الإرهاب المقدس: مقاربات خارج الصندوق الأسود

الإرهاب المقدس: مقاربات خارج الصندوق الأسود
7620
عدد القراءات

2017-11-26
<p>حظيتْ ظواهر الإرهاب والتطرف الديني بمساحة كبيرةٍ من حقل الدراسات الأمنية والاستخبارية والعنف السياسي بشكل عام، إلا أنّ كتاب الإرهاب المقدس لتيري ايجلتون يقدم عرضاً مختلفاً عن أساليب الدراسة السائدة في المركزيات الأوروبية والأمريكية التي تتعامل ببراغماتية أو واقعية مع هذه الظواهر.</p>
<p>هذه الواقعية، التي تشبه البحث عن الصندوق الأسود بعد حادثة تحطم أو تفجير طائرة، تجعل الوقوف على كتاب الفيلسوف البريطاني اليساري تيري إيجلتون أمراً مهماً، بهدف إلقاء الضوء على مقارباتٍ مختلفةٍ لظاهرة الإرهاب المعاصر الذي تمثله داعش وغيرها من منظمات إرهابية، وذلك من خلال مقارباتٍ نقدية وثقافية تضمّنها&nbsp; الكتاب مقارنةً بالمقاربات الموجودة في حقول العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاقتصاد السياسي والعولمة.</p>
<blockquote>
<p><strong>يسعى إلى وضع فكرة الرعب والإرهاب ضمن سياقٍ أكثر أصالة ليمكن تسميتها - على نحو فضفاض- ميتافيزيقيا أو لاهوت</strong></p>
</blockquote>
<p>الكتاب، يتميز بغوصه عميقاً في النفس الإنسانية، وفي أساطير البشر وموروثاتهم الغائرة في جبهة التاريخ. وربما أن هذا ما دفع إيجلتون ليقول في مقدمته إنه يسعى إلى وضع فكرة الرعب والإرهاب ضمن سياقٍ أكثر أصالة ليمكن تسميتها - على نحو فضفاض- ميتافيزيقيا أو لاهوت، محاولاً ربما، إغناء لغة اليسار المنشغلة بصراعاتها مع القوى الإمبريالية، وتحدي لغة اليمين التي تتصدر باب التأويل الأمني والبراغماتي في هذا الحقل.<br />
وبعد صدور الكتاب بنسخته الإنجليزية عام 2005، أي بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية، تم تناوله بالكثير من النقد والتحليل،فرأى فيه بعضهم نوعاً من التمرينِ الأكاديمي على مجانسة المفاهيم والمصطلحات، وعدم الوضوح في جوانبَ أخرى منها مسألة التفريق بين مصطلحي الرعب والإرهاب، وكذلك العلاقة بين الإرهاب والديمقراطية في الغرب خاصة بعد الثورة الفرنسية، أيضاً، التشويش الذي رأوه في مسألة الربط بين آراء الأدباء والشعراء ورجال الدين والفلاسفة، بحسبِ&nbsp; أستاذ الفكر الأوروبي في جامعة لندن للاقتصاد&nbsp; &quot;جون غيري&quot; الذي تناول الكتاب في صحيفة الإندبندنت البريطانية بتاريخ 15 سبتمبر (أيلول) 2005.</p>
<blockquote>
<p><strong>الأول من نوعه ككتابٍ يربط فكرة الرعب المقدس بالارهاب من خلال مناقشة وتحليل مضمونها الثقافي، الفلسفي، واللاهوتي</strong></p>
</blockquote>
<p>وكما تجعل هذه الرؤية النقدية الكتاب عرضةً للانتقاد، فإنها تجعله الأول من نوعه ككتابٍ يربط فكرة الرعب المقدس بالارهاب من خلال مناقشة وتحليل مضمونها الثقافي، الفلسفي، واللاهوتي، حيث تركز هذه الرؤية النقدية على أصول &quot;ميتافيزيقية&quot; للإرهاب، ويتمظهر هذا من خلال نقده المبطن أحياناً، والصريح أحياناً أخرى للمنظومة المعرفية الأورو-أمريكية المسيطرة في حقل الدراسات الأمنية، خاصةً بما تمثله من اعتمادٍ على &quot;النظرية الواقعية&quot; في السياسة.<br />
ومن خلال الفصول الستة التي تُقَسِمُ الكتاب، يتعقب إيجلتون بطريقة ممتعة كما في رواية &quot;شيفرة دافنشي&quot; لدان براون سلسلةً من الأنسابِ المعقدة ضمن محاولةٍ جينالوجية &quot;دراسة للنشأة&quot; لظاهرة الإرهاب، بدءاً من الشعائر والطقوس القديمة، مروراً بعلم اللاهوت في العهد القروسطي &quot;القرون الوسطى&quot; ومن ثم&nbsp; السامي في القرن الثامن عشر، وانتهاءً بمدرسة اللاوعي عند فرويد.</p>
<blockquote>
<p><strong>الصلة بين الإرهاب والمقدس غير مرئية من خلال الإرهاب المعاصر المقروء واقعياً</strong></p>
</blockquote>
<p>صفحات النسخة العربية الصادرةِ عن دار بدايات عام 2007، والتي بلغت 181 صفحة متضمنة المراجع، يبدأها إيجلتون بالتأكيد أن الإرهاب تسمية حديثة لظاهرة قديمة، وأنه ظهر كمصطلحٍ سياسي إبان الثورة الفرنسية، وهو ما قد يعني بالمحصلة أن الإرهاب والدولة الديموقراطية الحديثة توأمانِ منذ الولادة، كما يعني أنه بدأ أول ما بدأ كإرهاب دولة خلال فترة&nbsp; الرعب التي ترأسها ماكسيمليان روبسبير آنذاك، حيث كان الإرهاب حينها عبارةً عن عنفٌ جامحٍ تمارسهُ الدولة ضد أعدائها، ولم يكن هجوماُ على السلطة العليا من قِبل أعدائها.<br />
وهذا يعني برأي إيجلتون، أن الصلة بين الإرهاب والمقدس غير مرئية من خلال الإرهاب المعاصر المقروء واقعياً، لأنه ليس هنالك معنىً مقدسٌ بوجهٍ خاص في قطع رأس شخص ما باسم الله الرحمن الرحيم مثلاً، أو في حرق الأطفال العرب بقنابل الطائرات باسم الديمقراطية، غير أنه من الصعب فهم الإرهاب دون فهم هذه الثنائية، فالإرهاب يبدأ كفكرة دينية، كما هو الحال في معظم إرهاب اليوم؛ لأن &quot;الدين يتعلق بالقوى المتناقضة التي تنعش الحياة وتدمرها في آن&quot;.</p>
<p><img alt="" src="/sites/default/files/terrorism.jpg" style="width: 1000px; height: 500px;" /></p>
<p>ومن هذه النقطة، يعود إيجلتون إلى الوراء في التاريخ، ليجذب ديونيسيوس &quot;إله الخمر والنشوة عن اليونان&quot; من شعره ومن ثم يوقفه على مسرح الإرهاب العالمي اليوم، ليقول بأن ديونيسيوس نصف وحش ونصف إله وأنه أقدم القادة الإرهابيين. أنه إله الخمر والحليب والعسل والنشوة والمسرح والموسيقى والإسراف والإلهام، إلا أنه في المقابل مرعبٌ دموي ومتوحش مع من يخالفه.<br />
وبذلك، فإن ديونيسيوس يعبر عن البشرية، عن الكائن المتناقض الذي هو دوما أكثر أو أقل من ذاته؛ فإما يفتقر إلى شيء ما، وإما يمتلكه بإفراط . والحقيقة عند ايجلتون: &quot;أن كلاً من الآلهة والوحوش خارجون على القانون&quot; ضمن اللاهوت المسيحي الذي يفككه إيجلتون ليظهر الترابط&nbsp; بين المقدس والمدنس فيه، وكيف يؤدي هذا الترابط إلى صيرورة تقود للتطرف ومن ثم إلى الإرهاب.<br />
ولأجل هذا، يناقش المؤلف فكرة السمو في اللاهوت المسيحي واليهودي أيضاً، وأنّ السمو ليس موضوعاً أو مبدئاً أو كياناً أو كائنا موجوداً؛ لكنه ما يوجد في جميع هذه المعاني، وهو يهزم جميع تلك التجسدات، ويخرس اللغة، فهو سام ٍ بالمعنى الجمالي، ولذا فإن الصورة الوحيدة القابلة للإدراك هي الحب الإنساني، الذي يصطدم بما يقوله توما الأكويني من أن &quot;الله نوع من العدم لا يمكن أن يقال عنه أي كلام يدركه العقل&quot;. أي أن التصور عنه خاضع للمقدس والمدنس فقط.</p>
<blockquote>
<p><strong>يقدم عرضاً مختلفاً عن أساليب الدراسة السائدة في المركزيات الأوروبية والأمريكية التي تتعامل ببراغماتية أو واقعية مع هذه الظواهر</strong></p>
</blockquote>
<p>وانطلاقاً من هذا التحليل، يقول إيجلتون إن مصدر الإرهاب الحقيقي هو النفس الإنسانية، فالأصولي الذي يخشى ذلك الصدع الكامن في الوجود، يحاول رأبه بقيمٍ مطلقةٍ ومتشددةٍ تفرضها ثنائية المقدس والمدنس، فيجازف بذلك مجسداً الإرهابَ بشكلٍ آخر &quot;واقعي أو براغماتي كما يتم تفسيره اليوم&quot;.<br />
ورغم صعوبة المسالك التي يمكن الانتقال خلالها من اللاهوت إلى الفلسفة، يتجه المؤلف إلى فلسفة الأنوار تحديداً، لتفتح له باب تفكيك الإرهاب والتطرف الديني وعلاقاتهما بصراع الحرية والأمن في حقبة العولمة المعاصرة، وهو صراع ينحصر في المنظومة المعرفية الغربية على اعتبار أن الحرية التي تتمتع بها، من أكثر الظواهر سمواً في العصر الحديث، فهي مثل الإله ديونيسوس؛ ملاك وشيطان، وجمال وإرهاب في آن.</p>
<blockquote>
<p><strong>يتميز بغوصه عميقاً في النفس الإنسانية، وفي أساطير البشر وموروثاتهم الغائرة في جبهة التاريخ</strong></p>
</blockquote>
<p>ولقد انشغل إيجلتون بمسألةِ التغيرات والانزياحات التي تعتري المجتمعات الغربية اليوم، ومنها التأثير الواقع على بريطانيا ودولٍ أخرى بسبب مسألة الرعب والتطرف والإرهاب، من حيث بنية وسلوك هذه الدول، وتحولها التدريجي إلى دول شبه بوليسية تحت ضغط الخوف والرعب من الإرهاب.<br />
ولا يغيب عن ذهن المؤلف أن يحلل الإرهاب بأنواعه، كالانتحاري والرمزي والتعبيري والأداتي -على الرغم من أنه لا يشير الى موجة إرهاب الذئاب المنفردة - حيث يبدو موت الفردِ كانتحاري بالنسبة لإيجلتون، منفصلاً عن وجوده المعاش ومتجانساً معه في آن واحد .<br />
فالانتحاري، يأمل بالتخلص من حياته &quot;طوعاً&quot; ليشد الانتباه إلى التباين بين هذا الشكل المتطرف للإرادة الذاتية، وبين غياب إرادة مستقلة في حياته اليومية، وهكذا، يصبح منتصراً وضحية في آن، فيمثل الانتقام والإذلال في آنٍ واحد، ويبدو هذا التحليل قريباً نوعاً ما من تفسيرات &quot;نظرية الإحباط&quot; النفسية التي تفسر التطرف والإرهاب، غير أن المؤلف يتوسع بعض الشيء في هذه المقاربة بتفكيكه لدور المقدس في دفع الانتحاري للإقدام على أفعاله الإرهابية حيث أن المقدس قوة من شقين؛ تحيي وتميت في آنٍ واحد.<br />
هذا التحليل الجينالوجي المعقد لظاهرة الرعب والإرهاب، يقود إيجلتون في النهاية إلى مهاجمة المنظومة المعرفية الغربية وكيفية إدارة مكافحة الإرهاب في أمريكا تحديداً ؛ خاصة في مقاربتها لظاهرة الإرهاب، إذ انتقد مفهوم &quot;الحرب على الإرهاب&quot; الذي صدرته أمريكا إلى العالم بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بحجة أنه يلغي التحليل العقلاني والتفسير التاريخي&nbsp; لظاهرة الإرهاب المعاصر .<br />
وفي المقابل، ظل يركز على فكرة العدالة الإنسانية ومنح الناس الحرية وحقوق العيش الكريم، معتبراً إياها خط دفاعٍ منيعٍ أمام توحش الإرهاب في عالمنا اليوم.&nbsp; وبناءً عليه، نراه يختم كتابه بعبارة مكثفةٍ سياسياً واجتماعياً، تحمل نقداً عنيفاً للمركزية الأورو- أمريكية في كيفية إدارة ملف مكافحة التطرف الديني والإرهاب حيث يقول: &quot;ليس الإرهابي كبش فداء؛ لكنه يُخلق من قِبل هذا الكبش، وهو لا يمكن أن يُهزم إلا إذا مُنح العدالة&quot;.</p>
 
اقرأ المزيد...
الوسوم:



كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج: دليل إرهابي

نادر رزق's picture
كاتب وباحث أردني
2020-06-01

على الرغم من أنّ أفكار تنظيم الجهاد في مصر لم تكن لتختلف في جوهرها عمّا هو متداول قبله من أدبيّات التكفير والحاكمية التي رسخها سيد قطب -أو قدم الإلهام لإحيائها- في كتابه "معالم في الطريق"، إلا أنّ التنظيم الذي ظهر في الجامعات المصرية في بدايات السبعينيات الماضية وجد نفسه مفتقراً إلى تأصيل فكري مدون لاستراتيجيته "الشفوية" التي تبنّاها حتى ظهور كتاب الفريضة الغائبة لمحمد عبد السلام فرج العام 1980، الذي كان السبب الرئيسي وراء اغتيال السادات في العام الذي تلاه.
ولكن يمكن اعتبار "الفريضة الغائبة" حاشية تفوقت على الأصل بدعواه الصريحة للانتقال خطوة إلى الأمام من المفهوم القطبي بـ "تجهيل" المجتمعات الذي قد يحمل معنى المتشابه من القول إلى محكمه بتكفيرها الصريح من خلال سوق مجموعة من "تدليسات الأدلة الشرعية" التي غلب عليها الانتقائية الفجّة إن على سياق النقل أو التأويل.
تبدأ إشكالية الكتاب من عنوانه نفسه، فرغم تواضع لغة المؤلف ووقوعه في كثير من الأخطاء النحوية، فضلاً عن ركاكة عامة في الأسلوب، إلا أنّه "برع" في اختيار العنوان بهدف خلق تأثير الانطباع الأول؛ إذ يسعى فرج من خلاله إلى وضع المتلقي في حالة ترقب وقلق من خلال جمع النقيضين (الفريضة-الغياب). فالعقلية المسلمة تسلم أن كل فريضة بطبيعتها تحمل معنى الإلزام والحضور دون الحاجة إلى إثبات هذه المقدمة المنطقية الكبرى التي تثبت نفسها بنفسها، ومن ثم سيسهل عليه، كما يعتقد، الولوج إلى الفكرة الأساسية للكتاب من"إقناع المقتنع" إلى التأثير فيه بترجمة هذا الشعور بالذنب بترك فريضة الجهاد للسير به باتجاه الفاعلية بممارسة هذا الواجب وعدم الاكتفاء بالتأييد القلبي. ثم يشرع باختطاف تعريف هذه الفريضة نفسها لتكييفها وفق فهمه الخاص وهنا مكمن الخطورة الحقيقية في هذا الطرح.

يمكن ببساطة من خلال استعراض لغة فرج في الخطاب أن نلحظ أنّه ليس معنياً بالدرجة الأولى بالإقناع بل بالتأثير.. وذلك بحكم أنّ المستهدفين هم من يحملون فكره أصلاً أو من المهيَّئين له، وهذا ما يتجلّى بعدم تكلف المؤلف مؤونة إثبات الدعوى المركزية التي يقوم عليها كتابه ألا وهي "التكفير"؛ لأنّها عنده أوضح من أن تحتاج إلى دليل منطقي؛ إذ لم يفرد لهذه المسألة الجوهرية أي عنوان فرعي من العناوين التي حفل بها الكتاب وقاربت الخمسين. وهذا يعكس افتراض اللامساواة واللاتكافئية واللاتبادلية في الحديث دأْبَ أي فكر يعتقد بامتلاك الحقيقة المطلقة.
وهذا ما يظهر عندما يشرع بتبرير الخروج على الحاكم (الدولة) تعليقاً على الحديث النبوي "إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان" بقوله "بواحاً أي ظاهراً والمراد بالكفر هنا المعاصي". متعمداً إغفال استكمال من يقتبس منهم وتحريفه عن مواضعه وهو هنا الإمام النووي في شرحه لصحيح البخاري إذ يقول "فإذا رأيتم ذلك فأنكروه عليهم وقولوا بالحق حيث ما كنتم وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين".

شهد الكتاب تحايلاً وتوظيفاً للآيات والأحاديث التي تتناول الجهاد

يقدم ما سبق عينة من منهجية الكتاب التي سار عليها المؤلف في التغييب والتحريف لكل ما لا يدعم مقولته.. حتى وإن أدى ذلك إلى "اللامعقولية" في الطرح، وذلك عندما يحمل على دعاة الإصلاح الديني في المجتمع، متّهماً إياهم بالتخاذل عن واجب الجهاد؛ لأنّ من سيقيم الدولة الإسلامية هم "القلة المؤمنة"، وهذه الثيمة واحدة من الدوافع النفسية التي يسعى دعاة مثل هذا الفكر إلى تعزيزها دوماً، بالتقليل من شأن الأكثرية باعتبار أنّ الفئة الناجية هي دوماً من أصحاب القلة، والنصر لا يكون من كثرة. في تبرير واضح لتحرك "الفئة المؤمنة" ضد المجتمع معتبراً بذلك طريق الدعوة غير عملي ومضيعة للوقت "فكيف تنجح الدعوة هذا النجاح العريض وكل الوسائل الإعلامية الآن تحت سيطرة الكفرة والفسقة والمحاربين لدين الله".. ويعود إلى تأكيد فكرة التكفير في معرض قوله "ويجدر بنا في استعراضنا هذه النقطة الرد على من يقول إنّه لا بد أن يكون الناس مسلمين حتى تطبق الإسلام عليهم كي يستجيبوا لهم وكي لا تفشل في تطبيقه".. "فهذا الدين الصالح للتطبيق في كل زمان ومكان وقادر على تسيير المسلم والكافر والفاسق والصالح والعالم والجاهل".
ومن الملاحظ أنّه حتى دعاوى تنظيمات متطرفة أخرى لم تسلم من هجومه ومنها فكر جماعة التكفير والهجرة دون أن يسميها صراحة، مبطلاً دعواها بأن طريق إقامة الدولة الإسلامية إلى بلد أخرى وإقامة الدولة هناك ثم العودة مرة أخرى فاتحين. وهذا يقودنا ضمنياً إلى نتيجة مؤداها أنّ التصادم يكاد يكون حتمياً بين جميع هذه التيارات التكفيرية، فليس ثمة مجال للرأي ووجهات النظر و"الاجتهاد"؛ فكلٌّ لا يريك إلا ما يرى، وليس أدل على ذلك ما نشهده اليوم من تصارع هذه التيارات في سوريا حد تكفير بعضها البعض رغم أنها جميعاً خرجت من رحم فكري واحد يدعو إلى "إقامة شرع الله".

 

يقوم الكتاب –أو بالأحرى الكتيّب- على ثلاثة أفكار رئيسية يسعى إلى تكريسها: أن السعي لإقامة "الدولة الإسلامية" بالجهاد فرض عين، كفر المجتمعات الإسلامية الحالية ومؤسساتها وحكامها، وبالتالي ضرورة إعلان الحرب عليهم.

استشهد الكاتب واعتمد على فتاوى ابن تيمية التكفيرية وتأثّر بفكرة الاستعلاء عند سيد قطب

وفي هذا السياق فإنّ تكفير الحاكم المسلم والإفتاء بقتله عند هؤلاء ليس مرتبطاً جوهرياً بمواقفه السياسية الخارجية، كما زعموا بتبرير اغتيال الرئيس المصري محمد أنور السادات رداً على عقده معاهدة كامب ديفيد، وهو ما يرد صراحة في الكتاب تحت ما أسماه "أولوية قتال العدو القريب على البعيد"، فيشرع بالتبرير أنّ النصر إن تحقق بتحرير الأرض المحتلة سيجير لصالح الحكم الكافر وفيه تثبيت لأركان الدولة الخارجة عن شرع الله "فالبدء بالقضاء على الاستعمار هو عمل غير مجدٍ وغير مفيد وما هو إلا مضيعة للوقت فعلينا أن نركز على قضيتنا الإسلامية.. اقتلاع تلك القيادات الكافرة واستبدالها بالنظام الإسلامي الكامل"، دون أن يأتي على تبرير مقنع لعدم إعلان "الجهاد" على العدو الخارجي المحتل بمبادرة فردية منفصلة عن الدولة التي يتهمها بالكفر إلا فكرة مركزية تشكل العمود الفقري أو الجذع الذي تتولد منه فروع الدعاوى المرعبة التي تبرر التكفير والقتل؛ ألا هي عقد مقارنة أو مطابقة عجيبة بين حال المسلمين اليوم وحال التتار الذين انتسبوا إلى الإسلام دون أن يردعهم عن العدوان والإجرام واحتلال أرض المسلمين، متخذاً فتاوى ابن تيمية بحقهم مرشداً له في جميع الأحكام التي يطلقها؛ إذ بلغت الاستشهادات بأقواله خمسة وعشرين فيما لا يزيد على اثنتين وثلاثين صفحة هي حجم كتابه، ليصل إلى نتيجة مؤداها أنّ الحل لما نحن فيه من الهوان لا يكون إلا بحلول راديكالية تجتث الأسباب التي أدت إلى ذلك.


ثم يشرع بتعداد التكتيكات الحربية "التنظيمية" في مواجهة "الأعداء" والثبات والصبر على ذلك عبر فقرات قصيرة مركزة لا تزيد أحياناً على ثلاثة أسطر؛ نحن إذن أمام "دليل مستخدم" للإرهاب، ولكن يغلب عليه فوضى في الطرح فليس فيه تسلسل واضح ينتظم عناوينه الفرعية، حتى أن آخر قسم فيه حمل عنوان "غرور الفقيه يمنع تأميره"! ومن سخرية الكتاب مثلاً أنّه بعد أن يسوق ما يبرر قتل الأبناء عند الإغارة على "الكفار" الذين بلغتهم دعوة الإسلام من غير إنذار بأنه تجري عليهم أحكام آبائهم كما الميراث والقصاص، يتلوه مباشرة بحديث حول حرمة قتل النساء والرهبان والشيوخ في الحرب، مكتفياً بالتعليق بألا تناقض بين الحديثين!

ويعمد فرج إلى انتقاء اعتراضات (أو شبهات) مقنّنة دون غيرها والرد عليها، ناسباً العلم إلى نفسه وهو خريج الهندسة! فيضع مقياساً للعلماء الصالحين بمن يوافقون أمراً واضحاً في عقله واضعاً بذلك نفسه وصياً على الشريعة بحجة أنّ ما يأتي به مؤيد بالأدلة الدامغة التي لا ترد، بعد أن يضرب صفحاً على مئات بل آلاف النصوص الشرعية التي تخالف معتقده، دون أن ترد على قلمه عبارة "والله أعلم" بما يوحي باستعلاء واضح سواء تجاه المخالفين أو المخاطبين، ولا يخفى هنا التأثر بالفكرة القطبية حول "الاستعلاء بالإيمان".
يبدأ الكتاب بالآية القرآنية 16 من سورة الحديد "ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون"، ثم يشرع في مقدمته – دون مقدمات- بالتنبيه على أهمية الجهاد القصوى "وخطورته على مستقبل هذا الدين" (كذا)، منتقداً علماء العصر لأنهم تجاهلوه بالرغم من علمهم بأنه السبيل الوحيد لعودة ورفع صرح الإسلام من جديد، وآثر كل مسلم ما يهوى من أفكاره وفلسفاته على خير طريق رسمه الله سبحانه وتعالى لعزة العباد.
ثم يحمل على "طواغيت" هذه الأرض مؤكداً أنها لن تزول إلا بقوة السيف مستشهداً بالحديث النبوي "بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده، لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذل والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم"، مؤكداً أن الإسلام انتشر بالسيف "بما يبطل أن الجهاد في الإسلام للدفاع فقط" مستشهداً بالحديث "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" رغم إجماع أهل الحديث أنه جاء في سياق الرد على من يقاتل رياء أو حمية.

تجاهل  الكتاب القيم التأسيسية لرسالة الإسلام كالعدل والرحمة والتسامح

فنحن مع "الفريضة الغائبة" أمام نوع جديد من الجهاد يمكن أن نطلق عليه "جهاد التمكين" ضد المسلمين أنفسهم بحجة خروجهم من الإسلام، بالاستناد إلى عقلية دوغمائية تتخذ الذرائعية منهجاً في التعامل مع القرآن والسنة لتبرير الإرهاب والقتل والقفز على كل المفاهيم والقيم التأسيسية للدين الإسلامي في الرحمة والعدل والتسامح، باتباع الشبهات دون التسلح بالحد الأدنى من الذخيرة المعرفية إلا نقولات من أقوال وأفهام المتأخرين اتخذها مصدراً أساسياً لتشريع كل الفظائع التي يحفل بها الكتاب.
ورغم هذا التجني الواضح والمصادرة في فهم النصوص الشرعية التي تتبعها أمثال هذه المتون لكنها تطرح مسألة شائكة تمثل ثغرة لم تسد بعد في تراث الفقه الإسلامي ما تزال تتسرب منها أفكار المتطرفين تكمن في استغلال مسألة النسخ في القرآن الكريم كما في التعامل مع "آية السيف" بادعاء أنها أبطلت أحكام مئة وأربع عشرة آية في التسامح! فضلاً عن إشكالية تأويل الحديث النبوي الذي يفترض أن يزيل اللبس في فهم القرآن.. لتصبح السنة بدورها "حمالة أوجه"، فلا عجب أن يتقدم المتطرفون اليوم خطوة أخرى في منهجهم المنحرف ضد بعضهم بعضاً بإشهار سيف الردة متبعين الآليات ذاتها.

 

 

//0x87h

للمشاركة:

"ماذا يعني انتمائي للإسلام" لفتحي يكن: الهدم وسيلة الإخوان للسلطة

2020-05-27

ظلت جماعة الإخوان المسلمين، كتلة في مجتمعاتها تتعبد بهدم دولها، ونقض أنظمتها، رافضة أن تسخر إمكاناتها للمساهمة الإيجابية في أوساطها المجتمعية، أو المشاركة فيها، فضلاً عن محاولة البناء، فنخرت كسوس في عظام الدولة، في انتظار لحظة الانهيار، وعندما سقطت عدد من الدول إثر "الربيع العربي"، وقف التنظيم عاجزاً تماماً عن أن يبني ما قد هدم، أو أن يقدم مشروعاً لنهضة الدولة، كما أنه تعرض لتلك العزلة التي ضربها من قبل على أوساطه المجتمعية، وشرب من الكأس نفسه.

إنّ أكثر ما يلفت الانتباه في كتاب الإخواني اللبناني فتحي يكن "ماذا يعني انتمائي للإسلام"، هو قوله: "إن قبضة الحركة الإسلامية، ينبغي أن تكون موجهة دائماً، وباستمرار إلى مقاتل النظم الوضعية الحاكمة، إلى مرتكزاتها الأساسية وقواعدها ومنطلقاتها".. ولم يكتف بذلك؛ بل تتعالى نبرته التحذيرية من أن تأتي خطوة لصالح النظم فيقول: "حذار من أن تكون الخطوة سبباً في عيشها، لا مسماراً في نعشها، حذار من نقطة تكون مبرراً لبقائها، لا عاملاً في زوالها وفنائها".

يكن: ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم

تفوح من كلمات الرجل ميكيافلية سافرة، تبعد مسافات عن العمل الصالح المجرد، إن لم يكن يخدم أهداف الجماعة في الوصول لأهدافها؛ بل ينهار النظام أولاً ثم تأتي بعد ذلك الحركة لينسب إليها النجاح وحدها دون غيرها: "ليس من مهمة العمل الإسلامي أن يلتمس حلول المشكلات؛ التعليمية، والإعلامية، أو الغذائية، أو الكسائية، أو السياسية، والاقتصادية،..."، كأنّه تطبيق نموذجي لمقولة "دعه يغرق"؛ فلا مشاركة في بناء، أو حل لمشكلات، حتى تنهار السلطة.

الشرب من الكأس نفسه

عندما صعد "الإخوان" إلى سدة الحكم في مصر، وجدوا أنفسهم أمام كتل من المشكلات المتراكمة في كافة القطاعات، فوقفوا عاجزين عن وضع حلول لها؛ إذ إنّهم لم يساهموا في عمليات إصلاحية من القاعدة من قبل، واكتفوا بنقد النظم الحاكمة في كل خططها ومشاريعها، في انتظار تهاوي النظام، حتى يصعدوا هم، وعندما صعدوا لم يجدوا سوى مؤسسات مترهلة، ولم ينجحوا في إقناع القوى الأخرى بوضع طاقاتهم في سلة واحدة، فكان السقوط المدوي.

فإذا كان هناك التحام أو تفاعل مع مثل هذه المشكلات، فإن الهدف الأساسي ليس تقديم مشروع أو حتى طرح ما يمكن أن يساعد في حلها.. يقول يكن: "إذا كان لا بد من التعرض لمثل هذه المشكلات، من قريب أو بعيد، فبقدر ما يؤدي إلى إدانة النظم التي أفرزتها، وبقدر ما يعري هذه النظم ويفضحها".

ويوضح ذلك بضرب عدد من الأمثلة العملية: "فإذا عرضت مشكلة الغلاء مثلاً، كان على الحركة أن تبيّن أنّها ثمرة طبيعية لحاكمية النظم الرأسمالية، وسيطرة فئة من الناس على ثروات البلاد، وتسخيرها لمصالحها الذاتية، وأنّ الإسلام هو المنهج الوحيد الذي يملك خلق مجتمع نظيف تتحقق فيه العدالة، لا أن تعمل الحركة على مساعدة هذه النظم على حل المشكلة؛ لأنها بذلك تكون قد أعطتها مبرراً للبقاء".

ويذهب يكن ليؤصّل المهمة الأساسية للتنظيم بوضوح: "إن مهمة الحركة الإسلامية أن تهيئ كل الإمكانات لإزالة حكم الطاغوت، فهي ليست حركة إصلاحية اجتماعية، تبذل العطاء في مجالات اجتماعية بشكل مجرد؛ بل عملها كله ينصب على إزالة النظام، وإقامة آخر بديلاً له يحكم بالإسلام"

يحدد يكن خطواته مستشهداً بمقولة البنا:  "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح"

يحدد الرجل خطواته بدقة مستشهداً بمقولة حسن البنا، مؤسس الجماعة، التي تحصر خطواتها في 3 مراحل رئيسة "قوة العقيدة والإيمان، وقوة الوحدة والارتباط، وقوة الساعد والسلاح".

كما يؤطر للعلاقة الحاكمة بينه وبين المجتمع الذي يصفه بـ"الجاهلية"، فيرى أنه "لا يكون التعايش مع الجاهلية "أمداً وقدراً" إلا في حدود ما تحتاجه عملية الانقلاب عليها من قوى وإمكانات؛ لأن الغاية هي تحقيق هذه النقلة".

الهدف إذن نسف النظام والانقلاب التام وإعمال المعول لنقض الحضارة والثقافة التي يقوم عليها المجتمع، ولذا فإنه يكشف عن ذلك بجلاء: "فإذا كانت غاية المنهج الإسلامي، هي تعبيد الناس لله في سلوكهم وتعاملاتهم، في أنظمتهم وتشريعاتهم، وفي كل مناحي حياتهم، فإنّ ذلك يعني إحلال المنهج الإسلامي محل النظم الوضعية، فإن ذلك يعني استبدال وضع بوضع، يعني نقض الأسس والمرتكزات، التي يقوم عليها المجتمع ونقض الحضارة التي يتبناها ويعتمدها".

فتحي يكن

سياسة النفس الطويل

في سردية المرحلية، يشدد يكن على وجوب تبنّي "سياسة النفس الطويل"، وهدم اللبنات بصبر شديد، فإن ذلك سيوصل في النهاية إلى الغاية المخطط لها بعناية: "إن ضخامة العبء وثقل التضحيات، الملقاة على عاتق العاملين في الحقل الاسلامي، يؤكدان أنّ الطريق طويل، والعمل شاق والجهاد مرير، ولا يستعجلوا الثمرة قبل نضوجها".

ثم يعيد تكرار مقولة "علانية العمل وسرية التنظيم"، "فصوت الجماعة يجب أن يعلو، لكن التنظيم يجب أن يبقى سراً.. فاستعينوا على قضاء حوائجكم بالكتمان، والحرب خدعة".

ينحاز الرجل في الكتاب، إلى أفكار سيد قطب، ويؤكد على مفهوم "العزلة النفسية لا الحسية": "مفهوم العزلة هنا التي يشير إليها سيد قطب هي عزلة الشعور من أن يدنّسه رغام الجاهلية، والعزلة هنا تعني التمايز، تمايز الفئة المؤمنة عن الفئة الكافرة".

 

 

ولا ينسى وهو في طريقه لإيصال فكرته، أن ينسف الجماعات الإسلامية التي تتخذ طرائق للعمل مغايرة لما تنتهجه جماعته: "عليّ أن أدرك حين أنتمي للحركة الإسلامية، أنّ طرائق العمل الإسلامي الأخرى، ومنظماته المختلفة لا تمثل الخط الإسلامي الأصيل، وأنّ واحدة منها لا تلتزم بمنهج الرسول الكريم كاملاً، فيما يتعلق بالجانب الروحي والثقافي والخيري والسياسي".

ومع أنّه يستخدم مصطلح "الحركة الإسلامية" إلا أنه بالطبع يقصد بها "جماعة الإخوان" فيغلق المسارات كافة على الجماعات الأخرى التي يقول عنها: "لا تمارس العمل الإسلامي الأصيل المتكامل، العمل الذي يمكن أن يحقق النقلة الكبيرة من الجاهلية للإسلام، العمل الذي يمكن أن ينقذ العالم الإسلامي من تحكم الحضارة الغربية الفاجرة، وحكم الكفر والطاغوت، ولذلك تبقى أعمال كل هذه الفئات مبتورة شوهاء".

لا تعتقد أنك مسلم!

"لا تعتقد أنك مسلم في الحقيقة، فأنت لست كذلك، فكثير من الناس مسلمون بهوية إثبات الشخصية؛ لأنّهم ولدوا من أبوين مسلمين".. ترتكز جماعة الإخوان المسلمين، وغيرها من الجماعات، على هذا المدخل الصادم في خطابهم الدعوي، حتى يأتي دور دعاتها في تلقف المستهدفين الباحثين عن الخلاص عبر عقيدة صحيحة، وجماعة تمثل المحضن الذي يتعهد بتوفير مستلزمات الانتماء للإسلام.

يبين الكاتب الشروط التي يجب توافرها في كل من انتمى لهذا الدين، "إن كثيراً من الناس مسلمون بالهوية، أو مسلمون لأنهم وُلدوا من أبوين مسلمين، وهؤلاء وأولئك لا يدركون في الحقيقة معنى انتمائهم للإسلام، ولا يعرفون مستلزمات هذا الانتماء، ولذلك تراهم في وادٍ والإسلام في وادٍ آخر، يبيّن ما يطلبه الاسلام من المسلم، ليكون انتماؤه للإسلام انتماءً صحيحاً وحقيقياً"؛ لا تنطبق غالبية الشروط التي يسردها على معظم المسلمين اليوم، ولذا فإن غالبيتهم الكاسحة لا تنتمي للإسلام حقيقة بنظره.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة" يدّعي فيه أنّ من يترك التنظيم عاجز عن الإيمان

لا يعترف فتحي يكن، وهو زعيم الجماعة الإسلامية في لبنان "فرع الإخوان المسلمين"، من العام (1962-1992)، في كتابه، بصحة عقيدة المجتمعات الإسلامية؛ بل يسوق 17 شرطاً، يجب أن تتوافر في الفرد حتى يوصف بالإسلام، ولا يخرج في هذا المعنى عن المفهوم الذي دشن له سيد قطب، وتبعته في ذلك الغالبية الكاسحة من الجماعات والتنظيمات الإسلاموية، فشهادة التوحيد "لا إله إلا الله محمد رسول الله" لا تكفي لوصف قائلها بالإسلام، حتى تتجلى عليه حقائقها وسماتها وشروطها.

يأخذنا يكن (1933–2009)، من هذا المدخل إلى أن يصل في النهاية إلى أنّ جماعة الإخوان هي الجماعة التي تتوافر فيها صفات الجماعة الربانية، التي يجب الانتماء إليها، دون غيرها من الجماعات، وإذ يفعل ذلك يمر بمراحل تدريجية مرتّبة يحاول أن يستلب فيها عقول المخاطبين وأفئدتهم، حتى يصل في النهاية إلى مبتغاه.

لــ"يكن" كتاب مهم لدى جماعة الإخوان عنوانه "المتساقطون على طريق الدعوة"، كتبه ليثبت أنّ من يترك التنظيم، ما هو إلا فرد لم تتوافر فيه خصائص المؤمن الحق، وأنّه يمتلك من المشكلات النفسية الداخلية، ما يجعله ينتكث عند التعرض للفتنة، لتبقى الجماعة نقية بعد عمليات التمحيص، وقسّمهم لأنواع عديدة، إلا أنه نفسه سقط "وفق مفاهيمه" على طريق "الدعوة"؛ إذ إنّه انشق عن الجماعة فيما بعد، وتسوق قادتها بعد انشقاقه مقولات من قبيل أنّ ما كتبه كان جيداً، لكن الشخص نفسه تعرض للفتنة.

اللافت أنّ كتاب "يكن" هذا لم تدرسه جماعة الإخوان لأعضائها فقط، بل تبنّته جماعات متطرفة، ودرسته لأعضائها، مثل جماعة الجهاد والجماعة الإسلامية في مصر.

معسكر الباطل

يستخدم الكاتب في توصيله لأفكاره أسلوب ضمير المتكلم، فيقسم الناس إلى ثلاثة أقسام في فصل "أن أعيش للإسلام":

"الناس في هذه الدنيا 3 أصناف، فأي صنف من هذه الدنيا أنا يا ترى؟: صنف يعيش للدنيا، اعتقاداً أو واقعاً، وقد سمّاهم القرآن بالدهريين، والشيوعيون والعلمانيون ومن لفّ لفّهم، يصدرون من نفس المعتقد، وعندما يكفر الإنسان بوجود حياة بعد هذه الحياة يحاسب فيها الإنسان عما كسبت يداه، تصبح الدنيا أكبر همه، ومبلغ علمه، يعيش لها، ويلهث وراءها، ويغرق في شهواتها ولذائذها بدون حساب".

أما الصنف الثاني فهم: "عموم الناس الذين اضطربت معتقداتهم وضلّ سعيهم في الحياة الدنيا، وهم يحسبون أنّهم يحسنون صنعاً، وهؤلاء وإن كانوا مؤمنين بالله وباليوم الآخر، إلا أنّ معتقداتهم هذه صورية منفصلة انفصالاً كلياً عن واقعهم العملي، فهؤلاء مادّيون حقيقة، وإن كانوا يمارسون في الواقع بعض الطقوس الروحية".

بين طيات كلماته تتعالى ذروة ترهيب هذا الصنف؛ لأنّ الأول ميئوس منه، لا يحبّذ منظرو الجماعات بذل الجهد في محاولة جذبه واستقطابه؛ فيصنع الكاتب حالة من التنادي للصنف الآخر، "الذي يقبع بين المؤمنين والملحدين العلمانيين"، على حد تعبيره.

يدعو "يكن" الصنف الثاني، في محاوله لجذبه للصنف الذي ينتمي إليه: "صنف يعتبرون الدنيا مزرعة الآخرة، وهؤلاء هم المؤمنون حقاً، الذين يدركون حقيقة هذه الحياة، كما يدركون قيمة الدنيا من الآخرة".

فريضة الانتماء للجماعة

بذل الكاتب كل هذا الجهد حتى يصل إلى فريضة الانتماء للجماعة، مؤكداً على المقولات الإخوانية في أن العمل للإسلام لا يصح إلا وفق العمل في إطار الجماعة، ثم يبدأ في تفعيل الخطوة التالية في الإقناع، "هذه الجماعة هي جماعة الإخوان دون غيرها".

يواجه يكن المخاطبين بما يزعم أنها الأدلة: "يفرض عليّ الإسلام أن أعمل له ضمن جماعة، أن أتعاون مع العاملين غيري في الدعوة إلى الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر "يد الله مع الجماعة وإنما يأكل الذئب من الغنم القاصية"، "عليك بجماعة المسلمين وإمامهم"، "الجماعة بركة"، "الجماعة رحمة والفرقة عذاب".. ينزع الرجل المفهوم الكلي للجماعة التي تعني الدولة أو الأمة، ليخصّ بها جماعته، بينما يرى غيره أنّ جماعة الإخوان تمثل "الغنم القاصية"، ولا تمثل الجماعة العامة.

يحدد يكن الهدف الأصيل لهذه الجماعة: "إنّ العمل للإسلام لإيجاد الشخصية التي تتمثّله عقيدة وأخلاقاً، لإيجاد المجتمع الذي يلتزمه فكراً وسلوكاً، لإيجاد الدولة التي تطبقه شريعةً ومنهجاً ودستوراً، وتحمله دعوة هادية لإقامة الحق والعدل في العالمين، إنّ هذا العمل، وما يحتاجه ويتصل به ويتفرع عنه ويتطلبه هو واجب إسلامي شرعي لا يسقط حتى تقوم "السلطة" التي تتولى القيام بهذه المسؤولية وترعى شؤون المسلمين".

يكن: إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها

ويستطرد: "وما دامت هذه السلطة غير موجودة، فإنّ كل تقصير من العاملين أو قعود من المسلمين إثم، لا يرفعه إلا المبادرة السريعة للنهوض، بتكاليف العمل للإسلام، وإنّ ما يؤكّد وجوب العمل للإسلام، وأنه تكليفي وليس تطوعياً، كون وجوبه يقينياً".

ثم يعيد مرة أخرى أفكار الهدم: "إنّ معظم الأقطار الإسلامية إن لم يكن كلها، بأنظمة وضعية هي خليط من تشريعات يونانية ورومانية وفرنسية وغيرها، والنظم الاقتصادية السائدة في هذه الأقطار هي الرأسمالية والاشتراكية، مما يجعل العمل لهدم هذه الكيانات الجاهلية واجباً". ويتابع: "ترى الحركة الإسلامية، في تبني النظم الرأسمالية، والاشتراكية، والشيوعية، كفراً بالإسلام العظيم".

ثم يعزف مرة أخرى على إيقاع المعاول: "إنّ تكاليف العمل للإسلام أكبر من أن يتصدّى لها إنسان بمفرده، فالعمل للإسلام يقتضى هدم الجاهلية برمتها، وإقامة الإسلام مكانها.. ولا يقوى على النهوض به مع الجهد والمكابدة والمعاناة إلا تنظيم حركي يكون في مستوى المواجهة وعياً وتنظيماً وقدرة".

كل ذلك لإقامة دولة الإسلام؛ لأن "كثيراً من الواجبات الشرعية يتوقف تنفيذها وممارستها على إقامة الخليفة والإمام، وهذا بالتالي مرتبط بوجوب سلطة إسلامية، فكل التشريعات المتعلقة بالحكم والعقوبات، والسلم والحرب، والجهاد والصلح، والمعاهدة والمعاملات الاقتصادية، هذه وغيرها من جوانب التشريع الإسلامي لا يمكن تنفيذها إلا على طريق دولة تقوم على أساس الإسلام".

للمشاركة:

"الطريق إلى جماعة المسلمين".. قراءة في أخطر كتب التكوين السري للإخوان

2020-05-21

الاطلاع على المناهج التربوية والحركية للإخوان المسلمين كفيل بكشف جزء كبير ومهم من أهدافهم، ووسائلهم، وأساليب تعاملهم المرحلي "المداهن" مع المجتمع، والسلطة، وأجهزة الدولة، والقوى السياسية، وقادة الفكر والرأي، والمنشقين عنها، والجماعات الدينية الأخرى، ونظرتهم الحقيقية تجاه كل هؤلاء.
وقد وضع أعلام الإخوان مؤلفات أكثر من أن تحصى تروّج لأفكارهم وتؤسطر مؤسس حركتهم ورجالاتهم و"نضالاتهم"، لكن "الطريق إلى جماعة المسلمين" يعد أخطرها على الإطلاق، ومكمن خطورته أنّه يخلص إلى أنّ "الإخوان" هم الجماعة المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع مستخدماً  لغة "البحث العلمي"؛ إذ إنه في الأصل رسالة ماجستير نوقشت في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة نهاية السبعينيات لباحث إخواني يمني مغمور يدعى حسين بن محسن علي جابر، وقامت بطباعته أول مرة جماعة الإخوان المسلمين في الكويت العام 1984 من خلال مكتبتهم "دار الدعوة"، ثم توالت طبعاته في مصر حتى أنه صدرت منه 4 طبعات خلال 4 أعوام فقط (1987-1990)، ويكفي لإدراك أهمية هذا الكتاب معرفة أنّ من قدم له القيادي الإخواني التاريخي المستشار علي جريشة.

 يكشف الكتاب عن أن العنف وسيلة معتمدة مؤجلة لدى الجماعة الإسلامية حتى تحين اللحظة المواتية

يعد الكتاب المرجع الأساسي الذي يشكل العقل الخفي للقاعدة الإخوانية، وكان يدرس في مناهجها حتى وقت قريب في الأسر الإخوانية المنتظمة والعاملة، ويعتبر "المنافستو" الذي يلتزم به الأعضاء العاملون في الدعوة الفردية، وهو مصطلح في قاموس الأدبيات الإخوانية يعني "تجنيد الأعضاء الجدد".
ينبني هذا الكتاب الذي يقع في نحو 466 صفحة على مقولة تأسيسية، جاءت في الفصل الأول منه، وهي أنه "لا توجد جماعة للمسلمين"، ولذا فإن على المسلمين إنشاء هذه الجماعة، فإذ به يأخذ المتلقي في النهاية إلى مقولة أخرى، وهي أن جماعة الإخوان المسلمين هي نفسها جماعة المسلمين، والتي ستعيد "دولة الخلافة الإسلامية"، وذلك بعد أن يكون الكاتب قد قام بتهيئة عقل المتلقي، لاستقبال النتيجة دون التعرض للاندهاش المباغت.
انتظار اللحظة المواتية
ويكشف عن أن العنف وسيلة معتمدة لدى الجماعة، فأعضاء التنظيم يتربون على انتظار لحظة مواتية لاستخدامها، ويرسخ الأفكار العنفية، باعتبار أن دولة الإسلام المنتظرة لن تقوم إلا بعد معركة دامية بين الحق والباطل، وهو ما اشتهر بين دارسي الإخوان بمفهوم "العنف المؤجل"، أي العنف حينما يأتي وقته، وتقدر عليه الجماعة، ولا يكون له تبعات ولا حساب.
ويعرف الكتاب "جماعة المسلمين" بأنها " أهل الاسلام إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من أهل الملل أتباعهم"؛ فلا تختلف "الإخوان" في هذا الشأن عن الجماعات التكفيرية، والتي ترى من نفسها، جماعة المسلمين، إلا أنّ هذا الكتاب شبه السري الذي استخرجناه من الصناديق المغبرة للجماعة، لا يرى حتمية القتال الفوري والآني، كما تراه غيرها من الجماعات التكفيرية؛ بل يعتمد المرحلية المتدرجة، حتى يصل في النهاية لمشهد إمبراطوري دموي، تقاتل خلاله الجماعة كل الأغيار عنها، بعد تخييرهم بين الالتحاق بركبهم، أو الجهاد ضدها.
يحدد الكتاب الارتباط بين الفكرة والتطبيق بواقع الحركة نفسها من حيث السلب والايجاب، مستشهداً بالرسول محمد -صلى الله عليه وسلم- الذي لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر، إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
تنضح سطور الكتاب، بتكفيرية واستعلائية واضحة، ويعتبر المرجع الأهم للباحثين عن روافد العنف المسلح والتكفير، الذي بدا تحولاً كبيراً وسريعاً ظهر في التنظيمات الدموية التي انبثقت عن جماعة الإخوان المسلمين بعد أحداث 30 حزيران (يونيو) 2013 في مصر.
فلا تختلف مضامين ما جاء في الكتاب، عما جاء في كتاب فقه المقاومة الشعبية، الذي أصدره في 25 كانون الثاني (يناير) 2015 القيادي بجماعة الإخوان المسلمين محمد كمال، الذي لقي مصرعه على أيدي قوات الأمن في العام 2016، واستخدمت فيه مصطلحات من عينة " الطائفة الممتنعة" و"أحكام دفع العدو الصائل".
فالكتاب يرى "ممانعة جميع الدول الاسلامية في تحكيم شرع الله، ورفع راية الجهاد لأنها تأمر بالمنكر، وتنهى عن المعروف، وتقمع من طلب عكس ما تريد، وإن الذين يسعون في ركابها بحسب ما تريد رغبة في التعايش السلمي معها مخطئون، وعليهم أن يتوبوا ويقلعوا عن الذي هم فيه، ويستغفروا الله".
حدود "الجماعة".. العالم كله
يحاول الكاتب بين الحين والآخر، تغذية المستهدفين، بما يطلق عليه، مبدأ سيسيولجيا الأمل، الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات، لدى شرائح واسعة من الشباب المحبط، فيؤكد أن هدف تلك الجماعة هو "فتح" العاصمة الإيطالية روما، وعلى أن الكرة الأرضية ملك لها خالصة من دون الناس.
حدود تلك الجماعة، كما يكشف الكتاب، هي "العالم كله"، لكن التنفيذ يبدأ بديار المسلمين، ثم ينتقل للغزو بعد ذلك في اتجاه "دار الحرب"، حتى تعلو راية تلك الجماعة على المعمورة.
تنطلق الفكرة من قاعدة تقضي بأن للمسلمين ملكية الأرض جميعاً، واستيلاء "أهل الباطل" لبعض أجزائها، هو استيلاء منهم على حق من حقوق جماعة المسلمين، إلا أن الكاتب يعود ليؤكد مرة أخرى، على مبدأ الفتح التدريجي.

 يحاول الكاتب تغذية المستهدفين بالأمل الذي ثبت تأثيره عند تلك الجماعات خاصة بين الشباب المحبط

يحدد الكتاب هنا نقاطاً للوصول؛ الأولى: أن كل شبر على هذه "الأرض" قامت عليه جماعة من الناس تحكم نفسها بشرع الله، فهو "دار عدل"، ونقطة الانطلاقة الثانية: هي أن يتحد أهل دار العدل هؤلاء مع غيرهم، من دور العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة، ثم نقطة الانطلاقة الثالثة: هي أن تنطلق جبهة دار العدل إن وجدت ليكونوا دولة واحدة.
ثم نقطة الانطلاقة الرابعة: أن تنطلق جبهة العدل المتحدة أو دولة دار العدل المتحدة إلى من حولها من الناس تبلغهم الأحكام وتخضعهم لأحكامه انطلاقة مستمرة "حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله".
أما الهدف العام لجماعة المسلمين كما يحدده الكتاب هي: "أن تعبد البشرية رباً واحداً وتتزعم مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تزيل الفتنة من الأرض كافة وفتح رومية عاصمة إيطاليا".
التحذير من استعجال قطف الثمرة
ويحذر الكتاب من مغبة الدخول في المواجهة قبل امتلاك الأرض فيقول: إن الجماعة التي تحدد المواجهة مع السلطة على الأرض التي تقف عليها الجماعة نفسها جماعة تعبث بقوتها وتهلك أفرادها بأقل كلفة، وأيسر خسارة لتلك السلطة المهيمنة على تلك الأرض، وهي جماعة مقضي عليها بالفشل والهلاك، وهي بعيدة عن النهج النبوي والتوجيه الرباني.
ثم يعود الكاتب للتحذير مما يطلق عليه "استعجال قطف الثمرة قبل نضوجها" ويضرب بذلك مثالاً بشعب أريتريا مع إثيوبيا، وقضية مسلمي الفلبين مع حكومة الفلبين، ففي قضية شعب أريتريا أدخلته قياداته في مواجهة عسكرية مع حكومة إثيوبيا، وحكومة إثيوبيا هي القابضة على أرض ذلك الشعب، فكانت النتيجة أن قتل وشرد أكثر من ذلك الشعب وانسحبت القيادة تجر وراءها ذيول الفشل والخسارة.
وكذلك قضية مسلمي الفلبين "يقتلون جندياً واحداً من جنود الحكومة التي تحكم الأرض التي يقطنها المسلمون فتبيد الحكومة "الفاجرة" قرية أو عدداً من قرى المسلمين، كل ذلك لأن قيادة المسلمين حددت نقطة المواجهة مع تلك الحكومة قبل أن تملك الأرض التي سوف تنطلق منها إلى تلك المواجهة".
لا للتعددية
يخوض الكاتب حرباً ضد الجماعات الإسلامية من غير الإخوان المسلمين، فهو يرى أن "تعدد الجماعات في الأمة باطل يجب أن يزول، وأن الواجب أن تصب جهود الأمة كلها في قالب واحد وفي اتجاه واحد".
ويقف بالمرصاد ضد فكرة التعددية؛ بل إنه يرى في التعددية ظاهرة يجب القضاء عليها بالقتال قضاء مبرماً، وفي سوقه للأدلة على عدم وجود جماعة المسلمين يقول: "الإسلام لا يعترف بتعدد الحكومات التي تحكم الأمة الإسلامية، فالإسلام لا يعترف بغير حكومة واحدة على رأس الأمة الإسلامية، بل يطالب الأمة الإسلامية أن تقتل الحاكم الثاني مباشرة كما بينت النصوص الشرعية (إذا بويع لخلفتين فاقتلوا الآخر منهما)".
ويعود للسرد التاريخي ليحاول تأكيد صدقية مقولاته: "لو كان التعدد في الحكومات جائزاً لما قاتل عليٌّ معاوية القتال العادل، وأهدر دماء صفوة الأمة الاسلامية من الصحابة الكرام والتابعين الابرار، ولما سمى الرسول صلى الله عليه وسلم الجبهة المقاتلة لعلي الفئة الباغية".
السرية والكتمان
تعتبر السرية ركناً أصيلاً ومهماً عند تنظيم الإخوان، لا يرتبط بمرحلة معينة، ولا بظروف طارئة، فالجماعة عرفت السرية منذ إنشاء مؤسسها حسن البنا لــ"النظام الخاص" الذي اشتهر لاحقاً بـــ"الجهاز السري".. فقد أحاط البنا هذه القوة العسكرية الخاصة بقدر كبير من السرية والكتمان.
ويسقط الكاتب تاريخ السرية النبوية، على جماعة الإخوان، فيختلط السياق، وتندمج السردية؛ إذ تؤصل مناهج الإخوان لأهمية السرية، وتفرد لها مساحات واسعة، وكعادة الإخوان دائماً، تزعم كتب المناهج أن السرية هي اقتداء بالرسول -صلى الله عليه وسلم- الذي عرفت دعوته في مكة مرحلتين: الأولى هي سرية الدعوة وسرية التنظيم، والثانية هي علنية الدعوة مع استمرار سرية التنظيم.

 الكتاب يتهم جميع الدول الاسلامية بممانعة تحكيم شرع الله لأنها تأمر بالمنكر وتنهى عن المعروف

هو نفسه ما يقوله فتحي يكن في كتابه "ماذا يعني انتمائي للإسلام؟": "لا يجوز أن تكشف الحركة كل ما عندها من مخططات وتنظيمات، فليس في ذلك مصلحة على الإطلاق، بل إن ذلك يعد جهلاً بالإسلام، وتعريضاً للحركة وأفرادها لمكر الأعداء".
ولا يختلف ما جاء في هذا الكتاب عن سابقه؛ فعندما يعرض للوسيلة التي سيتحقق من خلالها أهداف الجماعة، فيكشف عن أنها "السرية" مبرراً لها بمقولة: "حتى لا تضرب الدعوة في مهدها"، ثم يعرض للوسيلة الثانية في بناء "الجماعة المسلمة" وهي "الجانب التنظيمي".
ويوضح الكتاب المقصود بالسرية في عمل بناء الجماعة فيؤكد أن "تنحصر معلومات خطة العمل في محيط القيادة العامة للعمل، وأن يجهل الأشخاص في العمل السري بعضهم بعضاً من حيث التكاليف والمهام، وأن يعلم كل واحد في العمل مهمته دون غيره، فلا تخرج معلومات مهام عمرو إلى زيد بحال من الأحوال".
وكل عمل ينقسم إلى قسمين من حيث وجوده في الحياة والعمل الإسلامي، قسم تنظيمي: ويجب أن يكون سراً، وقسم فكري وروحي: وهو الذي يجب أن يكون جهراً ضمن خطة مدروسة.
وتبقى السرية، مبدأً سارياً وممتداً، حتى بعد دخول مرحلة الدعوة العلنية، فيبقى جزء علني معروف للناس، ويظل الجزء الآخر في طي الكتمان، ويضرب بذلك مثالاً بما كان في عهد الجماعة المسلمة الأولى من إعلان أعلام قريش الذين أسلموا ولم تخش الدعوة عليهم سطوة الكفار بسبب قوة قبائلهم فكانوا الواجهة التي تدعو للإسلام.
وأما الطائفة الثانية فهي تمثل ضعاف المسلمين ممن لا سند لهم يدافع عنهم أمام سطوة قريش وجبروتها، فكان عملهم كله سرياً، وكانت مناهجهم كلها سرية.

تَقِيّة المرحلية
ويتوقف الكتاب عند قضية "المرحلية" أكثر من مرة؛ فهي إحدى أهم ركائز جماعة الإخوان، بل هي الإطار الحاكم لتصرفات وقرارات وخطاب الجماعة عبر عقود، وإدراكها يكشف تماماً طبيعة فكر الإخوان ونوايا الجماعة، فتحت مظلة "المرحلية"، تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها، وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها.
فيرى الكاتب أن التدرج في الخطوات عند التنظيم من أهم ما يميزه؛ لأن ذلك كان من فعل النبي -صلى الله عليه وسلم- لاعتقادهم أن كل دعوة لا بد لها من مراحل ثلاث: الدعاية والتعريف بالدعوة وإيصالها إلى الناس، ومرحلة التكوين وتجهيز الأنصار وإعداد الجنود، ومرحلة التنفيذ وهي مرحلة العمل والإنتاج.

 تحت مظلة "المرحلية" تعطي الجماعة وعوداً تنوي إخلافها وتتعهد بالتزامات تنوي عدم الوفاء بها

إن إدراك الموقف الحقيقي للإخوان من استخدام القوة والعنف لفرض رأيهم السياسي، أو للتخلص من خصومهم، هو أمر في غاية الأهمية، ليس فقط للإحاطة بحقائق الماضي، ولكن لإدراك سبل التعامل المناسب مع الجماعة مستقبلاً.
ومفهوم "المرحلية" عند الإخوان أن يكون للجماعة خطاب ومواقف تخدم تنظيمهم في مرحلة سياسية وزمنية معينة، حتى لو كانت هذه التصرفات مضرة بالصالح العام للمجتمع، وحتى لو كان هذا الخطاب يكذب على المخاطبين، وكتب الإخوان تعرف ما يسمى بـ"خطاب الاستضعاف" و"خطاب التمكين"، فالأول يتسم بمودة مصطنعة، وقبول للآخر، لا تظهر فيه الجماعة نواياها، والثاني تكشف فيه الجماعة عن أهدافها ووسائلها دون خوف أو تردد.
وقد تحدث سيد قطب في كتاب "معالم في الطريق" عن المرحلية معتبراً إياها سمة من سمات الدين، الذى يحدد لكل مرحلة وسائلها من بدء ميلاد طليعة البعث الإسلامي، وصولاً إلى مرحلة التمكين وإزالة الطواغيت، بتحطيم الأنظمة السياسية الحاكمة أو قهرها حتى تدفع الجزية.
 

الحشد والمفاصلة
أما عن وجوب اكتمال العدد؛ فيشدد الكاتب على أنه لا بد أن يصل عدد أفراد الجماعة الذين سيدخلون المعركة رقماً معيناً من الجيش المقابل، وأن يكون قرار بدء المواجهة من خصوصيات القيادة العليا للجماعة، وأنها لا تكون إلا بعد التمكين من الأرض الصالحة التي سيكون منها ذلك الانطلاق واكتمال العدد الذي ستكون به المواجهة.
ويصل الكاتب إلى أهم وسائل الجماعة إلى أهدافها الخاصة، وهي "وجوب إعادة أجهزة الإعلام والتعليم والاقتصاد وغيرها من أجهزة الدولة إلى الإسلام، ليتولى توجيهها ضمن حدوده وتشريعاته".، و"الضرب بيد من حديد على كل عناصر النفاق والفسق في الأمة وتطهير المجتمع منهم، وإعداد الأمة الإسلامية إعداداً يتناسب مع مطالب المرحلة القادمة من حيث الإعداد والعدة".
أما الوسائل العامة لجماعة المسلمين فهي: "إعلان مبادئ الإسلام للبشرية كافة من خلال أجهزة الإعلام في الدولة الإسلامية، مطالبة كافة البشرية بالدخول للإسلام لنسخه سائر الأديان، ومطالبة كافة الدول بالخضوع لتعاليم الإسلام، وفى هذا الباب سواء كانت هذه الدول غربية علمانية لا صلة لها باليهودية والنصرانية، أو شرقية اشتراكية لا تعترف بالأديان".
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة".
ويحدد الكاتب محاور الانتقال من نقطة إلى نقطة أخرى؛ الأمر الذي يحدد نقاط الحركة بين الوسائل والأهداف في الجماعة، فالرسول لم يحدد الدخول في مجابهة قريش عسكرياً في معركة بدر إلا بعد أن تأكد من استعداد كافة قطاعات جيشه لهذه المجابهة.
ثم يتبع ذلك "إعلان الجهاد المسلح والمستمر حتى النصر على كل من خالف ورفض مطالب جماعة المسلمين الآنفة، وذلك حسب أحكام ومراحل الجهاد المنصوص عليها في مواضعها من هذا الدين الحنيف، وبحسب خطة وإمكانات تلك الجماعة المباركة"، وعند إقامة الجماعة المسلمة للدولة الاسلامية فإن أحكام الشريعة يجب أن تطبق بشكل كامل وفوري.

الإخوان.. المخلص الأوحد
ويخلص في النهاية إلى أن "الجماعة تتبرأ من كل الحكومات ولا تعترف بالدول التي لا تحكم بالإسلام"، مستشهداً بسعيد حوّى: "وبما أن ولاة الأمر في الأمة اليوم بين كافر أو منافق أو فاسق لا تصح موالاتهم، فأقرب جهة يجب أن يعطيها المسلم ولاءه هي أكمل الجماعات الإسلامية الموجودة في عصرنا الحاضر"، ليصل الكتاب بذلك إلى مبتغاه بأن يجير للإخوان المسلمين جميع مع ذكر من صفات "الجماعة" الصادقة؛ فهي التي يجب الالتحاق بركبها شرعاً؛ "من خلال دراستنا لمبادئها وأفكارها... يتقرر أنها أقرب الجماعات المرشحة لتخليص الأمة الإسلامية مما تعانيه من فساد وضياع، وأنها الجماعة التي سيكون على يدها عودة مجد الأمة الإسلامية وكرامتها بإذن الله"، فما تتمتع به "من الدقة والوضوح في النظام والتنظيم هو ما ينبغي على كل جماعة من الجماعات الإسلامية الاهتمام به، خاصة في هذا الوقت الذي نظم الكفر نفسه ليحول بين المسلمين وأهدافهم".
ثم يعرج على أهم الجماعات الإسلامية العاملة على الساحة ليكشف ثغراتها وعيوب منهجها ومن ثم مخالفتها للدين، ويحرضها على الالتحاق بالإخوان لأنها الجماعة المنوط بها الوصول لهدف إقامة الدولة والدين، كما يخاطب الفرد المستهدف بالدعوة الإخوانية من أجل إقناعه بأن جماعة الإخوان هي الجماعة الكاملة الربانية.
وبعد تفكيك الكتاب لمناهج الجماعات الإسلامية الأخرى المنافسة لجماعة الإخوان المسلمين، من خلال إثبات قصور مناهج تلك الجماعات، وعدم موافقتها لمراد الله، ليقدم بعد ذلك ما أسماه "الجماعة المرشحة" لأن تكون "جماعة المسلمين" التي تحمل راية الله في الأرض وتقيم دولة الخلافة الإسلامية".
وفي الختام يتطرق الكتاب إلى صفات مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، حسن البنا، فيجعله كائناً قديساً اجتمعت فيه خصائص القائد الرباني الذي صنعه الله على يديه ليجدد لهذه الأمة دينها، ويصنع هو جماعة المسلمين التي ترجع للأمة عزها ومجدها فيقول "وقد كتب عن هذه الشخصية الفذة وعن جماعته الكثير من العلماء.. ولم يبق لي من مزيد سوى الاقتباس القليل بما يناسب المقام"، ثم ينقل عن حوّى: "إن المسلمين لم يروا مثل حسن البنا منذ مئات السنين في مجموع الصفات التي تحلى بها وخفقت إعلامها على رأسه الشريف.. كان لله بكلية روحه وجسده بقلبه وقالبه بتصرفاته كلها، كان لله فكان الله له واجتباه وجعله من سادات الشهداء الأبرار".

 

للمشاركة:



تحقيق كشف بترولي جديد في مصر.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

أعلنت السلطات المصرية نجاح قطاع البترول المصري في تحقيق كشف بترولي جديد بمنطقة أبوسنان بالصحراء الغربية.

وتحقق الكشف، وفق ما أوردت صحيفة "بوابة الأهرام" المصرية، بعد حفر بئر السالمية - 5 ووضعها على خريطة الإنتاج بمعدل 4100 برميل زيت خام و18 مليون قدم مكعب غاز يومياً، ويقع الكشف الجديد فى طبقة الخريطة الجيولوجية على عمق 14400 قدم .

مصر تعلن تحقيق كشف بترولي جديد بقدرة إنتاجية يومية 4100 برميل خام و18 مليون قدم مكعب غاز

ووردت تفاصيل هذا الاكتشاف في تقرير تسلمه وزير البترول والثروة المعدنية طارق الملا تلقاه من أشرف أبو زينة، رئيس شركة برج العرب للبترول، والتي تمثل الكيان المشترك القائم بالعمليات في منطقة امتياز أبوسنان نيابة عن هيئة البترول وشركة كويت إنرجي مصر.

والجدير بالذكر أنّه سبق للشركة تحقيق كشف بترولي كبير فى شهر كانون الأول (ديسمبر) 2019 في البئر الاستكشافية ASH-2 والذي تم وضعه على الإنتاج بمعدل 7 آلاف برميل من الزيت الخام، و 10 ملايين قدم مكعب غاز.

وتعليقاً على الاكتشاف أثنى وزير البترول الأسبق ورئيس لجنة الطاقة بحزب مستقبل وطن المهندس أسامة كمال، على الإنجازات الكبيرة للغاية التي تحققت في قطاع البترول والطاقة على مدار الـ6 أعوام الماضية، ليصبح هو القطاع الرابح.

وقال أسامة كمال، في مداخلة هاتفية لبرنامج "صالة التحرير"، على قناة "صدى البلد": "في الفترة من 2011 وحتى 2015 حدث فيها فجوة في البترول، وكانت تشهد حالة من الهرج والمرج، ولم نضع على الإنتاج آبار جديدة بسبب عدم استخدام أو عدم التزام الشركاء الأجانب".

وأضاف: "الأوضاع السياسية في فترة 2011 كانت غير مستقرة وبالتالي التعامل توقف بالنسبة للبترول، فضلاً عن أنّ النظام في هذا الوقت لم يكن عليه الرضا عالمياً، ولم يكن هناك ثقة بسبب هذا النظام الذي كان يحكم مصر وقتها، وتقريباً كانت أسوأ فترة تمر علينا بالنسبة للبترول".

واستكمل: "بعد ثورة 30 حزيران (يونيو) وإسقاط حكم الإخوان المسلمين الأوضاع بدأت تتحسن كثيراً، والشركاء الأجانب كانوا يلتزمون بما عليهم، وتوافق كبير فيما بيننا وبينهم، مع تكثيف عمليات البحث، والتي بدأنا نرى تحسناً كبيراً فيها".

للمشاركة:

الإمارات تواصل مواجهة فيروس كورونا عالمياً.. هذا آخر ما قدمته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

أرسلت دولة الإمارات، أمس، طائرة مساعدات تحتوي على 9 أطنان من الإمدادات الطبية إلى داغستان الروسية، لدعمها في الحد من انتشار فيروس كورونا المستجد "كوفيد-19"، وسيستفيد منها 9 آلاف من العاملين في مجال الرعاية الصحية لتعزيز جهودهم في احتواء انتشار الفيروس.

الإمارات ترسل طائرة مساعدات تحتوي على 9 أطنان من الإمدادات الطبية إلى داغستان الروسية

وقال سفير دولة الإمارات لدى جمهورية روسيا الاتحادية معضد حارب جابر الخييلي: "لطالما كانت روسيا وستظل شريكاً رئيسياً لدولة الإمارات في المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، وعندما تنشأ ظروف صعبة، تصبح هذه الشراكات أكثر أهمية من أي وقت مضى في تعزيز أواصر التضامن وتقديم المساعدة المنقذة للحياة في جميع أنحاء العالم"، وفق ما أوردت وكالة الأنباء الإماراتية (وام).

وتابع: "مع إيصال المساعدات اليوم إلى داغستان، تؤكد دولة الإمارات التزامها بالعمل جنباً إلى جنب مع العاملين في الخطوط الأمامية في مجال الرعاية الصحية في روسيا للتغلب على هذا الوباء".

وكانت دولة الإمارات أرسلت في الأول من شهر حزيران (يونيو) الجاري شحنة من الإمدادات الطبية إلى غروزني الروسية لمساعدتها في التصدي لجائحة "كوفيد-19".

أورومانيا تشكر محمد بن زايد آل نهيان للمساعدات الطبية التي قدمتها الإمارات في مكافحة كورونا

وفي سياق متصل بالجهود التي تقودها دولة الإمارات للمساعدة في الحد من انتشار فيروس كورونا ولدعم العاملين في مجال الرعاية الصحية الذين يقفون في الجبهة الأمامية لمكافحة الوباء العالمي، عبر رئيس وزراء رومانيا عن شكره للشيخ محمد بن زايد آل نهيان للمساعدات الطبية التي قدمتها دولة الإمارات إلى بلاده لتعزيز جهودها في مكافحة انتشار فيروس كورونا.

جاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقاه الشيخ محمد بن زايد آل نهيان من لودوفيك أوربان، جرى خلاله بحث سبل دعم المصالح المشتركة بين البلدين وتعزيزها في مختلف المجالات.

وتطرق الاتصال بين الجانبين إلى القضايا الإقليمية والدولية محل الاهتمام المشترك وفي مقدمتها جائحة "كورونا" وتطورات انتشارها وتداعياتها على المستويات الإنسانية والصحية والاقتصادية وغيرها.

وقدمت دولة الإمارات حتى اليوم أكثر من 701 طن من المساعدات لأكثر من 61 دولة، استفاد منها نحو 701 ألف من المهنيين الطبيين.

للمشاركة:

ترامب يتراجع عن قراره.. وماتيس يخرج عن صمته: أول رئيس يقوم بهذا الفعل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

بعد موجة الانتقادات والتصريحات المعارضة لنشر الجيش الأمريكي لمواجهة الاحتجاجات تراجع الرئيس دونالد ترامب، أمس، عن القرار قائلاً: إنّه لا يعتقد أنّه سيحتاج إلى الاستعانة بقوات الجيش للتصدي للاحتجاجات التي أشعلها مقتل جورج فلويد بمدينة مينيابوليس على يد الشرطة أثناء اعتقاله.

ترامب: لا أعتقد أننا سنضطر إلى الاستعانة بقوات الجيش للتصدي للاحتجاجات

وقال ترامب في مقابلة مع تلفزيون "نيوزماكس" رداً على سؤال عما إذا كان سيرسل الجيش إلى أي مدن بعد الاحتجاجات التي شابها العنف في بعض الأحيان، بسبب مقتل جورج فلويد "لا أعتقد أننا سنضطر لذلك".

هذا وأبدى وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، معارضته اللجوء إلى قانون يسمح بنشر الجيش في المدن الأمريكية بهدف التصدي للحركة الاحتجاجية واسعة النطاق ضد العنصرية والعنف الممارس من قبل الشرطة، وذلك في تباين واضح مع موقف ترامب، وفق ما نقلت شبكة الـ "بي بي سي".

وتأتي تصريحات وزير الدفاع الأمريكي في توقيت تستعد فيه البلاد ليوم إضافي من الاحتجاجات وبعد أسبوع حافل بالتظاهرات السلمية وبالاضطرابات الليلية أيضاً، مع تواصل خرق المحتجين حظر التجول المفروض في عدة مدن أمريكية.

مارك إسبر يبدي معارضته اللجوء إلى قانون يسمح بنشر الجيش في المدن الأمريكية

وقال إسبر "لا أؤيد اللجوء إلى قانون الانتفاضة" الذي يسمح للرئيس بنشر الجيش في مواجهة مواطنين أمريكيين، بدلاً من قوات الحرس الوطني المنتشرة حالياً في عدة مدن.

وفي سياق متصل، شنّ وزير الدفاع الأمريكي السابق، جيمس ماتيس، هجوماً لاذعاً على الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، قائلاً إنّ البلاد تشهد تداعيات ثلاثة أعوام من قيادة غير ناضجة، وذلك في بيان يعتبر لحظة مهمة خرج فيها المسؤول الأمريكي السابق عن صمت لازمه غالباً منذ استقالته.

وقال ماتيس، في بيان نقلته الـ "سي ان ان" يأتي في ضوء الاحتجاجات التي تشهدها مناطق بأمريكا بعد مقتل فلويد: "دونالد ترامب هو أول رئيس في حياتي لا يحاول توحيد الأمريكيين ولا يحاول حتى التظاهر بالقيام بذلك، عوضاً عن ذلك هو يحاول أن يفرقنا.. نحن نشهد تداعيات ثلاث سنوات دون قيادة ناضجة".

وتابع ماتيس: "يمكننا الاتحاد دونه والاستناد إلى القوى الموروثة من مجتمعنا المدني، هذا لن يكون سهلاً كما أظهرته الأيام القليلة الماضية ولكننا ندين بذلك إلى زملائنا بالمواطنة للأجيال الماضية التي نزفت للدفاع عن وعدنا ولأطفالنا".

ويذكر أنّ العديد من المدن الأمريكية تشهد حركة احتجاجات متواصلة منذ مقتل الأمريكي جورج فلويد، من أصول أفريقية، على يد الشرطي ديريك شوفين في منطقة مينيابوليس، بعد وضعه ركبته على عنقه لأكثر من 8 دقائق، ردد خلالها الضحية "لا أستطيع التنفس".

للمشاركة:



هل فقدت إيران نفوذها في العراق؟ تقرير لـ"تلغراف" يجيب

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

عندما قتل قاسم سليماني في غارة أميركية بطائرة بدون طيار خلال زيارة لبغداد في مطلع يناير الماضي، تعهدت إيران "بالانتقام الشديد" من الولايات المتحدة عبر ميليشياتها في العراق، كما طالبت الكتلة الموالية لإيران في البرلمان العراقي بسحب 5000 جندي أميركي وقوات التحالف في العراق للمساعدة في محاربة داعش.

بعد ما يقرب من ستة أشهر، لا تزال القوات الأجنبية متمركزة في أنحاء العراق ويبدو أنها ستبقى لبعض الوقت، وبصرف النظر عن الهجوم الصاروخي على قاعدة للتحالف في مارس الماضي، والذي أسفر عن مقتل جندي بريطاني وآخر أميركيين، فإن الميليشيات المدعومة من إيران لم تنفذ تهديداتها بالثأر لمقتل سليماني، وفقاً لصحيفة تلغراف الإنكليزية.

علاوة على ذلك، عين العراق رئيس الوزراء الأكثر تأييدًا للغرب منذ سنوات، مصطفى الكاظمي، ليحل محل عادل عبد المهدي الذي استقال في نوفمبر الماضي في أعقاب احتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة.

وعلى مدى السنوات الأربع الماضية، كان الكاظمي يدير جهاز المخابرات العراقي، حيث عمل بشكل وثيق مع التحالف في القتال ضد داعش، وقد أمضى سنوات في بريطانيا كصحفي وناشط في مجال حقوق الإنسان، بعد أن فر من العراق أثناء حكم صدام حسين.

فشل قاآني

وقال سركوت شمس الدين، النائب الكردي الذي عمل ذات مرة كصحفي مع الكاظمي إنه "ليبرالي وغير طائفي، إنه لا يريد أن يتسبب في مشاكل مع إيران، فهو فقط مؤيد للعراق. ويدرك أيضًا أنه لا يمكننا البقاء على قيد الحياة الآن بدون دعم أميركي".

ومن المتوقع أن تلوح أزمة في منتصف يونيو الجاري عندما تعقد واشنطن وبغداد حوارا استراتيجيا لتحديد علاقتهما المستقبلة، ويتوقع المراقبون أن تضغط أميركا والتحالف لبقاء القوات في العراق لضمان عدم عودة داعش.

وصرح مسؤول غربي للصحيفة: "هناك مجال للاتفاق على وجود بقاء القوات ولكن ربما بقوات أقل لمواجهة داعش في المستقبل".

وأكد أن تعيين الكاظمي يعكس حقيقة أن قائد الجيش الإيراني إسماعيل قاآني، فشل في أن يحل محل سليماني وتأثيره في العراق.

فقد زار قاآني بغداد في أواخر مارس الماضي، في محاولة للتأثير على اختيار رئيس الوزراء الجديد، ولكن كونه لا يتحدث العربية يفتقر إلى كاريزما سليماني وعلاقاته الشخصية، وكان استقباله فاترا ورفض بعض كبار القادة الشيعة مقابلته.

وقال المسؤول الغربي: "سليماني كان له تأثير هائل على سياسيين عراقيين مختلفين وقاآني كافح لملء هذا الفراغ، لم يكن له نفس التأثير، وتشكيل الحكومة الجديدة أكبر مثال على ذلك".

وبالنظر إلى قوة الكتلة الموالية لإيران في الحكومة العراقية، كان الكاظمي خياراً مفاجئا، ويعتقد شمس الدين أن تعيينه لطمة قوية للنفوذ الإيراني في العراق.

وأضاف شمس الدين، الذي تلقى تهديدات بالقتل من الميليشيات لرفضه التصويت لصالح انسحاب القوات: "كان الضغط من الشارع هائلاً - إنه معادٍ لإيران حتى لو لم يكن مؤيدًا للولايات المتحدة بشكل واضح، إيران تجد أنه ليس لديها العديد من الأصدقاء المخلصين حقا في العراق".

الخضوع لسيطرة الحكومة

وأشارت الصحيفة الإنكليزية إلى أن الكاظمي الذي يعتبر خبيراً في مجال الإعلام، قد ترك بصمته بالفعل، فقد كان من بين أول قراراته إطلاق سراح مئات الأشخاص الذين اعتقلوا خلال الاحتجاجات.

كما وعد بإجراء تحقيق أكثر صرامة في الهجمات بالأسلحة النارية التي شنت على بعض الاحتجاجات العام الماضي، والتي قتل فيها حوالي 600 شخص، وألقيت اللوم على نطاق واسع على الميليشيات الموالية لإيران وقوات الأمن العراقية، لكن تحقيق رئيس الوزراء السابق خلص فقط إلى أنهم "مسلحون مجهولون".

بدوره، قال أيمن سلمان، وهو متظاهر من بغداد: يبقى أن نرى ما إذا كان قادرا على الوفاء بهذه الوعود، حتى الآن، لم يتم إطلاق سراح المتظاهرين.

وألمحت الصحيفة إلى أن اختيار بعض العناصر الأكثر اعتدالًا في الحشد الشعبي المدعومة من إيران والتي تم تعبئتها عام 2014 للمساعدة في محاربة داعش، دليل آخر على فقد طهران لنفوذها في العراق.

استقلال بغداد

ومن المرجح أن تعتمد واشنطن على الكاظمي بشدة للقيام بالمزيد من الإجراءات، لتأكيد استقلال بغداد عن طهران.

وصرح روبرت تولاست من مؤسسة "تحليل الشرق الأوسط "( NAMEA): "تريد الولايات المتحدة تأكيدات بأن الجماعات المدعومة من إيران قد فقدت مكانتها، هذا سيعني التعاون مع الولايات المتحدة لفرض عقوبات موجهة ضد المصالح المالية الإيرانية في العراق، ويمكن أن يمتد الأمر إلى التعاون الأمني ضد وكلاء إيران العراقيين".

ومقابل ذلك إذا واجه الكاظمي اعتراضا من الكتلة الموالية لإيران، فيمكن لواشنطن سحب دعمها المالي الذي تبلغ قيمته مليارات الدولارات للحكومة العراقية، التي تواجه حاليًا الانهيار المالي بسبب انهيار أسعار النفط العالمية بسبب فيروس كورونا.

ويرى تولاست أن الكاظمي الذي أمضى معظم وقته في بريطانيا، ليس لديه قاعدة قوية في العراق، مما يعني أنه يمكن الإطاحة به بسهولة، مشيراً إلى أن إيران ما زالت "راسخة" في العراق. وأضاف "لا يمكننا أن نتوقع فائزاً مطلقاً في المنافسة الأميركية الإيرانية في العراق".

عن "الحرة"

للمشاركة:

رحيل محسن إبراهيم رفيق درب ياسر عرفات وكمال جنبلاط

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

رحل الأمين العام السابق لمنظمة العمل الشيوعي، محسن إبراهيم (85 عاماً)، الأربعاء، بعد تجربة سياسية تمتد لأكثر من نصف قرن، اقترن اسمه فيها بالزعيم اللبناني الراحل كمال جنبلاط، ورئيس السلطة الفلسطينية ياسر عرفات.
ونعت منظمة العمل الشيوعي إلى الشعب اللبناني والشعوب العربية أمينها العام، كما نعاه رئيس دولة فلسطين محمود عباس، واصفاً إياه بـ«القائد العربي اللبناني الفلسطيني الكبير محسن إبراهيم».
وقال عباس، في بيان النعي الذي تلاه الناطق باسم الرئاسة، نبيل أبو ردينة: «قضى الفقيد الكبير محسن إبراهيم حياته مدافعاً عن القضايا العربية، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، التي اعتبرها قضيته الأولى، فوقف مواقف مشرفة إلى جانب نضال الشعب الفلسطيني وثورته الوطنية وحقوقه المشروعة».
وتقدم عباس باسمه شخصياً، وباسم القيادة الفلسطينية والشعب الفلسطيني، بخالص المواساة والعزاء للشعب اللبناني الشقيق ولعائلة الفقيد الكبير، سائلاً الله - عزّ وجلّ - أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يسكنه فسيح جناته.
وإبراهيم، المفكر السياسي اليساري، وصفته جريدة «الأنباء الإلكترونية» التابعة لـ«الحزب التقدمي الاشتراكي» بأنه «صانع السياسات، إلى جانب كمال جنبلاط، وعامل الجمع بين القوى»، ذلك أن إبراهيم لعب دوراً في ترتيب أول لقاء بين الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات، في عام 1968. كما كان مساهماً مع كمال جنبلاط في جمع الأحزاب والقوى الوطنية، تحت راية الحركة الوطنية اللبنانية، التي كان الأمين العام لمجلسها السياسي، وذلك خلال فترة الحرب اللبنانية.
وكان لمحسن إبراهيم الدور الأساسي أيضاً في إطلاق «جبهة المقاومة الوطنية اللبنانية» التي صاغ بيانها الشهير مع أمين عام الحزب الشيوعي اللبناني، الراحل جورج حاوي، وأعلناه في 16 سبتمبر (أيلول) 1982 في منزل كمال جنبلاط. وأكمل حياته السياسية رفيقاً لوليد جنبلاط، واستمرت العلاقة بينهما حتى اليوم الأخير من حياته.
ولد إبراهيم في عام 1935 وأسهم منذ شبابه بكل ما يملك من فكر وطاقة قيادية في تشكيل حركة القوميين العرب، وتولى مع رفاق له قيادة فروعها، وخصوصاً فرع لبنان. وخاض غمار تجربة الحرب الأهلية في لبنان، والعمل تحت قيادة الزعيم كمال جنبلاط، في تجربة تأسيس جبهة الأحزاب والشخصيات والقوى الوطنية التقدمية، التي توجت بتشكيل الحركة الوطنية اللبنانية، وصياغة برنامج التغيير السياسي. ومنحه الرئيس محمود عباس في عام 2017 وسام الاستحقاق والتميز «الذهبي».
وقالت منظمة العمل الشيوعي، في بيان أمس، إن «المناضل محسن إبراهيم أحد أهم القادة السياسيين في لبنان على امتداد مراحل طويلة». وأكدت أن المسيرة التي قادها في المنعطفات الخطيرة ستتابعها دون انقطاع.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

نتنياهو لن يسارع إلى الضمّ الفوري

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

في الأسابيع التي أعقبت انتخاب الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، للرئاسة الأميركية كانت هناك فترة للإثارة في الضفة الغربية في تشرين الثاني 2016. في الشوارع التي تؤدي إلى المستوطنات تم تعليق آلاف اللافتات التي كتب عليها شعار «سيادة الآن». ظهر نشطاء مجلس «يشع» في أروقة «ترامب بلازا» في نيويورك في أوساط الجمهور الذي حضر أداء يمين الرئيس للقسم. مقربون مزعومون ومقربون حقيقيون أكدوا بأنه منذ اللحظة التي سيجلس فيها رجلهم في الغرفة البيضوية ويتسلم شيفرة القنابل النووية فان كل شيء سيكون مختلفا.

في كل لقاء طلب زعماء المستوطنين من بنيامين نتنياهو الإسراع، وأن لا يفوت الفرصة التاريخية، وأن يقوم بالضم. سمع نتنياهو وطلب منهم انتظار لقائه الأول مع الرئيس الجديد.
عندما وصل نتنياهو إلى البيت الأبيض في 15 شباط، قال ترامب امورا مستغربة عن الحل المفضل لديه للنزاع مع الفلسطينيين («دولتان، دولة واحدة، ما يتفق عليه الطرفان»). ولكن كان له طلب واحد، «كنت أريد مشاهدتكم وأنتم تكبحون قليلا المستوطنات». وجد المستوطنون صعوبة في كبح الغضب. «نتنياهو خدعنا»، قال أحدهم منتقداً. ولكنهم أدركوا بأنه لن يتحمل مجرد التفكير بأن يديروا سياسة خارجية مستقلة مقابل الإدارة الأميركية. لقد بنى كل تاريخه السياسي حول أسطورة أنه زعيم اليمين الوحيد الذي يمكنه الوقوف في مواجهة الضغط الأميركي. ولم يكن لديهم أي خيار سوى انتظار أن تجري الأمور بوتيرة ترامب ونتنياهو.

وبعد مرور ثلاث سنوات ونصف اقتربت فترة الانتظار من نهايتها. ويمكن أن تصل لحظة حقيقة الضم في بداية الشهر القادم، كما يبدو، لكن نتنياهو كالعادة يبقي المستوطنين مع نصف طموحاتهم في أيديهم. هو يتحدث عن 1 تموز موعدا محظورا تفويته، لكنه لا يفسر كيف ينوي فرض السيادة. لا توجد خريطة ولا توجد صيغة لقانون، ولا يوجد جدول زمني. المستوطنون منقسمون بين الذين يريدون أن يذهب نتنياهو حسب خطة ترامب، الآن وعلى الفور قبل أن يتم غلق نافذة الفرص التاريخية، والذين يخافون من الدولة الفلسطينية في صفقة القرن وتحويل المستوطنات المعزولة إلى جيوب دائمة. ولا ينجح نتنياهو في تهدئتهم بخصوص نواياه، وليس مؤكدا أنه يستطيع ذلك.

من السهل نسيان أن المستوطنين ونتنياهو هم بالفعل حلفاء سياسيون، لكن كانت وما زالت بينهم فجوة كبيرة. ايديولوجية الاستيطان للعودة ووضع اليد على كل ذرة من الأرض المقدسة بوساطة أمر إلهي، تتساوق بالفعل مع رؤيا تجديد وتعزيز سيادة اليهود على الوطن التاريخي لنتنياهو. ولكن هناك بعض النقاط البارزة والأولويات المختلفة.

يعتبر المستوطنون الفلسطينيين في غرب «ارض إسرائيل» العدو الرئيسي والعائق المركزي الذي يجب التغلب عليه بأي طريقة ممكنة. باقي العالم – الدول العربية والمجتمع الدولي – ليس اكثر من عقبة بعيدة يمكن تجاهلها. نتنياهو غير مستعد لأن يعتبر الفلسطينيين عدوا. من ناحيته هم جزء هامشي من تجمع عربي كبير. لا يعتبر النزاع الإسرائيلي – الفلسطيني حدثا بحد ذاته، بل هو جزء من صراع اكبر يجري بين القومية العربية والإسلام الراديكالي الذي يعتبر إسرائيل موقعا متقدما للعالم الغربي، لذلك هو معني بتدميرها. يعارض نتنياهو تقديم تنازلات للفلسطينيين؛ لأن هذا حسب رأيه يضعف الموقف العام لإسرائيل. ولكن الحرب الحقيقية هي أمام عدو عربي وإسلامي أكبر بكثير، يستغل فقط الفلسطينيين.

الفرق في الرؤية يفرض أيضا فجوة اجتماعية. مشروع الاستيطان هو محاولة الصهيونية الدينية لوراثة الطلائعيين العلمانيين للاستيطان العامل، ليس عن طريق الكراهية أو الاغتراب، بل عن طريق الرغبة في مواصلة وتوسيع طريقهم. لا يعتبر نتنياهو نفسه وريثا للذين جاءوا قبله. هو تربى على كراهية «مباي»، كراهية أقوى بكثير من اتباع مناحيم بيغن. رضع نتنياهو من والده «الذي كان يستخف ببيغن المترهل حسب رأيه»، الاشمئزاز من المؤسسة «البلشفية». ومهمة حياته هي تأسيس نخبة قومية جديدة برئاسته.

بالنسبة لنتنياهو، المستوطنون مشبوهون بسبب تأييدهم وتطلعهم إلى أن يشبهوا أبناء الكيبوتسات وأعضاء «مباي»، الذين كانوا ذات يوم. عدد من المستوطنين تم تضليلهم بسبب العدد الكبير من الزعماء المتدينين الذين يحيطون بنتنياهو وبسبب الثناء الذي يغدقه عليهم. ولكنه فعليا يعتبرهم مؤيدين، ولم يعتبرهم في أي يوم شركاء في القيادة. الزعماء القدامى والمجربون من المستوطنين سيتذكرون دائما أنه بالنسبة لنتنياهو «ارض إسرائيل» ليست هدفاً، بل وسيلة.

الفرق الأساسي بين نتنياهو والمستوطنين هو أن مشروعه السياسي مكرس لتخليد تمسكه بالحكم. ومشروع الاستيطان، في المقابل، بدأ عندما كان رئيس الحكومة الثالث، ليفي اشكول، ما زال في الحكم. شاهد المستوطنون عشرة رؤساء حكومة يأتون ويذهبون. وهم ينوون أن يبقوا هنا أيضا بعد نتنياهو. فقد تدبروا الأمر أيضا مع رؤساء حكومة من الوسط – اليسار.

توجد للمستوطنين ذاكرة طويلة. هم لم ينسوا أن رؤساء حكومة من «الليكود»، بيغن وشارون، هما اللذان قاما بتفكيك المستوطنات في سيناء وغزة وشمال الضفة. أيضا لم ينس نتنياهو أن ممثلي المستوطنين في الكنيست اسقطوا حكومتين لليمين – حكومة اسحق شامير في العام 1992 بسبب ذهابه الى مؤتمر مدريد، والحكومة الأولى لنتنياهو في العام 1999 بعد تنازله في اتفاق واي ريفر عن 13 في المئة من أراضي الضفة الغربية للسلطة الفلسطينية.

ومنذ عودته الى الحكم في العام 2009، نجح نتنياهو والفلسطينيون في الحفاظ على التحالف بينهم. رغم أن نتنياهو خضع لضغط براك أوباما وكان هو رئيس الحكومة الاول الذي وافق على تجميد البناء في المستوطنات لفترة معينة. توصل المستوطنون الى استنتاج بأنه خلافا لشارون وبيغن، فان نتنياهو كما يبدو لن يقوم بتفكيك المستوطنات. ولكن بقي الشك موجودا.
«نتنياهو على الاكثر سيقوم بضم مستوطنتين – ثلاث مستوطنات بشكل رمزي»، قال بتشاؤم مؤخرا أحد رؤساء المستوطنين، الذي ما زال يأمل بأكثر من ذلك. وهو محق كما يبدو.

فنتنياهو سيضم جزءاً كبيراً من الضفة الغربية فقط إذا اقتنع بأن هذا الأمر لن يضر بإنجازاته في العقد الأخير – إبعاد القضية الفلسطينية عن جدول الأعمال الدولي وإنشاء تحالف غير رسمي ضد إيران مع الأنظمة في الخليج. لذلك، لا توجد بعد أي خطة عملية للضم، فقط يوجد تاريخ. وهو يحتفظ بجميع الخيارات مفتوحة ويدرك جيدا الثمن الجيوسياسي والاقتصادي الذي يمكن أن يجبيه الضم. وسيتقدم فقط إذا اقتنع بأنه لن يكون ملزما بدفع ثمن باهظ من الإدانات عديمة الاسنان. والمستوطنون يدركون ذلك.

المستوطنين بالمسؤولية عن تفويت الفرصة التاريخية. وهذا سيكون دليلاً آخر على أنه هو فقط الجدير برئاسة معسكر اليمين.

مصدر الترجمة عن العبرية: انشل بابر-"هآرتس"/نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية