الراغبة في تقويض نفوذ الحركة الإسلامية.

طريق غائم
في هذه الأجواء، وجد السودانيون أنفسهم يدخلون طريقا غائما، لا يشعرون فقط بعدم وجود تغيير كبير في حالهم وأحوالهم، بل تسيطر على البعض هواجس بأن الحركة الإسلامية لم ينفرط عقدها، وتسعى إلى استهلاك المزيد من الوقت وبث الإحباط في نفوس المواطنين، وهو ما فرض على السلطة الانتقالية الإقدام على سلسلة من الخطوات السريعة تعزز عدم التوقف عن المواجهة، وتزيل الالتباس حول أي شكوك في وجود ارتدادات سياسية.

ظهرت معالم هذا الاتجاه في قضيتين، الأولى تتعلق بالإصرار على فتح محاكمات ما يسمى بـ”ثورة الإنقاذ” قبل ثلاثين عاما، واتخذتها وقتها الحركة الإسلامية مطية للقفز على السلطة، وتوجيه اتهامات مباشرة للقيادات التي لا زالت على قيد الحياة، بالتزامن مع عدم التراخي في محاكمة البشير عن الجرائم السياسية والأمنية التي ارتكبها، وإلحاح بعض القوى الحزبية على محاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية.

القضية الثانية، تخص حصول اللجنة المكونة من قوى الحرية والتغيير، والسلطة الانتقالية بفرعيها المجلس السيادي والحكومة، على دفعة معنوية قوية بشأن دراسة الجوانب القانونية والتداعيات السياسية لحل حزب المؤتمر الوطني، كواحدة من الواجهات التي يريد قادة الحركة الإسلامية إعادة الحياة لها وضخ دماء في شرايينها، حيث جرى انتخاب إبراهيم غندور وزير الخارجية الأسبق، بعد أن انقلب عليه البشير في أواخر أيامه، والإيحاء بالتجديد والانفصال عن المرحلة السابقة.

تتواءم هذه الخطوة مع قرار رئيس الحكومة عبدالله حمدوك، بإقالة عدد كبير من القيادات المنتسبة لحزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية عموما، وتغيير شريحة واسعة من الشخصيات المشكوك في انتماءاتها الوطنية وانحيازها للنظام البائد وعقيدته الدينية، وقام البنك المركزي في السودان بتجميد حسابات مصرفية لأسماء وشركات عمل مملوكة لقيادات إسلامية بارزة.

وأصدر يوسف آدم الضي وزير الحكم الاتحادي، الأسبوع الماضي، قرارا بتنظيم “لجان التغيير والخدمات” في الأحياء والقرى لتعزيز المشاركة الشعبية والتعبير عن احتياجات المواطنين، كنوع من الامتداد للجان المقاومة ومواصلة دورها ضمن ما يطلق عليه عملية الإصلاح المؤسسي والتنظيمي القاعدي لتقديم الخدمات والرقابة عليها.

ويلغي هذا القرار اللجان الشعبية والميليشيات التي أنشأها البشير كأذرع أمنية وسياسية ومجتمعية له في الشارع.

يحتاج تقويض الحركة الإسلامية في السودان خطوات مبتكرة على جبهات متعددة، فالفترة التي قضتها في السلطة ليست هيّنة، مكّنتها من الوصول إلى قواعد وفئات كبيرة في المجتمع، وأوجدت شبكة مصالح متداخلة، تجعل عملية اجتثاثها بحاجة إلى إرادة وحسم وتعاون مشترك من القوى الوطنية المتشرذمة حاليا، قبل حلول موعد الاستحقاق الانتخابي التشريعي الذي تستعد له الحركة جيدا لأنه سبيلها للعودة إلى الواجهة بصورة ديمقراطية.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية