الطيب صالح جعل أبطاله يقاومون الاستعمار بالغزوات العاطفية

الطيب صالح جعل أبطاله يقاومون الاستعمار بالغزوات العاطفية

مشاهدة

23/05/2020

"يبدو لي أحياناً أنّ البشرية تائهة وأنا تائه معها"

- الطيب صالح.

كثيراً ما يقولون إنّ طمي النهر مشبع دوماً برائحة الحياة، فعلى ضفافه تتناثر عديد الحكايا التي حطت رحالها مع الفيضان المقدس منذ آلاف السنين، ينحني النهر في تدفقه نحو الشمال وقد فقد الكثير من عنفوانه، لكنه لم يزل قادراً على منح الحياة أينما حل، عند خاصرته المنحنية تنشأ "كرمكول"، واحدة من آلاف القرى التي وهبها النيل سر الخلود، حيث تختلط أحاديث العابرين بوشوشات الطبيعة، في نسق استثنائي تكتمل به سردية هذا التعالق بين النهر والإنسان.

امتلك  الطيب صالح جرأة طرح التساؤلات الصعبة وجرأة الاجابة عنها وجرأة التحليق خارج مسارات السرب

في العام 1898 دخل القائد البريطاني "كتشنر"، العاصمة السودانية الخرطوم على رأس جيشه، لتسقط دولة الدراويش المهدية، وتتواصل المعارك هنا وهناك على ضفاف النهر، ثورة تلو الأخرى، مذبحة هنا ومجاعة هناك، تعقبها أوبئة تتحالف مع الفقر والمرض، لتزيد أوجاع السودان الواقع تحت ضغط التبعية لمصر، وقبضة الاستعمار البريطاني الثقيلة.

ميلاد من رحم ثورة لم تكتمل

في الثامن من آب (أغسطس) لعام 1924، حمل طلبة الكلية الحربية في السودان بنادقهم في تظاهرة صاخبة، احتجاجاً على إبعاد القوات المصرية عن السودان، وسرعان ما انفجرت الثورة، لتأخذ الأحداث منحى صدامياً عقب اغتيال السيرلي ستاك سردار الجيش سردار الجيش المصري وحاكم السودان العام، وفي تشرين الثاني (نوفمبر) كانت الفرقة (11) السودانية تخوض معركة دموية غير متكافئة ضد الجيش البريطاني، في محاولة لعبور النيل الأزرق، وفك الحصار عن فرقة المدرعات المصرية بالخرطوم، لتنتهي الثورة ببسط بريطانيا سيطرتها الكاملة على السودان.

على ضفاف النيل ينشأ الطيب صالح، ليصنع بين أجواء الطبيعة عالمه الذي يشعر معه بالانتماء

وفي العام 1929، انتهت آخر هبات النوبة، ليسود بعدها صمت حذر أنحاء السودان. في العام نفسه، أنهت بريطانيا ترتيبات اتفاقية تقسيم مياه النهر في منطقة حوض النيل بالوكالة عن بلدانه المحتلة التي يعبث الاستعمار بمقدراتها، ويمارس نهباً منتظماً لثرواتها. في تلك الآونة، وفي "كرمكول"، تشق صرخة خافتة في ذلك البيت الطيني البسيط، أجواء الصمت، حيث يخرج الطيب صالح إلى حياة برائحة طمي النيل، ومذاق الفقر الذي خلفته سنوات الحرب والاستعمار، لكنّ كل هذا لم ينل من روح المكان، فالحياة دوماً عند ضفاف الأنهار تعرف طريقها جيداً مهما كانت التحديات.

على ضفاف النيل ينشأ الطيب صالح، ليصنع بين أجواء الطبيعة عالمه الذي يشعر معه بالانتماء: "ذلك هو العالم الوحيد الذي أحببته دون تحفظ، وأحسست فيه بسعادة كاملة وما حدث لي لاحقاً كان كله مشوباً بالتوتر". ويسهب في وصف تأثير المكان على تشكل شخصيته فيقول: "في جنبات الطبيعة في هذه البيئة بدأت مسيرة حياتي، ورغم أنني تعرجت في الزمان والمكان بعد ذلك، لكن أثر البيئة لا يزال راسخاً في أعماقي، وأعتقد أنّ الشخص الذي يطلق عليه لفظ كاتب أو مبدع يوجد طفل قابع في أعماقه، والإبداع نفسه فيه البحث عن الطفولة الضائعة، حين كبرت ودخلت في تعقيدات الحياة، كان عالم الطفولة بالنسبة لي فردوساً عشت خلاله متحرراً من الهموم، أسرح وأمرح كما شاء لي الله، وأعتقد أنه كان عالماً جميلاً".

اقرأ أيضاً: فؤاد زكريا مؤذّن العقل في مالطا التعصب

كعادة الصغار آنذاك، يحفظ القرآن في كتاب القرية الصغير، قبل أن يتم تعليمه الابتدائي، ومع ظهور علامات التفوق عليه، يرسله أبوه ليتابع دراسته الثانوية في واحدة من المدارس الإنجليزية بأم درمان، حيث أظهر نبوغاً في دروس الشعر والأدب، ورغم محاولات المستر "لانج" توجيهه لدراسة الآداب، إلا انّ مؤثرات الطفولة على ضفاف النيل دفعته لدراسة الزراعة، لكنه في الجامعة اكتشف عدم قدرته على مواصلة دراسة العلوم، فقطع دراسته بكلية الخرطوم الجامعية التي التحق بها في العام 1949، ليعمل مدرساً للغة الانجليزية في إحدى المدن الصغيرة بالسودان الأوسط.

أسطورة الكهف الأفلاطونية

الخروج من الكهف

في أسطورة الكهف يتصور أفلاطون وجود أناس، قيدوا بأغلال، يعيشون في كهف تحت الأرض، يفتح على ممر طويل في آخره نور، حيث ظل هؤلاء منذ نعومة أظافرهم لا يستطيعون التحرك، أو رؤية أي شيء سوى ما يقع أمام أعينهم، تمنعهم الأغلال من إدارة رؤوسهم، بينما تتأجج من خلفهم نار، ولا يرون شيئاً غير الظلال التي تلقيها النار على حائط منخفض يوجد في مواجهتهم، بحيث لو أرغمنا أحدهم على أن ينهض فجأة، ويدير رأسه، ويسير نحو النور الحقيقي، فإنه سوف يعاني آلاماً حادة، ولن يتمكن من فتح عينيه بسهولة، إلى حد يعجز معه عن رؤية العالم الذي كان يرى ظلاله من قبل، فهو ينتمي إلى عالم الظلال، ويراها وحدها الوجود الحقيقي. إنّ أولئك الذين ولدوا وعاشوا في الكهف، لا يعرفون وجود حياة خارجه، ويعتقدون أنّ العالم فقط ينحصر في هذا الفراغ الموجود بين جنبات هذا الأسر الأبدي.

في موسم الهجرة تتمظهر ثنائية الشمال/ الجنوب في شكل عالمين يتوازيان تتخلق من خلالهما ثنائيات الحب والكراهية والعقل والعاطفة

لم يكن الأمر يتطلب من الطيب صالح سوى فتح كوة صغيرة، ومن ثم الخروج إلى فضاء أكثر اتساعاً، حيث قرر وحده أن يبحث عن طريقه، ويفتح نافذة صغيرة يطل منها على عالم الشمال، قبل أن تستهويه المغامرة، فيغادر كهفه إلى الأبد.

يهاجر الطيب صالح إلى بريطانيا في شتاء عام 1953، ليلتحق بالعمل في القسم العربي بهيئة الإذاعة البريطانية، وكان قد انتهى، في العام نفسه، من قصته القصيرة الأولى "نخلة على الجندول"، والتي تستعيد ذلك الحنين الجارف إلى النهر وإلى عالم "كرمكول".

حط عصفور الجنوب رحاله في أقصى الشمال، الذي قابله ببرودة لم يعرفها من قبل، ليدرك أنّ "كرمكول" لم تكن مثل كهف سقراط، وأنّ ظلالها الوارفة تمثل لروحه القلقة سحراً لا يمكن الاستغناء عنه، كان الجليد المتراكم على الجنبات، وتلك النوافذ المغلقة دوماً في شتاء لا يرحم، أمراً جعله يدرك أنّ مغامرته بدأت بالفعل، وأنّ عليه مواصلة التحدي، على الرغم من شعوره الجارف بالرهبة والحنين إلى الجنوب؛ عن تلك الأيام الأولى يقول: "جئت إلى بلد لم أكن أرغب فيه، لأعمل عملاً هو كذلك ليست لي رغبة فيه، تركت الأهل والأحباب والدور الفسيحة، لأجد نفسي داخل غرفة صغيرة برودتها لا تطاق، في بلد غريب بين قوم غرباء".

في لندن، عكف الطيب صالح على دراسة الآداب والفنون، وعرف طريق المسارح الكبرى

في لندن، عكف الطيب صالح على دراسة الآداب والفنون، وعرف طريق المسارح الكبرى، يلتمس بين جنباتها عالماً عرف من خلاله طريقه أخيراً نحو عوالم الحكايا، ودنيا الأدب اللانهائية. رويداً رويداً، اعتاد عالم الشمال، ليصبح رئيساً لقسم الدراما بهيئة الاذاعة البريطانية، وتزوج من شقراء لندنية من أصل اسكتلندي، لكنّ روحه كانت ولم تزل تنتمي إلى الجنوب الدافىء وضفافه التي لا تتوقف عن النبض بالحياة، حيث شكلت معطيات الجنوب معالم كتاباته، التي عرفت طريقها إلى كبريات المجلات الإنجليزية مثل:"حفنة تمر"، و"دومة ولد الزين"، وفي العام 1964 كتب روايته الطويلة الأولى"عرس الزين" .

 روايته الأشهر "موسم الهجرة إلى الشمال"

موسم الهجرة إلى الشمال

في العام 1966 خرجت روايته الأشهر "موسم الهجرة إلى الشمال" إلى النور، حيث طرح فيها هذا الجدل في العلاقة بين الشمال والجنوب على القارئ العربي، بعد أعوام من أفول الاستعمار الغربي، من خلال البطل "مصطفى سعيد"، حيث الوطن القابع تحت نير الاحتلال يمثل بالنسبة له صورة من كهف أفلاطون، يستحيل معها العالم المحسوس في الشمال إلى هدف للانتقام، بحيث تتمظهر ثنائية الشمال/ الجنوب في شكل عالمين يتوازيان، تتخلق من خلالهما ثنائيات أخرى متعددة، كالحب والكراهية، والعقل والعاطفة، فتحيلنا هذه التناقضات الحادة إلى موقف آخر أكثر إشكالاً، يجسده التيه الذي يعانيه بطل الرواية، فعلى الرغم من نبوغه العلمي ونفوره من جهل الجنوب، ومكانته التي حصل عليها في الشمال، إلا أنّ دوافع الانتقام التي جسدتها غزواته العاطفية، تورطه في قضية تضع عقله أمام كل تناقضات ذاته، بحيث لا يجد الخلاص من إكراهات الواقع سوى بالهجرة العكسية، والعودة مرة أخرى هروباً إلى الجنوب، قبل أن يبتلعه النهر في موسم الفيضان، ليحصل أخيراً على خلود من نوع آخر.

رحيل عصفور الجنوب

وكأن الطيب صالح، وبجرأة متناهية، يضع نفسه قبل القارئ في قلب الصراع، يصارع في ذاته بعضاً من مكونات "مصطفى سعيد"، في سردية يتحول فيها التضاد بشكل دائم إلى نوع من الاشتباك اللحظي، الذي يؤدي وظيفته في النهاية لصنع رؤية متكاملة لا تناقض فيها ولا تضاد.

اقرأ أيضاً: تيسير السبول: سار مع الوهم وانتحر بعد هزيمة العروبة

في شتاء شباط (فبراير) لعام 2009، يموت عصفور الجنوب حيث هاجر، حيث نفس الجليد الذي استقبله منذ أكثر من نصف قرن، عله كان أكثر دفئاً وهو يودع أديباً عربياً امتلك جرأة طرح التساؤلات الصعبة، وجرأة الاجابة عنها، وقبل ذلك كله جرأة التحليق خارج مسارات السرب، قبل أن يدفن في مسقط رأسه، مدوّناً موسم الهجرة إلى الخلود.

الصفحة الرئيسية