الفقه الإسلامي في أزمة

لا نعدو الحقيقة، إذا قرّرنا أنّ الفقه الإسلامي أهمّ العلوم الشرعية على الإطلاق؛ فالفقه هو العلم الحاكم والمؤسِّس للمعاملات التي تلتئم علاقات الأفراد ببعضهم في المجتمع، كما أنّه المنظّم والمحدّد للأطُر والأحكام التي تحكم العبادات، الصلاة، والزكاة، والصيام، والحجّ، التي هي بين العبد وربّه؛ فالفقه مرتبط بالواقع أيما ارتباط، رغم اعتماده على النصّ، وحاجته إلى علوم أخرى مساعِدة؛ كالحساب واللغة والمنطق، وغيرها.

أهمية علم "أصول الفقه"

ويأتي علم "أصول الفقه" كقواعد حاكمة وضابطة للفقه؛ دليلاً على أصالة وإبداع العقلية الإسلامية آنذاك؛ إذ تمّ تأسيسه قبل ظهور عصر الترجمة، ما يـدلّ على أسبقيّته للفلسـفة والمنطق، ويؤكّد أصالة قواعده التي عبّرت عن النهضة العلمية التي ارتبطت بالواقع الاجتماعي، الذي شهد ازدهار الحضارة الإسلامية، وسيادة التفكير العقلاني الذي أسّسته مدرسة المعتزلة، فكان علم "أصول الفقه"، كما يقول حسن حنفي، "تعبيراً عن رُوح الحضارة الإسلامية، والتوجّه نحو الواقع؛ من أجل السيطرة عليه عن طريق تنظيم الأفعال فيه، ووضع قواعد السلوك البشري، فغايته ليست الآخرة؛ بل الدنيا، وليست الدين؛ بل عمارة الأرض، وليست الله؛ بل العالم".

منتصف القرن الخامس الهجري بدأ الفقه في التدهور وغاب الاجتهاد وتسابَق الفقهاء في تقليد الذين سبقوهم من الأئمة المجتهدين

وحول منتصف القرن الخامس الهجري، بدأ الفقه في التدهور؛ فغاب الاجتهاد تماماً، وتسابَق الفقهاء في تقليد الذين سبقوهم من الأئمة المجتهدين، واكتفوا بالنقل والاجترار، وبات الفقه لديهم على شكل متون وشروح وحواشٍ، وانفصل الفقه عن الواقع تدريجياً، بفعل عدم مواكبة الظروف المعيشة، وعدم مسايرة روح العصر ومطالبه ومقاصده، ولم يكتفِ الفقهاء المقلِّدون بذلك؛ بل اتّهموا كلّ مَن حاول الاجتهاد، ورام البحث، بعيداً عن تقليد السابقين، بأنّه من "أهل البدع والزيغ والهوى"، وجرى اضطهادهم واستبعادهم عن حلقات الدرس وقصور الأمراء والحُكّام!

إقصاء الفقهاء المجتهدين لصالح فقهاء السلطان

لم يذكر التاريخ، بعد إذ تدهور الفقه الإسلامي، أنّ فقيهاً مجتهداً، أو محبّاً للاجتهاد والبحث، قد نال حظوة أو مكانة أو منصباً، لدى خليفة أو أمير أو حاكم؛ فأُقصِي المجتهدون، وضُيِّق عليهم من قبل فقهاء السلاطين المقلِّدين، الذين انضووا تحت لوائهم، لينالوا امتيازات ومناصب وإقطاعيات، مقابل تبرير الأمر الواقع، وتحفيز السلطان بنصوص مقتطعة من سياقها، وأحكام وفق الهوى، لإرضائه وتبرير أفعاله وسياساته، ولا مانع لديهم من انتحال وتلفيق أحاديث لتقوية تلك الأحكام وتعضيدها، وهذا ما يفسّر تضخّم النصوص الحديثية؛ التي طفحت بها كتب الفقهاء وحواشيهم وشروحهم، فلم يكن للفقهاء المجتهدين نصيب من حظوة، أو طريق إلى امتياز، فغابوا قسراً عن المشهد، وتمّ تجهيلهم واتهامهم بالضلالة والزيغ والبدعة!

اقرأ أيضاً: الزندقة.. سلاح الطغاة والفقهاء لمواجهة المعارضين والعقلاء

أما عن الاختلاف بين المذاهب الفقهية؛ فقد كان بطعم التناحر والجدال، بل الاقتتال أحياناً، لا بطعم التنافس الشريف، الذي يبذل فيه كلّ فقيه، أو مجتهد، نفسه ليخلُص إلى حكمٍ أو حلٍّ لمسألة معيشة، فكان الصراع سمة أساسية تحكم المذاهب الفقهية، ولم يكن غريباً أن يشنّ أصحاب كلّ مذهب هجومهم على أصـحاب المذاهب الأخرى، بشتّى أساليب الهجوم وألوانه، وهو ما يجعلنا لا ننحّي الجانب السياسي في ذلك الصراع، خاصةً أنَّ انتشار المذاهب كان متوقّفاً على قُرب فقهاء تلك المذاهب وتلامذتهم من الأيديولوجيا السياسية الغالبة في ذلك الوقت.

أسباب فوضى الأحكام الفقهية

ومن الجدير بالذكر؛ أنَّ تدهور الفقه وإقصاء المجتهدين قد ساهم بشكل كبير في انتشار ظاهرة فوضى الأحكام الفقهية والقانونية، وتحكّم الهوى في القضاء؛ إذ اعتمد القضاة على ملخصات فقهية قاصرة عن تفسير وتأطير الواقع المعيش، واهتدوا بالشروح والحواشي التي كانوا يستصحبونها معهم في مجالس قضائهم، لكنّ ذلك لم يمنع من وجود فقهاء حاولوا الاجتهاد، منهم: ابن تيمية، الفقيه الحنبلي، لكنّ تعصّبه للنصّ، وعداءَه للمنطق، حالا دون إتمام طريق اجتهاده. كما اجتهد بشكل مؤثّر أيضاً؛ فقهاء الشيعة الزيدية، والإمامية، والخوارج، والإباضية.

أزمة الفقه الإسلامي اليوم

اليوم؛ نعيش الأزمة نفسها، أزمة واقع الفقه الإسلامي، وما يضمّه من اجتهادات قديمة لا تتناسب مع واقعنا المعيش؛ لأنّ باب الاجتهاد ما يزال مغلقاً، ومهما حاول المقلّدون ادّعاء غير ذلك، فهم إنما يلفّون ويدورون حول كلمة "الثوابت"؛ وهي كلمة رجراجة لا أصل لها في الدين، فلم ترِد إلا على ألسنتهم، عند كلّ مناقشة معهم حول تطوير وتجديد الفقه، وما يتبع ذلك من تجديد أحكامه ومقاصده، لتتناسب مع معطيات العصر وأزماته وأحواله، وظروفه الاجتماعية والإنسانية والاقتصادية، وهي ظروف تغيّرت كثيراً، وبشكل متسارع، عمّا كانت عليه في زمن الفقه قديماً، لكنّ فقهاء اليوم يحاولون تجميل الأمر، فيدّعون أنّهم يجتهدون وفق القرآن والسنّة، دون أن يدركوا أنّ التعامل مع النصّوص على أنها كتلة واحدة، لا ترتبط بالأحداث والمتغيرات، إنّما يؤدي إلى التناقض وتضارُب الأحكام!

لا يدافعون عن الدين بقدر ما يدافعون عن امتيازاتهم التي لا تتّسق التجديد والإصلاح

وليتهم توقّفوا عند حدود ذلك؛ بل هم يحاربون كلّ مجتهد أو مُتنوّر، في محاولة منهم لإسكاته وتخويفه بقضايا الحسبة وازدراء الأديان، وما شابههما من قضايا لا معنى لها، أو في محاولة منهم لإخضاعه إلى سلطتهم، التي يتحصّلونها بجمودهم على النصّ، ومغازلة العوام ممّن لا يعرفون ولا يدركون عبء الواقع والفكر، وهم لا يدافعون عن الدين بقدر ما يدافعون عن امتيازاتهم الكهنوتية، التي لا تتّسق مع أيّة محاولة للتجديد والإصلاح؛ لذلك ما تقدّمنا شبراً واحداً في باب الإصلاح الديني والفكري!

وأولى خطوات تجديد الفقه الإسلامي؛ تجديد علم "أصول الفقه"، الذي أبدعته القريحة الإسلامية قديماً، ودراسة تطور علم الفقه، لا من حيث تطوره تاريخياً، كما هو موجود الآن، بل من حيث التأكيد على فكرة قابلية أحكامه للتطور، بحسب التغيرات الزمانية والمكانية؛ لتتساوق تلك الأحكام مع الواقع النسبي لا مع النصّ المطلق، كما لا بدّ من وجود إرادة سياسية حاكمة فعّالة، لإقرار صيغة تجديدية وإصلاحية، بعيداً عن سلطة الشيوخ الرسميين، الذين يقفون حجر عثرة في طريق التجديد والإصلاح، فليس بالكلام يتم المراد؛ بل لا بدّ من قرار حازم، وإلّا سيكون الأمر في النهاية كمَن يحرث في بحـر!

اقرأ أيضاً: هل أسهم العقل الفقهي في إعاقة تأصيل الحداثة؟

الأقسام: