"جند الله تخطيطاً" لسعيد حوى..ديمقراطيّة أم وسيلة للوصول إلى سلطة مطلقة؟

2017-12-20

قراءة في كتاب "جند الله تخطيطاً" لسعيد حوى

يولي الدّاعية السّوري، المنتمي لجماعة الإخوان المسلمين، سعيد حوّى، في كتابه ''جند الله، تخطيطاً''، أهمّيةً بالغة، لمسألة التّخطيط الحركي للجماعة، ويعتبر أنّها ''أعظم المهمّات على الإطلاق''، وأنّ التّخطيط يسبق التّنظيم ليأتي بعد ذلك التّنفيذ، وهو يُخرج المسألة، بذلك، من بعدها العفوي، معتبراً أنّ فرض إسلاميّة الدّولة، لا يجب أنْ ينفصل في الأذهان عن مفهوم المعركة والحرب التي لا انتصار فيها من دون استعداد شامل، وكلمةٍ جامعة وأسلوب موحّد. وأنّ ذلك لابدّ أنْ يمرّ عبر إنتاج قواعد تنظيميّة، تلقى القبول والاتّفاق من الجميع، وأنْ يحُلّ الانسجام محلّ ''التناقض'' الذي يَعتبر أنّه سببٌ في إلغاء قوة الإسلام.

الداعية الإخواني سعيد حوى
المبدأ التّنظيمي الذي يؤكّد عليه حوّى، يبدأ بتحديد المجال الضّروري من أجل التحرّك، وهو مجال مفتوح على العالم ولا حدود قطريّة له، ويتحقّق بإيجاد ما يسمّيه ''الهيكل التنظيمي لحركة إسلامية عالمية جامعة''.
ولعلّ دعوة حوّى إلى تنظيم عالمي للإخوان، تتجاوز أوّلاً حصر الإخوان في أتباع حسن البنّا في مصر، وبالتالي التّشريع لهم في بلاد الشّام وغيرها، على اعتبار أنّهم يمثّلون الامتداد التّنظيمي نفسه، كما تتجاوب مع رؤية حسن البنّا الرّامية إلى عدم الاكتفاء بالتحرّك في حدود قطريّة ضيّقة، لذلك فهو يعتبر أنّ تلاميذ البنّا، في كل مكان من العالم، مرشّحون أكثر من غيرهم لأنْ يكونوا النّواة الفطريّة لمتابعة كل الجوانب التي يحتاجها ''التخطيط للإسلام''، ويؤكّد أنّهم منتدبون لهذه المهام أكثر من غيرهم، خاصة بعد سقوط الخلافة العثمانية. 
ويقسّم حوّى، بناءً على ذلك، الإخوانَ إلى مراتب متفاوتتة القيمة، بدءاً بأدناها وانتهاءً بأعلاها؛ من محبّ مستمع، فعامل، فنقيب، فركن، فداعية، إلى أنْ يصل إلى مرتبة الأستاذ، الذي تتجسّد فيه مهمّة القيادة والقدرة على التّخطيط، ويرى حوّى أنّ هذا التّقسيم يكون مرجعاً لكل أجهزة التّنظيم في كل مكان في العالم، وعلى أساسه تتمّ أسلمة كلّ شيء، في كلّ قُطر من الأقطار الإسلامية، والوصول إلى صيغةٍ توجد بها ''جهة مركزيّة للأمّة الإسلاميّة''، ومن ثمّ تحقيق الدّولة الإسلامية الكبرى التي يرى وجوب أنْ تُحكم بالشّريعة، وأنْ يحكمها الإخوان المسلمون.

التناقض والمغالطة في خطاب حوّى لا ينفكّان يتوسّعان ليطالا عمقه وجوهره ولعلّ القارئ يجد نفسه أمام خطاب مخادع

ويَعتبر حوّى، أنّ كلّ ما هو دون ذلك يكون اجتهاداً خاطئاً، حتى وإنْ صدرَ عن مسلمين، وينعته بالشّذوذ والانحراف، وبالتّالي فهو مرفوض عنده، انطلاقاً من اقتناعه بأنّ الحركة الإسلامية الحديثة يجب أنْ تتحمّل مسؤولية تعميق عقائد أهل السنّة، وتتحمّل واجب الدّفاع عن مذاهبهم الفقهيّة والسّلوكيّة، وأنّ الإخوان المسلمين هم وحدهم المنتدبون لحمل لواء ''الفرقة النّاجية من الثّلاث والسّبعين فرقة'' عملاً بما استقرّ عليه إجماع أهل السنّة والجماعة. والإقرارُ بذلك يستطبن، طبَعاً، أنّ الفِرَقَ الأخرى هي مِنَ الفِرق الضّالة الهالكة المبتدعة، وأنّها تستحقّ دخول النّار بسبب ما أحدثته في دين الله من أقوال شنيعة وبدع عظيمة (...) إلى غير ذلك، من أقوال كثيرة تحفل بها كتب التّراث.
كيف يتسنّى لنا أنْ نفهم حينئذ هذا الخطاب، فهو من جهة يدعو إلى كلمة جامعة بين المسلمين على اختلاف مذاهبهم وتنظيماتهم، يكون مركزها الإخوان المسلمون المنتدبون لمهمّة جمع المسلمين... ومن جهة أخرى يؤكّد على أسس عقائد أهل السنّة ومبدأ الفرقة النّاجية، والحال أنّ مبدأ الفرقة النّاجية قائم على التّمييز المذهبي والتّفريق بين المسلمين؟ أليست دولة الإخوان بهذا الشّكل دولة الفرقة الناجية والبقية في النّار؟ فهل يمكن الحديث عن دولة المواطنة بعد هذا !!!

الدّيمقراطية لدى سعيد حوّى تنطلق من كونها مجرّد وسيلة للوصول إلى السّلطة والاستئثار بها

هكذا يخسر حوّى أولى دعامات الثّقة مع القارئ، ويسقط في الفرقيّة، وفي تكفير الآخرين، وفي أحسن الأحوال نعتهم بالضّلال والخطأ، فليست كلمة الإخوان جامعة في الحقيقة بقدر ما هي إقصائيّة، وليست أهدافهم جمع المسلمين بقدر ما هي التّقدّم عليهم وزعامتهم، والهيمنة عليهم بالدّين.
ولعل ذلك يتعمّق في تفكير حوّى بشكل أكثر سوءاً وغرابةً حين يخوض في ترتيبات الحكم وآليّات الوصول إليه، فيرى أن انتخاب رأس السّلطة يكون على شاكلة ما قام به عمر بن الخطاب وهو على فراش الموت من حيث أنه أعطى حق اختيار الخليفة لأعلى طبقة من الصّحابة والتّابعين في عصره، وهؤلاء انتخبوا منهم خليفة مدى الحياة، كما يعتبر أن للأمير تسيير الأمور في حدود الشّريعة وعلى ضوء القواعد المتّفق عليها، وعندئذ لا يُعترض عليه إلاّ في حالة ضرر تراه الأكثريّة، أما في حالة تأرجح المصالح وعدم ثبوت الضّرر فالأصل أن يُطاع؛ لأن ''الرّجل عندما يصل إلى السّلطة يصبح هو وليّ الأمر، ولا يُلزَمُ بإجماع العلماء''. ولا يكتفي حوّى بالتّأكيد على إطلاقيّة مسألة الطّاعة، بل إنّه يعتبر أنّ أي اختلاف مع صاحب السّلطة لا يدعو بالضّرورة إلى معارضته أو الخروج عليه، وإن حصل ذلك فإنّ الأمر في نظره معرّض لفساد كبير.

يرى حوى أنّ الدّيمقراطية في العالم الإسلامي هي أن ينتصر الإسلاميّون بأقرب طريق وأقصره!

إن تصوّر وليّ الأمر حينئذ يوقع حوّى في تناقض آخر عجيب؛ إذ كيف يدعو إلى طاعة صاحب السّلطة طاعة مطلقة ''سواءً كان برّاً أو فاجراً'' ويدعو في المقابل إلى الجهاد ضد أصحاب السّلطة المعاصرين له، معتبرا الجهاد فرض عين على كل مسلم، ومؤكّدا أنّه ''إذا تركت الأمة الإسلامية مبدأ الجهاد فقدت إسلامها شيئا فشيئا''، ومُقرّا بأنّ ظروف الأمّة الإسلاميّة الحاليّة تفرض عليها أن تبلور ''نظريّة في الجهاد''، وبأنّ ''الجهاد هو الوسيلة الأساسيّة في الإسلام لإنهاء فتنة المسلم عن دينه ودرء العدوان وإنهاء الردّة''، ومُشيداً بحركات الجهاد في العالم الإسلامي، وأنّها تخوض ''حروبا عادلة'' ضدّ ظلم الحكّام وأصحاب السّلطة ومن يرى أنّهم يتربّصون بالإسلام ويريدون استئصاله، وينتهي فهم حوّى للجهاد إلى ضرورة دعم ''الجهاد المسلّح'' في بعض الأقطار الإسلامية، ولا يرى حرجاً من قتل المسلم لأخيه المسلم دفاعاً عن الإسلام وإعلاءً لرايته، وأنّ المنتمي إلى تنظيم الإخوان المسلمين عليه ''أن يعتاد على الجندية والقتال في سبيل الله'' كما يعتاد على القيادة، فقد يكون في آن واحد جنديّا مقاتلاً وقائداً...

يشترط حوّى أن يكون الدّستور الذي يسنّه المجلس النّيابي إسلامياً خالصاً في أقطار ذات أقلّيات دينية ومذهبيّة وطائفيّة!

ولكن التناقض والمغالطة في خطاب حوّى لا ينفكّان يتوسّعان ليطالا عمقه وجوهره، ولعلّ القارئ يجد نفسه أمام خطاب مخادع ومُخاتل حين يقرأ موقفه من الدّيمقراطية بعد كل ما ذكره من دعوة إلى تفرّد الإخوان المسلمين على اختلاف تقسيماتهم ومراتبهم بالمجتمع، وتحكّمهم في جميع مفاصله الحيوية، وبعد دعوته إلى ما يناقض الوحدة القُطرية للدّول في سبيل تحقيق تنظيم إسلاميّ عالميّ ذي نواة مركزيّة أشبه بنظام دولة الخلافة تكون الشّريعة عماده والقرآن دستوره، وبعد دعوته إلى بيعة وليّ الأمر وتمكينه من السّلطة مدى الحياة، ودعمه بالطّاعة المطلقة حتّى وإن كان فاسداً، وبعد تلوّن خطابه حول الجهاد بسمة الظّرفية والانتقائية، فإن سعيد حوّى في كتابه هذا يدعو إلى الدّيمقراطية بل ويمتدحها، ويرى أنّها النّظام الأمثل الذي يمكن أن يستوعب عمل الإسلاميين...
كتاب سعيد حوى: جند الله تخطيطاً

فعن أي ديمقراطية يتحدّث حوّى؟
يبدو جليّا أن فهم الدّيمقراطية لدى سعيد حوّى ينطلق من كونها مجرّد وسيلة للوصول إلى السّلطة والاستئثار بها، وأنّها ليست أبداً مساراً سياسياً متكاملاً ولا نهائياً، فهي ''ديمقراطيّة الاستعمال الواحد'' تنتهي بانتهاء الغاية منها، أي بصعود الإسلاميين إلى سدّة الحكم وبقائهم فيه، وإزاحتهم لكلّ مخالف أو معارض لهم، واستناداً إلى ذلك يرى أن الدّيمقراطية في العالم الإسلامي يجب أن يكون مآلها أن ينتصر الإسلاميّون بأقرب طريق وأقصره، هذا الطّريق المختصر يمرّ عبر آلية الانتخاب التي تضمن للإخوان المسلمين حضوراً كثيفاً في السّلطة يوازي حجم حضورهم في المجتمع، لذلك فهو يعتبر أنّ المطالبة بمزيد من الدّيمقراطية هي ''الطّريق العمليّ لانتصار المسلمين على أرض الإسلام''، وينبّه الإخوانَ المسلمين حتى لا يغفلوا عن الإيجابيات التي تقدّمها لهم الدّيمقراطية، على اعتبار أنّه حيثما كانت أكثريّة فهي التي تحكم، ومبادئها هي التي تسود، وحيثما تكون أكثريّة إسلاميّة في قُطر فإنّ مآل ذلك أنْ ينتصر الإخوان، وإذا كانوا أقلّية فإنّ الدّيمقراطية في كثير من الأحوال تكون لصالحهم. وقد ثمّن في بيان ذلك سعيَ حسن البنّا والهضيبي إلى المشاركة في الحياة النّيابية في مصر ووصفهما بالحكيمَين. 

كفّرَ  حوّى من لا يرى قيمةً لأنْ تدخل مادة ''دينُ الدّولة الإسلام'' في الدّستور

الانتخاب يوصل إلى المجالس النّيابية، حيثُ يتّسع المجال باتجاه فرض تسلّط الإخوان ودستورهم، وبالتّالي يخوّل لهم مزيد السّيطرة على المجتمع والتّحكّم في مساحات الحرّية التي لا تتماشى مع مبادئهم، فتنقلب الدّيمقراطية إلى نقيضها، ويتحوّل الدّستور إلى مجرّد آلية خانقة لروح المجتمع؛ فما معنى أن يشترط سعيد حوّى أن يكون الدّستور الذي يسنّه المجلس النّيابي على مقاس إسلاميّ خالص في أقطار ذات أقلّيات دينية ومذهبيّة وطائفيّة؟ ثمّ ما معنى أن يواجِه بالرّفض كلّ نصّ من الدّستور يتناقض مع أحكام الإسلام أو يقيّدها؟ وهل يمكنُ أنْ نُسلّم بأنّ سعيد حوّى الذي وصل به الأمر حدّ تكفير من لا يرى قيمةً لأنْ تدخل مادة ''دينُ الدّولة الإسلام'' في الدّستور، يمكن أنْ يتعايش بشكل سلمي يضمن الحدّ الأدنى من المواطنة، مع ما تفرزه صناديق الاقتراع من قوى سياسية مخالفة في الرّؤى والمناهج أو حتى في المعتقد؟
لا تبدو الإجابة، عن هذه التّساؤلات وغيرها، عسيرةً حتماً على القارئ، خاصّة إذا ما نظرنا إلى موقف حوّى من مسألة الحرّيات، فقد أعلن صراحة عن تعجّبه ممّا يرتبط بالمنطق الدّيمقراطي من ''حرّية شخصيّة فضفاضة'' لا تتماشى مع شخصيّة الإنسان المسلم المنضبط وفق أحكام النّص وقوالب الفقه التي لا تجد أدنى حرج في أنْ تتدخّل في أكثر تفاصيل الإنسان ذاتيّة. بل إنّه لا يرى في ما يدعو إليه أنصار الدّيمقراطية في مجتمع مسلم، من حرّيات نفعاً للإسلام والمسلمين، ويؤكّد أنّ أولئك ''الديمقراطيّين في العالم الإسلامي لا يفهمون الحرّية الشّخصيّة إلاّ في حدود الفساد والإفساد''، ويعتبر أنّ مواقفهم من حرّية المرأة مثلاً، قد أخلّت بشروط الزّوجة الصّالحة التي تكفلها لها تعاليم الإسلام، تلك التّعاليم التي يرى أنّها لا تتعارض مع الحرّية ولكنّها تضبطها.

يعتبر حوّى أنّ حرّية المرأة قد أخلّت بشروط الزّوجة الصّالحة التي تكفلها لها تعاليم الإسلام

وإذا كان من سمات الدّيمقراطية الإخوانيّة الموعودة في خطاب سعيد حوّى، أنّها ترفض الحرّية الغير مقيّدة بضوابط نصّية وفقهية، فلا عجب حينئذ أنْ يكون خطاب الإسلاميّين في مجتمعاتنا الحديثة يعاني من ذات الفصام وانعدام الفهم، لكل ما جاءت به الحداثة في مستوياتها المتعدّدة فكريّاً واجتماعيّاً وسياسيّاً، ما جعلهم يتخبّطون في متاهات لا نهائيّة، قائمة على خلط مفاهيم تراثيّة بأخرى حداثيّة، وخلط مفاهيم إسلاميّة بأخرى غربيّة بشكل انتقائيّ فاضح، لا تستوي معه بعض المفاهيم الكبرى، إلاّ على شكل مسوخ فاقدة للرّوح، فلا معنى لما يطالب به حوّى من حرّية مقيدة في بلاد المسلمين وما يمتدحه في ذات الحين من حرية دينية في ''بلاد الكفّار''، وهو القائل: ''إن الحرّية الدّينية وغيرها التي تتاح للإنسان في بلاد الغرب إذا أحسن استثمارها فإنّها أجود مناخ في العالم لإيجاد التّخطيط الإسلامي المطلوب على كلّ مستوى''. لكأنّ الإسلاميّين في حاجة دائما إلى ما يتوفّر لدى الغرب من مناخ حرّية حتى يقيّدوا مناخ الحرية داخل أوطانهم.

الإسلاميون في حاجة دائما إلى ما يتوفّر لدى الغرب من مناخ حرّية حتى يقيّدوا مناخ الحرية داخل أوطانهم

لا يمكن أنْ نمرّ على ذلك دون أنْ نصفه بالانتهازيّة الواضحة، التي لا تبدو غريبة عن خطاب حوّى في مسائل أخرى كثيرة يعج بها كتابه؛ نذكر من بينها ما يُضمره ويخفيه ولكن خطابه يفضحه، كأن يعتبر مثلاً أن بعض الأنظمة الحاكمة في عصره لا يُطلب معها الجهاد بالسّيف وإنّما الدّعوة الصّالحة والنّصح، اتّقاءً لبطشها به على الأرجح، أو خوفاً من سطوتها على الإسلاميين، أو كأن يؤكّد على أعضاء حركة الإخوان المسلمين أن تكون لهم صداقاتهم بأصحاب الأموال، وأن يعملوا على استمالتهم حتى يتيسّر التّمويل والإنفاق على التّنظيم، فالتخطيط يحتاج إلى الأموال حاجته إلى الرّجال. كما نذكر من بين أدلّة تلك الانتهازية ما يُصّرح به كأنْ يؤكّد على أنّ ''مصلحة الإسلام قد تتفق في لحظة ما مع مصلحة جهة أخرى قد تكون كافرة'' وأنّ على المسلم دائما أنْ ''يشمّ رياح الآخرين''، ويحاول أنْ يستفيد من وجهتها فيما يخدم الإسلام والمسلمين. إنّ هذا المنطق الانتهازي ذاته متواصلٌ لدى حركة الإخوان إلى درجة أنّه يكاد يكون متأصّلا في مناهجهم السّلوكية والتّربوية والسّياسية والدّينية على السّواء بدءاً من لحظة التّأسيس وصولاً إلى ما هم عليه اليوم، مروراً بأجيال عريضة من الرّواد وبتاريخ طويل من الأحداث، ولم يتغيّر في أدبيّاتهم ولا في دعوتهم، ومن خلاله يمكن أنْ نفهم كيف ارتبط الإخوان ببعض الأنظمة السّياسية دون غيرها، وكيف استفادوا من بعض الجهات التي تُغدق عليهم الأموال، والأهم من كلّ ذلك أنّنا يمكن أنْ نفهم استناداً إلى منطق الانتهازية، كيف شرّع الإخوان المسلمون في زمن قريب للتدخّل العسكريّ الغربيّ من أجل إسقاط أنظمة دول مسلمة.
هكذا كانت عودة سعيد حوّى في كتابه ''جند الله، تخطيطاً'' إلى مُناخات الاختلاف الأوّل في التّاريخ الإسلامي ليبني عليها مشروعاً سياسياً إخوانياً متواصلاً مع أفكار حسن البنّا وممجّدا لها، ولم يتطلّب منه الأمر حتى مجرّد المراجعة لما يتضمّنه ذلك من تناقض واختلال ومغالطة، كما لم يرْقَ إلى ذهنه أنّ الدّيمقراطية لا تعني مجرّد الوصول إلى الحكم والبقاء فيه، وأنّها لا يمكن أن تُختزل في مجرّد آليات شكليّة كالانتخاب والمجالس التّشريعية، وأنّ من أوْكدِ شروط الدّيمقراطية والمواطنة الحديثة ألاّ يتميّز طرف عن بقية الأطراف الأخرى بالأحقّية السّياسية المطلقة بناءً على نزعته الدّينية الخاصّة.
لم يكن سعيد حوّى في النّهاية جاهلاً بكل ذلك فحسب، بل ومستثمراً في الأفكار الإقصائيّة نفسها التي غذّت عصوراً من التّطاحن بين المسلمين والتّقاتل على امتلاك السّلطة، وقد سالتْ في سبيل ذلك دماء كثيرة لا تكاد تجفّ إلى يومنا هذا.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين

2019-07-07

يشكل العنف بوجهيه، المادي والرمزي وبأشكاله وصوره المختلفة وجذوره الممتدة في التاريخ، سمة ملازمة وجزءاً بنيويّاً مكوناً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد ليشمل دولاً أخرى غير دوله المعروفة بالتحديد الجغرافي؛ إذ يتغلغل العنف في البنية العميقة لثقافة مجتمعاته، ويطبع نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على الإكراه والعصبية وقوة الشوكة والغلبة بشكل عام، حتى بات يكتسب شرعية سياسية باعتباره الرد الممكن على ضيق أشكال العمل المتوافرة، أو كخيار استراتيجي وإمكانية تُعتبر بشكل ذاتي كما لو أنّها الوحيدة المتوافرة أو المناسبة للخروج من  حال أزمة أو وضعية سيطرة.  لذلك قد يتعذر تفسير العنف في تاريخ الشرق الأوسط "ما لم نضعه قبلاً في علاقة مع الأنظمة السياسية التي ولد فيها، ومع آليات انفتاحها أو انغلاقها وقدرات الدمج والإقصاء فيها".

يشكل العنف بوجهيه المادي والرمزي وجذوره التاريخية سمة ملازمة وجزءاً بنيوياً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير

في سياق الاهتمام بدراسة تاريخ العنف وتفسير مظاهر العنف السياسي والديني المنفلت من كل عقال ومنطق، والذي يشهده عدد من دول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ومايزال يرتبط إلى هذا الحد أو ذاك بما يعرف بالمسألة الشرقية ونتائجها المتداخلة مع حوادث الحاضر، يقدم الباحث والمؤرخ الكردي حميد بوزرسلان، مدير معهد الدراسات للعلوم الاجتماعية في باريس، في كتابه "قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط، من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة" الصادر عن المركز العربي للترجمة 2015 بترجمة هدى مقنص، عرضاً تفصيلياً شاملاً لمحطات تاريخية مفصلية في تاريخ هذه المنطقة الحساسة من العالم.

غلاف الكتاب
كما يقدم تحليلاً موضوعياً لصور العنف المتجلية فيها، معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة ما أو تجسيد سياسي قائم لتعريف العنف كمفهوم، ومنهجية التقطيع التعاقبي الزمني الذي يتيح فهم التشكيلات السياسية المتوالية على النطاق الإقليمي ومعرفة الأطراف الفاعلة المؤثرة فيها لكشف وتحليل كل مرحلة انطلاقاً من الضغوط التي تسيطر عليها، والذاتيات التي تسمها، والأمكنة – الأزمنة التي تحركت فيها تلك الذاتيات وتحولت، فتركت المعاني القديمة مكانها لمعانٍ جديدة حلت محلها، وفرضت نفسها بالقوة أحياناً على مدار قرن من الزمان، مركّزاً في تحليله ورصده على العوامل الذاتية والداخلية أكثر من العوامل الخارجية التي حظيت بالكثير من البحث من قبل، أو أصبحت تتمحور في صورة تبريرية في الغالب حول فكرة  أو "نظرية" المؤامرة؛ فالمؤامرة ،وإن كانت موجودة في التاريخ القديم والحديث، لكن التاريخ ليس تاريخ المؤامرة.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة
يتناول الكتاب بالتفصيل الكاشف ثلاث مراحل مفصلية تعتبر كل منها حقبة تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير، يرصد الباحث خلالها الحوادث والأفعال العنفية وآثارها؛ والشخصيات المؤثرة فيها، ويحلل العوامل البنيوية الداخلية المولدة للعنف وآلية تمفصلها مع العوامل الخارجية. 

يقدم الكتاب تحليلاً موضوعياً لصور العنف معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة أو تجسيد سياسي لتعريف العنف كمفهوم

يغطي الجزء الأول من البحث المساحة الزمنية الواقعة بين عامي 1906 و1979 التي شهدت آثار الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسمها من قبل الدول الغربية الذي أدى بدوره إلى تقسيم الوطن العربي وقيام الانتداب الغربي على الدول العربية، لاسيما في العراق وسوريا وفلسطين، التي ستفتح عهداً جديداً من العنف ما زالت تتواصل حلقاته حتى يومنا هذا.
كانت أنظمة الانتداب، وفق الكتاب، سبباً في قيام "الثورات الكبرى" وانتشار الفكر القومي المتطرف الذي ترجع جذوره التاريخية إلى سلسلة الاحتجاجات والانقلابات الساعية إلى استعادة الإمبراطورية المتهالكة، ومحاولة تحديثها على النمط الغربي "بثورة فرنسية شرقية"، وما تبعها من تصفيات دموية قادت إلى تتويج "لجنة الاتحاد والترقي"، ذات الميول القومية المتشددة والتنظيم شبه العسكري، كلاعب سياسي فاعل بعد أن همّشت قادتها الأوائل وتغلبت على البيروقراطيات المدنية والعسكرية المنافسة، وأدت تشكيلاتها الخاصة بقيادة رجال الظل الدور الأساسي في إبادة الأرمن، و"شكلت الرحم الذي خرجت منه الكثير من التنظيمات ذات المتخيل الثوري على امتداد القرن العشرين، سواء في تركيا أو في المقاطعات العربية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار
ويقابل ذلك لوحة مشابهة في الجانب الفارسي مع انطلاق أعمال الاحتجاج والتمرد والانقلابات في البلاد تحت تأثير ثورة 1905 في روسيا، والتي تتوجت بالحركة "الجنغالية" التي حاولت تأسيس "جمهورية شورى" على غرار الجمهورية السوفيتية و"شكلت ذاكرة ثورية بالنسبة لحركات التمرد التي تلتها، وصار اسمها مرجعاً رمزيا لسلسلة من التنظيمات الثورية فيما بعد".
أما المقاطعات العربية فقد رسمت نهايةُ الحرب العالمية الأولى حدودَها الجديدة وأقدارها أيضاً، فعانت التجمعات السكانية المنفصلة عن السلطنة العثمانية إما من كثرة الدول أو من غيابها، كما في حالتي الكرد والفلسطينيين، ودشنت مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والتشوه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي. فقد ساهمت الحروب عدا عن حصد الأرواح، وإهدار الحياة في تدمير بنية المجتمعات العربية من الداخل و"وحشنتها" "فلم تعد تقدس "القضايا" السياسية والدينية والطائفية التي أُعِيدَ تعريفها من منظار اجتماعي- دارويني فقط، بل تفهمت أيضاً اللجوء إلى الإكراه وإلى العنف كنمط إدارة ومعارضة شرعي".

اقرأ أيضاً: الأردن: هل ينضمّ الإسلاميون إلى الحكومة في التعديل القادم؟
الأمر الذي فتح الباب عريضاً  أمام عسكرة المجتمعات وعسكرة السياسة؛ فتضخمت المؤسسة العسكرية في وقت قصير، وسيطرت على مفاصل الدولة ومقدرات المجتمع باسم التحرير والوحدة والتوحيد القومي أو الإسلامي، وعملت على إقصاء المعارضين وتدميرهم باسم الشعب وتهمة الخيانة، وقد مهدت نكبة فلسطين وهزائم العرب لقيام عدد من الانقلابات العسكرية في الدول العربية كما ساهمت الهزيمة الكبرى في 1967 في إطلاق موجات جديدة من العنف والاغتيالات، وشكلت هذه الحرب نهاية مرحلة المتخيلات الثورية التي ترافقت مع نهوض قومي عربي على امتداد الخمـــسينيات والســتينيات من القرن العشرين، وأفضت إلى بروز معارضات إسلامية راديكالية أكثر عنفاً من سلطات العسكر وأنظمة الاستبداد الشرقي التي حولت الجيوش من حماية الحدود إلى حماية السلطة، وجعلت من الدولة غنيمة حرب وصار الخوف هو أداة الشرعية الأولى.
 نسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية

شرخ سيد قطب
يفتتح حميد بوزرسلان الجزء الثاني من كتابه والذي يغطي سنوات ما بين  1979 و1991 بعنوان مزدوج ذي دلالة "إسلام ثوري وقمع، وشرخ عنوانه سيد قطب" يرصد من خلاله طبيعة المرحلة الجديدة المحكومة بآثار هزيمة حزيران 1967 التي أفضت فعلياً إلى هزيمة اليسار العربي: القومي والماركسي، والليبرالي، وتجويف الأحزاب السياسية واستقرار أنظمة العسكر والحزب الواحد التي أمنت بقائها وأمنها بالإكراه "وتجنيد أدوات القمع العاري الذي يهدف إلى إفهام المجتمع بأنّه مهزوم ولا يملك الوسائل الكفيلة بجعله يرى نفسه في مستقبل مختلف جذرياً".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين
بذلك تحولت الدولة العسكرية إلى دولة أمنية توتاليتارية؛ فأصبح العنف أو استبطان العنف هو الوسيلة الوحيدة الممكن من خلالها تحقيق تأثير في الواقع الصلب، وخلت الساحة السياسية لمعارضات جديدة نشأت في هوامش المجتمعات ذات لون إسلاموي وطابع صدامي مدمر للآخر، كما هو مدمر للذات، تعززت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، والعمل على تصديرها نحو العالمين؛ العربي والإسلامي.

يتناول الكتاب 3 مراحل مفصلية تعتبر حقب تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير

في هذا المناخ تجسدت أفكار سيد قطب ومفاهيم "حاكمية الله" و"جواز الحرب في دار الإسلام" و"جاهلية القرن العشرين" ووجوب مجاهدة الحاكم الجائر.. في تنظيمات حركية "جهادية" كنسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين، جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية؛ فصار الجهاد والتضحية بالنفس "فريضة غائبة" أو ركناً سادساً من أركان الإسلام، والشهادة جزءاً من الحياة وحتى شرطاً لها، وتم الشرخ بين الفكر الإسلامي والفكر الإسلاموي أو بين الدين الديني والدين السياسي، واختلط الخلاص الأرضي أو المستقبل الأرضي بالخلاص الأخروي، وأصبح الجسد الذي صار سلاحاً يستخدم ضد الحشود المجهولة الهوية في غالب الأحيان يمهد للخلاص النهائي، فيما النتائج الحقيقية مذابح وحمّامات دم جديدة على مساحة أوسع من الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: عندما يشلّ الإسلاميون طاقة الدين الروحية ويهدرون مضمونه الأخلاقي
يشكل الجزء الثالث من الكتاب الذي يغطي الفترة الزمنية ما بين بداية التسعينيات من القرن العشرين ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة امتداداً تاريخياً لأحداث الفترة السابقة؛ فتلازمت بداية المرحلة مع نهاية ثلاث حروب استنزفت العالم الإسلامي على مدار عقد من الزمان: انسحاب السوفييت الكامل من إفغانستان، توقف الحرب العراقية الإيرانية، وبرود الحرب اللبنانية وتحولها إلى حالة مراوحة بالمكان بعد تكريس الإرادة السورية وحل الميليشيات وتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان وانفراد ميليشيا واحدة بالاحتفاظ بسلاحها؛ أي حزب الله المكلف جماعياً بتحرير الجنوب الذي احتلته إسرائيل.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون وفكرة "السلف الصالح"
وقد "فتحت نهاية هذه الحروب مضافاً إليها أفق الحل السلمي للمسألة الفلسطينية، بشكل مؤقت، باب الأمل في حدوث تحول سلمي في الشرق الأوسط وموجة من التحولات الديمقراطية ستأتي على أنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي"، وستفتح الباب أمام المشاركة السياسية وتسرّع دمج الإسلامويين باللعبة الديمقراطية وقبولهم بسيادة القانون الوضعي.
لكن ما أفصحت عنه النتائج هو اشتعال أربع حروب جديدة مع مطلع الألفية الثالثة بدل الثلاثة المنتهية، كما بينت أنّ التحول الديمقراطي في الحركات الإسلاموية مجرد وهم، بسبب استمرارية الأنظمة الاستبدادية التي استفادت من الدعم الدولي في محاربة "الإرهاب الإسلاموي" "وكسبت في خانة الفعالية ما خسرته في حانة الشرعية" من أجل البقاء؛ فأجبرت كل فئات الشعب على اتباع قواعد الإلحاق والطاعة التي فُرضت عليها لئلا تتعرض للقمع، وأسكتت كل أصوات المعارضة السياسية، فيما أصبحت الحركات الإسلاموية أكثر تصلباً وتجذراً في منطق المواجهة العنفية وأكثر انعزالاً عن المجتمع.

 

وأكملت حرب الخليج الثانية ودخول الأمريكان إلى العراق؛ ونتائج اتفاقات أوسلو المحبطة؛ وعودة الجهاديين "الأفغان العرب" من أفغانستان، هذا التصلب بإطلاق موجة جديدة من التطرف في أنحاء المنطقة كافة وحتى خارجها، ومهّدت لإطلاق موجات جديدة بأشكال عديدة من العنف من عنف التضحية بالذات إلى العنف ضد المجتمع: كالعنف ضد المدنيين، والعنف اللغوي تجاه الأقليات، والعنف الموجه إلى أجساد النساء، واغتصاب اللغة.

 

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط بقوله "كل شيء يشير إلى أنّنا سنعيش زمناً طويلاً مع الآلام الشرق أوسطية القاتمة"، وإن كانت لا تقطع الأمل بتغير إيجابي أفضل شرط أن نعرف كيف نتجنب الكارثة المدمرة، "فالتعب الاجتماعي الناجم عن إخضاع المجتمعات بالإكراه، وإنهاك الديناميكيات الاجتماعية يجعل السعي إلى البقاء اليومي هو الأفق الوحيد المتاح، وهذا التعب هو الذي ينتج الخضوع وبالتالي بقاء الأنظمة المتسلطة، لكنه يحمل معه ثمناً هو العنف الخفي".
ويؤكد بوزرسلان أنّه ما دامت القوى الدولية والإقليمية القوية والمؤثرة ترفض النظر إلى الحلول الكفيلة بالخروج من حالة عدم الاستقرار، وإقامة سلام حقيقي سيظل هذا الرفض يشكل عاملاً بنيوياً لإعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر فأكثر دموية، إلا أنّ الباحث يخلص في الخاتمة الأخيرة التي كتبها للترجمة العربية إلى "أنّ العامين 2011 و2012 سيتربعان في كتب الحوليات التاريخية بوصفهما التاريخ الرابع الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط"، وأنّ الاحتجاجات الثورية في تونس ومصر ستحمل معها حصتها من المفاجآت سواء أكان في بلدان مختلفة ذات خصوصية أو على النطاق الإقليمي برمّته.

للمشاركة:

والد عمرو خالد.. عن أيّ أيام صعبة يتحدث؟!

2019-07-02

في المذكرات التي كتبها الدكتور محمد حلمي العام 2011 تحت عنوان "أنا وعمرو خالد والأيام الصعبة"؛ يسعى الأب جاهداً لعرض ما عاناه ابنه عمرو خالد، أحد أبرز الدعاة الجدد، من "حصار وابتلاءات"، فإلى أي مدى نجح الكاتب في كبح عواطفه في هذه الشهادة!

اقرأ أيضاً: الداعية عمرو خالد إذ يجعل ارتقاء الروح مرتبطاً بالتهام الفراخ!

يمكن تفهّم مشاعر أب يمدح ابنه طوال الوقت، يجلّه ويقدّره، ويصنع حوله هالة الأبطال، لكن الانسياق لإيحاءات تعرّضه للإقصاء والحصار والعذاب بما يضلل القارئ ويصطدم مع الواقع، فهذا مما يصعب تمريره بسهولة مع شخصية عامة.

بدايات داعية

في الفصل الأول؛ يتحدث الوالد في كتابه، كيف بدأ عمرو دعوته من مسجد نادي الصيد، وهو نادي كبار القوم، وفي ذلك الوقت لم يكن أحد يعرفه سوى الأعضاء، وحين طلب منه رئيس النادي التوقف، يتصور الرجل أنّ ذلك بفعل أمني؛ لأنّ الناس بدأت تلتف حول ابنه، وحتى لو كان ذلك بفعل أوامر مشددة فإنه تصرف طبيعي يأتي في سياق عمليات استقطابية عن طريق المواعظ من عضو كان حتى وقت قريب مقرباً إلى الجماعة.

غلاف الكتاب
بدأ عمرو يعقد ندواته في منازل أعضاء النادي وعلية القوم، وهذا أثار الاستياء بشكل أكبر، حتى طلبته السيدة ياسمين الخيام، المطربة المعتزلة، ابنة الشيخ الحصري، في مسجد بناه والدها بمنطقة العجوزة بالقاهرة، وانتقل منه لمسجد المغفرة، ووفق قول والده؛ فإنّ مواعظ ابنه توقفت بسبب الزحام المروري الذي كان يسببه، حتى دعته ياسمين الخيام مرة أخرى، إلى مسجد الحصري، وفي هذه الأثناء بدأ أول برامجه التلفزيونية بعنوان "نلقى الأحبة"، وبعد عدد من الحلقات، استدعي إلى جهاز أمن الدولة، وهناك قابل رجل أمن كبير، قال له: "يا عمرو، نحن نتابعك منذ فترة طويلة، ولا نلقى منك إلا كلّ خير، فتصرف كما تشاء وافعل ما يحلو لك"!

اقرأ أيضاً: الدعاة الجدد: عندما ترتدي المدرسة الإنجيلية ثوباً إسلامياً
الرجل انتقل من نادي الصيد إلى أكبر مساجد القاهرة، ومنها للفضائيات، ورغم ذلك يقول له رجل الأمن: "تصرّف كما يحلو لك"! فأين إذاً الأيام الصعبة والحصار التي يوحي بها عنوان الكتاب؟!
فجأة، ينتقل والد عمرو خالد، إلى اليوم الأول من شهر تشرين الثاني (نوفمبر) العام 2002، ويدّعي أنّ أحد الضباط الكبار استدعى ابنه، وقال له: "الرجل الكبير طلب ألا تتحدث مرة أخرى"، ويقول إنّ عمرو حدّث والدته بذلك، وبعدها قرّر الذهاب للندن، بسبب نصيحة أحد أصدقائه له.

يقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي

بين مصر وبريطانيا
المهم في هذا الجزء أنّه، كما يقول، نصح ابنه حين قرر الذهاب إلى بريطانيا ألا يتكلم عن مصر بسوء، ثم أشار إلى أنّ الملايين الذين يتابعونه لن يصدقوا أنّه خرج طواعية، وكلمة "طواعية" تؤيد ما ذهبنا إليه من أنّها لم تكن أياماً صعبة؛ بل وفي هذه المرحلة حصل عمرو على شهادة الدكتوراه من جامعة "ويلز"، وتعرّف فيها إلى وزير الخارجية البريطاني، الذي سيصطحبه فيما بعد إلى المسجد الأزهر!

اقرأ أيضاً: هل وصلت رحلة الدعاة الجدد محطتها الأخيرة؟
في سطور تالية؛ يقول والد عمرو خالد إنّه تلقى اتصالاً من ضابط في جهاز أمن الدولة يطلب منه إعطاءه رقم ابنه، ليجعله يعود إلى مصر، كي يمارس عمله ومواعظه بالمساجد أو الفضائيات الدينية، التي كانت منتشرة في هذا الوقت، وهذا الكلام يبدو في منتهى الغرابة؛ إذ كيف يعقل أن يُمنع بأوامر من رأس الدولة "الرجل الكبير"، ثم بعد يومين فقط، وفق قوله، تعود الأمور إلى مجاريها.

المذكرات العاطفية حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك

في الصفحة 25؛ يقول د. محمد حلمي خالد "مرّ عمرو على جماعة التبليغ، ثم على السلفيين، ثم على الإخوان، وانتهى عند الشيخ الغزالي"؛ وكأنّ الشيخ الغزالي لم يكن من الإخوان، وظلّ على علاقة وجدانية معروفة بهم، وإن انفصل عنهم تنظيمياً.
وينتقد جماعة التبليغ، في وجهة نظر ابنه، بأنّهم لا يتجاوزون كتابَين في العبادات، وأما السلفيون فلم يجد عندهم ما يشفي غليله، ولم يُشرْ، من قريب أو بعيد، إن كان وجد عند جماعة الإخوان ما يشفي غليله أم لا؟
يفخر الكاتب بابنه؛ بأنّ العوامل الأساسية، التي أسهمت في تكوينه هي الموهبة والإخلاص ومعرفة مشاكل الشباب، ويقارنه بالشيخين  الغزالي والشعراوي، قائلاً: "استفدت من عمرو، ولا أجد على مدى عمري أنني حصلت فائدة إلا من اثنين هما الغزالي والشعراوي".

اقرأ أيضاً: الدعاة.. مندوبو تسويق يسقطون مجتمعيا واحدا تلو الآخر
وفق المذكرات؛ حين تقدم عمرو للحصول على الإقامة في بريطانيا استعان بصديق عراقي، يعمل رئيساً لقسم الدراسات الإسلامية بجامعة "ويلز"، ورفضوا إعطاءها له؛ لأنّه كان في السعودية في ذلك الوقت، وهي ليست بلد إقامته الرئيسة، وينتقد والده هذا الأمر، ويعدّه حصاراً لابنه، دفعه للإقامة في لبنان، ومنها إلى لندن، التي سيدخل فيها بمرحلة أخرى؛ حيث أعطاه الاتحاد الأوروبي إقامة لمدة عام، ويقول: "لقد طار العصفور من القفص"، على اعتبار أنّه كان مسجوناً بين العرب، والمسألة لا تعدو كونها إجراءات رسمية يمكن أن يواجهها أي مغترب دون تقصّد!

عمرو خالد مع والده

أسطورة الخروج!
يسرف الكتاب في تشويه الوقائع ومجانبة المنطق في أكثر من موضع؛ فيزعم أنّ سبب خروج عمرو خالد من مصر هو أنّ زوجة مسؤول كبير لبست الحجاب بسببه، او ابن الرئيس، الذي لمّح له أطلق لحيته، وأنّ مسؤولاً إعلامياً كبيراً ضغط وطلب من أمير عربي منع حلقاته في قناة "اقرأ" فنجح في ذلك، وبثّ الحلقات في شهر رمضان كان مسجلاً، وليس مباشراً! وهذا أمر شديد الغرابة؛ لأنّ الدولة المصرية لو أرادت منعه بالفعل لنجحت، وكل ما كان عليها عدم السماح له بدخول مدينة الإنتاج الإعلامي حيث كان يسجل فيها حلقاته!

اقرأ أيضاً: عمرو خالد و"الفراخ" الروحانية
وفق قول الكاتب؛ فقد أرسل أحد عناصر الأجهزة الأمنية إشارة لعمرو خالد بأنّه ليس عليه شيء، وأنّه يمكنه العودة لمصر، لكنّه قال له: "لا تعد، يا عمرو، ولو ماتت أمك"، وبعدها زاره أحد الوزراء، والذي كانت تربطه علاقة حميمة بعمرو، ودعاه للعودة، حتى لو ليومين، لزيارة والدته، لكنّه رفض الفكرة.

يطيل الوالد الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقته بالأمريكيين والإخوان

خرج عمرو خالد من بلده العام 2005، وعاد حين تحركت جماعة الإخوان، وحركة "كفاية" ضدّ النظام المصري، وهذا وفق والده، الذي تابع بقوله: "خرج الضابط من كشك الجوازات ليحضن عمرو ويقبله ويرحب به في بلده".
يطيل والد عمرو الحديث عن تحقيقات جرت مع مساعد عمرو حول علاقة عمرو خالد بالأمريكيين والإخوان، وكيف حصل على كلّ هذه الأموال، ودور جمعية صنّاع الحياة التي أسسها في خدمة الجماعة، وعلاقته بالاستخبارات البريطانية.
ويقول: "في عام 2007، خلال الزيارات الخاطفة، استطاع أن يصوّر 30 حلقة من برنامجه "دعوة للتعايش""، ويعقب على ذلك بتعليل غريب بأنهمّ تركوه لأنهم كانوا منشغلين بالتعديلات الدستورية!
يهاجم والد عمرو الفنان عادل إمام؛ لأنّه كان يمدح عمرو خالد سرّاً، ويهاجمه في وسائل الإعلام، كما انتقد السيناريست يوسف معاطي؛ لأنّه جلس مع عمرو وكتب له حلقات برنامجه "مجدّدون"، لكنّه خرج في وسائل الإعلام منكراً لهذه العلاقة.
ويكشف الكاتب أنّ الدكتور محمد يحيى، العضو السابق في جماعة الإخوان من المقربين لعمرو، وأنّ مشروع تفعيل الشباب لمواجهة الفقر والأميّة تلقّى عمرو بسببه، من الوكالة الأمريكية للتنمية واليونيسكو، ملايين الدولارات.
يقابل عمرو خالد محمد البرادعي، ويرفض دعم حملات مرشحي الحزب الوطني، ويحصل على الدكتوراه في عام الثورة المصرية نفسه، ليعود بعدها مرة أخرى لمصر، ويبدأ مرحلة جديدة، وفق والده.
الخلاصة؛ إنّ تلك المذكرات العاطفية، حولت عمرو خالد إلى مصاف القدّيسين، الذين واجهوا الصعوبات، وانتصروا عليها في النهاية، لكن ما بين السطور يشي بخلاف ذلك بكلّ وضوح.

للمشاركة:

هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟

2019-06-24

الإجابة عن سؤال: هل ينجح الإرهاب في تحقيق أهدافه؟ يمكن أن تفسر بعض الديناميكيات الرئيسة لظاهرة الإرهاب، بداية من العلاقات السببية في قلب هذه الظاهرة العالمية (على نحو لماذا يحدث الإرهاب؟ وأين؟ ومتى؟)، إلى مستوياته المختلفة عبر الزمان والمكان؛ (لماذا يستمر ويبقى في فترات محددة وعلى مستويات مختلفة؟)، ثم العملية التي تنتهي بها النشاطات الإرهابية؛ (لماذا تجفّ أو تنتهي، ولا تجفّ، في بعض الأحوال والأوقات؟)، وأنماط الدعم المتعلقة بالإرهاب؛ (لماذا ينخرط بعض الأفراد أكثر من غيرهم في ممارسة الإرهاب؟).

توصلت دراسة جون تورس إلى أنّ الجماعات غير الإرهابية تنجح أكثر من الإرهابية في تحقيق أهدافها أو بعض أهدافها

للإجابة عن مجموعة الأسئلة أعلاه، يناقش المؤرّخ وأستاذ العلوم السياسية في جامعة كوينز في بلفاست- أيرلندا الشمالية، ريتشارد إنجليش، في كتابه "هل ينجح الإرهاب.. عرض تاريخي"، 2016، الجوانب المختلفة لهذا السؤال، بطريقة تاريخية تحليلية ومفاهيمية مبدعة، اعتماداً على دراسات حالة متنوعة، ومستعيناً بخبرته الكبيرة بدراسة الحركات القومية المتطرفة، وتجربة الإرهاب في أيرلندا الشمالية، التي تعدّ من أهم وأثرى تجارب الإرهاب ومكافحة الإرهاب في العصر الحديث، خاصة تجربة "إرهاب الجيش الجمهوري الأيرلندي"، التي تبنّي أساليبها الإرهابية من قبل كافة الجماعات والمنظمات الإرهابية في العالم، خاصة أسلوب تفجير المباني والمركبات بعد (التفخيخ).

اقرأ أيضاً: عودة الإرهابيين من سوريا.. كيف سيتعامل الأردن مع هذا الملف؟
هذا العنوان الشامل للإرهاب، الذي وضعه إنجليش، لم يدّعِ القدرة على الإجابة عن السؤال، لكنّه، بالتأكيد، يشكّل مساهمة ممتعة لكلّ باحث في ظاهرة الإرهاب والجدل حول هذه الظاهرة المعولمة.
غلاف الكتاب

يبدأ إنجليش دراسته ببناء إطارٍ مفاهيمي عميق، قائم على 4 نتائج للإرهاب، وهي:
1- النصر الإستراتيجي؛ من حيث تحقيق الجماعات الإرهابية لهدفها (أهدافها) الأولية.
2- النصر الإستراتيجي الجزئي؛ كتأخير حدوث الهزيمة.
3- النجاح التكتيكي؛ كالنجاح العملياتي، أو الحصول على الجماهيرية.
4- المكاسب الملازمة للصراع؛ مثل تحقيق المكانة والهيبة والنفوذ.

هذا وقد قام إنجليش بتطبيق هذا الإطار المفاهيمي، كدراسة حالة، بشكلٍ رئيس على تجارب تنظيمات: القاعدة، الجيش الجمهوري الأيرلندي، حماس، وإيتا الباسكية، وبدرجة أقلّ من البحث على جماعات أخرى، مثل: حزب الله، المؤتمر الإفريقي في جنوب إفريقيا، نمور التاميل-إيلام السيريلانكية، بادر ماينهوف الألمانية، ولشكر طيبة الباكستانية، وغيرها من الجماعات، لفحص كفاءة نشاطها.

اقرأ أيضاً: عام ٢٠١٩ الطويل!

وبناءً عليه؛ قام بتقسيم الكتاب إلى 4 فصول، هي على الترتيب: الإرهاب الجهادي: حالة تنظيم القاعدة، أيرلندا والجيش الجمهوري المؤقت، والإرهاب الباسكي، منظمة إيتا، والدولة في إسبانيا. ثم قام بتطبيق إطاره المفاهيمي الرباعي على كلّ جماعة على حدة، من خلال تقرير متابعة خاص، ثم قام بوضع النتائج عن مجموع الحالات في فصل خامس.

ريتشارد انجليش
النتيجة المهمة، ضمن العديد من النتائج التي توصل إليها إنجليش؛ هي حقيقة أنّ جميع هذه الجماعات والمنظمات الإرهابية، تسببت بالكثير من الخسائر والمعاناة البشرية، ومع ذلك فإنّها جمعيها لم تحقق أياً من أهدافها المركزية.
زيادة على ذلك؛ فإنّه على العكس من الثقة التي كثيراً ما يحاول الإرهابيون إثباتها بفوائد استخدام العنف، فإنّ الكثير من المستقبل السياسي الذي حاولوا صناعته والتعجيل بحصوله لا يستحق الاحتفال به كما يحاولون.
يعترف إنجليش؛ بأنّ الإجابة عن سؤال: هل ينجح الإرهاب؟ ليست سهلة، نظراً إلى تعقيد ظاهرة الإرهاب نفسه، وأنّ بعض الناس يقع في صراع ولا يجرؤ حتى على طرح مثل هذا السؤال.

اقرأ أيضاً: خطر الإرهاب وعودة المقاتلين الأجانب يتصدر المشهد.. كيف يمكن مواجهته؟
ولقد ساعد أسلوبه النقدي التاريخي والفلسفي، وإطاره المفاهيمي الواضح، وتوثيقه الشامل للأحداث، في إثارة جملة من الأفكار، وفي تجنبه الوقوع في فخ الجدل والهجوم النقدي من قبل الآخرين الذي يميز الكتابة في هذا الحقل من العلوم الإنسانية.
إنّ مناقشة فكرة؛ هل تنجح الجماعات الإرهابية في تحقيق أهدافها؟ ليست جديدة، فهناك الكثير من الدراسات والأبحاث النوعية والكمية حول هذه الفكرة، وجمعيها خلُصت إلى النتيجة نفسها التي توصّل إليها إنجليش، لا بل إنّ هناك بعض الدراسات الكمية مثل دراسة البرفسور جون تورس (John A. Tures) December 19, 2018,) التي قارنت بين 90 جماعة مقسمة إلى جماعات إرهابية، وأخرى غير إرهابية.

وتوصلت الدراسة إلى أنّ الجماعات والمنظمات غير الإرهابية تنجح أكثر من الإرهابية في تحقيق أهدافها أو بعض أهدافها؛ حيث تبيّن من خلال الدراسة الكمّية؛ أنّ 6 جماعات إرهابية من أصل 45 جماعة، حققت أهدافها السياسية، بينما حققت 26 جماعة غير إرهابية، من أصل 45 جماعة، أهدافها السياسية.

القضية الرئيسة في كتاب إنجليش هي تأكيده على أنّ الحلول العسكرية المبالغ فيها تؤدي إلى خلق المزيد من الإرهاب

وعلى العموم؛ فإنّ الذين يحاججون بأنّ الإرهاب، يمكن، أن ينجح في تحقيق أهدافه السياسية، هم غالباً يشيرون إلى مثال نجاح الجماعات الإرهابية الصهيونية، الأرغون وشترن، في إقامة دولة إسرائيل، من خلال الإرهاب الذي مارسه مناحيم بيغن، وإسحق شامير، في بداية تشكيل دولة إسرائيل، والمؤتمر الإفريقي في جنوب إفريقيا، الذي أوصل نلسون مانديلا للحكم، ومثال حزب الله اللبناني في جنوب لبنان، خاصة في حربه مع إسرائيل.
مع أنّ الدراسة العميقة لهذه الأمثلة يمكن أن تميط اللثام عن حقيقة أنّه؛ سواء في إسرائيل أو جنوب إفريقيا، لم تنجح هذه الجماعات إلا عندما تخلّت عن العنف والإرهاب، وانخرطت في العملية السياسية السلمية.
في النهاية؛ لقد حظي كتاب إنجليش بنقدٍ إيجابي واسع من الجهات المهتمة بأدبيات الإرهاب ومكافحته، لكنّني أعتقد أنّ القضية الرئيسة المهمة في الكتاب، هي تأكيده على أنّ الحلول العسكرية المبالغ فيها تؤدي إلى خلق المزيد من الإرهاب.
ولا يحتاج المرء إلى كثير من التحليل ليكتشف أنّ إنجليش بهذا التحليل يعارض المقاربات العسكرية-الأمنية، السائدة حالياً في كلّ دول العالم لمكافحة الإرهاب.

للمشاركة:



"دير شبيغل": الخليفي يواجه اتهامات جديدة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

كشفت مجلة "دير شبيغل" الألمانية ؛ أنّ المالك القطري لنادي باريس سان جيرمان الفرنسي، ناصر الخليفي، "ضلّل المحققين، وانتهك قواعد انتقال اللاعبين".

ووفق الوثائق التي نشرتها المجلة؛ فإنّ الخليفي "أرسل خطاباً لمسؤول قطري كبير، يطلب فيه دفع ٢ مليون يورو لوكيل اللاعب الأرجنتيني خافيير باستوري، الذي انتقل للنادي الفرنسي في صفقة قيمتها ٤٠ مليون يورو، عام ٢٠١١".

وطلب الخليفي أيضاً، بحسب المصدر ذاته، ٢٠٠ ألف دولار تحت بند "نفقات" لشركة قطرية خاصة "Oryx QSI" يديرها شقيق الخليفي.

مجلة "دير شبيغل" الألمانية تكشف بالوثائق انتهاك ناصر الخليفي قواعد انتقال اللاعبين

وتحظر قواعد انتقال اللاعبين دفع رؤساء الأندية أيّة مبالغ مالية لوكلاء اللاعبين، وتنصّ هذه القواعد التي وضعها الاتحاد الدولي لكرة القدم "فيفا"، على أن يدفع مستحقات الوسيط، اللاعب الذي وكّله، أو النادي الذي وكّله فقط.

وأكّد الاتحاد الفرنسي لكرة القدم لـ "دير شبيغل"؛ أنّ ما يتضمّنه خطاب الخليفي للمسؤول القطري، يعدّ مخالفة واضحة لقوانينه وقوانين الاتحاد الدولي".

الخطاب المكتوب باللغة العربية يكشف أيضاً؛ أنّ الخليفي ضلل المحققين الفرنسيين حينما قال، في تحقيق خضع له مؤخراً: إنّه لا يملك سلطة التوقيع على أيّة أوراق رسمية تخص شركة "Oryx QSI"  القطرية، وإنه لم يكن يستطيع طلب، أو صرف، أيّة أموال من الشركة عام ٢٠١١.

وعلقت "دير شبيغل" قائلة: "هذه الاتهامات تعزز الاتهامات التي تطول الخليفي".

ولفتت إلى أنّ "الاتهامات الموجهة للخليفي سيكون لها جانب سياسي؛ لأنها ستقوض المشروع السياسي الذي تستثمر فيه قطر منذ أعوام طويلة، ويهدف لتحسين صورتها دولياً عبر الاستثمار في كرة القدم".

ويواجه الخليفي اتهامات كثيرة بالرشوة، تتعلق باستضافة الدوحة لبطولات رياضية دولية، كأولمبياد 2016 و2020، وكأس العالم لألعاب القوى.

 

 

للمشاركة:

الجيش اليمني يدكّ معاقل الحوثيين في صعدة وحجة.. آخر انتصاراته‎

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

أحرزت قوات الجيش اليمني انتصارات واسعة في معقل ميليشيا الحوثي الإرهابية، بمحافظتي صعدة وحجة.

ففي محافظة صعدة؛ تمكّنت قوات الجيش الوطني، وبإسناد التحالف العربي، من إحراز تقدم ميداني جديد في جبهة "الصفراء"، وفق ما نقلت وكالات أنباء يمنية.

قوات الجيش اليمني تحرز انتصارات واسعة في معقل ميليشيا الحوثي الإرهابية بصعدة وحجة

وقالت مصادر عسكرية: إنّ "قوات المهام الخاصة في "لواء حرب" نفذت عملية مباغتة ضدّ مواقع عناصر الميليشيا الانقلابية بالصفراء، سيطرت خلالها على سلسلة تباب "مكحلات"، وتبة "راكان"، وجبل "نواف" الإستراتيجي، في اتجاه وادي "الأشر"".

وتكبّدت الميليشيا الحوثية خسائر فادحة في العتاد والأرواح، فيما تمّ اغتنام عدد من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة التي خلّفها الانقلابيون قبل فرارهم.

 وفي محافظة حجة؛ حققت قوات الجيش الوطني اليمني تقدماً بمحور حرض، وذلك بعد هجوم مباغت على مواقع تمركز ميليشيا الحوثي الانقلابية.

وأسفرت المعارك التي تمت مساندتها بعدد من الغارات الجوية عن مقتل وإصابة عدد من الحوثيين، بينهم قيادات ميدانية.

من ناحية أخرى، نجحت الدفاعات الجوية لقوات الجيش اليمني في إسقاط طائرة مسيَّرة لميليشيا الحوثي الانقلابية في مدينة مأرب، عاصمة المحافظة، الواقعة شرق البلاد.

الدفاعات الجوية اليمنية تسقط طائرة مسيرة لميليشيا الحوثي في مأرب كانت محملة بالمتفجرات

وقالت مصادر عسكرية؛ إنّ الطائرة التي تحمل متفجرات كانت تستهدف مواقع الجيش الوطني اليمني.

إلى ذلك، تصدّر تثبيت وقف إطلاق النار وتصحيح المرحلة الأولى من إعادة الانتشار، اجتماعات اليوم الأول للجنة الحديدة اليمنية، برئاسة الجنرال الدنماركي، مايكل لوليسجارد، وفق ما أورد موقع "العين" الإخبارية.

وفي الاجتماع الذي بدأ أمس، تحدث الفريق الحكومي في لجنة إعادة الانتشار الخروقات الحوثية المتصاعدة منذ سريان وقف إطلاق النار، وأكّد ضرورة إيجاد آلية فاعلة لذلك.

الاجتماع الثلاثي، الذي عُقد بعد تخلف أعضاء مليشيا الحوثي في لجنة الحديدة لأكثر من 4 ساعات عن توقيته، ناقش آلية تثبيت وقف إطلاق النار.

واستعرض فريق الحكومة خلال الاجتماع الأعمال العسكرية الحوثية، وعملية إطلاق الصواريخ والمقذوفات على البلدات المحررة وضدّ سكانها الأبرياء، والتي أسفرت عن سقوط ضحايا مدنيين، بينهم نساء وأطفال، مستنداً إلى الأدلة والشهادات.

فريق الحكومة في اجتماع لجنة الحديدة يستعرض جرائم الحوثيين الإرهابيين واستهدافهم  للأبرياء

وشدّد فريق الحكومة على ضرورة فتح معابر الحديدة أمام المساعدات الإغاثية، ولعقد اللقاءات المشتركة داخل مدينة الحديدة، وفق النصوص التي تمّ الاتفاق عليها في السويد.

كما ناقش الاجتماع خطوات تنفيذ المرحلة الثانية والانسحاب من مدينة الحديدة، وإنهاء المظاهر المسلحة، وتطرق إلى هوية القوات المحلية، التي ستتولى مهام التأمين في المدينة والموانئ الثلاثة.

ومن المقرر أن يستمر 48 ساعة قبالة ميناء الحديدة، في سفينة يستأجرها برنامج الغذاء العالمي، ترسو على بعد 30 كيلومتراً من المياه الإقليمية اليمنية.

 

 

للمشاركة:

أمريكي يشنّ هجوماً مسلحاً على مركز لاحتجاز المهاجرين.. تعرف إليه (فيديو)

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

أعلنت الشرطة الأمريكية مقتل رجل مسلح شنّ هجوماً، أمس، على مركز لاحتجاز مهاجرين في واشنطن.

المسلّح ألقى عبوات حارقة على المبنى وسيارات مركونة في موقف المركز قبل أن يقتله رجال الشرطة

وقالت السلطات الأمريكية: إنّ "رجلاً يبلغ 69 عاماً من العمر ألقى عبوات حارقة على المبنى وسيارات مركونة في موقف المركز، قبل أن يفتح عناصر الشرطة النار عليه"، بحسب ما نقلته "أسوشييتد برس" عن مسؤول في الشرطة الأمريكية.

وقالت شرطة تاكوما، في بيان أصدرته فور وقع الحادثة: إنّ "أحد الموظفين في مركز اعتقال "نورث وست في تاكوما" ذكر أنّ النار اشتعلت في مركبة، وأضاف أنّ المشتبه فيه كان يحاول كذلك إشعال النار في مستودع ضخم لمادة البروبين خارج المركز".

وأطلق أربعة ضباط النار على الرجل لدى وصولهم، وأعلنوا وفاته في الموقع، وكشفت هويته في وقت لاحق، ليتبين أنّه رجل في 69 من العمر، واسمه ويليم فان سبرونسن.

ومركز اعتقال "نورث وست" تديره مجموعة "جي إي أو" نيابة عن إدارة الهجرة والجمارك الأمريكية، ويعدّ رابع أكبر مركز لاحتجاز المهاجرين في الولايات المتحدة.

المسلح من أتباع عقيدة اللاسلطوية (أناركية) وكان يعتقد أنّ الهجوم سيطلق شرارة نزاع قاتل

وقالت متحدثة باسم الشرطة لوكالة "رويترز"؛ إنّها فتحت تحقيقاً مع مكتب التحقيقات الفدرالي وأجهزة أمنية أخرى، للتأكد من دوافع الرجل، وأضافت أنّ التقرير الطبي الخاص به من المتوقع أن يصدر اليوم.

غير أنّ صديقة للرجل قالت لصحيفة "التايمز"؛ إنّها تلقت مع مجموعة من الأصدقاء رسالة وداع منه، مضيفة أنّه كان من أتباع عقيدة اللاسلطوية (أناركية)، وأنّه كان "يعتقد أنّ الهجوم على المركز سيطلق شرارة نزاع قاتل".

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية