تقرير دولي: إيران عدوة الحريات

تثير مسألة الحريات الدينية في إيران جدلاً مستمراً يكاد لا ينقطع، فالدولة التي تعرف بتدخلاتها في شؤون عدة دول عربية وإسلامية كالإمارات العربية المتحدة، أو في سوريا ولبنان على أسس سياسية ودينية في أحيان كثيرة، تعاني من تراكمات طويلة بدأت منذ الثورة الإيرانية أواخر سبعينيات القرن الماضي، تتجلى اليوم من خلال القمع الديني والسياسي والثقافي الذي يعاني منهم المجتمع الإيراني، وينعكس أيضاً على صورة إيران في العالم وسياساتها الخارجية.

تعتمد إيران نظاماً سياسياً قوامه رجال الدين ومن الطائفة الشيعية الجعفرية حصراً

إيران التي تزخر بالملالي ورجال الحوزات الدينية، كانت واحدة من الدول المحورية في تقرير وزارة الخارجية الأمريكية للحريات الدينية حول العالم هذا العام، والصادر بتاريخ 15/7/2017؛ إذ رصد التقرير الخاص بإيران عدداً كبيراً من الانتهاكات بحق الأقليات الدينية والوافدين والناشطين الاجتماعيين وكذلك المواطن الإيراني نفسه، وعلى مستويات عديدة، تبدأ من تكريس الدستور الإيراني لهذه الانتهاكات من خلال شرعنتها، ولا تنتهي عند سيطرة رجال الدين على الفضاء العام، وتشجيعهم للقمع باسم الدين.

الطائفتان السنية والبهائية تُمنعان من إنشاء أو إدارة أي مدارس تعليمية خاصة بهما

ورغم رفض إيران لما حواه التقرير، واتهامها الولايات المتحدة الأمريكية "بتسييس المحتوى والنفاق"، إلا أنّ الأرقام والإحصائيات وبعض الحوادث الموثقة التي جمعها التقرير، تجعل من دحض التقرير وتكذيبه عملية صعبة، خاصة أن ناشطين إيرانيين محليين ومنظمات حقوق الإنسان بشكل عام، نشرت على مدار سنوات رصيداً كبيراً من حوادث انتهاك الحريات الدينية في هذا البلد، إضافة إلى أنّ إيران، هي الدولة الثانية عالمياً، في تنفيذ أحكام الإعدام الذي يطال نساء وقاصرين وناشطين، لأسباب دينية وسياسية.

 الطوائف والأقليات في إيران تتعرض إلى قمع وتمييز وتحرم من ممارسة شعائرها الدينية في العلن

ويبدأ التقرير بالإشارة إلى أن الدستور الإيراني يعتمد المذهب الجعفري الإثني عشري "الشيعي" ديناً رسمياً للدولة، وتستند معاييره وقوانينه الباقية، المتعلقة بالمجتمع والأحوال الشخصية وغيرها على أصول هذا المذهب الشرعية، وبالتالي، ينتهك حق أي أقلية دينية أخرى بالحصول على أية حقوق وذلك لأنها لا تنتمي لذات المذهب.

وحسب الإحصائية السكانية المعروضة في التقرير، فإنّ سكان إيران يبلغ عددهم 82.8 مليون نسمة، يشكل المسلمون السنة نسبة 5-9% منهم، بينما يوجد مليون مسيحي تقريباً، إضافة إلى 300 ألف من الطائفة البهائية، و25 ألفاً من الزرادشتيين، وتعترف إيران بالمسيحية والزرادشتية واليهودية كديانات أخرى غير الشيعية الجعفرية في البلاد، أما الصوفيون، فيعتبرون "كفرة إيران"؛ إذ يعمل رجال الدين الشيعة في خطبهم على تجريمهم باستمرار ووصفهم بأعداء الله.

 

 

هذه الطوائف، وأقليات أخرى غيرها كالموحدين واليهود، تتعرض إلى قمع وتمييز في إيران، فتحرم من ممارسة شعائرها الدينية في العلن، كما تتعرض للاضطهاد من خلال التمييز في الوظائف خصوصاً في القطاع العام، وهي عرضة كذلك لخطاب كراهية وتهديد على ألسنة رجال دين شيعة بين الحين والآخر، مما تسبب بحوادث اعتداء وقتل كما يورد التقرير، ويعطي مثالاً على حادثة قتل لمواطن بهائي اعترف المجرم فيها أنه نفذ الاعتداء بسبب دين الضحية.

أما مسألة تفكير الأفراد في شؤونهم الدينية بشكل شخصي، فيرى التقرير أنّها ممنوعة؛ بل وتعرض أصحابها للعقوبة؛ إذ إنّ الدين الرسمي المعلن في الدستور، إضافة إلى تكفير أصحاب العقائد الأخرى وتجريم أي شخص يبدي الرأي أو يفكر في تغيير عقيدته أو انتقادها، يجعل من ممارسة الحرية الشخصية في التعاطي مع الدين مسألة خطيرة داخل إيران وربما تقود إلى الإعدام بكل سهولة.

وعلى امتداد صفحات التقرير الأربع والعشرين، لا تكاد صفحة تخلو من الاضطهاد الذي تتعرض له الطائفة البهائية؛ إذ إنّ أتباعها يمنعون من التملك وحق الانتخاب والعمل في مؤسسات حكومية، أيضاً، لا توجد سجلات رسمية لتوثيق أحوالهم الشخصية من زواج ووفاة وغيرها، كما أنهم يُمنعون من إتمام الدراسات العليا في الجامعات الإيرانية.

 كثيراً ما تشهر السلطات الإيرانية في وجه معارضيها تهمة "العداوة مع الله" وحكمها غالباً الإعدام

وبخصوص النظام التعليمي، فإنّ كلاً من الطائفة السنية والبهائية، تُمنعان من إنشاء أو إدارة أي مدارس تعليمية خاصة بهما، أما المسيحيون والزرادشتيون فيمكن لهم إدارة مدارس خاصة بهم وتدريس مناهج دينية أو ثقافية تخص طوائفهم، بشرط أن تشرف عليها وزارة التعليم الإيرانية وتقر محتواها بحيث لا يتعارض مع المبادئ الدينية للدولة، إضافة إلى اشتراط اللغة الفارسية كلغة تكتب بها هذه المناهج.

 

 

المعارضون الإيرانيون، الإصلاحيون، والسنة، وحتى الفنانون ومخرجو السينما وبعض الكتاب من رجال ونساء، كذلك الصحفيون وناشطو حقوق الإنسان، يشكلون فئات واسعة ممن يتم سجنهم في إيران بتهم مختلفة أغلبها ذات خلفية سياسية، إلا أن تهمة محددة توحدهم أمام القضاء الإيراني، وغالباً ما يكون حكمها هو الإعدام، وهي: "العداوة مع الله"، وذلك لأنّ الدستور يعدها جريمة كبرى، تمنع أي نقاش داخل المجتمع في الشؤون العامة ومشاكل كالفقر والتمييز العنصري وقمع حرية الرأي.

وبشكل عام، يضع التقرير القارئ أمام صورة لنظام متشدد يتخذ الدين أداة لقمع المجتمع ومعاقبة من يختلف معه لأسباب سياسية أو اجتماعية، كما إنه يسجن ويعدم المواطنين من أتباع الطوائف الدينية الأخرى، ويمنعهم من أبسط حقوقهم العامة وحقوقهم في امتلاك أماكن عبادة أو اندماجهم في التعليم والاقتصاد الرسميين، كما يعتمد نظاماً سياسياً قوامه رجال الدين ومن الطائفة الشيعية الجعفرية فقط، إذ هم من يحق لهم الترشح والانتخاب دوناً عن سواهم من مواطني إيران، وفي النهاية، فإن التقرير، يكشف معالم صورة قاتمة عن الوضع الديني وحالة حقوق الإنسان في إيران.
 

الأقسام: