غسان كنفاني: رواية لم تكتمل

منى شكري's picture
كاتبة وصحافية أردنية
6000
عدد القراءات

2017-12-12

لكم كانتْ فرحةُ ابن مدينة عكّا لا توصف، وهو يحملُ ببراءة الأطفال حقيبة كتبه في أولى خطواته إلى مدرسة الفرير بمدينة يافا، يحدوه إحساس بالتّميز عن إخوتهِ في هذه المدرسة التي أتاحتْ له تعلّم الفرنسية. لكنْ لم تكدْ تمضي بضع سنوات، حتى فُجع هذا الفتى بأحلامه التي بناها، وهو يراها تنهار أمام عينيه شيئاً فشيئاً، وتُحيلها وجوهٌ غريبةٌ إلى كابوس طويل سيلازمهُ وأبناء وطنه، ويغيّر مسار حياته وحياتهم إلى الأبد. 
كان ذلك عام 1947، عندما سمع غسان كنفاني بقرار تقسيم بلاده فلسطين، وشهد بأمّ عينه أولئك الغرباء، وهم يحتكّون بأبناء حيّ المنشية بيافا، حيث تسكن أسرته، قادمين من كيان جديد يدعى "تل أبيب" لا يزيد على مرمى حجر من مكان سُكناه، في ظلّ هذه الأجواء المشحونة، قرّر والدهُ العودة بعائلته إلى المنزل الذي بناه لهم في مسقط رأسه بمدينة عكّا في محاولة عبثية لتجنّب القدر المحتوم.

في إحدى ليالي نيسان 1948 بدأ الهجومُ الصّهيوني الأول على عكّا، استمرت الاشتباكات حتى فجر اليوم التالي، وكانتْ أُسرته ضمن من تيسّر لهم المغادرة بسيارة شحن أوصلتهم إلى صيدا، وبعد مقامِهم في بيت متهالك أربعين يوماً، في ظروف قاسية، حملهُم القطار مع مهجّرين آخرين إلى حلب، حتّى استقرّ بهم المقامُ في منزلٍ قديم مستأجر من منازل دمشق، لتبدأ مرحلة أخرى من الوعي المبكر الذي سينجب أهم روائيي "أدب المقاومة الفلسطينية".
وُلِدَ غسّان كنفاني في عكّا عام  1936عندما كانتْ أسرتُهُ تقضي الإجازة في مسقط رأس والده، بخلاف بقيّة أشقائه، الذين رأَوا النّور في يافا التي كان والده قد انتقل إليها، ليعملَ محامياً بعد تخرّجه مِن معهد الحقوق، واعتُقِل مراراً بسبب مرافعاته الوطنية دفاعاً عن شعبه خلال الثورة الفلسطينيّة في ثلاثينيات القرن الماضي، وكان لذلك، دون شكّ، أثر كبير في حياة غسان ثالث أبنائه.

على الرّغم من معاناته من مرض النّقرس وآلامه المبرحة ظل كتلة لا تهدأ من النّشاط السّياسي والصحافي والثقافي والبحثي

بعد أن استقرّتْ أسرتُهُ في دمشق، عقب نكبة 1948 بدأتْ تتحسّن أحوالُها بعدما افتتح والدُه مكتباً للمحاماة، وبمجرّد أنْ دخل كنفاني المرحلة الثانوية أخذ يعمل إلى جانب دراسته مدققاً ومحرراً في بعض الصّحف، كما شارك في برنامج فلسطين في الإذاعة السورية وبرنامج الطّلبة، وكتبَ بعض الشعر ومسرحيات ومقطوعات وجدانية، بتشجيع من شقيقته التي كان لها في هذه المرحلة تأثير كبير في حياته.
بعد حصوله على البكالوريا السّورية عام 1952 عمل مدرّساً في مدرسة الأليانس للّاجئين بدمشق إلى جانب دراسته الأدبَ العربيّ بجامعة دمشق، وأُسنِدَ إليه آنذاك تنظيمُ جناح فلسطين في معرض دمشق الدولي، وكان معظمُ ما عرضَ فيه من جهده الشّخصي، وذلك بالإضافة إلى معارض الرّسم الأخرى التي أشرف عليها.

غسان كنفاني و جورج حبش

ما لبث غسان، أن انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، عقب انضمامه إلى حركة القوميين العرب على يد جورج حبش لدى لقائهما عام 1953، وفي أواخر عام 1955 سافر مدرّساً إلى الكويت، وكانت شقيقته وأحد أشقائه قد سبقاه إليها. خلال تلك الفترة اندفع بنهم شديد إلى القراءة، حتى إنه كان يقول بإنّه لا يذكر يوماً أنّه نام فيه دون أنْ يُنهي قراءة كتاب كامل.
لفت كنفاني الأنظار إليه في الكويت، من خلال تعليقاته السّياسية بتوقيع "أبو العزّ"، إضافةً إلى عمله محرراً، كما كتبَ أيضاً أولى قصصه القصيرة التي حملتْ عنوان "القميص المسروق" التي نال عليها الجائزة الأولى في مسابقة محلية. في ريعان شبابه أخذت تظهر عليه كشقيقته بوادر مرض السّكري، ما زاده ارتباطاً بها وبابنتها لميس نجم التي اعتاد أنْ يهدي لها في كل عام مجموعة من أعماله الأدبية والفنية. في تلك الفترة زار غسان العراق إثر سقوط الملكية عام 1958، فكانتْ هذه الرحلة القصيرة ملهِمة لأهمّ رواياته "رجال في الشمس" التي ظهرت عام 1963.

انقطع عن الدراسة في نهاية السنة الثانية، عقب انضمامه إلى حركة القوميين العرب على يد جورج حبش

في عام 1960 غادر غسان إلى بيروت ليعمل مسؤولاً عن القسم الثقافي في مجلة الحريّة الناطقة باسم حركة القوميين العرب آنذاك، وفي عام 1961 تزوّج من سيدة دنماركية (آن) ورُزق منها بولديه فايز وليلى. في بيروت التي أقام فيها بقية حياته، كانت المجال الأرحب لعمل غسان وفرصته للالتقاء بالتيارات الأدبية والفكرية والسياسية، فتولّى رئاسة تحرير جريدة "المحرّر"، واستحدث فيها صفحة للتعليقات السّياسية الجادّة وقلّدته في هذه الخطوة الرائدة كثيرٌ من الصحف المعروفة، كما أَصدر فيها (ملحق فلسطين)، ثم انتقل إلى جريدة الأنوار، وبعد تأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين عام 1967 أصبحَ ناطقاً رسميّاً باسمها، إلى جانب تأسيسه مجلة "الهدف" الناطقة باسم الجبهة التي تولّى رئاسة تحريرها حتى استشهاده.

وعلى الرّغم من معاناته لاحقاً من مرض النّقرس وآلامه المبرحة ظل صاحب "موت سرير رقم 12" كتلة لا تهدأ من النّشاط السّياسي والصحافي والثقافي والبحثي الجادّ كما في كتابه الشهير "شعراء الأرض المحتلة" الذي أصدره عام 1966، ولفتَ فيه الأنظار إلى محمود درويش وسالم جبران وتوفيق زيّاد وسميح القاسم، ودراسته المتفردة "في الأدب الصهيوني" التي نشرتها مؤسسة الأبحاث. وما ميّز غسان في إنتاجه الأدبي قصةً وروايةً ومسرحاً أنّه كان دائم التفاعل مع قضية أمته من خلال الواقع الذي عاشه أو تأثر به، متجاوزاً خطاب البكائيات والتفجّع وانتظار المنقذ كما يظهر في روايتي "رجال في الشمس"، و"ما تبقى لكم" التي نال عنها عام 1966 جائزة أصدقاء الكتاب في لبنان، ويستكمل فيها مسار روايته السابقة مبشراً بالعمل الفدائيّ، بعدما حوّل رحلة هروب بطله عبر الصحراء إلى خيار مواجهة حتمية مع عدوه.

بعد مقامِهم في بيت متهالك أربعين يوماً، في ظروف قاسية، حملهُم القطار مع مهجّرين آخرين إلى حلب

لذا، لم يكن من قبيل الصدفة استهدافه عام 1972، وهو لم يتجاوز السادسة والثلاثين بعبوّة ناسفة، أودتْ أيضاً بابنة أختهِ لميس ذات السبعة عشر ربيعاً، وذلك ضمن قائمة أهداف "دقيقة" عملتْ "إسرائيل" من خلالها على ضرب عقل المقاومة وروحها وحماة ذاكرتها، فلم يهنأ لها بال في ذلك العام قبل أن تُصفّي معه وائل زعيتر في روما ومحمد الهمشري في فرنسا؛ لأن "ذنبهم" كان أعظم وخسارة القضية بهم كانت أفدح؛ لأنهم أعطوا "القدرة على الحزن، وعلى الحقد، وعلى الانتساب" كما يقول الراحل محمود درويش في رثاء صاحب "عالم ليس لنا".

ظلّ غسان حتى آخر رمق مسكوناً بالهاجس الوطني وصور المعاناة التي عاشها وخلّدها في أدبه ورسوماته التي تطغى عليها مشاهد الريف والكوفية والثوب الفلسطيني المطرز، وكانت حياته، رغم قصرها لوحة ملحمة ثورية دائمة، وماتزال كلماته شعاراتٍ تتردد رمزاً للنضال والمقاومة؛ "إذا كنا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أنْ نغير المدافعين لا أن نغير القضية"، "ليس المهمّ أنْ يموت أحدنا، المهم أنْ تستمرّوا"، كأنّه يوصي أبناء وطنه أنْ يكملوا مسيرة رواية لم تكتمل، للسّارد الفلسطيني الأبرز الذي ظل طوال حياته يبحث عن نهاية لتغريبة إنسانية كان واثقاً أنّ فصولها لن تدوم طويلاً، وأنه لا بد يوماً "عائد إلى حيفا".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



روجيه غارودي: الإسلام والمسيحية والماركسية في قلب واحد

2019-07-21

خلال أحد أيام العام 1941، لم يكن الأسير الفرنسي لدى القوات النازية في الجزائر يتخيل أنّه سيحسم أمره باعتناق الإسلام بعد سنوات طويلة؛ بفضل مجموعة من العسكر الجزائريين، تحدّوا الأوامر العسكرية، بعد اندلاع تمرد للسجناء في ذلك المعتقل، ورفضوا إطلاق النار عليه وعلى وزملائه.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق

كان ذلك أول احتكاك للشاب، روجيه غارودي، المقاوم للنازية، بالمسلمين سكان المستعمرات المسلمة، التي طالما وصفها الاستعمار بالهمجية، تعجّب الفتى من تضامن تلك المجموعة الجزائرية الصامدة مع الأسرى، أمام تهديدات الألمان بالقتل؛ بسبب رفضهم قتل عُزّل من السلاح، وعدم اقتناعهم بقتله ورفاقه؛ لأنّهم لم يسبّبوا أيّ ضرر لهم.

وُلد روجيه لأب ملحد وأم كاثوليكية واختار لنفسه المذهب البروتستانتي في سنّ الرابعة عشرة

عاد روجيه إلى فرنسا، بعد أن أمضى ما يقرب من ثلاثة أعوام في معسكرات الاعتقال في الجلفة بالجزائر، وفي قلبه تلك التجربة التي أنقذت حياته، وعقله قد توقف بالتأمل طويلاً أمام تلك الحادثة؛ "كانت الصدمة الأولى التي زلزلت حياتي، ويومها عرفت أنّ الإسلام هو الذي أنقذ حياتي.. وأنا عمري 28 عاماً وظل بداخلي حتى اعتنقت الإسلام العام 1982".

اعتنق الماركسية في المرحلة الأطول التي صنعت شهرته لم ينقطع خلالها عقله عن التأمل والشغب

نضال بالفلسفة والسياسة
سرعان ما انخرط غارودي في العمل السياسي في فرنسا بعد عودته، لينضم إلى الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي وصل أوج شعبيته بعد الحرب العالمية الثانية، وانخراط كوادره في تحرير فرنسا من الاحتلال النازي، وقد تكلّل نشاطه السياسي بانتخابه نائباً في البرلمان، العام 1945، ثم عضواً في مجلس الشيوخ، ورئيساً للجنة التعليم القومي، ونائباً لرئيس المجلس.
حصل على درجة الدكتوراه العام 1953 من جامعة السوربون، عن موضوع النظرية المادية في المعرفة، ثم على درجة الدكتوراه الثانية حول الحرية العام 1954، من جامعة موسكو، مما يظهر مدى تعمقه في دراسة الأيديولوجيا الشيوعية.
عمل في كلية الآداب بجامعة كليرمونت فيراند، ما بين عامي 1962-1965، إلا أنّه ترك الجامعة لخلاف مع المفكر الفرنسي الراحل ميشيل فوكو، ثم رحل إلى جامعة بواتييه، ليحاضر فيها ما بين عامي 1969-1972.

اعتنق الماركسية في المرحلة الثانية والأطول من حياته والتي صنعت شهرته

أربع محطات فكرية
وُلد روجيه لأب ملحد وأم كاثوليكية، واختار لنفسه المذهب البروتستانتي في سنّ الرابعة عشرة؛ مما يعني أنّ سؤال الدين طغى عليه منذ البداية، بفعل اختلاف عقيدة الوالدين، وانتهى هذا القلق الفكري بالثورة على الإلحاد والكاثوليكية، والانحياز للمذهب البروتستانتي، ويبدو أنّ غارودي اختار التجربة سبيلاً، لانتقاء العقيدة التي سيظلّ يبحث عنها، حتى يصل إليها ويؤمن بها حتى رحيله.

مثل اندلاع أحداث 1968 في أوروبا لحظة انبثاق وعيه بثنائية فلسفة الذات وفلسفة الفعل

كانت تلك المرحلة الأولى من حياته الفكرية تجاه الدين، ثم اعتنق الماركسية في المرحلة الثانية والأطول التي صنعت شهرته، لم ينقطع خلالها عقل المفكر الفرنسي عن التأمل والشغب، وظلّ متمسكاً بالديالكتيك، عصب الفلسفة الماركسية، ودون أن يفقد عقله أمام الوصاية القادمة من الاتحاد السوفييتي، التي حوّلت الأحزاب الشيوعية حول العالم إلى ظلال خافتة بلا هوية، وهو ما لم يَرُق له، فتمّ طرده من الحزب الشيوعي الفرنسي، العام 1971، لمعارضته الحادة للغزو السوفييتي لتشيكوسلوفاكيا، العام 1968؛ حيث أكد أنّه لا يمكن اعتبار الاتحاد السوفييتي دولة اشتراكية، على حدّ قوله، كما في كتابه الشهير "ماركسية القرن العشرين" الذي استكمله بعد هذه المرحلة.
في المرحلة الثالثة؛ عاد إلى المسيحية ولكن في ثوبها الكاثوليكي، بعد صداقة طويلة وعميقة مع كبار رجال الكنيسة الكاثوليك؛ حيث ساهم معهم في مؤتمرات الحوار المسيحي الشيوعي، في ستينيات القرن الماضي؛ محاولاً الخروج من الفوضى التي يتصور فيها كلّ فرد ودولة أنّه مركز كلّ شيء، ووجد الحلّ في الإيمان بقيم مطلقة، تتجاوز منطقنا البسيط، مؤكداً على قيمة الحوار بين الأديان والأيديولوجيات.

اقرأ أيضاً: ساراماغو حين لا يعبأ بمعاداة السامية: مع فلسطين ضد إسرائيل
وفي المرحلة الرابعة والأخيرة، في سبعينيات القرن الماضي، ظهر اهتمامه بالإسلام، خاصة بعد صعوده على مسرح السياسة الدولية، ومعاناة الاتحاد السوفيتي في أفغانستان المسلمة، ليعلن في الثاني من تموز (يوليو) العام 1982، إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف.

أعلن في الثاني من تموز العام 982، إسلامه في المركز الإسلامي في جنيف

يظنّ كثيرون من قرّاء غارودي أنّ كلّ مرحلة لاحقة نسخت المرحلة السابقة في حياته العقلية المثيرة، ولكنّه -على العكس- تمسك بكلّ مرحلة، واستطاع تكوين سبيكة عقلية، لا يمكن فصل الماركسية فيها عن المسيحية والإسلام، وعزّز ذلك شخصية مستقلة مهمومة بمشكلات الواقع وتحدياته، رافضاً الإقصاء والإرهاب اللذين يمارسهما كلّ من يريد السلطة، بغضّ النظر عن الضحايا الذين يسقطون في سبيل تلك المشروعات الدموية.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

يقول غارودي، في كتابه "كيف صنعنا القرن العشرين؟": "في مسيرتي نحو الإسلام، حاملاً في يد الإنجيل وفي اليد الأخرى ماركس، حاولت أن أعيد في الإسلام –كما فعلت في الماركسية- إحياء الأبعاد الداخلية والسموّ والحبّ".

نقد الغرب فلسفياً

يحتلّ نقد غارودي للحضارة الغربية مكانة كبيرة في اهتماماته الفكرية، وفي كلّ مرحلة عاشها كان يكتشف أبعاداً جديدة من مشكلات تلك الحضارة، التي تعدّ الفلسفة اليونانية والتقاليد اليهودية المسيحية، رافديها الأساسيين.

في كلّ مرحلة عاشها كان يكتشف أبعاداً جديدة من مشكلات الحضارة الغربية ومعضلاتها مع الآخر

مثل اندلاع أحداث 1968 في أوروبا لحظة انبثاق وعيه، بثنائية فلسفة الذات وفلسفة الفعل؛ مما دفعه للبحث بشغف في تاريخ هذين المفهومين في الثقافة الغربية؛ حيث يرى غارودي أنّ الغرب المتمركز حول نفسه، مرّ بعدد من عمليات الانفصال والتمزق والتحيز لصالح فلسفة الذات، وكان أول انفصال قام به سقراط وتلامذته بناء على فلسفة بارمينيدس، الذي استبعد من الوجود كلّ ما لا نعقله بالمنطق، وبالتالي يُحدّد بالذات، وجعل أفلاطون البشر طبقات في جمهوريته، وقد قام المجتمع اليوناني القديم على الفصل والانحياز الواضح للتأمل الذاتي، على حساب الفعل اليدوي واحتقاره، واستمرت تلك المرحلة إلى عصر النهضة.

كتابه: "وعود الإسلام"

في المصدر الثاني المتمثل بالفكر اليهودي المسيحي، رأى غارودي أن القديس بولس ومريديه استعادوا الفكرة الملعونة عن شعب الله المختار؛ حيث استبدلوا مفهوم "الجوييم"، أي غير اليهود، بمفهوم الكفار والوثنيين، الذين تجب دعوتهم إلى المسيحية، بمعنى استعمارهم روحيّاً قبل استعمارهم اجتماعيّاً.

بعد بيانه ضد الاجتياح الإسرائيلي للبنان لم تنشر له أي صحيفة فرنسية أي موضوع أو إشارة إيجابية

عندما تأمّل غارودي الحداثة الغربية، التي نجحت في فرض نفسها بالقوة، ودفعت العالم لأتون حربين عالميتين، من أجل الصراعات على الثروة العالمية، استخلص مفهوم الحداثة في عدد من المبادئ التي اقتبسها من كتابات الفلاسفة الغربيين، مثل أنّ "الإنسان سيد الطبيعة يسخرها كيفما يشاء من أجل مصلحته الخاصة"، و"الإنسان عدو لأخيه الإنسان"، و"أيها الإنسان من خلال عقلك القوي، كن إلهاً"، فالفلسفات الغربية، كما يقول، قدّمت طروحات فلسفية تتمركز حول الذات الغربية، وتطمح إلى احتلالها مكانة أكبر من إمكانياتها، وتدفعها إلى الاغتراب، ويظل الهدف هو تحقيق مفهوم الرشادة، بتحقيق أكبر عائد بأقل تكلفة اقتصادية، أما سقوط ملايين الشهداء في ساحات المعارك، فهو جزء يسير من تلك التكلفة المنخفضة القيمة.

أسلمة غارودي أم إسلامه؟

أربك تحوّل روجيه غارودي إلى الإسلام، في أوائل ثمانينيات القرن الماضي، الكثيرين، ومثّل صدمة عميقة  لرفاق دربه والمتحمسين لأفكاره السابقة ومشروعه الفكري، في الوقت الذي ابتهج فيه المسلمون بتحوّل شخصية بوَزن وثقل روجيه غارودي للإسلام، وطمع بعض المتشددين في المزيد، فأذاعوا نبأ تغيير اسم روجيه غارودي إلى رجاء غارودي، وهو الأمر الذي نفاه الفيلسوف الفرنسي أكثر من مرة، واستنكره، وعبّر عن رفضه لتلك الفكرة قائلاً لأحد الصحفيين العرب: إنّ "الإسلام أكبر من أن يحتويه قمقم العروبة فقط"؛ حيث أراد الإسلاميون توظيف هذا التحول في معاركهم السياسية والدينية ضدّ الغرب.

اقرأ أيضاً: جوزيف كونراد يشعّ من "قلب الظلام" ويكشف الوجه البشع للاستعمار

عاصر غارودي قرناً يعجّ بالأحداث الصاخبة، والأسئلة، والأزمات الطاحنة، والآمال الوردية، لم يفقد فيها أبداً الرغبة في مقاومة ما يحدث في هذا العالم من فظائع، وقد نال المفكر الراحل جائزة الملك فيصل العالمية، عام 1985، عن خدمة الإسلام، وذلك عن كتابيه: "وعود الإسلام" و"الإسلام يسكن مستقبلنا"، واستمرّ المفكر الراحل يكتب عن الإسلام وثرائه، ولم يتوقف عن مهاجمة الأصوليات الدينية والأيديولوجية والتكنوقراطية حتى وفاته.

رحل روجيه غارودي في حزيران 2012

معركة أخيرة قبل الرحيل

لأن المبادئ لا تتجزأ كما آمن طوال حياته، أصدر غارودي بعد مجازر صبرا وشاتيلا بياناً مدوياً أعلن فيه رفضه الحاسم للاجتياح الإسرائيلي لجنوب لبنان، وذلك على صفحة كاملة بصحيفة "اللوموند" الفرنسية اشتراها لحسابه الخاص بتاريخ 17 حزيران (يونيو) 1982، موجهاً نقداً لاذعاً لإسرائيل والصهيونية لإقدامها على "تغذية غرور الغطرسة والهوس المزمن الذي تزكيه أمريكا، وكانت هذه المقالة بمثابة الطلقة الأولى التي خرجت من حنجرتي لتعلن بداية حرب ضروس ضدي".

بعد هذا الموقف تحوّل ذلك الضيف الدائم على المحطات الإذاعية والتلفزيونية وأعمدة الصحف، إلى شخصية مقاطَعة من الإعلام الفرنسي، فلم تنشر له أي صحيفة بعدها أي موضوع أو إشارة إيجابية، حتى أنّ كتابه "الإرهاب الغربي" صدر العام 2009 عن دار الأمة الجزائرية بعد أن رفضت كل دور النشر الفرنسية طباعته.

بعد اعتناقه الإسلام سعى الإسلاميون لتوظيف هذا التحول في معاركهم السياسية والدينية ضدّ الغرب

وكانت الأمور قد تصاعدت ضده في العام 1998عندما أدانته محكمة فرنسية بتهمة التشكيك في الهولوكوست في كتابه "الأساطير المؤسسة لدولة إسرائيل"، وصدر بحقه حكم بالسجن لمدة سنة مع إيقاف التنفيذ.

وإثر ذلك وصمته الصحافة الفرنسية والغربية بمعاداة السامية، علماً أنّه لم ينكر جرائم النازية ضد اليهود، بل المبالغة في حجم المأساة والأرقام المعلنة في أعداد الضحايا، على حساب جرائم أكبر للنازية استهدفت شعوباً وقوميات أخرى؛ كان يقول ببساطة إنّ أحداث المحرقة ضُخمت وأعطيت أبعاداً أسطورية مخالفة للواقع، وتمت بالكامل على المسرح الأوروبي لكنها وُظّفت لحجب وتبرير ما ارتكبته إسرائيل بعدها ضد الفلسطينيين.

رحل روجيه غارودي، في حزيران (يونيو) 2012، عن عمر ناهز التاسعة والتسعين، وقد تداول بعض من حضروا العزاء؛ أنّ أسرته أحرقت جثته رغم مخالفة ذلك للتعاليم الإسلامية، بحجة أنّه ترك المسيحية، ونقلوا عدم رغبتهم دفنه، بحسب الشريعة الإسلامية، وأنّهم تجاهلوا الصلاة على الراحل وفق الشريعة التي اعتنقها، وسط حضور متواضع لمئات كان أغلبهم من المسلمين، كما رفض عميد مسجد باريس إقامة صلاة الغائب على روح الراحل؛ بحجة عدم وجود وثيقة تؤكد إسلامه، وأنّ المسألة تحتاج إلى قرار سياسي!

اقرأ أيضاً: موسى بن ميمون: يهودي في بلاط صلاح الدين

إنّ روح غارودي، القوية الصلبة، في مراحله المختلفة التي تشترك في البحث عن الحق والحقيقة تكاد تصفها كلمات المفكر المصري عبد الرحمن بدوي، عندما قال: "فالروح المتطرفة هي من شيم الممتازين الذين يبدعون ويخلقون التاريخ.. ومن عمائق الإنكار والتجديف، تنطلق الموجة التي تنشر الإيمان في الدنيا بأسرها".

للمشاركة:

هل ظل قلب محمد منير مأهولاً بالمساكن الشعبية؟

منى يسري's picture
صحافية وكاتبة مصرية
2019-07-18

في بلاد النوبة قديماً، عُبد آمون، إلهاً للشمس والريح والخصوبة، فامتلك القدرة على التجدد وإعادة خلق نفسه، واستطاع التحول لأفعى وطرح جلده، ثم تجلى للخلق، بينما ظلّ، في الوقت نفسه، منفصلاً ومستقلاً عنه، وعندما اتّحد مع رع، استطاع الجمع بين النقيضين "التجلّي والخفاء"، وإعادة تشكيل نفسه من جديد.

اقرأ أيضاً: الشيخ إمام يتحدى التجاهل الرسمي ويشدو بأغنيات خلدها الوجدان الشعبي

هكذا كان محمد منير، ابن النوبة ورمزها الأوحد منذ عدة عقود، فرغم أنه هُمِّشت فيها تلك المملكة الأم، منبت الإمبراطورية المصرية؛ لكنّ مشواره الحافل استطاع التجلي والخفاء، في أن يكون فنان الشعب تارة، وفنان النخبة تارة أخرى.

أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"

في أعقاب ثورة تموز (يوليو) 1952، عاش المصريون لأعوام تحت مظلة الصوت الواحد والمطرب الواحد، مجتمعين حول حفلات قطبي الغناء العربي؛ أم كلثوم، وعبد الحليم، حتى وفاتهما في توقيت متقارب، ترجّلت أم كلثوم عام 1975، ثم عبد الحليم حافظ 1977، مسدلَين الستار على باب من أبواب تاريخ الفنّ المصري المرتبط بالنظام السياسي، ليُعلَن ميلاد فصل جديد من التاريخ الفني لمصر، في سياقه الاجتماعي، بانطلاق أول الألبومات الغنائية لمحمد منير"علموني عنيكِ"، في توقيت وفاة عبد الحليم نفسه، الذي لم يشبهه منير في شيء، سوى أنّه عبّر عن مرحلة جديدة في تاريخ المجتمع المصري، بدأت بنكسة حزيران (يونيو) 1967، ثم وفاة عبد الناصر، فانفتاح السادات 1974، ليظهر منير متشحاً بثوب مختلف عن أسلافه في الغناء؛ إذ كان نجم الشباب وقتها، هاني شاكر، والذي اتخذ من الغناء الرومانسي باباً لقلوب الجماهير، التي لم تلتفت إلى منير في أول ألبوماته؛ حيث لم يلقَ أيّ نجاح شعبيّ يذكر، فالجماهير المستفيقة لتوها من وفيات متلاحقة لرموز حركة وطنية وفنية، سيطرت على وجدانها، لم يكن بمقدورها الالتفات لأغنيات مثل: "إيه يا بلاد يا غريبة، عدوة ولا حبيبة".

كان المسيطر على هذا اللون الغنائي وقتها، الفنان الراحل محمد حمام، كفارس للأغنية الوطنية، التي ما تزال تتربّع على قلوب الجماهير، والحقيقة أنّه، وبحسب حلقات تلفزيونية بعنوان "الموهوبون في الأرض"، تحدّث فيها الكاتب الصحفي المصري، بلال فضل، عن محمد منير، بحكم الصداقة التي جمعتهما منذ تسعينيات القرن الماضي، وشاهد عيان على فترة صعوده جماهيرياً، أوضح فيها أنّ "منير، بذكاء فطري، استطاع تطوير الموسيقى المصرية بشكل غير مسبوق في عصره، وبتوأمته مع الرباعي: هاني شنودة، ويحيى خليل في الموسيقى والألحان، وعبد الرحمن الأبنودي، وعبد الرحيم منصور في الشعر وكلمات الأغاني، استطاع منير أن يحلق عالياً، رغم ما تعرض له من تهميش في بداية مسيرته؛ ففي لقاء له مع الإعلامي عمرو الليثي، أوضح منير أنّ مسألة لون بشرته وشعره مثّلا حاجزاً كبيراً مع الجمهور، ما ولّد لديه شعوراً بالاغتراب، رغم غنائه لأهل بلده. وفي لقاء آخر، أجراه الفنان المصري محمد الحلو، في برنامج "معكم منى الشاذلي"، على الفضائية المصرية "CBC"؛ يحكي قصة مشاجرة دارت بينه وبين منير في التسعينيات من القرن الماضي، حين أجرى لقاءً على التلفزيون المصري، قائلاً: "أنا وعلي الحجار ومدحت صالح وهاني شاكر فقط من نحمل لواء الطرب العربي الأصيل، ليفاجأ الحلو بمكالمة من منير غاضباً وشاتماً: "أنتم الأربعة... الخلفاء الراشدون! طب اعتبرني بلال يا أخي"، وهي كلمات عكست شعور منير بالضجر والاغتراب الناتج عن اختلاف لون بشرته وهيئة شعره، كونه تشبّه ببلال، رضي الله عنه، مؤذّن الرسول، عليه السلام، أسود البشرة.

 الفنان المصري محمد الحلو

أفق أكثر اتساعاً للغناء

منذ انطلاقة منير، التي حاد فيها عن أغنيات الشوق والحب واللوعة والهجر، رفض منير الانصياع لمتطلبات السوق، وهو ما دفع شباب الثمانينيات إلى تسميته بـ "مطرب النخبة"، وأحياناً أخرى "مطرب اليسار"، لكنّ منير كانت له رؤية أخرى أوضحها من خلال استمراره على النهج نفسه؛ كونه جاء من أقصى الجنوب، منبثقاً من معطف محمد حمام، الذي انقلب عليه لاحقاً، جاء منير خارج معايير السوق، فلا هو شاب وسيم مهندم الثياب يستطيع جذب أنظار الجماهير، ولا هو مطرب عاطفي يغني للشباب والمراهقين فيؤجّج مشاعرهم، إنّما تفتحت آفاقه وأدخل وجدان المصريين إلى ألوان أخرى، مزجت بين الفنّ والحياة؛ فالغناء أرحب من أن يتسع للحب فقط، كما استفاض منير في معظم اللقاءات الصحفية التي أجريت معه، في الثمانينيات من القرن الماضي؛ ففي حوار له مع الكاتب الصحفي، حامد العويضي، نشر بجريدة "الأهالي" المصرية، في التاسع من تموز (يوليو) 1986، عبّر منير من خلال الحوار عن امتعاضه من حال الأغنية المصرية، التي سيطر عليها التجار لمجاراة النهم الاستهلاكي وتحقيق أقصى معدلات ربح؛ لذلك فهو يرفض تقديم أغنيات تجعله في مصافّ المشاهير، بل تأسره الكلمة الرافضة، على حدّ تعبيره، وإذ عبّر هذا الحوار بشكل خاص عن السبيل الذي اتخذه منير في الغناء.

عام 1987؛ قدّم محمد منير مسرحية غنائية بعنوان "الملك هو الملك"، ثبّتت أقدامه في مصاف نجوم الغناء المصري، وحاز بها على لقبه الشعبي "الكينغ"، إلّا أنّ ما قدّمه منير من حالة غنائية اعتبرها البعض أيقونات في الفنّ الثوري، مثّلت جدلية كبيرة بالنسبة إلى مثقفي أجيال الستينيات، وحتى الثمانينيات، الذين أثقلت كواهلهم الأحلام المبددة منذ زمن الناصرية، وحتى انتفاضة الخبز 1977، التي كانت بمثابة تصفية للقضية الاجتماعية في مصر، فجمهور منير أغلبه من الطبقات الوسطى صاحبة القضية الوطنية الأكثر حضوراً على الساحة، بدءاً من العدالة الاجتماعية وحتى تحرير فلسطين من وطأة احتلال غاشم، عقد المصريون معه اتفاقية سلام كانت نكسة نفسية أخرى تضاف إلى همومهم، وبحسب ما يرى الكاتب والباحث أيمن عبد المعطي، في مقال له؛ فإنّ "ما قدمه منير لم يكن فناً ثورياً، وإنّما حبّ تقدّمي واقع تحت سيطرة الشجن المنبثقة من الأوجاع الاجتماعية التي يعاني منها المصريون".

ولكن تغيّر الأوضاع السياسية، اعتبر بعض الناس أنّ منير أصابه شيء من التعالي على الناس الذين رفعوه عالياً، وأنه يقوم بما يطلقون عليه الانقلاب على أحلامهم التي استشعروا في صوته تجسيداً لها، ووجهت له انتقادات بأنّه بات في حالة تقارب مع السلطة، وهو ما يستدل عليه من حالة الجدل الواضحة التي تلاحق منير من جماهيره، ونقد البعض له بصفته لم يعد يمثل حلم جماهير يناير، التي لم يصرح مباشرة بموقفه ضدّها، ولكن واحدة من الأغاني الأكثر ثورية التي قدمّها منير في مسيرته، وكانت أغنية "حدوتة مصرية"، والتي غنّاها في فيلم ليوسف شاهين حمل الاسم نفسه، وتغنّت بها جموع الثوار في ميدان التحرير، ظهرت في مدلوله المكانة التي يجسدها منير في نفوس أبناء الطبقات الوسطى، من تعبير أغنياته عن أوجاعهم حتى في أحلك اللحظات احتداماً بين السلطة والشعب.

"علّي صوتك بالغنا"

عام 1997، قدّم المخرج المصري الراحل، يوسف شاهين، فيلمه "المصير"، المستوحى من حياة الفيلسوف الأندلسي الأشهر، ابن رشد، وحلّ محمد منير بطلاً لتلك الملحمة التاريخية، التي رُشحَ بفضلها شاهين للسعفة الذهبية بمهرجان "كان" السينمائي الدوليّ، وتمّ تكريمه عن مجمل أعماله في خمسينية "كان" السينمائي الدوليّ، هنا صدحت المحطات التلفزيونية المصرية، ليلاً نهاراً، بأغنية منير الأشهر في تلك المرحلة: "علّي صوتك بالغنا..لسا الأغاني ممكنة"، كانت تلك الأغنية بمثابة ميلاد جديد لمنير، الذي خرج من قالبه التراثي في تقديم أغنيات وضعته في قالب "مطرب النوبة"، وهو قالب يرفضه منير بالطبع؛ لأنّه يعزز الإقليمية التي لطالما كرهها، واشتكى منها في العديد من حواراته الصحفية التي أجراها في مستهل حياته الفنيّة، وفي حوار أجرته جريدة "أخبار اليوم"، في كانون الثاني (يناير) 2019، مع الشاعرة المصرية، كوثر مصطفى، أحد أشهر شركاء منير، ومؤلفة أغنية "علّي صوتك"، التي خطّت بها مسيرة مختلفة لمنير، فقد شاركته كوثر لفترة امتدت 25 عاماً، قالت: "منير لا يعرف الصدفة، فكلّ كلمة يغنيها كان يقصدها ويقصد معانيها بالكامل، مثل أغنية "إزاي" التي لاقت رفضاً لعرضها في وقت الثورة، ولكنها ظهرت لجمهور منير، ولاقت إعجاباً جماهيرياً كبيراً".

فيديو قناة العربية.. الثورة هدية الحالمين:

وبحسب كلمات الشاعرة؛ فإنّه إذا كان منير لا يعرف الصدفة، فإنّ أغنياته تعبّر عنه بشكل أو بآخر، فهو لم يكن مع الناس اعتباطاً ولم ينقلب عليهم سهواً، وأكّد على الصفة نفسها في منير، الموسيقار هاني شنودة، في حديثه عن محمد منير لـ "حفريات"، قائلاً: "عرفت منير منذ بداية مشواره، ورغم موهبته الفذّة، إلّا أنّه كثيراً ما كان يتردّد قبل أدائه لأيّ لحن أو أغنية، وكلّ تفاصيل العمل يحب أن يدقّق فيها، ليخرج على أكمل وجه، فهو فنان متطلّع للكمال، كما يحبّ أن يندمج مع الحالة الشعبية السائدة بين أجيال الشباب، فمنير مرِن فنياً لأقصى درجة، ويحبّ أن يجتث نبض الشارع ليقدم ما يلائم مزاجه"، ربما التناقضات التي اجترّ لها منير قبيل ثورة يناير، وفي أعقابها، حتى إزاحة الإخوان عن حكم مصر، جسدت حالة من الجدل المماثل ضدّه من الجماهير المحبة؛ فقبيل ثورة يناير أدّى محمد منير وصلة غنائية في احتفالية القوات الجوية المصرية، في ذكرى تحرير سيناء، أمام الرئيس المخلوع، حسني مبارك، والمشير طنطاوي، وتصافح مع مبارك بحرارة في أعقاب الحفل، كما تناقل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعي فيديو في لقاء له على قناة "دريم" المصرية، يصف مبارك فيها بـ "الأب الحكيم لكلّ المصريين"، وهو ما لا يتوافق مع تصريحات منير لقناة "العربية"، بعد مرور بضعة أشهر فقط من اندلاع ثورة يناير، وانضمامه لصفوف شباب يناير، واصفاً الثورة بالحلم المتراكم على مدار عقود، من الفساد والديكتاتورية.

هل اختلف مشروع منير فعلاً؟

أصبح منير في الآونة الأخيرة مثار جدل كبير بين صفوف الشعب المصري، وهذا إن دّل على شيء فهو دلالة على منزلة عالية تمتع بها الفنان بين جماهيره لعدة عقود، واستشعار بعض الجماهير بالخذلان من فنانهم الأوحد، حتى إنّ ثوّار ميدان التحرير لم يجدوا سوى منير للتغني بأغنياته، إلى جانب تراث مشايخ الفنّ الثوري؛ محمد حمام، والشيخ إمام عيسى، بعد تخاذل نجوم الشباب، على رأسهم تامر حسني، الذي طرد من الميدان شرّ طردة، وبدأ نجمه في الخفوت بعدما سيطر لأعوام على ساحة الأغنية الشبابية، فها هو منير الفنان الوحيد الذي ما يزال حيّاً، يغني للثورة ويؤيد أحلام الثائرين، إلّا أنّ أغنية "متحيز"؛ عام 2014، اعتبرها البعض خروجا على مسيرة الفنان منير ومساره، متناسياً تاريخه الطويل من التغني بالآم المصريين وأوجاعهم، كما فعل في أغنية حدوتة مصرية:

مين العاقل فينا مين المجنون

مين يلي مدبوح من الألم

مين يلي ظالم فينا مين مظلوم

مين يلي ما يعرفش غير كلمة نعم

مين يلي محميلك خضار الفلاحين غلابة

مين يلي محميلك عمار عمالك الطيابة

مين يلي ببيع الضمير مين يشتري مين يشتري بيه الدمار

مين هو صاحب المسألة والمشكلة والحكاية والقلم

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى

يبقى لمنير في وجدان الشعب المصري تاريخه الفني الطويل، الذي امتد لأربعة عقود، قدّم فيها ما يزيد عن 450 أغنية، إلى جانب 17 فيلماً، بين ممثل ومؤدٍّ لأغنيات بعض الأفلام، إضافة إلى 17 مسلسلاً تلفزيونيّاً، وثلاث مسرحيات، كانت علامات فارقة في الإرث الفني لمصر الحديثة، وعكست التناقضات والتحولات الاجتماعية، وعبّرت عن الجماهير في أوقات كثيرة.

للمشاركة:

خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني

2019-07-16

حتى تمسك بالكلمتين الرئيستين لتجربة خالد الحروب في الكتابة: الأكاديمي والأديب، لا بد لك من قراءة بعض نتاجه؛ لمعاينة كيف يتغوّل طرف على آخر في مرات، ما يخلق بدوره طابعاً فريداً لنتاجه، إلى حد قد يفكر فيه المتلقي باجتراح توصيف خاص لبعض كتاباته، ما يُذكّر إلى حد ما بحالة القيادي في الجبهة الديموقراطية ممدوح نوفل، الذي دوّن تجربته في كتب عدة، ارتأى نقّاد آنذاك أنّها قد تكون جنساً نادراً اسمه "الرواية غير الخيالية"، وفي حالة الحروب بالوسع قول إنّ بعض نصوصه "قصة غير خيالية".

"حبر الشمس" الصادرة في العام 2016

"حبر الشمس"
أكثر ما يتجلّى السابق، فيما اصطلحت عليه الدار الأهلية "قصص"، تحت عنوان "حبر الشمس"، والصادرة في العام 2016؛ ذلك أنّ نمطها يراوح بين السيرة الذاتية وأدب الرحلات والقصة، وبين المقالات في مرات والتغطيات الصحافية في مرات أخرى لحفل ما أو فعالية في فلسطين.

أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية وخالد الحروب من صفوتهم

ولم يكن الحروب يراوح بين أجناس كتابية متنوعة فحسب، بل كان كذلك يذهب ويجيء بين التفاصيل والخطوط العريضة، التي تطرّق إليها من خلال تجربة الروائي الأمريكي جوناثان فرانزن في روايته "فريدوم".
المُلاحَظ في مجموعة "حبر الشمس"، التي يُفرِغ فيها الحروب حمولات ثقيلة عن كتفيه، عنوانها العريض فلسطين، المُلاحَظ أمور عدة، أبرزها تغوّل الأكاديمي والمفكّر على الأديب في مرات كثيرة، وهو التغوّل الذي جعل الحروب يعرض وجهات نظره السياسية وفي مرات أن يستشهد بالأرقام والمعلومات، على حساب السرد الأدبي لحادثة بعينها، ما كان يقطع على المتلقي حبل الاندماج في المادة إن أُخِذت على محمل قراءة الأدب، لكن سيعود المتلقي لاستذكار أنّ التصنيف لربما جاء غير دقيق من قِبل دار النشر، ثم إنّ الحروب أكاديمي ومفكر في المقام الأول، قبل أن يكون أديباً أو بعد لا يهمّ، لكن هذه هي صبغته الأبرز. ما يجعل من تقديم المعلومات والرؤى والمقارنات وارادً لديه أكثر من الخيال والصور البديعية، التي لم يغفلها بل جاءت مكثفة وحاضرة بقوة، لكن كان المفكر والأديب يشدّه من جديد وبقوة كلما أراد ترك نفسه على سجيّته في الكتابة الوجدانية.

اقرأ أيضاً: رينيه جينو.. رحلة حيرة تنتهي في الشرق
وفي مرات، كان الجانب الإعلامي يطغى على كتابة الحروب (كما في تغطيته حفل الفرقة الجولانية في رام الله)، وهو أمر ليس مستغرباً أيضاً؛ إذ مارس الحروب الإعلام مرات كثيرة، مرئياً ومكتوباً، وهذا التنوّع ليس مستهجناً؛ إذ هو قبل ما سبق كله مهندس، ودارس مزمن، إن جاز التعبير، في علوم الفلسفة والعلوم السياسية والإحصاء السكاني، كما مارس مهنياً الإعلام والعمل الأكاديمي والهندسي، وفي بقاع شتى آسيوية وأفريقية وأوروبية. كل ذلك، يحضر بقوة في كتابة الحروب، وإن لم يتم ذكره بالفم الملآن، لكنه حاضر.
الطرافة كانت متواجدة إلى حد كبير في بعض النصوص التي كتبها الحروب في "حبر الشمس"، وقد عادَ من خلالها الفلاح الفلسطيني الذي يجلس في مضافة القرية ويتندّر على طرائف أهالي قريته والقرى الملاصقة، كما في النص الذي يتناول خلاله السجال الذي جرى بينه وبين السيدة البتّيرية، حول نسبة الباذنجان البتّيري لقرية بتّير، فيما هو من قريته وادي فوكين.

اقرأ أيضاً: علي مبارك "أبو التعليم في مصر" لا تمثال له في القاهرة
أكثر ما ظهر الجانب الأكاديمي البحت لدى الحروب، في حديثه عن غزة في المادة الأولى؛ إذ ما كاد القارئ يستغرق معه في المشاهد التي ينقلها من هناك، حتى عاد به لخانة العمل الأكاديمي الجدّي، مثيراً قضية بالغة الأهمية وهي التناول الإعلامي لقطاع غزة، وبوسع المتلقي القول إنّ عقل المفكر وانضباط الأكاديمي كانا يوقفان الحروب كلما حاول الانطلاق كأديب. وليس الأمر متعلقاً باللغة هنا، بل التناول. لذا، يبقى الحروب رقيباً على النص ويديره بعقلية الأكاديمي الذي لا يرتاح حتى يُسلّم المتلقي معلومة مفيدة.

اقرأ أيضاً: رضوان السيد.. "مولانا" المدافع عن الدولة الوطنية

نص "ساحرة الشعر" يأخذ المتلقي بعيداً، ولربما يكون من أكثر النصوص التي تجمع الجزالة والطرافة وتحمل فكرة فريدة، وهو النص الذي يظهر فيه الحروب مهجوساً بمحمود درويش، أكثر من بقية النصوص التي يبقى درويش فيها حاضراً بشكل أو بآخر.
ولعل النص الوحيد الذي خرجَ فيه الحروب من جلد الأكاديمي كان "على هذه الأرض ما يستحق الحياة"، والذي استعرضَ فيه بغضب بعض تنظيرات النخب، وبعض استسهالات العامة، بلغة رشيقة متمردة يشتاق المتلقي لها خلال استغراقه بلغة الأكاديمي الرصينة.

"أصفع وجه السماء وأمضي" الصادرة في العام 2017

"أصفع وجه السماء وأمضي"
ضمّن الحروب بعض قصائده في مجموعة حملت عنوان "أصفع وجه السماء وأمضي"، والصادرة كذلك عن دار الأهلية في العام 2017. وفي هذه المجموعة، تطلّ قصيدة بالغة الأهمية، وهي تصبغ وجدان الحروب وحديثه كثيراً، وتحمل عنوان "تينة مريم".
يعود الحروب من خلال هذه القصيدة يافعاً يحوم حول عمته مريم، ويعود شاباً يزورها ويطلّ عليها ويهجس بيومياتها:
كل الحكاية
يا عالم التعقيد والآلات
والغزوات
أن لا حكاية عند مريم
فهي الحكاية قبل أن تُحكى،
وهي النهاية بعد أن تُحكى
وبصدد معرفة المزيد عن الحروب، هناك قصيدة "ليته لم يعد"، التي يحضر فيها بشجنه دونما مواربة. يقول في مقطع منها:
يُطلّ المساء حزيناً
صبايا الحي وراء النوافذ
ستائر تسترُ دمعاً وهمساً:
ألا ليته لم يعد؟
لماذا يا بلد الغرباء
تعيد إلينا فتانا
وقد شاب... أو مات،
وتخلعُ عن كتفيه الكبرياء،
وتسرقُ من عينيه اللهب؟
يا بلد الغرباء: أما كان فيك اتساع
لوقت جديد
يعود لزهر البداية
ليبقى فيكَ
ويأتي منكَ
شباباً ورُمحاً
كما كان يوم ارتحل

"المثقف القلق ضد مثقف اليقين" الصادر عن دار الأهلية في العام 2018

المثقف القلق ضد مثقف اليقين
في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، الصادر عن دار الأهلية في العام 2018، يصول الحروب ويجول باقتدار، من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى. يحضر واثقاً ويُغرِق القارئ تماماً من دفّة الكتاب الأولى للثانية دونما انقطاع، خلال تشريحه ظاهرة المثقف العربي وأدواره وتصنيفاته، مجدّداً قلقه من تعويل الجماهير على المثقف بطريقة تحمّله في مرات ما لا يحتمل، وهو الحديث ذاته الذي كان قد صارحَ الجمهور به ذات مرة في نادي الجسرة الثقافي، قائلاً إنّ المثقف في نهاية المطاف إنسان عادي بالتزامات حياتية كثيرة وبتضييقات أمنية شأنه شأن أي إنسان آخر.

في كتابه "المثقف القلق ضد مثقف اليقين" يصول الحروب ويجول باقتدار من دون أن تتنازعه تيارات كتابية شتى

من يقرأ للحروب كلا الطيفين: الأدبي والفكري، يجد الجانب التنظيري والأكاديمي ميدانه الأوسع، الذي يكتب فيه بزخم لافت، مستشهداً بتجارب كثيرة وممسكاً بتلابيب الخطاب وأدواته كمن يمسك معجونة ليّنة بين أصابعه، يشكّلها ويصوغها كيفما شاء. ثمة زخم لافت في المراجع والمقارنات والاستشهادات والتصنيفات، تجعل القارئ نهماً بالضرورة لكتاب "المثقف القلق ضد مثقف اليقين"، وستتكرّس قناعة أكيدة لدى المتلقي في حينها بأنه أمام مفكر نوعي موسوعي ممسك بأدواته باقتدار لافت.

تصنيفات كثيرة يجترحها الحروب في كتابه ويبني على السابق منها لدى مفكرين آخرين، من قبيل: المثقف العضوي ومثقف القطيع والمثقف الاعتذاري والمثقف الشعبوي الطوباوي والمثقف المهرج ومثقف السلطة والمثقف القلِق والمُقلِق، وغير ذلك.

اقرأ أيضاً: صلاح فضل: أديب أزهري يفتش في جذوره الوجدانية
وبعد أن يوغل الحروب في التصنيفات والتقسيمات والتأملات، يعرض مجموعة من مقالاته السابقة في هذا السياق، ما يترك المتلقي مطمئناً للنتاج الذي يغرف منه، لدى مفكر من عيار ثقيل بلغة رصينة وأفكار مرتبة وخلفية أكاديمية محكمة أيما إحكام.
ما بين الحروب المفكر والأكاديمي، والحروب الشاعر والقاصّ، وما بين الخطوط العريضة والتفصيلات، سيجد المتلقي ما يحتمل الجدل في مرات أو التوافق، لكن شيئاً واحداً سيكون جازماً بشأنه: أنجبت فلسطين مثقفين على سويّة عالية ومفكّرين يُعتدّ بهم في المحافل العالمية، وخالد الحروب من صفوتهم.

للمشاركة:



قانون أسترالي جديد يتعلق بتنظيم داعش..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

تتّجه الحكومة الأسترالية إلى اتّخاذ المزيد من الإجراءات القانونية، بما يتعلّق بمواطنيها الذين قاتلوا إلى جانب تنظيم داعش الإرهابي.

واقتربت الحكومة الأسترالية من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر التنظيم المتطرف، ممّن يحملون جنسيتها إلى أراضيها، وفق ما أوردت وكالة "فرانس برس".

الحكومة الأسترالية تقترب من إقرار قوانين جديدة تمنع عودة عناصر تنظيم داعش الإرهابي

ويمنح التشريع الجديد المثير للجدل، والذي ناقشه البرلمان الأسترالي، اليوم، وزير الداخلية، بيتر داتون، صلاحية تفعيل "أوامر إقصاء" لمنع الإرهابيين المشتبه بهم من العودة إلى الديار.

ويستند القانون الجديد إلى تشريع مشابه مطبق في المملكة المتحدة، يقوم بموجبه قاضٍ باتخاذ قرار حول مسألة تطبيق أمر بالإقصاء.

وقال داتون أمام البرلمان، مطلع تموز (يوليو) الجاري: إنّ "القانون يستهدف 230 أسترالياً توجّهوا إلى سوريا والعراق للقتال في صفوف تنظيم داعش، وما يزال 80 منهم في مناطق تشهد نزاعاً مستمراً".

وبرزت مخاوف من أن يكون المقترح الأسترالي غير دستوري، ويمنح الوزير كثيراً من النفوذ، وطالب حزب العمال المعارض بإحالته إلى لجنة الاستخبارات والأمن البرلمانية لمزيد من الدراسة.

ويعدّ مشروع القانون أحد الإجراءات العديدة المثيرة للجدل التي يناقشها البرلمان في الأسبوع التشريعي الأول له منذ إعادة انتخاب الحكومة المحافظة، في أيار (مايو) الماضي.

وتتضمّن المقترحات الأخرى؛ إلغاء قانون "ميديفاك"، الذي يسمح بنقل طالبي اللجوء والمهاجرين الموقوفين في مخيمات في المحيط الهادئ إلى أستراليا للعلاج.

وأبدت المعارضة، حتى الآن، رفضها إلغاء القانون، وقال زعيم حزب العمال أنتوني البانيز: إنّه لا يعتقد أنّ الحكومة قدمت حججاً مقنعة.

وأضاف: "هناك قرابة الـ 90 شخصاً نُقلوا إلى أستراليا بموجب قانون ميديفاك، و900 نقلتهم الحكومة بنفسها قبل وجود القانون".

ودانت الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان سياسة كانبيرا المتشددة، إزاء قرابة 900 لاجئ ما يزالون على جزر ناورو وماناوس، التابعة لباباوا غينيا الجديدة.

غير أنّ أستراليا دافعت عن سياساتها الإنسانية في طبيعتها، قائلة: إنّ مئات الأشخاص قضوا غرقاً في البحر أثناء محاولتهم الوصول لأراضيها، وبأنها تسعى إلى ردع الناس عن القيام بمثل تلك الرحلات.

 

 

للمشاركة:

الانشقاقات تعصف بحزب العدالة والتنمية.. أسماء

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

كشفت مصادر صحفية الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية الإسلامي، المحتمَل انشقاقهم عن الحزب الحاكم في المرحلة المقبلة، لينتقلوا إلى حزب علي باباجان الجديد.

وأوضح علي بايرام أوغلو، الكاتب الصحفي بجريدة "قرار"، المقربة من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو؛ أنّ الأسماء المؤكد انشقاقها عن الحزب للانضمام إلى حزب وزير الاقتصاد السابق علي باباجان، ورئيس الجمهورية السابق عبد الله جول، من داخل حزب العدالة والتنمية هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش، وفق ما نقت صحيفة "زمان" التركية.

كاتب صحفي يكشف الستار عن مجموعة من قيادات حزب العدالة والتنمية المتوقَّع انشقاقهم عن الحزب

ويعدّ بشير أتالاي الاسم الألمع داخل حزب العدالة والتنمية، خاصة أنّه من الدائرة المقربة للغاية من رئيس الجمهورية ورئيس حزب العدالة والتنمية، رجب طيب أردوغان، وعمل نائباً له (2011-2014)، كما عمل قبلها وزيراً للداخلية (2007-2011).

أما سعد الله أرجون؛ فقد شغل منصب وزير العدل، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، كما أنّ نهاد أرجين أيضاً كان وزيراً في حكومة أردوغان، في الفترة بين عامَي 2011 و2013، أما هاشم كيليتش؛ فقد كان رئيساً للمحكمة الدستورية في الفترة بين عامَي 2007-2015، والشخص الذي منع حلّ حزب العدالة والتنمية من قبل المحكمة الدستورية عام 2008.

يذكر أنّ وزير الاقتصاد السابق، علي باباجان، تقدّم باستقالته من حزب العدالة والتنمية بشكل رسمي، ونشر بياناً عبر مواقع التواصل الاجتماعي انتقد فيه سياسات حزب العدالة والتنمية وأردوغان في الفترة الأخيرة، بصيغة شديدة اللهجة، كما كشف نيّته تأسيس حزب سياسي جديد ينافس حزب العدالة والتنمية، مع مجموعة من أصدقائه، دون أن يكشف هويته، إلا أنّ كواليس حزب العدالة والتنمية تؤكّد أنّه يسير مع رئيس الجمهورية السابق، عبد الله غول، لتأسيس الحزب الجديد، ليكون غول رئيساً شرفياً للحزب.

على الجانب الآخر؛ شهدت الفترة الأخيرة تحركات مكوكية من رئيس الوزراء السابق، أحمد داود أوغلو، وسط ادعاءات بأنّه كذلك سيؤسس حزباً منشقّاً عن حزب العدالة والتنمية، والتي لم ينفها خلال اللقاء المباشر الذي شارك فيه قبل أيام، وإنما قال: "كنت أتمنى أن يكون تحرّكي أنا وباباجان معاً، لكنّ السيد علي قرر الابتعاد"، كما وجه انتقادات حادة لحزب العدالة والتنمية وأردوغان، محمّلاً إياه المسؤولية الكاملة عن السياسات والإجراءات التي تمت خلال رئاسته للوزراء، وأنه لم يكن بيده أيّة صلاحيات.

الأسماء المؤكّد انشقاقها عن الحزب، هي: بشير أتالاي، وسعد الله أرجين، ونهاد أرجين، وهاشم كيليتش

وكان داود أوغلو قد أثار ضجة كبيرة، عندما قال إنّه عرض على أردوغان ترسيخ وتدعيم النظام البرلماني بدلاً من البحث عن أنظمة أخرى، ثم كشف السبب الحقيقي الذي دفع أردوغان وحلفاءه إلى إقالته من رئاسة الوزراء، في أيار (مايو) 2016، قائلاً: "كان يجب إبعادي من رئاسة الوزراء من أجل تنفيذ سيناريوهات من قبيل انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، والدفع بالبلاد إلى انتخابات متتالية، وتحقيق نقل تركيا من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي المغلوط".

 

 

 

 

للمشاركة:

الإمارات تخفّف آلام اليمنيين..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أطلقت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي، عيادات طبية متخصصة في العاصمة اليمنية المؤقتة، عدن، بغية علاج المصابين بأمراض مستعصية، والجرحى الذين سقطوا بنيران ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران.

وافتتح الهلال الأحمر، ضمن المساعدات الإنسانية الإماراتية للقطاع الصحي اليمني، عيادتَين متخصّصتَين في المستشفى الجمهوري التعليمي، فرع عدن، لاستقبال وعلاج جرحى حرب الحوثي من المدنيين والعسكريين.

الهلال الأحمر الإماراتي يطلق عيادات طبية متخصصة في عدن بغية علاج الجرحى والمرضى

وتعالج العيادات الطبية في عدن الجرحى المصابين بالمخّ والأعصاب والعظام والمسالك البولية، فضلاً عن تقديم جراحة عامة، والتعامل مع الحالات الطارئة، بحسب الدائرة الصحية بألوية الدعم والإسناد في الجيش اليمني.

وكانت دولة الإمارات قد قدّمت، الشهر الماضي، بواسطة ذراعها الإنساني الهلال الأحمر حزمة مساعدات للشعب اليمني، تمثلت في مشروعات طبية وإغاثية وخدمية.

وأصدرت وزارة الخارجية والتعاون الدولي الاماراتية تقريراً بالأرقام عن إجمالي المساعدات التي قدمتها دولة الإمارات للشعب اليمني، منذ نيسان (أبريل) 2015 حتى حزيران (يونيو) 2019، حيث بلغ إجمالي المساعدات 20.57 مليار درهم إماراتي (5.59 مليارات دولار أمريكي)، ثلثا المساعدات خصصت للمشاريع التنموية، واستفاد من إجمالي الدعم الإماراتي 17,2 مليون يمني يتوزعون على 12 محافظة.

 

للمشاركة:



"الإخوان" المصريون وثورة 23 تموز

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

إبراهيم الصياد

على رغم مرور 67 عاماً على ثورة 23 تموز (يوليو) في مصر، إلا أن الجدل في شأنها لم ينقطع بين نُخب المثقفين أو حتى بين المواطنين العرب العاديين الذين ما زالت صورة جمال عبدالناصر تتصدر باحات منازلهم. يتمحور الجدل حول علاقة عبدالناصر بجماعة "الإخوان المسلمين"، ومن الثابت تاريخياً ومن خلال شهادات محايدة مصرية وغير مصرية أن الرجل كان متديناً لكن ليس معنى هذا أنه كان متصالحاً مع هذه الجماعة، لسببين. الأول أن "الإخوان" ليسوا أوصياء على الدين أو التدين على رغم أن مظهرهم يوحي بعكس جوهرهم، إذ أثبت تاريخهم أنهم يعدون نموذجاً لمن يستغل الدين ويجعله سُلَّماً لكي يحقق مآرب سياسية ومنها طبعاً الوصول إلى السلطة. وهذا ما عرفناه بعد قيام الثورة في مصر عام 1952 حين ساوَمَ "الإخوان" قادة حركة الجيش للحصول على مكاسب سياسية مقابل تأييدهم للحركة. بعبارة أخرى إنهم لا يتحركون من منطلقات وطنية ولكن طوال تاريخهم منذ مؤسس جماعتهم حسن البنا تحكمهم أهداف نفعية.

السبب الآخر أن علاقة عبدالناصر بالـ "إخوان" مرَّت بمراحل تقارب في محاولة لفهم توجهاتهم وشهدت محاولة تباعد عندما اكتشف حقيقتهم وسوء مقصدهم. بدأت العلاقة مقبل قيام الثورة عندما حاول تنظيم "الضباط الأحرار" أن يستفيد من بعض عناصر "الإخوان" في ذلك الوقت لصالح الاتجاه نحو التغيير المرتقب. وبالتالي لم يكن عبدالناصر في يوم من الأيام كادراً تنظيمياً في الجماعة كما يحاول خصومه داخلها الترويج لتشويه الرجل. ويمكن القول إن نزوعه البراغماتي هو الذي جعله يقرأ عن هذه الجماعة ويدرس توجهاتها. اصطدم ناصر بأفكار الجماعة التي وصفها في أحد خطاباته بأنها "مستغلة" وأرادت أن تجعل من نفسها "وصية" على ثورة 1952. ويقول خالد محيي الدين عضو مجلس قيادة الثورة في كتابه "والآن أتكلم" أن عبدالناصر كان يساير تنظيم "الإخوان" فقط ولا يسير وفق هوى سمعه وطاعته المطلقة.

وتشير الوقائع بوضوح إلى أن عبدالناصر كان مع "الإخوان" ترتيباً وليس تنظيماً، بمعنى أنه تنقَّل منذ حداثته بين تنظيمات متعددة الاتجاهات، ولم يكن منتمياً فكرياً إلى أحدها. لم يكن له أي علاقة فكرية بجماعة "الإخوان" حتى قامت حرب 1948 وبعدها قرر عبدالناصر إنشاء تنظيم "الضباط الأحرار". وتؤكد الدراسات التاريخية لهذه الفترة أن عبدالناصر قطع صلته بـ "الإخوان" وما يسمى "النظام الخاص" التابع لها سراً، وعارضَ توجهاتهم السياسية، ووصفهم بالاستغلال. والثابت أن الجماعة كانت على اتصال ما بعدد غير قليل من أعضاء "الضباط الأحرار"، لكنها لم تكن سنداً لثورتهم، فالقصة برمتها تلخَّصت فى رغبة التنظيم فى الاستحواذ على أكبر قدر ممكن من المكاسب الخاصة، عبر مساندة مستترة لهم؛ إذا نجحوا تمت الاستفادة منهم وإذا فشلوا لا يخسرون شيئاً.

وبعد نجاح حركة الجيش وتحولها إلى ثورة شعبية ذات أبعاد سياسية واقتصادية واجتماعية، اكتشف مجلس قيادة الثورة أن الجماعة تريد أن تركب الحكم من خلالهم، فكان الصدام العنيف بين الطرفين بعد أن رفض مرشد "الإخوان" آنذاك حسن الهضيبي إصدار بيان تأييد صريح للثورة، على رغم أن ذلك كان مطلب "الضباط الأحرار". هكذا، بدأت تزداد تدخلات "الإخوان" في شؤون الحكم، في محاولة للسيطرة على دفة السلطة في البلاد. وتركَّز أهم الخلافات بين التنظيم والثورة، في إجراء محادثات مباشرة مع الإنكليز بشأن الجلاء، وتجنيد "الإخوان" لأفراد في الجيش والبوليس، ورفض طلب عبد الناصر حل التنظيم السري، ورفضه مطالبات الهضيبي بإصدار قانون لفرض الحجاب والتصديق على قرار مجلس قيادة الثورة قبل إصدارها، إضافة إلى تراجع الجماعة عن تعيين وزراء من جانبها في الحكومة، فضلاً عن دورها في أزمة آذار (مارس) 1954 التي دارت رحاها بين أعضاء مجلس قيادة الثورة.

لعب تنظيم "الإخوان" على الحِبال كافة، فنجده يتفاوض مع جمال عبد الناصر، ويساند اللواء محمد نجيب ثم يشعل التظاهرات فى الشارع، ثم يتصدَّر مشهد الداعين إلى التهدئة. وهو في هذا كله، كان لا يبحث سوى عن مكاسب خاصة ولم تكن تعنيه مصر أو الثورة من قريب أو بعيد.

وأصبح الصراع علنياً بين عبد الناصر و"الإخوان" في 14 كانون الثاني (يناير) 1954 عندما صدر قرار بحل الجماعة، إذ تبعت ذلك حملة اعتقالات واسعة في صفوف التنظيم، طالَت المرشد ذاته، حسن الهضيبي، حتى جاء حادث المنشية في 26 تشرين الأول (أكتوبر) من العام ذاته، حين أطلق أحد التابعين لجماعة "الإخوان" النار على جمال عبد الناصر غير أن رصاصاته طاشَت ولم تصبه وتمت محاكمة الجاني وأُعدِم مع عدد من أعضاء الجماعة. وأنهى هذا الحادث المستقبل السياسي لجماعة "الإخوان المسلمون" بعد ثورة العام 1952 ولم تقم لهم بعدها قائمة حتى تحالَفَ معهم الرئيس المصري الراحل أنور السادات، وتلك قصة أخرى.

عن "الحياة" اللندنية

للمشاركة:

لماذا نفكر بدلاً من إيران؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

فاروق يوسف

العالم كل العالم وبضمنه العالم العربي حريص على أن لا تنشب حرب جديدة في المنطقة، بسبب سياسات إيران وطريقة تعاملها مع أزمتها.

لا يتعلق ذلك الحرص بالخوف من إيران بل عليها. فليس هناك مزاح في حسابات الربح والخسارة في مسألة من ذلك النوع.

إيران بعكس مناصريها لا تمني نفسها بالانتصار في تلك الحرب. كيف تنتصر والعالم كله ضدها؟ ذلك سؤال يقع في هامش غير مرئي.

لا يريد المجتمع الدولي تكرار جريمة حرب العراق عام 2003 التي أدت إلى غزوه واحتلاله وتدميره وإعاقة قيام دولة مدنية فيه حتى الآن.

كما أن الطرف الخاسر في الحرب يراهن على استعمال قدراته الحربية التدميرية قبل أن يتحقق من هزيمته. فهو لن يستسلم بيسر.

الحرب التي ستقع في منطقة استراتيجية بالنسبة للطاقة سيكون لها أثر سلبي على الاقتصاد العالمي وهو ما يمكن أن يلحق الضرر باقتصاديات بلدان صغيرة، لا علاقة مباشرة لها بالحرب.

في كل الأحوال فإن الحرب ستكون ضارة للجميع. غير أن ضررها الأكبر سيقع على إيران، على شعبها بالأخص.  

إيران هي الطرف الذي ستدمره الحرب. ميزان القوى يؤكد ذلك. وإذا ما كان مناصرو إيران يعتقدون أن هناك قوى خفية ستعين إيران في حربها وستبعد عنها الدمار فإن النظام الإيراني يعرف جيدا أن لا وجود لتلك القوى.

لذلك فإن على إيران تقع مسؤولية التفكير في البحث عن حلول للخروج من الأزمة التي هي فيها من غير الوصول إلى حافة الحرب.

اللعب الإيراني على الوقت لا معنى له أبداً.

فما من أمل في أن تتراجع الولايات المتحدة عن العقوبات الاقتصادية التي فرضتها عليها. كما أن أحدا في العالم لا يملك القدرة على مد طوق النجاة لها في ظل الإصرار الأميركي على أن المفاوضات المباشرة هي البديل عن الحرب. وهو حل مثالي بالنسبة للجميع.

وإذا ما كانت إيران لا ترى في المفاوضات حلا عادلا لأزمتها فإنها كمَن يهدد العالم بالحرب التي لا يرغب في وقوعها أحد.

ما يحدث على الجانب الإيراني يمكن اعتباره نوعا من المراوغة السياسية التي لا علاقة لها بما يفكر فيه خصوم النظام الإيراني الذين يشعرون أن تلك المراوغة لا تمت بصلة إلى أصل الصراع.

في حقيقة ما يفعله فإن النظام الإيراني لا يرغب في أن يتراجع عن سياساته التي أدت إلى نشوب الأزمة مع المجتمع الدولي. ما يفكر فيه ينحصر بين تفجيره لمشكلات جانبية ورغبته في أن يرى الآخرين وهم يبحثون عن حل لتلك المشكلات.

اما أزمته الجوهرية فإنه لا يفكر في مواجهة أسئلتها.

هل ومتى ستقع تلك الحرب؟ كيف يمكن تفادي وقوعها؟ ما المطلوب لكي لا تقع؟ ما حجم الأرباح والخسائر فيما إذا وقعت تلك الحرب؟ ما الذي نخسره من أجل أن لا تقع قياسا لما نربحه؟

تلك أسئلة ينبغي أن يجيب عليها الإيرانيون وهم الملومون إذا تأخروا في البحث عن إجابات لها. فالوقت ينفد. كما أن سلوك النظام الإيراني الطائش في الخليج قد لا يؤدي إلى تأخير اندلاع شرارة الحرب بل بالعكس قد يؤدي ذلك السلوك إلى إفساد الرغبة العالمية في تحاشي وقوع الحرب.  

ليس من الصائب أن يفكر الآخرون في حل سلمي لأزمة إيران فيما يصر النظام الإيراني على اللعب بالنار.

الصحيح أن يُترك الإيرانيون عزلتهم ليتصرفوا وفق ما تمليه عليهم تقديراتهم. فإن شاءوا الخروج بسلام من الأزمة فما عليهم سوى الدخول من باب المفاوضات المفتوحة أمامهم. أما إذا أصروا على الاستمرار في العابهم الشيطانية من خلال التهديد بضرب الأمن في الخليج فإن ذلك يعني أنهم يضعون العالم أمام احتمال الحرب الكريه الذي لابد منه.

الخوف على إيران له حدود. وهي حدود تنتهي حين يكون الأمن العالمي في خطر.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

هل يتهاوى "حزب الله"؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

أمل عبد العزيز الهزاني

من الطبيعي أن كل حصار على إيران، وكل تضييق عليها، وتهديد أموالها وتجارتها، يؤثر بشكل مباشر على جماعاتها المسلحة بأسمائها المختلفة ومواقعها الجغرافية؛ «حزب الله»، جماعة الحوثي، فصائلها في العراق... إلخ.
التل اختل، ولم تعد الموارد المالية تقدم ما يكفي من معاشات لعناصرها الميليشياوية لتفتح بيوتها وتطعم أطفالها. لكن «حزب الله» اللبناني تحديدا، أقوى الأذرع الإيرانية وأكثرها خبرة وتسليحاً وانتشاراً، لم يكن يعتمد على ما تقدمه إيران من أموال، واستخدم مرجعيته إليها في رسم استراتيجية عملياتية تعمل في الخارج في دول ذات علاقة جيدة بالنظام الحاكم في إيران مثل فنزويلا، أو دول رخوة أمنياً تنتشر فيها التجارة المحرمة من عصابات لها شبكات نقل وتوزيع مثل كولومبيا والبيرو والأرجنتين.
الأنظمة الحاكمة المتقاربة تمهد لبعضها كما كان نظام هوغو تشافيز الذي منح «حزب الله» جزيرة لإقامته، وإدارة عملياته المالية في أميركا اللاتينية؛ وغسل عوائدها لتبدو نظيفة على هيئة عملات محلية. إضافة إلى الرئيس مادورو الذي تربطه علاقة قوية بإيران ومنح الحزب مناجم للتنقيب عن الذهب. باختصار، «حزب الله» يدير شركته الكبرى ومصادر تمويله من القارة الأميركية الجنوبية وليس من أي مكان آخر.
إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعمل في الجهة الأخرى المقابلة لنا من العالم، بإداراتها المتخصصة في أميركا اللاتينية، من أجل تحجيم النفوذ الإيراني من خلال ملاحقة عناصر «حزب الله». تعتقد واشنطن، وهذا صحيح، أن حصار إيران يجب أن يكون متكاملاً، لأن الأطراف التي تعمل لصالح النظام الحاكم في طهران كانت ولا تزال أهم أدوات قوته وتأثيره، بل إنها أساس التهديد الموجه للدول العربية والعالم. الإدارة الأميركية بدأت في ملاحقة عناصر ما يسمى «وحدة النخبة» في «حزب الله»، وهي الجهة المسؤولة عن عمليات الحزب خارج لبنان، وكشفت عن أسماء قيادات عليا كانت تنشط منذ عقود من المكسيك في أميركا الوسطى وحتى الأرجنتين جنوباً، مثل سلمان رؤوف سلمان الذي عرضت الولايات المتحدة مكافأة بلغت 7 ملايين دولار لمن يقدم معلومات عنه، كونه مشتبهاً به في تنفيذ عمليات إرهابية دموية في الأرجنتين وله وجود ونشاط في أميركا الجنوبية وجنوب شرقي آسيا. بحسب التقارير فإن عوائد «حزب الله» من تجارة المخدرات وغسل عوائدها يصل إلى مليارات الدولارات.
حكاية «حزب الله» في تلك المنطقة البعيدة حكاية طويلة بدأت منذ سنوات، وتعززت إبان فترة حكم محمود أحمدي نجاد. بدأت بهجرة وتوطين عناصر لبنانية من الحزب، وتمكينهم من خلال شراء ذمم بعض السياسيين والعسكريين وتوطيد علاقاتهم مع العصابات الثورية في كولومبيا والمكسيك.
العقوبات الاقتصادية التي تفرضها إدارة ترمب لا يقع تأثيرها على إيران الدولة فقط، بل على مراكز القوى التي تتبعها. وبعد فرض العقوبات، تقلصت قدرة شركة «حزب الله» لغسل الأموال في الخارج عن العمل، فهو المصدر الرئيسي لتمويل عمليات الحزب وليس مبلغ الستين مليون دولار الذي يقدمه علي خامنئي للحزب كل عام.
العقوبات أوجعت طهران لأنها أضعفت النشاط التجاري لـ«حزب الله»، وقلصت من حركة إدرار الأموال عبر شبكته الدولية العابرة للمحيطات. لذلك كنا نقول ولا نزال، إن الضغط بالعقوبات هو الطريق إلى خلخلة بنيان إرهابي تشكل منذ عقود، وهو السبيل الأنجع والأقل تكلفة والأشمل والأقوى تأثيراً. جاء قرار الإدارة الأميركية بمتابعة وملاحقة نشاط «حزب الله» في الخارج متزامناً مع قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وكلما انكشفت أسرار «حزب الله» في القارات المتباعدة أدركنا أكثر خطر اتفاق باراك أوباما النووي على السلم الدولي، لأنه نظر بتواضع إلى زاوية واحدة في مشهد كبير، وتجاهل أن هذا الاتفاق من الهشاشة ليس فقط أنه أفرج عن مليارات الدولارات لصالح حكومة مارقة، بل إنه تغاضى عن نشاطها في التجارة المحرمة ومهد لها الاستقرار والتمكين في مناطق ليس من السهولة سبر أغوارها.
القوى الكبرى تحشد عسكرياً في منطقة الخليج لتأمين الممرات الدولية وحركة الملاحة، ورصد التحركات اليائسة من إيران لاستفزاز دول المنطقة وحلفائها، لشن حرب تمنح إيران هدفها وهو خلق فوضى وفتح أبواب لتدخلات قوى أخرى لدول وجماعات، ووقف عجلة التنمية في دول الخليج، وتنشيط تجارة وتهريب السلاح، وكلها أمور يبرع فيها الإيرانيون ولهم فيها سوابق.
ما يحصل اليوم هو عمل تكاملي لخنق الرأس وبتر الأطراف، يستوجب التعاون الدولي خاصة الاستخباراتي، ومزيداً من العقوبات الدولية على حركة الأموال من الدول اللاتينية المتماهية مع نظام طهران. إن ضعف «حزب الله»، هو ضعف قلب النظام الإيراني.
عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية