"الإسلام العربي" في الأزمنة الحديثة.. الصراع على المفهوم

تعكس الثقافات المأزومة، سيما الثقافة العربية، هوياتٍ متماثلة في تعبيرها عن الإشكاليات المتصلة بعدم قدرتها على إنتاج المعنى، وفق المبادئ التفسيرية التي تصدر عنها أي في الطرائق التي عادة ما يحتكم إليها نقاش "المثقفين" حيال قضايا إشكالية، قد لا تنبع إشكاليتها، بالضرورة، من ممكنات التعبير والتوصيف لجوهرها، بقدر ما تكمن الأزمة في الطبيعة التي تعكسها تلك النقاشات، حين تمارس تأبيداً لصور نسقية من النقاش، تعيد إنتاج نفسها باستمرار.

والحال؛ أنّ الأيديولوجيا هي التي ستكون، حينئذ، القناع الحديدي الذي يمنع القدرة على إنتاج المعنى في النقاش، وتعميم أفكار معرفية راسخة حيال تلك القضايا.

اقرأ أيضاً: عن جذور الإرهاب في الثقافة العربية المعاصرة

المفارقة هنا؛ أنّه في الغالب ما يكون ترديد الأفكار النمطية المؤدلجة لرأي المفكر، ويتم تعميمها لأسباب حزبية أو شللية، كي تأخذ الفكرة وجاهتها وثبوتها القطعي في تداولات النقاش، بعيداً عن أيّ سياق أو مناخ يفكّك حجيتها المزعومة تلك، عبر تداول حرٍّ للمعرفة وقاعدة منطقية مشتركة للنقاش.

لعلّنا اليوم أصبحنا أكثر وعياً بفداحة الثمن الذي تدفعه المجتمعات العربية المعاصرة عبر دورات العنف التي تنتجها القاعدة وداعش

يتمثل ذلك واضحاً، مثلاً، في سياق الفكر الإسلامي التاريخيّ؛ حيث يتم تعويم الآراء "العقلانية" للمعتزلة في النقاش العمومي للمثقفين، بوصفهم سادة العقل في التاريخ الإسلامي، دون أيّ فحص لدور الفكر الأشعري الذي عبّر عنه فلاسفة كبار؛ كالشاطبي والغزالي وابن رشد وحتى ابن خلدون، ودون إدراك السياق التاريخي الذي فرض فيه المعتزلة آراءهم بقوة السلطان (الخليفة المأمون)، على عامة الناس، الذي كان له ردّ فعل مباشر في انتصار الخليفة العباسي "المتوكل"؛ الذي انتصر بدوره للحنابلة.

وبتحليل هذا النموذج؛ الذي له نظائره في الثقافة العربية، يتضح لنا أنّ طبيعة الثقافة، التي تميل إلى جعل الأقوال الظنية كما لو أنها مبادئ تفسيرية، وتنميطها كسرديات قطعية لا تقبل الجدل؛ هو في الحقيقة انعكاس لمأزق تلك الثقافة ودليل على لاتاريخيتها في مقاربتها للأفكار والآراء؛ حيث إنها لا تنتج عمليات معرفية وتأويلية بمختلف زوايا النظر، كما هو الحال في الثقافات الحيّة، بل تعبّر عن سياق لا واعٍ بتاريخية النقاش في تلك القضايا.

اقرأ أيضاً: بذور العلمانية في الفكر العربي الحديث

ولعلّ من الأمثلة الحيّة في هذا الصدد؛ أنّ اعتراف فلاسفة الغرب بأنّ الثقافة التاريخية العربية تملك فلاسفة حقيقيين، من أمثال: ابن رشد وابن خلدون وغيرهما، مع اعتراف آخر، في الوقت ذاته، بأنّ الثقافة العربية المعاصرة اليوم لا تكاد تتوفر على فيلسوف واحد من طراز أولئك الفلاسفة التاريخيين، ما يلفت النظر؛ أنه مع ذلك الاعتراف، لا يكاد الباحث، في الغالب الأعم، يقع على تأويلات معرفية لباحثين عرب معاصرين، تذكّر بأنّ الحيثيات المعرفية لوعي النص القرآني، التي جعلت من أولئك الفلاسفة، أمثال؛ ابن رشد وابن خلدون، فلاسفةً من داخل سياق الفضاء المعرفي للإسلام، هي حيثيات راهنة ما تزال تملك وجاهة في سياق الفكر العربي الحديث.

في الغالب ما يكون ترديد الأفكار النمطية المؤدلجة لرأي المفكر ويتم تعميمها لأسباب حزبية أو شللية

فمن غير المقبول منطقياً؛ أن نتوهم القطيعة المعرفية مع النصّ القرآني (وهي قطيعة لم تحصل حتى الآن)، ثمّ نظلّ ننظر إلى أولئك الفلاسفة، من أمثال؛ ابن رشد وابن خلدون، كما لو أنّهم فلاسفة أنتجوا وعيهم الفلسفي من فضاء مغاير لا يطرح أسئلته الكلية في سياق تاريخي متصل، حتى اليوم، بتأويل النص القرآني، وفي هذا النظر، بطبيعة الحال، إيحاء يتوهّم أنّ هناك قطيعة عربية قد حدثت مع النصّ القرآنيّ في الأزمنة الحديثة، قياساً على القطيعة التي أحدثتها جهود  فلاسفة النقد التاريخي في أوروبا؛ الذين فكّكوا الكتاب المقدّس، بعهديه القديم والجديد، وأنجزوا قطيعة معرفية واضحة.

هذا فضلاً عن أنّ أيّ تصوّر فلسفيّ معاصر لتأويل فلسفة ابن رشد مثلاً، لا ينجو من حيثيات راهنة بالضرورة، تتصل بجدل القطيعة والصيرورة في النصّ القرآني، مادامت تلك القطيعة المعرفية لم تحدث حتى اليوم، مع ذلك النص، في فضاء الفكر العربي المعاصر.

اقرأ أيضاً: هل ما زلنا في حاجة إلى الفلسفة؟

والحال؛ إذا ما بدا الوضع العربي اليوم خالياً من وجود فلاسفة من عيار ابن رشد أو ابن خلدون (وهو كذلك بالطبع)؛ فإنّه لا يستقيم التصالح مع رؤية تاريخية لأيّ مفكّر عربي، تدَّعي مجاوزة ابن رشد مثلاً، دون أن تكون لمنهجية الأخير المعرفية مع النص القرآني خطّاً واضحاً، أو تأويلاً معاصراً، في فضاء الفكر العربي الحديث.

هكذا، في غياب التفكير الفلسفي بالإسلام وتأطيره في منظومات التعليم الحديث؛ أدّت ترسيمات وممارسات سلطوية عسكرية وأيديولوجية، ليساريين وليبراليين وقوميين، في العالم العربي، توهّمت قطيعة مع الدين، وبشّرت بالاندماج في الحداثة، بخيرها وشرّها، إلى انفجار حركات الإسلام السياسي بكافة أنواعه، في غياب أيّ منهج تنويري للإصلاح الديني، ولعلّنا اليوم أصبحنا أكثر وعياً بفداحة الثمن الذي تدفعه المجتمعات العربية المعاصرة، عبر دورات العنف التي تنتجها القاعدة  وداعش، إلى جانب تطبيقات حركات الإسلام السياسي؛ التي طبقت أفكار "مفكّري" تلك الحركات، من أمثال: الترابي، والمودودي، وسيّد قطب.

اقرأ أيضاً: العنف والنص الديني بين التأويل والسياسة

بطبيعة الحال، اليوم، هناك من يشتغل على وعي اللحظة الفكرية والتاريخية للإسلام في الأزمنة الحديثة؛ عبر اجتراح رؤى معرفية للدين، أنتجت منهجيات جديدة في استقطاب تناقضات العلاقة مع الحداثة، عبر تأويل معرفي (أبو القاسم حاج حمد، محمد شحرور، طه عبد الرحمن، الشيخ عبد الله بن بيه) أنموذجاً، وهي اشتغالات معرفية جسورة وجديرة بالتأمل.

الأقسام: