حسين مروّة.. وُلد شيخاً ومات طفلاً برصاص الحقد الطائفي

10622
عدد القراءات

2017-12-03

يُحكى أنّ النسر إذا بلغ أربعين عاماً، فإنه يطير إلى قمة عالية، ثم ينتف ريشه، ويضرب منقاره بصخرة صلبة حتى يكسره، وكذلك يفعل بمخالبه، ثم يمكث في عزلته شهوراً، فإذا بمنقار جديد أكثر حدة يخرج مكان القديم، ومخالب أشدّ قوة تنبت بدلاً من تلك التي أصابها الزمن بالوهن، بينما يكسو الجسدَ ريشٌ جديد، أكثر بريقاً، فيعود النسر شاباً ليعيش بعدها أربعين سنة أخرى .

في جنوب لبنان، ولد حسين مروّة لعائلة شيعية، حيث كان الانتماء للطائفة أمراً ينطوي في جوهره على حمولة اجتماعية ودينية تؤطر حياة الفرد، وتوجهه في سياقات محددة سلفاً. أراد له والده أنْ يصبح رجل دين، ولُقّبَ في مهده بالشيخ، وما إن اشتدّ عودُه حتى أرسله إلى العراق ليدرس في الحوزة العلمية بالنّجف، علّه يصبح ذات يوم مرجعية يلجأ إليها الناس، ويحيلون عليها.

درس حسين مروة التراث، ومضى يمارس التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري فيه

عند العتبات المقدسة استيقظت مداركه، ومضى عقله النقدي يعمل النظر  في كل ما حوله، وكل ما درسه على يد المرجعيات الدينية هناك، لتدوّي في أعماقه جملة دفعته نحو العبور إلى حيث مرافئ الخلاص خارج مدارات المذهبية الضيقة: "ألا مرجعية سوى الإنسان"، لينخرط في صفوف اليسار مدافعاً عن العدالة الاجتماعية، وسرعان ما استيقظ المناضل في قلب الشيخ الذي لم يهدأ بعدها أبداً.
خلع الشيخ عمامته، ليعمل في سياق الحركة الوطنية العراقية كاتباً وخطيباً ومناضلاً، ونتيجة لمواقفه، قام نوري السّعيد بإبعاده عن العراق، وسحب منه الجنسية العراقية التي كان قد حصل عليها، ليعود إلى بيروت عام 1949 وقد بلغ الأربعين من عمره.
كبرياء النسور
بكبرياء النّسور، رفض مروة الهزيمة، ونفضَ عن كاهله وطأة ما تعرض له من ظلم، لينبت له ريش جديد، استعاد به عنفوان جناحيه قبل أنْ يطرق بقوة أبواب السماء .

إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة

واصل حسين مروة كتاباته الصحفية، ونضاله السياسي، خارج أطر المذهبية، ليصبح مفكراً لكل لبنان، ينتمي للوطن ولكل ما هو إنساني، ويرفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية، بينما ظل هو غير عابئ بالتهديدات، ينزع غطاء الشرعية السماوية عن الفرقاء الذين انخرطوا في مجاهل حرب أهليّة طاحنة مزقت الوطن شرّ ممزق. يقول "حنّا مينه": "لم يكنْ مُعلّماً فحسب، بل كان أخاً كبيراً، يسوق الكلام، كأنما يطرح أسئلة، ينتظر جوابها، في حين يتولى هو نفسه الإجابة، عبر حوار هادئ".

تثوير التراث
درس مروة التراث، ووضع يده على الكيفية التي بات يُقرأ بها على عواهنه، ليقرر كسر حلقة السرد والتكرار الرتيبة، ومضى يمارس نوعاً من التفكيك المفاهيمي لمعطياته، واضعاً يده على مكامن الفكر الثوري في ثناياه، وفي أحيان كثيرة كان يقوم بتثوير هذا الفكر العربي القديم لغة ومضموناً، فالتصوف مثلاً -في ظنه- لم يكن مجرد حالة إنعزالية يصاحبها الزهد، وإنما يرمز إلى حركة ثورية يكشف عنها المحتوى الأيديولوجي للفكر الصوفي نفسه، والذي ينطوي، وفق مروّة، على نظرية ثورية بوضعها التاريخي، فحركة الزهد في مراحلها الأولى، وفي تطوراتها اللاحقة، تكشف عن كونها موقفا ثورياً يرفض في جوهره ما ذهب إليه أطراف النزاع السياسي المتأجج منذ مقتل الخليفة عثمان بن عفان، قبل أنْ تتحول بنية هذا السلوك الانعزالي إلى رؤية فلسفية أكثر شمولاً، يراها أصبحت تمثل مرجعية فكرية لقوى المعارضة منذ العصر العباسي، وهو ما يفسّر قيام السلطة بملاحقة المتصوفة ومحاكمتهم، وإنزال أشدّ العقاب بهم، وقد بلغ الأمر ذروته بصلب الحلاج، قبل أنْ يتم إفراغ التّصوف من مضمونه بتحوله (الطرقي)، ليصبح وسيلة لتخدير الجماهير، وتثبيط كل جنوح نحو التمرد والثورة.

أصبح مروة بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية

وفي معالجته لمسألة القوانين الموضوعية في الطبيعة، مضى مروة يتتبع النزعات المادية، مؤكداً أنّ المعتزلة استشرفوا وجود تلك القوانين التى تجري وفقها الظاهرات الطبيعية كلها، مدللاً على ذلك بالرجوع إلى مبحث "الجزء الذي لا يتجزأ" وإلى مختلف آراء المعتزلة في مسألة الجوهر والعرض، متتبعاً ما أسماه بمحاولات معتزلية لتصور هذه القوانين، مستخرجاً ومحللاً المقاربات التى ترجح ذلك، مثل مقولات الشهرستاني حول خضوع كل جسم طبيعي لقوانين ثابتة: "إذا دفع الحجر اندفع، وإذا بلغت قوة الدفع مبلغها عاد الحجر إلى مكانه بمقتضى الطبيعة"، وهو ما يجد فيه محاولات لتلمس الوجود الموضوعي لقوانين الطبيعة، والتي تتلاقي في الوقت نفسه مع طروحات معمر بن عباد السلمي: "الحياة فعل الحي، القدرة فعل القادر، الموت فعل الميت"، ويتجلى كل ذلك في قوله الصريح إنّ "حركات الفلك وكل ما اشتمل عليه الفلك من ذي حركة أو سكون، وتأليف وافتراق ومماسة ومباينة، فعل غير الله"، اتفاقاً مع كلام الجاحظ الوارد في قوله: "إنّ للأجسام طبائع وأفعالاً مخصوصة بها".

معول النقد الديالكتيكي
أعملَ حسين مروة معول النقد الديالكتيكي، لا لهدم التراث، وإنما لتقويض الخطاب الصّنمي القروسيطي الذي اعتاد العرب أنْ يتحدثوا به كلما قرأوه، واضعاً يده على الطريقة التي عملت بها حركة القوى الاجتماعية، في تفاعلها بما حولها من البنى التحتية، وما فوقها من بنى سياسية، وعلاقتها بالأنماط التاريخية في صيرورتها وحركتها بين مرحلة وأخرى، محاولاً استنطاق التراث، واستخراج مقولاته العليا وقوانينه المادية التي اتفقت إلى حد كبير مع رؤيته الماركسية.
الماركسية بنزعة جمالية
اكتسبت الماركسية، مع مروة، نزعة جمالية، ونهجاً واقعياً جديداً، ليصبح بلا منازع مؤسس مدرسة النقد الواقعي الاشتراكي، في مواجهة النزعات الرجعية والمثالية، حيث اهتم بالجانب العملي التطبيقي، منطلقاً من طبيعة الاحتياجات الإنسانية وقوانين تطور المجتمع، وفق منهجية نقدية تهتم بكيفية عمل الخصائص التعبيرية، وسبر أغوار تلك العلاقة بين النص ومدلولاته الرمزية، وكيفية عمل تلك المدلولات ومدى ما تقدمه من حمولات معرفية.

رفض كل ما هو طائفي، وهو ما كان يمثل خطراً للحركات السياسية التى ارتكزت أيديولوجيتها على منطلقات دينية طائفية

اقتربت الأربعون سنة الأخرى من الاكتمال في حياة النسر المحلق دوماً عكس التيار، وقد أصبح العقل المفكر للحزب الشيوعي اللبناني الذي بات في مقدمة الصفوف في مواجهة الصهيونية، رافعاً راية إعادة تقييم وصياغة المشروع العروبي في ظل ارتهانات الواقع، ورافضاً في الوقت نفسه الانصياع لمحاولات الاستقطاب التى مارسها حزب الله، قبل أنْ تتحول إلى تهديدات صريحة في ظل تواطؤ القوات السورية التى بات حسين مروة بالنسبة لها أكثر إزعاجاً.
وفي السابع عشر من شباط (فبراير) عام 1987، حدث ما كان متوقعاً، وأسكتت رصاصات الغدر صيحة الرفض التي انطلقت في مجاهل الحرب الأهلية البغيضة، وللمفارقة أشارت كل أصابع الاتهام لحزب الله، ليسقط الشيخ المناضل الذي أرسله والده في الصغر للتفقه في المذهب، ولم يكن يعلم أنه سوف يسقط شهيداً بيد أتباعه انصياعاً لقوانين حرب ملعونة، وهو ما لخصه مهدي عامل في تأبين رفيقه قائلاً: قتلوك لأنك شيعي وشيوعي.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



لماذا يُعد "أمير كبير" رجل الإصلاح والتحديث في إيران؟

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2019-10-16

رغم واقع الدولة الإيرانية الراهن، الذي يتّسم بالجمود والثبات، في ظلّ حكم الجمهورية الإسلامية، ونظام الوليّ الفقيه الذي يُطبق بمخالبه على التنوع في المجتمع، ويفرض العديد من السياسيات والرؤى الضيقة التي تغلق مسام التجديد، فيترك انطباعاً مشوهاً ومنقبضاً، في أعقاب كلّ حديث حول الدولة الفارسية وتاريخها.. رغم كل ذلك فثمة تاريخ آخر موازٍ، يسبق لحظة سقوط العمامة الغليظة على عقل الدولة، يحفل بالعديد من المنجزات الإصلاحية، في السياسة، والاقتصاد، والفنّ، والصحافة؛ حيث لعبت شخصيات مؤثرة عدة أدوار بهدف التحديث والتطوير، ونقل مجمل الخبرات المتقدمة وتطبيقها، إضافة إلى تنظيم العلاقة مع العالم، الذي يعدّ منذ أربعين عاماً، بمثابة سؤال أزمة في طهران.
بواكير التحديث
بزغ اسم الميرزا تقي خان، الملقب "أبو الإصلاحات"، والمعروف باسم "أمير كبير"، مع عهد الدولة القاجارية، والأخيرة، تعدّ إحدى أكثر فترات التاريخ السياسي الإيراني حساسية وأهمية؛ إذ جاءت في أعقاب سقوط وهزيمة الدولة الصفوية، في العقد الثالث، من القرن الثامن عشر الميلادي، ونشوء عدة حكومات محلية مستقلة، حتى عادت الوحدة مع تدشين "آفا محمد خان" الدولة القاجارية.

كان من بين الأمور التي سعى كبير لتنفيذها، فيما يتّصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير في مراسم العزاء

وقد شهدت تلك الفترة بواكير التحديث، والاستفادة من كلّ الطاقات الموجودة في المجتمع، دون تمييز طائفي أو صنع حواجز مذهبية، وما يرافقهما من وقائع فساد وظلم. كما حصل المسلمون، والمسيحيون، واليهود، والزرادشتيون، وغيرهم من الطوائف الدينية والقومية والإثنية، على حقوقهم الدينية والمواطنية والمدنية.
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية، كما لعب أدواراً سياسية وإصلاحية متفاوتة؛ كان من بينها، وصوله لمقعد رئيس الوزراء، الذي بقي فيه لمدة ثلاثة أعوام، استحدث خلالها مؤسسات جديدة، ووضع جملة من القوانين، وأسّس لمجموعة من القيم المنضبطة في الإدارة ونظام العمل، بهدف منع الفساد المالي الإداري، في بلاط الشاه، ومن ثم، تطوير مؤسسات الدولة، كما عقد اتفاقيات مهمة مع الدول الغربية؛ إذ يعدّ أول من عقد اتفاقية تجارة وملاحة مع الولايات المتحدة.

اقرأ أيضاً: كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟
ومن بين الأمور التي وضع قواعدها بشفافية وانضباط صارمَيْن؛ تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة؛ بداية من الملك، وحتى أصغر عامل، كما أنشأ أول هيئة للبريد، والعديد من المستشفيات والمصحات الطبية، ويضاف إلى ذلك؛ اهتمامه بتحديث المؤسسة العسكرية، وتطوير الجيش، خاصة أنّها تعرضت لهزيمة فادحة في عهد الدولة السابقة (الصفوية).
تولى "أمير كبير"، المولود عام 1807، عدة مناصب مهمة، في عهد الدولة القاجارية

مسارات التحديث
لذا؛ اتفق مع النمسا على تولّي أمر تطوير وتحديث الجيش، من حيث التدريبات لأفراده، ومده الجيش بالسلاح، وبعدها تمكّن من عقد عدة اتفاقيات أخرى مع بريطانيا وروسيا.
يعدّ أمير كبير من بين جيل تأثر بالمساحات الجديدة التي اكتشفها الغرب، خلال القرن قبل الماضي، في العلم والسياسة والفنّ، كما يوضح الباحث الإيراني، عدنان زماني، في دراسة منشورة عن رجل الإصلاحات في عهد الدولة القاجارية؛ حيث تطلّع عبر البعثات العلمية، وزيارة المدن الأوروبية، ومشاهدة الجامعات الغربية، أن ينهل مما أنتجته من معرفة جديدة، فقد عاش في تبريز، شمال غرب طهران، في بلاط ولي العهد، عباس ميرزا، والذي كان يحفل بوجود مجموعة من الخبراء الأوروبيين، وانتقل للعمل معهم في إسطنبول، كسفير لدى الدولة العثمانية، لمدة أربعة أعوام، واطّلع على مؤلفات جمال الدين الأفغاني، وآرائه الإصلاحية، التي اشتق منها عناصر عديدة وحاول تطبيقها في الإصلاح والتحديث داخل إيران.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني
وعليه؛ قام بتأسيس "دار الفنون"، للمرة الأولى في تاريخ إيران، عام 1851؛ حيث تعدّ المدرسة الأولى في إيران، التي تخالف واقع التعليم الديني السائد، حتى ذلك الوقت، وبالتالي، حررت المجتمع من إطار المدارس الدينية المنتشرة، وكان التعليم فيها ينقسم إلى كليات الطبّ والتشريح، والهندسة، واللغة الأجنبية، كما استقدم معلمين لهذه التخصصات، من فرنسا والنمسا، والعديد من الدول الأوروبية، ويذكر أنّه انضمّ لصفوف الدراسة، في المرحلة الأولى، نحو 114 طالباً، واصل جميعهم بعد ذلك دراستهم وتعليمهم في أوروبا، عبر البعثات التعليمية التي توافرت لهم.
كيف تؤسس دولة حديثة؟
وبينما يعدّ ميرزا فراهاني أحد حلقات التحديث الإيراني، الذي بدأ منذ العقد الثالث للقرن التاسع عشر، فقد ساعده اطلاعه على الإصلاحات في الدول الخاضعة للاستعمار العثماني، ومعها إصلاحات محمد علي في مصر، ومتابعته لها بشغف، وتحديثه للجيش، أن ينطلق منها لبناء دولة قوية، لها مؤسساتها وأجهزتها الإدارية، لذا وضع تحديث الجيش في مركز أولوياته، ثم تبع ذلك بناء المؤسسات العلمية والتعليمية والطبية، ودعمها بالبعثات التعليمية الأولى، وبذلك يكون وضع أسس النهضة للدولة، بما جاء في تجربة سلفه في مصر نفسها.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
ومثلما راجت الصحافة، وانتشرت بصورة قوية ومؤثرة، في التجربة المصرية، اهتم ميرزا بالصحافة، وإصدار المطبوعات المختلفة، وأسّس "أمير كبير" الجريدة الرسمية لإيران، المعروفة باسم: "روزنامه رسمي إيران"، بيد أنّ تغييرات جرت بعد ذلك، في الاسم والمضمون والشكل الخاص بالجريدة؛ حيث تبدلت إلى "وقايع اتفاقيه"، إلى أن تمّ الاستقرار على اسم "روزنامه دولت عليه إيران"، قدمت تلك الصحيفة العديد من الترجمات المهمة للمقالات العلمية، وكانت تصدر بثلاث لغات؛ الفارسية والعربية والإنجليزية.
أصدر قراراً بإلغاء التطبير المنتشر في مراسم العزاء

غضب رجال الدين
جلبت الإصلاحات التي قام بها أمير كبير، ومحاولاته التحديثية، خاصة في التعليم، خصومة رجال الدين، ونقدهم له ومحاربتهم إياه؛ لما تسببت فيه خطواته التقدمية من تهميش لدورهم، وتقليص لنفوذهم؛ حيث كان يهاجم العديد من الطقوس الدينية المغلوطة، والممارسات التي كان يعدّها بمثابة "خرافات وشعوذة"، إلى أن انتهى به الحال مقتولاً في مدينة كاشان، جنوب طهران، بعد أيام ليست بكثيرة على عزله من منصبه.

من القضايا التي وضع كبير قواعدها بشفافية وانضباط صارمين تحديده مستوى الرواتب التي يحصل عليها المسؤولون والأفراد في الدولة

وكان من بين الأمور التي سعى لتنفيذها، فيما يتصل بالمجال الديني، إصداره قراراً بإلغاء التطبير، المنتشر في مراسم العزاء، كما ألغى وزارة "دار الشرع"، والأخيرة كانت تمارس نوعاً من التعسف والاضطهاد على غير المسلمين، بينما أعطى الأقليات الدينية مزيداً من الحقوق المواطنية والمدنية، وألغى اللجوء للأضرحة الدينية، وتصدى للعديد من الجماعات الدينية المتطرفة.
لم تكن محاربته لطبقة رجال الدين، وهيمنتهم على المجتمع وأفراده، هي السبيل الوحيد لتأليب هذه الطبقة ضدّه، الأمر الذي تسبّب في عزله من منصبه واغتياله، بيد أنّ أمير كبير سعى لتقليص نفوذ الأجانب المسيطرين بقوة على الشؤون الداخلية الإيرانية، وعزل العديد من الولاة المتهمين بالفساد والولاء للأجانب، وبالتالي، عمد إلى تنويع العلاقات مع الغرب؛ ليحدّ من نفوذ البريطانيين والروس الذين كانوا يتقاسمون الوضع المحلي الإيراني، وتوجّه إلى أطراف دولية أخرى، من بينها النمسا والولايات المتحدة، وهو ما يوضحه السفير البريطاني لدى طهران، فيليب هوفمن، في رسالة وجهها إلى وزير خارجية بلاده، آنذاك، وقال فيها: "توجهات أمير كبير ضدّ الروس، لا تعني أنّه من المؤيدين لنا، لكنّ هدفه الرئيس تقليص نفوذ الروس والبريطانيين في إيران والعمل على تنفير الناس منا ومن الروس معاً".

للمشاركة:

كيف تحوّل روبرت موغابي من بطل إلى دكتاتور؟

منى يسري's picture
صحافية وكاتبة مصرية
2019-10-03

"الربّ وحده يستطيع تنحيتي من العرش"؛ بتلك الكلمات الأخيرة ذيّل الراحل عن عمر ناهز 95 عاماً، روبرت موغابي، مسيرته المتناقضة بين مناضل من أجل التحرر الوطني إلى ديكتاتور انفرد بالسلطة طيلة أربعين عاماً، لا صوت يعلو فوق صوته، حتى تمّت إزاحته عن السلطة، عام 2017، بعد أن تجاوزّ التسعين من عمره.
لكن ما الذي حوّل موغابي من بطل حرَّر بلاده من الاحتلال إلى دكتاتور؟
نظرة على زيمبابوي
زيمبابوي، أو روديسيا الجنوبية، كما سمّاها الاحتلال البريطاني، على اسم سيسيل رودس، المؤسس الفعلي للإمبراطورية البريطانية، والذي يعدّ أحد أهمّ الشخصيّات في التوسع البريطاني في أفريقيا جنوب الصحراء؛ حيث حصل على حقوق المعادن عام 1888، ووفق كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"، للمؤرخ العسكري الأمريكي، بايرون فارويل؛ فإنّ سيسيل حصل على حقوق حصرية، وقّعت إثرها الملكة فيكتوريا، عام 1889، ميثاقاً يمنح رودس ثروة معادن جنوب أفريقيا كاملة، فيما استخدمها سيسيل لإرسال مستوطنين بيض إلى الأراضي الأفريقية، وأنشؤوا منظّمة مسلحة من قبل الحكومة الإنجليزية، سمّيت "BSAP"، وقادت حرباً مع السكان الأصليين من السود.

اقرأ أيضاً: عيدي أمين: خلطة سحرية لديكتاتور مثالي
وفي عام 1899؛ تمّ إنشاء المجلس التشريعي مع أقلية من المقاعد المنتخبة، وكان المنوط بها تمرير التدابير الحكومية عن طريق كتلة ممثلة لصالح شركة جنوب أفريقيا البريطانية"BSAC" ، التي أنشأها رودس؛ حيث كانت أغلبية الناخبين من المستوطنين البيض وزادت نسبة المقاعد المنتخبة مع مرور الوقت، وبحلول عام 1918، كانت الغالبية تؤيّد حكم ""BSAC، لكن سرعان ما تغير هذا التأييد مع تطور البلاد وزيادة الاستقرار.

 كتاب "موسوعة حرب الأراضي في القرن التاسع عشر"

ومع انتهاء الحرب العالمية الأولى؛ أصدرت المحاكم البريطانية مرسوماً مفاده أنّ الأراضي التي لا تملكها جهات أو أشخاص ملكية خاصية، تصبح ملكاً للتاج البريطاني، بدلاً منBSAC" "، وكان هذا القرار بمثابة دفعة كبيرة لحملة الحكم الذاتي، واحتفظت ردويسيا الجنوبية بحقّ التصويت للبيض والسود الذين يمتلكون رأس مال لا يقلّ عن 150 جنيه استرليني، أو لديهم دخل سنوي لا يقل عن 100 جنيه إسترليني، ويخضع الناخبون لاختبار اللغة الإنجليزية، وظلّت تلك الشروط حتى عام 1951؛ إذ تمّ رفع المؤهلات المالية، وبسبب طفرة ما بعد الحرب العالمية الثانية، ازدهر اقتصاد البلاد، وعليه؛ فإنّ الفترة ما بين 1953 و1958، حاولت الحكومة فيها العمل على إصلاحات ليبرالية لزيادة رفاهية السكان السود، خشية التمرد، وذلك عن طريق زيادة فرص تعليم السود، وتقديم السكن والرعاية الصحية، بعد تلك الفترة استمرت الأقلية البيضاء في تحجيم سلطة الأغلبية السوداء، بينما استمر نضال السود لإحباط حكم البيض، حتى تنصيب إيان دوغلاس سميث رئيساً للوزراء، مع استقلال روديسيا غير المشروط من قبل السود، واستمرّ هذا السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد، عام 1980؛ إذ تمكّنت الأغلبية السوداء من حكم زيمبابوي.

استمرّ السجال المسلح بين البيض والسود حتى أعلن استقلال البلاد عام 1980

فارس التحرير الوطني
تبدو شخصية موغابي أكثر تعقيداً بتتبع مسيرته الحياتية، لا سيما بعد توليه السلطة في أعقاب الاستقلال، فالمملكة المتحدة، التي منحته لقب "فارس" تكريماً لنضاله ضدّ الاستعمار، لم تكفّ عن تشويه صورته كديكتاتور أغرق بلاده الواعدة هائلة الثروة، فالصبي الذي نشأ في كنف أمه، بعد أن هجرها والده، وهو لم يتجاوز الثلاثة أعوام، احتضنته المدارس التبشيرية الكاثولوكية، وتفوّق دراسياً، حتى ارتاد جامعة "فورت هير" في جنوب أفريقيا، وبعد التخرّج، تمّ تعيينه معلماً في غانا، ومع قدوم الستينيات، بزخمها في حركات التحرر الوطني، التي اجتذبت موغابي، الذي تلقّى تعليماً جيداً، رحل إلى بلاده عام 1960، ليبدأ عمله السياسي، الذي استهله بالسجن لعشرة أعوام؛ إثر خطاباته التي دعا فيها إلى تدمير المملكة المتحدة، وإنهاء حكمها للبلاد.

اقرأ أيضاً: "العشق المحرَّم" بين الديكتاتوريات والساحرة المستديرة
بعد خروجه من السجن؛ هرب إلى موزمبيق المجاورة، ومن هناك قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"، والذين انشقّوا عن الاتحاد الشعبي الإفريقي لزيمبابوي "زابو"، بقيادة جابوا نكومو، وخاضوا حرباً طويلة ضدّ حكومة إيان سميث، خلّفت 27 ألف قتيل.

قاد قوات حرب العصابات، التابعة للاتحاد الوطني الأفريقي الزيمباوي، المعروف بـ "زانو"

وعام 1979؛ جلب اتفاق لانكستر هاوس، الذي انعقد في لندن، الاستقلال لزيمبابوي، ليعود موغابي إلى وطنه بطلاً متوّجاً، ومعلناً سياسة المصالحة مع البيض، وطلب مساعدتهم في إعادة بناء البلاد، وفي خطابه المشهور بعد الاستقلال، غازلهم بقوله: "إذا حاربتك بالأمس كعدو، فقد أصبحت اليوم صديقاً، وإذا كرهتني بالأمس، فلا يمكنك اليوم تجنّب الحبّ الذي يربطني بك"، وفي بداية حكمه قاد حكومة ائتلافية مع نكومو، لكن سرعان ما أطاحه موغابي، عام 1982، بتهمة التخطيط لانقلاب عسكري للإطاحة بحكمه، وعليه فقد تمرّدت قوات نكومو المسلحة، وقادت حرباً أهلية قتل فيها الآلاف من المدنيين، بحسب صحيفة "التايم الأيرلندية"؛ التي نعت نكومو بعد وفاته، عام 1999، واصفة إياه بـ "رجلنا العزيز الكبير"، بينما سحقت قوات موغابي المدربة من كوريا الشمالية تمرد أتباع نكومو، الذين خلّفوا 20 ألف قتيل من المدنيين، في الوقت نفسه؛ قرّر موغابي الاهتمام بالصحة والتعليم، لتصبح زيمبابوي في الثمانينيات من الدول الأفريقية الأكثر صحة، والأفضل تعليماً، في وقت قياسي.

نكومو

الطريق إلى الهاوية
عام 1987؛ عقدت المصالحة بين زانو وزابو، وفي الثاني والعشرين من كانون الأول (ديسمبر)، تمّ توقيع اتفاقية الوحدة من قبل الزعيمين، وانضم زابو إلى زانو ليصبح اسمه "زانو بي إف"، وهو ما جعل المعارضة السياسية تتنامى في أيام موغابي، وما جعلها في تصاعد كانت سياسات توزيع الأراضي وتسوية الإرث الاستعماري، الذي بدأها موغابي في التسعينيات من القرن الماضي، في هذا الصدد تحدث مدرس العلوم السياسية بمعهد الدراسات الأفريقية، جامعة القاهرة، الدكتور أحمد أمل، لـ "حفريات" قائلاً: "لا شكّ في أنّ موغابي كان بطلاً للتحرير، بلا منازع، سوى نكومو، وقد صنع معجزة اقتصادية فيما يخصّ العملية التعليمية والرعاية الصحية التي انتهج فيها نهجاً سوفييتياً بامتياز، لكن بالنظر إلى تسوية الأراضي فقد قاد موغابي حملة عنصرية ضدّ البيض؛ باعتبار أنّ السود صارت لهم اليد العليا، هذه الازدواجية في المعايير خلقت له معارضة تنامت مع زوال الديكتاتوريات المجاوزة في أوغندا، وغيرها من دول الجوار، وتحالفت المعارضة مع بريطانيا في محاولة لإسقاط حكمه، خاصة بعد اتهامه من قبل القوى الدولية؛ بأنّه شيوعي، وذلك لأنّ محرّكه الفعلي للنضال ضدّ الاستعمار كان شيوع الأفكار الماركسية في الستينيات".

صحفية عن موغابي: تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ على الهدايا التي منحت له

ويستطرد قائلاً: "كثيراً ما نفى موغابي ماركسيّته، لكنّ سياساته الإصلاحية كانت تثبتها، وعلى مستوى إعادة توزيع الثروة والأرض؛ فإنّ هذه العملية أطلقت العديد من الأسئلة حول الهوية والجنسية، وكان النقد الموجَّه إلى الرئيس وقتها هو ازدواجية الإمبريالية والتعصب الاستبدادي غير المقبول للمعارضة آنذاك؛ حيث كانت القوات المسلحة درعاً أساسياً لبقائه في السلطة، لكن ما جعل حكمه يتهاوى كان مشروع خلافة زوجته غريس لرئاسة الجمهورية، كان هذا القشّة التي قصمت عرش موغابي إلى الأبد"، وفي مقال نشرته صحيفة "الغارديان" البريطانية، بعد وفاة موغابي، يستعرض الصحفي الأمريكي ومدير مكتب "الغارديان" بواشنطن مسيرة موغابي الذي قسّمه إلى شخصين، أحدهما بطلاً للتحرير ولأفريقيا برمّتها، أمّا الآخر؛ فهو ديكتاتور غامض وقاسٍ، لكنّه في غاية الذكاء، يعرف الهدف ويصيبه سريعاً، ومن خلال مقابلة أجراها سميث مع وزير مالية موغابي، سيمبا ماكوني، فإنّ موغابي بالنسبة إليه كان موغابي السابق "بطلاً للتحرير"، ثمّ ديكتاتوراً متكالباً على السلطة، واستعرض ماكوني في المقابلة جانباً من شخصية موغابي، قائلاً: "رجل قويّ وغامض، ذكي ومرح، ويحاول بشتى الطرق أن يخفي نقاط ضعفه".

عشاء مع موغابي
في كتابها "عشاء مع موغابي"، تسبر الصحفية الجنوب أفريقية، هيدي هولاند، أغوار الرئيس الغامض، التي سردت سيرة ثلاثين عاماً من حياته، ولا يخلو كتابها من التناقضات التي اتّسمت بها شخصيته؛ ففي بداية الكتاب فصول كاملة تسرد سيرة الرجل المحارب الذي حرر بلاده بروح قتالية نادرة الوجود، وباستكمال السيرة، خاصة مع بداية التسعينيات، نجد أنفسنا أمام شخصية أخرى، غاية في القسوة وحبّ السلطة، الذي دفعه لسحق المعارضة على مرأى ومسمع من العالم، وتصفه بقولها: "رجل تعاملت معه الحياة بقسوة بالغة، لكنّه افتقر لقوة الشخصية التي تدفعه للردّ بنعمة على الهدايا التي منحت له من بلاده".

كتاب "عشاء مع موغابي"

بينما تتوازى سيرة موغابي مع مانديلا؛ فإنّ الأخير أجرى مقابلة مع الصحفي الجنوب أفريقي، إليستر سباركس، في مطلع الألفية؛ إذ يصفه مانديلا: "كان النجم، ثم أشرقت الشمس"، ويوضح سباركس الكره الشديد الذي كنّه مانديلا لموغابي الذي كان ينافسه على قيادة أفريقيا، إلّا أنّ مانديلا سرعان ما تنازل عن السلطة قبل أن تشرق عليه الشمس، كما موغابي.
وبحلول عام 2008؛ تمّ تجريد موغابي من لقبه الفخريّ، وتعرض لعقوبات دولية كانت بريطانيا خلفها بلا منازع، بينما ظلّ، حتى نهاية حياته، يردّد جملته الأكثر شهرة: "لن تكون زيمبابوي مستعمرة مرة أخرى".

للمشاركة:

سليمان بشير ديان: حكيم أفريقي ينتصر للمشترك الإنساني

2019-09-24

سليمان بشير ديان، فيلسوف سنغالي مرموق في العالم، ولد في سانت لويس عام 1955، ودرس في السوربون، على يد لويس ألتوسير وجاك دريدا، كما درس في هارفرد، وتخصص في فلسفة الرياضيات والمنطق، مع اهتمام واسع بالإسلاميات والفلسفة السياسية والآداب الأفريقية وأسئلة الهوية، ويُعدّ أحد أهم سفراء الفلسفة الأفريقية في الولايات المتحدة، وبدرجة أقلّ في الساحة الأوروبية، بمقتضى المركزية الغربية المهيمنة في المجال الثقافي الأوروبي مقارنة مع نظيره الأمريكي.

درس سليمان بشير ديان مفيد لأقلام المنطقة العربية التي تشتغل في الحقل الفلسفي حتى تتحرّر من السياجات الفكرية الضيقة

عام 1982؛ رجع ديان إلى وطنه الأصلي، وقام بتدريس مادة الفلسفة في جامعة الشيخ أنتاديوب في دكار؛ حيث أصبح نائب عميد كلية العلوم الإنسانية، وجاءت ذروة اعتراف السلطات السنغالية بمكان بشير ديان، عندما قام الرئيس السابق عبده ضيوف، بتعيينه مستشاره التعليمي والثقافي؛ حيث شغل المنصب طيلة ستة أعوام، بين 1993 و1999.
وتعرّف القراء العرب إلى بشير ديان خلال العقدين الأخيرين على الخصوص، من خلال الحوارات والمقالات التي تنشر له في منابر بحثية أو إعلامية أوروبية، خاصة المنابر الفرنسية، وما تزال الذاكرة تحتفظ بمضامين أحد الأعداد الخاصة لمجلة "لونوفيل أوبرسرفاتور" (المراقب الجديد) الفرنسية، وصدر في غضون 2004؛ حيث كان بشير ديان من بين أهم 25 مفكراً عالمياً.
قام بتدريس مادة الفلسفة في جامعة الشيخ أنتاديوب في دكار

النزعة الثقافية الغربية
صحيح أنّه لا يمكن الفصل في طبيعة أهم حكماء العالم حينها واليوم، إضافة إلى أنّ الحكمة هنا مرهونة بطبيعة مرجعية مُعدّي مثل هذه الملفات، دون الحديث عن النزعة الثقافية الغربية في إصدار هذه الأحكام والمواقف، عبر هذه الملفات، ومع ذلك، كان اسم الرجل حاضراً، وهذا أمر ليس هيناً قط، أخذاً بعين الاعتبار المُحددات سالفة الذكر.

اقرأ أيضاً: سليمان بشير ديان.. الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام
رغم أنّ سليمان بشير ديان يُطالب فرنسا دوماً بأن تعترف صراحة بتاريخها الاستعماري؛ فإنّه حاضر بين الفينة والأخرى في المنابر الفكرية هناك، خاصة في مجلة "فلسفة" و"المجلة الأدبية"، ولكن؛ لأنّه يرى أنّ دول جنوب الصحراء أكثر تقدماً من الناحية الديمقراطية من الدول العربية، فإنّ حضوره متواضع في المشهد الفكري العربي؛ حيث إنّنا نادراً ما نعاين حضوره في بعض ملتقيات المنطقة، باستثناء انفتاح المؤسسات المغاربية عليه خلال الأعوام الأخيرة؛ حيث شارك مؤخراً في بعض المؤتمرات التي نظمت بالمغرب، منها مشاركته في ندوة احتضنها "صالون جدل" بالرباط، في 20 أيار (مايو) 2015، أو مشاركته في أشغال منتدى "سانت لويس"، الذي احتضنته مدينة الصويرة، في 2 و3 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018، والحديث عن مدينة تلقب بعاصمة التسامح في شمال أفريقيا.

اقرأ أيضاً: خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير
من أقواله الشهيرة: "من الخطأ الاعتقاد أنّ الفلسفة اختراع أوروبي أوجدته المعجزة اليونانية، وبيان ذلك؛ أنّ الممارسة الفلسفية غُرست في جسد الإنسان انطلاقاً من اللحظة التي دفن فيها موتاه، وتساءل حول معنى الحياة، وزيّن الأضرحة بالأعمال الفنية، ثم إنّ جميع الثقافات، بما فيها الثقافات الشفوية، لها حظها من هذه القدرة الفلسفية الخالصة، والتي تخولها اتخاذ المسافة من تراثها وإخضاعه للنقد".
انتقل إلى الكتابة حول الفيلسوف الهندي، محمد إقبال، الذي كان أثره بارزاً على مساره العلمي

موضوع الشكّ عند الغزالي
يُعدّ ديان من أعضاء الجيل الأخير الذي درس على يد كبار الفلاسفة الفرنسيين، وإن كان افتتح أعماله البحثية بالاشتغال على موضوع الشكّ عند الغزالي، فقد انتقل لاحقاً إلى الكتابة حول الفيلسوف الهندي، محمد إقبال، الذي كان أثره بارزاً على مساره العلمي، قبل صدور كتابه "التفلسف الإسلامي" الذي انتشر انتشاراً واسعاً، وتُرجم، وما يزال، لعدد من اللغات؛ حيث خلُص البروفيسور في جامعة كولومبيا الأمريكية، إلى أنّ "الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام، وليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها، ولا عن أي دين بعينه"، متوقفاً في مقدمة الكتاب عند عالميّة الفلسفة وأهميتها، لمواصلة الكفاح من أجل تنوير التعليم ضدّ روح الانغلاق والتعصب الديني الذي يؤدي إليه، مضيفاً أيضاً أنّ "الفكر النقدي يقع في صميم النصوص القرآنية، التي تدعو إلى التأمّل؛ حيث إنّ النص القرآني، في كثير من الأحيان، يشير إلى أنّ بعض مقاطعه غير بيّنة وجليّة بتاتاً، بالنسبة إلى أولئك الذين يريدون الالتزام بمضمونها الحرفي، وبأنّها تحضّ على التفكّر، كلَّ أولئك الذين يعرفون كيف يتفكّرون".

 تقاطعت بعض آراء سليمان بشير مع آراء الراحل محمد أركون

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
وهذا رأي يُفسر تقاطع بعض آراء سليمان بشير مع آراء الراحل محمد أركون؛ حيث يؤكد ديان أنّ دخول روح الانغلاق على المدونة الفقهية الإسلامية، تمّ منذ بداية الإسلام، موازاة مع دخول روح الانفتاح، بما يُفسر تلك المعارك الفكرية والسياسية والدينية التاريخية لتحقيق المصالحة بين الإيمان‏‏ والعقل، أو بين الدين‏‏ والفلسفة، وبالتالي، فنحن نخوض معركة مستمرة منذ أكثر من ألف عام؛ إنّها معركة المعارك، وهل هناك دول عربية إسلامية حققت تقدماً نوعياً في هذه المعارك الحضارية؟ لا توجد إجابات مفصلية عند بشر ديان، لكنّه يُقر، في آن، بأنّ هناك بعض الدول العربية التي طرقت باب النهضة والإسلام العقلاني المستنير، وخصّ بالذكر تونس والمغرب ومصر والإمارات والأردن، ومن القواسم المشتركة بين هذه الدول؛ أنّها أخذت مسافة نهائية من التيار الديني الحرفي الذي حاول التأثير على مخيال شعوب المنطقة طيلة العقود الماضية، وليس صدفة أنّ هذا التيار يكره التصوف كرهاً شديداً، وليس صدفة أيضاً؛ أنّ التيار ذاته، أعلن الحرب على التصوف، وعلى الفلسفة أيضاً؛ لأنّهما -في رأيه- مجرد زندقة تُبعد عن الدين.
بشير ديان إلى العربية
بخصوص اشتغاله على محمد إقبال، وجبت الإشارة إلى المبادرة التي قام بها الباحث والمترجم فريد الزاهي، والذي أصدر مؤخراً عن دار "توبقال" المغربية، عملاً مترجماً لبشير ديان، بعنوان "برغسون ما بعد الكولونيالي: الفلسفة الحيوية لدى ليبورلد سيدار سنغور ومحمد إقبال" (جاء الكتاب في 87 صفحة).

ديان: الفلسفة ليست غريبة عن الإسلام وليست التعبير الطبيعي عن أيّة ثقافة بعينها ولا عن أي دين بعينه

أصل هذا الاشتغال المزدوج على أعمال برغسون وإقبال، مردّه محادثة بين هنري برغسون (1859-1941)، ومحمد إقبال (1877-1938)؛ فابتداءً من هذا اللقاء ولِد التفكير في الوقت؛ حيث يتوقف ديان عند عدة قواسم مشتركة بين الرجليْن، ومنها؛ طبيعة اشتغالهما على سؤال الأخلاق، ففي كتابه "مصدرا الدين والأخلاق"، يُفرّق برغسون بين الأخلاق المفتوحة، والأخلاق المنغلقة، وبين الدين الحيوي، والدين الساكن والجامد، واعتماداً على هذا هو يفرّق بين نموذجين من المجتمع، واتضح أنّ محمد إقبال لم يختلف كثيراً عن هنري برغسون في هذا المجال، فبالنسبة إليه؛ المتصوف ليس ذاك الذي يغرق في التأمل مهملاً العالم من حوله، وليس ذاك الذي يتحصّن في برجه العاجي ليذوب ذوباناً كلياً في حبّ الله، وعجائب الكون، وإنما هو ذاك الذي يشعر بمسؤولية إزاء مجتمع أصابه التفسخ، ونخره الفساد، وهيمن عليه الاستبداد، لينتفي كلّ شكل من أشكال الحرية، سواء كانت فردية أم جماعية.

 الخطاب الديني في صلب اهتمامات سليمان بشير ديان

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
ومحمد إقبال، للتذكير، شاعر ومفكر هندي، توفّي في 1938، ويُعدّ "الأب الروحي" لباكستان، واشتهر بالدعوة إلى إعادة بناء الفكر الديني الإسلامي، عبر تأسيس علم كوني غير ثابت بل دينامي: "العالم الذي خلقه الله تُرك دون إتمام، وعلى الإنسان أن يتم الخلق"، ومن مؤشرات المحافظة الدينية التي أصابت المنطقة العربية والعالم الإسلامي، خلال النصف الثاني من القرن الماضي، نقرأ هذه الإشارة التي جاءت في أحدث أعمال عبد الله العروي؛ أي في كتابه "نقد المفاهيم"؛ حيث رأى أنّه لو أعيد اليوم نشر ما صدر عن محمد إقبال منذ حوالي قرن من الزمان، بحضور إقبال نفسه، لكان تفاعل الرأي العام الباكستاني مختلفاً اليوم، هذا إن لم يصل الأمر إلى المطالبة بمحاكمته.
تجديد الخطاب الديني
وما دام موضوع تجديد الخطاب الديني في صلب اهتمامات سليمان بشير ديان، أو قل تحديث الخطاب الإسلامي، يرى ديان؛ أنّ العودة إلى فكر محمد إقبال ضرورية لتحقيق مثل هذا الهدف، وبيان ذلك؛ أنّ الاجتهاد عند إقبال يكاد يكون له معنى برغسوني؛ أي معنى الخلق والابتكار من أجل التجديد ومن أجل الحيوية والديناميكية.
درس سليمان بشير ديان مفيد كثيراً لأقلام المنطقة العربية، خاصّة الأقلام التي تشتغل في الحقل الفلسفي، حتى تتحرّر من السياجات الفكرية الضيقة التي انخرطت فيها بمقتضى الدفاع عن هذا الاسم أو غيره، والانفتاح على آفاق إنسانية رحبة، ما دام بشير ديان، ينتصر لخطاب معرفي وأخلاقي يروم الوصل بين الشرق والغرب، ويُغذي أفق المشترك الإنساني، إضافة إلى تميزه بأخلاق التواضع والسماحة.

للمشاركة:



الداخلية المصرية تعلن ضبط 22 إخوانياً.. هذا ما ارتكبوه

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

ألقت قوات الأمن المصرية القبض على 22 شخصاً، من عناصر جماعة الإخوان، المصنَّفة في كثير من الدول، من ضمنها مصر، على أنّها تنظيم إرهابي، بتهمة إثارة الرأي العام.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية، في بيان لها اليوم؛ أنّها "عثرت بحوزة المتهمين على ملصقات إثارية وأسلحة بيضاء، ومسدسَي صوت، لاستغلالها في قطع الطريق أمام إحدى المحاكم"، وفق ما نقلت "سبوتنيك".

22 إخوانياً يحاولون استغلال قضية محمود البنا لإثارة الرأي العام والتحريض ضدّ الدولة

وذكر البيان؛ أنّ جماعة الإخوان تحاول استغلال الأحداث المختلفة لإثارة الرأي العام، وتأجيج المشاعر لدى المواطنين، والتحريض ضدّ الدولة، من خلال نشر العديد من الأخبار المغلوطة والشائعات الكاذبة، ومن بينها حادث الاعتداء على الطالب محمود البنا، بمحافظة المنوفية، الذي أدّى إلى وفاته".

وكانت محكمة شبين الكوم قد أجّلت أولى جلسات محاكمة المتهم محمد راجح و3 آخرين، بعد اتهامهم بقتل الطالب محمود البنا، نتيجة دفاعه عن فتاة في الشارع، كان المتهمون يتحرّشون بها، لجلسة الـ 27 تشرين الأول (أكتوبر) الجاري.

وانشغلت مواقع التواصل الاجتماعي، خلال الأيام السابقة، بجريمة قتل الشاب محمود البنا، على يد محمد راجح، طالب الثانوية العامة، واثنين من أصدقائه، بطريقة تحاكي الحبكات السينمائية التي يقدمها عادة الفنان محمد رمضان؛ باستخدام الأسلحة البيضاء والبلطجة والخروج على القانون.

 

للمشاركة:

اعتقالات جديدة في الجيش التركي.. بهذه التهمة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أصدرت السلطات التركية، اليوم، قراراً باعتقال 60 شخصاً، بتهمة الانتماء إلى الداعية فتح الله غولن، الذي تتهمه أنقرة بتدبير المحاولة الانقلابية المزعومة، في صيف 2016.

وذكر موقع صحيفة "سي إن إن ترك"؛ أنّ المعتقلين موظفون يشغلون مناصب إدارية في أفرع قوات الجيش التركي المختلفة، في 27 ولاية.

وزعمت النيابة التركية؛ أنّ العناصر المطلوبة تواصلت مع قيادات "الخدمة" من خلال نظام الاتصال الدوري والمتسلسل عبر الهواتف العمومية التي تستخدمها الحركة بين الجنود، وما يُسمى "الأئمة السريين" الموجودين داخل الجيش.

السلطات التركية تصدر قراراً باعتقال 60 شخصاً من الجيش بتهمة الانتماء إلى جماعة غولن

وفور صدور قرار التوقيف بدأت قوات الأمن شنّ عمليات أمنية متزامنة في الولايات؛ لضبط المتهمين المطلوبين.

ويزعم نظام الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وحزبه "العدالة والتنمية"؛ أنّ غولن متهم بتدبير المحاولة الانقلابية، وهو ما ينفيه الأخير بشدة، فيما تردّ المعارضة التركية بأنّ "أحداث ليلة 15 تموز (يوليو) كانت انقلاباً مدبراً لتصفية المعارضين من الجنود وأفراد منظمات المجتمع المدني".

وتشنّ السلطات التركية بشكل منتظم حملات اعتقال طالت الآلاف منذ المحاولة الانقلابية، تحت ذريعة الاتصال بجماعة غولن.

ويوم 10 آذار (مارس) الماضي، كشف وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو، توقيف 511 ألف شخص، اعتقل منهم 30 ألفاً و821، في إطار العمليات التي استهدفت جماعة غولن، وحزب العمال الكردستاني، منذ المحاولة الانقلابية المزعومة.

وبأرقام جديدة، خرج صويلو، في كانون الثاني (يناير) الماضي، معلناً أنّ عدد المعتقلين في عام 2018، بلغ 750 ألفاً و239 شخصاً، بينهم أكثر من 52 ألفاً فقط بشبهة الانتماء إلى غولن.

وتستمر المحاكمات منذ 4 أعوام تقريباً، في حقّ مئات الآلاف من المواطنين، بتهمة الانتماء لـ "غولن"؛ حيث تمّ اعتقال ما يقرب من 50 ألف شخص دون إثبات جريمتهم، فضلاً عن استمرار محاكمة الآلاف دون اعتقال.

يذكر أنّ المنظمات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة، إلى جانب المنظمات المحلية المعنية بحقوق الإنسان في تركيا، كشفت عبر تقارير موثقة انتهاكات حكومة أردوغان في مجال حقوق الإنسان.

وفي وقت سابق؛ أكّد فريق "الاحتجاز التعسفي التابع لمنظمة الأمم المتحدة"، عدم قانونية الاعتقالات التي يقوم بها نظام أردوغان، لآلاف الأشخاص، لمجرد استخدامهم تطبيق التراسل الفوري "بايلوك" للهاتف المحمول.

وحظرت تركيا التطبيق المذكور بعد مسرحية الانقلاب، مبررة ذلك بقولها: إنّ "أنصار غولن استخدموه، مساء يوم 15 تموز (يوليو) 2016 (يوم الانقلاب)، للتواصل فيما بينهم عندما حاولت مجموعة من الجنود الإطاحة بالحكومة، وقتلوا نحو 250 شخصاً".

 

للمشاركة:

داعش ينفذ هجوماً جديداً في العراق.. وتحرّك جديد له في سوريا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أعلن الجيش العراقي في بيان؛ أنّ تنظيم داعش الإرهابي هاجم، أمس، نقطتَين أمنيتَين في منطقة حقول علاس النفطية، بمحافظة صلاح الدين، شمال البلاد، ما أدّى إلى مقتل اثنين من قوات الأمن العراقية.

الجيش العراقي يعلن أنّ تنظيم داعش الإرهابي هاجم نقطتَين أمنيتَين في محافظة صلاح الدين وقتل عنصرَي أمن

وأضاف البيان: "هجمت عناصر من عصابات داعش على نقطتين أمنيتين في منطقة حقول علاس، بمحافظة صلاح الدين، كما انفجرت عبوة ناسفة بعربة تابعة للقوات الأمنية هناك، ما أدى إلى مقتل منتسبَين اثنَين"، وفق ما نقلت وكالات محلية.

كما جاء في بيان الجيش؛ أنّ "المتشددين أطلقوا النار أيضاً على قوات الأمن التي حاولت نقل الجثتَين".

وفي سياق متصل بتنظيم داعش الإرهابي؛ نقل المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم، أنباء عن عودة قادة وعناصر لداعش إلى تل أبيض في سوريا.

وأكّد المرصد، نقلاً عن مصادر متطابقة، عودة أمير الذخيرة لدى تنظيم داعش، في تل أبيض بصحبة 150 عنصراً إلى المدينة، وسط أنباء عن عودة أبناء البللو، المعروفين بارتباطهم بتنظيم داعش.

ورغم الاتفاق الأمريكي التركي حول وقف النار في شمال سوريا، فإنّ الولايات المتحدة ما تزال تواصل مراقبتها الجوية للمنطقة.

المرصد السوري ينقل أنباء تؤكّد عودة قادة وعناصر لداعش الإرهابي إلى تل أبيض في سوريا.

وبدوره؛ أكّد مسؤول دفاعي أمريكي، طالباً عدم الكشف عن اسمه، يوم الجمعة الماضي، بحسب ما أفادت وكالة "رويترز"؛ أنّ "الولايات المتحدة ستواصل عمليات المراقبة الجوية في شمال شرق سوريا، لمراقبة السجون التي يوجد بها سجناء داعش."

كما حذّرت قوات سوريا الديمقراطية، قبل أيام، من خطر عناصر داعش المسجونين، معتبرة أنّ حماية تلك السجون لم تعد ذات أولوية بالنسبة إليها.

وكانت عدة دول أوروبية، على رأسها فرنسا، قد نبّهت إلى خطر العدوان التركي لشمال سوريا على ملف الدواعش المسجونين في سجون تابعة لقوات سوريا الديمقراطية.

 

للمشاركة:



لماذا لم ينزل نصر الله إلى الشارع؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

أمل عبد العزيز الهزاني

خرج مهدداً ومتوعداً من مكانه المجهول، وقتما كان اللبنانيون في الشوارع والميادين يهتفون بمعاناتهم، ويشكون أنهم بلا كهرباء، وبعضهم لم يستطع الاستحمام لأيام لانعدام الماء، وبطالة قضت على ما تبقَّى لهم من أمل. لم يخرج مطمئناً وداعماً للثورة السلمية التي حافظ فيها اللبنانيون على حمل علم واحد وهو العلم اللبناني، بعيداً عن تلونات أعلام الأحزاب والطوائف، في مشهد لم يكن له مثيل.
كان خوف أمين عام حزب الله أن تستقيل الحكومة ويخسر المعادلة التي مكَّنته من تحويل لبنان إلى بلد مشلول، وجسر للعبور إلى دمشق.
لأول مرة في التاريخ الحديث، يتجرَّد اللبنانيون من انتماءاتهم السياسية، ويشكِّلون وحدة واحدة بالمطالبات نفسها والصوت نفسه. فرقتهم السياسة وجمعهم الفقر.
ولأن الفساد هو المتهم الأول، كما هو حال احتجاجات العراق، فإن من الفاسدين من لا يستطيع أحد أن يحاسبهم أو يقاضيهم أو يفضح أسماءهم لأنهم تحت حماية نظام الولي الفقيه.
نصر الله لم يستطع أن يعيد سيناريو 8 مايو (أيار) 2007 وينزل لاحتلال بيروت وإخماد المعارضين، لأنه سمع بأذنيه أنه حتى من يحبونه ويناصرونه كزعيم شيعي مقاوم للاحتلال الإسرائيلي، على حد قوله، اتهموه علناً وعلى شاشات التلفزة بالفساد، وأن وزراءه ونوابه من الحزب وأتباعهم سرقوا قوت الناس، وأثروا على حسابهم.
وحتى لا يكون لحكومة سعد الحريري تأثير في حل جزء من أزمات لبنان، تلكأ جماعة نصر الله في الحكومة في الالتزام والإقرار بالإصلاحات التي تعهد بها رئيس الحكومة دولياً، ليتمكن من الحصول على دعم الصندوق الدولي.
المواطن اللبناني الذي اكتشف أن قوته تنبع من ذاته وليس من انتمائه، أجبر كل أعضاء الحكومة على الموافقة على ورقة الإصلاحات الاقتصادية بالأمس، ولا يزال السياسيون أصحاب النفوذ والتأثير قلقين من أن هذه الخطوة قد لا ترضي الشارع.
وإن رضي اللبنانيون بورقة الحريري الاقتصادية، وهدأ الشارع، وفتحت الطرقات، وسكن الغضب، فإن ما تغير في لبنان أكبر من الإصلاح الاقتصادي.
وأنا هنا لا أعني الثقة بالسياسيين، لأن حتى بعض أتباع نصر الله لم يكونوا راضين باحتلاله بيروت وإرعاب الناس، ويعرف الجميع أن سبب إشهاره سلاحه في وجه المواطن اللبناني كان بسبب نفوذه الطاغي الذي وصل حد التجسس على المطار الدولي والتحكم في حمولة الطائرات. أتباعه أيضاً لم يكونوا فخورين عندما خرج يناشد حلفاء أميركا بالتوسط لوقف القصف الإسرائيلي على لبنان في صيف 2006، وهم اليوم يرونه يطلب معونات من الناس بعد الحصار الاقتصادي الأميركي على إيران. الثقة أيضاً تأرجحت في الرئيس اللبناني ميشال عون الذي وقف عاجزاً أمام كل مشكلات لبنان منذ صار رئيساً، وسلم واجهة الرئاسة وهيبتها إلى جبران باسيل وزير الخارجية بكل ما تتميز شخصيته من استعلاء. إذن هي ليست فقط الثقة التي فقدت في الفريق «المقاوم» لاستقرار لبنان، بل التحول العميق في موقف الناس وجرأتهم على التحرر والصراخ في وجه زعمائهم الذين تركوهم للعوز، واتهام من كانوا أصناماً يُعبدون بأنهم سبب كل بلاء.
ليعلم اللبنانيون أنهم سطروا مشهداً حضارياً غير مسبوق، ببسالتهم، وإصرارهم، ورفع صوتهم ضد أصحاب السلطة الظالمة، حتى إنهم بدأوا الاحتجاجات مقنعين بأقنعة لإخفاء هويتهم ثم ألقوا بها وتوجهوا للقنوات التلفزيونية لتنفيس غضبهم، وقول الحقيقة التي كانوا يعلمونها منذ عقود؛ وهي أن زعامات لبنانية انتفعت من مراكزهم لأنفسهم وأسرهم، غير عابئين بلبنان واحد يضم الجميع.
بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري استمرت سلسلة من الاغتيالات، التي وجهت أصابع الاتهام فيها لحزب الله ضد خصومه، رغم أنهم خصوم نافذون، فكيف بالمواطن العادي الذي وجد نفسه أسيراً لحكم ديكتاتوري بغطاء ديمقراطي مرقع.
من كان يستطيع أن يحمل مكبراً للصوت ليقول: «إننا كنا معك يا حسن نصر الله، لكن نوابك ووزراءك سرقونا».
منذ 2005، كنا نسمع مظاهرات الناس واجتهادهم للدعاية لأحزابهم بكل ألوانها، وتصريحات قياداتها تهتف بالعزة والكرامة، لكن الحقيقة أن العزة والكرامة ليستا في الرايات الصفراء أو البرتقالية أو الزرقاء، بل في علم لبنان وحده. العزة والكرامة هما ما قدمه اللبنانيون خلال الأيام الماضية.
حاجز الخوف من سلاح نصر الله قفز فوقه المتظاهرون، هم لم يبدلوا مواقفهم السياسية بل اكتشفوا أخيراً أن السياسة الحزبية لا تؤكل عيشاً إلا للطبقة العليا، وأن أتباعهم والمؤمنين بهم عقدياً وسياسياً هم أرقام تنزل للشارع حينما تؤمر بذلك، أداة من أدوات التنافس ضد الخصوم.
أجزم بأن اللبنانيين يعرفون من هم الفاسدون الذين نهبوا مقدرات البلاد، رغم أن لبنان من أكثر الدول التي تتلقى دعماً خليجياً ودولياً مستمراً. هذه تجربة خاضها اللبنانيون بإرادتهم، لم يملِ عليهم أحد النزول للشارع. إن لم يكتمل عندهم الوعي بأن لهم حق المواطنة على الزعيم السياسي الذي يتبعونه فإن خسائرهم ستتضاعف، وسيكون مستقبلهم مخيفاً. المواطن اللبناني قوي رغم ما تلقنه منذ سنوات بأنه مجرد بوق ورجع صدى، لكن اليوم هو صاحب القرار. هذه لحظات لا تنسى، فليحافظ عليها اللبنانيون مهما كانت انتماءاتهم، وحتى لو عادوا لبيوتهم من الشارع ووجدوا كهرباء وماء.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

"التأسيس الثالث" للإخوان.. محاولات بائسة لإحياء التنظيم

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

رشا عمار

فشل تنظيم الإخوان في الإفلات من أزمته التي يمر بها منذ أكثر من  6 سنوات، بعد أن لفظه الشعب المصري، حتى باتت الخيارات التاريخية التي كان يلجأ إليها للبقاء وإحياء التنظيم مستحيلة.

تلك الخيارات التي كان آخرها ما يسمى بـ"التأسيس الثالث" أو التأسيس الجديد، الذي كان بمثابة ممر آمن للجماعة في أوقات الأزمات وسنوات المحنة الكبرى، كما يسمونها، لكن هذه المرة فشل هذا الخيار بسبب حالة التناحر والانقسام داخل أبناء التنظيم، مع فشل الجناح المسلح في إعادة التنظيم للمشهد.

ومفهوم التأسيس لدى الجماعة - كما يعرفه بعض الباحثين - هو بلورة كاملة للمشروع الفكري والسياسي والفقهي والشرعي للتنظيم خلال الفترة المقبلة لضمان استمراره في العمل السياسي بتغيير جذري في الأيدولوجيا والأهداف.

وظل التأسيس الجديد مخرجاً مثالياً للأزمات الطاحنة التي مرت بها جماعة الإخوان على مدار عقود، كان أبرزها أزمة اغتيال المؤسس الأول حسن البنا، وحل التنظيم للمرة الأولى عام 1954.

وبحسب مراقبين، فإنه كلما اشتدت الأزمة واحتدم الصراع داخل الإخوان خرج جيل من التنظيم معلناً خريطة جديدة تتضمن تغيرات أيدويولوجية تتوافق وطبيعة المرحلة، وتسمح ببقاء التنظيم.

عملية مستحيلة
وتأسيس الإخوان يتم وفق عاملين محوريين، كلاهما يمثل أزمة داخلية بالتنظيم في الوقت الحالي؛ حيث يتعلق الأول بشرعية القيادة، والثاني هو الاتفاق حول الفكر والأيدولوجيا، وكذلك الأهداف، وفي ظل غيابهما أصبحت إمكانية التأسيس الجديد أمراً أقرب إلى المستحيل.

وتلخصت جهود الإخوان في مجملها خلال السنوات الست الماضية في حسم الصراع المعقد بين شطري التنظيم، وهما: الكماليون من الشباب الراغبين في تحويل المسار كلياً إلى العمل المسلح، والشيوخ الراغبون في الإبقاء على مركزية القرار داخل التنظيم وحفظ سلطتهم حتى إن كانت لا تحظى بتأييد قواعدهم.

ويرى الدكتور محمد حبيب، نائب المرشد المنشق عن تنظيم الإخوان، استحالة تحقيق التأسيس الثالث للجماعة لعدة أسباب؛ أبرزها عدم توافر رغبة حقيقية في تغيير الأيدولوجيا بما يتوافق مع المشروع الوطني وتقبل الآخر، مؤكداً أن الجماعة أحرقت طريق العودة بممارسة التطرف وحمل السلاح بوجه المصريين.

وقال "حبيب" لـ"العين الإخبارية" إن الصراع الذي يبدو في ظاهره خلافاً حول الأيدولوجيا، لكنه في حقيقته تناحر على السلطة والتمويل، فمن يملك السلطة الشرعية داخل الجماعة سيحظى بمليارات التمويلات، التي تقدمها دول وحكومات بهدف تحقيق مخططات محددة، لن ينجح في تحقيقها إلا من سيتمكن من حسم زمام الأمور لصالحه.

وتبنت الجماعة منذ التأسيس الثاني خطاباً إصلاحياً تلاشى تماماً إبان ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر، التي أسقطت عباءة الإصلاح المزيفة للتنظيم، ليظهر وجهاً آخر للعبة السياسية، وهو العمل المسلح.

وشهدت مصر خلال السنوات الخمس الماضية موجة من أشرس موجات التطرف الإخواني، وجهت ضد الأشخاص والمؤسسات، وطالت يد الغدر المدنيين ورجال الأمن والقضاء، وحتى الأطفال ومرضى السرطان الذين لم يسلموا من نيران التنظيم.

وقد يعتقد البعض على خلاف الحقيقة أن هناك انشقاقاً داخل الصف الإخواني، وهذا غير صحيح - بحسب حبيب- فنحن أمام تنظيم له جناحان، أحدهما عسكري تمثله جبهة محمد كمال "حركة حسم" وآخر تنظيمي سياسي دعوي يمثله الهارب محمود عزت (القائم بأعمال المرشد) الذي يمتلك أدوات التحكم في حركة التنظيم من حيث التمويل والاتصالات الخارجية بالدول وأجهزة المخابرات.

شرعنة القتل
في 2014 أعلن القيادي الإخواني محمد كمال، مؤسس اللجان النوعية في تنظيم الإخوان، تأسيس وشرعنة العمل المسلح داخل التنظيم، ما أثار حالة كبيرة من الجدل داخل وخارج الجماعة، التي لم تعترف فقط بممارسة العنف، بل اضطرت أحياناً للتبرؤ من قيادتها ظاهرياً لإبعاد اتهامات العمل المسلح عنها.

فتأسيس "جبهة الكماليون" كان بمثابة زلزال مدمر داخل التنظيم، حيث اعتبره الباحثون والمراقبون بل أعضاء بالتنظيم بمثابة "التأسيس الثالث للإخوان"، خاصة بعد انضمام عشرات من شباب الجماعة للجبهة، وإعلان وثيقة العنف أو ما عرف باسم "فقه المقاومة الشعبية".

وهذة الوثيقة وضعها محمد كمال لإيجاد إطار شرعي لقتل المعارضين للتنظيم وتنفيذ عمليات ضد الدولة المصرية، بهدف إعادة الإخوان للحكم مجدداً، ما جعل الأمر يبدو أن "تأسيساً جديداً" مكتمل الأركان حدث داخل الإخوان.

وثيقة كمال اعتبرت أيضاً أن معارضي التنظيم كفار، وحرضت على استهداف الكنائس، بزعم أنها قامت بالحشد الطائفي لإسقاط الرئيس المعزول محمد مرسي، وحاولت التأكيد على أن مفهوم المقاومة بالقتل واجب شرعي.

وكالنار في الهشيم انتشرت فكرة التأسيس المسلح بين شباب الجماعة في ذلك الوقت، وأعلنوا تأسيس عدد من الحركات المسلحة، أبرزها: "حسم، ولواء الثورة، والمقاومة الشعبية" وغيرها.

وفي أكتوبر/تشرين الأول عام 2016 نجح الأمن المصري في قتل محمد كمال، بعد اشتباكات وتبادل إطلاق النار، لكن موته لم يكن السبب الوحيد في فشل ما سمى بـ"التأسيس الثالث". إلا أن أزمة شرعية القيادة والاختلاف الأيدولوجي ظلا حاضرين بقوة، لكن مع نجاح الضربات الأمنية المصرية ضد عناصر التنظيم المسلحين، تهاوت جبهة محمد كمال وخفت نجمها وتلاشى تأثيرها، حتى إن الحركات المسلحة التي ظهرت في 2014 لم يعد لها وجود يُذكر.

محاولات فاشلة
وبعد فشل مشروع محمد كمال حاول عدد من شباب التنظيم تقديم مقترحات لم تخرج للنور، بسبب تعنت القيادة التاريخية للإخوان حول فكرة التأسيس الثالث.

وكان أبرز تلك المقترحات ما تقدم به مجموعة من شباب الإخوان في محافظتي الفيوم والمنيا بصعيد مصر، تتناول البدء فيما يسمى بـ"التأسيس الثالث" للإخوان، على غرار التأسيس الثاني في السبعينيات.

واعتمد مشروع التأسيس على ثلاثة محاور أساسية، هي: المشروع السياسي للتنظيم، والقائم على مقومات جديدة، على رأسها ضرورة دعم وصول المرأة والقبطي إلى سدة الحكم وشتى المناصب في البلاد، والاستعانة بفتاوى "راشد الغنوشي، ويوسف القرضاوي، وسليم العوا، ومحمد عمارة، وفهمي هويدي"، في هذا الصدد، الذين أقروا بعدم وجود أي موانع فقهية لوصول الأقباط إلى الحكم.

أما المحور الثاني فشمل ملامح المشروع الفقهي للتنظيم، بنسف جميع الفتاوى التي اعتمد عليها الإخوان في التأصيل لممارستهم السياسية، بداية من الاستدلالات القرآنية وإسقاطها على الواقع السياسي، واتهام المعارضة بالفسوق والكفر والإلحاد، بمجرد توجيه النقد إلى الحاكم أو الوزير أو العضو الإخواني.

كما تضمن المحور الثالث المشروع الفكري للتنظيم من خلال تغيير الهيكل الإداري للتنظيم بالكامل، واعتبار الجماعة مجرد مدرسة فكرية جامعة شاملة أكثر من كونها مجرد تنظيم يقيد حرية الانضمام إليه بشروط "بالية" لا سند شرعياً أو فقهياً لها.

المحور الثالث تضمن أيضاً الإجابة عن تساؤلات شائكة راجت منذ فترة عن معنى الأمة والدولة والقطرية والأممية والخلافة الإسلامية، مع التأكيد على أن مصطلح ما يسمى بـ"الخلافة الإسلامية" أصبح غير صالح للاستخدام حالياً، وأنه كان اجتهاداً سياسياً وليس نصاً دينياً يجب على المسلمين تنفيذه من باب الفرضية والإلزام.

انهيار التنظيم الحديدي
حافظ تنظيم الإخوان على تماسكه رغم الأزمات الطاحنة التي مر بها قبل 2014، لأنه نجح في الحفاظ على فكرة التنظيم الهرمي المتماسك جداً، شديد المركزية والإحكام، بحسب المحللين، لكن هذا التنظيم الذي سماه الباحثين "التنظيم الحديدي" انهار بشكل تدريجي بعد ثورة 30 يونيو/حزيران 2013 في مصر.

ويرجع المفكر الإسلامي ثروت الخرباوي أسباب ذلك إلى انهيار الثقة بين عناصر التنظيم وقياداته، وهو ما ظهر جلياً في أزمة التمويل التي مر بها التنظيم على مدار سنوات.

وأوضح الخرباوي أن أزمة التمويل كشفت للمرة الأولى عن حجم سرقات واختلاسات أبطالها قيادات كانت تسمى "روحانية" ولها قدر كبير من التقديس والثقة، حيث أبرزهم محمود حسين، الأمين العام للتنظيم، الذي تم اتهامه بسرقة ملايين من صندوق الجماعة وتهريبها لأولاده واختلاس أموال كانت تجمع لأسر المحبوسين في مصر.

ويرى الخرباوي أن تفكك التنظيم الهرمي المحكم هو أخطر ما يواجه جماعة الإخوان، لافتاً إلى أنه: "عائق محوري أمام إمكانية التأسيس الثالث للتنظيم، بل يمثل عائقاً أمام استمرارية الجماعة أصلًا".

ويقول الخرباوي لـ"العين الإخبارية": "جماعة الإخوان فقدت صمام أمانها بعد انهيار مؤسسية التنظيم وفقد الثقة في قياداته".

وأضاف: "حاول القائمون على الأمور من إخوان مصر وأقرانهم بالتنظيم الدولي استعادة السيطرة على الأمور بكل الطرق لكنهم فشلوا، وبالتالي أصبحت الجماعة مختنقة بين قيادات غير معترف بشرعيتها وشباب لا يملكون سلطة أو شرعية، والطرفان منبوذان من المجتمع المصري".

واستطرد أن: "التنظيم الدولي رغم محاولات قطر وتركيا المستميتة لتقويته يعاني حالة انهيار غير مسبوقة، لذلك أرى أن الجماعة لن تصمد أمام أزمتها وعاجلاً ستعلن حل نفسها في مصر وربما تتبعها عدة دول، وليس أمامها خيار بديل".

تاريخ التأسيسين الأول والثاني
في عام 1928 أسس حسن البنا جمعية الإخوان المسلمين، وزعم أنها فكرة تستمد استراتيجيتها وأهدافها وبلورتها من مجموعة أفكار متشابهة يضعها المشاركون في التأسيس.

وبعد اغتيال المرشد الأول للجماعة (البنا) عام 1949 تجلت أزمة الفكرة داخل التنظيم بشكل كبير وسقطت فكرة التماسك، إلا أن المرشد الثاني للجماعة المستشار حسن الهضيبي نجح وقتها في تدارك الأزمة واستمرت الجمعية دعوية من الظاهر، ولكنها تعمل بكل قوة على الوصول للحكم.

وبعد عدة تغييرات سياسية جذرية حدثت في مصر عقب قيام ثورة يوليو 1952، وتوجه الجماعة للعمل المسلح علناً بمجموعة عمليات واغتيالات طالت شخصيات عامة ومسؤولين مصريين، سقطت أسهم الجماعة شعبياً، وحاول الأمن السيطرة على جرائمها.

ووفقاً للكاتب والباحث المصري بشؤون الجماعات الإسلامية طارق أبوالسعد، ظهر التأسيس الثاني للإخوان في مطلع السبعينيات، وكان بطل هذه المرحلة هو عمر التلمساني، مرشد الجماعة الثالث.

وقال أبوالسعد إن التلمساني اعتمد في ذلك على مجموعة ركائز أبرزها الخطاب الجماهيري الشعبي العاطفي، الذي يعبر عن الحلم الإسلامي، فضلاً عن التركيز على شخصية محورية يلتف حولها أبناء التنظيم والحركة الإسلامية ككل، مع إيجاد وعاء تنظيمي ومرتب يضمن تمويلاً جيداً ذا طبيعة رسمية.

ويضيف "أبوالسعد" أن التلمساني عمد إلى إعادة ترتيب وتنظيم الجماعة؛ فكان بحاجة إلى هيكل إداري محكم وواضح، واختار له أن يكون هرمياً يعتمد على القاعدة الإخوانية ويتدرج بها إلى القمة.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الغنوشي يستقوي بأردوغان لمواجهة ضغوط تشكيل الحكومة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-22

بعثت الزيارة التي قام بها رئيس حركة النهضة راشد الغنوشي إلى تركيا ولقاؤه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان برسائل للداخل وتحديداً للأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة، مفادها استقواء الحركة بحلفائها الإقليميين في المنطقة.

وفي حين قالت وسائل إعلام محلية إن زيارة الغنوشي إلى إسطنبول جاءت للمشاركة في مؤتمر الإذاعة والتلفزيون التركية، تحت شعار ”أزمة العولمة: المخاطر والفرص”، إلا أن مراقبين ربطوها بما تشهده البلاد من جدل بشأن تشكيل الحكومة والمخاوف المتصاعدة من هيمنة النهضة على الرئاسات الثلاث.

ورجّح هؤلاء المراقبين أن يكون الهدف الحقيقي من الزيارة هو البحث عن دعم سياسي وربما مالي لمواجهة الضغوط الداخلية المتصاعدة، وهو ما يثير المخاوف من تعمّق النفوذ التركي في تونس.

ولم تتوقف تركيا برئاسة أردوغان منذ العام 2011، عن توظيف دعمها لجماعات الإسلام السياسي لتوسيع مجال نفوذها في منطقة شمال أفريقيا، من ذلك تونس وبشكل أكبر ليبيا.

وتحاول الأحزاب المعنية بتشكيل الحكومة التصدي لمحاولة النهضة تعيين رئيس للحكومة من داخلها، في حين ينظر مراقبون للأمر على أنه مناورة تهدف إلى تحسين التفاوض، وأن النهضة مازالت مستمرة في سياسة الحكم من وراء ستار رغم ما تبديه قواعدها من رغبة في الحكم بشكل مباشر.
وفيما قرر اجتماع مجلس شورى النهضة، أعلى سلطة داخلية في الحركة، تعيين رئيس حكومة من صفوفها، بمباركة 250 عضوا أجمعت الأحزاب السياسية المعنيّة بمشاركتها في تشكيلة الحكومة الجديدة، على رفضها أن تترأس النهضة الحكومة ووصفت قرار مجلس شورى النهضة بالمناورة السياسية.

وتعارض قواعد حركة النهضة وأنصارها في الجهات، توجّهات قيادة الحزب التي دأبت خلال السنوات الماضية على الحكم من خلف ستار وتدعوها إلى المسك بزمام الأمور وتحمّل المسؤولية وهو ما يمثّل ضغطا عليها في ظل رفض الأحزاب هيمنتها على الحكم.

ومثّل موقف حزب التيار الديمقراطي أول اعتراض على مساعي النهضة إلى قيادة الفريق الحكومي القادم، وأعلن رفضه القاطع للمشاركة في ائتلاف حكومي جديد تترأسه الحركة الإسلامية، معتبرا أن مقترحها غير مطروح تماما للنقاش.

وقال الأمين العام للحزب غازي الشواشي، لـ”العرب”، إن حزبه يرفض المشاركة في حكومة تترأسها النهضة، معللا الرفض بأن النهضة “فشلت فشلا ذريعا طيلة السنوات التي أدارت فيها الحكم بعد الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي سنة 2011”.

واقترح حزب التيار الديمقراطي تعيين شخصية مستقلّة على رأس الحكومة لضمان الحصول على الثقة في البرلمان التونسي.

وقال غازي الشواشي “مجلس شورى النهضة اختار التمسك برئاسة الحكومة، ولكن الحركة ستغيّر موقفها لاحقا عند تكليفها بصفة رسمية من رئيس الجمهورية”.

ويرى الشواشي أن الحركة لا تمتلك أغلبية برلمانية مريحة تؤهلها لاشتراط تعيين شخصية من صفوفها لمنصب رئيس الحكومة، داعيا قياداتها إلى الاستماع إلى الأحزاب المعنيّة بمشاركتها في الحكم.

واعتبر أن “تمسّك النهضة بمنصب رئاسة الحكومة هو نوع من الهروب إلى الأمام ومحاولة لفرض الأمر الواجب وهو مناورة سياسية تسعى من خلالها إلى طمأنة قواعدها الشعبية قبل الانطلاق الرسمي في المشاورات مع الأحزاب المشمولة بمشاورات تشكيل الحكومة”.

ويرى حزب التيار الديمقراطي، أن تشكيل الحكومة على قاعدة برامج يستوجب من النهضة تنازلات سياسية، وتواضعا في تفاوضها مع الأحزاب المعنيّة بالمشاركة في الحكم.

ويتماهى موقف حزب التيار الديمقراطي مع حركة الشعب ذات التوجّه القومي التي تتمسك بموقفها الرافض لتعيين شخصية من النهضة على رأس الحكومة الجديدة.

وقال الأمين العام لحركة الشعب، زهير المغزاوي، لـ”العرب”، إن الحركة تنفتح على الحوار السياسي من أجل تشكيل الحكومة وتتمسك في نفس الوقت برفضها التام لترؤس النهضة للفريق الحكومي الجديد.

ولاحظ المغزاوي أن التفويض الشعبي الذي تحصّلت عليه النهضة من الشعب في الانتخابات التشريعية “فوز منقوص يعادل ربع الناخبين ولا يؤهلها للتفاوض مع الأحزاب المعنية بالحكم باشتراطها تزعم الحكومة”.

وتقترح حركة الشعب تشكيل ما أسمته بـ”حكومة الرئيس”، بحيث يتولى رئيس الجمهورية المنتخب، قيس سعيّد، تكليف شخصية مستقلّة بتشكيل الحكومة لتجنيب البلاد مأزقا سياسيا.

وقال المغزاوي “حكومة ستشكّلها النهضة سيكون مآلها الفشل، من حقها تشكيل الحكومة لكن لا يمكن لها أن تترأسها باعتبارها لم تتخذ أي خطوة في مكافحة الفساد والقيام بالإصلاحات طيلة مشاركتها في الحكم في السنوات الأخيرة”.

وستعمل حركة الشعب على كسب تأييد سياسي لمقترح استغلال الشرعية الواسعة لرئيس الجمهورية التي منحها له الناخبون.

ويرى المغزاوي أن “النهضة تتمسّك برئاسة الحكومة لأنها لا تفكر أبدا في إصلاح أوضاع البلاد، وإنما تبحث عن الغنيمة وتعتبر أن الحكم ليس لخدمة البلاد وإنما فقط للتمكّن من الحكم لخدمة أغراضها وخدمة المشروع الإخواني”.

من جانب آخر، جدّدت حركة تحيا تونس برئاسة يوسف الشاهد رفضها القطعي المشاركة في الحكم والدخول في ائتلاف حاكم مع حركة النهضة. وقال القيادي بحركة تحيا تونس، كريم الهلالي، لـ”العرب”، إن الحركة غير معنيّة بتاتا بأي مفاوضات تتعلّق بتشكيل الحكومة الجديدة.

واعتبر الهلالي أن حزب تحيا تونس ينأى بنفسه عن التجاذبات المتعلّقة بتمسّك النهضة برئاسة الحكومة التونسية باعتبارها اختارت البقاء في صفّ المعارضة البرلمانية.

وحلّت حركة النهضة الإسلامية في المرتبة الأولى في نتائج الانتخابات التشريعية بفوز غير مريح ولا يمنحها أغلبية مطلقة، ويليها حزب نبيل القروي “قلب تونس” ثانيا بـ38 مقعدا، فيما حلّ التيار الديمقراطي (ديمقراطي اجتماعي) ثالثا بـ22 مقعدا، يليه ائتلاف الكرامة المحافظ (21 مقعدا) ثم الحزب الدستوري الحر (17 مقعدا) وحركة الشعب (16 مقعدا) وتحيا تونس (14 مقعدا).

وسيكون أمام حركة النهضة مهلة شهر لتشكيل حكومة قادرة على نيل ثقة غالبية النواب، وهي مهمة بالغة الصعوبة في مجلس مشتت.

وأجرى رئيس الحركة راشد الغنوشي اتصالات أولية مع أحزاب التيار الديمقراطي وحركة الشعب وتحيا تونس، وائتلاف الكرامة، والاتحاد العام التونسي للشغل والاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية والاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية