شوقي حجاب: فنّ الطفل في مصر لقي حتفه

شوقي حجاب: فنّ الطفل في مصر لقي حتفه


29/04/2018

يرى الشاعر المصري شوقي حجاب أنّ فنّ الطفل في مصر لقي حتفه، وانّ الأطفال في الوطن العربي هم الأكثر مظلومية، وأنّ جماعات الإسلام السياسي بدأت في زحفها على مصر قديماً، حتى قبل نشأة جماعة الإخوان، وأنّ تلك الجماعة ليست إلّا أداة من أدوات الاستعمار، الذي أراد احتلال الشرق الأوسط دون أن يتكلف أسلحة أو صراعات؛ حيث انتهى عصر الحروب العسكرية، وبدأت حقبة جديدة من الحروب الفكرية والأيدولوجية.

لعقود طويلة، ظلّ شوقي حجاب متربعاً على مساحته الشخصية "فنّ الطفل"، فجاز لنا أن نراه رجلاً وقوراً كبير السنّ، تخطّى السبعين عاماً، بروح طفل، ولا يكبّده هذا عناءً، فما تزال روحه قريبة من أرواح الأطفال، يهوى اللعب مثلهم، فيخترق عالمهم، ويستطيع الوصول إلى عقولهم.

الأطفال هم الذخر الحقيقي للأوطان، والاستثمار في عقول الأطفال هو الاستثمار الوحيد الصامد أمام تغيرات الزمن

كان شوقي حجاب على رأس المثقفين الذين احتجوا على سيطرة تيار الإخوان المسلمين على قطاع الثقافة، حين وصلوا إلى الحكم؛ فهو يرى أنّ العصر الذهبي للثقافة في مصر، عبر نصف قرن مضى، كان عصر مبارك، رغم ما كان فيه من فساد، إلّا أنّ مشروعات سوزان مبارك الثقافية: "مشروع القراءة للجميع"، ومكتبات الأسرة، والإنتاج التلفزيوني لبرامج الأطفال، كانت طفرة أثّرت في تلك الأجيال التي رأيناها في ميدان التحرير، تهتف بمطالبات الحرية والعدالة الاجتماعية، والحقّ أنّ ما من ثورة في مصر كانت على شاكلة ثورة يناير، فللمرة الأولى في تاريخ مصر الحديث، يهرول الشباب إلى الشارع مطالبين بالعدالة الاجتماعية والحرية، ثم ينزلون مرة أُخرى مطالبين بإسقاط نظام الإخوان في مصر، فهذا بحقّ جيل يختلف عمّن سبقوه.

"حفريات" أجرت في القاهرة حواراً مع حجاب، فيما يأتي تفاصيله:

لم نكن نعرف تلك الفتاوى التي اقتحمت أدقّ التفاصيل الحياتية للمصريين البسطاء

تحولات في المشهد الثقافي العربي

* هل المشهد الثقافي المصري الحالي، بوجهة نظرك، في تطور تاريخي، أم الأمر في حالة من الردّة، كما يدّعي البعض، وما سبب تلك الردة؟

بالطبع، المشهد الثقافي المصري في حالة تردٍّ كبير، ولا يوجد ما يشير إلى أيّة حالة من التطور؛ بل إنّ الركاكة صارت سمة تغلّف المشهد الثقافي والفكري والفني في مصر، المشكلة  قديمة نوعاً ما؛ فقد بدأت منذ قيام محمد بن عبد الوهاب بحراك في شبه الجزيرة العربية، وقيام محمد علي، والي مصر، بالتصدي لهذا الخطر القادم من الصحراء، واستطاع كسر شوكة ابن عبد الوهاب وأتباعه، لكن ظلّ الخطر يتجلّى من آن إلى آخر، وهو ما أعاد كرّته جمال عبد الناصر، خلال حرب اليمن، متصدياً للرجعية التي تروّج لها الوهابية، ونظراً إلى طبيعة مصر الخاصة التي صنعها الموقع الجغرافي، فإنّ الأخطار السياسية تظلّ محيطة بها، أمّا الآن فنحن، منذ قرابة نصف قرن، نقع تحت طائلة الإسلام السياسي، الذي أسّسه محمد بن عبد الوهاب "الوهابية"، وتفرّعت منه جماعات الإسلام السياسي، في بدايات القرن العشرين، وبدأت الكارثة الكبرى حين أطلّ علينا حسن البنا، بأفكاره التي غيّرت تاريخ الشرق الأوسط، فأصابت الحداثة كلّ دول العالم، إلّا نحن الذين عدنا إلى القرون الوسطى.

المصريات في عهد عبد الناصر لم يعرفن الحجاب، وكنّ جميعاً عاملات إلى جوار الرجال، وكانت مساواة بين النساء والرجال

تحوّل المشهد الثقافي المصري، منذ انفتاح السادات، في السبعينيات، فصار الفنّ منتجاً يخضع للسوق، والثقافة تخضع للعرض والطلب، فغرقنا في تفاهات وسفاسف الأمور وصارت رموزنا الفنية، قلّة من الجُهلاء، بعدما أخرجت مصر "نجيب محفوظ، ومحمد عبدالوهاب، وعباس العقاد، وطه حسين"، فأصبحت آليات السوق حاكماً للمشهد الثقافي والفنّي، وصار الإبداع سلعة وصاحبها بائعاً، وغرقنا في تفاهات ابتدعها شيوخ السلفية بعقولهم الرجعية، بينما يغرق الوطن في الديون والفقر ومشاهد البؤس التي نراها في كلّ مكان، يناقش شيوخ المنابر: هل وجه المرأة عورة أم لا؟ وغيرها من أمور يسخر منها أطفال صغار بينما يقتنع بها الكبار من مختلف الطبقات الاجتماعية، وهذا ما أنتجه المتطرفون دينياً، ومن يستخدمون الدين لإخضاع الجموع سياسياً.

هل ترى أنّ التجربة الناصرية في الستينيات هي ما صنع هذا الخناق الثقافي وقتلت التعددية، وأصبحنا أمام نموذج وحدوي متعدد الاتجاهات؟

عبد الناصر كان رئيساً وطنياً في المقام الأول، عمل على ترسيخ صورة مصر سياسياً وثقافياً؛ بل صنع ما يشبه الغزو الثقافي المصريّ لكلّ الأقطار العربية، فالمعلمون في معظم الدول العربية كانوا مصريين، وانتشرت الأفلام ذات اللهجة المصرية، التي ساعدت في نشر اللّهجة حتى يومنا هذا.

حين كنتُ أتجول بين البلدان العربية، من مشرقها لمغربها، حتى القرن الإفريقي، معظمهم يفهمون اللهجة المصرية جيداً، وكانت مصر بالنسبة إليهم "هوليوود الشرق"، إلّا أنّ الخطأ الجسيم الذي ارتكبه عبد الناصر، كان عملية النموذج الواحد داخل الدولة، وإن كان من فائدة هذا النموذج، أّنّه استطاع تحجيم دور الإسلام السياسي، وحصره في بؤرة لا يشعرها بها المجتمع المصري، فالمصريات في عهد عبد الناصر لم يعرفن الحجاب، وكنّ جميعاً عاملات إلى جوار الرجال، وكانت هناك عملية من زرع قيم المساواة بين النساء والرجال، والأزهر بالفعل كان منارة الفكر المستنير، فلم نعرف تلك الفتاوى التي اقتحمت أدقّ التفاصيل الحياتية للمصريين البسطاء، وكان بعيداً كلّ البعد عن السياسة، فاجتهد علماء الأزهر في تخصصاتهم، وكان العالم الأزهري يكمل دراسته في أوروبا ويتحدّث بعدة لغات، فخلق نموذجاً من الإسلام الذي نريده ليخدم حياة الناس.

لكنّ النموذج الناصري لم يكن بتلك المثالية التي يتحدث عنها المصريون إلى اليوم، ولو كان، لما وجدنا كلّ تلك الكوارث التي هبّت رياحها على مصر بعد موته، فجريمة عبد الناصر الكبرى، كانت في أنّه جعل مصر فيه وجعل نفسه في مصر، حتى أنّني أتصوّر أنّ مصر قد ماتت بموت عبد الناصر، وهذا أبداً لن يكون، وأنا على إيمان تامّ بما قاله "هنري بريستد" في افتتاحية كتابه "فجر الضمير": "في البدء كانت مصر ثُمّ جاء التاريخ"، فالمصري القديم هو من اخترع الموت والحياة وآمن بالإله الواحد، ونشر العلم والفلسفة والفنّ في جميع أرجاء العالم، فمصر لم تكن يوماً عبد الناصر، إلّا أنّ ما يشفع للرجل حبّه للوطن وإخلاصه لأبنائه.

 فنّ الطفل في مصر لقي حتفه إبان ثورة يناير

أطفال الظلّ

هل ترى أنّ فنّ الطفل في مصر والوطن العربي نال قسطاً وافراً من الاهتمام، بحيث ينشأ جيل لديه من الإشباع الفني الجيد ما يدفعه للإبداع؟

أستطيع القول، بنفسٍ راضية، أنّ فنّ الطفل في مصر لقي حتفه إبان ثورة يناير، ورغم ما قدمته الثورة من صورة بديعة، وكان لديها إرهاصات بالتغيير والتخلص من أذناب الرجعية على جميع المستويات، إلّا أنّ الإخوان المسلمين استطاعوا سرقة هذا الحراك ببراعة، نظراً لتنظيمهم، فالشباب عجزوا عن تنظيم أنفسهم مثل الجماعة، وقد شاهدتُ ذلك بنفسي؛ ففي نهاية الثمانينيات عيِّنتُ مستشاراً لدى الأمم المتحدة  لشؤون الطفل في الرياض، ورأيت الجاليات الإخوانية التي تعمل في مجالات مختلفة في الخليج، كيف يقتطَع جزء إجباري من رواتبها للجماعة في مصر، وبذلك شكّلوا كياناً اقتصادياً استطاعوا من خلاله اختراق المجتمع العربي ككل، وبالتالي؛ فإنّ كلّ ما لدينا من المنتج الثقافي والفنّي، للأطفال والكبار، تم تشويهه؛ لأننا بصدد كيان منظم، لديه من القدرات الاقتصادية والتنظيمية ما يفوق أيّة قوى اجتماعية أخرى في مصر، وهو ما حاول المجلس الأعلى للثقافة التصدي له في التسعينيات، التي مثلت، من وجهة نظري، الفترة الذهبية في الحياة الثقافية المصرية، خلال النصف الأخير من القرن العشرين، وكان ذلك بجهود بالغة من "سوزان مبارك"، التي أنفقت ميزانيات ضخمة لدعم قطاع الثقافة، وخاصة مشروعات الأطفال، والجريمة الكبرى، كانت في اختزال تلك المشروعات وتمحورها حول شخص سوزان مبارك، وهو ما أودى بهذه الحركة، وأطاح بها بعد الثورة، وهذه آفتنا في بلدان الشرق الأوسط، نحن نصنع للأشخاص وبالأشخاص، ولا نعمل لأجل الوطن.

الإسلامويون يقدّمون فنّاً سطحيّاً يناسب معاييرهم، التي تقولب الإبداع وتحوطه بسياج من الخطوط الحمراء تقتل الفكر النقدي

الأطفال هم الذخر الحقيقي للأوطان، وعلى من يتولّى مسؤولية دولة بحجم مصر، أن يعي جيداً أنّ الاستثمار في عقول الأطفال هو الاستثمار الوحيد الصامد أمام تغيرات الزمن، وهو الصانع الحقيقي لتغيرات المستقبل، إلّا أنّ ما حدث في العقد الأخير، في أعقاب ثورة يناير، من إحجام المسؤولين عن الاهتمام بالطفل؛ هو السبب الرئيس في ظهور جيل بائس، يعاني من الجفاف الفكري والوجداني، ولا يجد بديلاً سوى ما يقدّمه الإسلامويون من فنّ سطحيّ يناسب معاييرهم، التي تقولب الإبداع وتحوطه بسياج من الخطوط الحمراء، ويخلق عقولاً تابعة لأيّة أفكار تُطرح أمامها، وتقتل الفكر النقدي، الذي يعد بوابة عبور العقل البشري نحو مستقبل أفضل، وهو ما يعمل المتشددون على غلقه تماماً أمام الأجيال الجديدة في المجتمعات العربية.

أبناء الإسلام السياسي هم قلة من البراغماتيين، لا يريدون سوى حصر أتباعهم في بوتقة واحدة

لماذا يكره الإسلامويون الفنّ؟

لأنّ الفنّ يملأ وجدان الشعوب، ويحافظ على توازن الإنسان، ويصقل مهارات النقد لديه، وهو ما لا يريده الإسلامويون، فهم يسطّحون كلّ شيء، ويمسخون الأفكار بمنظورهم الضيق، وأفقهم المحدود، وأنا أتابع تلك القنوات الفضائية الإسلامية المخصصة للأطفال، وظهور شخصيات كرتونية محجّبة، وأطفال يذهبون للصلاة ويتركون اللعب، أشعر باختناق، ما الذي يفعله هؤلاء المتخلفون بأطفالنا؟ هل وظيفة الطفل أن يتعبّد، أم أنّه خُلق ليلعب ويلهو، ويستكشف الحياة بفضول بريء يعمل على تطوير عقله، وصقل مهاراته؟ هم لا يريدون ذلك بالطبع؛ بل يريدون مستنسخات بشرية، تحمل الفكر السطحي ذاته، وأنا أتعجب لظهور مصطلح الفنّ الإسلامي، والسينما الإسلامية، والأغنية الإسلامية، والفلسفة الإسلامية، إنّما كلّ نتاج فنّي يندرج تحت مسمى الإبداع الإنساني، فالفنّ لا دين له، ولا هوية، إنّما هو فنّ، وهو الشيء الوحيد الذي يستطيع صنع جسور تواصل إنسانية بين مختلف الشعوب والثقافات، لكنّ أبناء الإسلام السياسي هم قلة من البراغماتيين، لا يريدون سوى حصر أتباعهم في بوتقة واحدة، يغترفون منها الفكر الرجعي ذاته الذي لا يحمل أيّ عمق إنساني.

الصفحة الرئيسية