إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟

7202
عدد القراءات

2018-08-27

كتبَ الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو ذات مرّة بأنّ "البلاغة هي إنجاز السلطة الأخير". تفيدنا إشارة فوكو إلى العمليات التي تقوم بها السّلطة السياسيّة، على المستوى الخطابيّ، من أجل ترويض الجموع والنّاس وتجنيدهم في سلكٍ معيّن ترسمه الدولةُ، أو الجماعةُ، أو أيّ تنظيم له هدفٌ أيديولوجيّ معيّن. فعلى المستوى العمليّ، لا ينفصلُ الخطاب البلاغيّ الرهيب عن السّلطة التي ينتجها، سواء على المستوى الماديّ أو المستوى الرمزيّ.

ولذا، يرتبط دائماً مفهوم الإرهاب في أذهاننا بالسّلطة، والقوة الماديّة، وبقيّة تلك التصورات المرتبطة بالإرهاب من حيث هو قوّة وفعل. بيد أنّ علينا أن نُولي اهتماماً للخطابات السياسيّة للسلطة والتدبّر فيها، وكيف للسّلطان –بمفهومه العام- هذا الإرهاب البلاغي في خطابته السياسيّة. ولا بدّ من التوضيح بدايةً بشأن تأثير اللغة، وأنّها قادرة على تمرير ما هو سلطوي وفاشي من خلال خطاب "جميل" بلاغي، يستهدف اللاواعي فينا. فأنْ يخطبَ سياسيّ، فعليه بقدرٍ ما أن يرصّع خطابه بجماليات غالباً ما تكون حجاباً للقيم السلطويّة التي يبثّها في تلك الخطبة أو في هذا المنشور.

الخطاب الجميل هو أشدّ خطورةً من الخطابات المباشرة لأنّه يستطيع أن يستلب المتلقّي من خلال مجازاته

إنّنا ننظر إلى "الجميل" دائماً على أنّه محايد، فجماله مُفرَغ من أيّة سلطوية يمارسها على عقولنا. والحقيقة، أنّ الخطاب الجميل هو أشدّ خطورةً من الخطابات المباشرة؛ لأنّه يستطيع دائماً أن يستلب بجماله المتلقّي من خلال مجازاته، كما أنّه يُعيد ترتيب القيم وفقاً للأيديولوجيّة السياسيّة للسياسي.

فـ"الجميل" في حدّ ذاته سلطة كبيرة؛ ذلك أنّه ليس يعمل فقط على الكامن فينا واللاواعي، بل لأنّه قادر كلّ مرّة على إنتاج قيم وتصوّرات عن العالَم والآخرين والذات تترسّب زمنيّاً وتكوّن منظومة تصوّريّة صلبة، ويُظنّ فيما بعد أنّها عقلانيّة أو تم إنتاجها تاريخيّاً بوعي من الأمّة أو من هذا المجموع.

إنّ خطورة "الجميل" أنّه لغوي وخطابي، ويكتسب سلطته من شرعيته الرّمزيّة بوصفه قولاً فوقَ طبيعيّ لا يقدر عليه سوى "القلّة" من النّاس؛ الشعراء، الكتّاب، السياسيين -بوصفهم منتجي جماليات للقول السياسي-. وهذا الجميل لا يقف عند مستوى تلك الطّبقة أو النخبة الثقافية أو السياسية، فخطاباتنا نحن ملأى بالجميل غير المفكّر فيه؛ فإنّنا نبني أقوالنا بالاستعارة بلا وعيٍ منّا، ويبدو أنّ اللغة مدرّبة على ذلك منذ وجودها.

اقرأ أيضاً: كيف وظّف الخطاب السياسي العربي الدين والبلاغة؟

السياسي في خطاباته "الجميلة" ينتج ما يمكن تسميته "عمًى سياسيّاً"؛ لأنّ الخطبة السياسية تتشكّل ضمن ما أسماه بورديو "اللغات المسموح بها"؛ أي إنها تقول ما ينبغي قوله أيديولوجياً، وتسكت عن المحرم؛ أي الذي لا ينبغي قوله. والخطبة السياسية هي خطبة منتهكة للرمز؛ إذ تحول الكلمة من يوميّها الطبيعي إلى رمز ما، فتتحول إلى لغة أيقونات رمزية وليست لغة طبيعية؛ فالخطبة توظف التاريخ والأحداث المجردة لتنقلها إلى ساحة الأيديولوجي والحزبي والسياسي. والخطبة السياسية ذات لغة داخل اللغة، لها تداولها الخاص، والكثير يجهل هذا، فينجرف في تصفيق عاطفي نظراً لقياسه لغةَ الخطبة على لغته العادية، اليومية. ولهذا يحرص كل خطيب سياسي أن يضيف مؤثرات لغوية، لتقوم بعملية "عمى سياسي" للمستمع، مُخفيةً الأنساق السياسية التي خرج منها الخطاب.

أن تصفّق للسلطة يعني أنّك وقعت في هواها وأن تسائلها يعني أنّك فكّرت فيما قالت والهوى لم يمسّك

لا يكتفي السياسيّ بإنتاج طبقة من "صنّاع الجماليات" كحاشية رمزيّة له، بل هو ينتج الجماليات في خطابه السياسيّ بالأساس. فالخطاب السياسي -مهما كان- هو خطاب؛ أي لُغة، وإذا كان لُغة فهي مهجوسة بالاستعارة والمجاز؛ أي مهجوسة بالجميل، والبعيد، والطريف. وليس من العقل أن ندعو إلى خطاب سياسي لا جمالي، فإنّ هذا مطالبة بالمحال؛ لأنّ الجمالي يخترقنا. وإذا طلبنا هذا المطلب، فإنّنا نطلب من المتكلّم ألا يتكلّم باللغة التي نعرف.

إن نشوء الطاغية تسببه اللغة بالأساس؛ فالجماهير لا تعرف أن الطواغيت يستبدون باللغة، كما يستبد الشاعر بها أيضاً، ويقوم بإرهاب بلاغي، فيكتسب السلطة الرمزية على الجماهير من خلال القول. ويبدو أن الوعي العربي المعاصر مطعون بالرئيس-السلطوي، ولا يؤمن إلّا بالسياسي الذي يقوم بهذا الإرهاب البلاغي في خطاباته، والذي يهزم الجموع بلغته.

اقرأ أيضاً: الإقناع في الخطاب السياسي البليغ للمتطرفين والمستبدين

لذا؛ فالوظيفة الأساس للسّلطة هي إنتاج البلاغة، حتى إنّ الفاشيّة نفسها صارت تقدّم سياسيّاً بالبلاغة. إلّا أنّ هذه البلاغة التي تنتجها السّلطة يمكن التفكّر فيها بوصفها نموذجاً عقليّاً يحيل على تصورات تلك السلطة عن نفسها وعمّن تكون. لا شكّ أن الخطاب هو تصوّر المخاطِب عن نفسه، وهو القول المتفلّت لكلّ ما لا يتكلّم فينا. فالسّلطة ترسم وظيفتها من خلال قولها عن نفسها، وذلك القول قد يكون أخلاقيّاً أو تنظيميّاً... أي إنّ الخطاب السياسي يجيب على سؤال: "ما هي السلطة؟"، و"ما هي طبيعة عملها؟".

الوظيفة الأساس للسّلطة هي إنتاج البلاغة، حتى إنّ الفاشيّة نفسها صارت تقدّم سياسيّاً بالبلاغة

وحتى نكون أكثر عمليّة، فلنتذكّر دائماً أن العمليّة السياسيّة هي عمليّة تنصبّ على الوسائل وليست على الغايات. بمعنى آخر؛ العمليّة السياسيّة تهتم بالراهن وبالظرف وبالمشاكل الاجتماعيّة الموجودة في بلدٍ ما، ولا تهتم بغايات ما وطنيّة أو تاريخيّة. وعندما تتحوّل السلطة للتركيز على الغايات، فإنّها في الحقيقة تريد تبرير فشل وسائلها وعدم قدرتها على مواجهة الراهن. ويمكن تلمّس ذلك في خطابات السياسة العربيّة التي تحيل دائماً إلى غايات عليا: "الوطن"، "الحدود"، "الأمن"، "الاستقرار"... فأصبحت العمليّة السياسيّة إخفاءً مقنّعاً لفشل السلطات بالإحالة إلى غايات متوهّمة. ما أريد قوله من هذه الملاحظة: علينا ألّا نُستلب لجمال الخطاب السياسي الذي يركّز على الغايات، علينا ألّا نؤمن بـ"الوطن السياسي" وبـ"الأمن" الذي يصدّره الرئيس السلطوي الذي حوّل منظومة السياسية إلى منظومة غايات كي يكتسب شرعيّة متوهّمة تسمّى وطنيّة.

اقرأ أيضاً: عناصر الشعبوية في الخطاب السياسي المغربي

وأيضاً، عودة إلى فوكو مرّة أخرى، علينا أن نتذكّر وصيّته حينما قال: "لا تقع في هوى السلطة". ويمكنني هنا أن أقول: إنّ البلاغة هي هوى السّلطة، هذا الهوى الذي علينا ألّا نقع فيه، ليس بإلغائه بمطالبة السلطة بخطاب محايد، بل بالوعي به وبتحليله والاهتمام به والاشتغال عليه ودراسته. أن تصفّق للسلطة يعني أنّك وقعت في هواها، وأن تسائلها يعني أنّك فكّرت فيما قالت وأن ذلك الهوى لم يمسّك. هل يمكن أن نقول إنّ وظيفة المثقّف هي كشف هوى السّلطة؟ ربّما. ربّما يكون ذلك مشروعاً أيضاً في عصر تغوّل اللسانيات، حيث اللسانيات تخترق كلّ خطاب لتسائله وتحلّله. وأخيراً، صار المثّقف مشتغلاً بالخطاب من حيث لا يعي؛ أي صار يحلّل الخطابات السياسيّة ليزيح عنها أقنعة التخفي وهذا العماء الملثّم والمتخفّي فيها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



منظمات المجتمع المدني وأحصنة طروادة

2019-10-15

إذا كانت إشكالية التمويل الأجنبي لمنظمات المجتمع المدني في الوطن العربي، قد تراجع اللغط بخصوصها؛ لأسباب تتعلّق بالأمر الواقع؛ حيث لم يعد بمقدور المناوئين تغيير الحال حتى لو صحّت اتهاماتهم، كما لم يعد الأنصار معنيين بتبرير الحال بحكم ضيق أوقاتهم وتصاعد انشغالاتهم، فإنّ التساؤل عن مدى مصداقية هذه المنظمات على صعيد الأداء والتأثير المنشود، ما زال قائماً ومشروعاً.

اقرأ أيضاً: جنان الجابري: منظمات المجتمع المدني للإسلام السياسي قناع لخدمة الأيديولوجيا
وسوف أغامر بوضع العربة أمام الحصان لأخلص بسرعة إلى القول: إنّ ما أحدثته وتحدثه هذه المنظمات من خلخلة في منظومة القيم والأفكار على صعيد الأوساط الشبابية والجامعية والثقافية والنسائية، يتجاوز حجم أدائها البرامجي على أرض الواقع بكثير! ولعل هذه المفارقة في حد ذاتها تتطلّب تفسيراً متأنياً، يمكن أن يوضح الكيفية التي تتطاير وفقها بعض الطروحات النخبوية في قاعات مغلقة، لتبلغ وتمسّ الملايين من أفراد القطاعات الحيوية والرئيسة في المجتمعات العربية التي تشهد منذ عقدين، حالات متوالية من التمخضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأيديولوجية. ولعل تركيز منظمات المجتمع المدني على استقطاب عدد محدود ونوعي من الناشطين الذين يتمتعون بالقدرة الفائقة على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يمثل مفتاح التفسير المنشود.

إنّ ما أحدثته وتحدثه هذه المنظمات من خلخلة في منظومة القيم والأفكار يتجاوز حجم أدائها البرامجي على أرض الواقع

وأيًّا كان الأمر، فإنّ من الملاحظ أنّ هذه المنظمات التي طالما أصرّ نشطاؤها على وصف الأحزاب السياسية بـ(الدكاكين) التي لا تعدو كونها مكاتب شبه مهجورة ويافطات برّاقة تهدف لإعادة تأهيل بعض المتقاعدين السياسيين، قد تحوّل كثير منها إلى (دكاكين) أيضاً تكاد تخلو من الروّاد، رغم يافطاتها البرّاقة وأنشطتها الموسمية المتباعدة المثيرة للجدل. ومعظمها الآن، وفي أحسن الأحوال، تحوّل إلى مراكز أبحاث ودراسات ودور نشر ربحية، لا تدّخر وسعاً للمشاركة والمنافسة في معارض الكتب. على حساب حضورها في الشارع وفي ملتقيات الرأي العام، ما يفرغ من مضمونها المطلوب ودورها المأمول.

اقرأ أيضاً: الزبائنية في منظمات المجتمع المدني الشيعية في العراق
وإذا كانت الموضوعية التامة، تتطلّب الإقرار بأنّ معظم هذه المنظمات قد انطلقت ببرامج ذات وتيرة تتسم بالثبات، فإنّ من الضرورة بمكان الآن، التأشير على حقيقة انتقال هذه المنظمات من طور العمل وفق نظام (الجُمْلة) إلى طور العمل وفق نظام (المُفَرَّق)! ولسنا بحاجة إلى كدّ أذهاننا لاستنتاج حقيقة تراجع حجم التمويل الأجنبي؛ لأسباب يقف على رأسها اقتناع الجهات المموّلة بأنّ معظم هذه المنظمات قد اعتنت دائماً بتوفير (الشكل) الذي يسوّغ الحصول على الدعم المالي، لكنها لم تعتن غالباً بتوفير (المضمون) الذي يمثّل غاية التمويل؛ فلم تفاجأ، لذلك، باكتشاف ما يشبه نظام (المقاولة) الذي يقوم على التعاقد الموسمي مع بعض (المورّدين) للروّاد المتحمسين لالتقاط الصور خلف الميكروفونات، ومطالعة أقوالهم في وسائل الإعلام، وتناول وجباتهم في ردهات الفنادق الفخمة، فضلاً عن ارتداء البزّات الأنيقة!\

اقرأ أيضاً: مقاومة الإرهاب بإحياء المجتمع المدني
وقد تزامن هذا الاكتشاف، مع تصاعد تنبه مراكز صنع القرار في الحكومات العربية لتأثير منظمات المجتمع المدني المقلق، فبادرت من جانبها لإطلاق منظّماتها التي يصعب تجاهل تأثيرها من جهة، كما تزامن هذا الاكتشاف أيضاً مع انفضاض كثير من نشطاء منظمات المجتمع المدني عنها؛ لأسباب يلوح في مقدّمتها اقتناعهم بأنّها ليست أكثر من مشاريع تعمل وتُدار لصالح بعض المثقفين والإعلاميين والسياسيين اللّامعين الذين يعرفون كيف ومن أين تؤكل الكتف!
وبوجه عام، فإنّ توقيت اندفاع هذه المنظمات إلى واجهة الأحداث الساخنة في الوطن العربي، وتوقيت اختفائها من مسرح الأحداث وكأنها لم تكن، ألقى وما زال يلقي بكثير من ظلال الشك والتساؤل عن حقيقة الأدوار التي تضطلع بها، إلى درجة أنّ خصومها لا يترددون في القطع بأنها ليست أكثر من أحصنة خشبية مجوّفة تخفي في باطنها العديد من الأجندات التفكيكية، ويدلّلون على ذلك بانبثاقها المفاجئ على سطح الربيع العربي الذي آل إلى ما آل إليه من خواتيم محزنة في ليبيا واليمن وسوريا، ثم اختفائها واختفاء نجومها على نحو مثير للاستغراب.

توقيت اندفاع هذه المنظمات لواجهة الأحداث في الوطن العربي وتوقيت اختفائها ما زال يلقي بالشك حول الأدوار التي تضطلع بها

ومع أنّ خصوم منظمات المجتمع المدني، لا يمارون في حقيقة أنها اضطلعت إلى حد بعيد بإبراز قضيتي الشباب والمرأة في المجتمع العربي، إلا أنّهم يأخذون عليها في المقابل، إسهامها في إكساب القضيتين أبعاداً راديكالية، ذهبت بكثير من الشباب والنساء في اتجاه التمرّد على المجتمع برمّته، بدلاً من العمل على الاندماج فيه والتغيير الهادئ المدروس من خلاله. بل إن بعض هؤلاء الخصوم لا يتورّع عن تحميل هذه المنظمات وزر تصاعد وتيرة العدمية والتشاؤمية والميل إلى العنف الفكري لدى الشباب، جرّاء تصاعد إحساسهم بأنّهم كتلة حرجة مهملة في أوطانهم، ما دفع ويدفع كثيراً منهم إلى الهجرة لأقطار الغرب، دون أسف على أوطانهم التي تمور بالبطالة والعنف والفساد. والأنكى من ذلك، اتجاه كثير منهم إلى ما يشبه القيام بتصفية حساب مع هوياتهم الوطنية والقومية والتاريخية والحضارية، فتراهم ينقضّون دون هوادة على كل الثوابت، وكأنّهم بذلك يوجهون لكمات قاسية لأيام فقرهم ومعاناتهم وإحباطهم وتهميشهم ومحاصرة أحلامهم، التي ترعاها الآن دوائر الهجرة في أمريكا وألمانيا وإنجلترا واستراليا والسويد إلخ إلخ إلخ!!!

للمشاركة:

فيلم الجوكر.. هل يعكس خللاً آخر بين جيلين؟

2019-10-14

نعم، سأتحدّث عن فيلم الموسم "الجوكر"، رغم أنّني لست ناقداً فنياً، ولا أملك أدوات النقد، لكنّني أب لمراهقين يتابعون الفيلم؛ لذا لن أتحدث عنه من حيث الأداء أو التصوير أو الإخراج، ولا من أيّ جانب من جوانب صناعة السينما، إنما سأتناوله من منظور الراشدين، وأثر الفيلم في أبنائهم المراهقين، فلي مع هذا الفيلم تجربة شخصية، قد تكون شأناً خاصاً بي لكنّها بالتأكيد تؤدي للشأن العام.
تبدأ قصتي مع هذا الفيلم من قرابة شهرين؛ عندما جاءني ابني (محمد)، وهو الثاني في الترتيب، وأول الذكور، وأنا منهمك في البحث والكتابة، وفاتحني برغبته في السفر إلى الإسكندرية، يوم 5 تشرين الأول (أكتوبر)، هو ومجموعة من أصدقائه لمشاهدة فيلم "الجوكر".

هل صدقت نبوءة سيد ياسين في كتابه "شبكة الحضارة المعرفية من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي"؟

محمد بالكاد استكمل 15 عاماً، وهو بالصف الأول الثانوي، وافقت؛ حيث ظننت أنّه فيلم يعتمد على الشخصيات الخرافية، مثل: "باتمان" و"سوبرمان"، وباقي تلك السلسلة من الأفلام التي تحارب الشرّ وتنتصر للخير، ولماذا الإسكندرية؛ لأنّنا في مدينة صغيرة (دمنهور)، ولا توجد فيها دور سينما تعرض مثل هذه الأفلام؛ لذلك قرّر، هو وأصدقاؤه، الذهاب إلى الإسكندرية؛ لأنّها أقرب مدينة كبيرة منا، ولا تبعد عنا سوى 60 كيلومتراً.
لم أنتبه لتعمّده طلب ما يريد وأنا منهمك في الكتابة، يبدو أنّه أدرك أنّي أوافق على كافة طلباتهم أثناء الكتابة، لهذا لم أناقشه كثيراً، ولم أتفهّم طبيعة مشاعره المرتبطة بالفيلم، ولا بشخصيته الرئيسة.
وبعد مضيّ شهرين؛ جاءني يطلب الإذن بالسفر، كما وعدته، ولأنّي لم أتذكر هذا الوعد، أنكرت أنّي وافقت على طلبه من الأساس، ومثل كافة الآباء، اتّهمته بأنّه متحايل، وظلّ يذكّرني بوعدي بإصرار، ولولا تدخّل أخته، وهي طالبة جامعية، لتؤكّد لي أنّها كانت شاهدة على موافقتي، ما كنت صدّقته، ثم بدأت أتذكر فعلاً وعدي إياه، وعلّلت نسياني بطول الفترة؛ فقد مضى أكثر من شهرين، واعتذرت له على اتهامي له، ثم انتبهت، كمن لسعه عقرب، ما هذا يا محمد أنت وأصدقاؤك تستعدون لهذا الفيلم من شهرين؟! أجاب بتحدٍّ واضح: "أيوا وفيها إيه؟" فتدخلت أمه وقالت: "ليتك كنت تستعدّ للاختبارات قبلها بشهرين، كما استعددت لهذا الفيلم!"، فقال مستعطفاً: "ماما الله يخليكي مش وقته الكلام عن الدراسة خالص".

اقرأ أيضاً: كيف تحول فيلم الجوكر إلى قضية أمنية في الولايات المتحدة؟
أذهلني محمد، ابن الخامسة عشرة، فهو مشترك هو وأصدقاؤه في "مجموعات للدردشة" تنظّم عمليات حجز التذاكر وأيام العرض لمشاهدة هذا الفيلم وغيره في السينما، هل يصدق أحد أنّ هؤلاء الصبية دارت بينهم حوارات توقعوا فيها أحداث الفيلم، لاحقاً سأعلم أنّ أحداث الفيلم جاءت على غير ما توقعوا، لكنّني لم أكن أتخيل أن يصل اهتمامهم إلى مشاركة المخرج والمؤلف صناعة الفيلم، والأسوأ، بالنسبة إليّ، أنّهم يتابعون أخبار الفيلم وأبطاله، وكأنّه فيلم مصري، أو كأنّهم أمريكيون!
لم يدر في خلدي، ولو للحظة، أنّهم يعرفون شركات الإنتاج الأمريكية التي تنتج لهم الأفلام، ويدركون طبيعة الصراع بينهم، ويعلمون أموراً تفصيلية عن تلك الشركات؛ مثل أنّ شركة (DC) تنافس شركة (MARVEL)، وأنّ المتحدث باسم الشركة (DC) هي شركة (WB)، والمتحدث باسم  شركة (MARVEL) شركة (ديزني)، ويعرفون كلّ الأبطال الذين قاموا بدور المهرج، بدءاً من جاك نيكلسون، ومروراً بالممثل الأسترالي، هيث ليدجر، الذي انتحر، والذي يعدّ، بالنسبة إليهم، أفضل من قام بالدور (حتى الآن)، وأخيراً: خواكين فينكس، وأنّ الجوكر هو شخصية من إنتاج شركة "دي سي كومكس"، وأنّهم صنعوه ليكون عدوّ باتمان اللدود.

اقرأ أيضاً: كيف شخّص فيلم فندق مومباي مصادر الإرهاب؟
في المقابل؛ محمد لا يعرف أيّة شركة مصرية، أو حتى عربية، لإنتاج الأفلام، ثم تحدّث ساخراً عن الأفلام المصرية، والتي تقدّم، بحسب قوله الـ(ولا حاجة)، لكنّ الطعنة الحقيقية عندما تناول فيلم "الممر" بسخرية، فقال: "حتى فيلم الممر يلي أنتوا طالعين بيه السما، هو أساساً فيلم متركب، والكثير من مشاهد الحرب فيه مأخوذه من فيلم إنقاذ الجندي ريان، والمصيبة أنّه يؤرخ لمرحلة الهزيمة لا النصر"، فانفعلت عليه وقلت: "بل هو ينقل حقيقة حرب الاستنزاف، يا جاهل"، وظللت اتهمه وجيله بكلّ ما أتذكره من كلمات الانتقاص، ولأنّ محمد مؤدب لم يرد، لكنّه قتلني حين قال: "وحرب الاستنزاف دي كانت انتصار ولا هزيمة؟" فقلت له: "اسكت خالص، ولا أسمع صوتك، يعني مش عاجبك فيلم الممر، ورايح تتفرح على فيلم غربي وشخصيات وهمية أشبه بأفلام الكرتون، لا تمتّ للواقع بصلة"، فقال: "يبدو أنك لا تريد أن تسمعني"، فقاطعته قائلاً: "أسمع ايه! أنت عندك حاجة"، فانفجر محمد في الكلام والدفاع عن الفيلم، وعن نفسه، وعن أفكاره، وعن أصدقائه، وعن حياته، وظلّ يتحدث بانفعال حتى أشفقت عليه، وأعطيته الإذن ومبلغاً سخياً من المال.

اقرأ أيضاً: فيلم "The Lobster": هناك أسوأ من أن تكون وحيداً
كأب يظنّ في نفسه أنّه قام بدوره في تربية ابنه وغرس فيه حبّ الوطن، والفخر بعروبته ومصريّته، أُسقط في يدي، نعم، أعترف بأنّني لم أعد أعرف ابني، وأعترف بأنّني لم أعرف ماذا أفعل؛ فقد استحوذ الفيلم وأخباره على اهتمامهم، ومن ثم على تفكيرهم، ولم يجذبهم فيلم رائع مثل "الممر"، هل هذا طبيعي؟ هل ما يمرّ به محمد ورفاقه مجرد الرغبة في التقليد فحسب، أم هي ثقافة العولمة، أم هي "أمركة" العالم؟ فقديماً كنا "نمصّر" الروايات العالمية لتناسب الشعب المصري، أما الآن فأمريكا "تُؤمرِك" الشعوب لتتناسب مع ثقافتها، أم أنا أبالغ لا أكثر؟ وهل الصواب أن أتنحى جانباً لتمرّ هذه الثقافة العالمية، أم أقف أحاربها حفاظاً على محددات الهوية العربية والوطنية؟
وهل صدقت نبوءة الكاتب الكبير الراحل، الأستاذ سيد ياسين، التي جاءت في كتابه "شبكة الحضارة المعرفية من المجتمع الواقعي إلى العالم الافتراضي"، ص 49، تحت عنوان "الثورة المعرفية"، وأيّاً ما كان الأمر، فإنّ الثورة المعرفية يمكن، في تقديرنا، أن تتلخص في عبارة واحدة: "الانتقال من الحداثة إلى ما بعد الحداثة"؛ فهل انصراف الصبية الناشئة عن الموروث الفكري والثقافي هو أحد تجليات ما بعد الحداثة؟ ربما..

اقرأ أيضاً: "الممر" فيلم مغامرات تقليدي أم علامة بارزة في السينما المصرية؟
حتى تلك اللحظة لم أكن أعرف كثيراً عن الفيلم، أو الشخصية الرئيسة فيه، وبدأت في البحث عنه، وعن أبطاله، ومن هو هذا الجوكر، فاكتشفت أنّه شخصية وهمية، يزعم من صنعها أنّها لشخص ربما سقط في برميل نفايات كيميائية، جعلت وجهه أشبه بالمهرج، وأنّه رسم ابتسامة شريرة على وجهه بالسكين، وأنّه أصبح ينتقم ويقتل في المدينة بلا رحمة أو تمييز.
هذه الشخصية أثّرت في شباب مراهقين في أمريكا، وتسبّبت في إطلاق رصاص في قاعة من قاعات عرض الفيلم؛ لهذا رفض كثيرون العمل وحذروا منه؛ فقد جاء على موقع "بي بي سي"؛  أنّ هذا الفيلم أثار جدلاً واسعاً بين المؤيدين الذين اعتبروه عملاً هادفاً، ويحمل رسائل مهمّة، والمعارضين الذي اتهموه بالعنف الشديد والمشاهد المظلمة التي تجلب الاكتئاب والأمراض النفسية والعقلية، ودعا كثيرون إلى حظر الفيلم من دور العرض، قائلين إنّه يروّج للعنف، ويمكن أن يلهم البعض للقيام بعمل إجرامي مثل إطلاق النار الجماعي.

كأب يظنّ في نفسه أنّه قام بدوره في تربية ابنه وغرس فيه حبّ الوطن والفخر بعروبته ومصريّته أُسقط في يدي

انتظرت محمد حتى عاد، وسألته، عن الفيلم وقصته، وهل كانت أحداثه كما توقّع، فقال: "كنت أتوقع أن يكون فيلماً سوداوياً في جزء منه، لكن ليس إلى هذه الدرجة؛ ففي الإعلان كنت أشاهد مشاهد غير مفهومة، لكنّني لم أكن أتوقع كمّ الكآبة التي شاهدتها في الفيلم".

فقلت له: إذاً كان الأمر لا يستحق عناء السفر؟ قال: "بل يستحق، لأنّ له رسالة"، فقلت له: "وما هي تلك رسالة؟"، فقال: "الفيلم يناقش قضية إنسانية، وليست قضية مجتمعية؛ أي قضية تخصّ مجتمعاً دون آخر، فهو يناقش خطورة ألا تسمع الآخر ولا تعطيه فرصة للتعبير عن نفسه، وكيف يؤدي هذا إلى كبت نفسي سلبي، يمكن أن يخرج على هيئة (الجوكر المدمر والقاتل)، لأنّ أيّ شخص بداخله هذا "الجوكر"، ولكن بنسب متفاوتة"، قفلت له: "وهل كلّ من يتعرض لكبت ما يكون الحلّ أن يخرج لنا "الجوكر" الذي بداخله؟ أليست هذه دعوة للعنف؟"، فقال: "لا، هذه ليست دعوة للعنف، أنتم تريدونها كذلك، لكننا تلقينا الرسالة كتحذير من عدم الاستماع إلى الآخر، أو عدم تفهم الآخر، إنّ الكبت قد يؤدي لظهور "الجوكر"، كلياً أو جزئياً، في تصرفات البعض، المشكلة أنكم تريدون أن تلوموا "الجوكر"، ولا تلوموا من أخرجه من مكمنه، ولا تتحمّلوا جميعاً ثمن كبتكم له"، ثم نظر إليّ نظرة، كنظرة "الجوكر"، بابتسامته القاتلة، فقلت له: "روق يا محمد، أنت حبيبي والله.. مش عاوز فلوس كمان؟".

للمشاركة:

المنطقة العربية "مغارة الدم" .. والبروكسي التركي والإيراني

2019-10-13

منطقتنا العربية التي يمكن وصفها بأنّها "مغارة الدم"، منها بدأ الإنسان الأول، ومنها بدأت أول التجمعات البشرية، ومنها ولدت الفكرة الأولى المنشئة للحضارة، وفيها فعلاً لا وصفاً "مغارة الدم"، تلك التي شهدت أول دم أريق في تاريخ البشرية حين قتل قابيل أخاه هابيل، وربما ليست مصادفة أن نتحدث عن شمال سوريا والحرب الدائرة فيه، وأن تكون سوريا موطن "مغارة الدم" في جبل قاسيون شمالي دمشق.

اقرأ أيضاً: كيف تمّ التمهيد للهجوم التركي على أكراد سوريا؟
ولهذه المنطقة العربية المشبعة بالأزمات والمشكلات على مدار عقود طويلة منذ أزمنة الخلافة ما بعد الراشدين، ومنذ أزمة ما قبل الاستعمار، وما بعد الاستعمار إلى يومنا هذا، أوجاع  اقتصادية، وأمراض سياسية مزمنة، وأوهام ثقافية، وأوهام نخبوية، ووعي مجتمعي مصاب بالتشوه والعطب بفعل فاعلين أساسيين من النخب السياسية وغير السياسية.

توجه تركيا لمنع إقامة أي كيان للأكراد لا يمكن أن يبرر انتهاك سيادة سوريا

منطقة مازالت تتوهم أنّها تعيش ثقافة المعاصرة والحداثة وما بعد الحداثة، والحقيقة أنّها تعيش حالة من الارتباك المفاهيمي واستغلاق القيم، وفوق ذلك التوترات المتصاعدة، والاستقطابات الحادة لجهة لا تخدم مصالحها ولا تحقق مشروعها المهزوم دوماً، ولا تنهض بأي أهداف أو غايات تغييرية وإصلاحية، لكي تبقى رهينة دوائر الصراعات ومحاور الشر المصنوعة سلفاً.
في سوريا وفي العراق نموذج واضح للفعل البروكستي، نسبة إلى "بروكست" الأسطوري الخارج على القانون، الرافض للتعاليم، والمستغرق في شهوة الاختطاف والقتل وقطع الطريق، الذي كان يتقن في "تمطيط" جسد ضحاياه ليأتي على مقاس سريره.
في العراق، إيران تفعل أفاعيلها في بتر جسد العراق وتمطيطه، وفي سوريا أيضاً، إيران الحاضرة بقوة مشروعها، وتركيا الحاضرة بسلطتها، وادعاء شرعيتها التاريخية التي تتوهم أنّها ربما تستطيع أن توظفها لتسويق مشروع الحلم السلطاني القديم في المنطقة.

اقرأ أيضاً: العراق "فاترينة" عرض .. 6 أسلحة يستخدمها أردوغان ضد الأكراد
إنّ إيران وتركيا ليستا سوى - بشكل أو بآخر - "بروكسي" بالمعنى الذي يمكن أن نقترضه أو نستلفه من علوم الحاسوب، بما يعنيه أنّ هذا البروكسي عبارة عن خادم يعمل كوسيط للطلبات بين العميل الذي يطلب مصادر من خوادم أخرى؛ إذ لا يمكن أن نتصور إطلاق يد إيران وتركيا في المنطقة دون إذن أو تنسيق أو اتفاق متعدد الأطراف بينهما وبين القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، وهو ما تحدثت عنه تركيا تماماً حين بدأت عملية "نبع السلام" في شمال شرق سوريا بضوء أخضر أمريكي، حتى وإن أنكرت أمريكا ذلك عبر تصريح وزير خارجيتها "مايك بومبو" بأنّ بلاده لم تمنح تركيا الضوء الأخضر لغزو تركيا ومهاجمة القوات التركية.

حتى متى يجب أن تعتاد منطقتنا على مقابلة كل هذه الأزمات والأوجاع بكتم غيظها؟

بين تركيا والأكراد ما لم يصنعه الحداد أيضاً، ورغبة تركيا وسياستها تجاه منع إقامة أي كيان للأكراد في شمال سوريا أو العراق، لا يمكن أن يكون حجة لدخول قواتها لسوريا واختراقها للحدود والسيادة والأعراف الدولية، وهو ما كانت تركيا تنتقد فيه إيران في العراق، حتماً مع اختلاف شكل وموضوع وقوة الوجود التركي في سوريا عن الوجود التركي في سوريا، لكن كل ذلك لا يصنع حجة لتركيا في شمال سوريا.
هكذا تبدو قراءة نماذج من مشاهد المنطقة العربية، عدا عن نماذج ومشاهد أخرى في ليبيا وتونس ومصر واليمن والتغول الحوثي الإيراني فيها.
أصبحت المنطقة، بأزماتها وأوضاعها السياسية المأزومة، على مقاس المصالح، وحروب حسب مستوى الأطماع، وصراعات تبقي الباب موارباً لدخول مزيد من التشظي والانقسام والتجزيء، ولبؤر ساخنة مهيأة لصناعة مستقبل مرتبك، كل ذلك من شأنه أن يعطي طاقة قصوى لتزويد مشغلات الصراع الأطول عالمياً في العصر الحديث.

اقرأ أيضاً: احتجاجات العراق.. والدور الإيراني

اعتادت المنطقة كلها على هذه الأزمات والصراعات والأوجاع، وهي مطالبة أن تعتاد على كتم غيظها، ولجم صراخها، وكبح جماح ذاك النزق الذي ينزّ من أزقتها وحاراتها، لكي تبقى على قيد الحياة، على أقل تقدير، وثمة سؤال: هل كان يطلب بروكست من ضحاياه أن يكتموا أوجاعهم، وهو يمطط أجسادهم أو يبتر أقدامهم ليكونوا على مقاس سريره؟.

اعتداء تركيا لا يمكن أن يكون دون إذن أو تنسيق مع القوى العالمية وعلى رأسها الولايات المتحدة

قدرنا في المنطقة المصابة بلعنة التاريخ ربما، أن نبقى داخل إطار التفكير الأمريكي ذي الاتجاهين؛ الاتجاه الأول اخترعه (روزفلت) الذي لا يرى مصلحة لأمريكا إلا أن تكون القوة العالمية الضاربة، ولا توازن عالمياً بدونها، ولا فاعلية لقانون أو مجتمع دولي بدون رؤيتها له وتحكمها بتمريره أو وقفه، والاتجاه الثاني اخترعه (ويلسون) واخترع معه عصبة الأمم المتحدة، مانحاً حدوداً قصوى للأخلاقيات والمبادئ بدلاً من توازن القوى، وسباقات التسلح، ولكن حتى هذه الأخلاقيات، فهي موضوعة سلفاً داخل الإطار الأمريكي، فلا مبادئ إلا ما تقرره كمبادئ ولا أخلاق إلا ما تراه أخلاقاً. وذلك هي حالة متقدمة من تزييف الوعي بالفضيلة والأخلاق والقيم والمبادئ والقانون.
السؤال الأخير.. هل باتت عملية تزييف الوعي بالأخلاق والمبادئ والأعراف الدولية معدية حتى باتت بعض الدول تحمل مشاريعها وطموحاتها إلى منطقتنا، لتسويقها بلا أي غطاء ولا أية شرعية سوى شرعية وهم الإمبراطوية الفارسية القديمة.. ووهم العثمانية الجديدة؟

للمشاركة:



لماذا اعتقلت حماس الصحفي هاني الآغا؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

طالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين، أمس، حركة حماس بالإفراج عن الصحفي المعتقل، هاني الآغا، محملة الحركة المسؤولية الكاملة عن استمرار اعتقاله لليوم العشرين على التوالي.

وقالت النقابة، في بيان نشر أمس عبر صفحتها على فيسبوك: "الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي، غرب غزة، رغم معاناته وتدهور حالته الصحية نتيجة عملية جراحية أجريت له سابقاً في العمود الفقري".

نقابة الصحفيين الفلسطينيين: الآغا محتجز في ظروف سيئة داخل سجن الأمن الداخلي غرب غزة وحالته الصحية تتدهور

ودانت النقابة تصريحات وزارة الداخلية بغزة، بعدم بوجود أيّ صحفي معتقل في سجونها، وتكتمها على سبب اعتقال الصحفي الأغا، أو توجيه أيّ اتهام حقيقي له، في مخالفة واضحة للقانون الأساسي الفلسطيني والقوانين المعمول بها، خاصة في ظلّ استمرار اعتقاله من جهاز أمني.

ووفق عائلة الصحفي؛ فإنّ قوة من أجهزة حماس الأمنية وصلت لمنزله في خان يونس، مساء الأربعاء 25 أيلول (سبتمبر) الماضي، لكنّه لم يكن موجوداً، فسلمته العائلة بلاغ اعتقاله، ليسلم نفسه في اليوم التالي.

وطالبت نقابة الصحفيين الفلسطينيين أجهزة حركة حماس الأمنية بالإفراج الفوري عن الصحفي الأغا، وباتخاذ المراكز الحقوقية العاملة في قطاع غزة، موقفاً واضحاً إزاء استمرار عملية الاعتقال، خاصة مع رفض طلب 3 مراكز حقوقية زيارته في معتقله.

بدورها، دعت نقابة الصحفيين الفلسطينيين المراكز والمؤسسات الحقوقية إلى الضغط من أجل زيارة الزميل الأغا، برفقة طبيب مستقل، لكشف حالته الصحية وتقديم العلاج اللازم له.

اتحاد الصحفيين العرب يدعو للضغط على حماس للإفراج عن الآغا ووقف السطوة الأمنية على الإعلاميين والصحفيين

ودعت النقابة الاتحاد العام للصحفيين العرب والاتحاد الدولي للصحفيين للضغط على حركة حماس من أجل الإفراج عن الزميل الآغا، ووقف السطوة الأمنية التي تمارسها حركة حماس على الإعلاميين والصحفيين في قطاع غزة، مستغلة بعض الحوادث الأمنية من أجل التضييق على حرية الرأي والتعبير.

وفي تصريحات سابقة، قالت والدة المعتقل؛ "إنّها حاولت زيارة ابنها أو الاطمئنان على مكان اعتقاله لكن دون جدوى"، مشيرة إلى أنّها تقدمت بشكوى للمؤسسات الحقوقية للمطالبة بالضغط للإفراج عنه.

 

للمشاركة:

أمريكا تعاقب إيران على هجوم أرامكو.. بهذه الطريقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

قالت واشنطن، اليوم، إنّها شنّت هجمات سيبرانية ضدّ إيران، بعد الاعتداء على منشآت أرامكو النفطية في السعودية، في 14 أيلول (سبتمبر) الماضي.

وأكّد المسؤولون، الذين نقلت عنهم وكالة "رويترز"؛ أنّ الهجمات السيبرانية هي وسيلة لمعاقبة طهران دون إحداث أضرار عالمية.

ونقلت الوكالة، عن مصادر أمريكية (لم تسمها) قولهم: إنّ "واشنطن شنت هجمات إلكترونية على إيران بعد الهجوم الذي استهدف منشآت "أرامكو" النفطية، الواقعة في المنطقة الشرقية للسعودية، والتي تسببت بضجة عالمية مع تبني جماعة الحوثي اليمنية للعملية، في حين اتهمت الرياض وواشنطن طهران بتنفيذها وهو ما نفته الأخيرة".

"رويترز": واشنطن شنّت هجمات سيبرانية ضدّ إيران بعد الاعتداء على منشآت "أرامكو" النفطية

ولم تكن تلك الهجمات هي الأولى من نوعها، عام 2019، فقد كشفت صحيفتا "نيويورك تايمز" و"واشنطن بوست"، الخميس 29 آب (أغسطس) 2019، شنّ الولايات المتحدة هجوماً إلكترونياً واسعاً على إيران؛ تسبَّب في وقف قاعدة بيانات مهمّة لديها، استخدمت لمهاجمة ناقلات نفط في الخليج.

ووفق "نيويورك تايمز"، التي أوردت تصريحاً لـ "مسؤول رفيع"؛ فإنّ الهجوم الإلكتروني الأمريكي، الذي وقع في شهر حزيران (يونيو) الماضي، تسبَّب في إعاقة مجموعة الاستخبارات التابعة للحرس الثوري الإيراني، وقدرة إيران على تنفيذ هجمات سرية.

وبحسب الصحيفة؛ فإنّ واشنطن من أجل تنفيذ هجومها الإلكتروني على إيران استعانت بفيروس يحمل اسم "ستاكسنت"، الذي اكتُشف للمرة الأولى، عام 2010، ويعتقد أنّه صمم؛ من أجل مهاجمة منشآت نووية إيرانية.

ووقع هجوم الولايات المتحدة الإلكتروني ضدّ إيران بعد أن أسقطت إيران طائرة مسيَّرة أمريكية فوق مضيق هرمز.

المسؤول الرفيع الذي تحدث للصحيفة؛ هو ضابط استخبارات سابق، يدعى نورمان راؤول، وقال في رسالة تحمل في طياتها تهديداً واضحاً لإيران: "يجب عليك أن تنقل أمراً واحداً لعدوك بفاعلية؛ أنّ للولايات المتحدة قدرات متعددة لن يتمكن العدو من الوصول إليها أبداً، لذلك من الأفضل لجميع الأطراف أن يتوقفوا عن أعمالهم العدوانية".

وأفاد التقرير بأنّ "إيران ما تزال تحاول إصلاح أنظمة اتصالاتها المهمّة، ولم تستعد المعطيات التي فقدت في الهجوم الأمريكي عليها، إضافة إلى أنّها لم ترد عليه بعد".

وكانت صحيفة "بوليتيكو" الأمريكية قد نشرت، في كانون الأول (ديسمبر) 2015، تقريراً عما وصفتها بـ "أكبر الأسرار التي تخفيها حكومة الولايات المتحدة"، وتتعلّق بأخطر الأسلحة الإلكترونية التي تمتلكها، ومتى يمكن أن تستخدمها.

الصحيفة ذكرت أنّ السلاح الإلكتروني الغامض والأكثر تعقيداً، الذي استُخدم حتى الآن؛ هو "ستاكسنتStuxnet) ")، هذا الفيروس الذي بُرمِج خصوصاً لاستهداف المفاعلات النووية الإيرانية.

الصحيفة استطردت تقول: "هذا الفيروس يطرح سؤالاً خطيراً: ما الذي يمكن أن تفعله الولايات المتحدة مع خصومها إذا ما قررت أن تشنّ حرباً إلكترونية عليهم؟".

وواصلت: "لم تعترف الحكومة الأمريكية، حتى الآن، بأنّها المسؤولة عن إطلاق فيروس ستاكسنت على حواسب المفاعلات النووية الإيرانية، ولم يعرف، حتى الآن، ما هو المدى الذي وصلت إليه الأسلحة الإلكترونية الأمريكية في مجال الحروب الرقمية".

من المعروف أنّ أيّة حرب ستنشأ في المستقبل على مستوى كبير سوف تصبح الهجمات الإلكترونية جزءاً منها، وتعمل الدول الكبرى الآن على تطوير أسلحتها في هذا المجال.

وشهدت العلاقات الأمريكية الإيرانية توتراً وتصعيداً عسكرياً، وذلك بعد انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي، الذي وقِّع عام 2015 مع طهران.

 

 

 

للمشاركة:

قطر تواصل تأييدها للعدوان التركي على سوريا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

تواصل قطر تأييد ودعم العدوان التركي على سوريا، رغم كافة التجاوزات والانتهاكات الإنسانية التي ارتكبتها تركيا والميليشيات الموالية لها في مناطق الأكراد.

ودافع وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، أمس، عن تركيا بشكل واضح وعلني، معتبراً أنّ هجومها على مناطق الأكراد في سوريا هدفه القضاء على "تهديد وشيك"، وفق ما نقلت وسائل إعلام قطرية.

وزير الخارجية القطري يرى أنّ العدوان التركي على مناطق الأكراد في سوريا هدفه القضاء على "تهديد وشيك"

وقال وزير خارجية قطر، خلال مشاركته في مؤتمر "منتدى الأمن العالمي" في الدوحة: "لا يمكننا أن نلقي اللوم على تركيا وحدها"، مضيفاً "أنقرة ردّت على خطر وشيك يستهدف الأمن التركي".

وأوضح الوزير القطري: "قالت (تركيا) منذ البداية: لا تدعموا هذه الجماعات"، في إشارة إلى "وحدات حماية الشعب" الكردية، الفصيل الكردي المسلّح الذي تعدّه أنقرة منظمة إرهابية".

وتابع: "لم يستمع أحد. يحاول الأتراك منذ عام حلّ هذه المسألة مع الولايات المتحدة من أجل إنشاء منطقة آمنة وإبعاد الخطر عن حدودهم"، معتبراً أنّ "وحدات حماية الشعب جزء من حزب العمال الكردستاني المصنّف إرهابياً في عدة دول".

وقال عبد الرحمن في المنتدى: "لا نرى أنّ تركيا تعمل ضدّ الأكراد، تركيا تعمل ضدّ مجموعة من الأشخاص في صفوف الأكراد".

هذا وقد بدأت تركيا وميليشيات ضمت مقاتلين سوريين موالين لها قبل نحو أسبوع هجوماً ضد المقاتلين الأكراد في شمال شرق سوريا، تمكّنت خلاله من السيطرة على منطقة حدودية واسعة بنحو مئة كيلومتراً، تمتد من محيط بلدة رأس العين (شمال الحسكة)، وصولاً إلى مدينة تل أبيض (شمال الرقة)، وبعمق نحو 30 كيلومتراً.

 

 

للمشاركة:



مؤشر 2019.. هذه أسباب انتشار المجاعة في العالم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

لدينا المعرفة والإمكانيات الفنية والمادية للقضاء على الجوع في العالم، حسب معطيات تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام. فمنذ عام "2000 يتم على مستوى العالم تحقيق خطوات متتالية في التقليل من المجاعة التي تراجعت في العالم بنسبة 31 في المائة"، كما يؤكد ذلك فرايزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة الألمانية، والذي يقول في مقابلة مع DW "نرى (بهذا الخصوص) تقدما في جميع البلدان تقريبا وجميع مناطق العالم". فرايزر باترسون مسؤول أيضاً عن إصدار مؤشر المجاعة في العالم ويطرح في تعاون وثيق مع منظمة Concern Worldwide المؤشر السنوي وتقرير منظمة مكافحة المجاعة.

في عام 2016 لم يصنف بلد واحد في العالم بأنه يعاني من مجاعة حادة. لكن في عام 2017 صنفت جمهورية افريقيا الوسطى كذلك. فالوضع العام للغذاء في البلاد التي تمزقها النزاعات المسلحة كارثي. وسوء التغذية هي الحالة العادية بين السكان. وكل مولود جديد من بين ثمانية يموت قبل بلوغه اليوم الخامس من حياته. والأطفال الذين يبقون على قيد الحياة ضعيفي البنية مقارنة مع سنهم ويعانون من اضطرابات في النمو. وبناء على هذه العوامل يتم تصنيف وضع المجاعة في جمهورية افريقيا الوسطى في المؤشر العالمي بأنه كارثي.

في أربعة بلدان أخرى هي تشاد ومدغشقر واليمن وزامبيا يعتبر الوضع مقلق للغاية. كما تم تصنيف وضع 43 بلدا من بين 117 شملها المؤشر بـ"المقلق". وبشكل عام يشير تقرير مؤشر المجاعة العالمي لهذا العام إلى أن 822 مليون شخص في العالم يعانون من آثار المجاعة، أي واحد من بين تسعة أشخاص يعاني من من المجاعة في العالم. وقبل ثلاث سنوات كان العدد من 800 مليون.

"ارتفاع عدد الأشخاص الذين يعانون من المجاعة في السنوات الثلاث الأخيرة يعود لعاملين اثنين. أولهما يتمثل في تأثير تغير المناخ، والثاني يتمثل في تنامي النزاعات المسلحة على مستوى العالم"، كما يقول باترسون في حديثه مع DW، مؤكداً أن الحروب والنزاعات المسلحة تحتاج إلى حلول سياسية، والمجموعات المهددة بتحول المناخ تحتاج إلى الدعم للتكيف مع تأثيرات تغير المناخ.

مؤشر المجاعة العالمي لعام 2019 يكشف أنه "بسبب الفعل البشري يصبح من الصعب أكثر تغذية السكان بشكل معقول ومستدام". أرقام التقرير الحالية التي تستند على مصادر الأمم المتحدة حول المجاعة والتغذية ووفايات الأطفال يتم مقارنتها مع نتائج السنوات السابقة، مع العلم أن تقرير مؤشر المجاعة العالمي صدر لأول مرة عام 2006. والنتيجة:" تغير المناخ له تأثيرات سلبية على الأمن الغذائي. ليس فقط على الزراعة، بل أيضا على جميع نواحي نظام التغذية بما في ذلك توفر الغذاء وإمكانية الحصول عليه وجودة الغذاء واستقرار الإنتاج".

ومنذ بداية التسعينات تضاعفت حوادث اشتداد مظاهر الطقس على مستوى العالم، كما أشار إلى ذلك باترسون. وهذا يؤدي إلى إتلاف المحاصيل بسبب الجفاف والفيضانات وانجراف التربة والأعاصير. والجهات المتضررة أكثر من تحول المناخ هي البلدان الأكثر فقرا حيث يعم الجوع ولا يوجد تأمين اجتماعي. لكن هناك مشكلة أخرى تؤجج الجوع من خلال تحول المناخ.

ويتعلق الأمر هنا بـ "ارتفاع تركيز ثاني أوكسيد الكربون في الجو، مما يؤدي إلى تناقص المغذيات الدقيقة في النباتات المفيدة وإلى نقص في البروتين والزنك أو الحديد"، كما يقول باترسون. ووانخفاض القيمة الغذائية يطال بالأساس مواد غذائية أساسية مثل القمح والأرز والذرة والصويا.

فليب ألستون، المقرر الخاص للأمم المتحدة حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان يصف ذلك بدون تحفظ بـ"التمييزالعنصري بسبب المناخ". نحن نخاطر أمام وضع يسوده التمييز العنصري بسبب المناخ، حيث بإمكان الأغنياء اقتناء كل شيء والفرار من الحرارة المفرطة والجوع والنزاعات في الوقت الذي وجب على باقي سكان العالم المعاناة من تبعات تحول المناخ"، كما قال ألستون عند عرض تقريره حول الفقر المدقع وحقوق الإنسان.

"تحول المناخ يهدد مستقبل حقوق الإنسان. فهو يهدد جميع التقدم المحرز خلال السنوات الـ 50 الماضية فيما يرتبط بالتنمية والصحة ومكافحة الفقر" كما أعلن ألستون في تقريره الذي يتنبأ فيه بمستقبل قاتم للبشرية بحيث أن "مئات ملايين الناس سيواجهون الجوع والنزوح والأمراض والموت".

للمجاعة أسباب بنيوية  بالأساس، يقول فليب ميمكيس من شبكة FIAN لمحاربة المجاعة التي جعلت من عبارة "الجوع ليس مصيرا" شعارا لها.

يقول ميمكيس "إذا نظرنا إلى الحاضر، فإننا سنلاحظ أنه يوجد مواد غذائية أكثر للشخص الواحد مقارنة بالـ 20 و 30 و 40 عاما الماضية". ويضيف نفس المتحدث: "هذا يعني أنه مبدئيا ليس لدينا مشكلة ضعف الإنتاج، بل لدينا مشكلة في التوزيع". ويشير ميمكيس إلى أن أقل من نصف الإنتاج الزراعي في العالم يتم استخدامه مباشرة كمواد غذائية.

أما "الباقي فيذهب إلى أماكن أخرى لاكتساب الطاقة ومواد العلف". وهنا لا ينفع فقط منح الأموال كما تعد الدول الصناعية منذ عقود لمكافحة المجاعةعلى مستوى العالم. وبالتالي فإن "أهم أسباب المجاعة تكمن حقيقة في قضايا سياسية مثل التمييز وانعدام العدالة الاجتماعية وكذلك في وجود بنية غير عادلة في التجارة".

ويشير ميمكيس إلى أنه يوجد في أمريكا الجنوبية مثلا مساحة أكبر من الأراضي الزراعية في الوقت الذي يجوع فيه عدد أكبر من الناس. فما يتم زراعته لا يخدم تغذية السكان المحليين، بل يصلح بالأساس لتصدير مواد العلف أو اكتساب الطاقة. وهذا يتناقض كليا مع المقترحات التي تقدمها دوما الدول الصناعية التي تحث على تقوية الإنتاج.

وحتى فريزر باترسون من منظمة مكافحة المجاعة يرى أن مشكل التوزيع هو سبب المجاعة في العالم. ويقول "إذا لم تتحرك الجهات المسؤولة الآن بحزم، فإن أرقام المتضررين من آفات المجاعة ستواصل الارتفاع".

عن "دويتش فيله"

 

للمشاركة:

طهران ـ النجف.. مشروعية المكان وشرعيته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

مصطفى فحص

أثبتت أحداث العراق الأخيرة أن مشروع التوسع الإيراني يواجه، لأول مرة، أزمة تهدد مشروعيته العقائدية والسياسية، بعدما وضع نفسه بمواجهة لها بعدان؛ الأول جغرافي، والثاني ديمغرافي، إذا أخذنا بعين الاعتبار مناطق المظاهرات، التي وحدها حددت الهوية العقائدية والثقافية للمتظاهرين، وانتماءاتهم الروحية، وليس المذهبية، التي تَقلَّص حضورها في تكوين الفرد العراقي، وانفعالاته، نتيجة لعوامل عددية؛ أهمها تراجع دور الاستقطاب الطائفي الذي مارسته أحزاب الإسلام السياسي، وفشل تجربتها في بناء دولة حديثة، إضافة إلى عامل اقتصادي معيشي، نتيجة الفساد وسوء توزيع الثروة، الأمر الذي انعكس على مواقف أغلب الطبقات الاجتماعية، خصوصاً العاملة، تلك التي تقطن في أكثر مناطق العراق غناً ولكنها الأشد فقراً.

مما لا شك فيه أن تقلص العامل المذهبي، خصوصاً لدى شيعة العراق، أدى إلى بروز معضلة بنيوية في علاقتهم مع طهران، وموقفهم من هيمنتها على قرارهم الوطني منذ سقوط نظام صدام حسين، هذه المعضلة باتت الآن تمس جوهر العقيدة التي تذرع بها نظام طهران من أجل تبرير مفهومه التوسعي الذي قام على مبدأين؛ تصدير الثورة كنموذج إسلامي أممي بزعامة الولي الفقيه، واستقطاب الحالة الشيعية غير الإيرانية، بعدما قدم نفسه الحامي الوحيد لها، ويأتي تركيزه على الحالة العراقية كونها تمثل الهوية العقائدية الشيعية ورمزيتها (النجف وكربلاء) يستخدمها لتبرير شرعيته خارج حدوده الوطنية، التي إذا خسرها سيتعرض مشروعه إلى انكشاف عقائدي لا يمكن تعويضه. وقد ظهر الربط الواضح والصريح ما بين قدسية المكان وعقيدة النفوذ الإيراني، في تصريح للرئيس حسن روحاني في شهر مارس (آذار) 2016، حين أكد أن «إيران سوف تتدخل في أي مكان توجد به مقامات للشيعة، وتتعرض إلى تهديد من قبل الإرهابيين».

عملياً، كشفت المظاهرات الأخيرة عن فشل مشروع الاستقطاب الإيراني بطبيعته الاستتباعية، التي استهدفت تذويب الهوية الوطنية العراقية بهدف التماهي الكامل مع طهران، حيث شكل صعود الحس الوطني دوراً لافتاً في «انتفاضة تشرين الأول» المطلبية، التي وَجَّهت إنذاراً سياسياً لطهران يحذرها من مغبة خسارة البيئة الاجتماعية الشيعية الرافضة لتصرفاتها في الشأن العراقي، وشكلت صدمة لنفوذها في العراق، ما دفعها إلى استخدام العنف المفرط ضد المتظاهرين من أجل القضاء على حالة شبابية ممكن أن تتوسع، وتصبح جماهرية تهدد سيطرة حلفائه على الدولة، وتهدد وجودها في المكان الذي تستمد منه المشروعية العقائدية لمشروعه.

منذ معاهدة «زهاب» المعروفة باتفاقية «قصر شرين» ما بين السلطة العثمانية والدولة الصفوية، سنة 1639، التي حددت أُطر الوجود الإيراني في العراق حتى أبريل (نيسان) 2003، خضع استقرار النظام السياسي في إيران لتأثيرات النجف، وكانت الحركة المشروطية، أو ما يعرف بالثورة الدستورية عام 1907، المحطة الأبرز في حجم حضور النجف، وتأثيرها على النخب السياسية والثقافية والاقتصادية (البازار) في الدولة الإيرانية، أما المحطة الثانية هي نفي زعيم الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني إلى النجف بعد خروجه من تركيا 1965، وفي المحطتين أثرت النجف في التحولات الإيرانية، بسبب الربط ما بين قداسة المكان، وتأثيره على الفرد أو المشروع، ففي النجف كتب الخميني كتابه الذي بنى عليه مشروعه السياسي «الحكومة الإسلامية»، كما أنه من النجف خرجت أول النصوص الإصلاحية في الفقه السياسي الشيعي للمرجع آية الله النائيني كتاب «تنبه الأمة وتنزيه الملة» الذي كتبه النائيني مطلع القرن الماضي، ويعبر عن ذروة تعاطي الحوزة العلمية الشيعية التقليدية في الشؤون السياسية، حيث انحاز مجموعة من أساتذتها إلى «الحركة المشروطية» (الدستورية) بوجه أنصار المستبدة، هذا الانحياز أو التبني النجفي للمشروطية كان له تأثير مباشر على تطور الأوضاع السياسية في إيران، وكان أحد أبرز العوامل التي مهدت للثورة الدستورية سنة 1907.

في الوعي السياسي الإيراني، هناك كتابان يملكان حيزاً كبيراً في ذاكرتهم السياسية والعقائدية صدرا في النجف؛ الأول كشف عن حجم تأثير الحوزة النجفية في المجتمعات الشيعية في العالم، والثاني بقي خارج المنظومة الفكرية النجفية الكلاسيكية التي تحافظ على مسافة دقيقة وحساسة في علاقتها المباشرة مع السياسة، والتي برزت في تحفظها على مشروع ولاية الفقيه، وتمسكها بولاية الأمة على نفسها، وبرزت في تبنيها للمشروطية الدستورية التي تنظم الحياة السياسية في البلدان التي يطبق فيها الدستور، والدعوة إلى اندماج الشيعة في أوطانهم.

يدرك النظام الإيراني أن السيادة العراقية تمر بالنجف العصية على المصادرة، ومن دونها يفقد أي نظام في بغداد أو طهران كثيراً من شرعيته التي لم تعد ممكنة، بعد انحياز النجف بطبيعتها الكلاسيكية إلى المشروطية، فباتت مشروعية طهران ومشروعها التوسعي الاستبدادي أمام تحدٍ نجفي أقرب إلى وجدان المتظاهرين ومشروعيتهم.

عن صحيفة "الشرق الأوسط"

 

للمشاركة:

بوتين في الإمارات

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-16

د. حسن مدن

أدرك مؤسس دولة الإمارات العربية المتحدة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ قيام الدولة أهمية أن تكون لها علاقات مع موسكو، السوفييتية يومها، فيما كانت الولايات المتحدة تضغط في اتجاه عزل الاتحاد السوفييتي، والحيلولة دون تعاون الدول الأخرى معه، لكن الشيخ زايد، رحمه الله، ببعد نظره فهم أهمية أن تكون للإمارات علاقات دولية متوازنة.

استمرت الإمارات على النهج الذي رسمه مؤسسها، وأقامت أوجه تعاون مع روسيا، من بين ثمارها، مؤخراً، رحلة رائد الفضاء الإماراتي هزاع المنصوري إلى المحطة الفضائية الدولية بالتعاون مع روسيا، التي حلّ رئيسها فلاديمير بوتين ضيفاً على الإمارات بعد زيارة مماثلة ناجحة إلى المملكة العربية السعودية.

زيارتا بوتين إلى الرياض وأبوظبي تأتيان في التوقيت المناسب تماماً، حيث تظهر التجربة الملموسة أن مصلحة دولنا الخليجية هي في إقامة علاقات دولية متوازنة، والكف عن الاعتماد على قوة دولية واحدة هي الولايات المتحدة، فروسيا صديق مجرب للعرب، أظهرت حرصها على علاقات قائمة على الوضوح ومبنية على تبادل المصلحة المشتركة من خلال أوجه التعاون الاقتصادي والتقني والثقافي وغيرها.

لا تقل أهمية عن ذلك حقيقة أن القراءة الحصيفة لمجريات الوضع الدولي تشير إلى أن زمن الأحادية القطبية والتفرّد الأمريكي بالعالم قد ولى، وأن نظاماً دولياً جديداً متعدد الأقطاب قد تشكّل فعلاً، وهو يشق طريقه صعوداً إلى المستقبل، وأن روسيا، إلى جانب الصين، ركنان أساسيان في هذا العالم الجديد، ومصلحة دولنا هي في الانفتاح على هاتين الدولتين الكبريين، والتعويل على دورهما المحوري ليس فقط في التعاون الثنائي، وإنما أيضاً في حفظ الأمن والاستقرار في المنطقة، وإبعادها عن التوترات والحروب والنزاعات، بما يحافظ على ما تنعم به شعوبنا من أمن واستقرار، ويصون السلم في العالم كله.

إن أمن منطقة الخليج قضية عالمية بامتياز، ومن الخطأ ركن مسؤوليتها إلى قوة دولية واحدة أظهرت مراراً أنها لا تفكر إلا في مصالحها، وتنضج أكثر فأكثر مهمة أن يكون أمن هذه المنطقة مسؤولية جماعية مشتركة، بالنظر لما تمثله من أهمية اقتصادية للعالم، انطلاقاً من مصالحنا الوطنية والقومية بالمقام الأول، ويمكن لروسيا بما تمثله من ثقل دولي متزايد أن تضطلع بدور كبير في ذلك.

زيارة بوتين إلى الإمارات، وقبلها الزيارة الناجحة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، للصين تأتيان في هذا السياق.

عن صحيفة "الخليج"

 

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية