إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟

إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟

إرهاب البلاغة: لماذا علينا ألّا نقع في هوى السلطة؟


08/11/2022

كتبَ الفيلسوف الفرنسيّ ميشيل فوكو ذات مرّة بأنّ "البلاغة هي إنجاز السلطة الأخير". تفيدنا إشارة فوكو إلى العمليات التي تقوم بها السّلطة السياسيّة، على المستوى الخطابيّ، من أجل ترويض الجموع والنّاس وتجنيدهم في سلكٍ معيّن ترسمه الدولةُ، أو الجماعةُ، أو أيّ تنظيم له هدفٌ أيديولوجيّ معيّن. فعلى المستوى العمليّ، لا ينفصلُ الخطاب البلاغيّ الرهيب عن السّلطة التي ينتجها، سواء على المستوى الماديّ أو المستوى الرمزيّ.

ولذا، يرتبط دائماً مفهوم الإرهاب في أذهاننا بالسّلطة، والقوة الماديّة، وبقيّة تلك التصورات المرتبطة بالإرهاب من حيث هو قوّة وفعل. بيد أنّ علينا أن نُولي اهتماماً للخطابات السياسيّة للسلطة والتدبّر فيها، وكيف للسّلطان –بمفهومه العام- هذا الإرهاب البلاغي في خطابته السياسيّة. ولا بدّ من التوضيح بدايةً بشأن تأثير اللغة، وأنّها قادرة على تمرير ما هو سلطوي وفاشي من خلال خطاب "جميل" بلاغي، يستهدف اللاواعي فينا. فأنْ يخطبَ سياسيّ، فعليه بقدرٍ ما أن يرصّع خطابه بجماليات غالباً ما تكون حجاباً للقيم السلطويّة التي يبثّها في تلك الخطبة أو في هذا المنشور.

الخطاب الجميل هو أشدّ خطورةً من الخطابات المباشرة لأنّه يستطيع أن يستلب المتلقّي من خلال مجازاته

إنّنا ننظر إلى "الجميل" دائماً على أنّه محايد، فجماله مُفرَغ من أيّة سلطوية يمارسها على عقولنا. والحقيقة، أنّ الخطاب الجميل هو أشدّ خطورةً من الخطابات المباشرة؛ لأنّه يستطيع دائماً أن يستلب بجماله المتلقّي من خلال مجازاته، كما أنّه يُعيد ترتيب القيم وفقاً للأيديولوجيّة السياسيّة للسياسي.

فـ"الجميل" في حدّ ذاته سلطة كبيرة؛ ذلك أنّه ليس يعمل فقط على الكامن فينا واللاواعي، بل لأنّه قادر كلّ مرّة على إنتاج قيم وتصوّرات عن العالَم والآخرين والذات تترسّب زمنيّاً وتكوّن منظومة تصوّريّة صلبة، ويُظنّ فيما بعد أنّها عقلانيّة أو تم إنتاجها تاريخيّاً بوعي من الأمّة أو من هذا المجموع.

إنّ خطورة "الجميل" أنّه لغوي وخطابي، ويكتسب سلطته من شرعيته الرّمزيّة بوصفه قولاً فوقَ طبيعيّ لا يقدر عليه سوى "القلّة" من النّاس؛ الشعراء، الكتّاب، السياسيين -بوصفهم منتجي جماليات للقول السياسي-. وهذا الجميل لا يقف عند مستوى تلك الطّبقة أو النخبة الثقافية أو السياسية، فخطاباتنا نحن ملأى بالجميل غير المفكّر فيه؛ فإنّنا نبني أقوالنا بالاستعارة بلا وعيٍ منّا، ويبدو أنّ اللغة مدرّبة على ذلك منذ وجودها.

السياسي في خطاباته "الجميلة" ينتج ما يمكن تسميته "عمًى سياسيّاً"؛ لأنّ الخطبة السياسية تتشكّل ضمن ما أسماه بورديو "اللغات المسموح بها"؛ أي إنها تقول ما ينبغي قوله أيديولوجياً، وتسكت عن المحرم؛ أي الذي لا ينبغي قوله. والخطبة السياسية هي خطبة منتهكة للرمز؛ إذ تحول الكلمة من يوميّها الطبيعي إلى رمز ما، فتتحول إلى لغة أيقونات رمزية وليست لغة طبيعية؛ فالخطبة توظف التاريخ والأحداث المجردة لتنقلها إلى ساحة الأيديولوجي والحزبي والسياسي. والخطبة السياسية ذات لغة داخل اللغة، لها تداولها الخاص، والكثير يجهل هذا، فينجرف في تصفيق عاطفي نظراً لقياسه لغةَ الخطبة على لغته العادية، اليومية. ولهذا يحرص كل خطيب سياسي أن يضيف مؤثرات لغوية، لتقوم بعملية "عمى سياسي" للمستمع، مُخفيةً الأنساق السياسية التي خرج منها الخطاب.

أن تصفّق للسلطة يعني أنّك وقعت في هواها وأن تسائلها يعني أنّك فكّرت فيما قالت والهوى لم يمسّك

لا يكتفي السياسيّ بإنتاج طبقة من "صنّاع الجماليات" كحاشية رمزيّة له، بل هو ينتج الجماليات في خطابه السياسيّ بالأساس. فالخطاب السياسي -مهما كان- هو خطاب؛ أي لُغة، وإذا كان لُغة فهي مهجوسة بالاستعارة والمجاز؛ أي مهجوسة بالجميل، والبعيد، والطريف. وليس من العقل أن ندعو إلى خطاب سياسي لا جمالي، فإنّ هذا مطالبة بالمحال؛ لأنّ الجمالي يخترقنا. وإذا طلبنا هذا المطلب، فإنّنا نطلب من المتكلّم ألا يتكلّم باللغة التي نعرف.

إن نشوء الطاغية تسببه اللغة بالأساس؛ فالجماهير لا تعرف أن الطواغيت يستبدون باللغة، كما يستبد الشاعر بها أيضاً، ويقوم بإرهاب بلاغي، فيكتسب السلطة الرمزية على الجماهير من خلال القول. ويبدو أن الوعي العربي المعاصر مطعون بالرئيس-السلطوي، ولا يؤمن إلّا بالسياسي الذي يقوم بهذا الإرهاب البلاغي في خطاباته، والذي يهزم الجموع بلغته.

لذا؛ فالوظيفة الأساس للسّلطة هي إنتاج البلاغة، حتى إنّ الفاشيّة نفسها صارت تقدّم سياسيّاً بالبلاغة. إلّا أنّ هذه البلاغة التي تنتجها السّلطة يمكن التفكّر فيها بوصفها نموذجاً عقليّاً يحيل على تصورات تلك السلطة عن نفسها وعمّن تكون. لا شكّ أن الخطاب هو تصوّر المخاطِب عن نفسه، وهو القول المتفلّت لكلّ ما لا يتكلّم فينا. فالسّلطة ترسم وظيفتها من خلال قولها عن نفسها، وذلك القول قد يكون أخلاقيّاً أو تنظيميّاً... أي إنّ الخطاب السياسي يجيب على سؤال: "ما هي السلطة؟"، و"ما هي طبيعة عملها؟".

الوظيفة الأساس للسّلطة هي إنتاج البلاغة، حتى إنّ الفاشيّة نفسها صارت تقدّم سياسيّاً بالبلاغة

وحتى نكون أكثر عمليّة، فلنتذكّر دائماً أن العمليّة السياسيّة هي عمليّة تنصبّ على الوسائل وليست على الغايات. بمعنى آخر؛ العمليّة السياسيّة تهتم بالراهن وبالظرف وبالمشاكل الاجتماعيّة الموجودة في بلدٍ ما، ولا تهتم بغايات ما وطنيّة أو تاريخيّة. وعندما تتحوّل السلطة للتركيز على الغايات، فإنّها في الحقيقة تريد تبرير فشل وسائلها وعدم قدرتها على مواجهة الراهن. ويمكن تلمّس ذلك في خطابات السياسة العربيّة التي تحيل دائماً إلى غايات عليا: "الوطن"، "الحدود"، "الأمن"، "الاستقرار"... فأصبحت العمليّة السياسيّة إخفاءً مقنّعاً لفشل السلطات بالإحالة إلى غايات متوهّمة. ما أريد قوله من هذه الملاحظة: علينا ألّا نُستلب لجمال الخطاب السياسي الذي يركّز على الغايات، علينا ألّا نؤمن بـ"الوطن السياسي" وبـ"الأمن" الذي يصدّره الرئيس السلطوي الذي حوّل منظومة السياسية إلى منظومة غايات كي يكتسب شرعيّة متوهّمة تسمّى وطنيّة.

وأيضاً، عودة إلى فوكو مرّة أخرى، علينا أن نتذكّر وصيّته حينما قال: "لا تقع في هوى السلطة". ويمكنني هنا أن أقول: إنّ البلاغة هي هوى السّلطة، هذا الهوى الذي علينا ألّا نقع فيه، ليس بإلغائه بمطالبة السلطة بخطاب محايد، بل بالوعي به وبتحليله والاهتمام به والاشتغال عليه ودراسته. أن تصفّق للسلطة يعني أنّك وقعت في هواها، وأن تسائلها يعني أنّك فكّرت فيما قالت وأن ذلك الهوى لم يمسّك. هل يمكن أن نقول إنّ وظيفة المثقّف هي كشف هوى السّلطة؟ ربّما. ربّما يكون ذلك مشروعاً أيضاً في عصر تغوّل اللسانيات، حيث اللسانيات تخترق كلّ خطاب لتسائله وتحلّله. وأخيراً، صار المثّقف مشتغلاً بالخطاب من حيث لا يعي؛ أي صار يحلّل الخطابات السياسيّة ليزيح عنها أقنعة التخفي وهذا العماء الملثّم والمتخفّي فيها.

الصفحة الرئيسية