يوسف ربابعة: لن نبدع مادمنا نرفض أي تفكير خارج المألوف

7700
عدد القراءات

2018-04-23

قال الدكتور يوسف ربابعة إنّ قيمة البحث العلمي تكمن في قدرته على تحسين حياة الناس، وربطه بالواقع والتأثير فيه، و"مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا لا تحتاج بحثاً علمياً محايداً، بل شجاعة في النقد من أجل كشف العيوب، ومن ثم العمل على إصلاحها".

ورأى ربابعة في حواره مع "حفريات" أنّ المجتمع الذي يطالب بتعليم جيد يتناسب مع متطلبات العصر ويُعلم الإبداع "هو نفسه الذي يرفض بالمقابل أي فكرة جديدة ويقابل أي تفكير خارج المألوف بالرفض والمقاومة والتكفير وربما القتل".

ونبّه أنّ خطاب التديّن السائد "أسهم بشكل فاعل في الركود الاجتماعي وقتل روح البحث العلمي وتعزيز الطائفية"، داعياً إلى الشجاعة في إطلاق التعليم والبحث العلمي من أي قيودٍ مجتمعية أو مؤسسية، و"النظر إلى الطالب باعتباره منتجاً للمعرفة وليس مستهلكاً لها".

ويوسف ربابعة، هو أستاذ اللغة العربية المشارك بجامعة فيلادلفيا الأردنية، له مقالات عديدة وأبحاث في مجال مؤسسات البحث العلمي العربية والمجتمع وقطاع التعليم، وهو عضو رابطة الكتاب الأردنيين، وجمعية النقاد الأردنيين، وله كتاب بعنوان: "ظاهرة البناء في النحو العربي"، صادر عن دار الحصاد بدمشق العام  2009.

وهنا نص الحوار:

ما هي برأيك حدود مسؤولية الأكاديمي تجاه مجتمعه؟

الأكاديمية نوعان؛ أكاديمية البحث والإبداع واقتراح الحلول في المجالات العامة من خلال دراسات وبحوث علمية رصينة، بشرط أن تكون تلك الأبحاث قادرة على الوصول إلى صاحب القرار، سواء في السياسة أو الاقتصاد أو الاجتماع أو في فروع العلوم التطبيقية أيضاً، في المصانع ومؤسسات الإنتاج، وهذا النوع هو مسؤولية الأكاديمي في الدول الصناعية المتقدمة، التي استقرت فيها المؤسسات، وأصبحت الأكاديمية شريكة في التأثير ورسم السياسات العامة، وهي رديف لكل خطوط الإنتاج بكافة أشكاله.

مسؤولية الأكاديمي لا تقتصر على البحث في المختبرات والمراكز والمؤسسات التعليمية

النوع الثاني، هو باعتقادي ما نريده في بلادنا، فمسؤولية الأكاديمي لا تقتصر على البحث في المختبرات والمراكز والمؤسسات التعليمية؛ لأن أغلب هذه الأبحاث لا قيمة لها في مجتمع لا يرى أصلاً أي قيمة قد تأتي منها، وهناك صاحب قرار غير معني بها، لذا فإنّ تأثيرها يبقى محدوداً، ومن هنا تصبح الأكاديمية معزولة عن الواقع، ويتحول الأكاديمي إلى شخص منفصل عن عالمه الحقيقي، يعيش في عالم افتراضي يصنعه لنفسه.

وهكذا، فإنّ مهمة الأكاديمي هي الاشتباك مع المجال العام وإبداء رأيه بشجاعة ودون مواربة، إنني أعتقد أنّ على الأكاديمي أن يكون ضمير أمته ومجتمعه. وربما أكون مخطئاً في الحكم، لكن مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا لا تحتاج بحثاً علمياً محايداً، لكنها تحتاج شجاعة في النقد من أجل كشف العيوب، ومن ثم العمل على إصلاحها.

ربابعة: مهمة الأكاديمي هي الاشتباك مع المجال العام وإبداء رأيه بشجاعة ودون مواربة

التعليم بين التلقين والنقد

كيف تقيّم مستوى انتقالنا من النظري إلى التطبيقي في بحوث العلوم التطبيقية أو حتى الإنسانية؟

إنّ الأصل أن يستند البحث العلمي إلى التفكير في المشكلات التي تواجه الإنسان، وإدراك الظّواهر الاقتصاديّة والاجتماعيّة والطبيعيّة وتفسيرها، من أجل إيجاد حلول مناسبة لها، وإمكانية الاستفادة منها على الوجه الأكمل، وكذلك التّخمين الذّكي والدقيق لما سيكون عليه الحال مستقبلاً، وهو مبنيّ على التّفسير والمعطيات.

كما يهدف لما يسمّى التّحكم والضّبط؛ أي التّحكم بالظّواهر الطبيعية والمجتمعية والسّيطرة من أجل إيجاد الأدوات التي تساعد على تذليلها لتصبح في خدمة الإنسان، ومن ثم الوصول إلى نتائج علميّة دقيقة في فهم هذه الظّواهر، بعيداً عن التّخمين والتّكهن عند دراستها، الأمر الذي يقود إلى نتائجَ أكثر دقّة وشفافية، ومن ثم إيجاد معارف جديدة والعمل على تطويرها.

قيمة البحث العلمي تكمن في قدرته على تحسين الواقع والعيش والأدوات التي تسهل حياة الناس

ومن خلال تلك الأهداف يتبين لنا أنّ قيمة البحث العلمي تكمن في قدرته على تحسين الواقع والعيش والأدوات التي تسهّل حياة الناس، وتعطيهم قدرة أكبر على التحكم بالظواهر التي حولهم، مما يعني ربط البحث العلمي بالواقع والتأثير فيه، وهذا لا نجده في أبحاثنا التي يكتبها الأساتذة في الجامعات؛ إذ من المتوقع منهم أن ينتجوا أبحاثاً مفيدة، لكنّ ذلك غير متحقق لأسباب كثيرة؛ فمشكلة البحث العلمي عندنا أنّه مايزال حتى الآن غير مرتبط جدّياً بالنشاط المجتمعي في نواحيه المختلفة، الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.

في إحدى مقالاتك، تحدثت عن تجربة فريري في التعليم، وخلق حالة إبداع في فهم العالم، أين نحن من هذه المقولات في مؤسساتنا التعليمية؟

باولو فريري هو أحد الذين كتبوا عن تجربتهم الخاصة في التعليم، وذلك في كتابه المهم "تعليم المقهورين"، وهو يرى أنه ليس هناك عملية تعليم محايدة، فالتعليم إما أن يتحوّل إلى أداة تصهر الأجيال الصغيرة في المنظومات القائمة وتؤدي إلى الانصياع لها، أو يصبح أداة لـ"ممارسة الحرية"؛ فالتعليم له رسالة موجهة، وهو بنظره الوسيلة التي من خلالها يتمكن الرجال والنساء من التعامل بشكل انتقادي وخلاّق مع الواقع، ويكتشفون كيف يمكنهم المساهمة في تحرير مجتمعهم.

ويرى فريري أنّ هناك نوعين من التعليم؛ التعليم البنكي والتعليم الحواري، الأول يقوم على التلقين والتنميط والحفظ، ولا يفتح مجالاً للعقل ومواجهة الواقع، وربما يهرب من الواقع لأنّه لا يستطيع التعامل معه، وهو ما ينتج جيلاً منسحباً من ذاته ومفصولاً عنها أيضاً، فنجد من يقول كلاماً جميلاً ويدعو إلى قيم حسنة، لكنه يتصرف عكسه، وربما هذا ما نشاهده عند المثقفين والأكاديميين مثلاً، فهم يتحدثون عن الحرية والنقد وقبول الآخر، لكنّهم في الممارسة العملية لا يستطيعون الانسجام مع مقولاتهم تلك.

مجتمعاتنا ودولنا ومؤسساتنا لا تحتاج بحثاً علمياً محايداً بل شجاعة في النقد لكشف العيوب والعمل على إصلاحها

وبسبب هذا النوع من التعليم البنكي فإن المؤسسات التعليمية- على رأي فريري- لن تعود قادرة على التأثير الفعال في عقول أبنائها، ولا على تشكيل فكر نقدي لديهم يحميهم من الفكر الواحد، كما يحميهم من الفكر المتسلط، ويحميهم من الخرافة كما يحميهم من الاستسلام لواقعهم، فهم متلقون لكل ما يسمعون دون نقد أو تمحيص.

أما التعليم الحواريّ فإنه يستنهض كوامن النفس ويجعل الطالب قادراً على المشاركة فيما يتعلمه؛ أي إنّ المعلومة مشتركة بين الطالب والمدرس، والطالب منتج للمعرفة وليس مستهلكاً لها، وبذلك يتفتح عقله ومواهبه، ويمتلك الشجاعة على النقد والبحث والإبداع.

على المستوى الشخصي، أفدت كثيراً من فريري وحاولت تطبيق مقولاته في التعليم، لكن هناك عقبات كثيرة بسبب النظام التعليمي غير الحر.

ربابعة: المبدع لا يخرج مثل المعجزة، إنه نتاج مجتمعه، فكيف لمجتمع لا يقدر قيمة الإبداع أن ينتج مبدعين؟

ما الذي يفصلنا عن الإبداع في التعليم باعتباره تأسيساً للمستقبل؟

تفصلنا حالة التقليد والركون للمتعارف عليه والسائد؛ كتبت مرة مقالاً وضعت له العنوان التالي: "الخروج من أنس الطاعة إلى وحشة التمرد"، وهذا مستوحى من مقولة أبي جعفر المنصور في خطبته الشهيرة عندما قال: "أيها الناس لا تخرجوا من أنس الطاعة إلى وحشة المعصية"، وأنا أقول لا بد أن يخرج التعليم إلى وحشة التمرد.

يبدأ الالتباس حين يعتقد المتدين أنّه ممثل الحقيقة المطلقة ويسمح لنفسه بسلب حياة الناس والحكم عليهم

فالإبداع ليس حالة منفصلة عن سياقه الثقافي والاجتماعي، وهناك وهم بأنّنا نخصّص مدارس للمبدعين، فالمبدع لا يخرج مثل المعجزة، إنه نتاج مجتمعه، فكيف لمجتمع لا يقدر قيمة الإبداع أن ينتج مبدعين، ولذا فلا بد أن يكون التعليم بحد ذاته حالة إبداعية، وذلك من خلال التمرد على الواقع والسائد والمتعارف عليه، والغريب أنّ الجميع يطالب بأن يكون بيننا مبدعون يغيّرون الواقع لأننا جميعا نشكو من الواقع، لكن في الحقيقة فإن أي تفكير خارج المألوف يُقابل بالرفض والمقاومة والتكفير وربما القتل.

فهذا المجتمع الذي يدعو إلى التغيير هو نفسه الذي يريد للطالب أن يكون مطيعاً، ويخشى أي دخول في وحشة التمرد وجحيمه، ثم هذا المجتمع هو نفسه الذي يطالب بتعليم جيد يتناسب مع متطلبات العصر ويُعلّم الإبداع، وفي المقابل يرفض أيّ فكرة جديدة. فهو يطالبك أن تبقى على ما تعرف، ولا يخلق فيك روح المغامرة لمعرفة الجديد. فكيف يمكن أن يستقيم ذلك؟ لا يمكن لأي طالب أن يبدع إلا إذا كان متمرداً على واقعه، وكيف يتمرد على واقعه دون أن يفهمه؟

ربابعة: يمكننا التفريق بين الدين والتدين بأنّ الأول هو ما يريده الله والثاني ما يريده الإنسان

أثر الخطاب الديني

ونحن نتحدث عن حالة الإبداع والتمرد، كيف ترى أثر الخطاب الديني في المجتمع العربي اليوم؟

يمكننا التفريق بين الدين والتدين بأنّ الأول هو ما يريده الله والثاني ما يريده الإنسان؛ فالأول يعبّر عن معنى غيبي بعيد، والثاني يعبّر عن معنى واقعي قريب، وما بين إرادة الله ورغبته وإرادة الإنسان ورغباته بونٌ شاسع ربما لا نعرف حدوده.

تبدأ المشكلة حين يصل المتدين إلى حالة الالتباس بينه وبين الله في التعبير عن رغباته وطموحاته، ويعتقد أنّ ما يقوم به يمثّل ما يريد الله بشكل تام ومتطابق، ويصبح غير قادر على تمييز حدوده؛ فيتحول إلى ممثّل للحقيقة، وحارس لحقّ الله، وظلّه وعذابه، ويسمح لنفسه بسلب حياة الناس والحكم عليهم ومحاكمتهم، فهو لا يعتقد أنّه يقوم بالعمل من تلقاء نفسه، بل يكاد يؤمن أنّها أوامر تأتيه من السماء. إنّها حالة التباس بالفعل.

على الطالب أن يكون منتجاً للمعرفة حتى يتفتح عقله ومواهبه ويمتلك الشجاعة على النقد والبحث والإبداع

ولم يعد خافياً اليوم، أن التدين تحول من حالة حوار ونقاش حول النص إلى حالة تلبّس به، وأنّه تحوّل من كونه فهماً اجتهادياً إلى كوّنه مقدساً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وبمعنى أكثر دقة؛ نصّب المتدين نفسه إلهاً ينطق بالحق ويسلك طريقه من دون أن يكون لديه أدنى شك بخطأ فهمه. وما يحصل من صراع طائفي ومذهبي واقتتال ودماء ما هو إلا تعبير عن حالة الالتباس تلك، وعلينا أن نعترف أنّ التدين الإسلامي هو الذي يمارس حالة الالتباس تلك بشكل كبير في العالم، وأن المسلمين هم الأكثر خلطاً بين الدين والتدين، وأنّ الصراع بينهم يأخذ أشكالا أكثر دموية، فإذا كان جميع المسلمين يعتقدون بشكل نظري أنّ دينهم صحيح وغير محرَّف، فلماذا كل هذا الصراع إذن؟

لا يجوز أن يدّعي أحد معرفة مراد الله بدقة؛ لأنّ هناك وسيلة هي الواسطة التي تنقل ما يريده الله، وهي اللغة، وهي على شكل نص.

النص، هو كليات عامة للقيم الإنسانية من الخير والفضيلة والقيم العليا، وهو بذلك يرسم منهجاً كلياً، وتبقى التفاصيل قضايا تقوم على تأويل ذلك النص، أو فهمه بحسب معطيات المكان والزمان. هناك لدى علماء أصول الفقه عند المسلمين قضايا تُسمّى "الكليات"، وهي – كما يسمونها الضرورات؛ كالدين أو الخمس، والنفس، والعقل، والنسب، والمال. وأعتقد أنّنا يمكن أن نضيف عليها اليوم مبادئ مثل: العدل، والحرية، والأمن. وتلك هي مسؤولية الدولة والمجتمع في توفيرها للناس، وهي من القواعد التي يجب تثبيتها بحيث لا يكون عليها خلاف، ويبقى الاختلاف فيما عداها.

ربابعة: الدين حالة إنسانية مثالية أساسها النص الديني وعلى الإنسان المكابدة من أجل الوصول لتلك الحالة

هل واجهت هذه الإشكالية بين الدين والتديّن على الصعيد الشخصي؟

في الواقع، كنت في مرحلة الشباب أميل إلى التديّن البسيط الذي تعلّمته في البيت والمدرسة والمسجد، وكنت أعتقد أنّ ما تعلّمته هو الحق، وأدافع عنه بكل قوة ودون محاولة الاستماع لما يقوله المختلفون عني، وكنت أعتقد أنّ المختلفين ربما هم أعداء لا يريدون لنا الخير، وذلك كما تعلمت.

التساؤل الدائم ربما يكون وسيلة لأن لا نصل إلى حالة الجمود الفكري والعقائدي

بعد ذلك، ونتيجة قراءات وتجارب، بدأت حالة من المراجعة لأفكاري وقناعاتي، وأعتقد أنّ المراجعة ضرورية في كل مرحلة، فتشكلت لدي قناعة بأنّ الدين حالة إنسانية مثالية أساسها النص الديني، وأنّ وظيفة الإنسان المكابدة من أجل الوصول لتلك الحالة، وأنّ الدين حالة فردية يتبناها الشخص نتيجة ظروف وسياق اجتماعي، ويشكل من خلالها ما هو مقدّس لديه، وما هو قابل للنقاش والتغيير. لقد وجدت أنّ من واجبي أن أعبّر عن التدين بما هو مصلحة الإنسان ضمن الواقع وليس ضمن مثالية متخيّلة، وأنّ مثالية الدين تدعو إلى تدين قابل للنقد والنقض أيضاً، فواجب الإنسان في الحياة التعبير عن حالة مثالية لا يمكن الوصول إليها، لذا فإنّ النقد الدائم هو الوسيلة لضمان العمل للوصول للحالة المثالية التي ذكرتها.

إنني أعرف جيداً أنّ ما أقوله ليس الحق المطلق، لكن التساؤل الدائم، ربما يكون وسيلة حتى لا نصل إلى حالة الجمود الفكري والعقائدي الذي سيؤدي إلى التعصب والعمى الفكري والنظرة الأحادية.

أولويات الفكر والاقتصاد

ولكن ثمة من يدعو أن تكون الأولوية إلى معالجة قضايا أخرى كالمشكلات الاقتصادية باعتبارها  مفتاحاً للبناء الفكري والمعرفي؟

الناس عادة، يهتمون أكثر بحاجاتهم الأساسية الآنية، ويكونون أكثر حماساً في الدفاع عنها، ونعلم أنّ الاقتصاد هو أهم ركن في تأمين الحاجات الأساسية، لذلك لا بد لأي مشروع ثقافي وفكري من روافع اقتصادية، والتفكير بأن الحل يكون في الفلسفة والفكر هو تفكير مفصول عن الواقع، لكن في موازاة أي مشروع اقتصادي لا بد أن يكون هناك مشروع ثقافي، لأن الاقتصاد وحده غير قادر على تغيير حياة الناس نحو الأفضل، فهناك متطلبات روحية وقيمية كما أنّ هناك متطلبات مادية.

أعتقد أن أي مشروع ثقافي لا يأخذ بالحسبان الجانب الاقتصادي سيبقى أقرب إلى المثالية

الناس، يدافعون في العادة عن مصالحهم المباشرة والقريبة التي تمس حياتهم، ومن المفترض أنّ الحاجات الفكرية والثقافية تأتي فيما بعد مرحلة الأساسيات، حسب هرم ماسلو الذي هو عبارة عن نظريّة فلسفيّة؛ حيث تتحدث هذه النظريّة عن سلّم أولويّات الإنسان المختلفة، مؤكدة أنّ هناك العديد من الحاجات التي يسعى لإشباعها من خلال قيامه بالعديد من الأفعال والتصرّفات للوصول إليها، كما تنص على أنّ الحاجات غير المشبعة تسبب إحباطاً وتوتراً وآلاماً نفسيّةً حادةً، وتتوزع الحاجات الإنسانية بحسب أهميتها من الحاجات الفسيولوجيّة، ثم الحاجة إلى الأمان، ثم الحاجات الاجتماعية، ثم الحاجة إلى التقدير.

أعتقد أن أي مشروع ثقافي لا يأخذ بالحسبان الجانب الاقتصادي سيبقى أقرب إلى المثالية التي يصعب تحقيقها، كما أنّ الاقتصاد يحتاج إلى الثقافة من أجل أنسنة المادة لتكون قادرة على الاستمرار؛ لأنّ المادة قد تؤدي إلى خراب إذا لم تُؤنسَن بالقيم والأخلاق العليا.

ربابعة: أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو مواجهة الذات، ومن الصعب عادة النظر إلى الداخل

النقاش بينك وبين المجال العام مفتوح كأستاذ جامعة وباحث. لكن، أين تقع الطموحات الشخصية من هذا النقاش؟

أصعب ما يمكن أن يواجهه الإنسان هو مواجهة الذات، وربما من الصعب عادة النظر إلى الداخل؛ لأن الجميع عيونهم للخارج، فيستطيعون معرفة عيوب غيرهم ولا يستطيعون معرفة عيوبهم.

عندي كثير من الطموحات الشخصية، ربما من منظور الآخرين حققتُ كثيراً منها، لكنني لا أستطيع أن أكون راضياً بشكل كامل عن نفسي؛ لأنّني أجد أنّ من واجبي أن أكون أكثر صدقاً وأمانة في قول الحق خدمة للمجتمع، ولا يمكن إنكار كثير من الحالات التي كنت فيها ضعيفاً أو صامتاً في الوقت الذي كان من الواجب علي أن أتكلم، فالإنسان قد يفكر أحياناً في مصلحته الشخصية أو يهادن من أجل تحقيق مكاسب معينة أو تجنباً للدخول في معارك صعبة، ولا أنكر أنني مارست بعضاً من ذلك في مواقف معينة، وبصراحة يمكن أن أقوم بنفس العمل في مواقف قادمة، لكن مع ذلك هناك ندم شديد في كل مرة لا أكون فيها شجاعاً بما يكفي.

أعتقد أنّ من أهم طموحاتي أن أكون قادراً على قول ما أريده في الوقت المناسب وبشجاعة كافية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



نبيل نعيم: لم نقتل السادات بسبب الصلح مع إسرائيل

2019-10-17

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


يختلف المراقبون والباحثون كثيراً حول ظروف مقتل السادات. لكنّ شاهد عيان أكد لـ"حفريات" أنّ بعض المحامين المصريين ذكروا أنّ مقتل السادات كان بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، "ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية".

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
نبيل نعيم، أحد المؤسسين لتنظيم الجهاد بمصر، ثم تنظيم "القاعدة" يضع، في هذا الحوار، النقاط على الحروف، ويكشف ما جرى مع السادات، ويلقي الضوء على
نشأة تنظيم القاعدة، والدور الذي كان يلعبه الأفغان العرب.
هنا نص الحوار:
صف لنا الفترة الأولى وكيف كان التعارف بأيمن الظواهري وتنظيم الجهاد المصري؟

أنا والظواهري أبناء جيل واحد، هو جيل السبعينيات، وهي الفترة التي كنا نتردّد فيها على مساجد أنصار السنّة المحمدية، وكما تعرف، هي جماعة وهابية الأيديولوجيا، وكان الشيخ خليل هرّاس، في تلك الفترة، يدرّسنا كتب العقيدة، لكنّ الظواهري كان أسبق في الاطلاع على كتب سيد قطب، وكانت هذه الكتب في عهد الرئيس الراحل أنور السادات تطبع بشكل كبير، فأشرب أيمن هذا الفكر، وأنا بالفعل قرأت كلّ كتب سيد قطب، ومنها: "الظلال"، و"معالم في الطريق"، ومن أول وهلة أدركت أنّه تكفيري، وأنّه لا يفهم صحيح الدين.
قطب كان منحرفاً فكرياً

في جلسات محاكماتنا حوّل المحامون قتل السادات إلى معاهدة كامب ديفيد ولم تكن هذه حقيقة لأننا قتلناه لأسباب شخصية
إذاً، لماذا بعد هذا الإدراك سرت في الطريق نفسها التي رسمها سيد قطب وتبعه أيمن الظواهري؟!

كان هذا لظروف سياسية وأخرى اجتماعية، فسيد قطب بالفعل كان منحرفاً فكرياً يكفّر المجتمع، ويقول إنّه ارتدّ منذ قرون، وإنّ من يصلي في المساجد غير مسلمين، وينسبون أنفسهم للإسلام، ولم يكن يفهم الدين كما يجب؛ لأنّه كان أديباً وشاعراً ولم يكن عالم دين، وحين درست على يد الشيخ البلتاجي بكلية العلوم، أدركت ذلك عن قرب، لكنّ ظروف صداقتنا معاً، والدروس التي كنا نتلقاها بمساجد أنصار السنّة، وضعتنا تحت المراقبة اللصيقة، ولمّا أصدر السادات قرارات التحفظ وجدنا أسماءنا فيها، وساعتها وأنا جالس معه، قال لنا محمد عبد السلام فرج، وهو المتهم الأول في قتل الرئيس فيما بعد: "لو دخلنا السجون لن نخرج منها أبداً، كما حدث مع الإخوان المسلمين بسجون ناصر، ولا بد لنا من أن نتخلص من السادات"، وبالفعل سرنا معاً إلى طريق العودة منه صعبة.
ما الذي أوصل الظنون في الرئيس السادات إلى أذهانكم بهذا الشكل، ألا يجوز أنه كان سيفرج عنكم بعد أسابيع، وهو الذي منح الإخوان الحرية من قبل؟
الإخوان شوّهوا عبد الناصر في كتب لهم، مثل كتاب زينب الغزالي، وكتاب أحمد رائف، ونحن تصورنا كذباً أنّ السادات سيسير على السياسة ذاتها فقلنا نقتله، وفي جلسات محاكماتنا حوّل المحامون الحكاية إلى أننا قتلناه بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية، لكن وظّف كلّ من المحامين القضية لحسابه.

كيف يكون الظواهري إنساناً وقاتلاً؟
نعود لتنظيم القاعدة، لأنني سمعتك أكثر من مرة تثني على الظواهري، أريد تفسيراً للأمر؟

الظواهري، من الناحية الشخصية؛ إنسان بمعنى الكلمة وهو خلوق ومتواضع للغاية، لكنّه من ناحية الأفكار؛ منحرف وقطبي، والخلاف بيني وبينه الآن على الأفكار.
كيف يكون إنساناً وقاتلاً في الوقت ذاته؟
لأنّ سلوك الإنسان وليد لفكره؛ فالظواهري أصبح منحرفاً، وهكذا كان قاتل الإمام علي ابن أبي طالب، كان يرى أنّ ما فعله تدين، وهناك فرق بين شخصية الإنسان وخُلقه وممارسته السياسية، على ما أعتقد.
ماذا جرى في الأيام الأولى عقب قراركم قتل الرئيس السادات؟
حين صدرت قرارات التحفظ قررنا قتل الرئيس السادات، وعرضنا الخطة على ضابطين كانا معنا بالتنظيم، وهما: عبود الزمر، وعصام القمري، فقالا لنا: "إذاً، طالما سنقتله فلنقم بانقلاب شامل"، وجاءت الأحداث بهذا السياق غير المخطط له، وساعدنا في ذلك أنّ خالد الإسلامبولي جاء عارضاً قتل الرئيس بسبب سجن شقيقه محمد، وكانت هناك مجموعة من الجماعة الإسلامية ستحتل مبنى التلفزيون (ماسبيرو)، عقب أحداث المنصة مباشرة، وأنا كنت أعرف المهندس محمد رشاد، الذي يعمل بالمبنى، ويقود غرفة التحكم بالإذاعة المصرية، وكان سيساعدنا في بيان الثورة المسلحة وإذاعته.
تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي

اكتشفنا أنّ عبد الله عزّام يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية
كيف استطعتم تجنيد مثل هذه الشخصيات؟

لكلّ شخصية ظروفها في الاستقطاب والتجنيد، وأنا أذكر أننا نجحنا في تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي، وكان الشيخ يخطب، يوم الجمعة، بمنزل الرئيس في القناطر، ويقول: "إنّ سيدنا سليمان قال: (ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه)، اقتل يا سادات هؤلاء"، فأرسل لنا الضابط وقال: "قبل ما تقتلوا الرئيس اقتلوا هذا الشيخ"، ومع القبض علينا توصلوا له وأودع الضابط سجن القلعة، وكان اسمه هارون، وكان مسجوناً في زنزانة بجواري، وكذلك حين راح الرئيس يفتتح مصنعاً في مدينة طلخا، ألبسنا مجموعة منا ملابس عمال المصنع، ووضعنا 2 طن من مادة "تي إن تي" المتفجرة في مواسير مياه المجاري، لكنّ الرجل لم يمر بالطريق وجاء بطائرة "هيلوكبتر".
ما دور الظواهري في هذه الفترة؟
كان له دور كبير بكلّ تأكيد؛ فمخزن السلاح لجماعة الجهاد كان عندي، وقد كلفني بحمايته الضابط عصام القمري، وكان الإسلامبولي يحتاج إلى إبر ضرب نار وذخيرة، فجاء الظواهري وطلبها مني، فأعطيتها له، إضافة إلى طلقات مسدسات 9 مل، والقنابل اليدوية التي ضربوا بها المنصة، ولم تنفجر إحداها، وكان معي ممدوح أبو جبل، الذي أحضر إبر ضرب النار ثم جعلوه شاهد ملك في القضية وأفرجوا عنه، واختفى ولم يظهر حتى الآن، وفي السجن بدأنا نقول إنّنا قتلنا الرئيس لأنّه لم يحكم بما أنزل الله، ولم تكن هذه الحقيقة، وقامت الجماعة بكتابة بحث "أصناف الحكّام وأحكامهم"؛ الذي وقّعه الدكتور عمر عبد الرحمن.
ماذا فعلت عقب الإفراج عنك، هل تركت التنظيم؟
لا، فقد كانت الشرطة المصرية تخضعنا للمراقبة، وتفرض علينا كقيادات أن ننام يومياً في قسم الشرطة ويفرج عنا بالنهار، ولم أطق ما يحدث معي فقررت الهروب إلى أفغانستان، التي سبقني إليها الظواهري.
بن لادن لم يكن موجوداً لدى تأسيس "القاعدة"

 

أعتقد أنكم شكّلتم تنظيم القاعدة في تلك الفترة مع بن لادن أليس كذلك؟
بالفعل، لكن بن لادن لم يكن موجوداً، والقصة الحقيقية لنشأة التنظيم بدأت مع 4 ضباط مصريين، أذكر منهم: عبد العزيز الجمل، الذي يقولون إنّه مات بسوريا مؤخراً، وأعتقد أنّ الخبر ليس صحيحاً، ومعه الظواهري، وسيد إمام، وأبو عبيدة البنشيري، وسيد موسى، والأخير هو من اقترح الاسم والطريقة؛ حيث كان العرب الأفغان يأتون أفواجاً للمشاركة في القتال، لكنّهم كانوا يتفاجأون بأنّ بعض الفصائل الأفغانية صوفية، ويلبس أفرادها التمائم، فكان العرب يكفّرونهم، وكانوا يرفضون القتال تحت راياتهم، ووقعت مشكلات كثيرة، وتدخّل سيد موسى، وكان مدرباً كبيراً، فاقترح أن يفصل العرب ويقيم قاعدة يستقبل ويدرب فيها، ومن هنا كان الاسم، وأنشأنا معسكرات كثيرة كنت أقود أحدها، من أهمها: معسكر الفاروق، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين، وبدأ عبد الله عزام يدفع الرواتب، وكان معه ضابط اسمه "أبو مازن"، اكتشفنا أنّه يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية، لا الحركية، وهذا أدّى إلى أن تعاقب دولة مثل ليبيا هؤلاء وأهلهم، وعقدنا اجتماعاً ناقشنا فيه المسألة، وقرر بعض العرب قتل السالك، وقررنا محاكمة عزّام، لكنّه لم يحضر المحاكمة، وأعتقد أنه تمّ اغتياله فيما بعد للسبب ذاته؛ حيث تمّ اتهامه بأنّه أبلغ عن الأفغان العرب.
أين كان بن لادن في تلك الفترة؟
بن لادن لم يكن حاضراً، لكنّ عبد الله عزّام عقب محاكمتنا له، قرر منع الأموال عن المعسكرات، فكلفني الظواهري بالنزول للمملكة، ومقابلة بن لادن، أنا وأبو عبيدة البنشيري، فشرحنا له ما جرى، فقرّر الإنفاق من ماله على المعسكرات، وجاء بنفسه لأفغانستان، ولأنّ أغلبية الحضور كانوا يمنيين وسعوديين، قرروا تنصيب "أبو عبد الله" أميراً للعرب، وبعدها بدأت رحلته مع قيادة القاعدة.
انحرافات "القاعدة" الفكرية

 

محمد المقدسي وأبو قتادة شارحان لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسبّبت أفكاره في انقسام تنظيم القاعدة
هل كنت شاهداً على انحرافات القاعدة الفكرية عقب تحرير كابول؟

حينما دخل الأفغان كابول، ثم قاتلت الفصائل بعضها قررت العودة لمصر وتم اعتقالي، لكنني قبل عودتي شهدت كيف تسبّب سيد إمام في انقسام التنظيم بكتابه "الجامع في طلب العلم الشريف"، وأنا قلت للظواهري: "لقد أصبحنا مثل جماعة التكفير، وجئنا بسيد"، وقلت له: "ما حكم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله؟"، فقال: "كافر"، فقلت له: "ما حكم أعوانه؟"، فقال: "كفّاراً"، فقلت له: "ما حكم الشعب الذي صوّت له بنعم؟"، فقال: "مرتدّين"، فصاح أيمن: "بالفعل أصبحنا تكفيريين"، وبدأ في حذف أبواب من الكتاب، فكفّر سيد الظواهري، وأنا أرى أنّ هذه هي البداية الحقيقة لنشأة داعش؛ لأنّ أفكار التنظيم من الكتاب ذاته، الذي كتبه إمام في 12 عاماً متواصلة، وأصبح دستوراً للجماعات في العالم، وما محمد المقدسي، أو أبو قتادة، إلا شارحَين لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسببت أفكاره في انقسام القاعدة، وفي مشاكل كبيرة بين العناصر في اليمن والسودان.
أيّ مثال واضح على هذه الصراعات؟
من أهم الأمثلة: تصفية ابن القيادي محمد شرف، وكان حدثاً صغيراً مراهقاً، وتم اتهامه بالعمالة للنظام المصري، واتهموه بأنّه تمّ تكليفه بوضع حقيبة متفجرات أثناء اجتماع القادة، وتم تعذيبه تعذيباً بشعاً، فقطعوا له أطرافه وكانوا يضعون بداخلها سلك كهرباء، فاضطر الولد للاعتراف مجبراً، وكان القاضي هو القيادي مرجان سالم، الذي حكم عليه بالإعدام، وقتلوه هو وصديق له صغير، ولما جاء شرف من الجبهة وجد ابنه قتيلاً، ووقعت بعض المشكلات، لكنّ الغريب أنّ شرف لم ينشق عن التنظيم حتى مات مؤخراً بسوريا، لكنّ المشكلات الأهم هي ما جرت في سوريا الآن؛ حيث استقطبت تركيا أبا محمد الجولاني، وقرر الظواهري، المعروف بأنّه ساذج في الإدارة، الصلح معه، وتشكيل جبهة تحرير الشام، وفي كلّ اجتماع للقادة كانت تصل الطائرات وتقصف من فيه، ومات رفاعي طه، وأحمد سلامة مبروك، وغيرهما، وأعلن أبو ماريا القحطاني أنّ من يسلم الإحداثيات هو الجولاني، ووقعت معارك دموية بين الفصائل بسبب الاستقطاب ما بين تركيا وقطر، وغيرهما.
قرأت أنّك قلت إنّ الظواهري وقّع اتفاقاً مع الإخوان؟
بالفعل، فقد تواصل الرئيس مرسي مع الظواهري، وأرسلوا له 25 مليون دولار، وفق اعترافات شقيقه محمد بالنيابة المصرية، وكانت الخطة هي جمع الجماعات من غير الإخوان في سيناء ومنها القاعدة، من أجل إعلان إمارة وفصلها عن مصر، ثم تسليمها لحماس، كي تقيم عليها الدولة الفلسطينية، وفق الخطة المرسومة في صفقة القرن، وأنا سألت سعد الدين إبراهيم، وهو المعروف بأنّه عرّاب أمريكا: "إن دعمت أمريكا الإخوان بـ 25 مليون دولار في الحملة الرئاسية؛ فهل أسلمت أمريكا أم تحجبت؟"، فقال: "15 من قيادات التنظيم الدولي اجتمعوا مع الـ "سي آي إيه"، وأقنعوا الأمريكيين بأنّه لو نجح مرسي فسيتنازلون عن سيناء لصالح الدولة الجديدة، فقررت أمريكا مساعدتهم، كما سألت الرئيس الفلسطيني أبو مازن بنفسي في أحد الاجتماعات، فقال إنّ مرسي اجتمع به، وأراد أن يعطيه (شقفة) من سيناء، لكنّه رفض، وقال له: "ستعطيني (شقفة) ويأتي الرئيس بعدك يأخذ مني (الشقفة)، التي ستروح وتجيء بعد أن أكون فقدت الضفة"، فردّ مرسي: "لن نعطيها لك، لكننا سنعطيها لحماس"".
هل تواصل معك الظواهري مؤخراً؟
نعم، تواصل معي عام 2012 تلفونياً، وهو في حماية طالبان، التي يحتفظ معها بعلاقات صداقة؛ لأنّه طبيب أغلب قياداتها الشخصي، ويمكن أن تسلمه في إطار صفقة في أي وقت، فقال لي: "لا نريد منك مهاجمة الإخوان في هذا الوقت"، فقلت له: "أنت من كنت تهاجمهم، بل وكفّرتهم في كتابك "الحصاد المر""، فسكت وأغلق الخط، ومن هنا كفّرته داعش؛ لأنه عقد هذه الصفقة مع الجماعة، وقالوا إنّه مؤمن بالديمقراطية!
كيف ترى مستقبل القاعدة بعد كلّ الذي قلته ورويته؟
ستنتهي؛ لأنّ وعد الله على الخوارج، أنّه "كلما خرج قرن قطع"، والظواهري تراكمت عليه المشاكل، وأعتقد أنّ نهايته باتت قريبة ومحتومة، وأيام كنا بالسودان راح الترابي إلى مسؤولين في أمريكا في فرجينيا، وقال لهم: "نحن نستطيع تسليم بن لادن"، فقالوا له: "نحن نريد فقط أسماءهم الحقيقية، لا الحركية، وصورهم"، والظواهري يمكن أن يُسلَّم في أية صفقة.

للمشاركة:

وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة

2019-10-08

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال وليد البرش، أحد مؤسسي حركة تمرد الجماعة، إنّ الإخوان المسلمين لن يجروا مراجعات حقيقية أسوة بالجماعة الإسلامية في التسعينيات؛ مبيناً في حواره مع "حفريات" أنّ ذلك عائد إلى أنّهم يعتقدون أنّ جماعتهم هي من تمثل الإسلام، وإيمانهم بالتقية التي طالما مارسوها؛ "فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قُبلة الحياة".

مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب مخالفة صريحة للنص الإسلامي الجامع

وأضاف القيادي السابق في تنظيم الجماعة الإسلامية، أنّ الإخوان إبان فترة حكمهم واعتقادهم بنجاح "أخونة الدولة المصرية"، أدركوا أنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم منهم، فسعوا إلى التخلص منها بتأييد "الجهاد" في سوريا والترويج له.
وأكد صاحب كتاب "من المنصة إلى المنصة" أن لا مستقبل للإسلام السياسي في بلاده، موضحاً أنّ مصر اليوم، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي، وأنّ "من يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل التمويل والتسليح، وتوفير ملاذات آمنة أو منبر إعلامي وتبرير فكري".
وهنا نص الحوار:

تحولات ومراجعات

*في كتابك الأخير؛ أوضحت كيف تحوّل تنظيم الجماعة إلى العنف، ثم راجع نفسه، ما المنطلقات التي دفعتها لتلك التحولات؟
المراجعات الفكرية التي أطلقتها الجماعة الإسلامية العام 1997، خرجت من منطلق شرعي؛ أنّ هناك أخطاء شرعية وقعت يجب التراجع عنها، مثل تعارض فكرة الانتماء للوطن مع الانتماء للدين، وفكرة الاستعلاء الإيماني وما يترتب عليه من تنفيذ الأفراد للأحكام بأنفسهم، بعيداً عن السلطتين القضائية والتنفيذية، وفكرة الطائفة الممتنعة التي تجيز قتال المسلمين، والتترس التي تجيز العمليات التفجيرية في أماكن المدنيين والحاكمية، وقد أزالت المراجعات هذه الإشكاليات وصحّحت هذه الأخطاء، وكان يجب استثمار هذا التصحيح كبداية ليقوم علماء الأزهر بتصحيح كلّ الممارسات الفقهية الخاطئة، التي ترسّخت عبر قرون كخطوة أساسية لتجديد الخطاب الديني.
* هلا ذكرت لنا أمثلة على هذه الممارسات الفقهية الخاطئة التي تحتاج إلى تصحيح؟
مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب "الغزو لنشر الإسلام"، وهو مخالف للنص الجامع الموضح لحقيقة الجهاد، في سورة "البقرة" (الآية 190): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومنها أنّ ممارسة الدعوة إلى الإسلام ومعانيه العظيمة بالتسامح والعفو وكفّ الأذى والهجر الجميل، يكون حال الاستضعاف، أما في حال القوة؛ فكلّ هذه المعاني منسوخة! وأحكام السبي واغتصاب النساء، وعدم الاعتداد بالحدود الجغرافية، وعدم اعتبار مصلحة الوطن كأحد المصالح الكلية التي يحرص الشرع على الحفاظ عليها.
* كنت أحد مؤسِّسي "تمرد الجماعة الإسلامية"؛ كيف ظهرت هذه الحركة؟ وأين هي الآن؟
لقد كانت حركة "تمرّد" قبساً من نور أضاء للحائرين من أبناء الجماعة الإسلامية الطريق، وأوضح لهم معالم الخروج من النفق المظلم الذي أدخلهم فيه قادة العنف وأمراء الدم، ولقد تميزنا عن باقي الحركات التي تبعتنا في معارضة الجماعة بوضوح الرؤية، ووضع خطة محددة تهدف لإعادة الجماعة إلى التصالح مع الوطن، ومراعاة الواجب الوطني، وانتهاج السلمية، وتفعيل المراجعات الشرعية المسماة "مبادرة وقف العنف"، وتحقيق ذلك عبر عدة وسائل، هي:

كان على الأزهر استثمار مبادرة وقف العنف لتجديد الخطاب الديني بتصحيح الممارسات الفقهية الخاطئة التي ترسّخت لقرون

- إخضاع الجماعة، أعضاء وتمويلاً، لرقابة القانون ولأحكامه.
- إخضاع أنشطة الجماعة للأزهر الشريف دراسة وترخيصاً.
- إلغاء مبدأ السمع والطاعة في الجماعة والمعروف باسم "نظرية الطوبة"، لتحرير إرادة الأفراد وعقولهم.
- التبرؤ من حزب بناء وتنمية الإرهاب.
- قطع الصلات مع كلّ من يضرّ الأمن القومي المصري.
ولقد نجحت الحركة، بفضل الله، في تحريك قيادات كانت قد سكنت للأمر الواقع؛ كالشيخ كرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، وبدري مخلوف، وغيرهم، وطرحنا مواضيع للنقاش والحوار بين أبناء الجماعة، كان مجرد التفكير فيها رجساً من عمل الشيطان.
*هل تؤمن أنّ هناك قيادات تاريخية معتدلة وأخرى متشدّدة في ظلّ تحولات علي الشريف الأخيرة؟
لا يوجد بين قيادات الجماعة معتدلون سوى أربعة: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، أما علي الشريف؛ فهو أول من اقترح ونفّذ قتل الأقباط لسرقة أموالهم (حادث نجع حمادي، عام 1981، قتل ثمانية صائغين أقباط وسرقة محالهم)، وكان قائد إحدى المجموعات الأربع التي ارتكبت مذبحة الشرطة بأسيوط 1981، والتي خلّفت 118 شهيداً من الشرطة.
*هل تعتقد أنّ جماعة الإخوان يمكن أن تجري مراجعات مماثلة؟
جماعة الإخوان لن تجري مراجعات حقيقية؛ لأنّها تعتقد أنّها تمثل الإسلام، وأعضاؤها يعانون من متلازمة احتكار الإسلام، ونظراً لاعتقادهم بالتقية وممارستهم لها كثيراً؛ فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة، كما حدث عندما كتب الهضيبي كتابه "دعاة لا قضاة" في السجن، وتبرّأ من أفكار سيد قطب، وكان الكتاب موجهاً للدولة، وليس لأعضاء التنظيم؛ لذا لا قيمة له لديهم سوى خداع الدولة فقط وإقناعها بعدولهم عن أفكار قطب.
مصر بعد ثورة يناير

* في كتابك "من المنصة إلى المنصة" تطرقت إلى تاريخ الإخوان مع العنف، كيف تصف مصر بعد ثورة يناير؟
نعم، قلت إنّ مصر أصبحت، بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم، وتمثلت مظاهر الجذب للإرهابيين فيما يلي: حين استتبع انهيار الشرطة، بعد ٢٥ كانون الثاني (يناير)٢٠١١، انهياراً كاملاً للأمن في سيناء؛ فقد تمّ اقتحام معظم أقسام شمال سيناء، والاستيلاء على أسلحتها ورفع علم "القاعدة" عليها، وإعلان سيناء إمارة إسلامية مستقلة، تحت اسم "ولاية سيناء".

الهدف الحقيقي للجماعة تفكيك مصر لصالح مشروعها وتحويلها لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي

كما تمّ إنشاء ثلاثة معسكرات في قرى رفح على مرأى ومسمع من الجميع، وقد سمح الفراغ الأمني بزيادة القدرات التنظيمية والتشغيلية للجماعات الإرهابية في المنطقة، نتيجة تدفق أعداد كبيرة من السلاح الثقيل من مخازن القذافي المنهوبة، عبر خطة لتكديسه في مصر لاستعماله وقت الحاجة إليه، ثم العفو عن قيادات الإرهاب، وإخراجهم من السجون، وعودة الباقين من أفغانستان، وبعدها ذهبوا لميدان التحرير وتلقوا البيعات، وتمّت إعادة طباعة كتب القاعدة والجهاد، في مكتبة إشبيلية، لصاحبها أحمد عشوش، زعيم السلفية الجهادية في مصر، وتوزيعها مجاناً لنشر الفكر الإرهابي.
وانتهزت الجماعة الإسلامية فرصة إعطاء النائب العام الإخواني ما عرف بالضبطية القضائية للمواطنين، فتقدمت بمشروع قانون لتقنين أوضاع اللجان الشعبية (الميليشيات العسكرية)، وبعد هذا نظّمت الجماعة استعراضاً عسكرياً في محافظة أسيوط لكوادرها المشاركين في اللجان الشعبية!

اقرأ أيضاً: الإخوان والقضية الفلسطينية.. هكذا يسرقون التاريخ!
وتقدّم الإسلاميون بمشروع العفو السياسي عن المتهمين في الجرائم السياسية، التي ارتكبت خلال الفترة من 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وحتى 11 شباط (فبراير) 2011، وكان الهدف السماح لقادة الإرهابيين بأن يتنعموا بمكاسب السياسة، وأن يحوزوا المناصب التشـريعية والتنفيذية التي لا يستطيعون الوصول إليها بسبب العقوبات التبعية للجرائم التي ارتكبوها، وكانت هذه هي مصر بعد 25 يناير.

محرقة منافسي الإخوان

*لماذا دعا الإخوان إلى "الجهاد" في سوريا؟
مخيلة الإخوان أوحت لهم أنّ القوى الوطنية والشعب المصري، ومؤسسات الدولة؛ كلّ هؤلاء أصبحوا تحت السيطرة، أو في طريقهم للخضوع للسيطرة الكاملة من الإخوان عبر ما عُرف بخطة "أخونة الدولة المصرية"، وأنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم من الإخوان، وأنّ تحالفهم مع الجماعة مجرّد تحالف مؤقّت.

نظراً لاعتقاد الإخوان بالتقية فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة

وكان الإخوان يعون جيداً أنّ دورهم في العفو عن قيادات الإرهاب وخروجهم من السجون وعودة الباقين من أفغانستان؛ هو تحضير لمارد الإرهاب إلى مصر، وأنّهم لن يهنؤوا بحكم البلاد طالما هؤلاء موجودون على الأرض المصرية؛ لذا خططوا جيداً لإبعاد هذه الذئاب الجائعة التي تستعدّ لنهشهم وخطف مقعد الرئاسة منهم عن مصر، والتخلص منهم، فكانت أكذوبة الجهاد في سوريا، وهي محرقة جديدة للتخلص من المنافسين الإسلاميين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان مخطط تقسيم الدول العربية إلى كيانات رخوة وسيطرة الإخوان عليها وفق مخطط الفوضى الخلّاقة يستدعي تدفّق الرجال إلى سوريا كوقود للحرب، وكانت الأكذوبة لجعل المنافسين الإسلاميين مجرد بنادق مستأجرة، تستعمل كوقود للحرب في سوريا.
*هل نجح مخطط الإخوان في التخلص من قادة الجماعات المنافسة لهم بإلقائهم في محرقة الجهاد في سوريا؟
نجح مخططهم نجاحاً عظيماً وابتلعت الجماعات المنافسة الطعم؛ والدليل على ذلك: مقتلة قادة الإرهاب المصريين في سوريا، وأبرزهم: أبو الفرج المصري، أحمد سلامة مبروك، وأبو هاني المصري، هاني هيكل، وأبو العلا عبد ربه، أحد قتلة د.فرج فودة، ومحمد عباس، وغيرهم، وكذلك التخلص من منظري الإرهاب بتصديرهم إلى سوريا، مثل: أبو اليقظان محمد ناجي، وأبو أيوب شريف هزاع، وأبو شعيب طلحة المسيّر، وغيرهم.

*إذاً، أنت تؤكد أنّ الإخوان استطاعوا السيطرة على شباب الجماعات الإسلامية وإرسالهم إلى ما يسمى "الجهاد" في سوريا؟!
نعم، استطاع الإخوان أن يسيطروا على عقول شباب الجماعات الإسلامية المنافسة وكلّ شباب لا ينطوون تحت لواء جماعتهم، من خلال الاحتلال العقلي، فحوّلوا الشباب إلى بنادق مستأجرة تنفذ دون تفكير، تقتل بدم بارد، تنفذ العمليات الانتحارية دون تردّد، وينقسم الاحتلال العقلي إلى أربع مراحل: الأولى "تقديس القادة"، وفي هذه المرحلة يتم إضفاء هالات من القداسة عليهم تجعل عقول الشباب تنبهر بهم، والثانية "السمع والطاعة"، وفي هذه المرحلة يحولون الشباب إلى أدوات لتنفيذ المخطط الذي رسموه وتصديق الأكذوبة التي روّجوها، والثالثة "الأوهام الثلاثة"، وتتمثل في:
1- وهم اضطهاد المسلمين في سوريا وانتشار المذابح فيها.
2- وهم تكفير النظام في سوريا ونعت الجيش السوري بأنّه جيش طائفي.
3- وهم وجوب الجهاد في سوريا لإقامة خلافة إسلامية تبدأ من الشام.

وأما المرحلة الأخيرة؛ فهي "الحرب الدائمة مع العالم": أي إنّهم في حالة جهاد مستمر وحرب دائمة مع العالم بغرض إدخال الناس في الإسلام، حتى لا يفكروا في العودة إلى مصر مرة أخرى.

*ماذا تقصد بـ "جهاد لندن"، و"جهاد السيارات الفارهة" اللذين تحدّثت عنهما في كتابك الأخير؟

الحكاية من أولها؛ أنّه بعد أن أفتى محمد العريفي في مؤتمر بالقاهرة بوجوب الجهاد في سوريا، وزعم أنّها أرض الجهاد، وذلك في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، حمل حقائبه وطار، لكن ليس إلى أرض الشام، بل إلى العاصمة البريطانية، لندن، ليقضي الصيف هناك! وقد فطن بعض الشباب العربي لهذا التناقض، فقاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح الشديد في شارع إكسفورد، وسط العاصمة البريطانية، أثناء خروجه من مطعم المأكولات السريعة "ماكدونالدز"، في الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش، من عصر الجمعة 21 حزيران (يونيو) 2013، وبرفقته ثلاثة أشخاص.

كتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة" لم يكن موجهاً لأعضاء التنظيم بل لمخادعة الدولة

أما جهاد السيارات الفارهة؛ فلو أنّك شاهدت حرارة وحماس الشيخ محمد حسان، وهو ينادي ويحرض على الذهاب لسوريا للجهاد، لظننت أنه سوف يجمع أمواله وأبناءه ويذهب للجهاد ولنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين بكى عليهم وأبكى مستمعيه، لكنّه لم يفعل.
وقصة مترجم داعش القرغزستاني، محمد يحيى، تفضحه؛ حيث التقى الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، محمد يحيى، الذي كان يعمل مترجماً لدى داعش، وقال إنّ سبب انضمامه للتنظيم جاء بعد فتوى أصدرها الداعية المصري محمد حسان بـ"الجهاد" في سوريا، وقال إنّه سافر من قرغزستان إلى مصر لطلب العلم في جامعة الأزهر، ومكث هناك سنة ونصف السنة، وتأثر بالشيخ محمد حسان وأفكاره، خاصة أنّه أصدر فتوى آنذاك تجيز "الجهاد" في سوريا، وأعطى كلّ طالب أشرطة تتضمن تسجيلات فيديو تظهر الجيش السوري في ممارسات بشعة ضدّ المواطنين السوريين، وقال للحضور: "يجب أن تذهبوا للجهاد في سوريا"، وتابع يحيى بأنّ "ذلك الكلام ملأ عقله، وأنّ محمد حسان أعطى كلّ شخص من الحضور 100 دولار، وأنّه اكتشف أنّ محمد حسان أرسل الشباب إلى سوريا ولم يرسل ابنه، ولم يذهب إلى هناك هو نفسه طبعاً، وإنما اشترى لابنه محمد سيارة فارهة ليتمتع بها".

مستقبل الإسلام السياسي

* كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي في مصر الآن خاصة الجماعة الإسلامية؟

لقد صدّعت جماعات الإسلام السياسي في مصر رأس الشعب بمقولتها: "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا"، وبمظلوميتهم، وببراءتهم من كلّ عنف أو إرهاب، وكانت 25 يناير وما بعدها من أحداث كاشفة، بل إن شئت الدقة "فاضحة" لحقيقتهم، فبين عشيّة وضحاها تحوّلوا من وجوه سمحة تحمل دوماً الابتسامة إلى وجوه تشهر أنيابها طوال الوقت، مما جعل الإطاحة بهم من الحكم سريعة، فلم يحتمل الشعب حكم الإخوان أكثر من عام، واقتنع أنّ الهدف الحقيقي لهذه الجماعات هو السيطرة على الوطن وتفكيكه لصالح مشروعهم وتحويل مصر لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي.

مصر أصبحت بعد "25 يناير" منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم

ونتيجة ذلك الرفض الشعبي أصبحت للدولة رؤية جديدة واضحة لهذه الجماعات (إخوان، وقطبيون، وجماعة إسلامية، وجهاد، وجبهة سلفية، وحسم، ...)؛ أنّها تمثل رغم اختلافها الظاهري ما يسمى بسلسلة الإرهاب، وبالتالي فمصر، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي الآن، تنظيماً وتسليحاً ودعماً سياسياً وغطاءً أيديولوجيّاً وإعلامياً، فمن يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل من يموله ويُسلّحه، أو يوفر له ملاذاً آمناً، أو منبراً إعلامياً وتبريراً فكرياً، وعليه فلا مستقبل للإسلام السياسي في مصر، فمصر ذاهبة للتطهّر من أدران هذه الجماعات.
*وماذا عن مستقبل الجماعة الإسلامية؟
الجماعة فقدت ثقة الشعب والدولة المصرية بالانقلاب على مبادرة وقف العنف 1997، وفقدت عقولها المفكرة بالإطاحة بكرم زهدي وناجح إبراهيم إلى خارجها، كما فقدت أيّ دليل على إمكانية تصحيح مسارها وقبولها النصح برفضها لحركة تمرد الجماعة وتشويهها.

اقرأ أيضاً: من الأرشيف البريطاني: كيف خدم "الإخوان" لندن؟
وأنا أرى أنّها بلغت من العمر أرذله؛ فهي في مرحلة الموت الإكلينيكي، نتيجة تضافر عوامل كثيرة، أهمها ارتفاع معدل السنّ لأعضائها، إضافة إلى ارتباط الصورة الذهنية للجماعة لدى الشعب بوجوه قبيحة، مثل: عاصم عبد الماجد، وطارق الزمر، ولم يتبقَّ منها سوى لافتة الحزب الذى سيتم حلّه في شهر آب (أغسطس) المقبل، وساعتها سيعلن موتها رسمياً، وهو ما اعترف به سمير العركي، القيادي بالجماعة، والهارب لتركيا، من أنّها تحتضر.

للمشاركة:

أحمد الشوربجي: خطورة أفكار قطب أنها لم تعد ملكاً للإخوان فقط

2019-10-03

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث المصري في الشأن الإسلامي، أحمد الشوربجي، إنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا؛ موضحاً في حواره مع "حفريات"، أنّ قطب "إن كان اشتُهر بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات؛ فحسن البنا هو أستاذه في ذلك".

اقرأ أيضاً: قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه
وأكّد الشوربجي أنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في الفهم المغلوط للقرآن، "وهي الحالة التي حذّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم"، لافتاً أنّ ثمّة تقصيراً يقع على عاتق المؤسسات الدينية في مواجهة مثل هذه الأفكار، مبرّئاً في الوقت ذاته "البخاري" من المساهمة في مأزق الإرهاب الذي يضرب منطقتنا، وألقى المسؤولية على الأجيال الجديدة، التي لم تخرج "بخارياً جديداً" يكمل دوره في تنقية السنة والتراث الإسلامي من المغالطات والأكاذيب.
وهنا نص الحوار:
وجهان لعملة واحدة

هل ترى أنّ هناك تمايزاً بين أفكار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب؟
هناك بالفعل أصوات من داخل جماعة الإخوان المسلمين، أو من خارجها، خاصة بعض من انشقّوا عنها، تدّعي أنّ هناك فارقاً كبيراً بين أفكار حسن البنا وسيد قطب، وأنّ مسيرة الجماعة تعثرت بسبب انحيازها لأفكار سيد قطب على حساب أفكار المؤسس الأول، حسن البنا، وأنّ الحلّ "في الرجوع لأفكار البنا".

أفكار سيد قطب التكفيرية في أصلها وعمقها لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا

وأكثر من يروّجون لهذه الأفكار، سواء داخل الجماعة أو خارجها؛ هم جيل السبعينيات، أو من يُطلق عليهم "أصحاب التأسيس الثاني للجماعة"، أو "الإصلاحيون"، جيل عبد المنعم أبو الفتوح ورفاقه، بقيادة المرشد الثالث للجماعة، عمر التلمساني، إضافة إلى مجوعة من القدامى، أمثال الدكتور كمال الهلباوي.
وفي اعتقادي؛ هؤلاء هم أكثر من يجب الحذر منهم، والانتباه لمراميهم، لأمرين هما غاية في الأهمية: الأول: أنّهم بهذه الادّعاءات يغسلون سمعة الجماعة، ومؤسّسها الأول، حسن البنا، ويطهّرونها من خطاياها وأوزارها، ويجمّلون تشوّهاتها، ويقيلونها من عثراتها؛ بإلقائها على مجموعة معينة أو شخص واحد، وكأنّ الجماعة لم تُنشَأ على الخطأ، ولم تقع في الأوزار، ولم تتلبس بالخطايا، قبل سيد قطب والقطبيين، وبذلك تظلّ صورة "البنا" بريئة نقية وصورة الجماعة مقدسة طاهرة.

اقرأ أيضاً: لماذا أعدموني؟.. نظرة في كلمات "قطب" الأخيرة
والحقيقة؛ أنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار "البنا"؛ فإن كان سيد قطب صاحب تنظيم 65، فحسن البنا هو صاحب مشروع العنف والإرهاب والتنظيم الخاص في الأساس، وإن اشتهر سيد قطب بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات، أو وقوفها تحت مظلة الكفر، على الأقل، فحسن البنا هو أستاذه في ذلك، فقد جعل الحاكمية ركناً من أركان الدين، وأصلاً من الأصول، لا فرعاً من الفروع، والدولة ليست إسلامية، والمجتمعات بعدت عن الدين، فكلّ أفكار "قطب" ليست إلا تجسيداً لأفكار "البنا"، وإعادة صياغة لها، وإلباسها ثوباً جديداً وعرضها للجميع.

لكن ما دليلك على ما تقول؟

دليلي على ذلك أمران، الأول: الاعتراف والشهادة والبحث والمقارنة، أما الاعتراف؛ فهو لسيد قطب ذاته، حين قال: إنّ كلّ ما يقوله وما يطرحه من أفكار تمثل حسن البنا؛ إذ كان يطرحها ويقول بها في السرّ، وليس في العلن، وأما الشهادة بذلك؛ فقد جاءت على لسان علي عشماوي، القيادي الميداني لتنظيم 65 في مذكراته.
لكنّ هناك قطاع من الجماعة، ربما بدهاء أو بسذاجة، جعل سيد قطب هو مسيح الجماعة، الذي يتحمّل أوزارها، وبالتالي تغافل الجميع عن حسن البنا، والحقيقة أنّ "البنا" هو المتن، وكلّ من جاء بعده بتنظير كان هامشاً لهذا المتن.
لماذا، إذاً، اشتهر سيد قطب بهذه الأفكار دون حسن البنا؟
ربما لاختلاف شخصية الرجلين؛ فالبنا رجل تنظيمي في الأساس، لديه قدرة على القيادة، وكاريزما التأثير في الأتباع، في حين أنّ سيد قطب كان رجلًا أديباً معنيّاً بالأفكار والكتابة والتنظير والتأطير، وبالتالي كان البنا يعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم، والجندية القائمة في الأساس على السرية، وإلقاء الأوامر والتلقين والشفوية والبعد عن التوثيق والكتابة قدر المستطاع، وصنع الدوائر العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، ولهذا لم يكتب "البنا" كتاباً، وإنّما نُقلت أفكاره وجمعت رسائله وخطبه وكلماته ورويت من قبل أتباعه.

البنا اعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم والجندية القائمة في الأساس على السرية

في حين اهتم سيد قطب بالكتابة، وتجسيد هذه الأفكار والتنظير لها بشكل مكثف وموثّق، وبفعل عاملين في غاية الأهمية، هما: شخصية الأديب "سيد قطب"، وصبّ هذه الأفكار في كتاب يتضمّن تفسيراً للقرآن الكريم، خرجت هذه الأفكار من حالة الجماعة والتنظيم والتخصيص إلى حالة العموم والشيوع، لتصنع حالة تعدت حدود الجماعة والتنظيم، فتسللت ودخلت إلى المساجد والمعاهد والمدارس والجامعات، وتبنّاها علماء ومفكرون ومثقفون، ونطقت بها أفواه لا علاقة لها بالجماعة، وأصبح من يتعرض لسيد قطب يتعرض لمفسّر للقرآن، ومدافع عن الإسلام، وأديب، وشهيد، وليس عن حامل لأفكار الإخوان والخوارج الجدد، ومجرم ترأّس تنظيماً للقتل والدمار.
تفسيرات مغلوطة

لماذا لم يقدّم أحد من العلماء المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه قطب كي يمحو تأثيره في الأجيال الحالية والقادمة؟
بلا شكّ إنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في هذا الفهم المغلوط للقرآن، وهي حالة تكفلت السنّة النبوية ببيانها، وتحذيرنا منها بوضوح تام، وذلك في الحديث الذي رواه ابن حبان، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وغيرهما، عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: بَلِ الرَّامِي"؛ فهناك ثلاث مراحل يمرّ بها المتطرف، حدّدها الحديث السابق، وهي: مرحلة "الاتصال"، ثم "الانتقال"، ثم "الانفصال".

طرح مواجهة التكفير موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين بل لإرادة وإدارة

فمرحلة "الاتصال" عبّر عنها الحديث بقوله: "قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ."
وهي مرحلة عبّر عنها الرسول بالجدّ والاجتهاد في الطاعة وظهور علامات التدين فقال: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتكم، وصيامه إلى صيامكم، وقيامه إلى قيامكم"، أما مرحلة "الانتقال" فهي التي عبّر عنها الحديث بقوله: "غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ"؛ أي غيّر معنى القرآن وتأويله، لا نصّ القرآن؛ فمعلوم أنّ النصّ القرآني ثابت مكتوب ومسطور ومحفوظ في الصدور فكيف يغيره؟ وهذا هو مكمن الخطر؛ أن يأتي بتأويل مغلوط للقرآن والسنّة، فيغير الدليل، ويأتي بأشياء تخالف إجماع الأمة والسلف وأكابر التابعين والمفسّرين. 
هنا تأتي مرحلة "الانفصال"، التي عبّر عنها الحديث بقوله: "خرج على جاره بالسيف، ورماه بالشرك"، فيقع التكفير والتفجير حتى لأقرب الناس للجار، دون اعتبار أيّة مودة، ودون مراعاة لأيّة حرمة.
أما لماذا لم يقدم أحد من علماء المسلمين المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه سيد، ويتميز بالتأثير بحيث يمحو به أفكار قطب على الأجيال الحالية والقادمة؛ فالحقيقة؛ أنّ هذا الطرح موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين، وإنما يحتاج فقط لإرادة وإدارة، إرادة لإنهاء هذه الأفكار وتعريتها وكشفها وأخذ التحصينات اللازمة منها، وإدارة لمعركة فكرية حقيقية على الأرض، لا في الفضاء.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
معركة يلزمها وجود جيش حقيقي مدرَّب ومسلح بالعلم والفكر وقوة الحجة والمنطق، جيش يقاتل بكافة أنواع الأسلحة الفكرية المكتوبة والمسموعة والمشاهدة، جيش يدخل بنفسه أو بسلاحه للمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد ويكون له حضور في الشارع.
فدولة مثل مصر، توجد بها مؤسسة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وتعاني منذ ما يزيد على تسعين عاماً من هذه الأفكار التي تؤدّي للدمار والخراب، والقتل وتشويه الدين هل هي عاجزة عن إنهاء هذه الأفكار؟!   
خرق إجماع

ثمة من يرى أنّ تفكيك أفكار سيد قطب يلزمه تفكيك تراث ابن تيمية، أم أنّ سيد حالة مستقلة وجديدة لا ترتبط بالأقدمين؟
كلا الرجلين خرق الإجماع العام، وجاء بمشروع فكري جديد، عارض به السابقين واللاحقين، وإن كنا نرحب بالجديد والتجديد، ولكن حينما يمسّ هذا الجديد عقائد الناس والحكم عليهم من جهة الكفر والإيمان، هنا المجهود الفردي والاجتهاد الشخصي، مع الخروج عن حالة الإجماع يمثل خطورة كبيرة.

إشكالية ابن تيمية وسيد قطب أنّهما "اكتشفا" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم وأنّ المجتمعات المسلمة في ضلال

فإشكالية ابن تيمية وسيد قطب من ناحية الأصل واحدة؛ أنّ كلاً من الرجلين "اكتشف" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم، وأنّ المجتمعات المسلمة بكلّ أطيافها وعلمائها لا تعرف الإسلام الحقّ؛ فابن تيمية يرى أنّ الناس لا تعرف التوحيد، وأنّ هناك خللاً في عقديتهم، وكذلك سيد قطب، كانت مشكلته التي يدور حولها منطلقة من المعنى ذاته؛ الناس لا يعرفون الإسلام، حتى أنّه يصرّح بأنّ الإسلام توقف منذ قرون، ولم يعد موجوداً، فالمجتمعات مسلمة اسماً لا حقيقة.
هذا من ناحية الشكل، أما مضمون المشروعَين؛ فبينهما اختلاف تام، حتّى أنّ أتباع ابن تيمية يتهمون سيد قطب بأنّه مبتدع من ناحية العقيدة، والحقيقة أنّ منهج سيد قطب في العقيدة هو المشروع الذي كان يحاربه ويقاومه ابن تيمية.
قطب والمراجعات

هل ترى أنّ أفكار سيد قطب هي التي تمنع الإخوان حالياً من الدخول في مراجعات فكرية؟
أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها؛ فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً من هذه الأفكار، وتتبناها؛ فقضية مراجعات الأفكار ليست هي العائق، وإن كانت مؤثرة، لكنّ العائق الأساسي هو مدى امتلاك الجماعة من أوراق القوة وأسبابها. 

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب

لكن، الجماعة ليست عصية على الدخول في مراجعات، وهي تاريخياً فعلت، بصرف النظر عن جوهر هذه المراجعات، لكنّ الفكرة ذاتها فكرة المراجعات كانت مطروحة ونفذتها الجماعة، المخرج والمنتج النهائي لهذه المراجعات هذا شيء آخر لكنّ المراجعات حدثت. 
ما الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية في هذا الشأن؟
الفارق؛ أنّ الجماعة الإسلامية خسرت المعركة تقريباً، هُزمت هزيمة ساحقة، لم تعد تملك من أوراق المواجهة ما يوحي بإمكانية حلّ المشكلة، كلّ القادة التاريخيين والأفراد تقريباً داخل السجون.
اليوم الموقف مختلف؛ فلا جميع قادة الإخوان في السجون، ولا كلّ أفرادهم في المعتقلات، ولا انتهت عناصر القوة بالنسبة إلى الجماعة.

أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً منها

هنا يصعب الحديث عن المراجعات، بينما يظلّ الحديث عن التفاوض هو الأقرب للطرح والتنفيذ، والتفاوض يمكن أن يخرج في شكل مراجعات، ويأخذ الاسم ذاته لكنّ الفارق بينهما من ناحية المعنى بعيد جداً.     
هل ترى أنّ تفسيرات السلف والخلف، بحاجة لمراجعة، أم الانقطاع الكامل عنها، وبدء الاجتهاد بتفسيرات جديدة؟
حينما يكون لديك كنز ثمين، لكن بداخله بعض العملات الزائفة، هنا تصبح مهمتك أن تنقب عن هذه العملة الزائفة لا أن تلقي بالكنز؛ فالانقطاع الكامل عن التراث إهدار لكنز ثمين، كما أنّه مستحيل من الناحية العملية.
أما الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن، فهذا -بلا شكّ- مطروح وبقوة، وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر؛ لأنّه ما كان كتاباً يناسب كلّ عصر إلا لأنّه كتاب لا تنقضي عجائبه، ولم تستنفَد أغراضه بعد. 
مهاجمة البخاري

كيف تنظر إلى دعوات هدم قدسية صحيحي البخاري ومسلم بدعوى الاكتفاء بنصوص القرآن الكريم؟
احترام البخاري على وجه التحديد، ومسلم وتقديرهما، واجب على كلّ من يحترم العلم ويقدّره؛ فكلاهما شرف لهذه الأمة، ونموذج يحتذى به في التجديد والاجتهاد.
الإمام البخاري نظر في الأحاديث فوجد فيها غثّاً ينسَب للرسول الكريم زوراً وبهتاناً، ولاحظ كثرة التحديث والأقوال، فماذا فعل؟ ندب نفسه للدفاع والذبّ عن رسول الله عليه السلام، فاجتهد وجاء بمنهج عبقري لم يسبقه إليه أحد، فوضع شروطاً لاعتبار الحديث صحيحاً مقبولاً من عدمه، فماذا كانت النتيجة؟

الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن مطروح وبقوة وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر

حصّل الرجل كلّ ما يستطيع تحصيله من أحاديث وأقوال تنسب للرسول الكريم، فوجدها ستمئة ألف حديث، وبدأ يختبرها وفق المنهج الذي وضعه، فلم يجد منها سوى 2600 حديث تقريباً هي التي يمكن نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل يعقل أن نقول إنّ الرجل جنى على الأمة؟
إنني أتعجب ممن يهيلون التراب على البخاري، أمجانين هؤلاء؟! الرجل عبقري بالمقاييس العلمية، والعباقرة يحفر له التاريخ مكانتهم.
وأقول لكل من يحاول النيل من البخاري، بنية صادقة، نية التجديد والشعور بأزمة حضارية؛ ليست المشكلة في البخاري، بل على العكس؛ المشكلة أنّه لا يوجد بخاريّ جديد، المشكلة أنّ هذه الأمة، بطولها وعرضها، توقفت عن إنتاج العبقريات، وعن النقد والفرز، فلم يأتِ بعد البخاري بخاري آخر، حتى تلميذه مسلم، بدل أن يزيد في شروط قبول الحديث، ويحطاط لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر، نزل بشروط قبول الحديث عن شيخه البخاري، وجاء من بعده من نزل حتى عن شروطه، وهكذا؛ بدل أن ترتقي الأمة في الشروط، نزلت بها، فظلّ كتاب البخاري هو الأعلى من حيث شروط قبول الحديث، وهنا يكمن عمق الأزمة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
باختصار؛ نحن نحتاج إلى بخاري آخر، ينظر أولاً في كتاب البخاري ويبحثه، وهل التزم بشروطه التي وضعها لنفسه في كلّ أحاديث كتابه، ثم يأتي بمنهج علمي جديد، أكثر صرامة لقبول الحديث؛ فالبخاري ليس أزمة الأمة، بل أزمة الأمة أنّها عقمت أن تلد بخارياً جديداً، وهو شيء لا يصدَّق، ومن ثم فتقدّمنا مرهون بولادة عبقريّ، بل عباقرة جدد، وإن ظللنا ننفي إمكانية ذلك، وأنّه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فنحن حقيقة ننفي إمكانية تقدّمنا ولو شبراً واحداً. 
الحاضر الغائب

هل يمكن أن تلخّص لنا أزمة تجديد الخطاب الديني، إذا كان ثمة أزمة، ورؤيتك للخروج منها؟
الخروج من هذه الأزمة يمرّ بثلاث خطوات محددة، الأولى: يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإطفاء؛ فحينما يشبّ حريق في بيت ما يكون التفكير في تجميله وتزيينه ضرباً من العته والجنون، والبيت العربي والمسلم الآن تلتهمه نيران التطرف والتعصب، وتحيطه من كلّ أرجائه، ومن ثمّ فالمهمة الأولى الآن؛ هي محاربة هذه الأفكار، وهدمها وإطفائها، فنحن لن نتقدم قيد أنملة واحدة، في أيّ اتجاه، من دون إنهاء هذه الأفكار التي تحارب وتهدم كلّ تقدم وكلّ تجديد.
تأتي بعد مرحلة الإطفاء، أو بالتزامن معها، ما يمكن أن نسميها مرحلة الانتقاء والغربلة للتراث، وهي مرحلة لها ضوابطها وشروطها التي تجعلها فاعلة وناجزة، بعدها مرحلة وضع النظريات الكلية؛ التي تساهم في مسيرة الإنسانية، وتقدّم الجديد للبشرية.

للمشاركة:



الأردن يحبط مخططاً إرهابياً لداعش.. هذه أهدافه

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

أحبطت السلطات الأمنية الأردنية مخططاً لتنظيم داعش الإرهابي، كان يقضي بتنفيذ عمليات إرهابية.

وقالت صحيفة "الرأي" الأردنية، في عددها الصادر اليوم؛ إنّ "المخابرات الأردنية كشفت مخططات لخلية مؤيدة لتنظيم داعش، مكونة من 5 أشخاص، كانت تنوي تنفيذ عمليات في الأردن، وألقت القبض على أفرادها، في تموز (يوليو) الماضي".

وكشفت الصحيفة الأهداف التي كانت الخلية تعتزم استهدافها، على غرار الحراسات الأمنية أمام منزل أحد رؤساء الوزراء السابقين، والاستيلاء على أسلحتهم، وذلك كما ورد في لائحة الاتهام بمحكمة أمن الدولة.

المخابرات الأردنية كشفت أنّ الخلية المكونة من 5 أشخاص كانت تعتزم استهداف رجال أمن

كما تشمل قائمة الأهداف: دوريات الأمن العام الموجودة بشكل ثابت على طريق (السلط - السرو)، إضافة إلى "خطف أحد رجال المخابرات وقتله بمنطقة مهجورة وحرق جثته".

وأشارت إلى أنّ الشرطة ألقت القبض على أفراد الخلية، في الأول من تموز (يوليو) الماضي.

وبدأت محكمة أمن الدولة، أمس، بمحاكمة أفراد الخلية؛ حيث عقدت جلسة افتتاحية، ونفى المتهمون ما أسندت إليهم نيابة أمن الدولة من تُهم، وأجابوا بأنّهم "غير مذنبين".

جدير بالذكر؛ أنّ تقديرات رسمية أردنية أطلقت تحذيراً من التنظيم الإرهابي، مؤكدة أنّه ما يزال يشكل خطراً أمنياً ووجودياً على المملكة، وتحديداً من خلال العمليات الحدودية، أو عمليات داخلية عن طريق الخلايا النائمة و"الذئاب المنفردة".

 

للمشاركة:

الهلال الأحمر الإماراتي يحقّق طفرة.. تعرّف إليها

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

بلغت قيمة البرامج الإنسانية، والعمليات الإغاثية، والمشاريع التنموية، وكفالات الأيتام، التي نفذتها هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، خارج الدولة، في الفترة من مطلع العام الجاري وحتى أيلول (سبتمبر) الماضي، 338 مليوناً و335 ألفاً و442 درهماً، استفاد منها 8 ملايين و500 ألف و634 شخصاً في عشرات الدول حول العالم.

338 مليون درهم برامج ومساعدات الهلال الأحمر خارج الدولة خلال 9 أشهر

وأكّد الدكتور محمد عتيق الفلاحي، الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي؛ أنّ الهيئة حققت طفرة كبيرة في مجال المساعدات والبرامج والمشاريع الخارجية، بفضل توجيهات ومتابعة الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة رئيس هيئة الهلال الأحمر، وفق ما نقلت "وام".

وقال: إنّ الهيئة انتقلت بنشاطها إلى مراحل متقدمة من التمكين الاجتماعي والعمل التنموي الشامل في الساحات المضطربة، وأصبحت أكثر كفاءة وحيوية في محيطها الإنساني، مشدداً على أنّ مبادرات القيادة الرشيدة عبر الهلال الأحمر ساهمت بقوة في تعزيز قدرات الهيئة الإغاثية واللوجستية وتحركاتها الميدانية، ومكّنتها من التصدي للكثير من التحديات الإنسانية التي تواجه ضحايا النزاعات والكوارث، خاصة النازحين واللاجئين والمشردين.

وأضاف الفلاحي، في تصريح بمناسبة صدور التقرير الدوري للهيئة، والذي تناول البرامج والمشاريع التي تمّ تنفيذها خارج الدولة خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري؛ أنّ هناك العديد من العوامل تضافرت وجعلت من الهلال الأحمر الإماراتي، عنصراً أساسياً في محيطه الإنساني، وداعماً قوياً للجهود المبذولة لتخفيف وطأة المعاناة الإنسانية، من أهمها؛ أنّ الهيئة تتواجد في دولة سباقة لفعل الخيرات ومساعدة الأشقاء والأصدقاء، ما جعلها أكثر الدول سخاء في منح المساعدات، وتلبية النداءات الإنسانية الإقليمية والدولية، وذلك بفضل الرؤية الثاقبة لقيادتها الرشيدة التي حرصت على تسخير الإمكانيات لتعزيز جهود التنمية الإنسانية والبشرية في المناطق الهشّة والمهمّشة، بكلّ تجرّد وحيادية، ودون أيّة اعتبارات غير إنسانية، ما عزّز مصداقيتها وشفافيتها لدى الآخرين، إلى جانب دعم ومساندة المانحين والمتبرعين لبرامج ومشاريع الهيئة التنموية والإنسانية".

كما أكّد أمين عام الهلال الأحمر؛ أنّ جهود الهيئة وأنشطتها وتحركاتها، شهدت نقلة نوعية، تمثلت في تنفيذ المشاريع التي تلبي احتياجات المناطق الأقل حظاً من مشاريع التنمية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان والبنيات الأساسية والخدمات الاجتماعية، إلى جانب تعزيز قدرة الضحايا على تجاوز ظروفهم الاقتصادية، واستعادة نشاطهم وحيويتهم من خلال تمليكهم وسائل إنتاج تعينهم على تسيير أمورهم، بدلاً من الاعتماد على المساعدات العاجلة والطارئة، مشيراً إلى أنّ دور الهلال الأحمر يتعاظم سنة بعد أخرى، في التصدي للمخاطر التي تنجم عن الأحداث والأزمات، وتخفيف حدّتها على البشرية.

وأوضح التقرير؛ أنّ إغاثات اليمن واللاجئين السوريين والمتأثرين من الأحداث في ميانمار، والكوارث الطبيعية في جنوب السودان وموريتانيا وملاوي، وموزمبيق، وزيمبابوي، وإيران، وباكستان، وتنزانيا احتلّت مراكز متقدمة في قيمة وحجم الإغاثات المنفذة لصالح المتضررين في تلك الدول، كما قدمت الهيئة إغاثات أخرى لعدد من الدول، مساهمة منها في تخفيف الأضرار التي لحقت بعضها، بسبب الكوارث المتمثلة في الفيضانات والأمطار والزلازل والجفاف والتصحر، إلى جانب دعم القضايا الإنسانية للفئات الأشد ضعفاً أيضاً.

استفاد من المساعدات 8 ملايين و500 ألف و634 شخصاً في عشرات الدول

إلى ذلك تناول تقرير الهلال الأحمر خارج الدولة، المشاريع الإنشائية والتنموية، ومشاريع إعادة الإعمار، وتأهيل البنية التحتية في الدول المنكوبة، والمتأثرة بفعل الكوارث والأزمات، والتي نفذتها الهيئة حرصاً منها على إزالة آثار الدمار الذي خلفته تلك الكوارث والأضرار التي لحقت بالمستفيدين من خدمات تلك المشاريع الحيوية، خاصة في مجالات الصحة والتعليم والمياه والإسكان، والمرافق العامة المرتبطة مباشرة بقطاعات واسعة من الجمهور، وعادة ما تبدأ الهيئة في تنفيذ مشاريعها التنموية في الدول المنكوبة عقب عمليات الإغاثة العاجلة والطارئة للضحايا والمتأثرين.

وتأتي هذه المشاريع كخطوة لاحقة لبرامج الإغاثات الإنسانية للمساهمة في إعادة الحياة إلى طبيعتها في الأقاليم المتضررة، وتوفير الظروف الملائمة لاستقرار المتأثرين والمشردين بفعل تلك الكوارث والأزمات.

وأشار التقرير إلى أنّه استفاد من المشروعات في المجالات التنموية المختلفة، 3 ملايين و500 ألف شخص في 33 دولة شملت اليمن، وأثيوبيا، وألبانيا، والبوسنة والهرسك، والصومال، والسودان، والنيجر، والهند، وإندونيسيا، وأوغندا، وباكستان، وبنين، وتشاد، وتوجو، وسيراليون، وغانا، وقرغيزيا، وكازاخستان، وكينيا، ومالي، وموريتانيا، وفيجي، ولبنان، والمغرب، ومصر، وتنزانيا، وأوكرانيا، وجزر القمر، والفلبين، وكوسوفو، وأفغانستان، وفلسطين، وطاجيكستان.

تجدر الإشارة إلى أنّ العدد الإجمالي للأيتام الذين تكفلهم هيئة الهلال الأحمر بلغ أكثر من 114 ألف يتيم، يتواجدون في 25 دولة حول العالم.

 

للمشاركة:

التحالف يقصف مواقع جديدة لميليشيات الحوثي الإرهابية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

قتل وجرح عدد من مسلحي ميليشيا الحوثي الانقلابية، أمس، بغارات لطيران التحالف العربي في محافظة حجة، شمال غرب اليمن.

وشنّ طيران التحالف عدداً من الغارات الجوية، على تجمعات لميليشيا الحوثي، شرق منطقة الحمراء بمديرية مستبأ وحرض، وفق المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة.

طيران التحالف استهدف تجمعات لميليشيا الحوثي ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوفه

وصرّح المركز بأنّ؛ "الطيران استهدف تجمعات لميليشيا الحوثي في قرية "الطينة"، الواقعة على الشريط الساحلي غرب مديرية عبس، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الميليشيا، إضافة إلى تدمير آليات تابعة لها."

بدوره، أعلن الجيش اليمني، مساء الجمعة، مقتل أكثر من مئة مسلح حوثي وإصابة وأسر آخرين في عمليات عسكرية متواصلة منذ أكثر من أسبوع.

وفي سياق متصل بجرائم الحوثيين؛ قتل سائق شاحنه وأصيب مرافقه، أمس، جراء انفجار عبوة ناسفة من مخلفات ميليشيات الحوثيين، في مديرية التحيتا جنوب محافظة الحديدة، غرب اليمن.

عبوة ناسفة من مخلفات الألغام التي زرعتها الميليشيات الحوثية انفجرت بشاحنة وقتلت السائق وأصابت مساعده

وقال مصدر محلي لوكالات أنباء محلية؛ إنّ "عبوة ناسفة من مخلفات الألغام التي زرعتها المليشيات الحوثية، انفجرت بشاحنة (نوع ديانا)، تابعة لشركة "الزيلعي" للدواجن، في طريق الفازة بمديرية التحيتا، ما تسبَّب بمقتل السائق وإصابة مساعده".

يشار إلى أنّ "المليشيات الحوثية زرعت مئات الألغام والعبوات الناسفة في الطرقات الرئيسية والفرعية في مديريات جنوب الحديدة، قبل تحرير الشريط الساحلي، وقد أسفرت عن سقوط العشرات من المدنيين والعسكريين بين قتيل وجريح".

 

 

للمشاركة:



التطهير العرقي... إمبريالية أردوغان الجديدة

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-10-21

ترجمة: مدني قصري


إنّ الهجوم التركي الذي بدأ، في 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، ضدّ وحدات حماية الشعب الكردي (YPG)، والقوات الديمقراطية السورية العربية الكردية (SDF)، أسفرت بالفعل عن مقتل أكثر من 150 شخصاً، ونزوح 200000 مدني، معظمهم من الأكراد، وراء أمر المهمة الرسمية هذه، نجد هدف أردوغان إنشاء "منطقة آمنة" لاستيعاب اللاجئين السوريين في تركيا، في نهاية المطاف.

تهدف خطة أردوغان وجنرالاته للاستفادة من القضاء على القوات الكردية وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد لتوسيع "عمقه الإستراتيجي"

في حين أعلن قائد البنتاغون، مارك إسبير، مؤخراً، سحب 1000 جندي أمريكي من شمال سوريا، وفق قرار دونالد ترامب، أعلن الجيش التركي أنّه استولى على تل أبيض، وحتى على رأس العين، رغم أنّ القوات الكردية تواصل الدفاع عن مواقعها، ويدّعي الجيش التركي أنّه استولى على "ساري كاني"، التي تطالب بها القوات الديمقراطية السورية العربية الكردية، التي تقول إنّ المعركة من أجل السيطرة على المدينة ما تزال مشتعلة، في المجموع؛ استولت القوات الموالية لتركيا بالفعل على 40 قرية منذ يوم الهجوم.
وفق المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ إذا أضفنا إلى الـ 40 مدنياً الذين قُتلوا منذ بداية الهجوم، فإنّ 90 مقاتلاً كردياً قُتلوا بالفعل في الاشتباكات، حيث ارتفع عدد القتلى على الجانب الكردي إلى 130 قتيلاً، أما عن جيش أنقرة فقد اعترف بأنّه فقد 4 مقاتلين في سوريا، و18 مدنياً قتلوا جراء الصواريخ الكردية التي أطلقت على البلدات الحدودية التركية، ومن أهداف الإسلاميين السُنّة المفضّلة 8، فقد تم إخلاء 8 قرى إيزيدية على الحدود مع روجافا السورية الكردية. في المجموع، منذ 9 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، فرّ 200000 مدني من هجمات الميليشيات الموالية لتركيا التابعة للجيش الوطني السوري.
يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كل مكان، أنه في بيته، حيث حَكم الباب العالي

قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة
على المدى البعيد؛ إذا حدث وتكثفت عملية "نبع السلام"، واستمرت لفترة طويلة، وإذا استمر الغربيون في التخلي عن الأكراد، خاصة أمريكا، حاميتهم السابقة، فإنّ دراما إنسانية حقيقية سوف تلوح في الأفق لستة ملايين مدني؛ أكراد، وعرب، وأرمن، وآشوريين، وإيزيديين، ...إلخ، يعيشون في شمال شرق سوريا.

يدرك أردوغان أنّ شركاءه بالناتو مستعدّون لمنحه الأكراد شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي ولا يذهب بعيداً بمغازلة موسكو

في المجموع؛ منذ يوم الهجوم، فقد الأكراد ما يقرب من 25 قرية، وفق ما ذكرته قناة "Ronahi TV" الإعلامية الكردية، فإنّ أنقرة حاولت إنقاذ وإطلاق سراح سجناء داعش المحتجزين في مخيم عين عيسى، الأحد، بقصف المنطقة المحيطة بالمخيم، وقد تمكّن جزء من المعتقلين من الفرار مع العديد من عائلات الجهاديين، والرقم الذي أعلنته عدة مصادر هو حوالي 800 جهادي، وأقارب الجهاديين الأجانب الذين ينتمون إلى داعش، وتجدر الإشارة إلى أنّ 12000 من مقاتلي داعش، هم سوريون وعراقيون، و3000 أجنبي من 54 دولة، بما في ذلك 2000 أوروبي، محتجزون الآن في سجون يسيطر عليها الأكراد، إنّها قنبلة حقيقية في يد سلطة أنقرة، عندما نعلم أنّ واشنطن منحت الأتراك "مراقبة" الجهاديين.
أهداف حرب أردوغان والجيش التركي
يتمثل هدف سلطة أنقرة، منذ بداية الأزمة السورية، في أن توطّن في هذه "المنطقة الآمنة" المستقبلية في شمال سوريا، جزءاً من 3.6 مليون لاجئ سوري، تستضيفهم تركيا، ولم يعد يتحمّلهم الشعب التركي، حتى ناخبو أردوغان أنفسهم.
ويجدر التذكير بأنّه، بين عامَي 2016 و2018، قادت تركيا أردوغان هجومَين في الشمال السوري، كما تهدف خطة الرئيس التركي وجنرالاته، بالطبع، إلى الاستفادة من القضاء على قوات حماية الشعب الكردية/ قوات الدفاع والأمن الكردية، وهجرة مئات الآلاف من المدنيين الأكراد، لتوسيع "عمقها الإستراتيجي" في شمال سوريا، وتتوافق إستراتيجية التوسع هذه مع رؤية توحيدية حقيقية للعثمانيين الجدد، الواضحة أيضاً في العراق، أو في قبرص، أو في الجزر اليونانية في بحر إيجه، أو في البلقان؛ حيث يؤكد السلطان الجديد، الخليفة أردوغان في كلّ مكان، أنّه في بيته، حيث حكم الباب العالي.

اقرأ أيضاً: "التايمز": تركيا تستخدم أسلحة محرَّمة ضدّ الأكراد بسوريا
هجوم أنقرة يستهدف في البداية التركيز على منطقة حدودية بين بلدتي تل أبيض ورأس العين، اللتين تفصلهما مسافة 120 كم، على المدى البعيد، يخطط أردوغان للسيطرة على قطاع شاسع من شمال سوريا، على عمق 32 كم، ومن الفرات (الغرب) إلى حدود العراق، وهكذا؛ فإنّ إستراتيجية أنقرة و"أهدافها الحربية" في سوريا، تجمع بين الدوافع الإثنية القومية والأمنية والإمبريالية الجديدة، والاقتصادية (النفط)، وحتى الدينية، ناهيك عن الدوافع "القومية الإسلامية"، ويتكون المساعدون السوريون العرب الذين يقاتلون إلى جانب الجيش التركي، وهم جزء من الجيش الوطني السوري، من متمردين إسلاميين سابقين قاتلوا النظام السوري، ولجؤوا إلى الشمال الغربي، تحت الحماية التركية، بعد الاضطرار إلى مغادرة مناطق المتمردين التي سيطرت عليها دمشق وحلفاؤها الروس والإيرانيون، منذ عام 2016 في الغرب، وفي جنوب البلاد على وجه الخصوص.
الانسحاب الامريكي من سوريا..ترامب يتخلى عن الأكراد ويمنح تركيا حرية التصرف

الحرب التركية ضدّ "الإرهابيين"... من هو الإرهابي؟
من الناحية الرسمية، تقول أنقرة؛ إنّها لا تحارب الأكراد كأكراد، ولكنّها تحارب "إرهابيي" حزب العمال الكردستاني وفروعه السورية: (PYD) (YPG) (YPJ)، وفاءً منه لموقفه المعلن منذ بداية الحرب الأهلية السورية، أكّد رجب طيب أردوغان أنّ بلاده "لن تسمح بإنشاء دولة إرهابية في شمال سوريا"، أما بالنسبة إلى الرئيس الفرنسي، فقد قال: "الهجوم التركي في سوريا في صميم اهتماماتنا"، و"يجب أن يتوقف"، بعد تبادل (دون جدوى)، وقتها، مع الرئيسَين، ترامب وأردوغان، ومن باب الضغط؛ أعلنت باريس "تعليق تصدير المواد الحربية المحتمل استخدامها في تركيا" إلى سوريا، أما بالنسبة إلى نظيرتها الألمانية؛ فقد التقت أنجيلا ميركل، أيضاً، بالرئيس التركي، لإبلاغه (دون جدوى) بقلقها، بشأن "تهديد داعش الذي ما يزال قوياً للغاية"، معلنة أيضاً قرارها تعليق مبيعات الأسلحة إلى تركيا.
أردوغان مصمّم على نيل إعجاب ناخبيه الإسلاميين
كما حذت السويد وإيطاليا ودول الاتحاد الأوروبي الأخرى حذو ألمانيا وفرنسا، وهكذا، أدرج مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي، الذي اجتمع في لوكسمبورغ، في 14 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، في جدول أعماله: تنسيق "النهج الأوروبي لتحقيق هذه الغاية"، الذي من المرجح أن يكون، كالعادة، ضدّ السلطان التركي، منقسماً وقليل الفعالية، في مواجهة الضغوط الغربية والأطلسية والفرنسية، وقال الرئيس التركي، أردوغان، الذي لم يتأثر بموقف الغربيين، والمصمِّم على أن ينال إعجاب ناخبيه الإسلاميين، في خطاب ألقاه في إسطنبول: "لا شيء يوقف عمليتنا، لا الحظر ولا وقف مبيعات الأسلحة، ولا إعلان دمشق إرسال قوات لمواجهة الهجوم التركي"، ووفق مصادرنا؛ فإنّ المواقع الكردية التي كانت تتمركز فيها القوات الأمريكية والفرنسية كانت مستهدفة أيضاً بقصف الطيران التركي.

اقرأ أيضاً: أكراد العراق.. لماذا كانوا الأقرب إلى تحقيق الاستقلال؟
تتمثل الفكرة في جعل آخر القوات الغربية تغادر حتى يصبح المجال متاحاً للقوات التركية؛ حيث يدرك أردوغان أنّ شركاءه في حلف الناتو مستعدّون لمنحه الأكراد، شريطة أن يظلّ في المحيط الأطلسي، وألّا يذهب بعيداً في مغازلة موسكو، ناهيك عن مسألة المهاجرين والجهاديين المفرَج عنهم من السجون الكردية؛ إذ يعرف أردوغان جيداً قدرته على الإزعاج المقرون بالانقسامات ما بين الغربيين.

ما يفعله أردوغان للأكراد تطهير عرقي

جرائم حرب الميليشيات الموالية لتركيا ضدّ الأكراد
في سياق القتال الأخير، في نهاية الأسبوع الماضي، والذي خسر فيه الأكراد 10 جنود إضافيين، ومدنيين، قال أنصار الميليشيات الإسلامية الموالية لتركيا إنّهم "أعدموا"، جنوب مدينة تل أبيض الحدودية، في كمين ضدّ قافلة من المدنيين بالقرب من جيري سيبو (تل أبيض)، هيفرين خلف، السكرتيرة العامة لحزب المستقبل في سوريا، المرتبط بالحزب الكردي السوري (PYD)؛ حيث تمّ إيقاف سيارتها على الطريق السريع من قبل أعضاء الميليشيا الموالية لتركيا الذين قتلوها وسائقها وثمانية أشخاص آخرين، ووفاءً منهم لـ "التقليد" الجهادي؛ قام المهاجمون الإسلاميون المؤيدون للأتراك بتصوير عمليات إعدام المدنيين، ثم قاموا ببثّ مقاطع فيديو لمقتل هيفرين خلف على شبكة الإنترنت، فضلاً عن صور نزع أسلحة العديد من المدنيين والمقاتلين وإعدامهم بوحشية، هذه صورة "المنطقة" الأمنية التي تريد تركيا أن تبنيها لاستيعاب المعارضين الإسلاميين السوريين والمدنيين المنفيين في تركيا، كما بدت أنقرة محرَجة من تصرفات القوات العربية الإسلامية الموالية لتركيا، وطلبت من قيادة الجيش الوطني السوري (الذي يوحّد الميليشيات العربية والتركمانية الموالية لأنقرة) أن تأمر مقاتليها بالتوقف عن نشر فيديوهات المواجهة والقتل في الميدان.
تركيا.. شوكة في حلق الناتو
الولايات المتحدة، التي تريد أن تبقي تركيا كحليف في الناتو "كخاصرة جنوبية"، والمستعدة لتقديم تنازلات شديدة لأردوغان لمحاولة ثنيه عن تعزيز تحالفه مع روسيا، هل "تخلت" حقاً عن الأكراد، الذين تمّت التضحية بهم على مذبح وحدة الناتو وسياسة دونالد ترامب غير التدخلية؟ كلّ شيء يؤدي إلى التفكير في ذلك، ومع ذلك؛ ففي يوم الجمعة الماضي، بدأ دونالد ترامب، الذي تعرّض للنقد بشدة داخل معسكره الجمهوري لـ "خيانته" للحليف الكردي ضدّ داعش، يبدو كأنّه قال كلّ شيء ولم يقل شيئاً، بتوقيعه مرسوماً يتيح في أيّة لحظة إطلاق عقوبات ضدّ تركيا، التي هدّدها حتى "بتدميرها اقتصادياً"، إذا ذبح أردوغان الحلفاء الأكراد.

اقرأ أيضاً: أكراد إيران.. قصة مئة عام من البحث عن استقلال
كلمات لا يبدو أنّها أرعبت، في الوقت الحالي، السلطان، الرئيس أردوغان وجيشه، من وجهة نظر غربية، تشكّل قضية التخلي عن الأكراد، حلفاء التحالف، إشكالية معقدة، سواء بالنسبة إلى وحدة الناتو، أو إلى ردود الفعل من الرأي العام الغربي، السياسي والإعلامي، ومن وجهة نظر الأمن على السواء (ماذا عن الجهاديين الذين أطلقتهم الميليشيات الموالية للأكراد؟).
مصداقية الغرب على المحك
لقد تضرّرت مصداقية الدول الغربية، خاصة الولايات المتحدة، أكثر من أيّ وقت مضى، ومن جانبه؛ أكّد الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، في مقابلة عبر الهاتف مع نظيره الأمريكي، دونالد ترامب، على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا، وهي أمنية بلا طائل، ما دام أردوغان، سيد الابتزاز الجيوسياسي، يعلم أنّ الغربيين سوف يسمحون له بمواصلة عمله في "تطهير" الأكراد السوريين، الذي بدأ في اللامبالاة العامة منذ عام 2018 غرب الفرات (عفرين)، ويستمر الآن إلى الشرق.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
هذا هو في الواقع الثمن الذي يجب دفعه مقابل ألا تذهب تركيا نهائياً إلى المعسكر الموالي لروسيا والمؤيد للصين وإيران، كابوس إستراتيجي جغرافي حقيقي يواجهه الغربيون، الذين وقعوا في فخّ "الاحتواء الجديد" (néo-containment) لفترة ما بعد الحرب الباردة، وأطلسيتهم التي عفا عنها الزمن تجاه روسيا، التي تمكنت جزئياً من العودة كواحدة من أعضائهم.
الاستنتاج: العودة الضرورية إلى السياسة الواقعية
النتيجة المتوقعة للتخلي عن القوات الكردية السورية من قبل حليفها الأمريكي، والتدخل التركي في الشمال السوري، هي: أن يرسل جيش نظام دمشق قوات إلى شمال البلاد لمواجهة عدوان أنقرة وميليشياتها العربية الموالية، التي تتألف من المتمردين الجهاديين المعادين للأسد، وتجدر الإشارة إلى أنّه، سبق أن انتشر، في الماضي، الجيش السوري بالفعل في بعض المناطق الكردية لتجنب هجوم تركي محتمل، في هذا السياق، وفي مواجهة تركيا العدو الحقيقي؛ يُجري المسؤولون الأكراد بالفعل "مفاوضات" لمواجهة الهجوم التركي معاً، في نهاية عام 2018، عندما كان نظام أردوغان التركي يهدّد بشنّ عملية ضد القوات الكردية في سوريا، دعت وحدات حماية الشعب، جيشَ الأسد السوري إلى الانتشار في منطقة منبج (الشمال)، مع الموافقة على انسحابها هي نفسها من القطاع.

أكّد الرئيس الفرنسي على ضرورة التوقف في أسرع وقت ممكن عن الهجوم التركي على شمال شرق سوريا

النظام السوري يرحّب بأبنائه التائهين

أعلن أكراد سوريا، الأحد، عقد اتفاق مماثل مع دمشق لنشر الجيش السوري في شمال البلاد لمعارضة التقدم السريع للقوات التركية وحلفائها العرب الإسلاميين، ولتبرير الاتفاق بين الأكراد ودمشق، صرّح القائد الأعلى لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، للشرطة الخارجية؛ بأنّ النظام السوري وحليفته الروسية "تقدّما بمقترحات يمكن أن تنقذ أرواح ملايين الناس"، "نحن نعلم أنّه سيتعين علينا تقديم تنازلات مؤلمة، لكن بين التسويات والإبادة الجماعية لشعبنا، سنختار الحياة"، و"نعلم أيضاً أنّه قبل الهجوم التركي بفترة وجيزة، دعا الأكراد روسيا إلى لعب دور "الضامن" في عملية الحوار مع النظام الذي وافق بعد ذلك على الترحيب بأبنائه التائهين".
هل سيقلص الأكراد مطالبهم في سوريا؟ 
من الواضح أنّ النظام الوطني في دمشق والسلطات الكردية (بحكم الأمر الواقع) في شمال البلاد لديهما نزاع جيوسياسي كبير، وما يزال الوصول إلى اتفاق بشأن مستقبل سوريا بعيداً، لكنّ التخلي الأمريكي قد يدفع الأكراد لتقليص مطالبهم بالحكم الذاتي والتعامل مع دمشق أكثر بقليل.

اقرأ أيضاً: الأكراد.. أين يتواجدون؟ وهل حصلوا على حقوقهم السياسية والثقافية؟
لم تثمر المحادثات الكردية السورية حول مستقبل المناطق، خلال العامَين الماضيَين، لكن هناك ما يدعو إلى الاعتقاد بأنّه إذا استمرت الولايات المتحدة في السماح للقوات الموالية لتركيا بالتقدم إلى إقطاعيات الأكراد في شمال شرق سوريا، فإنّ ذلك قد يغري دمشق وحليفتها الروسية بالاستفادة من ذلك لدفع الأكراد لقبول عودة السلطة السورية، بشكل شكلي على الأقل، إلى المنطقة الكردية المتنازع عليها من قبل الأتراك، والعرب، والأكراد.
ليس لتركيا مكان في حلف الناتو
أما بالنسبة إلى الأوروبيين، الذين يتعيّن عليهم أن يواجهوا تهديداً إرهابياً مستمراً، والذي من المحتمل أن ينمو مع تحرير مئات الجهاديين الأوروبيين، أو فرارهم، أو إعادتهم إلى أوطانهم، منذ عام 2018، فقد حان الوقت لأن يخضعوا لقانون الإستراتيجية الجيوسياسية والسياسة: اختيار وتعريف العدو الرئيس، ليس وفق أخلاق حقوق الإنسان، ولكن وفق مصالح شعوبهم ودولهم، لكنّ هذا العدو، في هذه المنطقة من العالم، ليس الدول العلمانية الدكتاتورية الموالية لروسيا، مثل الدولة السورية اليوم، أو دولة صدام حسين بالأمس، التي زعزع استقرارها خطأ، لكنّه القوى المتطرفة، سواء تعلّق الأمر بجهاديي داعش والقاعدة، الذين يجب تقليص معقلهم في إدلب، ولكن أيضاً الدول التي تدعمهم، بشكل مباشر أو غير مباشر، بدءاً من قطر، الراعي لجماعة الإخوان المسلمين والجهاديين الصوماليين والليبيين، أو السوريين، وتركيا أردوغان، الراعي المشارك لجماعة الإخوان المسلمين، وحركة حماس، والعديد من الجماعات الجهادية العاملة في شمال غرب سوريا، والتي جُنِّدت وأُطلِقت لمهاجمة الأكراد.
إنّ مكاناً مثل هذا البلد، تركيا، التي تنتهك الآن سيادة اليونان (تهديدات لجزر إيجه والانتهاكات اليومية للمجال الجوي والبحري)، ثم قبرص (حالة القوارب العسكرية التي تمنع الشركات القبرصية والأوروبية من حفر الغاز والنفط اللذين تم اكتشافهما قبالة قبرص)، بالتأكيد ليس له مكان في حلف الناتو.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:

valeursactuelles.com
 

للمشاركة:

عرش "السلطان" في "لاهاي"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

نادية التركي
حان الوقت لأن يتحرك المجتمع الدّولي نحو تقديم ملف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لمحكمة الجنايات الدولية في لاهاي.

لا حق لهذا الرجل في قتل المدنيين، فقط لأن لهم نزعة انفصالية أو تحررية، فهذا حقهم المشروع، وقمعه بالقصف والسلاح والقوة جريمة إنسانية يجب أن يحاسب فاعلها.

الرئيس الحالم باستعادة أمجاد العثمانيين في منطقتنا العربية جعلت تصرفاته مرعونة مع الداخل والخارج.

ففي تركيا يسجن اليوم ويقمع ويقتل كل من يقف في وجه أردوغان حتى وإن كان خيالا. فقد حدث ذلك بعد انقلاب وهمي صنعه سنة ٢٠١٦ ليستند ويسند عليه كل القمع لحريات الرأي والتعبير. وبين القمع والإرادة يئن الشعب التركي في الداخل والخارج.

لكن بالنسبة لنا عربا ومسلمين علينا عدم السّكوت والتحرك الفوري للحد من المجازر التي يقوم بها أردوغان بين سوريا والعراق وليبيا، الأيديولوجيات الفكرية المسمومة في تونس وباقي دول المنطقة. هو مجرم دولي يجب أن يعرض على لجان التحقيق وعلى المجتمع الدولي أن يتحرك، ولأمثاله أُسست محكمة "لاهاي".

أكدت منظمة العفو الدولية تورط أنقرة في قتل مدنيين في هجوماتها الأخيرة على سوريا. السؤال الكبير هو بأي حق أصبحت لتركيا كلمة في التفاوض بشأن الأوضاع على التراب السوري؟ نظام أردوغان أثبت خيانته لشعبه وعززه عبر تصرفاته الأخيرة، وتغيير تحالفاته حسب مصالح التوسع وتحقيق حلم الإمبراطورية.

ولولا سياسة "قصر أردوغان" كما سماها زعيم المعارضة كمال أوغلو المعارض التركي الذي سرد في خطاب أخير أن أردوغان هو السبب في كل إحباطات الجمهورية التركية ومشاكلها. ففي حين تعاني البلاد من مشاكل اقتصادية حادة، وتهوي الليرة التركية في سقوط حر وتتنامى البطالة والديون، يواصل الرئيس التركي تجاهل احتياجات شعبه.

وجه المعارض التركي مجموعة من التساؤلات الإنكارية وهنا نتحدث لغويا حول السياسة التي اتبعها "القصر"، أهمها: مَن الذي فتح الطريق أمام السلاح للعبور نحو المقاتلين في سوريا؟ ومَن الذي مهّد لدخول هذا السلاح برا وبحرا وجوا؟

ونضيف على تساؤلات أوغلو: مَن الذي فتح الطريق أمام شباب أمتنا الذين غسلت عقولهم، وتم شراؤهم ببعض الدولارات للعبور نحو سوريا والالتحاق بداعش؟

مَن الذي أحرق قلوب عائلات بأكملها أنفقت عمرها على أبنائها لتراهم في أحسن المراتب، لكن تحولوا إلى وحوش حيوانية في ساحات الموت، وتحولت بناتهن إلى بائعات هوى على أراضي سوريا والعراق مقابل عقد شرعي نحو الجنة المفترضة.

لم يكن للدواعش أن ينجحوا في مخططاتهم، ولم يكن لأرض سوريا أن تقبل أو تبتلع دماء أبنائها وأبناء المسلمين وغير المسلمين من الأبرياء بدون دعم رجب طيب أردوغان.

التدخل التركي في الشأن السوري بشكل مباشر هو ما أوصل البلاد لما عليه الآن، ولم يكن بالإمكان لـ"الثورة السورية" أن تطول ولا لعشرات الآلاف أن يقتلوا لو لم تفتح الحدود التركية لتلعب دورا مزدوجا.

دعمت أنقرة الأردوغانية شرارة "الأحداث" التي شهدتها سوريا في ٢٠١١ بكميات هائلة من الوقود لتأجيجها وتدمير البنية التحتية للبلاد مع سبق الإصرار والترصد. دعم أردوغان المقاتلين، خاصة المرتزقة منهم والمتوافدين نحو سوريا بتسهيل فرص العبور نحو البلاد عبر حدوده، كما دعمهم بالأسلحة والقوات والعتاد.

وفي الوقت نفسه، فتح أبوابه نحو "المعارضين" والمقاتلين ومن ثبت عليهم الإجرام بالعبور نحو تركيا وأعزهم ماديا ومعنويا، وأذل المدنيين الهاربين نحو "ملاجئ" مؤقتة وفرها لهم، ليطالبهم اليوم بالرحيل نحو بلاد لم يبقَ فيها غير أطلال وأرض مثخنة بالدماء. وسيرحل "السلطان" أكيدا وسنرى العدالة الإنسانية تتحقق في "لاهاي".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

نصر الله ولبنان: هيهات منّا الاستقالة!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-21

مشاري الذايدي

الذي جرى ويجري في لبنان منذ عدة أيام، ليس من النوع الذي يمكن تمريره بسهولة، أو بلهجة اللبنانيين «بتقطع»، بل هو فاصلة بين ما قبل وما بعد، إنه ليس مجرد غضبة من أجل مطالب خدمية بحتة، كما يريد سادة العهد الحالي تصويره، وفي مقدمتهم زعيم حزب الله، حسن نصر الله، وأصدقاؤه من التيار العوني.
لا... الذي نراه، من زخم ومطالب المتظاهرين، هو بالفعل ثورة على كل مؤسسة الحكم اللبناني وثقافة الحكم التي أوصلت البلد إلى الاستسلام لحزب الله، والعمل لصالحه، وتسليم قرار الحرب والسلم له. نعم هذا هو أصل الداء، لأن طرفاً أساسياً من معاناة الاقتصاد اللبناني اليوم هو العقوبات الأميركية والمقاطعة العربية، بسبب انخراط حزب الله في العدوان على الدول العربية، وتغذية الحروب الطائفية، والإسهام الفعّال في خدمة الحرس الثوري الإيراني على مستوى العالم، بل والتخادم المفضوح مع عصابات المخدرات اللاتينية، وخلق روابط اتصال وتنسيق مع تنظيمات إرهابية مثل «القاعدة»، وغير ذلك كثير من صحيفة لا تسر الناظرين.
الذي ركّب العهد السياسي الحالي في لبنان، هو حزب الله، فهو من جلب الرئيس ميشال عون، لكرسي بعبدا، وهو من سلَّط صهره المستفز جبران باسيل على بقية القوى السياسية، وهو من استهان بزعيم السنة، يفترض ذلك، سعد الحريري حتى أفقده، أعني سعد، الكثير الكثير من مصداقيته، ليس في الشارع السني وحسب، بل لدى كل معارضي حزب الله وأتباعه من العونية.
لذلك حين خرج حسن نصر الله قبل أيام يخطب عن المظاهرات، كان منتظراً منه أن يدافع عن «العهد» وقال بالعامية: «ما تعبوا حالكن، العهد باقي».
بل وجعل التجاوب مع غضب الشارع - بما فيه، بل أوله: الشارع الشيعي - من قبل بعض كتل الحكومة «خيانة»، وربما لو تحمس قليلاً لقال كلاماً آخر، لأنه كان يتكلم بمناسبة أربعين الحسين.
يفترض بثقافة الحزب وطرق تعبئة الجمهور، التركيز على مطالب «المحرومين» و«المستضعفين»، وهذه مفردات أصيلة ومثيرة في خطاب التحشيد الذي تنتمي له ثقافة حزب الله، لكن خطاب المظلومية هذه المرة لا يخدم حاكم لبنان الحقيقي نصر الله، فهو السيد، وهنا لست أعني النسبة فقط للعترة العلوية، بل أعني المراد اللغوي المباشر عن سيد القوم.
جعل نصر الله في خطابه الغاضب الاستقالة من العهد والحكومة خيانة، وكاد يردد المقولة الكربلائية الشهيرة: خيروني بين السلّة والذلّة... وهيهات منا الذلّة، ولكن مع تعديل الهتاف إلى: خيروني بين الحكومة والاستقالة... وهيهات منّا الاستقالة!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية