قصة امرأة من السويداء وقفت في وجه داعش وهي مصابة!

يبدو أنّ تواتر الحديث عن المرأة يجعله حديثاً تقليدياً سواء أكان عن تحررها من الهيمنة الذكورية، أو عن معاناتها اليومية وما تكابده في حياتها من ظلم وجور، لكن الحديث عن المرأة، هذه المرة، له طعم آخر، يمتزج بعبق الحرية ومذاق الحياة.

لا شك في أنّ القتال والقتل منافيان للأنوثة، التي تنتج الحياة، وتحضنها، وهما منافيان للقيم الإنسانية؛ فلا يليق بالمرأة أن تقاتل وتقتل، ولا يليق بالرجل أن يقاتل ويقتل، لكن الإنسان الحق لم يولد بعد، وإن كان ثمة إشارات تدل على ولادته هنا وهناك. ولكن ماذا نقول للنساء اللاتي سيأتي الحديث عنهن حين يواجهن وحوشاً بشرية لا تتورع عن القتل والاغتصاب والتمثيل بالجثث، باسم الجهاد في سبيل الله، ومن أجل دولة إسلامية؟

قال أحد الأطباء: إنني وزملائي نلنا شرف إنقاذ امرأة دافعت عن الحياة إلى آخر حفنة هواء في رئتيها

جمال، ابنة اثنين وسبعين عاماً، حملت السلاح ودافعت عن أحفادها الثلاثة، كبيرهم يبلغ من العمر سبع سنوات وصغيرهم رضيع، وظلت تقاتل، وهي مصابة في أحشائها، برصاص داعش، حتى وصلت إليها النجدة، وأُسعفت إلى مشفى قرية "سالة" القريبة من قرية "الشبكي" المنكوبة. قال أحد الأطباء: إنني وزملائي نلنا شرف إنقاذ امرأة دافعت عن الحياة إلى آخر حفنة هواء في رئتيها.

السيدة جمال؛ امرأة أمية بسيطة، لا تعرف ما هي الثورة، أو كيف تكون المرأة ثائرة على الظلم أو على الاضطهاد، لكنها تعرف جيداً كيف يكون الحب، وكيف تدافع عنه بكل ما فيها من قوة وصلابة، وتعرف أيضاً كيف تكون النساء في أوقات السلم وفي أوقات الحرب، تلك الحرب القذرة التي انتهكت جميع حقوق الإنسان في سوريا بوجه عام؛ وفي السويداء التي نالها ما نال شقيقاتها المنكوبات، بوجه خاص. نقول بوجه خاص؛ لأن محافظة السويداء وقفت على الحياد، ورفضت أن تشارك في قتل أي من السوريين أو نهب ممتلكاته.

امرأة أمية بسيطة لا تعرف ما هي الثورة أو كيف تكون المرأة ثائرة على الظلم أو على الاضطهاد لكنها تعرف كيف يكون الحب

حين اقتحم الدواعش بيتها، لم تفكر السيدة جمال سوى في الدفاع عن حياتها وحياة أحفادها، وليس من سبيل إلى ذلك سوى بندقية كانت معلقة على الجدار، ربما لصد الوحوش وأغراض أخرى. لم تفكر بالشرف والكرامة وأمجاد جبل العرب الغابرة، لم تفكر في الخير والشر، بل بما قبلهما وما بعدهما، فكرت بالحياة، وأريد أن أقول بالحياة الإنسانية. تستطيع المرأة أن تقوم بجميع الأعمال التي يقوم بها الرجل، بما في ذلك القتال والقتل، ولكن لا يحسن بها أن تفعل ذلك، فالرجال حمقى أحياناً، ويقومون بأعمال حمقاء، باسم الشرف والكرامة وعزة الوطن، وباسم الله أيضاً، وقلما يحفلون بالحياة، ولا سيما في أوقات الحرب.

اقرأ أيضاً: كارثة في السويداء.. داعش يزداد توحشاً!

تاريخ المرأة السورية حافل بالتضحية والمقاومة الحقيقية، في سوريا لا تتساوى النساء بالرجال إلاّ في الظلم والقهر والاستبداد، لكن جمال أبت إلّا أن تتساوى بمن هبوا لنصرة الحياة والكرامة الإنسانية من الرجال، وإنقاذ ما يمكن إنقاذه من براثن الموت. إنها امرأة سورية، كسائر النساء اللواتي خضن غمار الحرب من أجل الحرية والكرامة الإنسانية، وتعرضن للاعتقال والخطف والتعذيب من جميع الأطراف المتنازعة على الأرض السورية، إنّها النزعة الإنسانية لإثبات الذات وفتح آفاق جديدة أمام المرأة السورية، وإكمال ما بدأت به الكثيرات سواء في حالات الحرب أو في حالات السلم.

لم تخضع جمال لدورة تدريبة على حمل السلاح أو كيفية استعماله، لم تتبع دورة صاعقة، ولم تقفز بمظلة، لكنها خضعت لدورة الحياة من عمر الأرض وعمر السنابل وعمر التفاح والعنب، من عمر صخور السويداء وترابها وينابيعها الرائقة، بعدد سنوات عمرها، التي علمتها فن الحب والوجود، حب الأرض التي أنبتت القمح المزروع في شرايينها على شكل خبز.

اقرأ أيضاً: مذبحة داعش بالسويداء.. فتش عن التحالف مع الأسد

لم تحمل نساء السويداء البنادق وسكاكين المطابخ من قلة الرجال المدافعين عن الأرض والإنسان، بل حملنه أسوةً بهم واستبسالاً حراً بكل ما تحمله الحرية من معنى، حاملات السلاح بأيديهنّ والأمل في قلوبهنّ في سبيل نجاة الأطفال، نجاة الغد الذي سيحمل معه طعم الحياة، كما أن هناك مئة جمال، حاولن الدفاع كلٍ بطريقتها، فـ"حنين" ابنة الستة عشر عاماً فضلت الانتحار على أن تذهب سبيّة، ليس فقط خوفاً على نفسها من أشكال التعذيب المختلفة، إنما خوفاً على رجال بلدتها من تبعات السبيّ. أما لجين السبع، تلك الممرضة في مستوصف القرية التي أوصدت على نفسها وأولادها جميع الأبواب برفقة النار المشتعلة داخل المنزل، فخطط عقلها في لحظة وجيزة للهرب من وسط النيران والزحف مع أولادها للحياة الآتية.

قصص النساء هذه ليست قصص حياة فقط إنها مجتمعةً قصة الأرض والهوية قصة وطن جريح وموت عبثي

عندما قررت الحرب أن تزعزع أمن المواطنات والمواطنين في سوريا، كانت جمال، وغيرها من النساء متأهبات بفعل حب البقاء وحب الأرض وحب الأولاد وثقافة الحياة، إلى الدفاع عن كل هؤلاء حتى لو بحجارة الأرض نفسها التي أرضعتهن الحب منذ الأزل. لم تتفوق ثقافة الاستبداد على ثقافة شعب هزّ أركان الإرهاب، وخلخل توازن الظلم القائم عليه منذ عشرات السنين، كسرت المرأة حاجز خوفها، وشق الرجل عتبة الظلمة، لينيروا جميعهم طريق الأجيال القادمة حتى لو كان السلاح الذي رفضناه يوماً وما زلنا نرفضه هو السبيل. عندما تكون الخيارات محدودة أمام شعبٍ مقهور؛ بين الحياة والموت، لا بد أنه سيختار الحياة ويدافع عنها بأي وسيلة.

اقرأ أيضاً: "داعش" يسبي النساء في الرقة ويقتلهن في مانشستر

لقد حالَ القمع والاستبداد بين المجتمع السوري وبين ارتقائه إلى مجتمع مدني بمعناه الكلي، ومن ثم، إلى مجتمع سياسي، لكنه لم يكن حائلاً بين الشعب وحبه للحياة وللأرض التي تربى عليها، وما جرى في السويداء؛ وما فعلته النساء اللواتي كنّ شهيدات وشاهدات على قدم المساواة مع الرجال، الدليل الأكبر على أن إرادة الشعوب لن تنهزم.

قصص النساء هذه، ليست قصص حياة فقط؛ إنها، مجتمعةً، قصة الأرض والهوية، قصة وطن جريح وموت عبثي، بل قصة "موت معلن" تحتاج كتابتها إلى قلم كقلم غارسيا ماركيز.

الأقسام: