عبد الواحد النبويّ: قادرون على البناء رغم المحن الشديدة

5416
عدد القراءات

2018-09-06

أجرى الحوار: سامح فايز


تحظى الثقافة بدور كبير في عملية البناء في مصر التي ستعتمد في المقام الأول على بناء الإنسان المصري، في محاولة لاستعادة الهوية المصرية التي يرى محللون أنها تأثرت بشكل سلبي، عقب أحداث يناير 2011، نتيجة "ثورات الربيع العربي".

لتجلية هذا الأمر، حاورت "حفريات" وزير الثقافة المصري الأسبق، وأستاذ التاريخ المعاصر بجامعة الأزهر، الدكتور عبد الواحد النبوي، في محاولة لاستكشاف معالم إعادة البناء على المستوى الثقافي في الفترة المقبلة، ودور الثقافة أيضاً في تنمية المنطقة العربية ككلّ؛ إذ يرى النبوي أنّ بناء الشخصية، لتكون مؤهلة للتعامل مع المستقبل بكل علومه، يستدعي التركيز على عاملين رئيسين هما: التعليم والثقافة، مؤكداً " قادرون على البناء رغم المحن الشديدة".

هنا نص الحوار:

أعلنت الحكومة المصرية؛ أنّ المرحلة الثانية من حكم الرئيس عبدالفتاح السيسي، تهتم ببناء الإنسان المصري في المقام الأول، على مستوى التعليم والثقافة والصحة، لماذا لم تكن تلك المحاور أولوية للحكومة في الفترة الأولى من حكم الرئيس؟

ما بعد 30 حزيران (يونيو)، كان لدينا مواجهات ومخاطر ضخمة، منها: أنّ الحدود الأربعة للدولة المصرية كانت ملتهبة، أضف إلى ذلك الالتهاب الداخلي، مثل وجود جماعة مرفوضة من المجتمع ككلّ، تحاول إعادة نفسها للمشهد مرة أخرى، ثانياً: لدينا أناس اعتلوا تيار المعارضة والرفض من أجل الرفض، دون فهم متطلبات المرحلة، وهؤلاء يمثلون البعض ممن تنطعوا، ولم يفهموا أعباء السلطة، ثالثاً: الكتلة الكبيرة من الشعب المصري المؤيدة للنظام الحالي تنتظر آمالاً كبيرة، لذلك كانت المسألة الأهم للرئيس هي تثبيت الدولة المصرية؛ من خلال استعادة الأمن بشكل جيد، وبثّ الطمأنينة والاستقرار في نفوس المجتمع المصري، وإعطاء رسالة للخارج أنّ الدولة المصرية تستعيد كيانها بشكل قوي، وأنّ هناك سلطة تدرك ما هو دور مصر في هذه المرحلة، وبالتالي يتم إيصال رسالة مفادها؛ أنّ مصر تستعيد دورها المحوري في هذه المنطقة من العالم مرة ثانية، وبالفعل نجحنا بنسبة 80% في تحقيق ذلك، من استعادة الاستقرار، واستعادة الأمن بشكل جيد، أيضاً تقليم أظافر الجماعة الإرهابية التي تريد أن تأخذ المجتمع المصري إلى منطقة بعيدة عمّا كانت عليه، أو ما هي عليه مصر.

♦ إعادة الاستقرار وثقة المواطن

الحدود الأربعة للدولة المصرية كانت ملتهبة

هل معنى تلك الرؤية؛ أنّ ضبط الوضع الأمني للدولة أهم من العمل على ملفات أخرى مثل؛ الثقافة والصحة والتعليم؟

أولاً: لم يكن الأمن فقط، المحاور الخاصة بإعادة الاستقرار وثقة المواطن مسألة خطيرة، فعندما نقدم مشروعاً مثل؛ قناة السويس الجديدة، نؤكد للعالم أنّ الشعب المصري قادر على البناء في ظلّ المحن الشديدة. جميعنا يتذكر أزمات الكهرباء كنموذج، أما الآن فقد أصبح لدينا فائض من الكهرباء، أيضاً التنوع في مصادر الطاقة؛ لدينا الآن طاقة شمسية، وطاقة بالغاز، والمازوت، وطاقة بالفحم، والآن يتم العمل على الطاقة النووية في محطة الضبعة. الاستعادة أيضاً تتمثل في تأهيل البنية التحتية للدولة المصرية، حتى تصبح جاذبة للاستثمار.

اقرأ أيضاً: حروب الشمس: الصراع على الطاقة في العالم العربي

من وجهة نظري؛ أرى أنّ فترة 4 أعوام للمرحلة الرئاسية قليلة على الإنجازات المقدَّمة خلالها، لقد سارت مصر في عدة مستويات إصلاحية بالتوازي في قطاعات مختلفة، يجب أن نعرف أيضاً أنّ المنطقة كانت تُرسم ويعاد ترتيب أوراقها بعيداً عن مصر، لكنّ مصر تمكّنت من استعادة دورها، وذلك نتيجة العمل على الملف الخارجي بالتوازي مع العمل على الملف الخارجي، من أجل استعادة الثقة لدى أطراف أوروبية، وآسيوية، وإفريقية. 

تيار المعارضة المصرية له وجهة نظر مختلفة تشير إلى تراجع الأوضاع في مصر على مستويات مختلفة، وهي رؤية تخالف الطرح الذي تقدمه..

انظر إلى البيانات الصادرة عن الخارجية الإيطالية، والإسبانية، والفرنسية، واليونانية، وجميع الدول المحيطة، في الفترة التي أعقبت تولي الرئيس عبد الفتاح السيسي للحكم، ستجدها بيانات ضدّ النظام الموجود، أما الآن؛ فلتقرأ الخطاب السياسي، الغربي والشرقي، تجاه مصر، يكفي أن تعلم أنّ عضوية مصر في الاتحاد الأفريقي تمّ تعليقها، ومنعت مصر من حضور اجتماعاته، أما حالياً، فنحن رؤساء الاتحاد الإفريقي، أيضاً علقت عضويتنا في منظمات أخرى كثيرة، هنا يتضح أنّ استعادة الثقة ليست بالمسألة السهلة، من جانب آخر؛ هناك عدوّ يعمل على تلك الدول نفسها، يسعى للتشهير بك، وتصدير صورة سلبية عنك، يبدو أنّ الناس تناست البيانات التي كانت تصدر عن الخارجية الأمريكية بحظر سفر الأمريكيين للقاهرة، وتكرّر الحظر مع دول أخرى، مثل إيطاليا وبريطانيا، جميعها تحديات واجهتها مصر وتناساها الناس الآن، أيضاً منظمات التمويل الدولية كانت ترفض التعاون معنا حتى استقرار الأوضاع في القاهرة، تصنيفنا الاقتصادي تهاوى لدرجات سيئة جداً، أما الآن؛ فالوضع اختلف تماماً، وارتفع التصنيف لدرجة آمنة، وليست استعادة الثقة هي مكسبنا فقط الآن، أيضاً أصبحت مصر عنصراً رئيسياً في التفاوض والمباحثات فيما يتعلق بالمنطقة.

♦ بناء الشخصية المصرية

كيف تفسّر مدى أهمية رسالة الرئيس بالعمل على بناء الشخصية المصرية من جديد خلال الفترة الرئاسية الثانية؟

مسألة التطرف الموجودة الآن، التي لا يقصد بها فئة معينة، بل تطرف جميع التيارات المحيطة بك، وتطرّف الأشخاص العاديين غير المنتمين لأيّ تيّار داخل المجتمع، التسامح في التعامل بين الناس لم يعد موجوداً؛ فالهوية المصرية قائمة على التسامح، على البناء وليس الهدم، لذلك فأهمية العمل على بناء الشخصية المصرية مؤشر مهمّ؛ لأننا نعمل على إعادة ترسيخ فكرة قبول الآخر، فالاختلاف في الرأي لا يعني حمل مواطن السلاح من أجل فرض رأيه على الآخرين، من ضمن بناء الشخصية أيضاً أن تكون مؤهلة للتعامل مع المستقبل بكل علومه، ومن أجل بناء تلك الشخصية بهذه المواصفات؛ يجب أن نركز على عاملين رئيسين هما: التعليم والثقافة، بالتالي، يحب إعادة بناء المناهج التعليمية مرة أخرى؛ لذلك مسألة التعليم يجب أن يعاد النظر فيها بالكامل، ولتفعيل ذلك لا يتعين أن يكون التخطيط للتعليم داخل الغرف المكيفة، أو أن نستورد برامج تعليمية ونطبقها على هذا المجتمع كما هي؛ فالبرامج التعليمية يجب أن تكون نتيجة لحاجة المجتمع، بمعنى آخر؛ حين الحديث عن التعليم وتطوير برامجه لا يجب أن أتناسى آخر مدرسة في آخر نجع في أسوان، أو السلوم، أو رفح، يجب أن أعرف أولاً ما هي إمكانات تلك المدارس وبنيتها التحتية، بشكل شخصي؛ أعرف مدارس تجاوز عدد طلبة الفصل الواحد فيها 120 طالباً، فعند تطوير التعليم يجب أن ننتبه لعدة محاور، مثل المناهج، والمدرّس القائم بعملية التطوير، والطالب متلقى المنهج، والبنية التحتية.

عندما قررت الدولة خوض مرحلة تطوير مناهج التعليم بالكلية، هوجم التطوير بشكل شرس جداً من المواطن ومؤسسات المجتمع المدني وتيارات المعارضة، كيف ترى ذلك المشهد؟

أولاً: يجب أن أضيف إلى سؤالك أنّ هناك أناساً عاديين من عامة الشعب انتقدوا هم أيضاً ذلك التطوير، مع الوضع في الاعتبار؛ أنّ هناك حالة من عدم الرضا على مشروع التطوير، فهناك أيادٍ تستغل ذلك الرفض، وسبب عدم الرضا هنا أنّك لم تنتبه أثناء التحضير لمشروعك أنّ 70% من سكان المجتمع المصري يعيشون في الريف، والأماكن البعيدة عن العاصمة، كان من الأوْلى أثناء التحضيرات للمشروع أن نذهب إلى القرى، ونشاهد وضع البنية التحتية لمؤسسة التعليم داخلها. جميل أن يكون هناك تطوير للتعليم يستخدم فيه التكنولوجيا الحديثة، وتزويد الطلبة بهواتف ذكية، لكن تناسينا أنّ البنية التحتية لتلك المدارس لا توجد بها شبكات إنترنت من الأساس، أو أنّ خدمات الهواتف تعاني مشكلات، هنا تجب إعادة النظر في البنية التحتية، فليس التطوير فقط أن نقوم بتغيير الأفكار أو تزويد الطلبة بهواتف ذكية، ما سبق جزء في عملية التطوير، أيضاً مهمّ جداً في عملية التطوير؛ أن يكون المحتوى المقدَّم ملائماً للمجتمع المصري، ويجب أن يقتنع المجتمع، أولاً، بذلك المحتوى، وحدوث ذلك كان في حاجة إلى أن يذهب وزير التعليم إلى تلك القرى ليستمع إلى الناس.

♦ دور الثقافة

 الثقافة هي أداة النظام السياسي ليحقق النقلة الحضارية

ما هو تحديداً دور منظومة الثقافة في الفترة المقبلة، على مستوى الهدف أو السياسات الثقافية المناسبة للمرحلة؟

دور الثقافة هنا؛ أن تهيّئ المجتمع لكلّ حركات التحديث في الوطن، فأجهزة الثقافة المتاحة؛ من مسرح، وسينما، وفنّ شعبي، والمجلس الأعلى للثقافة، والهيئة العامة لقصور الثقافة، وقطاع الفنون التشكيلية، يجب أن تعمل ضمن خطة قومية للاشتغال على ذلك الهدف.

النبوي: لا توجد آلية واضحة للنشر الحكومي في مصر والدعم لم يكن معلوماً على أية نوعية من الكتب يصرَف

وجهة النظر التي عملت عليها أثناء عملي في الوزارة؛ أنّ الثقافة هي أداة النظام السياسي ليحقق النقلة الحضارية والتحديث المستهدف، وذكرت ذلك في تصريحات صحفية؛ أننا نعيش نظاماً جديداً يبني مصر جديدة، ودور الثقافة هنا إرسال تلك الرسالة من خلال أدواتها للمجتمع. مثلاً: أثناء وجودي كوزير للثقافة كلّفت المركز القومي للسينما بأن يتابع عمليات حفر قناة السويس، مرحلة مرحلة؛ لأنّ المركز من مهامّه الأولى تسجيل مثل تلك الأحداث.

لماذا نشعر دائماً بأنّ هناك فجوة واضحة بين المثقف والمواطن العادي في الشارع؟

جزء من ذلك عائد إلى اعتقاد المثقف بأنّ عليه تسجيل فكره دون الاهتمام بوصوله للمتلقي من عدمه، أيضاً ربما يكون النتاج الفكريّ للمثقف غير مناسب للمرحلة التي يعيشها. بمعنى آخر؛ بعضهم في أحيان كثيرة يكون منفصلاً عن المجتمع، في مرحلة ما نظمنا عدة فعاليات ثقافية لمحاربة الإرهاب في محافظات مصر المختلفة، وقدمنا قرابة 30 قافلة ثقافية توجهت إلى تلك المحافظات، للأسف؛ بعض المفكّرين المدعوّين لهذه القوافل الثقافية، اعتذروا عن المشاركة لمجرّد أنّ السيارة المكلفة بنقلهم لمكان الفعاليات تأخرت بضع دقائق عن موعدها. نعتذر عن التأخير، بالطبع، لكنّ المثقف يجب أن يدرك، بدايةً، أنّ مواردنا المتاحة في مصر ضئيلة. والقصد من المثال هنا؛ أنّ البعض لا يريد أن يكلف نفسه بعض العناء، أو أن يصبر على التجربة.

♦ هل المثقف حجر عثرة؟

على المثقف أن يعي طبيعة المرحلة التي تمرّ بها مصر

هل معنى ذلك أنّك ترى أنّ المثقف أصبح حجر عثرة في طريق التنمية؟

على العكس؛ أرى أنّه أكبر عامل مساعد، لكنّ يجب أن يعي، في المقام الأول، طبيعة المرحلة التي تمرّ بها مصر، أن يعرف مشكلات المرحلة ومتطلباتها، ثانياً: يجب أن نصبر قليلاً حتى نصل إلى نهاية التجربة.

الطرح الذي تقدمه يعتمد على ولاء المثقف لأهداف السلطة التنموية، بالشكل الذي يجعله يقف في الصفّ نفسه مع النظام الحاكم، علماً بأنّ العبارة المشهورة التي يرددها المثقف دوماً؛ أنّه يجب أن يكون على يسار السلطة دعماً للطبقات الفقيرة والكادحة؟

السلطة الحاكمة الآن؛ هي سلطة وطنية، وإن لم تكن وطنية فلتقف على يسارها أو يمينها، لا توجد مشكلة، لكن من صكَّ تلك العبارة؟! فهل نقدّم عبارات ثمّ نسير خلفها دون تفسير، لا اعتراض أن تقف على يسار السلطة دعماً للطبقات الفقيرة والكادحة، لكن ذلك يتم عندما تجد أنّ النظام لا يدعم مثل تلك الطبقات، ولك الحقّ، في ذلك الوقت، أن تخبره بخطأ منهجه في الحكم، وفي النهاية جميعنا وطنيّون، لكن أعود وأقول مرة أخرى؛ يجب أن تعي المعارضة طبيعة المرحلة التي نعيشها، أن تعي الصعوبات التي تهدّدنا كمجتمع ودولة، وفي النهاية جميعنا بشر والخطأ وارد، لكن يجب أن نقارن حجم الخطأ، وهل هناك نية لتصويب تلك الأخطاء أم لا، تلك مسألة مهمة. وفي النهاية؛ يجب أن ندرك أنّ هناك مشكلات ضخمة يعانيها المجتمع المصري الآن، فالمزاج المصري بدا مختلفاً، والسلوك المصري تغيّر، وعلينا مهمة في سبيل تصويب تلك المسارات المتعلقة بالفرد، وإذا كان لكَ تحفظات على النظام تحدّث معه، وقدّم رؤيتك، واستمع إلى رؤيته، وإذا شعرت بشكوكٍ في أنّه لا يعمل لمصلحة الدولة، هنا طريق المعارضة مفتوح أمامك، لكن أنا أثق بأنّ النظام الموجود نظام وطني من الدرجة الأولى، ولديه الكثير جداً من الحسنات، وإذا كانت عليه مجموعة من التحفظات، فجميعنا في النهاية بشر، ونستطيع أن نعيد النظر في تلك المسائل.

اقرأ أيضاً: هكذا عالج طلعت حرب الاقتصاد المصري

مثلاً؛ عندما كنت في الوزارة، اكتشفت أنه لا توجد آلية واضحة لمسألة النشر الحكومي، والدعم لم يكن معلوماً على أيّة نوعية من الكتب يصرَف، هيئة من هيئات الوزارة، مثلاً، كانت تصدر كتباً أعتقد أنّنا لا نحتاج سوى إلـى 10% من تلك العناوين.

الكلام في ظاهره؛ أنّ هناك موازنة مناسبة لوزارة الثقافة إلا أنّها تصرف في غير مكانها المناسب، علماً بأنّ 70% من موازنة الثقافة تذهب رواتب ومكافآت للموظفين، و11% فقط تصرف على الأنشطة؟

أختلف معك في ذلك، حدث أن قلت، خلال مؤتمر صحفي بعد أن توليت حقيبة الثقافة، إنّ الدولة أعطتنا ما يقرب من 460 مليون جنيه، واكتشفت، رغم قرب نهاية السنة المالية، أنّ هناك 260 مليون جنيه لم تصرف على أيّ أنشطة أو فعاليات، واستطعت في تلك الفترة البسيطة صرف 220 مليون جنيه، على فعاليات ثقافية، في حين أنّ هناك 9 شهور سابقة على ذلك لم تصرف فيها الوزارة سوى 200 مليون جنيه على الفعاليات الثقافية، مثلاً كانت هناك أماكن مغلقة أعدناها إلى العمل، ومشروعات لم تكتمل بعدُ أنهيناها، وهناك تعاقدات لم تتم فعّلناها. الدولة أعطتنا الموازنة، لكن كيف يكون لديك، كمسؤول، من النشاط والمتابعة أن تضع كلّ جنيه في مكانه المناسب.

♦ عشرة وزراء خلال سبعة أعوام

تعاقب على منصب وزارة الثقافة المصرية عشرة وزراء خلال سبعة أعوام، هل دلالة عدم الاستقرار في منصب الوزير أنّ أحداً منهم لم يقدّم سياسة ثقافية واضحة، أم أنّ البيروقراطية المتمثلة في دولة الموظف العميقة هي التي تعيق عملية التطوير؟

أودّ أن أشير إلى أنّ جميع من تقلدوا منصب الوزارة خلال تلك الفترة قادرون على إحداث تغيير، لكن هناك ما يمكن أن نطلق عليه "دولة الموظف العميقة"؛ التي ساهمت في إحداث قلق وبلبلة في وزارة الثقافة، فالمشكلة لم تكن مشكلة وزير؛ إنّما هي مشكلة تلك الدولة العميقة، يمكن أن تقول: "أصحاب المصالح"، أو هناك عداوة نشأت لمجرد أنّ الوزير جاء من أيديولوجيا مختلفة، أو أنه غير معروف لدى الآخرين، بالتالي؛ هو سيئ، من وجهة نظري، دون حتى أن أعطيه فرصة لإثبات أنّه الأفضل، إلى جانب أنّ الدولة كانت تمرّ بحالة من السيولة، بعد أحداث يناير، تسبّبت في توجيه نقد دائم للمسؤولين، بشكل مبالغ فيه وغير معتمد على وجهة نظر موضوعية.

باعتبارك أستاذ تاريخ معاصر ورسالتك للدكتورة كانت عن إمارات الخليج العربي، كيف ترى دور الثقافة أيضاً في تجاوز الأزمات التي تمرّ بها المنطقة ككل؟

الخليج أزماته محدودة؛ فدول الخليج جميعها خرجت من قلب الجزيرة العربية؛ فالخلفية الاجتماعية واحدة، وأيضاً الأعراف والتقاليد واحدة، ويجمعهم دين واحد، الأزمات الموجودة، نستطيع أن نقول إنّها توابع لأزمات حدثت في العالم العربي، سواء في مصر أو سوريا أو ليبيا أو تونس، إلى جانب أن هناك دولاً محيطة بالعالم العربي، بنت موقفها في الأزمات على أساس إمّا أن تكون حليفة، أو أن تقف على الجانب الآخر منه، مثل إيران وتركيا.

النبوي: التطرف الموجود الآن لا يقصد به فئة معينة، بل تطرف جميع التيارات المحيطة بك وتطرّف الأشخاص العاديين

تركيا مثلاً وقفت في صفّ "الربيع العربي"، من أجل أن تمدّ نفوذها مرة أخرى لما يطلق عليه الولايات، في محاولة لاستعادة مجد الدولة العثمانية، بأن تحتل تلك المناطق سياسياً، وترسّخ نفوذها في تلك الأراضي. أو إيران فترى أنّ التمدّد الطبيعي لها، فيما تسمّيه "الهلال الخصيب" يبدأ من إيران، مروراً بالعراق وسوريا، نهايةً بلبنان والأردن. كلّ دولة هنا تبحث عن مصالحها، في ظلّ تماسك المنطقة العربية، في فترة الثمانينيات والتسعينيات، لكن الآن تستطيع من خلال الثقافة أن تبشر؛ أنّه مهما كبر الخلاف فهو منتهٍ، استناداً إلى أنّ تلك المنطقة ذات طبيعة جغرافية واحدة، وتاريخ واحد، ولغة واحدة، ودين واحد، إن جاز التعبير.

منظمات التمويل الدولية كانت ترفض التعاون معنا حتى استقرار الأوضاع

لكن داخل ذلك النسيج الواحد توجد قطر؟

قطر تسعى لإحداث حالة من الاستقواء في سبيل الحفاظ على كيانها؛ خوفاً من أن تبتلعها دولة خليجية أكبر، على حدّ ظنّها، وهي تصريحات ردّدها مسؤولو قطر؛ لذلك، منذ العام 1995، بعد انقلاب حمد بن خليفة على والده، بدأت قطر في تحصين نفسها بعلاقات قوية.

اقرأ أيضاً: تقرير التنافسية 2018: الإمارات الأولى عربياً ومصر تتحسن وقطر تتراجع

هناك نظرية في العلوم السياسية تتحدث عن الحليف الإقليمي والحليف الدولي؛ تقول: إذا كنت في منطقة مضطربة، ولا تملك كياناً  كبيراً، لا بدّ من أن يكون لك حليف من داخل المنطقة؛ هو الذي سينقذك في حالة الأزمات، إلى أن يهبّ لمساعدتك الحليف الدولي، الحليف الأكبر، قوة من القوى العظمى، وهذا ما نفذته قطر في الأزمة الأخيرة، ولم تستند إلى حليف إقليميّ واحد، بل حليفين، إيران وتركيا، ثم وطدت علاقاتها بالحليف الدولي؛ وهي الولايات المتحدة الأمريكية، علماً بأنّ بناء مثل تلك التحالفات لم يبدأ اليوم، قطر بدأت بناء التحالفات منذ العام 1995، وهي تعي جيداً مسألة الحليف الإقليمي والدولي.

النبوي: وزير الدفاع القطري عرض توسيع قاعدة العديد الأمريكية في قطر هدية من الشعب القطري بمليار ونصف مليار دولار

إذاً؛ كيف يمكن أن تكسب الحليف؟ تكسبه بالاقتصاد، لذلك لو نظرنا إلى حجم الاستثمارات القطرية في تركيا، وفي إيران، وفي أمريكا، سوف يتضح المشهد؛ قطر تستثمر حالياً 10 مليارات دولار في البنية التحتية الأمريكية، قطر اشترت 10% من بنك "باركليز" البريطاني، و10% من شركة "بورش" للسيارات، اشترت مجموعة من المباني الضخمة والفنادق المهمة جداً في بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واشترت أندية رياضية، مثل "باريس سان جيرمان". تخيّل هذه الأموال كيف تؤثر في صانع القرار السياسي في تلك الدول.

♦ قطر وملفات التطرف

هل يمكن أن نعدّ ما سبق دليلاً واضحاً على دعم تلك الدول للجماعات المتطرفة لإحداث خلخلة لأنظمة الحكم في الدول الأخرى؟

هذا مؤكد، بلا شكّ، فالدعم القطري لتلك الجماعات لا يمكن إنكاره، أقلّ دليل أنّك تمنحهم نافذة إعلامية ضخمة للتعبير عن أفكارهم من خلالها، مثل قناة "الجزيرة"، إلى جانب المساعدات المادية والعينية، قطر تستقبل على أرضها مكاتب تمثيل سياسي لبعض جماعات الأفغان.

اقرأ أيضاً: هل أحرقت "حسم" السجون المصرية في أحداث يناير؟

وزير الدفاع القطري، في زيارة قريبة لأمريكا، عرض توسيع قاعدة "العديد" الأمريكية في قطر، هدية من الشعب القطري بمليار ونصف المليار دولار، حتى تكون هذه المنطقة مريحة ومؤهلة، وتضمن الاستمرار للمواطنين الأمريكيّين في بلدهم الثاني القطري، وكل ذلك من أجل أن تحافظ قطر على وجودها وبقائها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



نبيل نعيم: لم نقتل السادات بسبب الصلح مع إسرائيل

2019-10-17

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


يختلف المراقبون والباحثون كثيراً حول ظروف مقتل السادات. لكنّ شاهد عيان أكد لـ"حفريات" أنّ بعض المحامين المصريين ذكروا أنّ مقتل السادات كان بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، "ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية".

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
نبيل نعيم، أحد المؤسسين لتنظيم الجهاد بمصر، ثم تنظيم "القاعدة" يضع، في هذا الحوار، النقاط على الحروف، ويكشف ما جرى مع السادات، ويلقي الضوء على
نشأة تنظيم القاعدة، والدور الذي كان يلعبه الأفغان العرب.
هنا نص الحوار:
صف لنا الفترة الأولى وكيف كان التعارف بأيمن الظواهري وتنظيم الجهاد المصري؟

أنا والظواهري أبناء جيل واحد، هو جيل السبعينيات، وهي الفترة التي كنا نتردّد فيها على مساجد أنصار السنّة المحمدية، وكما تعرف، هي جماعة وهابية الأيديولوجيا، وكان الشيخ خليل هرّاس، في تلك الفترة، يدرّسنا كتب العقيدة، لكنّ الظواهري كان أسبق في الاطلاع على كتب سيد قطب، وكانت هذه الكتب في عهد الرئيس الراحل أنور السادات تطبع بشكل كبير، فأشرب أيمن هذا الفكر، وأنا بالفعل قرأت كلّ كتب سيد قطب، ومنها: "الظلال"، و"معالم في الطريق"، ومن أول وهلة أدركت أنّه تكفيري، وأنّه لا يفهم صحيح الدين.
قطب كان منحرفاً فكرياً

في جلسات محاكماتنا حوّل المحامون قتل السادات إلى معاهدة كامب ديفيد ولم تكن هذه حقيقة لأننا قتلناه لأسباب شخصية
إذاً، لماذا بعد هذا الإدراك سرت في الطريق نفسها التي رسمها سيد قطب وتبعه أيمن الظواهري؟!

كان هذا لظروف سياسية وأخرى اجتماعية، فسيد قطب بالفعل كان منحرفاً فكرياً يكفّر المجتمع، ويقول إنّه ارتدّ منذ قرون، وإنّ من يصلي في المساجد غير مسلمين، وينسبون أنفسهم للإسلام، ولم يكن يفهم الدين كما يجب؛ لأنّه كان أديباً وشاعراً ولم يكن عالم دين، وحين درست على يد الشيخ البلتاجي بكلية العلوم، أدركت ذلك عن قرب، لكنّ ظروف صداقتنا معاً، والدروس التي كنا نتلقاها بمساجد أنصار السنّة، وضعتنا تحت المراقبة اللصيقة، ولمّا أصدر السادات قرارات التحفظ وجدنا أسماءنا فيها، وساعتها وأنا جالس معه، قال لنا محمد عبد السلام فرج، وهو المتهم الأول في قتل الرئيس فيما بعد: "لو دخلنا السجون لن نخرج منها أبداً، كما حدث مع الإخوان المسلمين بسجون ناصر، ولا بد لنا من أن نتخلص من السادات"، وبالفعل سرنا معاً إلى طريق العودة منه صعبة.
ما الذي أوصل الظنون في الرئيس السادات إلى أذهانكم بهذا الشكل، ألا يجوز أنه كان سيفرج عنكم بعد أسابيع، وهو الذي منح الإخوان الحرية من قبل؟
الإخوان شوّهوا عبد الناصر في كتب لهم، مثل كتاب زينب الغزالي، وكتاب أحمد رائف، ونحن تصورنا كذباً أنّ السادات سيسير على السياسة ذاتها فقلنا نقتله، وفي جلسات محاكماتنا حوّل المحامون الحكاية إلى أننا قتلناه بسبب معاهدة كامب ديفيد والسلام مع إسرائيل، ولم يكن هذا حقيقة؛ لأننا قتلناه لأسباب شخصية، لكن وظّف كلّ من المحامين القضية لحسابه.

كيف يكون الظواهري إنساناً وقاتلاً؟
نعود لتنظيم القاعدة، لأنني سمعتك أكثر من مرة تثني على الظواهري، أريد تفسيراً للأمر؟

الظواهري، من الناحية الشخصية؛ إنسان بمعنى الكلمة وهو خلوق ومتواضع للغاية، لكنّه من ناحية الأفكار؛ منحرف وقطبي، والخلاف بيني وبينه الآن على الأفكار.
كيف يكون إنساناً وقاتلاً في الوقت ذاته؟
لأنّ سلوك الإنسان وليد لفكره؛ فالظواهري أصبح منحرفاً، وهكذا كان قاتل الإمام علي ابن أبي طالب، كان يرى أنّ ما فعله تدين، وهناك فرق بين شخصية الإنسان وخُلقه وممارسته السياسية، على ما أعتقد.
ماذا جرى في الأيام الأولى عقب قراركم قتل الرئيس السادات؟
حين صدرت قرارات التحفظ قررنا قتل الرئيس السادات، وعرضنا الخطة على ضابطين كانا معنا بالتنظيم، وهما: عبود الزمر، وعصام القمري، فقالا لنا: "إذاً، طالما سنقتله فلنقم بانقلاب شامل"، وجاءت الأحداث بهذا السياق غير المخطط له، وساعدنا في ذلك أنّ خالد الإسلامبولي جاء عارضاً قتل الرئيس بسبب سجن شقيقه محمد، وكانت هناك مجموعة من الجماعة الإسلامية ستحتل مبنى التلفزيون (ماسبيرو)، عقب أحداث المنصة مباشرة، وأنا كنت أعرف المهندس محمد رشاد، الذي يعمل بالمبنى، ويقود غرفة التحكم بالإذاعة المصرية، وكان سيساعدنا في بيان الثورة المسلحة وإذاعته.
تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي

اكتشفنا أنّ عبد الله عزّام يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية
كيف استطعتم تجنيد مثل هذه الشخصيات؟

لكلّ شخصية ظروفها في الاستقطاب والتجنيد، وأنا أذكر أننا نجحنا في تجنيد ضابط بالحرس الرئاسي، وكان الشيخ يخطب، يوم الجمعة، بمنزل الرئيس في القناطر، ويقول: "إنّ سيدنا سليمان قال: (ما لي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين، لأعذبنه عذاباً شديداً أو لأذبحنّه)، اقتل يا سادات هؤلاء"، فأرسل لنا الضابط وقال: "قبل ما تقتلوا الرئيس اقتلوا هذا الشيخ"، ومع القبض علينا توصلوا له وأودع الضابط سجن القلعة، وكان اسمه هارون، وكان مسجوناً في زنزانة بجواري، وكذلك حين راح الرئيس يفتتح مصنعاً في مدينة طلخا، ألبسنا مجموعة منا ملابس عمال المصنع، ووضعنا 2 طن من مادة "تي إن تي" المتفجرة في مواسير مياه المجاري، لكنّ الرجل لم يمر بالطريق وجاء بطائرة "هيلوكبتر".
ما دور الظواهري في هذه الفترة؟
كان له دور كبير بكلّ تأكيد؛ فمخزن السلاح لجماعة الجهاد كان عندي، وقد كلفني بحمايته الضابط عصام القمري، وكان الإسلامبولي يحتاج إلى إبر ضرب نار وذخيرة، فجاء الظواهري وطلبها مني، فأعطيتها له، إضافة إلى طلقات مسدسات 9 مل، والقنابل اليدوية التي ضربوا بها المنصة، ولم تنفجر إحداها، وكان معي ممدوح أبو جبل، الذي أحضر إبر ضرب النار ثم جعلوه شاهد ملك في القضية وأفرجوا عنه، واختفى ولم يظهر حتى الآن، وفي السجن بدأنا نقول إنّنا قتلنا الرئيس لأنّه لم يحكم بما أنزل الله، ولم تكن هذه الحقيقة، وقامت الجماعة بكتابة بحث "أصناف الحكّام وأحكامهم"؛ الذي وقّعه الدكتور عمر عبد الرحمن.
ماذا فعلت عقب الإفراج عنك، هل تركت التنظيم؟
لا، فقد كانت الشرطة المصرية تخضعنا للمراقبة، وتفرض علينا كقيادات أن ننام يومياً في قسم الشرطة ويفرج عنا بالنهار، ولم أطق ما يحدث معي فقررت الهروب إلى أفغانستان، التي سبقني إليها الظواهري.
بن لادن لم يكن موجوداً لدى تأسيس "القاعدة"

 

أعتقد أنكم شكّلتم تنظيم القاعدة في تلك الفترة مع بن لادن أليس كذلك؟
بالفعل، لكن بن لادن لم يكن موجوداً، والقصة الحقيقية لنشأة التنظيم بدأت مع 4 ضباط مصريين، أذكر منهم: عبد العزيز الجمل، الذي يقولون إنّه مات بسوريا مؤخراً، وأعتقد أنّ الخبر ليس صحيحاً، ومعه الظواهري، وسيد إمام، وأبو عبيدة البنشيري، وسيد موسى، والأخير هو من اقترح الاسم والطريقة؛ حيث كان العرب الأفغان يأتون أفواجاً للمشاركة في القتال، لكنّهم كانوا يتفاجأون بأنّ بعض الفصائل الأفغانية صوفية، ويلبس أفرادها التمائم، فكان العرب يكفّرونهم، وكانوا يرفضون القتال تحت راياتهم، ووقعت مشكلات كثيرة، وتدخّل سيد موسى، وكان مدرباً كبيراً، فاقترح أن يفصل العرب ويقيم قاعدة يستقبل ويدرب فيها، ومن هنا كان الاسم، وأنشأنا معسكرات كثيرة كنت أقود أحدها، من أهمها: معسكر الفاروق، وخالد بن الوليد، وصلاح الدين، وبدأ عبد الله عزام يدفع الرواتب، وكان معه ضابط اسمه "أبو مازن"، اكتشفنا أنّه يقوم بالإبلاغ عن كلّ من في المعسكرات؛ حيث يقدّم لأجهزة الاستخبارات العربية أسماءنا الحقيقية، لا الحركية، وهذا أدّى إلى أن تعاقب دولة مثل ليبيا هؤلاء وأهلهم، وعقدنا اجتماعاً ناقشنا فيه المسألة، وقرر بعض العرب قتل السالك، وقررنا محاكمة عزّام، لكنّه لم يحضر المحاكمة، وأعتقد أنه تمّ اغتياله فيما بعد للسبب ذاته؛ حيث تمّ اتهامه بأنّه أبلغ عن الأفغان العرب.
أين كان بن لادن في تلك الفترة؟
بن لادن لم يكن حاضراً، لكنّ عبد الله عزّام عقب محاكمتنا له، قرر منع الأموال عن المعسكرات، فكلفني الظواهري بالنزول للمملكة، ومقابلة بن لادن، أنا وأبو عبيدة البنشيري، فشرحنا له ما جرى، فقرّر الإنفاق من ماله على المعسكرات، وجاء بنفسه لأفغانستان، ولأنّ أغلبية الحضور كانوا يمنيين وسعوديين، قرروا تنصيب "أبو عبد الله" أميراً للعرب، وبعدها بدأت رحلته مع قيادة القاعدة.
انحرافات "القاعدة" الفكرية

 

محمد المقدسي وأبو قتادة شارحان لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسبّبت أفكاره في انقسام تنظيم القاعدة
هل كنت شاهداً على انحرافات القاعدة الفكرية عقب تحرير كابول؟

حينما دخل الأفغان كابول، ثم قاتلت الفصائل بعضها قررت العودة لمصر وتم اعتقالي، لكنني قبل عودتي شهدت كيف تسبّب سيد إمام في انقسام التنظيم بكتابه "الجامع في طلب العلم الشريف"، وأنا قلت للظواهري: "لقد أصبحنا مثل جماعة التكفير، وجئنا بسيد"، وقلت له: "ما حكم الحاكم الذي لا يحكم بما أنزل الله؟"، فقال: "كافر"، فقلت له: "ما حكم أعوانه؟"، فقال: "كفّاراً"، فقلت له: "ما حكم الشعب الذي صوّت له بنعم؟"، فقال: "مرتدّين"، فصاح أيمن: "بالفعل أصبحنا تكفيريين"، وبدأ في حذف أبواب من الكتاب، فكفّر سيد الظواهري، وأنا أرى أنّ هذه هي البداية الحقيقة لنشأة داعش؛ لأنّ أفكار التنظيم من الكتاب ذاته، الذي كتبه إمام في 12 عاماً متواصلة، وأصبح دستوراً للجماعات في العالم، وما محمد المقدسي، أو أبو قتادة، إلا شارحَين لأفكار سيد إمام الشريف، الذي تسببت أفكاره في انقسام القاعدة، وفي مشاكل كبيرة بين العناصر في اليمن والسودان.
أيّ مثال واضح على هذه الصراعات؟
من أهم الأمثلة: تصفية ابن القيادي محمد شرف، وكان حدثاً صغيراً مراهقاً، وتم اتهامه بالعمالة للنظام المصري، واتهموه بأنّه تمّ تكليفه بوضع حقيبة متفجرات أثناء اجتماع القادة، وتم تعذيبه تعذيباً بشعاً، فقطعوا له أطرافه وكانوا يضعون بداخلها سلك كهرباء، فاضطر الولد للاعتراف مجبراً، وكان القاضي هو القيادي مرجان سالم، الذي حكم عليه بالإعدام، وقتلوه هو وصديق له صغير، ولما جاء شرف من الجبهة وجد ابنه قتيلاً، ووقعت بعض المشكلات، لكنّ الغريب أنّ شرف لم ينشق عن التنظيم حتى مات مؤخراً بسوريا، لكنّ المشكلات الأهم هي ما جرت في سوريا الآن؛ حيث استقطبت تركيا أبا محمد الجولاني، وقرر الظواهري، المعروف بأنّه ساذج في الإدارة، الصلح معه، وتشكيل جبهة تحرير الشام، وفي كلّ اجتماع للقادة كانت تصل الطائرات وتقصف من فيه، ومات رفاعي طه، وأحمد سلامة مبروك، وغيرهما، وأعلن أبو ماريا القحطاني أنّ من يسلم الإحداثيات هو الجولاني، ووقعت معارك دموية بين الفصائل بسبب الاستقطاب ما بين تركيا وقطر، وغيرهما.
قرأت أنّك قلت إنّ الظواهري وقّع اتفاقاً مع الإخوان؟
بالفعل، فقد تواصل الرئيس مرسي مع الظواهري، وأرسلوا له 25 مليون دولار، وفق اعترافات شقيقه محمد بالنيابة المصرية، وكانت الخطة هي جمع الجماعات من غير الإخوان في سيناء ومنها القاعدة، من أجل إعلان إمارة وفصلها عن مصر، ثم تسليمها لحماس، كي تقيم عليها الدولة الفلسطينية، وفق الخطة المرسومة في صفقة القرن، وأنا سألت سعد الدين إبراهيم، وهو المعروف بأنّه عرّاب أمريكا: "إن دعمت أمريكا الإخوان بـ 25 مليون دولار في الحملة الرئاسية؛ فهل أسلمت أمريكا أم تحجبت؟"، فقال: "15 من قيادات التنظيم الدولي اجتمعوا مع الـ "سي آي إيه"، وأقنعوا الأمريكيين بأنّه لو نجح مرسي فسيتنازلون عن سيناء لصالح الدولة الجديدة، فقررت أمريكا مساعدتهم، كما سألت الرئيس الفلسطيني أبو مازن بنفسي في أحد الاجتماعات، فقال إنّ مرسي اجتمع به، وأراد أن يعطيه (شقفة) من سيناء، لكنّه رفض، وقال له: "ستعطيني (شقفة) ويأتي الرئيس بعدك يأخذ مني (الشقفة)، التي ستروح وتجيء بعد أن أكون فقدت الضفة"، فردّ مرسي: "لن نعطيها لك، لكننا سنعطيها لحماس"".
هل تواصل معك الظواهري مؤخراً؟
نعم، تواصل معي عام 2012 تلفونياً، وهو في حماية طالبان، التي يحتفظ معها بعلاقات صداقة؛ لأنّه طبيب أغلب قياداتها الشخصي، ويمكن أن تسلمه في إطار صفقة في أي وقت، فقال لي: "لا نريد منك مهاجمة الإخوان في هذا الوقت"، فقلت له: "أنت من كنت تهاجمهم، بل وكفّرتهم في كتابك "الحصاد المر""، فسكت وأغلق الخط، ومن هنا كفّرته داعش؛ لأنه عقد هذه الصفقة مع الجماعة، وقالوا إنّه مؤمن بالديمقراطية!
كيف ترى مستقبل القاعدة بعد كلّ الذي قلته ورويته؟
ستنتهي؛ لأنّ وعد الله على الخوارج، أنّه "كلما خرج قرن قطع"، والظواهري تراكمت عليه المشاكل، وأعتقد أنّ نهايته باتت قريبة ومحتومة، وأيام كنا بالسودان راح الترابي إلى مسؤولين في أمريكا في فرجينيا، وقال لهم: "نحن نستطيع تسليم بن لادن"، فقالوا له: "نحن نريد فقط أسماءهم الحقيقية، لا الحركية، وصورهم"، والظواهري يمكن أن يُسلَّم في أية صفقة.

للمشاركة:

وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة

2019-10-08

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال وليد البرش، أحد مؤسسي حركة تمرد الجماعة، إنّ الإخوان المسلمين لن يجروا مراجعات حقيقية أسوة بالجماعة الإسلامية في التسعينيات؛ مبيناً في حواره مع "حفريات" أنّ ذلك عائد إلى أنّهم يعتقدون أنّ جماعتهم هي من تمثل الإسلام، وإيمانهم بالتقية التي طالما مارسوها؛ "فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قُبلة الحياة".

مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب مخالفة صريحة للنص الإسلامي الجامع

وأضاف القيادي السابق في تنظيم الجماعة الإسلامية، أنّ الإخوان إبان فترة حكمهم واعتقادهم بنجاح "أخونة الدولة المصرية"، أدركوا أنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم منهم، فسعوا إلى التخلص منها بتأييد "الجهاد" في سوريا والترويج له.
وأكد صاحب كتاب "من المنصة إلى المنصة" أن لا مستقبل للإسلام السياسي في بلاده، موضحاً أنّ مصر اليوم، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي، وأنّ "من يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل التمويل والتسليح، وتوفير ملاذات آمنة أو منبر إعلامي وتبرير فكري".
وهنا نص الحوار:

تحولات ومراجعات

*في كتابك الأخير؛ أوضحت كيف تحوّل تنظيم الجماعة إلى العنف، ثم راجع نفسه، ما المنطلقات التي دفعتها لتلك التحولات؟
المراجعات الفكرية التي أطلقتها الجماعة الإسلامية العام 1997، خرجت من منطلق شرعي؛ أنّ هناك أخطاء شرعية وقعت يجب التراجع عنها، مثل تعارض فكرة الانتماء للوطن مع الانتماء للدين، وفكرة الاستعلاء الإيماني وما يترتب عليه من تنفيذ الأفراد للأحكام بأنفسهم، بعيداً عن السلطتين القضائية والتنفيذية، وفكرة الطائفة الممتنعة التي تجيز قتال المسلمين، والتترس التي تجيز العمليات التفجيرية في أماكن المدنيين والحاكمية، وقد أزالت المراجعات هذه الإشكاليات وصحّحت هذه الأخطاء، وكان يجب استثمار هذا التصحيح كبداية ليقوم علماء الأزهر بتصحيح كلّ الممارسات الفقهية الخاطئة، التي ترسّخت عبر قرون كخطوة أساسية لتجديد الخطاب الديني.
* هلا ذكرت لنا أمثلة على هذه الممارسات الفقهية الخاطئة التي تحتاج إلى تصحيح؟
مثّل تقسيم الجهاد إلى دفع وطلب "الغزو لنشر الإسلام"، وهو مخالف للنص الجامع الموضح لحقيقة الجهاد، في سورة "البقرة" (الآية 190): ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾، ومنها أنّ ممارسة الدعوة إلى الإسلام ومعانيه العظيمة بالتسامح والعفو وكفّ الأذى والهجر الجميل، يكون حال الاستضعاف، أما في حال القوة؛ فكلّ هذه المعاني منسوخة! وأحكام السبي واغتصاب النساء، وعدم الاعتداد بالحدود الجغرافية، وعدم اعتبار مصلحة الوطن كأحد المصالح الكلية التي يحرص الشرع على الحفاظ عليها.
* كنت أحد مؤسِّسي "تمرد الجماعة الإسلامية"؛ كيف ظهرت هذه الحركة؟ وأين هي الآن؟
لقد كانت حركة "تمرّد" قبساً من نور أضاء للحائرين من أبناء الجماعة الإسلامية الطريق، وأوضح لهم معالم الخروج من النفق المظلم الذي أدخلهم فيه قادة العنف وأمراء الدم، ولقد تميزنا عن باقي الحركات التي تبعتنا في معارضة الجماعة بوضوح الرؤية، ووضع خطة محددة تهدف لإعادة الجماعة إلى التصالح مع الوطن، ومراعاة الواجب الوطني، وانتهاج السلمية، وتفعيل المراجعات الشرعية المسماة "مبادرة وقف العنف"، وتحقيق ذلك عبر عدة وسائل، هي:

كان على الأزهر استثمار مبادرة وقف العنف لتجديد الخطاب الديني بتصحيح الممارسات الفقهية الخاطئة التي ترسّخت لقرون

- إخضاع الجماعة، أعضاء وتمويلاً، لرقابة القانون ولأحكامه.
- إخضاع أنشطة الجماعة للأزهر الشريف دراسة وترخيصاً.
- إلغاء مبدأ السمع والطاعة في الجماعة والمعروف باسم "نظرية الطوبة"، لتحرير إرادة الأفراد وعقولهم.
- التبرؤ من حزب بناء وتنمية الإرهاب.
- قطع الصلات مع كلّ من يضرّ الأمن القومي المصري.
ولقد نجحت الحركة، بفضل الله، في تحريك قيادات كانت قد سكنت للأمر الواقع؛ كالشيخ كرم زهدي، وفؤاد الدواليبي، وبدري مخلوف، وغيرهم، وطرحنا مواضيع للنقاش والحوار بين أبناء الجماعة، كان مجرد التفكير فيها رجساً من عمل الشيطان.
*هل تؤمن أنّ هناك قيادات تاريخية معتدلة وأخرى متشدّدة في ظلّ تحولات علي الشريف الأخيرة؟
لا يوجد بين قيادات الجماعة معتدلون سوى أربعة: كرم زهدي، وناجح إبراهيم، وفؤاد الدواليبي، وحمدي عبد الرحمن، أما علي الشريف؛ فهو أول من اقترح ونفّذ قتل الأقباط لسرقة أموالهم (حادث نجع حمادي، عام 1981، قتل ثمانية صائغين أقباط وسرقة محالهم)، وكان قائد إحدى المجموعات الأربع التي ارتكبت مذبحة الشرطة بأسيوط 1981، والتي خلّفت 118 شهيداً من الشرطة.
*هل تعتقد أنّ جماعة الإخوان يمكن أن تجري مراجعات مماثلة؟
جماعة الإخوان لن تجري مراجعات حقيقية؛ لأنّها تعتقد أنّها تمثل الإسلام، وأعضاؤها يعانون من متلازمة احتكار الإسلام، ونظراً لاعتقادهم بالتقية وممارستهم لها كثيراً؛ فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة، كما حدث عندما كتب الهضيبي كتابه "دعاة لا قضاة" في السجن، وتبرّأ من أفكار سيد قطب، وكان الكتاب موجهاً للدولة، وليس لأعضاء التنظيم؛ لذا لا قيمة له لديهم سوى خداع الدولة فقط وإقناعها بعدولهم عن أفكار قطب.
مصر بعد ثورة يناير

* في كتابك "من المنصة إلى المنصة" تطرقت إلى تاريخ الإخوان مع العنف، كيف تصف مصر بعد ثورة يناير؟
نعم، قلت إنّ مصر أصبحت، بعد 25 كانون الثاني (يناير) 2011، منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم، وتمثلت مظاهر الجذب للإرهابيين فيما يلي: حين استتبع انهيار الشرطة، بعد ٢٥ كانون الثاني (يناير)٢٠١١، انهياراً كاملاً للأمن في سيناء؛ فقد تمّ اقتحام معظم أقسام شمال سيناء، والاستيلاء على أسلحتها ورفع علم "القاعدة" عليها، وإعلان سيناء إمارة إسلامية مستقلة، تحت اسم "ولاية سيناء".

الهدف الحقيقي للجماعة تفكيك مصر لصالح مشروعها وتحويلها لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي

كما تمّ إنشاء ثلاثة معسكرات في قرى رفح على مرأى ومسمع من الجميع، وقد سمح الفراغ الأمني بزيادة القدرات التنظيمية والتشغيلية للجماعات الإرهابية في المنطقة، نتيجة تدفق أعداد كبيرة من السلاح الثقيل من مخازن القذافي المنهوبة، عبر خطة لتكديسه في مصر لاستعماله وقت الحاجة إليه، ثم العفو عن قيادات الإرهاب، وإخراجهم من السجون، وعودة الباقين من أفغانستان، وبعدها ذهبوا لميدان التحرير وتلقوا البيعات، وتمّت إعادة طباعة كتب القاعدة والجهاد، في مكتبة إشبيلية، لصاحبها أحمد عشوش، زعيم السلفية الجهادية في مصر، وتوزيعها مجاناً لنشر الفكر الإرهابي.
وانتهزت الجماعة الإسلامية فرصة إعطاء النائب العام الإخواني ما عرف بالضبطية القضائية للمواطنين، فتقدمت بمشروع قانون لتقنين أوضاع اللجان الشعبية (الميليشيات العسكرية)، وبعد هذا نظّمت الجماعة استعراضاً عسكرياً في محافظة أسيوط لكوادرها المشاركين في اللجان الشعبية!

اقرأ أيضاً: الإخوان والقضية الفلسطينية.. هكذا يسرقون التاريخ!
وتقدّم الإسلاميون بمشروع العفو السياسي عن المتهمين في الجرائم السياسية، التي ارتكبت خلال الفترة من 6 تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وحتى 11 شباط (فبراير) 2011، وكان الهدف السماح لقادة الإرهابيين بأن يتنعموا بمكاسب السياسة، وأن يحوزوا المناصب التشـريعية والتنفيذية التي لا يستطيعون الوصول إليها بسبب العقوبات التبعية للجرائم التي ارتكبوها، وكانت هذه هي مصر بعد 25 يناير.

محرقة منافسي الإخوان

*لماذا دعا الإخوان إلى "الجهاد" في سوريا؟
مخيلة الإخوان أوحت لهم أنّ القوى الوطنية والشعب المصري، ومؤسسات الدولة؛ كلّ هؤلاء أصبحوا تحت السيطرة، أو في طريقهم للخضوع للسيطرة الكاملة من الإخوان عبر ما عُرف بخطة "أخونة الدولة المصرية"، وأنّ الخطر يكمن في الجماعات الإسلامية المنافسة التي ترى أنّها أحقّ بالحكم من الإخوان، وأنّ تحالفهم مع الجماعة مجرّد تحالف مؤقّت.

نظراً لاعتقاد الإخوان بالتقية فهم على استعداد لإصدار مراجعات شكلية مقابل إعطاء الدولة لهم قبلة الحياة

وكان الإخوان يعون جيداً أنّ دورهم في العفو عن قيادات الإرهاب وخروجهم من السجون وعودة الباقين من أفغانستان؛ هو تحضير لمارد الإرهاب إلى مصر، وأنّهم لن يهنؤوا بحكم البلاد طالما هؤلاء موجودون على الأرض المصرية؛ لذا خططوا جيداً لإبعاد هذه الذئاب الجائعة التي تستعدّ لنهشهم وخطف مقعد الرئاسة منهم عن مصر، والتخلص منهم، فكانت أكذوبة الجهاد في سوريا، وهي محرقة جديدة للتخلص من المنافسين الإسلاميين.
هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى كان مخطط تقسيم الدول العربية إلى كيانات رخوة وسيطرة الإخوان عليها وفق مخطط الفوضى الخلّاقة يستدعي تدفّق الرجال إلى سوريا كوقود للحرب، وكانت الأكذوبة لجعل المنافسين الإسلاميين مجرد بنادق مستأجرة، تستعمل كوقود للحرب في سوريا.
*هل نجح مخطط الإخوان في التخلص من قادة الجماعات المنافسة لهم بإلقائهم في محرقة الجهاد في سوريا؟
نجح مخططهم نجاحاً عظيماً وابتلعت الجماعات المنافسة الطعم؛ والدليل على ذلك: مقتلة قادة الإرهاب المصريين في سوريا، وأبرزهم: أبو الفرج المصري، أحمد سلامة مبروك، وأبو هاني المصري، هاني هيكل، وأبو العلا عبد ربه، أحد قتلة د.فرج فودة، ومحمد عباس، وغيرهم، وكذلك التخلص من منظري الإرهاب بتصديرهم إلى سوريا، مثل: أبو اليقظان محمد ناجي، وأبو أيوب شريف هزاع، وأبو شعيب طلحة المسيّر، وغيرهم.

*إذاً، أنت تؤكد أنّ الإخوان استطاعوا السيطرة على شباب الجماعات الإسلامية وإرسالهم إلى ما يسمى "الجهاد" في سوريا؟!
نعم، استطاع الإخوان أن يسيطروا على عقول شباب الجماعات الإسلامية المنافسة وكلّ شباب لا ينطوون تحت لواء جماعتهم، من خلال الاحتلال العقلي، فحوّلوا الشباب إلى بنادق مستأجرة تنفذ دون تفكير، تقتل بدم بارد، تنفذ العمليات الانتحارية دون تردّد، وينقسم الاحتلال العقلي إلى أربع مراحل: الأولى "تقديس القادة"، وفي هذه المرحلة يتم إضفاء هالات من القداسة عليهم تجعل عقول الشباب تنبهر بهم، والثانية "السمع والطاعة"، وفي هذه المرحلة يحولون الشباب إلى أدوات لتنفيذ المخطط الذي رسموه وتصديق الأكذوبة التي روّجوها، والثالثة "الأوهام الثلاثة"، وتتمثل في:
1- وهم اضطهاد المسلمين في سوريا وانتشار المذابح فيها.
2- وهم تكفير النظام في سوريا ونعت الجيش السوري بأنّه جيش طائفي.
3- وهم وجوب الجهاد في سوريا لإقامة خلافة إسلامية تبدأ من الشام.

وأما المرحلة الأخيرة؛ فهي "الحرب الدائمة مع العالم": أي إنّهم في حالة جهاد مستمر وحرب دائمة مع العالم بغرض إدخال الناس في الإسلام، حتى لا يفكروا في العودة إلى مصر مرة أخرى.

*ماذا تقصد بـ "جهاد لندن"، و"جهاد السيارات الفارهة" اللذين تحدّثت عنهما في كتابك الأخير؟

الحكاية من أولها؛ أنّه بعد أن أفتى محمد العريفي في مؤتمر بالقاهرة بوجوب الجهاد في سوريا، وزعم أنّها أرض الجهاد، وذلك في مسجد عمرو بن العاص في القاهرة، حمل حقائبه وطار، لكن ليس إلى أرض الشام، بل إلى العاصمة البريطانية، لندن، ليقضي الصيف هناك! وقد فطن بعض الشباب العربي لهذا التناقض، فقاموا بالاعتداء عليه بالضرب المبرح الشديد في شارع إكسفورد، وسط العاصمة البريطانية، أثناء خروجه من مطعم المأكولات السريعة "ماكدونالدز"، في الساعة الرابعة بتوقيت غرينتش، من عصر الجمعة 21 حزيران (يونيو) 2013، وبرفقته ثلاثة أشخاص.

كتاب الهضيبي "دعاة لا قضاة" لم يكن موجهاً لأعضاء التنظيم بل لمخادعة الدولة

أما جهاد السيارات الفارهة؛ فلو أنّك شاهدت حرارة وحماس الشيخ محمد حسان، وهو ينادي ويحرض على الذهاب لسوريا للجهاد، لظننت أنه سوف يجمع أمواله وأبناءه ويذهب للجهاد ولنصرة المستضعفين من الرجال والنساء والولدان، الذين بكى عليهم وأبكى مستمعيه، لكنّه لم يفعل.
وقصة مترجم داعش القرغزستاني، محمد يحيى، تفضحه؛ حيث التقى الكاتب البريطاني، روبرت فيسك، محمد يحيى، الذي كان يعمل مترجماً لدى داعش، وقال إنّ سبب انضمامه للتنظيم جاء بعد فتوى أصدرها الداعية المصري محمد حسان بـ"الجهاد" في سوريا، وقال إنّه سافر من قرغزستان إلى مصر لطلب العلم في جامعة الأزهر، ومكث هناك سنة ونصف السنة، وتأثر بالشيخ محمد حسان وأفكاره، خاصة أنّه أصدر فتوى آنذاك تجيز "الجهاد" في سوريا، وأعطى كلّ طالب أشرطة تتضمن تسجيلات فيديو تظهر الجيش السوري في ممارسات بشعة ضدّ المواطنين السوريين، وقال للحضور: "يجب أن تذهبوا للجهاد في سوريا"، وتابع يحيى بأنّ "ذلك الكلام ملأ عقله، وأنّ محمد حسان أعطى كلّ شخص من الحضور 100 دولار، وأنّه اكتشف أنّ محمد حسان أرسل الشباب إلى سوريا ولم يرسل ابنه، ولم يذهب إلى هناك هو نفسه طبعاً، وإنما اشترى لابنه محمد سيارة فارهة ليتمتع بها".

مستقبل الإسلام السياسي

* كيف ترى مستقبل الإسلام السياسي في مصر الآن خاصة الجماعة الإسلامية؟

لقد صدّعت جماعات الإسلام السياسي في مصر رأس الشعب بمقولتها: "اسمعوا منّا ولا تسمعوا عنّا"، وبمظلوميتهم، وببراءتهم من كلّ عنف أو إرهاب، وكانت 25 يناير وما بعدها من أحداث كاشفة، بل إن شئت الدقة "فاضحة" لحقيقتهم، فبين عشيّة وضحاها تحوّلوا من وجوه سمحة تحمل دوماً الابتسامة إلى وجوه تشهر أنيابها طوال الوقت، مما جعل الإطاحة بهم من الحكم سريعة، فلم يحتمل الشعب حكم الإخوان أكثر من عام، واقتنع أنّ الهدف الحقيقي لهذه الجماعات هو السيطرة على الوطن وتفكيكه لصالح مشروعهم وتحويل مصر لمجرد ولاية في مشروع الوهم الأممي.

مصر أصبحت بعد "25 يناير" منطقة جذب للإرهابيين من كلّ مناطق التجنيد في العالم

ونتيجة ذلك الرفض الشعبي أصبحت للدولة رؤية جديدة واضحة لهذه الجماعات (إخوان، وقطبيون، وجماعة إسلامية، وجهاد، وجبهة سلفية، وحسم، ...)؛ أنّها تمثل رغم اختلافها الظاهري ما يسمى بسلسلة الإرهاب، وبالتالي فمصر، دولة وشعباً، تخوض حرباً شاملة ضدّ كلّ حلقات العمل الإرهابي الآن، تنظيماً وتسليحاً ودعماً سياسياً وغطاءً أيديولوجيّاً وإعلامياً، فمن يحمل السلاح هو فقط الحلقة الأخيرة من سلسلة إجرامية تشمل من يموله ويُسلّحه، أو يوفر له ملاذاً آمناً، أو منبراً إعلامياً وتبريراً فكرياً، وعليه فلا مستقبل للإسلام السياسي في مصر، فمصر ذاهبة للتطهّر من أدران هذه الجماعات.
*وماذا عن مستقبل الجماعة الإسلامية؟
الجماعة فقدت ثقة الشعب والدولة المصرية بالانقلاب على مبادرة وقف العنف 1997، وفقدت عقولها المفكرة بالإطاحة بكرم زهدي وناجح إبراهيم إلى خارجها، كما فقدت أيّ دليل على إمكانية تصحيح مسارها وقبولها النصح برفضها لحركة تمرد الجماعة وتشويهها.

اقرأ أيضاً: من الأرشيف البريطاني: كيف خدم "الإخوان" لندن؟
وأنا أرى أنّها بلغت من العمر أرذله؛ فهي في مرحلة الموت الإكلينيكي، نتيجة تضافر عوامل كثيرة، أهمها ارتفاع معدل السنّ لأعضائها، إضافة إلى ارتباط الصورة الذهنية للجماعة لدى الشعب بوجوه قبيحة، مثل: عاصم عبد الماجد، وطارق الزمر، ولم يتبقَّ منها سوى لافتة الحزب الذى سيتم حلّه في شهر آب (أغسطس) المقبل، وساعتها سيعلن موتها رسمياً، وهو ما اعترف به سمير العركي، القيادي بالجماعة، والهارب لتركيا، من أنّها تحتضر.

للمشاركة:

أحمد الشوربجي: خطورة أفكار قطب أنها لم تعد ملكاً للإخوان فقط

2019-10-03

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث المصري في الشأن الإسلامي، أحمد الشوربجي، إنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا؛ موضحاً في حواره مع "حفريات"، أنّ قطب "إن كان اشتُهر بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات؛ فحسن البنا هو أستاذه في ذلك".

اقرأ أيضاً: قِدْر قطب الذي فار على القصيمي وكتابه
وأكّد الشوربجي أنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في الفهم المغلوط للقرآن، "وهي الحالة التي حذّر منه الرسول صلى الله عليه وسلم"، لافتاً أنّ ثمّة تقصيراً يقع على عاتق المؤسسات الدينية في مواجهة مثل هذه الأفكار، مبرّئاً في الوقت ذاته "البخاري" من المساهمة في مأزق الإرهاب الذي يضرب منطقتنا، وألقى المسؤولية على الأجيال الجديدة، التي لم تخرج "بخارياً جديداً" يكمل دوره في تنقية السنة والتراث الإسلامي من المغالطات والأكاذيب.
وهنا نص الحوار:
وجهان لعملة واحدة

هل ترى أنّ هناك تمايزاً بين أفكار حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين وسيد قطب؟
هناك بالفعل أصوات من داخل جماعة الإخوان المسلمين، أو من خارجها، خاصة بعض من انشقّوا عنها، تدّعي أنّ هناك فارقاً كبيراً بين أفكار حسن البنا وسيد قطب، وأنّ مسيرة الجماعة تعثرت بسبب انحيازها لأفكار سيد قطب على حساب أفكار المؤسس الأول، حسن البنا، وأنّ الحلّ "في الرجوع لأفكار البنا".

أفكار سيد قطب التكفيرية في أصلها وعمقها لا تختلف أبداً عن أفكار حسن البنا

وأكثر من يروّجون لهذه الأفكار، سواء داخل الجماعة أو خارجها؛ هم جيل السبعينيات، أو من يُطلق عليهم "أصحاب التأسيس الثاني للجماعة"، أو "الإصلاحيون"، جيل عبد المنعم أبو الفتوح ورفاقه، بقيادة المرشد الثالث للجماعة، عمر التلمساني، إضافة إلى مجوعة من القدامى، أمثال الدكتور كمال الهلباوي.
وفي اعتقادي؛ هؤلاء هم أكثر من يجب الحذر منهم، والانتباه لمراميهم، لأمرين هما غاية في الأهمية: الأول: أنّهم بهذه الادّعاءات يغسلون سمعة الجماعة، ومؤسّسها الأول، حسن البنا، ويطهّرونها من خطاياها وأوزارها، ويجمّلون تشوّهاتها، ويقيلونها من عثراتها؛ بإلقائها على مجموعة معينة أو شخص واحد، وكأنّ الجماعة لم تُنشَأ على الخطأ، ولم تقع في الأوزار، ولم تتلبس بالخطايا، قبل سيد قطب والقطبيين، وبذلك تظلّ صورة "البنا" بريئة نقية وصورة الجماعة مقدسة طاهرة.

اقرأ أيضاً: لماذا أعدموني؟.. نظرة في كلمات "قطب" الأخيرة
والحقيقة؛ أنّ أفكار سيد قطب، في أصلها وعمقها، لا تختلف أبداً عن أفكار "البنا"؛ فإن كان سيد قطب صاحب تنظيم 65، فحسن البنا هو صاحب مشروع العنف والإرهاب والتنظيم الخاص في الأساس، وإن اشتهر سيد قطب بفكرة الحاكمية والجاهلية وتكفير المجتمعات، أو وقوفها تحت مظلة الكفر، على الأقل، فحسن البنا هو أستاذه في ذلك، فقد جعل الحاكمية ركناً من أركان الدين، وأصلاً من الأصول، لا فرعاً من الفروع، والدولة ليست إسلامية، والمجتمعات بعدت عن الدين، فكلّ أفكار "قطب" ليست إلا تجسيداً لأفكار "البنا"، وإعادة صياغة لها، وإلباسها ثوباً جديداً وعرضها للجميع.

لكن ما دليلك على ما تقول؟

دليلي على ذلك أمران، الأول: الاعتراف والشهادة والبحث والمقارنة، أما الاعتراف؛ فهو لسيد قطب ذاته، حين قال: إنّ كلّ ما يقوله وما يطرحه من أفكار تمثل حسن البنا؛ إذ كان يطرحها ويقول بها في السرّ، وليس في العلن، وأما الشهادة بذلك؛ فقد جاءت على لسان علي عشماوي، القيادي الميداني لتنظيم 65 في مذكراته.
لكنّ هناك قطاع من الجماعة، ربما بدهاء أو بسذاجة، جعل سيد قطب هو مسيح الجماعة، الذي يتحمّل أوزارها، وبالتالي تغافل الجميع عن حسن البنا، والحقيقة أنّ "البنا" هو المتن، وكلّ من جاء بعده بتنظير كان هامشاً لهذا المتن.
لماذا، إذاً، اشتهر سيد قطب بهذه الأفكار دون حسن البنا؟
ربما لاختلاف شخصية الرجلين؛ فالبنا رجل تنظيمي في الأساس، لديه قدرة على القيادة، وكاريزما التأثير في الأتباع، في حين أنّ سيد قطب كان رجلًا أديباً معنيّاً بالأفكار والكتابة والتنظير والتأطير، وبالتالي كان البنا يعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم، والجندية القائمة في الأساس على السرية، وإلقاء الأوامر والتلقين والشفوية والبعد عن التوثيق والكتابة قدر المستطاع، وصنع الدوائر العامة، والخاصة، وخاصة الخاصة، ولهذا لم يكتب "البنا" كتاباً، وإنّما نُقلت أفكاره وجمعت رسائله وخطبه وكلماته ورويت من قبل أتباعه.

البنا اعتمد في توصيل أفكاره على ما يلائم فكرة التنظيم والجندية القائمة في الأساس على السرية

في حين اهتم سيد قطب بالكتابة، وتجسيد هذه الأفكار والتنظير لها بشكل مكثف وموثّق، وبفعل عاملين في غاية الأهمية، هما: شخصية الأديب "سيد قطب"، وصبّ هذه الأفكار في كتاب يتضمّن تفسيراً للقرآن الكريم، خرجت هذه الأفكار من حالة الجماعة والتنظيم والتخصيص إلى حالة العموم والشيوع، لتصنع حالة تعدت حدود الجماعة والتنظيم، فتسللت ودخلت إلى المساجد والمعاهد والمدارس والجامعات، وتبنّاها علماء ومفكرون ومثقفون، ونطقت بها أفواه لا علاقة لها بالجماعة، وأصبح من يتعرض لسيد قطب يتعرض لمفسّر للقرآن، ومدافع عن الإسلام، وأديب، وشهيد، وليس عن حامل لأفكار الإخوان والخوارج الجدد، ومجرم ترأّس تنظيماً للقتل والدمار.
تفسيرات مغلوطة

لماذا لم يقدّم أحد من العلماء المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه قطب كي يمحو تأثيره في الأجيال الحالية والقادمة؟
بلا شكّ إنّ أصل المشكلة عند سيد قطب؛ أنّه وقع في هذا الفهم المغلوط للقرآن، وهي حالة تكفلت السنّة النبوية ببيانها، وتحذيرنا منها بوضوح تام، وذلك في الحديث الذي رواه ابن حبان، والبخاري في "التاريخ الكبير"، وغيرهما، عن حذيفة رضي الله عنه قال: "قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ مَا أَتَخَوَّفُ عَلَيْكُمْ رَجُلٌ قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ، غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ، وَسَعَى عَلَى جَارِهِ بِالسَّيْفِ، وَرَمَاهُ بِالشِّرْكِ، قَالَ: قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، أَيُّهُمَا أَوْلَى بِالشِّرْكِ، الْمَرْمِيُّ أَمِ الرَّامِي؟ قَالَ: بَلِ الرَّامِي"؛ فهناك ثلاث مراحل يمرّ بها المتطرف، حدّدها الحديث السابق، وهي: مرحلة "الاتصال"، ثم "الانتقال"، ثم "الانفصال".

طرح مواجهة التكفير موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين بل لإرادة وإدارة

فمرحلة "الاتصال" عبّر عنها الحديث بقوله: "قَرَأَ الْقُرْآنَ حَتَّى إِذَا رُئِيَتْ بَهْجَتُهُ عَلَيْهِ، وَكَانَ رِدْئًا لِلْإِسْلَامِ."
وهي مرحلة عبّر عنها الرسول بالجدّ والاجتهاد في الطاعة وظهور علامات التدين فقال: "يحقر أحدكم صلاته إلى صلاتكم، وصيامه إلى صيامكم، وقيامه إلى قيامكم"، أما مرحلة "الانتقال" فهي التي عبّر عنها الحديث بقوله: "غَيَّرَهُ إِلَى مَا شَاءَ اللَّهُ، فَانْسَلَخَ مِنْهُ وَنَبَذَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ"؛ أي غيّر معنى القرآن وتأويله، لا نصّ القرآن؛ فمعلوم أنّ النصّ القرآني ثابت مكتوب ومسطور ومحفوظ في الصدور فكيف يغيره؟ وهذا هو مكمن الخطر؛ أن يأتي بتأويل مغلوط للقرآن والسنّة، فيغير الدليل، ويأتي بأشياء تخالف إجماع الأمة والسلف وأكابر التابعين والمفسّرين. 
هنا تأتي مرحلة "الانفصال"، التي عبّر عنها الحديث بقوله: "خرج على جاره بالسيف، ورماه بالشرك"، فيقع التكفير والتفجير حتى لأقرب الناس للجار، دون اعتبار أيّة مودة، ودون مراعاة لأيّة حرمة.
أما لماذا لم يقدم أحد من علماء المسلمين المجددين مفهوماً مختلفاً عما طرحه سيد، ويتميز بالتأثير بحيث يمحو به أفكار قطب على الأجيال الحالية والقادمة؛ فالحقيقة؛ أنّ هذا الطرح موجود ومؤثر ولا يحتاج لعلماء مجدِّدين، وإنما يحتاج فقط لإرادة وإدارة، إرادة لإنهاء هذه الأفكار وتعريتها وكشفها وأخذ التحصينات اللازمة منها، وإدارة لمعركة فكرية حقيقية على الأرض، لا في الفضاء.

اقرأ أيضاً: سيد قطب وقصته مع يوسف شحاتة
معركة يلزمها وجود جيش حقيقي مدرَّب ومسلح بالعلم والفكر وقوة الحجة والمنطق، جيش يقاتل بكافة أنواع الأسلحة الفكرية المكتوبة والمسموعة والمشاهدة، جيش يدخل بنفسه أو بسلاحه للمدارس والمعاهد والجامعات والمساجد ويكون له حضور في الشارع.
فدولة مثل مصر، توجد بها مؤسسة الأزهر، ودار الإفتاء، ووزارة الأوقاف، وتعاني منذ ما يزيد على تسعين عاماً من هذه الأفكار التي تؤدّي للدمار والخراب، والقتل وتشويه الدين هل هي عاجزة عن إنهاء هذه الأفكار؟!   
خرق إجماع

ثمة من يرى أنّ تفكيك أفكار سيد قطب يلزمه تفكيك تراث ابن تيمية، أم أنّ سيد حالة مستقلة وجديدة لا ترتبط بالأقدمين؟
كلا الرجلين خرق الإجماع العام، وجاء بمشروع فكري جديد، عارض به السابقين واللاحقين، وإن كنا نرحب بالجديد والتجديد، ولكن حينما يمسّ هذا الجديد عقائد الناس والحكم عليهم من جهة الكفر والإيمان، هنا المجهود الفردي والاجتهاد الشخصي، مع الخروج عن حالة الإجماع يمثل خطورة كبيرة.

إشكالية ابن تيمية وسيد قطب أنّهما "اكتشفا" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم وأنّ المجتمعات المسلمة في ضلال

فإشكالية ابن تيمية وسيد قطب من ناحية الأصل واحدة؛ أنّ كلاً من الرجلين "اكتشف" أنّ الناس ليست على الصراط المستقيم، وأنّ المجتمعات المسلمة بكلّ أطيافها وعلمائها لا تعرف الإسلام الحقّ؛ فابن تيمية يرى أنّ الناس لا تعرف التوحيد، وأنّ هناك خللاً في عقديتهم، وكذلك سيد قطب، كانت مشكلته التي يدور حولها منطلقة من المعنى ذاته؛ الناس لا يعرفون الإسلام، حتى أنّه يصرّح بأنّ الإسلام توقف منذ قرون، ولم يعد موجوداً، فالمجتمعات مسلمة اسماً لا حقيقة.
هذا من ناحية الشكل، أما مضمون المشروعَين؛ فبينهما اختلاف تام، حتّى أنّ أتباع ابن تيمية يتهمون سيد قطب بأنّه مبتدع من ناحية العقيدة، والحقيقة أنّ منهج سيد قطب في العقيدة هو المشروع الذي كان يحاربه ويقاومه ابن تيمية.
قطب والمراجعات

هل ترى أنّ أفكار سيد قطب هي التي تمنع الإخوان حالياً من الدخول في مراجعات فكرية؟
أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها؛ فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً من هذه الأفكار، وتتبناها؛ فقضية مراجعات الأفكار ليست هي العائق، وإن كانت مؤثرة، لكنّ العائق الأساسي هو مدى امتلاك الجماعة من أوراق القوة وأسبابها. 

اقرأ أيضاً: السلفّية التجريبية.. الصراع بين واقعية ابن تيمية ومثالّية سيد قطب

لكن، الجماعة ليست عصية على الدخول في مراجعات، وهي تاريخياً فعلت، بصرف النظر عن جوهر هذه المراجعات، لكنّ الفكرة ذاتها فكرة المراجعات كانت مطروحة ونفذتها الجماعة، المخرج والمنتج النهائي لهذه المراجعات هذا شيء آخر لكنّ المراجعات حدثت. 
ما الفرق بين جماعة الإخوان والجماعة الإسلامية في هذا الشأن؟
الفارق؛ أنّ الجماعة الإسلامية خسرت المعركة تقريباً، هُزمت هزيمة ساحقة، لم تعد تملك من أوراق المواجهة ما يوحي بإمكانية حلّ المشكلة، كلّ القادة التاريخيين والأفراد تقريباً داخل السجون.
اليوم الموقف مختلف؛ فلا جميع قادة الإخوان في السجون، ولا كلّ أفرادهم في المعتقلات، ولا انتهت عناصر القوة بالنسبة إلى الجماعة.

أفكار سيد قطب لم تعد ملكاً لجماعة الإخوان وحدها فمعظم جماعات الإسلام السياسي اليوم تملك رصيداً منها

هنا يصعب الحديث عن المراجعات، بينما يظلّ الحديث عن التفاوض هو الأقرب للطرح والتنفيذ، والتفاوض يمكن أن يخرج في شكل مراجعات، ويأخذ الاسم ذاته لكنّ الفارق بينهما من ناحية المعنى بعيد جداً.     
هل ترى أنّ تفسيرات السلف والخلف، بحاجة لمراجعة، أم الانقطاع الكامل عنها، وبدء الاجتهاد بتفسيرات جديدة؟
حينما يكون لديك كنز ثمين، لكن بداخله بعض العملات الزائفة، هنا تصبح مهمتك أن تنقب عن هذه العملة الزائفة لا أن تلقي بالكنز؛ فالانقطاع الكامل عن التراث إهدار لكنز ثمين، كما أنّه مستحيل من الناحية العملية.
أما الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن، فهذا -بلا شكّ- مطروح وبقوة، وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر؛ لأنّه ما كان كتاباً يناسب كلّ عصر إلا لأنّه كتاب لا تنقضي عجائبه، ولم تستنفَد أغراضه بعد. 
مهاجمة البخاري

كيف تنظر إلى دعوات هدم قدسية صحيحي البخاري ومسلم بدعوى الاكتفاء بنصوص القرآن الكريم؟
احترام البخاري على وجه التحديد، ومسلم وتقديرهما، واجب على كلّ من يحترم العلم ويقدّره؛ فكلاهما شرف لهذه الأمة، ونموذج يحتذى به في التجديد والاجتهاد.
الإمام البخاري نظر في الأحاديث فوجد فيها غثّاً ينسَب للرسول الكريم زوراً وبهتاناً، ولاحظ كثرة التحديث والأقوال، فماذا فعل؟ ندب نفسه للدفاع والذبّ عن رسول الله عليه السلام، فاجتهد وجاء بمنهج عبقري لم يسبقه إليه أحد، فوضع شروطاً لاعتبار الحديث صحيحاً مقبولاً من عدمه، فماذا كانت النتيجة؟

الحاجة إلى تفسير جديد للقرآن مطروح وبقوة وسيظلّ مطروحاً أبد الدهر

حصّل الرجل كلّ ما يستطيع تحصيله من أحاديث وأقوال تنسب للرسول الكريم، فوجدها ستمئة ألف حديث، وبدأ يختبرها وفق المنهج الذي وضعه، فلم يجد منها سوى 2600 حديث تقريباً هي التي يمكن نسبتها لرسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهل يعقل أن نقول إنّ الرجل جنى على الأمة؟
إنني أتعجب ممن يهيلون التراب على البخاري، أمجانين هؤلاء؟! الرجل عبقري بالمقاييس العلمية، والعباقرة يحفر له التاريخ مكانتهم.
وأقول لكل من يحاول النيل من البخاري، بنية صادقة، نية التجديد والشعور بأزمة حضارية؛ ليست المشكلة في البخاري، بل على العكس؛ المشكلة أنّه لا يوجد بخاريّ جديد، المشكلة أنّ هذه الأمة، بطولها وعرضها، توقفت عن إنتاج العبقريات، وعن النقد والفرز، فلم يأتِ بعد البخاري بخاري آخر، حتى تلميذه مسلم، بدل أن يزيد في شروط قبول الحديث، ويحطاط لأقوال الرسول صلى الله عليه وسلم أكثر وأكثر، نزل بشروط قبول الحديث عن شيخه البخاري، وجاء من بعده من نزل حتى عن شروطه، وهكذا؛ بدل أن ترتقي الأمة في الشروط، نزلت بها، فظلّ كتاب البخاري هو الأعلى من حيث شروط قبول الحديث، وهنا يكمن عمق الأزمة.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
باختصار؛ نحن نحتاج إلى بخاري آخر، ينظر أولاً في كتاب البخاري ويبحثه، وهل التزم بشروطه التي وضعها لنفسه في كلّ أحاديث كتابه، ثم يأتي بمنهج علمي جديد، أكثر صرامة لقبول الحديث؛ فالبخاري ليس أزمة الأمة، بل أزمة الأمة أنّها عقمت أن تلد بخارياً جديداً، وهو شيء لا يصدَّق، ومن ثم فتقدّمنا مرهون بولادة عبقريّ، بل عباقرة جدد، وإن ظللنا ننفي إمكانية ذلك، وأنّه ليس في الإمكان أفضل مما كان، فنحن حقيقة ننفي إمكانية تقدّمنا ولو شبراً واحداً. 
الحاضر الغائب

هل يمكن أن تلخّص لنا أزمة تجديد الخطاب الديني، إذا كان ثمة أزمة، ورؤيتك للخروج منها؟
الخروج من هذه الأزمة يمرّ بثلاث خطوات محددة، الأولى: يمكن أن نطلق عليها مرحلة الإطفاء؛ فحينما يشبّ حريق في بيت ما يكون التفكير في تجميله وتزيينه ضرباً من العته والجنون، والبيت العربي والمسلم الآن تلتهمه نيران التطرف والتعصب، وتحيطه من كلّ أرجائه، ومن ثمّ فالمهمة الأولى الآن؛ هي محاربة هذه الأفكار، وهدمها وإطفائها، فنحن لن نتقدم قيد أنملة واحدة، في أيّ اتجاه، من دون إنهاء هذه الأفكار التي تحارب وتهدم كلّ تقدم وكلّ تجديد.
تأتي بعد مرحلة الإطفاء، أو بالتزامن معها، ما يمكن أن نسميها مرحلة الانتقاء والغربلة للتراث، وهي مرحلة لها ضوابطها وشروطها التي تجعلها فاعلة وناجزة، بعدها مرحلة وضع النظريات الكلية؛ التي تساهم في مسيرة الإنسانية، وتقدّم الجديد للبشرية.

للمشاركة:



فرنسا: مطالبات بتعليق عضوية تركيا في الناتو وفرض عقوبات عليها

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

طالب 59 برلمانياً فرنسياً، من 8 مجموعات سياسية، الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بدء فرض عقوبات على تركيا، والتحرك من أجل تعليق عضويتها في حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وحثّ البرلمانيون الفرنسيون الرئيس ماكرون على فرض عقوبات على تركيا، على خلفية عدوانها على شمال سوريا، وبذل كافة الجهود من أجل مساعدة "الحلفاء الأكراد"، وفق "فرانس برس".

برلمانيون فرنسيون يطالبون ماكرون ببدء فرض عقوبات على تركيا على خلفية عدوانها على سوريا

وقال البرلمانيون في بيان مشترك: "نحن منزعجون بشدة من الصمت أمام هذه الهجمات التي يشنّها الجيش التركي على أكراد سوريا، وذاك الاحتلال الذي ينتهك الحقوق الدولية للديمقراطيات الغربية، ويدفع المنطقة للمزيد من الاضطرابات، ندعو أوروبا للتحرك بشكل عاجل من أجل اتخاذ التدابير اللازمة ضدّ تركيا".

وسرد البيان مجموعة من الطلبات اللازم اتخاذها، على رأسها وقف العداون التركية على سوريا فوراً، وحماية حلفائنا الأكراد الذين قدموا تضحيات كبيرة في المواجهة مع داعش.

كما أكّد البرلمانيون على ضرورة وقف كافة المفاوضات مع أنقرة المتعلقة بانضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، وقطع جميع المساعدات المالية عن أنقرة، مطالبين بتوقيع عقوبات على تركيا مشابهة بالعقوبات الاقتصادية الموقعة على خلفية ضمّ روسيا لشبه جزيرة القرم.

وأيضاً، طالبوا بتعليق عضوية تركيا في حلف الناتو؛ بسبب تهديدها للأمن المشترك للدول الإفريقية.

 

للمشاركة:

تركيا وميليشياتها ينتهكون اتفاق وقف إطلاق النار

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

انتهكت القوات التركية والميليشيات الموالية لها اتفاق وقف إطلاق النار؛ حيث تجدّدت الاشتباكات في بلدة رأس العين السورية، بعد هجوم مسلّح شنّته على موقع وحدات حماية الشعب الكردية.

ومن جهة أخرى، قال وزير الخارجية التركي، مولود جاويش أوغلو، اليوم: إنّ بلاده ستناقش مع روسيا إخراج مسلحي وحدات حماية الشعب الكردية من مدينتَي منبج وكوباني شمال سوريا، خلال محادثات في سوتشي، وفق ما نقلت "سكاي نيوز".

القوات التركية والميليشيات الموالية لها يشنّون هجوماً على وحدات حماية الشعب الكردية

وسيسافر الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، إلى سوتشي، بعد غد، لإجراء محادثات طارئة مع نظيره الروسي، فلاديمير بوتن.

وصرّح جاويش أوغلو، خلال مقابلة مع قناة "كانال 7"؛ بأنّ "تركيا تتوقع إخراج وحدات حماية الشعب من المناطق التي انتشرت فيها القوات الحكومية السورية المدعومة من موسكو في شمال سوريا".

وأضاف: "تركيا لا تريد أن ترى أيّ مسلّح كردي في المنطقة الآمنة بسوريا، بعد هدنة الأيام الخمسة".

وشنّت تركيا عملية عبر الحدود ضدّ وحدات حماية الشعب في شمال شرق سوريا، في التاسع من تشرين الأول (أكتوبر) الجاري، بعد أن قرّر الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، سحب قوات بلاده من موقَعين في المنطقة، في خطوة قوبلت بانتقاد دولي شديد.

بدورها، اتّهمت منظمة العفو الدولية، الأول من أمس، القوات التركية والفصائل السورية الموالية لها بارتكاب "جرائم حرب" في هجومها ضدّ المقاتلين الأكراد، شمال شرق سوريا.

وذكرت المنظمة في تقرير لها؛ أنّ "القوات التركية وتحالف المجموعات المسلحة المدعومة من قبلها أظهرا تجاهلاً مخزياً لحياة المدنيين، عبر انتهاكات جدية وجرائم حرب بينها عمليات قتل بإجراءات موجزة وهجمات أسفرت عن مقتل وإصابة مدنيين".

 

للمشاركة:

الحوثيون يستعدون لمهاجمة جيزان السعودية..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

كشف قیادي حوثي كبیر اكتمال تجھیز كتیبة یزید تعدادھا عن ألف مقاتل، مخصصة للاقتحامات، لشنّ ھجوم على محافظة جیزان السعودية .

قیادي حوثي يكشف اكتمال تجھیز كتیبة یزید تعدادھا عن ألف مقاتل لشنّ ھجوم على جیزان

وقال القیادي، الذي فضّل عدم ذكر اسمه، في تصريح نقله موقع "المشھد" الیمني، أمس: إنّ "الكتیبة یتمّ التجھیز لھا منذ مایقارب الشھر، بخبرات إیرانیة ولبنانیة ویمنیة، وإنّھا ستكون ناجحة، بحسب المصدر، نظراً للظروف الطبیعیة المواتیة والتي تتشابه مع الظروف البیئیة للمقاتلین الحوثیین والمنحدرین في الغالب من المناطق الجبلیة" .

وأكّد المصدر عجز عناصر الميلیشیا الحوثیة الإرهابية عن الھجوم على المناطق الصحراویة والساحلیة، وھو ما كبّدها خسائر فادحة، خاصّة بسبب عدم وجود جیوب ومخابئ من طیران الأباتشي، وعدم وجود غطاء جوي لها .

وأوضح المصدر؛ أنّ "الھدف من ھذه العملیة ھو الضغط على السعودية للاعتراف

بالميلیشیا كأمر واقع، رغم ما تشكّله من خطر على جمیع الأنظمة العربیة، بتبعیتھا لنظام الملالي في إیران" .

الحوثي: الكتیبة یتمّ التجھیز لھا منذ مایقارب الشھر بخبرات إیرانیة ولبنانیة لشنّ الهجوم

الجدیر بالذكر؛ أنّ المصدر كشف أیضاً تكبّد الحوثيين خسائر بشریة كبیرة، خلال الشھرین الماضیَین، خاصة في جبھتَي الضالع والساحل الغربي.

من جانبها، تمكّنت القوات السعودية من صدّ محاولات اقتحام متعددة قامت بها ميليشيات الحوثي الإرهابية في المناطق الحدودية، وألحقت بالميليشيات خسائر، بشرية ومادية، كثيرة.

 

للمشاركة:



هل يمكن تجميد عضوية تركيا بـ"الناتو"؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

نجاة السعيد

تسببت العمليات العسكرية المستمرة لتركيا في شمال سوريا، والتي أطلق عليها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان «منبع السلام»، في حالة من الفزع بين حلفائها في حلف «الناتو»، وفي ظل هذه الانتهاكات الخطيرة وجرائم الحرب، بما في ذلك القتل العمد والهجمات غير القانونية التي أسفرت عن مقتل وإصابة مئات المدنيين خلال العدوان على شمال شرق سوريا، تتزايد التساؤلات عما إذا كان بإمكان الحلف طرد تركيا؟ فقد وصف الرئيس الفرنسي العملية العسكرية التركية باعتبارها «ضرباً من الجنون»، محذراً من أنها قد تتسبب في فرار المتطرفين المحتجزين لدى «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وفي انبعاث «داعش» مجدداً. وبرأي الرئيس الفرنسي، فإن ما يحصل في شمال شرق سوريا «خطأ جسيم ارتكبه الغرب والحلف الأطلسي في المنطقة»، وأن إحدى نتائجه ستكون «إضعاف مصداقيتنا في إيجاد شركاء في المنطقة يثقون بنا، ويقاتلون إلى جانبنا، وهم متأكدون من حمايتنا الدائمة لهم».
كما أعلن رئيس المجلس الأوروبي، دونالد توسك، الجمعة الماضي، «أنّ الاتحاد الأوروبي لن يقبل استخدام الرئيس التركي قضية اللاجئين للابتزاز»، داعياً في الوقت نفسه إلى وقف العملية العسكرية التركية في الشمال السوري.
وقد ذهب آخرون أبعد من ذلك، فتوعد السناتور الأميركي ليندسي جراهام بـ«فرض عقوبات من الحزبين على تركيا إذا قامت بغزو سوريا»، وبـ«الدعوة إلى تعليق عضويتها من الناتو إذا هاجمت القوات الكردية التي ساعدت الولايات المتحدة في تدمير داعش». وقد اقترح النائب إليوت إنجل، رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأميركي، على الولايات المتحدة أن تفكر في طرد تركيا من «الناتو». وفي 13 أكتوبر، كشف وزير الدفاع الأميركي، مارك إسبير، أنه حذّر تركيا قبل توغلها في الأراضي السورية من مثل هذه العملية أو مواصلتها، إذ أن ذلك «سيضر بالعلاقات الأميركية التركية وببقاء تركيا في الناتو».
إلا أن سيناريو طرد تركيا من الحلف يقابل بتردد من بعض الأعضاء، بمن فيهم الأمين العام للحلف، ينس ستولتنبرغ، الذي امتنع عن انتقاد الانتهاكات التركية في سوريا، واكتفى بالدعوة إلى وقف القتال، مشيراً إلى أن الحلف لا يلعب أي دور في سوريا، باستثناء المساعدة في تنفيذ عمليات استخباراتية، وتنظيم حركة الطيران فوقها.
إن هذا التردد يعود إلى عدة أسباب، أهمها أن تركيا تعد ثاني أكبر قوة عسكرية في الحلف بعد الولايات المتحدة، ويسهم استمرار عضويتها في «الناتو» في احتواء الخلافات القديمة بينها واليونان. كما يعول «الناتو» بشكل ملموس على قاعدة إنجرليك كمنطلق أساسي لأنشطته في الشرق الأوسط، فضلاً عن وجود أسلحة نووية أميركية في ذلك الموقع العسكري الحساس، بالإضافة إلى أن تركيا تحظى بموقع جغرافي استراتيجي، وخاصة سيطرتها على مضيق البسفور، الممر المائي الوحيد من وإلى البحر الأسود.
ورغم أن المادة 3 من معاهدة شمال الأطلسي تلزم الأطراف بتطوير التحالف العسكري، فإن هذا الالتزام يهدف إلى متابعة أهداف المعاهدة، ومنها أن حلف «الناتو» ليس مجرد مجتمع مصالح، ولكنه أيضاً مجتمع قيم، وبالتالي فإن واجب تطوير القدرات العسكرية والتعاون لتحقيق هذه الغاية لا يلغي الالتزام بتعزيز مبادئ الديمقراطية والحرية الفردية وسيادة القانون.
قد يبدو لبعض أعضاء حلف «الناتو» أن طرد عضو من الحلف يمثل إجراءً متطرفاً، لكن من الممكن تجميد العضوية لأنه لا العقوبات الاقتصادية ولا الهدنة، متمثلة في وقف إطلاق النار ستجدي نفعاً مع هذه العنجهية الخرقاء، متمثلة في انتهاكات الرئيس التركي، والتي يتعين كبحها وكبح المطامع العثمانية الجديدة معها، وليس تركيا كدولة.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

انقسام في "النهضة" بين قيادة الحكومة أو الحكم من وراء ستار

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

كشفت أوساط مقربة من اجتماع شورى حركة النهضة عن وجود خلافات قوية بين قيادات الحزب بشأن المرشحين لرئاسة الحكومة، وأن هناك شقا كبيرا يطالب بأن تسند هذه المهمة لقيادي من الحركة ومن وجوهها التاريخية مثل علي العريض وعبداللطيف المكي وزياد العذاري، بينما القيادة التنفيذية وعلى رأسها راشد الغنوشي تعتبر أن الحكم من خلال واجهة شخصية وطنية مستقلة أسلم للحركة.
وحرص الشق المتصلب في الحركة على إطلاق تصريحات، قبل البدء في جلسات المجلس الذي يستمر ليومين، تشدد على أن خيار الحركة الأوحد هو اختيار واحد من قياداتها. لكن متابعين للشأن التونسي يقولون إن الهدف من ذلك هو إظهار نوع من الحزم بمواجهة ضغوط من حلفاء مفترضين في الحكومة القادمة يطالبون بحكومة وحدة وطنية أو كفاءات مستقلة تحت إشراف الرئيس الجديد قيس سعيد حتى تحصل على دعم شعبي أوسع.
وأعلن رئيس مجلس الشورى عبدالكريم الهاروني، السبت، أن “الحركة تتجه وبقوة نحو تعيين شخصية من داخلها لترأس الحكومة، باعتبارها الحزب الفائز في الانتخابات التشريعية (52 مقعدا من 217)، والمكلفة حسب الدستور بتشكيل الحكومة”.
وأضاف الهاروني أن النهضة بدأت اتصالات ومشاورات مع أحزاب وأطراف متواجدة في البرلمان، منها التيار الديمقراطي (22 مقعدا)، حركة الشعب (16 مقعدا)، “تحيا تونس” (14 مقعدا) وائتلاف الكرامة (21 مقعدا)، إضافة إلى نواب مستقلين.

وكان فتحي العايدي، رئيس مجلس الشورى السابق للحركة قال منذ يومين إن رئيس الحكومة سيكون من النهضة، وإن من يرفض هذا الخيار فليستعد لإعادة الانتخابات، وهو ما فهم على أنه تعال واستخفاف بالكتل التي تسعى النهضة لإشراكها في التحالف الحكومي.
وعزا مراقبون هذا التشدد إلى محاولة استرضاء أنصار الحركة الذين باتوا يعتقدون أنه حان الوقت لاستلام الحكم وتجنب خيار التوافق الذي قاد إلى تضرر الحركة من العقاب الشعبي الذي سلطه الناخبون على أحزاب الائتلاف الحاكم السابق بسبب فشلها في مواجهة ملفات الفساد والأزمة الاقتصادية والاجتماعية الخانقة.
لكن هؤلاء المراقبين يعتقدون أن الغنوشي والقيادة التنفيذية المحيطة به يميلون إلى الاستمرار في خيار التوافق وترشيح شخصية وطنية مستقلة ترضي طيفا واسعا من السياسيين والرأي العام لتجنب عقاب قادم يطال الحركة لوحدها.
وتورطت النهضة في السابق بقيادة الحكومة في فترة حمادي الجبالي وعلي العريض أيام كانت تمتلك القوة الضاغطة شعبيا وبرلمانيا لكنها فشلت في إدارة الحكم، وعلى العكس فقد قادت إلى تعميق الأزمة السياسية بسبب الخطاب الحاد والاستعلائي تجاه الخصوم، فضلا عما أحاط بتلك الفترة من وضع أمني كارثي بسبب الاغتيالات السياسية وتوسع أنشطة الجماعات الإرهابية، وهو وضع اتهمت الحركة بأنها تتحمل مسؤوليته المباشرة سياسيا.
ويعتقد متابعون للشأن التونسي أن الحركة ستجد نفسها مضطرة إلى البحث عن شخصية وطنية تكون بمثابة واجهة تستطيع من خلالها جذب كتل أخرى مثل حركة الشعب والتيار الديمقراطي وائتلاف الكرامة وتحيا تونس للتصويت لفائدة الحكومة بالبرلمان، وحتى لا تتهم بالتعطيل وتغليب المصلحة الحزبية على المصلحة الوطنية.
ويشير هؤلاء إلى أن الغنوشي، الذي يميل شخصيا إلى الحكم من وراء ستار، سيمارس ضغوطا داخل مجلس الشورى لإعطائه صلاحية قيادة المشاورات بشأن اختيار رئيس الحكومة وكذلك عقد تفاهمات بشأن المحاصصة في تركيبة الحكومة، لافتين إلى أن خيار النهضة الأول هو توفير الحزام السياسي لحكومتها وليس الحقائب وهو ما يعني أنها لا تمانع في التنازل عن الحقائب السيادية التي قد تجلب لها متاعب إضافية بسبب مخاوف الطبقة السياسية من الأخونة والسيطرة على المؤسسات الحساسة.
وتتخوف النهضة من تشكل جبهة قوية بمواجهتها مثلما جرى في 2013، ولذلك تحرص على بعث رسائل إيجابية إلى اتحاد العمال، واتحاد أرباب العمل.
وقال الهاروني إن “الاتصالات جارية أيضا مع مجموعة من المنظمات الوطنية، التي لها دور في إنجاح التجربة الديمقراطية التونسية، وعلى رأسها الاتحاد العام التونسي للشغل (أكبر منظمة نقابية)، باعتباره شريكا أساسيا للنهضة وشريكا في إدارة الشأن الوطني، إضافة إلى اتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية (منظمة الأعراف)، واتحاد الفلاحين، والمجتمع المدني”.
وأضاف الهاروني أن اجتماعات مجلس شورى النهضة ستناقش طبيعة الحكومة المقبلة، والأطراف التي ستشارك فيها وبرنامجها، الذي يجب أن يعبّر عن طموحات التونسيين، ويأخذ بعين الاعتبار الشباب، والمناطق الداخلية، والحرب على الفساد والفقر والبطالة، وتخلف التنمية.
وشدد على أن النهضة لا تريد انتخابات سابقة لأوانها (مبكرة)، لكنها لا تخشاها (في حال فشلت عملية تشكيل حكومة).

عن "العرب اللندنية"

للمشاركة:

في اليمن، يكذبون كما يهتفون!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-20

عبدالواسع الفاتكي

يهتفون للجمهورية اليمنية، يتغنون بالشرعية، ينظرون للحرية والعدالة والدولة المدنية، يتقمصون رداء الوطنية، تصاب بمس من الإعجاب عند سماعك لخطبهم وبياناتهم وشعاراتهم فتكفر بما سواهم، متأثرا بسطوة حقن التخدير التي حقنت بها في المدرسة أو الكلية أو المسجد أو حتى في أماكن العمل، ستظل غائبا عن الوعى، موهما نفسك أن من يتحدث عن الزهد في الدنيا، ومن يحضر صلاة الفجر في المسجد، ويحرص على قراءة آيات من الذكر الحكيم بين المغرب والعشاء مثلا، لا يمكن أن يكن طالب سلطة أو مال. وهب أنك في لحظة رجوع وعيك تهورت، فسألت أحدهم، ما السر الكامن وراء ثروتكم وصعودكم في هرم السلطة وسلم الإدارة؟! سيجيب أحدهم أصلح نيتك! نيتك سيئة لأنك لست في حلبة الطاعة، حيث ستكن نيتك طاهرة صافية، آخر سيجيب على ذات السؤال، ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب أنت في نظرهم لست متقيا لله المشكلة فيك أنت، مرقت عن الجماعة! وشذيت عن الطريق، ونأيت بنفسك جانبا، وتريد من الله أن يجعل لك مخرجا هكذا يريدون القول، التفسير الديني حاضر وبقوة لكل استحواذ على السلطة والمال، لكل تهميش وإقصاء وإبعاد للغير، تأويل للأقدار بطريقة عجيبة وغريبة، إن أصيب أحدهم بسوء قالوا: ابتلاء. وإن أصاب ذلك السوء الأخر قالوا: عقوبة.

انتقادك لخصومهم ومعارضيهم في نظرهم قمة الوطنية، ومنتهى المصداقية، وإن انتقدتهم فأنت بالنسبة لهم خائن وعميل ومدسوس، وتحمل أجندة مشبوهة، رؤاهم هي السليمة، مواقفهم هي الصحيحة أفرادهم لا يخطؤون، وإن أخطؤوا فهم مكرهون، وما يشاع عنهم مكايدات، صدعوا رؤوسنا في الحديث عن الحقوق والعدالة وخدمة المواطن، عندما لم يمتلكوا خيوط اللعبة، وعندما امتلكوها، وسطع نجمهم، ولمع بريقهم، بات التكلم عن الحقوق كالراتب مثلا نوعا من الخيانة أو التحريض، وإقلاق سكينة السلطة وعدم مراعاة ظروفها.

يحافظون على الجماهير المؤيدة لهم، مستخدمين خطاب يدغدغ عواطفها، استفادوا كثيرا من القرب من السلطة ومشاركتهم فيها، فكونوا لهم امتدادا واسعا وحضورا في المجتمع، مرتبطا بشبكة نفوذ ومصالح مترابطة، ناجمة من الاستثمار للأحداث والظروف، ومدعوما بسيطرتهم على مؤسسات حزبية العمق مدنية الظاهر، ناهيك عن امتلاكهم آلة إعلامية ضخمة؛ تبرر لمواقفهم، وتجمل صورتهم لدى الشارع اليمني.

الآخر بالنسبة لهم مشكوك فيه، وطنيته في نظرهم محل نظر، المخالف في الرأي عميل والناقد مصلحي، عندما يمتلكون سلطة القرار، يمارسون الإقصاء للآخر وبشدة، حتى لو كان يتفق معهم في قضايا كثيرة، طالما هو خارج دائرة تنظيمهم وتربيتهم المغلقة على أدبياتهم فقط، وطالما لم يمنح صك الصلاحية والتأهل من مجلس تشخيص مصلحة الحزب، وأما قبولهم بمشاركة الأخرين في السلطة، فيخضع للظروف ولمبدأ جلب المصلحة الحزبية أو درء المفسدة، وليس للمصلحة العامة علاقة بذلك إلا في إطار النكاية والمكايدة مع الآخرين.

يركزون على الولاء للحزب وإهمال الكفاءة والنزاهة، وهذا يجعلهم في مواقف متناقضة، فيدعمون بعض الأشخاص المحسوبين عليهم وفق نظرية المحاصصة، والذين ليسوا بمنأى عن ممارسة الفساد، فإذا ما انتقد هؤلاء هبوا للدفاع عنهم والتبرير، أو الحديث عن فساد الآخرين، كمقايضة هذه بتلك، ينتقصون من الآخرين ويستهجنونهم، ويقللون من جهودهم إلا فيما ندر، إذا كان الأمر فيه نوع من التجميل لهم لإظهارهم بثوب الوسطية والإنصاف، ويحرصون كل الحرص على تضخيم وتعظيم أي دور يقومون به وأنصارهم ولو كان صغيرا.

ستحتفظ الجماهير بإرشيفهم ستأتي مرحلة اختيار الشعب اليمني لمن يحكمه، سيبعثون عسسهم، الذين يجيدون سبك المعاني وصياغة العبارات، والاستشهاد بالحديث والآيات، سيبثونهم بين الجماهير؛ ليواروا سوآتهم لكن ذلك لن يجدي، حتى مراكز القوى التي وجدت بهم وترعرعت برعايتهم لها ستلفظهم، كما لفظت الحاكم السابقين حاشيتهم ومراكز قواهم.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية