أنصار الأدب الإسلامي يقيدون الإبداع بأحكام أخلاقية تلجم الخيال

7968
عدد القراءات

2017-12-06

"يا أحمد مراد.. إنّ الأدب في التأدب مع الله، وإلا يسمى قلة أدب مهما كانت جودته ودواعيه".
بهذه الكلمات انتقد أحد القراء على موقع القراءة جود ريدز رواية الكاتب المصري أحمد مراد "موسم صيد الغزلان" الصادرة حديثاً عن دار الشروق بمصر. وفي السياق نفسه وجه مئات القراء انتقادات لرواية مراد الأحدث بدعوى أنها رواية إلحادية غير أخلاقية.
تقييم رواية مراد المنطلق من منظور ديني ومطالبته بكتابة روايات تحترم التصور الإٍسلامي، أعاد للأذهان مرة أخرى المسألة التي انشغلت بها دول العالم الإسلامي في حقبة الثمانينيات، والخاصة بالحديث عن مصطلح الأدب الإسلامي، والتي انبثقت عنها "رابطة الأدب الإسلامي العالمية" بدعوى من الشيخ أبو الحسن الندوي  في الهند، وتأسست الرابطة في السعودية عام 1984 لتخرج عنها سلسلة من الإصدارات ما بين الكتب والدراسات والمجلات الأدبية التي تحدثت عن وجود أدب إسلامي منذ بعثة الرسول قبل 1400 عام وحتى اليوم.
اعتراضات القراء على رواية مراد ليست بجديدة، إذ بدأتها الرابطة قبل ثلاثين عاماً حين وضعت 16 شرطاً لتحقيق أهدافها وأعمالها، كان على رأسها تعريف مصطلح الأدب الإسلامي وهو: "التعبير الفني الهادف عن الإنسان والحياة والكون وفق التصور الإسلامي" وأيضاً: "الأدب الإسلامي أدب ملتزم، والتزام الأديب فيه التزام عفوي نابع من التزامه بالعقيدة الإٍسلامية، ورسالته جزء من رسالة الإسلام العظيم".

رابطة الأدب الإسلامي وضعت قبل ثلاثين عاماً 16 شرطاً لتحقيق أهدافها لضمان عدم تجاوز التابوهات الدينية والاجتماعية

الدكتور جابر قميحة (1934 - 2012) أستاذ الأدب بجامعة عين شمس بالقاهرة وعضو جماعة الإخوان المسلمين كان أحد المدافعين عن مصطلح الأدب الإسلامي، حيث قال في  تعريفه لهذا النوع من الأدب إن "الإسلام شرط أساسي في وصف الأديب المسلم، أي أن مبدع الأدب الإسلامي يجب أن يكون مسلماً...". وفي وصف قميحة لوضع الإبداع الموجود حالياً قال: "والإبداعات الموجودة على الساحة الآن في بعضها ملامح من الأدب الإسلامي، ولكن كثيراً منها يعتبر أدباً ساقطاً ماجناً، يرفضه لا أقول الأدب الإسلامي فحسب، ولكن الإسلام نفسه".
أنصار مصطلح الأدب الإسلامي وأعداؤه حصروا المواجهة دائماً من خلال الحديث عن بعض رموز الأدب الإسلامي في العصر الحديث مثل: مصطفى صادق الرافعي، ونجيب الكيلاني، وسيد قطب، ومحمد سعيد العريان، وآخرين، في محاولة للتدليل على وجوده، دون التقيد بشروط أو معايير أو شكل ما للأدب الذي يحاول رافضو المصطلح تصديره خلال توجيه اعتراضاتهم لكتابات هذه الأسماء، والدفع بأنها كتابات لا يتوافر فيها الشكل المتعارف عليه للأدب.. فقد كان الصراع دائماً على أرضية أكاديمية بحتة بين القائل بأنه لا قيد على الأدب، أو الحديث عن ضرورة أن ينطلق الأدب من تصور إسلامي أخلاقي، إلا أنّ المسألة التي أخذت بعدًا أكاديمياً في الظاهر، لم يكن تفسيرها ينفصل عن البعد السياسي الذي سيطر على المشهد العام في دول العالم العربي والإٍسلامي فترة السبعينيات والثمانينات، فى محاولة لاستخدام كل الامكانات المتاحة دفاعاً عن مشروع الدولة الإسلامية التي سعت لتقديمه جماعات الإٍسلام السياسي المعاصرة.

المؤسس أبو الحسن الندوي
مؤسس المصطلح الشيخ أبو الحسن الندوي ( 1914- 1999 )، أنشأه فى شبه القارة الهندية؛ من أجل مقاومة التمييز ومواجهة السيخ والبوذيين وغير المسلمين من جهة، ولمقاومة الاستعمار الإنجليزي من جهة أخرى؛ ويظهر البعد السياسي في السعي من أجل تصدير المصطلح عند محاولة التنقيب عن الأسماء التي وضعت ضمن معجم الأدباء الإسلاميين المعاصرين، والذي صدر في الأردن بالتنسيق مع رابطة الأدباء الإسلاميين العالمية، لنجد اسم شكري مصطفى (1942- 1978) مؤسس جماعة "التكفير والهجرة" المتطرفة قاتلة الشيخ الذهبي وزير الأوقاف المصري حقبة السبعينات، وجاء فى تعريف معجم الأدباء الإسلاميين: "شكري مصطفى كان معروفاً بين زملائه بكنية أبو سعد الأسيوطي.... كان داعية إٍسلامياً منذ صباه.... كان شاعراً منذ نعومة أظفاره، وكانت أولى قصائده عام 1957 عندما كان في السادسة عشرة من عمره".
الكتابة الجديدة والدعاة الجدد
المواجهات فترة الثمانينات انحصرت فى مناظرات أكاديمية بين متخصصين في الأدب والنقد من كلا الجانبين، غير أنها لم تلقَ الرواج نفسه والاهتمام بين قراء تلك الحقبة، خصوصاً مع تراجع مستوى القراءة مصرياً وعربياً فترة الثمانينات، مع صعود نجم تيارات الإٍسلام السياسي وتراجع نفوذ اليسار، المسألة التي اختلفت نهاية التسعينيات وأوائل الألفية الثالثة، مع ظهور ما عرف إعلامياً بظاهرة الدعاة الجدد؛ حليقي اللحى أًصحاب الياقات البيضاء، والذين سعوا لتقديم صورة أكثر حداثة وليبرالية للإسلام؛ فخرج الداعية عمرو خالد كنموذج بمحاضرات عن الحب الإسلامي والمصيف الإسلامي، وقدم الداعية راغب السرجاني محاضرة عن القراءة بعنوان "القراءة منهج حياة" قسم فيها مراتب القراءة عند الفرد المسلم إلى عشر درجات، بدأها بقراءة القرآن فى المرتبة الأولى، وختمها بقراءة الأدب فى المرتبة الأخيرة، مع مطالبة الشباب بالحرص في القراءات الأدبية حتى لا تؤثر على بقية القراءات الأهم من حديث وفقه وعقيدة.

صدرت في 5 سنوات 26 رواية لعشر كاتبات منقبّات في مصر تدعو إلى الفضيلة والتمسك بتعاليم الدين

نتج عن صورة الإسلام الليبرالي الذي قدمه الدعاة الجدد جيل من القراء والكتاب تربى على يد هؤلاء الدعاة، جيل يضع قيوداً حول إبداعه حين يكتب أو يقرأ، جيل قد تصدمه كلمة بذيئة فى رواية "من وجهة نظره" أو وصف لعلاقة جنسية بين بطلي رواية، أو رؤية شاطحة عن الله والأديان.
تلك الميول التي سيطرت على القراء والأدباء الشباب بعد ثورات الربيع العربي فى تفضيل الأدب ذي البعد الإسلامي، انتبهت لها دور نشر الشباب التي تأسست بكثرة في القاهرة بداية من عام 2012، بعد تراخي القيود الأمنية التي عملت على تحجيم صناعة النشر والصناعات المرئية والمسموعة قبل عام 2011، إلى جانب فتح المجال لدور النشر التابعة لتيار الإسلام السياسي لتلتحق عشرات الدور التابعة لجماعات الإسلام السياسي باتحاد الناشرين المصريين، حيث ارتفع عدد دور النشر صاحبة العضوية فى الاتحاد من 260 دار نشر عام 2012 إلى 560 دار نشر عام 217، وكانت سبباً في نجاح عضو جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة عاصم شلبي في انتخابات رئاسة الاتحاد عام 2012، وسعت تلك الدور للتحكم فى ضوابط ومعايير نشر وعرض وبيع الكتابات الأدبية للشباب، حيث أشار  كتاب مصريون من الأجيال الأكبر إلى منع مكتبات بيع الكتب عرض أعمالهم المنشورة بسبب تضمنها تداخلات مع الجنس والدين أو السياسة بشكل لا يستهويه القراء الشباب الآن، وسعى بعض الناشرين الى توجيه الأدباء الشباب قبل نشر أعمالهم ومطالباتهم بحذف الفقرات التي تنتهك تلك التابوهات.
المنتقبة الحسناء
تناول مصطلح الأدب الإسلامي سابقاً لم يكن يحتاج للتعامل مع تيار الإسلام السياسي ككتلة واحدة، فإذا كانت جماعة الإخوان المسلمين تسعى كنموذج لاستخدام جميع الأدوات المتاحة للترويج لفكرتها عن الدولة الإسلامية الحديثة، فإن جماعات السلفية التقليدية أو السلفية الجهادية كانت تنظر للأدب باعتباره علماً لا ينفع، وأن الأفضلية لقراءة القرآن وكتب الحديث والفقه وعيش الفرد في كنف الله بعيداً عن ملهيات الحياة. هذه الرؤية ربما تغيرت جذرياً في السنوات الخمس الأخيرة التي أعقبت ثورات الربيع العربي، إذ صدرت خلال هذه السنوات 26 رواية لعشر كاتبات منقبّات في مصر فقط. تدور معظم هذه الروايات في فلك الدعوة إلى الفضيلة والتمسك بتعاليم الدين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، مثل روايات: "المنتقبة الحسناء"، و"الرجل ذو اللحية السوداء"، و"قالت لي" و"شاهدت زوجي في الأتوبيس" ومن "وراء حجاب"، وأعمال أخرى متنوعة للكاتبات المنقبات، دعاء عبد الرحمن، ومنى سلامة، وحنان لاشين، وشيماء عفيفي، وفاطمة الزهراء فتحي، وروان صادق، وريهام رجب الشاذلي، وأسماء أبو العطا.
أصبح المشهد الثقافي في التعامل مع المصطلح مختلفاً بعد ثورات الربيع العربي عن الفترة التاريخية التي عاصرت نشأة المصطلح؛ فبعد أن كان الحديث عن الأدب الإسلامي حديثاً وليداً يلقى التعنت ومحاولات التحجيم من اليسار المصري الذي كان مسيطراً على عملية نشر الإبداعات وتقديمها للقراء من خلال مطبوعاته الأدبية، تبدلت المسألة وأصبحت إبداعات اليسار تواجه بالتحجيم من قبل منافذ بيع الكتب ونشرها، في حين تتصدر واجهات بيع الكتب فى القاهرة كتابات المنتقبات الأعلى مبيعاً، والكتابات التي تنطلق من التصور الإسلامي، المتماهية مع البعد الأخلاقي والديني المنطلق من عقيدة جماعات الإسلام السياسي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش

2019-08-20

يمثل "الإسلام السياسي" كمصطلح، الأزمة العميقة التي تصيب الذات حين تهبط من رحمها الطوباوي إلى مواجهة العالم، مما يجعلها مهووسة في تقديس أفكارها الطوباوية، والدفاع عنها أيديولوجياً وفعلياً في العديد من الأحيان.
وسرعان ما تأخذ هذه الذات بالتمدد، حتى تتسع إلى العالم وأفكاره الأخرى، وبغض النظر، سواء اتُخذت تلك الأفكار على أنّها دخيلة، صديقة، عدوة، فإنّها في النهاية تحدث تغييراً، ربما يؤدي في آخر الأمر إلى تحطيم الذات كما كانت تحاول أن تكون.

هبط الإخوان المسلمون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية إلى بنى الواقع والسلطة والرأسمالية

"الإسلام السياسي" يفصح عن هذه الحالة في تجليها اليوم، حيث يتم التعبير عنه مؤخراً، على أنه بلغ مرحلة النهايات، وهذا طرحٌ وجد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أنه يطفو من جديد على وجه المنطقة العربية بعد اشتباكاتها الكثيفة مؤخراً على صعد مختلفة اجتماعية وسياسيةٍ وثقافية ودينية، اختزلها "الربيع العربي".
واليوم، أصبحت؛ ما بعد الإسلام السياسي، هي الجملة الأكثر حضوراً، وصارَ التبشير بنهاية الإسلام السياسي كما نعرفهُ حالةً سائدة، غير أنّ السياقات المؤدية إلى هذه النهاية التي يتم التسويق لها، تظل محل اختلاف، فهل يمكن تقصي بعض هذه السياقات، وإلى أين قد تؤدي بالفعل؟

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا

المثالية التي تحطمت
يعود تاريخ العلاقة بين الفكرة والعالمِ عند جماعة الإخوان المسلمين منذ التأسيس، إلى رؤية فضفاضة أرساها شيخها المؤسس حسن البنا، الذي قال في إحدى رسائله "لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمرٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها".

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
هذه الرسالة التي مضى عليها قرنٌ تقريباً، لم يكن ممكناً فهمها في سياقها التاريخي؛ كونها لا توضح أهدافها لا بزمانٍ ولا مكان، ولا تسعى إلى هيكلٍ واضح يمكن لجماعة الإخوان المسلمين اتخاذه سياسياً على الأقل، بحيث يفضي إلى نتائج مأمولة على المدى البعيد. لكن، تم تفسير هذه الرسالة لاحقاً أنها جاءت في سياق مشروعٍ نهضويٍ عربي إسلامي، أهم ما يميزه أنه ضد الاستعمار، وسيقوم بالعمل على إنجاز رؤية إسلاميةٍ في الحكم (رداً على سقوط الخلافة الإسلامية) كما أنه سينتج حملةً اجتماعيةً ثقافيةً من منظورٍ إسلامي، خارج مجال الاستعمار، وخارج المنطق الذي بدأت فيه الدول العربية بالظهور مستقلةً بعد انحسار القوى الاستعمارية، باعتبارها تمثل العروبة في استقلالها، وتخفي وضعاً ما بعد كولونيالي في واقعها الجديد، وتذهب الجماعة في تأسيسها أيضاً، إلى أنها تسعى للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وكان هذا في صميم أعمالها خلال الثلاثينيات من القرن الماضي.

المشروع المناهض للاستعمار في أساسه كما طرحته جماعة الإخوان ضاع خلال الربيع العربي في متاهات التحول إلى جماعات حاكمة

الإخوان فيما بعد، ورغم كل ما واجهوه وواجههم في حقبة عبد الناصر، حملوا معهم إرثاً لثلاثةِ عقودٍ من الزمن، اتسم بالعمل الاجتماعي الدعوي، الذي سيبقى ويتطور لاحقاً، إذ تصفه الباحثة بيث بارون في كتابها الصادر عام 2014 بعنوان "فضيحة اليتيمة: الإرساليات المسيحية وصعود الإخوان المسلمين" بأنه "جاء نتيجة احتكاكٍ مع الإرساليات الدينية الغربية والأمريكية التي كانت في مصر، وما تقدمه من خدماتٍ دينية واجتماعية، رأى الإخوان أنهم أولى بتقديمها وفق هويتهم الدينية والعربية". وكان هذا تصرفاً لا استعمارياً مرةً أخرى، في سياقه الزمني الذي تحكمه ظروفه. وفي مقالتها المنشورة على موقع "حبر" في 2018 تشير الكاتبة دعاء علي، إلى أنّ ما قدمه الإخوان من خدماتٍ اجتماعية في تلك الفترة، لم يكن محتاجاً إلى أي انتماء أيديولوجي من المستفيدين من تلك الخدمات، ولا عرقي أو طائفي. كان نوعاً من محاولة خلق مزيجٍ اجتماعي مستفيد ومتسق، في حين "لم تكن الدولة قادرةً مثلاً على تقديم ذات الخدمات بذات الجودة".

وفيما بعد، لا بد أنّ هذا المشروع الذي هدف إلى عدة نتائج اجتماعية ‘يجابية، أخذ بالانحراف عن مساره، فلا توضيح لسبل جمع الأموال لقيادات الإخوان المسلمين الذين ظهروا منذ انتهاء حقبة جمال عبد الناصر، ولا أدلة تشجب أيضاً اختلاط العمل الدعوي بالاجتماعي بالسياسي. ألم يصبح تأييد الجماعة جالباً للعديد من المكاسب السياسية والاجتماعية إلى بعض الأفراد في المقابل؟

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
هذا المشروع الاجتماعي للإخوان، أخذ يتقلب، ويتشعب، ولعل كل الطرق الجانبية التي خاضها الإسلاميون في مصر تحديداً، أملاً منهم في الوصول إلى طريقهم الرئيسية وأهدافهم، تحولت إلى متاهةٍ معقدة. والمثال الأبرز، كان في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وذلك بعد تشكل الإخوان كقوةٍ اجتماعيةٍ في مصر خلال حكم جمال عبد الناصر، رغم ما حاق بهم من قمعٍ في عهده، إلا أنّ هذه الحقبة انتهت بصعود السادات وبدء مرحلةٍ جديدة، واجه فيها السادات معارضةً من مراكز قوى مصرية مختلفة، فقرر حينها "أن يستعين بجماعة الإخوان المسلمين وأن يتصالح معها؛ ليضرب بذلك التيارات اليسارية والقومية التي يستند عليها خصومه داخل مصر، حيث كان الصراع محموماً على السلطة"، وفق مقالٍ مطول نشره موقع "إضاءات" في 2015.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
وكانت قياداتٌ إخوانية مشهورة، مثل سعيد رمضان الذي كان خارج مصر، وعمر التلمساني من داخل مصر، وغيرهم، "التقوا السادات الذي عرض عليهم العودة للعمل بحريةٍ وعلنيةٍ في مصر بل والتحالف إن أمكن، مقابل مواجهة خصومٍ مشتركين يمثلون (الإلحاد والشيوعية)" وفق المقال ذاته.
الإخوان، خرج  معظمهم من السجون بين عامي 1971 و 1973، وصار السادات فيما بعد، الرجل الذي يحمل لقب "الرئيس المؤمن". ورغم كثرة وتعقيدات التفاصيل، فإنّ المقال يوجز أنّ الإخوان لم يتعلموا من حقبة الملكية في مصر، ولا من حقبة عبد الناصر، فكرروا وقت السادات ذات الخطأ، والمقصود به التحالف مع السلطة بالطبع.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟
ربما كانت هذه التجربة طوال عقود في مصر، لها شبيهاتها في بعض الدول العربية، لكنها تشير إلى أول خللٍ في الطوباوية المتمثلة في مواجهة الحالة ما بعد الاستعمارية، التي تخيلها الإخوان في لحظة من الزمن في دولٍ مغلوبةٍ على أمرها تتبع الحداثة الغربية، كما تتبع خطاياها وآثارها الاستعمارية بعد الاستقلال، وتواجه تغييرات اجتماعية تمس الدين والهوية الإسلامية العربية عموماً، مما يجعل مشروع النهضة الإخواني في خطر. لكن هذه الفكرة تضعضعت، وبات التفاعل المباشر مع شؤون الدولة والسلطة ومسؤوليها (وفق رؤية السلطة) أمراً قائماً كما في مرحلة السادات، بل إنّ الإخوان أخذوا بالتمدد والتوسع في أوروبا وأمريكا وبعض دول العالم، بذات الأسلوب الذي بدأوه في مصر، وأخذ المسلمون حول العالم يشكلون محوراً أساسياً من محاور اهتمامهم.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
بالتالي، أصبح البحث عن مكانٍ واضح في الحكومة، أو في مجلس النواب أمراً طبيعياً وضرورياً، وتجلى هذا بوضوح في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتوالت مواضع الكر والفر بين مبارك والإخوان، فكانوا تارةً ضيوفاً على السجون، وتارةً أخرى ضيوفاً على البرلمان، وبقيت قوتهم الاجتماعية حاضرة، ومؤسساتهم المتنوعة دينية أم تجارية أم خيرية قائمة عموماً، فصار الإخوان سياسيين، واجتماعيين، وحاولوا بث رؤيتهم في الثقافة والفن حتى. كما عملوا عالمياً بكل ما هو متاح لهم تحت مظلة القوانين في دولٍ كبريطانيا وفرنسا وغيرهما. لقد انخرطوا في العالم الذي غيّرهم، أو بالأحرى، صاروا طبيعيين إن صح التعبير، منخرطين في مشاكل مختلفة وقضايا متشعبة، جعلتهم يهبطون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية، إلى بنى الواقع والسلطة والرأسماليةِ فيما بعد.

حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل

الذات يسرقها العالم
يمكن للحديث عن حركة الإخوان المسلمين أن يطول جداً، ويأخذ الكثير من الأمثلة والوقائع، خصوصاً بعد تجربة "الربيع العربي"، وبعد تجربة الحكم قصيرة الأمد في مصر، والمتقلبة في تونس، والأخرى الخاضعة للظروف السياسية بعد 2010 في المغرب، وقبل كل ذلك في السودان والجزائر.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
لكن، وتمهيداً لهذه المرحلة، يمكن القول إنّ نهاية التسعينيات شهدت رؤية جديدة عالمية، قادتها الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية التي ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل إلى الساحة السياسية الدولية، حيث أصبحت جماعة كالإخوان المسلمين ضمن ما أمكن تعريفه دولياً بجماعة معتدلة مناهضةٍ للعنف والراديكالية. وفي هذه النقطة، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، إنّ هذا التعريف الدولي لم يكن مرتبطاً تماماً بـ "أيديولوجية الجماعة وأدبياتها وهيكلها وإلخ" بل خضع إلى مصالح دولية.

تبدو الجماعة وقد انتهت كما عرفناها من قبل بعد أن صار ما بعد الإسلام السياسي عنواناً مفروضاً عليها

وربما كان أهم هذه المصالح، يكمن في أن تحديد ما هو معتدل، سوف يسهل في المقابل تعميم ما هو إرهابي وتحديده في أي مكان وزمان وفق مصالح السياسة الدولية. وهذه الفكرة لا يراد منها شيطنة الجماعة، إنما استيضاح ما يشير إليه أبو هنية، الذي يرى أنّ تغير السياسات الدولية تجاه الجماعة فيما بعد، أضعفها، وربما أدى إلى وضعها في قوائم الإرهاب نفسه أحياناً.
هذا التصور، أتى نتيجة للعديد من التحولات؛ فبعد العالمية التي خاضها الإخوان، وهي مرادف آخر لظواهر صعود العولمة، أخذت أفكار التنمية الفردية (خارج إطار الجماعة) وانفتاح سوق المال بالمعايير النيوليبرالية تؤثر في بنيتها بالطبع، وجعل التعامل الدولي أو العالمي معها يخضع لمصالح متبادلة أو غير متبادلة في العديد من الأحيان، أما هي، ووفقاً للباحثة هبة رؤوف عزت في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين"، فكانت لا تزال تطرح علناً سجالاتٍ من نوع "الفروقات بين الشورى والديموقراطية، إضافة للمراجعات التي تتحدث عن مدى إمكانية تقبل الجماعة للعمل الحزبي والتوجه نحو السياسة والسلطة" داخل ما تراه عزت دولة علمانية. وذلك رغم أنّ التنظيم الدولي لجماعة الإخوان يعمل على مستوى العالم وليس على مستوى دوله العربية والإسلامية فقط.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
وبالعودة إلى أبو هنية، صاحب رؤية "نهاية الإسلام السياسي كما نعرفه" فإنّ كل ما عصف في العالم العربي من تغيرات اقتصادية وسياسية لا بد أنه أثر على جماعة الإخوان، كما أنّ السيطرة الدولية ما بعد الكولونيالية جعلت من الجماعة قابلة للعديد من التغيرات على مستوى الأفراد والتوجهات العامة للجماعة ككل.
يقول أبو هنية: "تعاني جماعة الإخوان المسلمين اليوم من أزمة غير مسبوقة، ذاتية وموضوعية، فتبدل الظروف الموضوعية بالتعامل مع الجماعة كطريق نحو التطرف فالإرهاب؛ عمّق من مأزقها الذاتي التاريخي الذي يتمثل بالصراع بين أتباع النزعة المحافظية وأنصار النزعة الإصلاحية كمكونات بنيوية تاريخية مؤسسة لهوية الجماعة".

إذاً؛ تحولت الجماعة إلى صراعٍ منطقيٍ ومشروع بعد كل ما مرت به من ظروف وتحولات، ليتم وضع مشروعها الأساسي جانباً، وبدل التعبير عن مشروع نهضوي إحيائي ومضاد للاستعمار تأسست عليه، أصبح الجدل على القدرة في الاندماج مع الحياة السياسية في الدول والسعي لاعتلاء السلطة، وفهم التعددية، والنقاش داخل الجماعة بين الإصلاحيين والمحافظين، هو السائد.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟
وغير بعيدٍ عن أبو هنية، يرى الكاتب الأردني هشام البستاني أنّ الجماعة لم تنجح في حل مآزقها مع الإسقاطات الـ "ما بعد كولونيالية" التي تم رميها بها، سواء كانت تلك المتعلقة بالاعتدال، ومن ثم التهم المتعلقة بالإرهاب. وفي مقاله المنشور على موقع "حبر" في 2018، يعتقد البستاني أنّ تجربة حكم الإخوان في مصر بالذات، قوضت الكثير مما بنوه في زمنٍ سابق؛ حيث يطرح فكرة أنّ الإخوان خاضوا طريق الديموقراطية التي فرضها عليهم "الربيع العربي"، من أجل الاستبداد بالسلطة لاحقاً، كما إنهم "رفضوا أي تحالفاتٍ جدية مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى في مصر، معتمدين على ثقة في النفس اكتسبوها من نوعٍ من التعايش مع السلطة حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث استفاد السادات من التعايش معهم لتمرير لبرلة الاقتصاد المصري مثلاً، كما كانوا مهمين في مواجهة السلطة للتنظيمات اليسارية والقومية".
وبصورةٍ عامة، كانت قبضة الإخوان على السلطة في مصر ضعيفة، بسبب تراكم خلافاتهم مع القوى السياسية المصرية عموماً، ولسعيهم الانفراد في السلطة، من خلال العمل على التحول إلى مجموعةٍ حاكمة، ليس لها رافعة اجتماعية وشعبية كافية أو متفقٌ عليها عموماً.

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
لم تكن الديموقراطية الطريق الممهدة للوصول إلى السلطة، بل كان التعامل مع المجال العام والسياسة والاقتصاد على أنها مشاريع شراكة وطنية مستقبلية هو الأساس للاستمرار في السلطة.
بدوره، أسهم "الربيع العربي" أيضاً، في تغييرات وتحولات في الجماعة، التي تتجه إلى نهايتها كما أراد أبو هنية وغيره أن يقولوا، والقصد أنّ سياسة القوى العالمية الكبرى، ومشاريع الرأسمالية والسيولة في العلاقات والمفاهيم والتبادل التكنولوجي والثقافي، والثورات منذ 2010، أنهت شكل الإسلام السياسي كما نعرفه. لقد غير العالم في الجماعة أكثر بكثير مما أرادت أن تغير فيه، فهي ليست العدو التقليدي للتقدم مثلاً، وليست حركة رجعية. إنما اكتسبت براغماتية مع الزمن، ربما حولت مشروعها الأساسي إلى حلمٍ آخر من الماضي. أما قاعدتها الاجتماعية العريضة، وعملها على توظيف خدمة المجتمع، فكان من أجل التوسع شعبياً على الأقل، بين الإخوانيين وبين من لا ينتمون مباشرةً للجماعة. يمكن من خلال تجربة الحكم في مصر المذكورة آنفاً، فهم أنّ التحول إلى جماعةٍ حاكمة يعني التخلي عن الكثير من المكونات السياسية والشعبية هذه، حتى من داخل إطار الإخوان ذاتهم؛ لأنّ السلطة الاستبدادية ستؤدي بالضرورة إلى التفكك من أجل صراعٍ مستقبليٍ على السلطة.

 الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت
العديد من هياكل الجماعة تفككت، حتى التنظيمية منها أحياناً، كما أنّ الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت، إذ صار الطموح مقتصراً ربما، كما يرى أبو هنية عن "أمل عودة نظرية؛ مشمولية الإدماج/ الاعتدال، إذ تراهن الجماعة على استعادة منظورات التعامل مع الجماعة باعتبارها (جدار وقاية) ضد التطرف والعنف".

اقرأ أيضاً: التداعيات الإقليمية لسقوط الإسلام السياسي في السودان
وإذا كانت مشاريع الدول الكبرى (وتدخلاتها) في العالم سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً، أثرت في الجماعة إلى هذا الحد، فتأثرت بمعايير قوتها ومصالحها - تماماً مثلما انحسرت تجربة اليسار في العالم العربي من قبل -  دون أن تنقذ الخلفية الاجتماعية والدينية للإخوان مساعيهم ومشاريعهم الكبرى، إذاً، ماذا بقي في صراعها المزعوم مع الحداثة المفترض أنها ما بعد كولونيالية، والذي عبر عنه راشد الغنوشي ذات مرةٍ بقوله "يوجد صراع بين حداثتين، إسلامية تريد ذاتها، وغربية تفرض ذاتها".
يتراءى أنّ النهايات، ومقولات "الـ ما بعد" فُرضت على الجماعة، وأدت إلى ما سمي (ما بعد الإسلام السياسي، وما بعد الإسلاموية، وإلخ)، ولعل أطروحة الباحث الفرنسي فرانسو بورغا، عن أنّ الإسلام هوية مجتمع، تمثله جماعات كالإخوان يسقط وفق الرؤية آنفة الذكر. فكون الإسلام هوية مجتمعية، أو دين أمة، أو رسالة خيرٍ وسلام وغير ذلك، لا يعني أنّ ممثليه ذاتيون، أو أنهم استطاعوا تخليص ذواتهم من الحداثة التي تفرض ذاتها عليهم، كما قال الغنوشي.

للمشاركة:

لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2019-08-20

لا يبدو أنّ تصريحات قادة حركة "النجباء" العراقية ضد الجيش والحكومة العراقية، أمراً يسترعي الانتباه، ويثير معه دلالات جديدة أو يكشف عن توجهات مختلفة، فالحركة الشيعية، الموالية لإيران، تعمد باستمرار إلى الكشف عن ولائها الطائفي، وتبعيتها الإقليمية، والتصدي لأية محاولات تمس وتهدد تحالفاتها وأدوارها المحلية، في بغداد، والتي تقوم بها بالوكالة عن طهران، بالإضافة إلى ارتباطها العضوي بالمرشد الأعلى، علي خامنئي.
تطاول مستمر على الحكومة والجيش العراقيين
تنتمي حركة النجباء على مستوى المرجعية إلى "الولي الفقيه" في إيران، دون مواربة أو إخفاء لذلك، بالإضافة إلى إعلانها عن صلاتها بالعديد من التكوينات التنظيمية الشيعية، التابعة لطهران في المنطقة، وقياداتها، سيما حزب الله، في لبنان، وأمينه العام، حسن نصر الله، والأخير تصفه بأنه "النموذج المحمدي العربي الناصع لمقاومة الاستكبار".

مقتدى الصدر

وعلى المستوى الإقليمي، تشارك الحركة في عمليات ميدانية وعسكرية، تتماس، بشكل مباشر، مع الأهداف السياسية والطائفية لإيران، مثلما حدث في سوريا؛ إذ اشتركت عبر مقاتليها في السيطرة على الأجزاء الشرقية من مدينة حلب، شمال سوريا، نهاية العام 2016.

اقر أيضاً: معركة إيران… في العراق
وفي خضم هذه العملية العسكرية، أعلنت الحركة أنّ قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، تفقد قطاعات عمليات مقاتليها العسكرية والميدانية، بالإضافة إلى حضوره اجتماع قادة الحركة.
وفي هذه الأثناء ظهر أكرم الكعبي، قائد التنظيم وزعيم الميليشيا، في مطار حلب، وهو يتفقد المقاتلين، ويقوم بالإشراف على المعركة، وقد رافقه قادة عسكريون إيرانيون، للتنسيق بشأن ما يجري في المنطقة، وخصوصاً، في العراق وسوريا.

حفلت ممارسات حركة النجباء بالحقد الطائفي ففي ريف حلب توثق مشاهد القتل والسحل ضد المواطنيين عبارات مشحونة بالكراهية المذهبية

خلال النصف الأول من الشهر الجاري، أطلقت حركة النجباء، على لسان قياداتها، عدداً من التصريحات التي يمكن توصيفها بـ"المسيئة"، تجاه الحكومة والجيش العراقيين، وأخرى، تحمل تهديدات مباشرة وصريحة، لمؤسساتها الشرعية، في حال عملت ضد مصلحة إيران.
ووصف القيادي بالحركة، يوسف الناصري، الجيش العراقي، بأنه "الجيش المرتزق"، وطالب بحله وإسناد مهامه إلى الحشد الشعبي، وعليه، يكون "الحشد الشعبي هو الجيش الأول في العراق، وليس رديفاً، وحتى يكون هو وزارة لحماية أمن ومستقبل العراق إستراتيجياً".
وأصدر المتحدث باسم حركة "النجباء"، نصر الشمري، هو الآخر، تهديداً إلى أي حكومة عراقية، تعمل ضد إيران، حيث سيصبح مصيرها السقوط، في غضون أسابيع، بحسب وصفه.
تنتمي حركة النجباء على مستوى المرجعية إلى "الولي الفقيه" في إيران

رأس حرب في المنطقة
وصرح المتحدث باسم الحركة، أثناء اللقاء بمستشار المرشد الإيراني للشؤون العسكرية، في طهران، اللواء يحيى رحيم صفوي، بأنّ الحركة تراقب عن كثب جميع القواعد العسكرية الأمريكية، على الأراضي العراقية، والتي يبلغ عددها 11 قاعدة.

اقرأ أيضاً: هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

"تشكلت هذه الحركة من مجموعة من القيادات التي حاربت نظام صدام في السابق، والاحتلال الأمريكي، وقاومت في المدن العراقية كافة، من جميع النواحي العسكرية والفكرية والاجتماعية والسياسية".
يتحدث زعيم ميليشيا النجباء، أكرم الكعبي، عن بدايات تأسيس الحركة الشيعية، في العراق، والتي تعد أكبر فصائل الحشد الشعبي، قبل الانفصال عنها، وتعرف بصلاتها الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، على وجه الخصوص، فيما يعد الكعبي أحد أبرز مؤسسي جيش المهدي، قبل أن يتم حله، مع رجل الدين العراقي، مقتدى الصدر، بالإضافة إلى دوره المؤثر في تشكيل جماعة "عصائب أهل الحق"، والتي انفصل عنها هي الأخرى.
يتراوح عدد أفراد المقاتلين في حركة النجباء، بحسب بعض التقديرات الصحافية، بين 8- 10 آلاف مقاتل. وقد تأسس هيكل الحركة بعد الانفصال عن "عصائب أهل الحق"، من خلال اندماج الألوية العراقية التالية: "لواء عمار بن ياسر"، و"لواء الإمام الحسن المجتبى"، و"لواء الحمد".

اقرأ أيضاً: داعش يعزز قدراته في العراق وسوريا.. البنتاغون يكشف الأسباب
ثمة مقومات هائلة تحوزها حركة النجباء، على المستويين المالي والاقتصادي، وذلك، جنباً إلى جنب مع الإمكانيات السياسية والعسكرية، ومن ثم، بإمكانها فرض نفوذها، عبر وسائط عديدة، وفقاً لقدراتها ومواردها المتعددة؛ فهي تملك قناة تلفزيونية، تحت اسم "قناة النجباء الفضائية"، وكذلك منصة إلكترونية، تحمل الاسم نفسه، وتستهدف نشر أخبارها، وتقديم تغطيات تخص نشاطاتها، والترويج والدعاية لسياساتها.
نسخة مكررة من حزب الله اللبناني
وتعرف الحركة نفسها، عبر موقعها الإلكتروني بأنها "إحدى فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، وتهدف إلى الدفاع عن المقدسات في سوريا والعراق". ويحدد أكرم الكعبي، قائد التنظيم، مواقع سيطرة وتمركز الحركة، من خلال لواء، في غرب العراق، المعروف بـ"اللواء الثاني"، الذي سبق وانخرط في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ولا يزال قائماً حتى الآن، ولواء آخر، هو "اللواء الثلاثون". بيد أنّ الأخير، وغالبية عناصره من الطائفة السنّيّة، قد جرى حله بقرار من الحكومة العراقية.

اقرأ أيضاً: الميليشيات المدعومة من إيران تتسلل إلى مراكز السلطة في العراق
يسجل العام 2013، بداية انخراط النجباء في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، بين النظام والمجموعات المسلحة من المعارضة، وقد شكل وجودها ضمن عدد من الألوية والفيالق الشيعية، التي تعمل تحت قيادة فيلق القدس والحرس الثوري، عاملاً حاسماً في العديد من المعارك الميدانية، سيما معركة القصير في حزيران (يونيو)، العام 2013، حيث ضاعفت من عدد مقاتليها، وقد نشرت في سوريا ألوية "عمار ابن ياسر"، و"الإمام الحسن المجتبى"، و"الجولان"، ونفذت من خلالهم عمليات ميدانية، في دمشق وحلب، وفي ريف المدينتين، شمالي البلاد، فضلاً عن تحرير قرى شيعية، مثل نبل والزهراء.

اقرأ أيضاً: ضربات إسرائيلية على أهداف إيرانية في العراق أم مجرد حريق بسيط؟
حفلت ممارسات حركة النجباء بالحقد الطائفي، خلال معاركهم وقتالهم في سوريا. ففي ريف حلب، توثق مشاهد القتل والسحل ضد المواطنين، عبارات مشحونة بالكراهية المذهبية مثل: "هذا هو ابن أمية.. وابن عائشة".

 

منظمة إرهابية
تعد حركة النجباء أول فصيل شيعي، يصنف من قبل الولايات المتحدة، على لائحة "المنظمات الإرهابية"، قبل عامين، إلا أنّ زعيمه الكعبي، يخضع للعقوبات الأمريكية، منذ العام 2008، على خلفية دوره في الهجمات التي كانت تستهدف القوات الأمريكية في العراق حينها.
وأشار الكونغرس الأمريكي، في تقريره الصادر العام 2017، على موقعه الإلكتروني، بعد حظر وتصنيف النجباء ضمن المنظمات الإرهابية، إلى أنّ "النجباء تتلقى التسليح والتدريب من فيلق القدس الإيراني، والاستشارة من جماعة "حزب الله" اللبنانية الموالية لطهران".

اقرأ أيضاً: مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟
واتهم التقرير أكرم الكعبي باستهداف المنطقة الخضراء، في وسط العاصمة العراقية بغداد، والتي تضم المقرات الحكومية والبعثات الدبلوماسية، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، عام 2008.
وبحسب الصحفي العراقي حسن الشريف، فإنّ حركة النجباء وغيرها من الميليشيات المدعومة من إيران، تستهدف من خلال التنيظمات الطائفية أن تتلاشى أمامها الدولة، وتضعف مؤسساتها، بل أنها تتجاوزها؛ إذ تعمل بسياسة مستقلة، وتنفذ أهداف طهران والولي الفقيه، محلياً وإقليمياً، بما ينعكس على العراق كدولة، ومستقبلها السياسي، الذي يضحى مرتهناً بأكثر من إرادة، تعصف بوحدة قرارها السياسي ومصالحها.
تصريحات قادة النجباء تستهدف النيل والسخرية من الحكومة والدولة وجيشها

تهديد للعراق ومصدر حماية لإيران
ويضيف الشريف في حديثه لـ"حفريات": "تصريحات قادة النجباء التي تستهدف النيل والسخرية من الحكومة والدولة وجيشها، ليست بالأمور الجديدة، فهذا التطاول متكرر، وعملياً تتحكم الميليشيات بالعراق وكأنه بلا سيادة. وفي مقدمة الضحايا لهذا الوضع القائم، منذ عدة سنوات، ليست الأهداف الأمريكية ومصالح الغربيين واستثماراتهم، كما يعتقد، إنما المواطن العراقي، في المقام الأول، والذي يشعر بالتهديد، وتتآكل مساحته الحقوقية والمدنية في وطنه".
وعليه، فإنّ الميليشيات التابعة لإيران، ليست مصدر حماية إلى أحد، ولكنها أحد مصادر التهديد الأخيرة، والمتبقية التي يواجهها سكان المدن العراقية، حيث تعرض الميليشيات كافة المواطنين العراقيين للخطر، عندما تخبئ صواريخ إيرانية كبيرة، في بلدات صغيرة مثل آمرلي. كما يوضح معهد واشنطن.

اقرأ أيضاً: على نهج داعش.. الميليشيات الإيرانية تهدّد المكوّن المسيحي في العراق
ويشير المعهد الأمريكي إلى أنّ ألوية الحشد الشعبي، والميليشيات الشيعية، لا تحتاج إلى مدفعية صاروخية لمهامها، في مكافحة التمرد ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ناهيك عن احتياجاتها لصواريخ باليستية إيرانية، قصيرة المدى، الأمر الذي ينبغي الكشف عنه، وتفسير أسباب وجوده، ودوافعه. لذا، يبقى السبيل الوحيد لضمان عدم تصرف هذه القوات المدعومة من إيران، بشكل يلحق الضرر بالمصالح العراقية، هو إخضاعها لمتطلبات الرقابة نفسها، التي تعمل بموجبها القوات الأمريكية، سيما وجود عدد كبير من قوات الأمن العراقية النظامية من وزارات مختلفة، في كافة مواقع "الحشد الشعبي، بحيث لا يسمح لتلك الميليشيات بالسيطرة بشكل حصري على مهمات مربحة، مثل أمن المحطات النفطية البحرية، وحماية منشآت البنية التحتية الأساسية، ومراقبة الطرق السريعة ومراقبة الجمارك.

للمشاركة:

هل ستنفذ جماعة الإخوان وعدها بتحويل تنظيمها إلى تيار عام؟

2019-08-19

ما يزال عدد من المراقبين يتعاطون تحليلياً مع جماعة الإخوان المسلمين، كونها ذات كيان تنظيمي واحد، يخضع لقيادة عليا واحدة، ووحدة فكرية وسياسية جامعة، كما كانت عليه قبل الإطاحة بحكمهم في مصر، منتصف العام 2013، وهو ما يؤدي إلى أخطاء فادحة في نتائج التحليل، وقراءة مواقف الجماعة السياسية، ورؤيتها للواقع والمستقبل.

اقرأ أيضاً: أي مستقبل للإخوان في المشهد السوداني القادم؟
لم تعد جماعة الإخوان المسلمين المصرية، تنظيماً ذا مركزية واحدة، بعد أن شكلت الجماعة لجنة بديلة لمكتب الإرشاد، الذي زجّت السلطات المصرية بأغلبيتهم في السجون، على خلفية اتهامهم بقضايا "عنف وإرهاب"، وتولّى قيادة هذه اللجنة في البداية، عضو مكتب الإرشاد، محمد كمال، حتى منتصف العام 2015.
انهيار المركزية
بعدها دبّت الخلافات بين القيادات القديمة في مكتب الإرشاد، وأعضاء اللجنة الإدارية العليا، التي يقودها "كمال"، متّهمين إياه بمحاولة "خطف" الجماعة والطموح في تنصيب نفسه مرشداً، وأخذها في اتجاه العنف المسلّح العلني والصريح، وهو ما أدّى بـــ "كمال" إلى الاستقالة من منصبه، في تسجيل صوتي نشرته مواقع الجماعة التابعة له، إلا أنّه دعا في التسجيل نفسه، إلى أن يحذو أعضاء المكتب حذوه، لكنّهم تجاهلوا دعوته.

اقرأ أيضاً: هل تخلى الإخوان المسلمون عن المنافسة على السلطة؟
وبعد أن تشكّلت لجنة إدارية عليا ثانية، تمرد أغلب أعضائها على القادة القدماء، فما كان منهم إلا أن نحّوها جانباً دون إجراء عملية انتخابية، وقاموا باسترداد صلاحيتهم، وتعيين محمود عزت قائماً بأعمال مرشد الجماعة.
من هنا انشطرت الجماعة تنظيمياً إلى شطرين؛ الأول يمثله ما يسمى بالقيادات التاريخية، وأبرزهم القائم بأعمال المرشد، محمود عزت، والأمين العام، محمود حسين، والقيادي في التنظيم الدولي، إبراهيم منير، ويستندون في شرعيتهم بالسبق في الانتماء للجماعة، وجهادهم من أجلها عشرات الأعوام، فضلاً عن أنّهم يمثلون ما تبقى من مكتب الإرشاد القديم.

لم تعد جماعة الإخوان المسلمين المصرية تنظيماً ذا مركزية واحدة
أما الشطر الثاني؛ فتمثله ما يُطلق عليها إعلامياً "جماعة المكتب العام"، وهي التي تشّكلت قيادتها بعد حلّ مكتب الإرشاد، وتشكيل لجنة مفوضة بديلة عنه، بعد أحداث الثلاثين من حزيران (يونيو)، وبدء الشتات الثاني للجماعة.
وامتلكت كلّ جماعة منابرها الإعلامية الخاصة، ومتحدثيها الرسميين، وبياناتها المتباينة، التي تصدر غالباً في مناسبات وتوقيتات واحدة، بيد أنّ المدقِّق في بيانات الفريقين سيخلص إلى الفروقات الواضحة بينهما، خاصّة فيما يتعلق بدرجة العنف والتشدد.

اقرأ أيضاً: الإخوان.. وإشكالية الولاء!
فالموقع الرسمي لــ "المكتب العام"، الذي يشرف عليه المتحدث الرسمي، عباس قباري، يضع على ترويسته صوراً لعدد من رموز الجماعة، يأتي في مقدمتهم، سيد قطب، ثم حسن البنا، ومحمد مرسي، يأتي بعده مباشرة محمد كمال، الذي يسبق في الترتيب، مهدي عاكف، المرشد السابق للجماعة، ثم يتجاهل وضع صورة للمرشد المسجون، محمد بديع، وغيره من رموز الجماعة، فيما وضع موقع الجماعة الموالية لــ "عزت" صور مرشدَي الجماعة من حسن البنا حتى محمد بديع.
رمزية "قطب"
إلا أنّ دلالة الاحتفاء بسيد قطب، ومحمد كمال، تعني أنّ الأخير هو السائر على منهجية الأول، في الأفكار التي دشّن لها، مثل: الحكم على المجتمعات بالجاهلية، وشرعنة الدفاع المسلّح عن الجماعة، وحتمية المواجهة، وضرورة المفاصلة.

اقرأ أيضاً: لهذه الأسباب أثارت الإخوانية آيات عرابي جدلاً في تونس
في شباط (فبراير) من العام الجاري، نشر موقع "المكتب العام"، المحسوب على محمد كمال، بياناً جاء فيه: "أيّها الأبطال؛ إنَّا والنظام في مفاصلةٍ، وقد وصلنا وإياه لمنتصف الطريق، واعلموا أنَّه إذا تراجعتم لن تحيوا ما مضى، ولن تنقذوا ما تبقى، فاجمعوا أمركم على ثورةٍ لا تبقي من الظالمين دياراً، فتقتصّوا لشهداء مضوا على الدرب، وتنقذوا بها أهليكم، ووطنكم".

نقف هنا عند مصطلح "المفاصلة"، وهي المفردة التي شاعت في أدبيات سيد قطب، والمودودي؛ بل وفي منهجية التغيير عند الشيخ الألباني، والعديد من التيارات السلفية، وهي تعني إعلان الحرب ضدّ النظم والشعوب الممتنعة عن تطبيق شرع الله، وذلك في لحظة تراها الجماعة المؤمنة مواتية لذلك، وبعد أن يقسم الناس إلى فسطاطين؛ فسطاط الكفر وفسطاط الإيمان.

إذا كانت مراجعة الجماعة لا تشمل الاعتراف والاعتذار عن الأفعال العنيفة التي قامت بها فما قيمتها؟

كما أنّ مفردة "الثورة" تحمل معنى مختلفاً لدى هذا الفريق؛ فهي لا تعني المعارضة السلمية للنظام، بل تعني المعارضة العنيفة، وردود الأفعال الانتقامية الدموية.
وهو المعنى الذي يوضحه القيادي في تلك الجبهة، مجدي شلش، على فضائية "مكملين"، قريبة الصلة من هذا التيار؛ إذ يقول شلش: إنّ "الأمن المصري يصرّ على تسمية الحراك الثوري ضدّه بـ "اللجان النوعية"، لكن مسمّاه في الأصل هو "اللجان الثورية".
لكن الأخطر في هذا اللقاء، هو تبنّي شلش لكتاب كان مجهول النسب إلى هذا الوقت وهو الكتاب المعنون "فقه المقاومة الشعبية"؛ إذ حكى الرجل قصة هذا الكتاب، وكيف كلفت اللجنة الإدارية العليا، بقيادة محمد كمال، لجنة شرعية لصياغته وإعداده.

اقرأ أيضاً: صحف فرنسية: "مورو" بوابة الإخوان لاختطاف تونس
يخلص هذا الكتاب إلى الحكم على النظام الحاكم في مصر، بأحكام متنوعة، يرى أنّها تنطبق عليه جميعها (خوارج، بغاة، محاربون لله ورسوله)، ثم يعود للتأكيد على أنّ وصف من أسماهم بــ "الانقلابيين" بالخوارج فقط "شرف لا يستحقونه"، ويرى أنّهم "يستحقون حدّ الحرابة بجدارة".
أدبيات جهادية
واستخدم الكتاب مصطلحات لم تكن تستخدمها جماعة الإخوان من قبل؛ إذ إنّه استرسل في شرح مفهوم "دفع الصائل" الذي يصل إلى حدّ القتل في أحوال عدة قام بشرحها، مدشّناً علنياً لشرعية العمليات الإرهابية في مواجهة الدولة.
ورأى شلش؛ أنّ كتاب "فقه المقاومة الشعبية" بمثابة التأسيس الثالث للجماعة، الذي بُني على معادلة تقضي بامتلاك القوة، وتأتي عن طريق خطة لــ "الإرباك والإنهاك والإفشال، ثم السيطرة على المفاصل، وإسقاط النظام"، وفق قوله.
وتحدّث شلش عن "دفع الصائل" بوصفه "بديهية من بديهية الإسلام لا ينكره إلا من انتكست فطرته"، بينما شدّد على أنّ "السلمية ليست ثابتاً من ثوابت الإخوان"، وأنّ "شعار سلميتنا أقوى من الرصاص تغيّر الآن وأصبح سلميتنا أقوى بالرصاص".

 شدّد شلش على أنّ "السلمية ليست ثابتاً من ثوابت الإخوان"
وكشف أنّ ما أسماها "الهيئة الشرعية" فرقت بين المشاركين فيما أسماه "الانقلاب"، فمنهم من يستحق القتل ومنهم من يستحق التحذير الذي هو ما دون القتل.
ولا تخلو بيانات هذا الفريق من لهجة جهادوية حشدية واضحة، فجاء في أحد بياناته: إنَّ "المكتبَ العام لجماعةِ الإخوان المسلمين يمدّ يديه، ويفتحُ أبواب مؤسساته مشرَّعة أمامَ كلّ غيور ضمن إعداد لم ولن يتوقف إلا بنصرٍ تقرّ به أرواح الشهداء، ويُذهب به الله غيظ قلوب المؤمنين..".

اقرأ أيضاً: هل أطاح توقيع الوثيقة الدستورية في السودان بالدولة الإخوانية؟
ويقول، مستخدماً أشعار سيد قطب الجهادية: إنَّ "وصايا الشهداء، ورسائل الثبات والتحدي من الأحرار خلف القضبان في كلّ السجون تستصرخكم أنْ لا تحيدوا وإنْ عظُم الثمن، واجعلوا لسان حالكم كلمات الشهيد القائد سيد قطب: أخي إنَّني اليوم صلبُ المراسِ.. أدُكّ صخورَ الجبال الرواسي.. غدًا سأشيح بفأس الخلاص.. رؤوس الأفاعي إلى أن تبيد".
انفصام فكري
فجأة، في أواخر الشهر الماضي، أصدر هذا الفريق بياناً حمل عنوان "بيان من الإخوان المسلمين إلى الأمة حول الواقع الجديد للقضية المصرية"، وهو خطاب ليس موجهاً على الأخص للشعب المصري؛ بل إلى "الأمة" بشأن ما يراه مَن صاغ البيان واقعاً جديداً للقضية المصرية.

اقرأ أيضاً: العقل الإخواني ومعضلة التقية المعادية لتأسيس الثقة
في المحور الثاني من البيان، تشدّد الجماعة على أنّها لن تقبل الحوار مع السلطة، ولن تقترب منها، مستخدمة تعبير "ولا نشتبك معه سياسياً"، لكنّ الجماعة كانت ستكون قد برأت نفسها لو قالت: "ولا نشتبك معه عسكرياً أيضاً"، لكنها لم تشجب يوماً عمليات قامت بها حركتا حسم ولواء الثورة ضدّ الدولة المصرية، بل ولم تعلن تبرّؤها من تلك الحركات، ولم تقل يوماً إنّها ليست تابعة لها، عكس الفريق الآخر الذي صرّح مؤخراً بأنّ "حسم" ليست تابعة له، وإن لم يشجب أفعال حسم الإرهابية.

وإذا كانت هذه الجماعة تؤكد أنّها لن "تشتبك مع النظام سياسياً" فإنّها ترى في بيانها أنّ "الخروج من الأزمة التي يعيشها الوطن هو إنهاء الحكم العسكري" فإنّها لا تؤكد على الطريق السلمي في إنهائه؛ بل تتحدث عن مرحلة ما بعد انتهائه مباشرة، وفرض عدد من الشروط، منها عودة العسكر إلى الثكنات، وهو شعار رُفع بُعيد ثورة الثالث والعشرين من حزيران (يونيو) عام 1952، ومنها تطهير الإعلام والقضاء "المؤيدين لثورة يونيو" وعودة الشركات الاقتصادية "المملوكة للجماعة".

اقرأ أيضاً: الصراعات والانشقاقات تضرب أوصال إخوان موريتانيا
في المحور الثالث، يتحدث البيان، عما أسماها "إستراتيجية النضال ضدّ الحكم العسكري"، والتي لا يأتي فيها على كلمة "السلمية" أيضاً فيقول: إنَّ "أطر التغيير في الدول، وفق التجارب عبر التاريخ، لها ثلاثة أشكال؛ إما النضال الدستوري، وإما النضال الثوري، وإما النضال العسكري".
الثورية المسلّحة
ثم يستبعد ما يسميه هو "النضال الدستوري" في الحالة المصرية؛ بل يذهب إلى اختيار النضال الثوري، وهو هنا يحمل تعريفاً مختلفاً عند هذا الفريق في الجماعة، إلا أنّه يضيف إليه كلمة "الشامل"، ليبقى "النضال الثوري الشامل"، والذي لا يعطينا تعريفاً له في بيانه، إلا أنّه يظهر أنّه ليس سلمياً، تلك الكلمة التي لم ترد في بيانات تلك الجبهة منذ ظهورها.

تعد الجماعة قوى المعارضة بتخلّيها عن العمل التنظيمي لصالح العمل كتيار عام لكنّها تشترط ذلك بعد الإطاحة بالنظام القائم

يقول البيان: "وترى جماعة الإخوان المسلمين أنّ الحكم العسكري في مصر، وتكوين المجتمع المصري ونخبته السياسية والاتجاه الشعبي العام لا يتناسبُ معه إلا الخيار الثوري الشامل والتغيير الكلي لمنظومة الحكم في مصر، ومواجهة آلتها العسكرية بالمنهجية الثورية التي شهدها العالم بامتلاك أدوات المقاومة المدنية المشروعة للشعوب للخلاص من النظم الديكتاتورية العسكرية، والتي دعمتها قرارات الشرعية الدولية في عدة دول مرات عديدة، وهذا هو الخيار الإستراتيجي للإخوان المسلمين في مصر، حتى وإن طال الزمن في ذلك الطريق".
هنا، ترى الجماعة أنّ من حقها استخدام "الخيار الثوري الشامل"، من أجل "التغيير الكلّي لمنظومة الحكم في مصر"، كما أنّه بمقدور تلك الثورة الشاملة أن تواجه الآلة العسكرية، ومن حقّها امتلاك أدوات مقاومة مدنية باعتبار ذلك حقّاً مشروعاً للخلاص من النظام.

يتطرق البيان بعد ذلك إلى الأهداف التي تعمل من أجلها الجماعة، فيتحدث عن ضرورة "تحرير سجناء الرأي بشكل منهجي وعاجل"، وبغضّ النظر عن كلمة "تحرير"، التي يحاول البيان من خلالها الإيحاء بأنّ السجناء المنتمين للجماعة هم تحت قبضة سلطة احتلال لا دولة تقوم على مؤسسات عتيقة، فإنّ السلطات المصرية طالما نفت أن يكون لديها معتقلون أو سجناء رأي، إنما سجناء جنائيون متهمون أو محكومون على خلفيات قضايا جنائية.
بيد أنّ البيان يفصح عن الهدف من تحرير هؤلاء، وهو أنّهم "يمثلون دعماً حقيقياً لأيّ عمل ثوريّ مرتقَب".
مهادنة وممالأة
يعود البيان ليدعو إلى "توحيد المعسكر الثوري ونبذ الخلاف" حتى للشطر الثاني في التنظيم "جماعة عزت"، فيقول: "وهو ما نقدمه كطرح عام إلى كلّ الرافضين للحكم العسكري، بمختلف الأيدولوجيات والأفكار، وفي القلب منهم إخواننا في الطرف الآخر من الإخوان المسلمين لتجاوز مرحلة الخلاف".

اقرأ أيضاً: إجراءات مشدَّدة للتضييق على الإخوان في الكويت
وهنا، نقف لنتساءل: ما الذي يجعل هذا الجناح، الأكثر تشدداً، والذي كان يستعمل لوقت قريب أدبيات دفع الصائل، ويتوعد لأخذ الثأر لمقتل زعيمه، محمد كمال، أن يدعو الفصائل المعارضة، الليبرالية منها واليسارية، لأن تصطفّ معه في معسكره، بحجّة نبذ الخلاف، وما عساها تكون تلك المشتركات الفكرية بينه وبين تلك الفصائل، التي ترفض الأدبيات الجهادية، وتمتلك رؤية مخالفة لشكل الدولة ونظامها الأساسي وآدابها العامة؟!

يعود البيان ليكشف عن مراجعات قامت بها الجماعة مؤخراً، لتؤكّد لمن تدعوهم بالتحالف معها بأنّها اكتشفت أخطاء قامت بها في مرحلة الثورة والحكم: "ومع تقديم هذا الطرح؛ فإنّنا قد قمنا بمراجعات داخلية متعددة، وقفنا خلالها على أخطاء قد قمنا بها في مرحلة الثورة ومرحلة الحكم، كما وقفنا على أخطاء وقع فيها الحلفاء والمنافسون من مكونات الثورة، وقد تسبّبت تلك الأخطاء والخلافات في تمكين الثورة المضادة من زمام الأمور".
لكنّ الجماعة التي تصرّ على أنّ منافسيها ارتكبوا أخطاء بدورهم، كما ارتكبت هي، لا تفصح عن ماهية تلك الأخطاء، إذ ربما كانت تقصد عدم التبكير بالقضاء على التحالف المناهض لها، والذي استطاح الإطاحة بها في الثلاثين من حزيران (يونيو).
وإذا كانت تلك المراجعة لا تشمل الاعتراف والاعتذار عن الأفعال العنيفة التي قامت بها والجماعات المسلحة المنبثقة عنها، فما هي يا ترى قيمة تلك المراجعات وجدواها، في ظلّ كراهية عنيفة ما تزال الجماعة تستخدمها حتى في هذا البيان.

الوعد المشروط
وفي النهاية؛ تقدم الجماعة الوعد لقوى المعارضة، وهي أنّها ستتخلى عن العمل التنظيمي، لصالح العمل كتيار عام، لكنّها تشترط ذلك بعد الإطاحة بالنظام القائم، ولا تجيب على سؤال محوري هو: لماذا ليس الآن؟
يقول نصّ البيان: "لذا فإننا نعلنُ أنَّ جماعة الإخوان المسلمين تقفُ الآن على التفريق بين العمل السياسي العام وبين المنافسة الحزبية الضيقة على السلطة، ونؤمن بأن مساحة العمل السياسي العام على القضايا الوطنية والحقوق العامة للشعب المصري، والقيم الوطنية العامة وقضايا الأمة الكلية، هي مساحة أرحب للجماعة من العمل الحزبي الضيق والمنافسة على السلطة".

اقرأ أيضاً: تونس واختبار الإخوان
ومع ذلك؛ فإنّ تحوّل الجماعة لتيار عام، لا يمنعها من ممارسة العمل السياسي العام، وهو المعنى العام الفضفاض الذي لم تضع له تعريفاً منضبطاً: "وسنعمل في مرحلة ما بعد إنهاء الانقلاب العسكري كتيار وطني عام ذي خلفية إسلامية، داعمين للأمة، ونمارس الحياة السياسية في إطارها العام، وندعم كلّ الفصائل الوطنية التي تتقاطع مع رؤيتنا في نهضة هذا الوطن في تجاربها الحزبية، ونسمح لأعضاء الإخوان المسلمين والمتخصصين والعلماء من أبنائها بالانخراط في العمل السياسي من خلال الانتشار مع الأحزاب والحركات التي تتقاطع معنا في رؤيتنا لنهضة هذه الأمة".
لكنّ الجماعة لا تجيب عن العديد من الأسئلة المحورية منها: ماذا عن الدماء التي سفكت بأيدي التنظيمات المنبثقة منها؟ ولماذا يثق الشعب بوعود الجماعة بتحويل نفسها لتيار عام بعد أن أعطت العديد من الوعود ونكثت بها؟

للمشاركة:



تركيا تحشد قواتها إلى إدلب.. آخر التطورات في المنطقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

وصلت تعزيزات عسكرية تركية إلى جنوب محافظة إدلب، اليوم، غداة سيطرة قوات النظام السوري على الأطراف الشمالية الغربية لمدينة خان شيخون، الواقعة في المنطقة.

ويشمل الرتل التركي، الذي وصل إلى مدينة معرة النعمان، الواقعة على بعد 15 كيلومتراً شمال خان شيخون، في ريف إدلب الجنوبي، على قرابة خمسين آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجستية، إضافة إلى خمس دبابات على الأقل، وفق "فرانس برس".

من جهتها، نقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا"، عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تنديده بدخول "آليات تركية محمّلة بالذخائر، في طريقها إلى خان شيخون لنجدة الإرهابيين المهزومين من جبهة النصرة"، معتبرة أنّ ذلك "يؤكد مجدداً استمرار الدعم الذي يقدمه النظام التركي للمجموعات الإرهابية".

وصلت تعزيزات عسكرية تركية إلى جنوب محافظة إدلب غداة سيطرة قوات النظام السوري مناطق من خان شيخون

وأشارت إلى أنّ هذا "السلوك العدواني التركي لن يؤثر في أيّ شكل على عزيمة وإصرار الجيش على مطاردة فلول الإرهابيين في خان شيخون".

ومنذ نهاية نيسان (أبريل)، تتعرض مناطق في إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، وتنتشر فيها فصائل أخرى معارضة أقلّ نفوذاً، لقصف شبه يومي من جيش النظام وحليفته روسيا، وبدأت قوات النظام في الثامن من الشهر الجاري التقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

وتشهد سوريا نزاعاً دامياً تسبّب منذ اندلاعه في 2011، بمقتل أكثر من 370 ألف شخص وأحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية، وأدى إلى نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان، داخل البلاد وخارجها.

 

للمشاركة:

إرهاب الحوثيين يطال دور الأيتام.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

استولى مسلحون حوثیون على دار لإیواء الأیتام في محافظة الحدیدة، غرب الیمن.

وأجبر الحوثیون عشرات الأیتام على مغادرة دار المعالي لإیواء الأیتام في مدینة المراوعة، عقب اقتحامها بقیادة المشرف الحوثي المدعو "أبو المجد یاسر المروني"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تستولي على دار للأيتام في الحديدة وتجبر عشرات الأيتام على مغادرتها

وقال مصدر محلي في المدیریة: إنّ المروني ومدیر المدیریة، المدعو أدھم ثوابة، أقرّا بتحویل الدار إلى مقرّ لعقد الدورات الصیفیة، واستخدام المدرسة التابعة له لعقد ما تسمّى "الدورات الثقافیة الطائفیة".

وأضاف المصدر؛ "اضطرت إدارة الدار لإخلائها من الأیتام، خوفاً على سلامتھم، بعد أن أصبح مسلحو الحوثي ومشرفوھم یسیطرون عليها بشكل دائم، ویستخدمونها لأغراض خاصة بھم، وأصبح الأیتام بلا مأوى أو سكن".

یذكر أنّ الدار تشرف على إدارتھا مجموعة من المتطوعات، وتعتمد بشكل كبیر على دعم فاعلي الخیر والمغتربین.

إلى ذلك؛ دمّرت ميليشيا الحوثي أحد الطرق العامة الرئيسة في محافظة الحديدة، بالتزامن مع مواصلة تصعيدها العسكري والقصف العشوائي المكثف على منازل المدنيين، ضمن خروقاتها المستمرة للهدنة الأممية.

ميليشيات الحوثي فجّرت عبّارات وجسوراً على الطريق الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد جنوب الحديدة.

على صعيد آخر، قالت مصادر محلية، أمس: إنّ "ميليشيات الحوثي فجرت عبّارات وجسوراً على الطريق الإسفلتي الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد، جنوب الحديدة".

وذكرت المصادر؛ أنّ الميليشيات الحوثية استخدمت في تدمير الطريق العام وقلع الإسفلت، الألغام والمتفجرات والجرافات.

وسبق أن فخخت ميليشيات الحوثي أكثر من 73 جسراً ومجرى لسيول الأمطار في الطرق الرئيسة التي تربط العديد من مديريات الحديدة، من خلال استخدام شبكات ألغام مرتبطة بصواريخ وقذائف وزرعها بالطرقات والجسور.

في السياق ذاته؛ أصيب مدني بجروح بليغة، أمس، جراء استهداف ميليشيا الحوثي بالقصف المدفعي المكثف على قرى المواطنين في منطقة المتينة السكنية، جنوب الحديدة.

القوات المشتركة في الساحل الغربي تحبِط محاولة تسلل لميليشيات الحوثي نحو مركز مديرية التحيتا

وذكر سكان محليون؛ أنّ المواطن إبراهيم داؤود سليمان تعرض لإصابة بليغة، في مناطق متفرقة من جسده بشظايا قذيفة الهاون التي أطلقتها الميليشيا.

هذا وأفشلت القوات المشتركة في الساحل الغربي جنوب الحديدة، محاولة تسلل لميليشيات الحوثي نحو مركز مديرية التحيتا، بالتزامن مع قطع خدمة الإنترنت والاتصالات الأرضية عن المديرية.

وأحبطت القوات المشتركة هجوماً ومحاولة تسلل قامت بها الميليشيات الحوثية، من الناحية الجنوبية ومن المزارع المطلة على مدينة التحيتا تحت غطاء ناري كثيف.

 

 

للمشاركة:

آخر تطورات ناقلة النفط الإيرانية.. هل تعيد واشنطن احتجازها؟!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

ذكر الموقع الإلكتروني "مارين ترافيك"، المتخصّص في تعقّب حركة السفن، اليوم؛ أنّ "ناقلة النفط الإيرانية "غريس 1"، التي كانت محتجزة في جبل طارق منذ 4 تموز (يوليو) الماضي، تتجه نحو كالاماتا في اليونان، ومن المتوقع أن تصل إليها في 25 آب (أغسطس)"، ولم يوضح الموقع سبب توجه الناقلة إلى اليونان أو ما إذا كانت ستغير وجهتها لاحقاً".

وأبحرت الناقلة في وقت متأخر، أمس، بعد رفض سلطات المنطقة البريطانية طلباً أمربكياً لاحتجاز الناقلة، التي تحوّل اسمها من "غريس 1" إلى "أدريان داريا 1" مجدّداً، بتهمة انتهاك العقوبات الأمريكية المفروضة على طهران. بحسب وكالة "أسوشييتد برس" الأمريكية للأنباء.

ناقلة النفط الإيرانية تتجه نحو اليونان، وطهران تحذّر واشنطن من القيام بمحاولة أخرى لاحتجاز

وفي سياق متصل؛ قالت طهران، اليوم: إنها حذرت واشنطن من القيام بمحاولة أخرى لاحتجاز ناقلتها، وصرّح المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي، في مؤتمر صحفي: "إيران أرسلت التحذيرات الضرورية للمسؤولين الأمريكيين من خلال القنوات الرسمية بعدم القيام بمثل هذا الخطأ، إذ ستكون له عواقب وخيمة".

وكانت وزارة العدل الأمريكية قد قدمت، الجمعة، طلباً لاحتجاز الناقلة على اعتبار أنها متورطة في نقل شحنات ممنوعة إلى سوريا عبر "الحرس الثوري" الإيراني، المدرَج على لائحة المجموعات الإرهابية في واشنطن.

وقالت سلطات جبل طارق، في بيان أمس: "بموجب القانون الأوروبي، ليس بمقدور جبل طارق تقديم المساعدة التي تطلبها الولايات المتحدة"، إذ تريد واشنطن حجز الناقلة استناداً إلى العقوبات الأمريكية على إيران.

 

للمشاركة:



تحقيقات جديدة.. ما حقيقة تمويل قطر لجماعات إسلامية إقليمياً ودولياً؟

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-19

ترجمة: مدني قصري


حاولت الدوحة تعزيز دورها الإقليمي بعد انفجار "الربيع العربي"، من خلال دعم فروع الإخوان المسلمين في عدد من البلدان التي شهدت ثورات، لا سيما تونس ومصر وليبيا.

اقرأ أيضاً: تحذير بريطاني من جمعية خيرية على صلة بمؤسسة قطرية
هناك أدلة كثيرة على أنّ هذا النهج قد انتشر في اليمن؛ ففي خطاب ألقاه، في نيسان (أبريل) 2011، قال الرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله صالح: "نستمدّ شرعيتنا من قوة شعبنا اليمني المجيد، لا من قطر، التي نرفض مبادرتها"؛ كانت هذه الإدانة العلنية الشديدة ناجمة عن دعم قطر لحزب الإصلاح، الذي لعب دوراً رئيساً في الجهود المستمرة للإطاحة بصالح.

على غرار العديد من الجهاديين المصريين فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين سيد قطب

ذكرت وسائل الإعلام اليمنية؛ أنّ قطر تدعم حزب الإصلاح في اليمن، وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في البلاد، وكان الغرض من هذا التدخل، وفق تقارير، هو إنشاء جناح عسكري للجماعة يعزز قدرة حزب الإصلاح الإخواني على توسيع نفوذه في جميع أنحاء اليمن والدولة، في المجالات؛ السياسية والعسكرية والأمنية.
يحاول المقال توضيح الأهداف المحتملة التي قد تحملها الدوحة في دعم حزب الإصلاح، ويؤكد أنّ أيّة علاقة بين قطر و"الإصلاح" يجب أن تُفهم في ضوء سياسات قطر طويلة الأمد تجاه الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، في مختلف مناطق الصراع في الشرق الأوسط.
قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون

سياسات الدوحة
إنّ سياسات الدوحة، المتمثلة في الاتهامات الموجهة لها بتمويل المتمردين، أدّت إلى استفادة المنظمات المتطرفة منها، سوريا حالة معروفة؛ حيث حدث هذا، وليبيا ومالي مثالان آخَران، وقد ذهبت مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية في اتهاماتها إلى حدّ القول، عام 2013؛ إنّ قطر قد ذهبت إلى أبعد من ذلك، وإنّ قواتها الخاصة "تدرّب مقاتلين مرتبطين بجماعة أنصار الدين، وهي أحد الفروع المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل".
الظواهري يثني على سيد قطب
ليس مستغرَباً؛ أن نرى جماعة الإخوان المسلمين و"القاعدة" تعملان بالقرب من بعضهما، وتدفعان نشاطهما في الاتجاه نفسه؛ لقد دافع زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، علناً، عن الاتحاد مع جماعة الإخوان المسلمين، للعمل ضدّ الغرب، وعلى غرار العديد من الجهاديين المصريين، فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين، سيد قطب، والذي أثنى عليه في كتابه "فرسان تحت راية النبي"، وبالتالي فإنّ أسلحة جماعة الإخوان المسلمين قد تنتقل بسهولة إلى القوات التابعة لتنظيم القاعدة.
الدوحة تدعم إخوان ليبيا
في ليبيا؛ تشير بعض التقارير الصحفية أنّ الدوحة دعمت لواء طرابلس، التابع لعبد الحكيم بلحاج، وكان بلحاج أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة، المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة، حتى تمّ أسْره من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أي" في بانكوك، عندما حوّل بلحاج مجموعته إلى حزب سياسي، الوطن، ورفض الانتخابات الليبية عام 2012.

اقرأ أيضاً: قطر: إضراب عمال وافدين عن العمل لهذه الأسباب
رغم ذلك؛ لم يحقق بلحاج النتائج المرجوّة، وحصل على 3٪ فقط من أصوات الشعب، لذلك لم يفز بأيّ مقعد في البرلمان، كما دعمت الدوحة حزب العدالة والبناء الليبي (حزب العدالة والبناء)، وهي منظمة إسلامية مرتبطة بالإخوان المسلمين.
وصف المسؤولون الأمريكيون الإخوان المسلمين الليبيين بأنّهم متطرفون مناهضون للديمقراطية، وأعربوا عن استيائهم من دعم قطر لهم، فعلى سبيل المثال؛ منعت حكومة الولايات المتحدة، تاجر أسلحة في أريزونا من بيع الأسلحة إلى قطر على أساس أنّها ستزود بها المتشددين الليبيين.

فضائية "الجزيرة" تروّج لجبهة النصرة 
في سوريا؛ قدّمت قناة "الجزيرة" القطرية، تغطية مواتية لـ "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة، وقد حاول بعض المسؤولين القطريين تصوير "النصرة" كقوة معتدلة، ومنح تغطية واسعة، وساذجة، لتصريحات "النصرة"، التي انفصلت عن تنظيم القاعدة، وفشلت جهود قطر في تغيير النظرة الغربية إزاء "النصرة"، فشلاً ذريعاً، رغم استمرار قطر في محاولة التوسط بين الغرب والقوى المتطرفة، منذ حزيران (يونيو) 2013، ترحّب الدوحة بطالبان، التي تشارك في مفاوضات مع الولايات المتحدة حتى الآن.

الريان أكبر بنك إسلامي ببريطانيا لديه أكثر من 85000 عميل من أصحاب المجموعات المتشددة والمتعاطفين مع الإخوان المسلمين

إضافة إلى استخدام الإسلاميين لتوسيع نفوذها، استخدمت قطر الإسلاميين لتقويض منافسيها، وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، قام رجل أعمال مقرب من أمير قطر، خليفة كايد المهندي، بالتنسيق مع السفير الصومالي في الصومال، في هجوم بسيارة مفخخة ارتكبها متشدّدون في بوساسو للترويج لمصالح قطر، من خلال إقصاء منافستها، الإمارات العربية المتحدة.
أمكن سماعُ المهندي خلال محادثة هاتفية مع السفير، في 18 أيار (مايو) 2019، بعد حوالي أسبوع من التفجير، قائلاً: "نحن نعرف من يقف وراء الهجمات"، مضيفاً: "كان أصدقاؤنا وراء أحدث الهجمات"، وأكّد المهندي؛ أنّ العنف كان "يهدف إلى تخويف وإبعاد الإماراتيين"، "فليطردوا الإماراتيين، حتى لا يجددوا العقود معهم، وسأحضر العقد هنا في الدوحة"، عاصمة قطر، وقد أعلنت حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال، مسؤوليتها عن الهجوم.
وهذا يعزّز مصداقية اتهام سفير الإمارات العربية المتحدة لدى روسيا، عمر سيف غباش، بأنّ قطر متهمة بالتعاون مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن.

اقرأ أيضاً: الإمارات تغلق قضية مرفوعة ضدّ قطر
قال غباش: "لقد أبلغ حلفاؤنا القطريون القاعدة بموقعنا بالضبط، وبالذي ننوي القيام به"، تجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ عام 2011، على الأقل، أصبح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب أكثر تشابكاً، وبالتالي فإنّ دعم أحدهما يمكن أن يفيد الآخر بسهولة.
يستنتج من ذلك؛ أنّه بالنظر إلى جميع العوامل المذكورة أعلاه، من المحتمل أن تحاول قطر استخدام حزب الإصلاح لتعزيز أهدافها في اليمن، ولن يكون من قبيل المبالغة الاعتقاد بأنّ الدوحة تعمل بقوة أكبر لمحاولة زيادة تأثيرها على الدولة والمجتمع اليمنيين.

العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية

في مقال نشرته صحيفة "التايمز" مؤخراً؛ يقدم أندرو نورفولك، وهو صحفي تحقيقي، رؤى جديدة حول العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية.
لقد تلقت العديد من المنظمات البريطانية المرتبطة بالإسلاميين ومؤيديهم، وفق نورفولك، أموالاً من قطر، وبعض عملاء أحد البنوك جُمِّدت حساباتهم المصرفية أو أغلِقت لأسباب أمنية.

بنك الريان أكبر بنك إسلامي في بريطانيا

سبق أن قامت مؤسسة "العين الأوروبية على التطرف" ( European Eye on Radicalization) بالتحقيق في الروابط المذكورة أعلاه، والتي تجذب الآن انتباه الغرب.
بنك الريان، أكبر بنك إسلامي في بريطانيا، لديه أكثر من 85000 عميل (أصحاب المجموعات المتشددة، والدعاة، والمتعاطفون مع الإخوان المسلمين).

اقرأ أيضاً: بنك قطري آخر أمام القضاء البريطاني.. لماذا؟

وفق نورفولك، هناك 4 مجموعات تابعة للريان تخضع حالياً للتحقيق من قبل اللجنة الخيرية، يعتبر التحقيق الذي أجرته "التايمز" أمراً حاسماً لفهم قدرة الريان على الجاذبية والهيمنة بشكل أفضل؛ حيث إنّه يضمّ أكثر من 10 منظمات مثيرة للجدل إلى حدّ كبير لديها جميعاً حسابات في بنك الريان.

بنك الريان لديه أكثر من 85000 عميل

نشاطات مسجد شرق لندن
يعدّ مسجد شرق لندن، أحد أكبر المراكز الإسلامية في أوروبا، وكانت نشاطاته مثيرة للجدل دائماً؛ حيث إنه يدعو بانتظام دعاةً أمثال؛ هيثم الحداد، وأنور العولقي، أحد أشهر مروّجي دعوة "القاعدة" الذين تعدّ أيديولوجيتهم عنصرية وصريحة، وكارهة للنساء..، كما صرّحت بذلك سارة خان، المفوّضة البريطانية الحالية لمكافحة الإرهاب،.
في الماضي؛ كانت أعمال مسجد "فينسبري بارك موسكي"، أكثر إشكالية، كان معقل أبو حمزة، وهو رأس الكراهية، الذي يقضي حالياً عقوبة بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة، قد تمت إعادة فتحه في مرحلة أولى، عام 2005.
روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان وحماس

كان لفريق القيادة الجديدة روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان المسلمين، وكان محمد صوالحة، وهو عضو في مجلس إدارة المسجد، جزءاً من المكتب السياسي لحركة حماس.

اقرأ أيضاً: التايمز: قطر متهمة باستخدام مصرف بريطاني لدعم جماعات الإسلام السياسي
يبدو أنّ المجموعة المسؤولة عن هجمات 21 تموز (يوليو) 2005 في لندن، قد شجعها مسجد فينسبري بارك؛ ففي الآونة الأخيرة، تتم متابعة المؤسسة عن كثب، أيديولوجياً وتشغيلياً، مؤسسة البحوث الإسلامية الدولية، برئاسة الداعية ذاكر نايك، الذي طُرد من المملكة المتحدة، عام 2010، هي المموّل الرئيس لقناة "TV Peace".
وفق التحقيقات التي أجرتها "التايمز"؛ فإنّ رسالة "السلام للإنسانية" التي وجهها ذاكر نايك لم تمنعه من تمجيد زعيم القاعدة أسامة بن لادن.

مسجد شرق لندن

إستراتيجية إسلامية نمطية 

في الواقع؛ تعدّ العلاقات المالية لقطر مع المنظمات الإسلامية الغربية إستراتيجية تسير جنباً إلى جنب مع شكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية الفريدة من نوعها، والتي تنفذها بعض دول الخليج.

في ليبيا دعمت الدوحة لواء طرابلس التابع لبلحاج الذي كان أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة

يدعونا بول ستوت، مدرّب في الدبلوماسية والدراسات الدولية في "SOAS"، في جامعة لندن، وباحث في جمعية "هنري جاكسون" (HJS) إلى تأمّل رؤية وإستراتيجية قطر التي يبدو أنها تأخذ بعين الاعتبار دمج وتعميم تفسير نمط محدد للإسلام في الغرب بشكل عام، وفي المملكة المتحدة بشكل خاص.
أوضح ديفيد روبرتس، مؤخراً؛ أنّه بوجود موارد مالية وفيرة وموارد بشرية محدودة، يعتمد المقربون من سياسة قطر على العلاقات الشخصية مع مختلف الوسطاء، كأسلوب تشغيل رئيس للسياسة الخارجية، ونتيجة لذلك؛ تدعم قطر، أحياناً، الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين؛ لأنّها كانت دائماً المنظمة الإسلامية بامتياز التي طورت مهارات تكيّف ملحوظة من زاوية إستراتيجية واتصالية في آن.

كتاب يكشف سعة تمويل قطر
دعمت قطر مشاريع المساجد والمراكز الإسلامية في سويسرا بعدة ملايين من اليورو، وفق كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)  الذي نشرته جريدة "تاشيا" مؤخراً.

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
لكتابة "أوراق قطرية"، اعتمد الصحفيان الفرنسيان، كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو، على وثائق داخلية مسرّبة تابعة لمنظمة غير حكومية على صلات مع شخصيات مقربة من السياسة القطرية، وفق ما ذكرته "Hers External Link" و"Geneva TribuneExternal".

 كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)
يعتقد المؤلفان الفرنسيان؛ أنّه من المشروع أن يكون للمسلمين قاعات صلاة جيدة في أوروبا وغيرها، لكنّهما يحذران من المجتمعية الدينية، وظهور مجتمع موازٍ يؤدي إليه التبشير الإسلاموي؛ لأنّ مؤسسة قطر الخيرية ترتكز على عقيدتها في جماعة الإخوان المسلمين، والتي "تغذيها مجرّة الجمعيات".
لقد استأجرت المنظمة، غير الحكومية، واعظها الأكثر شهرة في أوروبا، طارق رمضان، وهدف سياسة الدوحة هو إرضاء قاعدتها المحافظة، والتي تعدّ توسّع الإسلام في جميع أنحاء العالم واجباً عليها، واكتساب نوع من التأمين، من خلال استثماراتها الثقافية أو المالية، أو من استثمارات رياضة كرة القدم، في الغرب، لمواجهة عدوّها السعودي.
مكافآت طارق رمضان
استناداً إلى مذكرة من منظمة المراقبة المالية الفرنسية "تراكفين"، يؤكد كتاب كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو "أوراق قطرية"؛ أنّ طارق رمضان، المقرَّب من جماعة الإخوان المسلمين، يتلقى 35000 يورو شهرياً من مؤسسة قطرية .

اقرأ أيضاً: الرئيس الموريتاني: قطر دمرت دولاً عربية باسم الديمقراطية
كما تشير منظمة المراقبة المالية الفرنسية إلى أنّ وسائل الإعلام الإسلامية كانت ستحصل أيضاً على 19000 يورو من رابطة المسلمين في سويسرا، في أوائل عام 2018، وقت اعتقال رمضان بتهمة الاغتصاب التي وجهت له ولم يعترف بها.
 طارق رمضان

تفاصيل نشاط قطر الخيرية
كشف التحقيق الذي أجراه تشيسنو ومالبرونو، والمدعوم بالعديد من المقابلات والوثائق السرية كيفية توجيه الدوحة أدواتها بطريقة محترفة ومنهجية ومبهمة للغاية، عبر برنامج "البيت" التابع لمنظمتها غير الحكومية، قطر الخيرية، تموّل هذه الأخيرة 138 مدرسة ومسجداً في أوروبا، من شمال النرويج الكبير إلى إيطاليا، عبر ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا وبلجيكا ومنطقة البلقان وفرنسا.

اقرأ أيضاً: محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة
يستعرض الكتاب تفاصيل نشاط قطر الخيرية في مدن؛ مولهاوس، ونانت، ومرسيليا، ولِيلْ، وبواتييه، والهافر، وإيل دو فرانس، خاصة مع المسؤولين المنتخبين الذين تمّ إغراؤهم من قبل إسلام "الوسطية"، أو الوعد بـ "مسجد مقابل عهدتين"، وكانت الميزانية الإجمالية 30 مليون يورو؛ أي ضعف التقديرات الرسمية، ويؤكّد المؤلفان أنّ الإنفاق قانوني بشكل عام ولا يموّل الإرهاب.
140 مسجداً مقابل 71 مليون يورو
هذه الوثائق تتيح تقييم سعة وحجم التمويل من قبل الدوحة، للمشاريع المتعلقة بالمنظمات الإسلامية في أوروبا.
يؤكّد الكتاب؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا، مقابل 71 مليون يورو.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
"قطر اليوم لاعب رائد في تمويل الإسلام في أوروبا"؛ هكذا علق مؤخراً على التلفزيون والإذاعة السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)، جورج مالبرونو، مؤلف مشارك لكتاب "أوراق قطرية"، وصحفي رئيس في صحيفة "لوفيغارو"، وإيطاليا هي أول بلد مستفيد بأكثر من 50 مشروعاً مموَّلاً.
 مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا

5 مشاريع مموّلة في سويسرا
في سويسرا؛ ضخّت المنظمة غير الحكومية، بين عامي 2011 و2014، أكثر من 3.6 مليون يورو (4 ملايين فرنك) في 5 مشاريع للمنظمات الإسلامية في بريلي (فاود)، وبيين (برن)، ولا شو دو بروفانس، فوندز (نوشاتيل)، ولوغانو (تيسينو).

منحت قناة الجزيرة تغطية واسعة لجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وحاول بعض القطريين تصويرها على أنها قوة معتدلة

يلعب كلّ من محمد ونادية كرموس، وهما على رأس متحف الحضارات الإسلامية في لا شو دو فون، "دوراً رئيساً"، وفق كتاب "أوراق قطرية"، تلقى الزوجان "المدعومان على أعلى مستوى من حركة الإخوان المسلمين" للمتحف، ما لا يقل عن 7 تحويلات مالية بمبلغ إجمالي يصل إلى 1.4 مليون فرنك.
ردّاً على اتصال من قبل هيئة تحرير "Tamedia"، لم يرغب محمد كرموس في التعليق على الكتاب دون قراءته، ولكنّه أكّد "احترام القوانين السويسرية".
يقع المجمع الثقافي الإسلامي في لوزان في بريلي (1.6 مليون فرنك سويسري) ومسجد صلاح الدين في مدينة بيين، ضمن الهياكل التي تلقت الأموال من الدوحة.

"من يموّل يملِك النفوذ"
"تتواصل قطر مع الشبكات المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين (...)، وبالتالي، فمن خلال هذه الشبكة الموجودة مسبقاً، هناك حتمية أسهل في ممارسة الإقحامية"، وفق قول جورج مالبرونو.
وقال الصحفي: "هناك استثمار ضخم من جانب قطر للتأثير على الإسلام الأوروبي"، مشيراً إلى أنّ قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون (La Chaux-de-Fonds): "لقد فرضوا رفع العلم، وحضور القادة القطريين في الاجتماعات المهمة، مَن يموّل يملك النفوذ".
في مواجهة جورج مالبرونو، ذكّر ممثل اتحاد المنظمات الإسلامية في سويسرا، باسكال جيمبرلي، بأنّ تمويل جميع المساجد في البلاد هو بنسبة "98٪" من أصل سويسري، وقال: "نحن بعيدون عن فيضانات الأموال الأجنبية".
وأضافت باسكال جيمبرلي؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية "لديها شراكات مع مؤسسة بيل جيتس، وتعمل مع برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، ومنظمة "اليونيسيف"، ومنظمة الصحة العالمية..."؛ "فهي ليست منظمة منبوذة".

 


المصادر: eeradicalization.com/fr و www.swissinfo.ch

للمشاركة:

الجنوبيون ومؤتمر جدة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

أفغاني يروي كيف حول تفجير انتحاري عرسه إلى مأتم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

تحدث عريس أفغاني عن تفاصيل مأساته بعدما تعرض حفل زفافه لهجوم انتحاري أودى بحياة العشرات، وقال إنه "فقد الأمل ولن يشعر بالسعادة مرة أخرى" بعدما مقتل أقاربه وأصدقائه.

وقال مرويس علمي، في مقابلة تلفزيونية، إنه فقد شقيقه والكثير من أقاربه في الهجوم الذي أودى بحياة 63 شخصا مساء السبت.

وأعلن تنظيم الدولة الإسلامية في أفغانستان مسؤوليته عن الهجوم، الذي أصيب فيه 180 شخصا.

وأدان رئيس أفغانستان أشرف غني، الهجوم ووصفه بأنه "همجي".

وألقى غني باللوم على حركة طالبان لأنها "توفر منصة للإرهابيين". وتجري طالبان محادثات سلام مع الولايات المتحدة، وأصدرت بيانا أدانت الهجوم.

وروى العريس المكلوم معاناته لقناة "تولو نيوز"، واسترجع ذكريات ما قبل التفجير حين كان يحي الضيوف السعداء في قاعة الزفاف المزدحمة، قبل أن يراهم وقد أصبحوا جثث بعد ذلك بساعات.

وقال "عائلتي وعروسي يشعرون بصدمة ولا يمكنهم التحدث. عروسي تفقد الوعي من حين لآخر".

وأضاف: "لقد فقدت الأمل. فقدت أخي، فقدت أصدقائي، فقدت أقاربي. لن أرى السعادة في حياتي مرة أخرى".

وأوضح أنه لا يستطيع المشاركة في جنازات الضحايا، قائلا: "أشعر بالضعف الشديد ... أدرك أنها لن تكون المعاناة الأخيرة للمواطنين الأفغان، وستستمر المعاناة".

وقال والد العروس لوسائل الإعلام الأفغانية إن 14 من أفراد أسرته لقوا حتفهم في الهجوم.

ماذا حدث؟
أصدر تنظيم الدولة الإسلامية بيانا يتبنى فيه الهجوم، وقال إن أحد مسلحيه فجر نفسه في "تجمع كبير" بينما فجر آخرون "سيارة متوقفة محملة بالمتفجرات" عندما وصلت القوات وسيارات الإنقاذ إلى موقع الانفجار.

ووقع الهجوم في منطقة غالبية سكانها من الشيعة.

ومن على سرير في المستشفى، روى أحد الناجين من الهجوم، ويدعى منير أحمد (23 عاما)، ما حدث قائلا إن ابن عمه كان من بين القتلى.

وأضاف لوكالة الأنباء الفرنسية: "ضيوف حفل الزفاف كانوا يرقصون ويحتفلون عندما وقع الانفجار".

وأشار إلى أنه بعد الانفجار "كانت هناك فوضى كاملة. كان الجميع يصرخون ويبكون من أجل أحبائهم".

عن "بي بي سي"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية