ناشطة تونسية تدعو إلى مناهضة الذكورية المهيمنة على الخطاب الديني

8316
عدد القراءات

2018-10-30

أجرى الحوار: سامح إسماعيل


أثار النقاش حول حزمة التعديلات المتعلقة بحقوق المرأة في قانون الأحوال الشخصية بتونس جدلاً كبيراً، وأثار نوبة من الغضب لدى التيارات والمؤسسات الدينية، التي تحفّظت عليه، باعتباره يمثّل انتهاكاً صريحاً للنص الديني، بينما انبرى المؤيدون للدفاع عن الحراك المدني التونسي، باعتباره خطوة حتمية في طريق القضاء على كلّ أشكال التمييز.

"حفريات" حاورت في هذا الشأن الباحثة والناشطة التونسية بمجال حقوق المرأة، الدكتورة هاجر المنصوري التي دعت إلى الثورة "الحقوقية" ضدّ ترسانة الذهنية التراثية الذكورية التي تفرض هيمنتها على الخطاب الديني، فهماً وتأويلاً.

اقرأ أيضاً: النساء بين تطور القانون في تونس والارتهان للنص في مصر

والمنصوري أستاذة في الدراسات الحضارية، وتشتغل بتحليل الخطاب حول المرأة، وحاصلة على شهادة الدّراسات المعمّقة في البحث في اللّغة والآداب العربيّة تخصّص حضارة، كلّيّة الآداب والفنون والإنسانيّات منّوبة، لها عدة دراسات من بينها: "المرأة والإمامة في الخطاب الإمامي المعاصر"، و"الصدّيقة وبنت الصدّيق في كتب مناقب الحديث: الصّحيحين نموذجاً"، و"الجدل حول الجندر في الخطاب العربي الإسلامي، المرجعيّات والآفاق".

هنا نص الحوار:

سبقت مجلة الأحوال الشخصيّة في تونس مثيلاتها في العالم العربي؛ من حيث استيعابها لقضية الحقوق والمساواة بين الرجل والمرأة، فهل كان ذلك بفضل جهود الحبيب بورقيبة وحده، أم أنّ المجتمع التونسي كان أكثر قدرة على استيعاب مفاهيم الحداثة؟

تنحدر مجلّة الأحوال الشخصيّة في كلّ بلدان العالم العربي من قانون حقوق العائلة، الذي صاغه العثمانيون في بداية القرن التاسع عشر، ولم يدوّنوه إلّا عام 1917، وأخذ هذا القانون يشهد تطوّراً في إطار موازنته بين الفقه الإسلامي للأحوال الشخصيّة، والمنحى التجديدي في الخطاب الدّيني، الذي بدأ يظهر في العالم الإسلامي، في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ويسعى إلى مراعاة المتغيّرات الاجتماعية والاقتصادية من جهة، ومتطلبات الحداثة من جهة أخرى.

وتعدّ تونس من البلدان العربيّة الأولى التي أصدرت مجلّة أحوالها الشخصيّة، التي تعد أوّل ما نطقت به الدّولة الوطنيّة إثر استقلالها، ودعا إلى صياغتها، آنذاك، رئيس الوزراء الحبيب بورقيبة، وشكل في إنجازها لجنة يشرف عليها مفتي الديار التونسية، وتضمّ خيرة الباحثين والمحامين، وثلّة من شيوخ جامع الزيتونة وأبنائه، ومن بينهم؛ الإمام محمّد الطاهر بن عاشور، صاحب "التحرير والتنوير في تفسير القرآن".

التنوير يجب ألّا يكون خياراً نخبوياً أو حزبياً أو جمعياتياً؛ بل عليه أن يطال القاعدة الشعبية في تونس

ورغم أنّ غالبيّة البلدان العربيّة الإسلاميّة تعاملت بالمقاربات نفسها في تبنّي قانون الأحوال الشخصيّة، المستمدّ من الفقه الإسلامي؛ فإنّ تونس كانت مجدّدة فيما نصّت عليه مجلّتها من قوانين في شؤون الأسرة والعلاقة بين أفرادها، وعدّت من أكثر مشروعات القوانين في العالم الإسلامي تحرّراً من قيود التقاليد والأعراف الاجتماعية، ومواكبة لمكتسبات الحداثة، التي انخرط فيها المجتمع التونسي ذاته مند القرن التّاسع عشر؛ إذ تضمّنت المجلة أحكاماً عزّزت بها مكانة المرأة التونسية، بأن ضبطت الحدّ الأدنى للزواج بـ17 عاماً للفتاة، و20 عاماً للفتى، ومنعت إكراه الفتاة على الزواج، وألغت الزواج العرفيّ، وفرضت الصيغة الرسمية للزواج، ومنعت تعدّد الزوجات، وأقرّت معاقبة كلّ من يخترق هذا المنع، وأقرّت المساواة الكاملة بين الزوجين في كلّ ما يتعلق بأسباب الطلاق وإجراءاته وآثاره، ووضعت، إضافة إلى ذلك، إجراءات قضائيّة: للنفقة، والحضانة، والنسب، والإرث، إلى جانب أحكام أخرى تعزز مكانة المرأة.

لكن، لا يمكن لمجلّة في الأحوال الشخصيّة بهذا الحجم من التجديد إلا أن تنتج عن حراك إصلاحي يعكس ما يعتمل في المجتمع من تطوّرات هيكلية، فما هي أبرز المستويات التي توزع عليها هذا الحراك الإصلاحي؟

يمكن أن نوزّع هذا الحراك على ثلاثة مستويات: أوّلها؛ مستوى الإصلاح الاجتماعي النّسوي؛ وفيه حفرت الذاكرة التونسية منذ عشرينات القرن الماضي، اسمَي المناضلتين "المنوبية الورتاني" و"حبيبة المنشاري"؛ اللّتين شاركتا في المقاومة الوطنيّة، ونادتا بخروج المرأة وتحريرها، وحتّى نزع " حجابها"، وفي هذا المستوى بدأت تونس تشهد انخراط النساء في الحياة العامة، وبداية المسيرة نحو العمل النقابي والنضالي ضدّ المستعمر، فكانت شريفة المسعدي ممن تصدّرن العمل النقابي بامتياز، وقد وقع انتخابها في الهيئة المديرة لاتحاد الشغل، عام 1948، وبشيرة بن مراد التي كوّنت أوّل جمعيّة نسائيّة عام 1936، وتوحيدة فرحات التي أشرفت على نادي الفتاة التونسية عام 1954، وغيرهنّ من النساء اللّواتي آثرن الفعل في الحراك المجتمعي، على أن يلتزمن الصمت في خدورهنّ.

بشيرة بن مراد أسست أوّل جمعيّة نسائيّة تونسية عام 1936

وثانيها؛ مستوى الإصلاح الثّقافي؛ ونذكر في هذا الصّدد أهمية العمل التنظيريّ الذي قام به المجدّد الزيتوني، الطاهر الحداد، الذي تأثّر ببعض رؤى عصره التقدميّة، في مؤلّفه "امرأتنا في الشريعة والمجتمع"، الصّادر عام 1930، وفيه رأى أنّ "المرأة نصف الإنسان، وشطر الأمّة نوعاً وعدداً وقوّة في الإنتاج من عامّة وجوهه"، وطرح مسائل تتّصل بوضع المرأة في المجتمع، مطالباً باحترام حقّها في اختيار شريك حياتها، وفي طلب الطلاق والمشاركة في الحياة العامة، كما طالب بتجاوز قاعدة "وللذكر مثل حظّ الانثيين" وأقرّ مبدأ المساواة، تماشياً مع سنّة التطور وروح الشّرع ومقاصده. 

اقرأ أيضاً: المساواة في الميراث بتونس جدل ديني على تخوم الصراع السياسي

وثالثها؛ مستوى الإصلاح السياسي؛ وهو يرتبط بشخصيّة الوزير الأوّل آنذاك الحبيب بورقيبة، الذي استفاد من الوضع الاجتماعي والثّقافي، فسعى إلى إدراج تونس وشعبها ضمن تيار الحداثة؛ بالعمل على تجديد الخطاب الدّيني، والرفع من حدود التمكين النسائي فيه، مستلهماً في ذلك نفس الطّاهر الحدّاد التجديدي.

ولا يخلو القرار السياسي بإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة في العام نفسه الذي استقلّت فيه البلاد التونسيّة من دلالات رمزيّة بالنسبة إلى المرأة التونسيّة، وذلك حتى ترتبط نساء تونس جميعهنّ بتحرير تونس من هيمنة الاستعمار الفرنسي، وتحريرهنّ من هيمنة السلطة الذكوريّة عليها وعلى نمط العلاقات الاجتماعيّة القائمة بين الجنسين في تونس.

وكيف تمكّن هذا الحراك من إسكات الأصوات المعارضة من التيار الأصولي آنذاك؟

تجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أنّ جزءاً من الساحة الدينية آنذاك؛ رأى أنّ المجلة تنتهك الشريعة الإسلامية، وقد أرسل حينها بورقيبة لهم رسالة قال فيها: أنا مسلم مثلكم، أحترم هذا الدّين الذي قدّمت له كل شيء، حتى ولو كان ذلك فقط من خلال إنقاذ أرض الإسلام من الإذلال الاستعماري، لكن بحكم واجباتي ومسؤولياتي، أنا مؤهّل لتفسير القانون الديني.

وأكاد أجزم أنّ هذه المجلّة لئن كانت نتاج حراك اجتماعي، نسوي وثقافي مميّز في المنطقة العربيّة آنذاك، فإنّه ما كان ليفرض بعدها الإجرائي، لولا الإرادة السياسيّة القويّة للرّئيس بورقيبة، الذي أوجب تشريعاتها على الجميع، ودفع بالمجتمع دفعاً إلى سبل التحديث أمام تحديات وطنيّة ودوليّة كبرى تنتظر المجتمع التونسي حتّى يحقّق نهضته الحقيقيّة.

وما هي الأرضية التي تمكنت من خلالها الهيئات الحقوقية من الضغط على صانع القرار، في سبيل تطوير القوانين المتعلقة بحقوق المرأة، فيما يتعلق بالمساواة في الإرث وغيرها من التشريعات، وهو ما يعني تحقيق قفزة نوعية أثارت حالة من الجدل داخل وخارج تونس؟

تشهد تونس الآن جدلاً حول قانون المساواة في الإرث، وغيره من التشريعات المنصفة للمرأة، وهو جدل شبيه بما عرفته عند إصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة، فالمجتمع المدني، بمنظماته النسائيّة وهيئاته الحقوقيّة، ما انفكّ يطالب بضرورة إقرار المساواة التامة بين المواطنين والمواطنات أمام القانون، وهو ما دفع بالحكومة التونسيّة إلى توقيع اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ المرأة "سيداو"، وإن تحفّظت حينها على بعض المواد المتّصلة بحقوق المرأة في العائلة، لكنّها -عام 2011- رفعت جميع هذه التحفّظات، معترفة بـأنّ المرأة والرجل شريكان متساويان في  فرص تمكينهما من جميع مجالات الحياة.

اقرأ أيضاً: جذور مكتسبات المرأة التونسية تعود لعصر مبكّر من التاريخ الإسلامي

ومن أجل التفعيل القانوني للقضاء على كافة أشكال التمييز ضدّ النساء، تصاعدت وتيرة الحراك المجتمعي والنّسوي في تونس؛ فخرجت في 10 آذار (مارس) 2017 إلى البرلمان التونسي مسيرة حاشدة مباشرة، بعد يومين من اليوم العالمي للمرأة، دفعت بالسلطة السياسيّة آنذاك، إلى تبنّي جميع مطالب التّمكين النسائي، في 13 آذار (مارس) 2017، وهو تاريخ عيد المرأة التونسيّة، والاحتفال بتاريخ إصدار مجلّة الأحوال الشخصية، فأمر الرئيس بتشكيل لجنة تتولى إعداد تقرير حول الإصلاحات المرتبطة بالمساواة والحريات الفردية، استناداً إلى مقتضيات دستور (27)، كانون الثاني (يناير) 2014، والمعايير الدولية لحقوق الإنسان.

هناك أحزاب تونسية ترفض الحراك التنويري لدواع سياسية واجتماعية

وكيف كان موقف التيار الإسلامي من تلك المقترحات؟

منذ أن شرعت اللجنة في صياغة تقريرها، وحتى الانتهاء منه، تعالت أصوات عديدة من شرائح جنسية وعمرية مختلفة، واختصاصات متنوعة، وانتماءات اجتماعية وسياسية متفرقة، تقدّم موقفها من هذا التقرير، بما في ذلك الجزء المتّصل منه برفع كلّ أشكال التمييز ضدّ النساء في الإرث، وأمام تعدّد الآراء بين مؤيّد له في كليته، ورافض له في مجموعه، أو في جزء منه، التفّ التيار الإسلامي بمختلف طوائفه الحزبية والمؤسساتية، ومن يمثلونه فكراً وتوجهاً، حول رفض التقرير، وما ورد فيه من مقترحات تتعلّق بالمساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وإلغاء كلّ من المهر، ونظام رئاسة الزوج للعائلة، وغيرها، رفضاً التزموا فيه مرجعيّاتهم الفكريّة وتوخوا فيه استراتيجيتهم المعهودة.

وما هي أبرز ردّات الفعل المقاومة التي قام بها التيار الأصولي في مواجهة هذه التعديلات المقترحة؟

يمكن إيجاز ذلك فيما يأتي: المواجهة السلمية؛ وتزعمها " تيّار المحبّة"، و"حزب التحرير"، حيث سارعا إلى التعبير عن رفضهما القاطع، شكلاً ومضموناً، لتقرير لجنة المساواة والحريات الفردية، وعبّر تيار المحبة عن "كرهه" الشديد للتقرير، ونظّم أتباعه وقفة احتجاجية في شارع الحبيب بورقيبة، رافعين شعار" تيار المحبة، يقول للباجي وبشرى: ديننا خطّ أحمر"، أمّا حزب التحرير فقد "حرّر" رسالة مفتوحة منه إلى رئاسة الجمهورية، مرفقة بردّه التفصيلي على تقرير اللجنة، وشرع يندّد بالتقرير، واصفاً إياه بــ "المشروع المحارب للإسلام"، وداعياً إلى التحرك ضدّه، ونظّم وقفات احتجاجية ببعض الجهات، وعدّ رئيس المكتب السياسي للحزب ما ورد في التقرير، تشريعاً للتفسخ المجتمعي.

تشهد تونس الآن جدلاً حول قانون المساواة في الإرث، وغيره من التشريعات بما يذكّر بإصدار مجلّة الأحوال الشخصيّة

أما حركة النهضة؛ فقد آثرت استراتيجية المراحل، فالتزمت في المرحلة الأولى خيار الصمت، ثمّ نطقت في مرحلة ثانية بخطاب مراوغ، يقوم على ثنائية المسايرة، ثمّ المغايرة، ونلمح هذه الثنائية في كلّ ما ورد في بياناتها، وفي 5 تموز (يوليو) 2018، أصدرت الحركة بياناً، أعلنت فيه أنّها ستعبّر عن موقفها بالتفصيل من هذا المشروع، إذا ما تحوّل إلى مشروع قانون، وأنها تعمل على تعميق التشاور والحوار حول مضمونه، مجددة تأكيدها على قيمة الحقوق والحريات والمساواة بين الجنسين، وفي هذا السياق؛ نجدها تشدّد على حقّ جميع التونسيّين، أفراداً ومؤسسات، في حريّة الرأي والتعبير والتفكير، لكنّها تلتزم بما تتبناه من أنّ تونس دولة مدنية لشعب مسلم، ومن ثم، فإنّها ترى أنّ المقاربة في الحريات الفردية والمساواة، ينبغي أن تجمع بين الالتزام بأحكام الدستور واحترام مقوّمات الهويّة العربية الإسلامية للشعب التونسي.

وهل أخذت حركة النهضة خطوات إجرائية لموضعة رؤيتها في المشهد المحتدم؟

في 13 آب (أغسطس)؛ سلّم رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، رسالة لرئيس الجمهوريّة، تضمّنت موقف الحركة من مشروع لجنة الحريات الفردية والمساواة، وصرّح مكتبها التنفيذي بأنّ الغنوشي استمع إلى مقاربة رئيس الجمهورية حول المسائل المتعلقة بالإرث، وقضايا الحريات الشخصية، وأكّد المتحدث باسم حركة النهضة، أنّ تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، سيكون "منطلقاً لحوار مجتمعي واسع"، وأنّ موقف حزبه من التقرير منسجم مع ما دعا له الرئيس في العام الماضي، لكنّه يشدّد على ضرورة عدم المساس بالشعور الديني للمواطنين من خلال الإصلاحات المقترحة، وفي السياق نفسه صرّحت يمينة الزغلامي، عضو البرلمان التونسي عن حركة النهضة، أنّه لا يمكن تمرير هذا القانون بالقوة، مؤكّدة على اختلاف السياق الزمني بين قانون الأحوال الشخصية، الذي أقرّه الرئيس الأسبق، الحبيب بورقيبة، وقانون الحريات الفرديّة المطروح حالياً للنقاش.

عبرت النهضة عن رفضها لأيّ مشروع يتنافى مع الدستور والنصوص القطعية للقرآن

ومنذ أيام؛ أعلن رئيس مجلس شورى الحركة عبد الكريم الهاروني، رفض الحركة أيّ "مشروع يتنافى مع الدستور ومع النصوص القطعية للقرآن، وأشار إلى أنّ تونس دولة مدنيّة لشعب مسلم تلتزم بتعاليم الدستور وبتعاليم الإسلام، أنّ حركة النهضة مع الاجتهاد، ومع المبادرات لتحسين وضعية المرأة، وستشارك في تطوير الأحكام والالتزام بتعاليم الإسلام الثابتة، كما أكّدت محرزية العبيدي، القيادية في حركة النهضة، أنّ الحزب يرفض مقترح المساواة في الإرث بين الرجل والمرأة، وأن النّهضة ستردّ على مشروع القانون الذي سيقدّمه الرئيس إلى البرلمان بطريقة بنّاءة وإيجابية، تتمثّل في اقتراح مشروع قانون على البرلمان، يتضمن السماح لمن يرغب في ذلك بالمساواة بين ورثته من الجنسين، شرط الإعراب عن ذلك صراحة، بموجب وصيّة قبل الوفاة.

وماذا عن المؤسسات الدينية؟

لم تلتزم المؤسسات الدينية الصمت؛ بل سارعت إلى التنديد بالتقرير، بدءاً بجامعة الزيتونة وعلمائها ومشايخها، الذين عبروا في بيان بيانين عن رفض التقرير، وعدّوه التفافاً مشيناً على قيم الإسلام وتعاليمه، وندّدوا في المقابل بعدم إشراكهم في صياغته، كما وقّع 23 شخصية، بينهم مفتي الجمهورية السابق حمدة سعيّد، ووزير الشؤون الدينية الأسبق نور الدين الخادمي، على عريضة، رفضوا فيها تغيير أحكام الإرث، وزواج التونسية بغير المسلم، كما تأسست "التنسيقية الوطنية للدفاع عن القرآن والدستور والتنمية العادلة" ردّاً على التقرير، وعدته فتنة ومشروعاً انقلابياً على النمط المجتمعي التونسي، وأكّدوا أنّ اللجنة تجاوزت حدود تخصصاتها فيما تناولته، وعدّت جمعيتي "الأئمة من أجل الاعتدال ونبذ التطرف"، و"هيئة مشايخ تونس"، أنّ الدّين "يتعرّض لهجمة شرسة من مجموعة من الأشخاص، يريدون أن ينحرفوا بالبلاد إلى الهاوية، عبر قيم إحلال الحضارة الغربية المفلسة روحياً.

اقرأ أيضاً: طاهر حدّاد: أوّل منظّر لمسألة المرأة ورائد قانون الأحوال الشخصية في تونس

وما يزال كلّ دعاة التيار الإسلامي، بطوائفه الحزبية والمؤسساتية، وممّن يمثلونه فكراً وتوجهاً، يرفضون التقرير، ويجيشون ضدّه، وهو ما يؤكد أنّ سؤال مدنية الدولة "منتهي الصلاحية" لدى هذا التيار، مهما سعى دعاته في خطابهم إلى سبل الترقيع والتلفيق، والأهمّ من ذلك؛ أنّ سؤال المرأة عندهم "عابر" لكلّ رؤية إصلاحية، حتى ولو كانت من داخل الخطاب الدّيني ذاته، فلا مجال لأن تتشكّل صورتها خارج دائرة الإيمان، التي أقرّوها لها بداية ونهاية.

في رأيك، كيف تشكّلت الحالة التونسية التي سمحت بمناقشة وعرض مثل هذه الرؤى التقدمية مقارنة بسائر المجتمعات العربية؟

هي حالة فريدة وليدة، تعود في بداية تشكّلها إلى مجلة الأحوال الشخصية التونسية، والسياق الاجتماعي والسياسي الذي أوجدها؛ إذ تعدّ هذه المجلة بادرة تشريعية، أسست للمسار التحديثي الذي تبنته الدولة التونسية منذ استقلالها، ويتواصل نسق هذا الحراك مع أواخر الستينيات وبداية السبعينيات من القرن الماضي، عندما خرجت التونسيات لمزاولة تعليمهن في المدارس والمعاهد والجامعات، والمشاركة في النشاط الثقافي، والعمل النقابي الطلابي والعمالي، وهو ما ساعد على نموّ وعي التونسيات بحقوقهن، وتعاظم دورهن في النضال النقابي، وفي مواجهة الاستغلال الذي تتعرّض له العاملات والموظفات في القطاع العام والخاص.

اقرأ أيضاً: هل تونس أمام ثورة ثقافية وتشريعية؟

وفي مطلع الثمانينيات؛ نشطت بــنادي الطّاهر الحداد بالعاصمة التونسية، مجموعة من المثقفات من توجهات يسارية وعلمانية، أخذن على عاتقهن نقاش القضايا المتعلقة بالمرأة، والنظر في سبل التصدي لكلّ أشكال الارتداد إلى الماضي، التي دعا إليها البعض في تلك الفترة من تاريخ تونس، فأصدرن عام 1985 مجلة "نساء"، وطوّرن عملهنّ بعد ذلك من خلال تأسيس الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، التي حصلت على تأشيرة العمل القانوني في 1989، منافسة للمنظمة الرسمية التابعة للحزب الحاكم، وللاتحاد الوطني للمرأة التونسية، وفي الأثناء؛ تكوّنت لجان نسائية في عدة منظمات، أهلية ونقابية وحقوقية، وضعت قضية الدفاع عن حقوق المرأة في مركز اهتماماتها.

وكيف استغلّ الحراك النسوي هذه الحالة وعمل على تكريسها وتأكيد مكتسباتها؟

شرع هذا الحراك النسوي التونسي يراجع ما كان يعدّ أهمّ  "مكسب نسائي" في العالم العربي الإسلامي، وهو مجلّة الأحوال الشخصيّة، فكشف عن عجز حدود قوانينها في النهوض بالمرأة، داعياً إلى ضرورة إدخال إصلاحات تشريعية جوهرية عليها، حتّى ترتقي بأوضاع المرأة إلى طور الشراكة، بما يتناسب والتغيرات التي يعرفها المجتمع التونسي في بنيته، وكان لهذه الحركة، الممتدة إلى قرننا الحالي، تأثيرها في ما يضمّه الدستور التونسي الجديد المصادق عليه، في 27 كانون الثاني (يناير) 2014، من ضمانات قوية لحقوق المرأة، بما في ذلك الفصل (46)؛ الذي ينصّ على أنّ: "تلتزم الدولة بحماية الحقوق المكتسبة للمرأة، وتعمل على دعمها وتطويرها"، لضمان تكافؤ الفرص بين الرجل والمرأة .

للقضاء على التمييز ضدّ النساء تصاعدت وتيرة الحراك المجتمعي في تونس

وتبعاً لما تقدّم؛ نتبين أنّ تونس بحراكها المجتمعي والمؤسساتي والحقوقي، أمضت أعواماً طويلة من النّضال الدؤوب، حتّى تبلغ الحالة التي هي عليها الآن من أريحية مجتمعية، يتقبّل فيها الشعب جملة من الإصلاحات، تجعلهم يعيشون ويتعايشون مع بعضهم سواسية في الحقوق والواجبات، بضمانات تشريعية تفرض احترام حرية الفكر والمعتقد والضمير، وتلغي كلّ أشكال التمييز بين الجنسين في الأسرة والمجتمع، فلا للمهر وربطه بالبناء، ولا للعدّة باعتبارها تقييداً غير دستوري لحرية زواج المرأة، ولا للتمييز في إسناد اللقب العائلي، وفي شروط منح الجنسية، ولا لسائر التشريعات القائمة على التراتبية والتمييز بين الجنسين.

ولكن، ماذا عن رفض بعض الأحزاب اليسارية والقومية لهذه القوانين؟ هل يمثل ذلك شوكة في ظهر الحركة المدنية؟

هناك أحزاب وقوى ترفض هذا الحراك التنويري لدواع سياسية واجتماعية، مثل حزب "حراك تونس الإرادة"، ذي التوجه الديمقراطي الاشتراكي، وهناك ثمانية أحزاب قومية التوجه، صرّحت برفض التعديلات، واندرجت هذه الأطراف في خطّ التصدي لهذه الرؤى التقدمية، ومن يمثلها، وهو ما يعبّر عن وضعية تفاعلية وجدلية بين جميع مكوّنات المجتمع المدني، وعن حالة من الديمقراطية المشروعة في الحراك السياسي والاجتماعي، تتيح لكلّ طرف أن يقدّم موقفه في كنف الاحترام المتبادل والتشاور، إلى أن يقرّ الرأي النهائي، وهو ما ينهض بالمجتمع التونسي، برجاله ونسائه، بعيداً عن المزايدات والمغالطات.

وما هي المستويات المتوقع للصراع أن يصل إليها في ضوء خطاب المقاومة الإسلاموي؟ وهل من الممكن أن يتطور العنف اللفظي في الخطاب الأصولي إلى عنف مادي؟

وردت على مواقع التواصل الاجتماعي ردود فعل غاضبة، فيها اتهام بالفساد والعهر لكلّ أعضاء اللجنة، ناهيك عن حملات العنف والتكفير، وقد دعت رئيسة اللجنة، بشرى بلحاج حميدة، في برنامج ''هنا تونس'' جميع المعارضين للتقرير إلى فهمه قبل الانخراط في موجة السبّ والشتم، وفي مرحلة تالية؛ تحوّل العنف من مستوى اللفظ إلى الفعل، فبعد عمليات التجييش، وحملات التكفير ضدّ أصحاب هذا الحراك وممثليه، دعا البعض إلى إلقاء" مياه حارقة" على وجه رئيسة اللجنة، وبعض السيدات سجّلن "مقاطع فيديو" للتحريض على قتلها، كما خرج الجدل عن مجاله الوطني التونسي إلى المجال العربي، فتعالت أصوات من هنا وهناك؛ من الجزائر والمغرب ومصر، تعدّ ما قدّمته تونس من إصلاحات للوضع النسائي فيها "خروجاً عن الشّرع" في الإرث والقوامة الذكورية، ويستدلّ وكيل الأزهر، عباس شومان، على هذا الخروج، في تصريح أكّد فيه أنّ "المواريث مقسمة بآيات قطعية الدلالة لا تحتمل الاجتهاد، ولا تتغير بتغيّر الأحوال والزمان والمكان، ناهيك عمّا قد يحمله من استدعاء مشفّر لخلايا نائمة من الداخل، وحتى الخارج، لتتحول تونس من "دار دعوة " إلى  "دار جهاد"، من خلال حملات التجييش الممنهجة".

وما هو المطلوب من الهيئات الحقوقية، وما هو المدى الذي تستطيع الوصول إليه في هذا الصراع المفتوح على كافة الاحتمالات؟ وهل يمكن التعويل على ظهير شعبي قوى يساند القوانين التقدمية؟

لا ننكر أنّ هذا التقرير وجد من يناصره من أحزاب سياسية عديدة، مثل: حزب "نداء تونس"، وحركة "مشروع تونس"، و"الجبهة الشعبية"، وحزب "المسار"، وحزب "آفاق تونس"، وحزب "العمال"، ناهيك عن 93 منظمة وجمعية، إضافة إلى شخصيات جامعية وأكاديمية من اختصاصات علمية متنوعة، هذا الحراك الحزبي والجمعياتي له قاعدته الشعبية؛ التي اختبرت في الفترة ما بين 2012 /2013؛ عندما شنت أطراف متطرّفة من دعاة الإسلام السياسي، هجوماً شرساً على المكاسب التي حقّقتها المرأة، مطالبة بتطبيق الشريعة، وواصل الحراك التنويري الذي لمحنا ظهيره الشعبي تصديه لتلك الجماعات، في مسيرتين بشارع الحبيب بورقيبة، حينما خرجت حشود، نسائية ورجالية، تساند تقرير لجنة المساواة والحريات الفردية.

شرع هذا الحراك النسوي التونسي يراجع ما كان يعدّ أهمّ  "مكسب نسائي" في العالم العربي الإسلامي، وهو مجلّة الأحوال الشخصيّة

وإن كنّا نعدّ هذا الظهير الشعبي مهمّاً بكتلته النسائيّة، إلا أنّنا لا نراه بالقوة التي ينبغي أن يكون عليها حتى يقدر على مواجهة الأطراف التي ترفض التنوير، وتعوّل في جانب مهمّ من خطابها على التأثير الانفعالي في الجماهير، وعلى استغلال رهاب الأغلبية من كلّ فعل تحديثي، لاسيما المتّصل منه بالخطاب الدّيني، وبكلّ قراءة تجديديّة له، ويبدو أنّ الجميع، رجالاً ونساء، مدعوّون في هذا الظّهير إلى أن يلتفوا أكثر خلف الحراك التنويري في تونس، وأن يمثّلوا قوة مجتمعية، تصدّ كلّ من يقف أمام نهضتها، الفكرية والثقافية والاجتماعية والسياسية؛ فالتنوير يجب ألّا يكون خياراً نخبوياً أو حزبياً أو جمعياتياً؛ بل عليه أن يطال القاعدة الشعبية لتونس، ومن صلبها ينطلق كلّ حراك، حتّى ينال الجميع حقوقهم، ولا يحتاجون حينها إلى سلطة سياسية تفرض مكتسباتهم وتدعمها.

ما هو التأثير الذي يمكن أن تحدثه تلك القوانين في حال التصديق عليها، في المحيط العربي؟ وهل يمكن أن تقوم تونس بتصدير هذا الحراك مستقبلاً، مثلما قامت بتصدير الثورة قبل سبعة أعوام خلت؟

شهدت تونس في عيد نسائها، 13 آب )أغسطس) 2018؛ منحى مميّزاً لحراكها التنويري، لمّا تقدّمت لجنة المساواة والحريات الفردية بتقرير إلى الرئيس، وعرض الرئيس بدوره التقرير على البرلمان التونسي في انتظار التصديق عليه، واتّخذ هذا المنحى في الحراك التنويري التونسي صداه خارج حدوده المحلية، إلى البلدان العربية المجاورة، وتشكّلت بخصوصه أصداء تصل حدّ التناقض، بين من يشيد بالتقرير، معتبراً إيّاه علامة على ريادة تونس في مجال التجديد والتحديث، وبين من يندّد بالتقرير ويعدّه متضمّناً لــ "كفريّات"، على حدّ عبارة الداعية الإسلامي، وجدي غنيم، أو أنّه يضمّ جرأة فظيعة على "شرع الله"، فيما صرّح به وكيل الأزهر عباس شومان.

اقرأ أيضاً: أين وصلت تونس بعد 7 سنوات من "الثورة"؟

ولا يمكن، فيما أعتقد، أن تتجاوز هذه الأصداء في البلدان العربية التي بلغها، حدود الإشادة أو التنديد إلى التبنّي الفعلي للحراك التنويري، كما هو الحال مع الثورة التي صدّرتها تونس إلى بعض البلدان العربية المحيطة بها منذ سبعة أعوام، وذلك لأنّ تصدير الثورة "السياسية"، وجدت قاعدة شعبية أترعها الظلم والفقر والتهميش، فاستجابت لنداء الثورة، أمّا الثورة "الحقوقية" ضدّ ترسانة الذهنية التراثية الذكورية، التي تفرض هيمنتها على الخطاب الديني، فهماً وتأويلاً، فإنّها تتغلغل في المجتمعات الأبوية من قواعدها الشعبية إلى أعلى هرم في السلطة فيها، وهي بذلك أخطر من النوع الأوّل من الثورات، وتحتاج في تصديرها مدّة أطول، لأنّها تطال العقليات والبناءات الفكرية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



شفيق الغبرا: القيادة الفلسطينية مارست السلطة قبل اكتمال التحرّر الوطني

2019-11-14

أجرت الحوار: رشا سلامة


لعلّ آخر ما توقّعه الباحث والأكاديمي الفلسطيني الكويتي، شفيق الغبرا، أن يُحال للنائب العام الكويتي؛ للبتّ في أمر كتابه الذي أصدره في أواخر عام 2018، تحت عنوان "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت".

استمع النائب العام الكويتي لدفوعات الغبرا، أمام تهمة الإساءة للكويت، التي يعمل أكاديمياً في جامعتها، كأستاذ للعلوم السياسية، عقب تخرّجه، عام 1987، في جامعة تكساس في أوستن، وكان أن قال كلمته الفصل لصالح الغبرا وحريّة البحث العلمي.

لا بد من العودة للمبادئ الأساسية التي تهتدي بها حركة التحرر الفلسطينية في كلّ فلسطين وفي شتاتها المتنوّع والممتدّ

الكتاب، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، والذي يقع في 342 صفحة من القطع الكبير، هو تطوير لأطروحة الغبرا، التي قدّمها لنيل الدكتوراه، قبل أن يشغل منصب مدير المكتب الإعلامي الكويتي في العاصمة الأمريكية، واشنطن، بين عامَي 1998 و2002، وقبل أن يصبح مديراً لمركز الدراسات الإستراتيجية والمستقبلية في جامعة الكويت، بين 2002 و2003، وقبل أن يصبح رئيساً مؤسساً للجامعة الأمريكية في الكويت، بين 2003 و2006.

للغبرا مؤلفات عدة، من بينها: "الكويت: دراسة في آليات الدولة والسلطة والمجتمع"، و"حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"، من إصدار دار الساقي في بيروت، كما صدرَ له مؤخراً "الثورات العربية وأعداؤها"، عن دار الريّس في بيروت. 

ويحمل الغبرا جنسية الكويت، التي وُلِد فيها عام 1953، لأبٍ حيفاوي عايش النكبة ودرسَ الطب في الجامعة الأمريكية في بيروت، ليغدو طبيب الأمير صباح السالم الصباح.

فيما يلي نصّ الحوار الذي أجرته "حفريات" مع الدكتور شفيق الغبرا، حول إرهاصات القضيّة المتعلّقة بكتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت":

كتابه "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت"

إلى أيّ مدى كنت قريباً أو بعيداً عن بحثك حول النكبة والشتات الفلسطيني في الكويت، وأنت الكويتي من أصول فلسطينية تعود لمدينة حيفا؟ إلى أيّ مدى يُمكن للباحث أن يكون موضوعياً والبحث يتحدّث عنه وعن تجارب له صلة معها بحكم الخلفية العائلية والارتباط الوجداني؟

عكفت على نصّ علمي وأكاديمي، وكان نصب عينيّ السؤال الذي يُساور الباحث حول الجوانب التي لم تحظَ بالتغطية في القضية التي يثيرها بحثه، على الباحث الكفؤ، والذي يتحلى بالمصداقية، أن يتساءل عن الجوانب التي لم تغطّها دراسات سابقة؛ لهذا على الباحث أن يتساءل عن الحفريات المطلوبة للوصول لتلك الأبعاد، وهذا الكتاب يغطي جوانب لم تسبق دراستها بهذا الشكل.

اقرأ أيضاً: كيف تسوغ السلطة الفلسطينية قرارها بحجب عشرات المواقع الإخبارية؟
لكن على الباحث المتمرس أن يضع حدّاً واضحاً بينه وبين الموضوع، وأن يسرد الإيجابيات ويوردها كما السلبيات، وأن يتحكّم بانحيازاته وأن يجعل انحيازه فقط لما سيكتشفه من إجابات على أسئلة البحث، وإن وجد صعوبة في عرض النتائج، فمن الأفضل له أن يتنحى جانباً.

العالم يمرّ الآن بـ "أزمة النخب" إذ ما عادت هذه النخب قادرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب الراهنة

البحث يتطلّب شجاعة السؤال والاستعداد للوصول للمعرفة، الصدق هو أساس عمل الباحث.
أنا ابن تجربة النكبة، وعلى تواصل مع تجارب الفلسطينيين، وبالتالي حين أكتب عن فلسطين أو الكويت، فإنّ لديّ امتيازاً هو أنني أستطيع التوصل للمعلومات، وأستطيع التعامل مع تناقض التجارب، وبما أنّني ابن الكويت، فلديّ امتياز يتعلّق بمعرفتي بها وبتجاربها، وكوني عشت أصعب ما مرّ على الكويت، في عامَي١٩٩٠ و١٩٩١، يمكنني القول إنّني على دراية بموضوعي، وإنّ التعمّق بالبحث لمن لديه الخلفية والمعرفة هو امتياز يسمح بتقديم الأفضل والأعمق، وهذا ما منحني، كباحث، قدرة أكبر على توضيح الصورة والأبعاد غير الظاهرة في وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين. أكتب كعربي منحاز للقضية الفلسطينية، وكإنسان منحاز للكويت، لكنّني فوق كلّ شيء منحاز للحقيقة ومصداقية البحث العلمي، ولعلّ التصالح مع الحقيقة، حتى لو كانت مُرّة وصادمة ومتناقضة مع انحيازاتي، من زاوية بحثية، هو أفضل وسيلة لتعميق المعرفة وتعميق التجربة الإنسانية.

حين ثارت القضيّة ضدّك؛ هل شعرت بالحزن أو القلق، ذلك أنّ المواطن يدخل دائرة الشكّ، حين يكون من جذور فلسطينية، وحين يتعامل مع أمر حسّاس كالكويت وفلسطين في مرحلة تاريخية حرجة؟

عندما وقعت هذه الهبّة ضدّ الكتاب، لم آخذ الأمر بصورة شخصية، من جانب، تفهّمت موقف من انتقدوني، كما فهمت على الفور أنّ هذا يعني أنّ الكتاب جيد ويثير تساؤلات، ولهذا سوف يُقرَأ، وهذا هو هدفي في الأساس، ثم قمت، من جانبي، بتوضيح الصورة في عدة محاضرات وندوات ولقاءات تلفزيونية، لم يمنعني أحد في الكويت من الدفاع عن الكتاب أمام الجمهور والرأي العام الذي أحترمه.

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في تحدي إسرائيل بالبناء في مناطق (ج)؟
كان أول ما تبادر لذهني؛ أنّ من يحاول طرح رأي مختلف غير شائع، فإنّه دوماً سيثير ردود فعل كبيرة، سواء كان هذا الشخص من أصل فلسطيني أو غير ذلك، الكثير من مواطني الكويت ممن كتبوا في شأن حسّاس وجديد تعرّضوا لعواصف؛ لهذا، لم أشعر للحظة بشعور الضحية أو المستسلم، وكنت أتوقع الإنصاف من الدولة، وإن لم يقع ذلك، فإنّ عليّ أن أناضل من أجل الإنصاف، بطبعي محارب من أجل الحقّ؛ لهذا وجدت في ردّة الفعل على الكتاب فرصة للنقاش وبناء صورة أكثر واقعية لما حصل في العلاقة بين الشعبَين، الكويتي والفلسطيني.
مشكلة العرب عدم مناقشة قضاياهم؛ تخيّلي مثلاً أنّه رغم ما حدث في الأردن، بين منظمة التحرير الفلسطينية والدولة الأردنية، إلا أنّك لن تجد كتاباً واحداً يناقش الأمر بموضوعية وعلمية، الغرب يكتب تجاربه ويناقشها من كلّ الزوايا ليحفظ تاريخه، أما نحن فنطمس تاريخنا، وهذا يسهم بأزمات تتعلق بوجودنا.

اقرأ أيضاً: هل تنجح السلطة الفلسطينية في وقف الاتفاقيات مع إسرائيل؟
الآخر الذي ينتقدك ويهاجمك قد يرى أنّ لديك نقاط ضعف، خاصة إن حمل فكراً سطحياً تجاه المواطنة؛ لهذا يعتقد البعض أنّك هدف دسم لتسجيل انتصار سهل قد يخدمه في حملة شعبوية تقوم على الخوف من كلّ رأي مختلف، هكذا يتم إدخال كلّ الأسلحة كالأصول، وكلّ بُعد شخصي يمكن استخدامه لضرب مصداقية الكاتب؛ لهذا أصبحت أصولي مكان هجوم، لكنّني لو كنت من طائفة أو قبيلة أو عائلة معينة، فسيحدث الأمر ذاته،  ما نزال في بلدان ومجتمعات تقرن الفكر بالأصول والدين والطائفة، ولا تؤمن بنزاهة الباحث أو حياديّته، وقلّما تقرأ النصوص باتزان وموضوعية، كما أنّ بعضنا ما يزال معتاداً على نصّ المديح، وهو بالأساس يعجز عن التعامل مع النصّ البحثي الطبيعي والموضوعي والتقييمي، لن نتطور إلا من خلال مواجهات من هذا النوع، وبرأيي ستسود لغة الحرية والبحث العلمي مجتمعاتنا بسبب حاجتنا إليها.

من هنا، جاء قرار النائب العام في الكويت، حين تعامَل مع الكتاب كنصّ علمي يقوم على الدراسة والاستقصاء، قرار النائب العام أراحني، وأكّد لي أنّني في دولة تحترم حرية الباحث وإنتاجه، لكنّ الأهم في موقف النائب العام؛ أنّه أصدر قراراً مكوّناً من ٤١ صفحة، يشرح فيه كلّ وجهات النظر، ويؤكّد أهمية البحث العلمي بصفته مداولة وجمعاً لمعلومات قد تطرح الجديد، وأنّ البحث العلمي لا يعني أنّ الكاتب مسؤول عن كلّ رأي وردّ في كتابه؛ فهو يعكس طبيعة الآراء والتجارب التي نقلها عمّن قابلهم، وعن المصادر التي كشف عنها، وطالما أنّه يضع مصادره ويوضحها فقد التزم بقواعد البحث العلمي.

اقرأ أيضاً: هل ينجح توجّه السلطة الفلسطينية إلى الأردن في الانفصال الاقتصادي عن إسرائيل؟

لدى الباحث الملتزم والموضوعي منهج يشرحه في كلّ كتاب، وفي كتاب النكبة هناك فصل نظري شامل يشرح معنى النكبة ومعنى الشتات ويشرح منهجية الكتاب والتعريفات، ويقارن بتجارب شعوب أخرى، وقد التزمت بصرامة بكلّ ما أوضحته في الفصل الأول، لقد استنتج النائب العام في قراره التاريخي أنّ الباحث الأكاديمي يجب ألاّ يُقاضَى أو يُحاكَم على بحثه أو دراسته، في القرار إنصاف للبحث العلمي في الكويت، هذا إنصاف ليس لي فقط؛ بل لكلّ الباحثين في جامعات الكويت ومؤسساتها ممن يخشون التعرّض للقضايا الجديّة والمسائل الأعمق المثيرة للجدل والنقاش.
الغبرا: الشيء الإيجابي في حالتي أنّ مناخ الحرية في الكويت يسمح بالبحث

يغرق العالم العربي في الصراعات، الرئيسة والجانبية، ويشوب التوتر العلاقات العربية البينية، سواء كان هذا في وقت سابق أو حالي، كيف يستطيع الباحث التعامل مع هذا الجوّ المشحون والجدليّ، محافظاً على موضوعيته ومهنيّته؟

لا بدّ من التسليم بأنّ هناك مجازفة دوماً في ظلّ هذه الظروف، لكن يستطيع الباحث أن يتحرّك وأن يفكّر وأن يكتب، المشكلة في اجتزاء مقاطع من البحث وتشويهها، من دون أخذ السياق في عين الاعتبار.

يتعامل الباحث مع مجتمع ودولة وقوانين مقيّدة، وحالة من التفكير لا تعدّ البحث العلمي ضرورة؛ لذلك فإنّ الباحث في العالم العربي يعاني وتُمارس عليه الضغوط، عليه أن يجازف وعليه أيضاً أن ينتبه، وأن يبقي في ذهنه حقيقة أنّ المعركة قد تُخاض ضدّه في أيّ وقت.

اقرأ أيضاً: ماذا لو نجحت السلطة الفلسطينية بإصدار عملة رقمية بديلة عن الشيكل الإسرائيلي؟
الشيء الإيجابي في حالتي؛ أنّ مناخ الحرية في الكويت يسمح بالبحث، لكن من جانب آخر أنصفتني الدولة مع علمي بأنّه في حالات عربية كثيرة لا يتمّ إنصاف الباحث، بل كم من باحث أُبِعدَ عن وطنه أو سُجِن وفي حالات قُتِل؛ لذا، تبقى جوانب بحثية كثيرة في أيدي مستشرقين غربيين، ونبقى متأخرين بحثياً.

مرّت العلاقات الفلسطينية – الكويتية بكثير من المدّ والجزر، والتقارب والفتور؛ هل بوسعنا اعتبار أنّ مرحلة العتب التي كانت كويتياً حيال الفلسطينيين، عقب الغزو، قد انقضت؟

على مستوى العلاقات الرسمية؛ تمّ تجاوز هذا بالكامل، لكن على المستوى الشعبي والوجداني فهناك آراء متباينة، الثابت دوماً هو وجود تعاطف كويتي مع القضية الفلسطينية؛ بل إنّ تيارات كويتية دينية بأطيافها وأخرى قومية، تعدّ فلسطين بنداً أساسياً من طروحاتها، ومن يقرأ الرواية الكويتية والأدب الكويتي سيجد مكاناً لفلسطين والقضية الفلسطينية ولغة تواصل وحوار دائمة، ففلسطين جزء لا يتجزأ من تاريخ الكويت.

هناك فئة كبيرة من الكويتيّين ما تزال تطرح الأسئلة حول ما جرى، ومن هنا يكتسب الكتاب أهميته، كثيرون ممّن كانوا يتحدثون إليّ والجدل دائر حول كتابي، كانوا يقولون لي: "ما كتبته قد غيّر مسار تفكيرنا إلى حدّ ما؛ إذ بتنا نضع الأمور في سياقها الاجتماعي والسياسي الصحيح"، لا يعني ذلك أنّهم غفروا أو نسوا تماماً، لكن على الأقل، تمكّن الكتاب من تسليط الضوء على كثير من الممارسات الإيجابية التي قام بها فلسطينيون في مؤازرة الكويت وشعبها، ما فعله الكتاب هو إعادة درجة من التوازن للتجارب، وإخراج العلاقة الفلسطينية الكويتية من أجواء الشيطنة والتعميم الأعمى.

لطالما امتازت الكويت، ومنذ عقود طويلة، بانفتاح فكري وفني وإعلامي، وميل جارف نحو القضايا العروبية، كما أنّ الديموقراطية في الكويت وحقوق النساء سجّلت، إلى حدٍّ ما، تقدّماً قياساً بكثير من الدول العربية؛ برأيك، ما هي الوصفة السحرية التي تملكها الكويت في فرادتها؟

جوانب عدة أسهمت في هذه الفرادة، منها الموقع الجغرافي؛ إذ إنّ الكويت قريبة من العراق، كما كانت مركزاً للتجارة ونقطة وسط لالتقاء الأفكار، وامتزجت فيها أطياف عدّة منذ زمن طويل، وكانت دوماً منفتحة على الآخر، ما أسهم بدوره في خلق وعي مبكر على مستوى منطقة الخليج، إضافة إلى أنّ شعب الكويت مكوّن من هجرات جاءت من نجد والعراق وإيران ومناطق أخرى في الخليج والعالم العربي، كلّ هذا منحَ الكويت طابع التنوّع السابق كلّه، جعلَ هناك حالة توثّب نحو الديموقراطية، لا سيما أنّ الفضاءات مفتوحة لتجربة سياسية متقدمة يعزّزها سقف حريات  متوازن، لا ينفي هذا أنّ الكويت مرّت وتمرّ في حالات مدّ وجزر على صعيد الحريات والديموقراطية، لكنّها دوماً تنأى بنفسها عن إقصاء الآخر، حتى حيال التيار الإسلامي، وهناك دوماً اعتبار قائم لما يريده المجتمع حتى في سياسة الكويت الخارجية، تجاه فلسطين أو العراق أو إيران أو أزمات الخليج.

كتابه "حياة غير آمنة: جيل الأحلام والإخفاقات"

يعايش كتابك "النكبة ونشوء الشتات الفلسطيني في الكويت" مراحل عدّة مرّت خلالها القيادة الفلسطينية، من كفاح مسلّح إلى حروب أهلية، إلى مآزق دولية، إلى تسوية ومشروع دولة؛ أين ترى القيادة الفلسطينية الآن؟

العالم كله يمرّ الآن فيما يمكن أن نصطلح عليه اسم "أزمة النخب"؛ إذ ما عادت هذه النخب قادرة على التعامل مع الأزمات والمصاعب الراهنة، وأزمة القيادة هي ضمن أزمة النخب، ولا يعاني منها العالم العربي فحسب، بل العالم بأسره، لكن، في حالتنا العربية والفلسطينية المشكلة أعمق؛ إذ هناك أزمة أجيال، فكثير من القيادات العربية تشكّل وعيها في الخمسينيات من القرن الماضي، بينما لدينا أجيال تشكّل وعيها في مطلع الألفية، وأخرى تشكّل وعيها في الأعوام الأخيرة، وهكذا.

اقرأ أيضاً: هل ينقذ أثرياء القطاع الخاص السلطة الفلسطينية من الانهيار الاقتصادي؟
في الحالة الفلسطينية؛ أضيفي للسابق كلّه، وجود احتلال وخطة صهيونية واستيطان وقضم للأراضي ومعتقلات وتضييق وحصار، فتكون النتيجة هي ما يحصل اليوم؛ إذ تجتمع الكولينيالية الاستعمارية مع أزمة النخب والفجوة بين أجيال القيادات ورؤاها.
الفلسطينيون اليوم في حالة بحث عن مخرج، وأهم ما يمكن فعله الآن هو الصمود على الأرض وعدم التورّط في أيّ صراع، جانبي أو داخلي، قد يستغلّه الإسرائيليون في تحقيق مزيد من التغوّل.
في عقود سابقة، وتحديداً تلك التي يتناولها كتابي، كان لدى القيادة الفلسطينية رؤى واضحة وأهداف محدّدة، بعد الانتفاضة الأولى، عام ١٩٨٧، وبعد غزو العراق للكويت، عام ١٩٩٠، ومن ثم توقيع اتفاقية أوسلو، عام ١٩٩٤، دخلت القيادة الفلسطينية والقضية برمّتها في مرحلة صعبة؛ ذلك أنّها انتقلت لممارسة السلطة دون أن يكتمل التحرّر الوطني؛ أي وقعت في شِباك أنّها سلطة لكن تحت إرادة سلطة استعمارية، وبغضّ النظر عمّن كان في قيادة السلطة، سواء في الضفة الغربية أم في غزة، فإنّه سيجد ذاته مكبلاً في إطار احتلال وسيطرة لن يخرج منه إلا بالعودة للمبادئ الأساسية التي تهتدي بها حركة التحرر، لا بدّ من استعادة روح حركة التحرر الفلسطينية في كلّ فلسطين، وفي شتاتها المتنوّع والممتدّ.

للمشاركة:

خالد الزعفراني: الإخوان رهينة دول تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية

2019-11-10

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال الباحث المصري في شؤون الجماعات الإسلامية، الدكتور خالد الزعفراني، إنّ رموز الفكر القطبي كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير من جماعة شكري مصطفى، وأخبث وأخطر؛ لأنّهم كانوا يأخذون بنظرية التقية، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّه في عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة الإسلامية (قبل تشكلها) في دخول الإخوان سرّاً.

عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات كنت أظنها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير

وأوضح القيادي الإخواني السابق أنّه "عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل؛ كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، بذلك، استشاطوا غضباً، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط".
وأكد مبتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" أنّ جماعة الإخوان أصبحت الآن أبعد ما تكون عن الدعوة، "فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة"، أنّ الشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف.
وشدد على أنّ الدول التي تؤوي الإخوان اليوم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وهنا نصّ الحوار:

البداية التنظيمية

شكري مصطفى
كيف كانت بدايتك مع الجماعات الإسلامية من شكري مصطفى وصولاً إلى الإخوان؟

كانت البداية مع نكسة حزيران (يونيو) 1967؛ حيث حصل مدّ التنظيمات، التي انتهزت الفرصة مع انكسار الحلّ الناصري، وموجة التدين التي استغلت احتلال المسجد الأقصى، وأنا يومها تأثرت بهذه الحالة في أول دراستي الثانوية، والتزمت بالمحافظة على الصلاة وارتياد المساجد.

اقرأ أيضاً: شكري مصطفى: الشاعر الرقيق والقاتل المتوحش الذي أنجب التكفير والهجرة
في قريتي كان يوجد شيخ أزهري كفيف، يحمل درجتي ماجستير، أعطاني جرعة معلومات دينية وتأثّرت به كثيراً، ولمّا ذهبت إلى الجامعة، العام 1971، بالقاهرة، كانت تلك الجماعات ما تزال ضعيفة، وعبارة عن أفراد متفرقين يلتقون فقط في مساجد الكليات للصلاة، لكنّ التيار اليساري كان كبيراً جداً، وبدأنا كأفراد نصطدم بهم، ونشكّل تجمعات صغيرة في الكليات المختلفة تحت مسميات مثل: الجماعة الدينية، وجمعية الدراسات الإسلامية، أو الجماعة الإسلامية، وغيرها.

اقرأ أيضاً: وليد البرش: الإخوان تحركهم التقية والخطابات المزدوجة
آنذاك كانت معلوماتنا الدينية فطرية وقليلة، ثم بدأنا نتواصل في كلّ جامعة عن طريق اتحادات الطلبة التي بدأنا نخوض انتخاباتها، وسهّلت لنا اتحادات الطلبة التواصل على مستوى الجمهورية، وباسمها أقمنا معسكرات صيفية إسلامية، كنّا ندعو إليها مشايخ بالإخوان؛ كالشيخ الغزالي، وسيد سابق، والشيخ المحلاوي، وغيرهم، وكانت هذه هي البداية ليست لي فقط، بل لكلّ التيار.
هل ظهرت جماعة التكفير والهجرة في تلك الفترة، أم كانت بداية تلك الموجة مع القطبيين؟
في الحقيقة؛ عندما أخذت الدولة المصرية، في بداية عهد السادات، قرار الإفراج عن الإخوان، كان ضمن المجموعات الأولى المفرَج عنها؛ شكري مصطفى، وطه السماوي، وقيادات ما يسمَّى "التكفير القطبي".

أفرجت الدولة في بداية عهد السادات عن الإخوان وكان ضمنهم شكري مصطفى وقيادات "التكفير القطبي" 

بدأ طه السماوي، العام 1972، يخطب في مسجد بميدان العتبة، أما شكري مصطفى فنشر أفكاره في بلدته أسيوط، وأقنع ابن أخته ماهر بكري، الذي أُعدم معه 1977، وعمّه الدكتور حمدي بكري، في التوقيت نفسه بدأ المتأثرون بسيد قطب، مثل: مصطفى الخضيري، وعبد المجيد الشاذلي، والدكتور محمد المأمون، ومحمد سالم، وهم من رموز الفكر القطبي، بدؤوا في نشر هذا الفكر في القاهرة والإسكندرية، وقد عمل القطبيون، ومؤسّسو جماعة التكفير، كلٌّ على حدة، لكنهم استغلوا ما منحه لهم الرئيس السادات من حرية، وعملوا في وقت واحد لنشر هذه الأفكار.
جماعة التكفير والهجرة

هل التقيت بشكري مصطفى آنذاك؟ وماذا عرض عليك؟
عرّفني إليه طالب بكلية دار العلوم بالقاهرة، كان مع شكري بالسجن، في نهاية الستينيات، ورتّب لي اللقاء معه ليعرض عليّ أفكاره، ولما بدأ في عرض فكره قفزت إلى ذهني فوراً عقيدة الخوارج؛ لأنّ الشيخ الأزهري الذي كان بقريتي وأعطاني نبذة عنهم، فسألته: "ما الفرق بينك وبين الخوارج؟"، فقال: "الخوارج يكفّرون بالمعصية، وأنا أكفّر بالإصرار عليها"، وناقشته في ذلك كثيراً فتعجَّب من معرفتي مع صغر سنّي (19 عاماً تقريباً).

وجدت أنّ أفكار شكري مصطفى وغيره من زعماء القطبيين متشابهة تماماً مع فكر الخوارج

بعدها اتفقت معه أن يزورني بالإسكندرية بمنتصف الإجازة الصيفية، ليحاور بعض المشايخ والدعاة لأتبيّن الحقّ، وليردّوا على كلامه، وأخذت منه بعض كتاباته، خاصّة عن التوقف والتبين والتكفير بالإصرار على المعصية.
ثم ذهبت لقريتي وعرضت على الشيخ الأزهري كتابات الرجل، فصاح في وجهي قائلاً: إنّه فكر الخوارج التكفيري، فقلت له إنّ عبدالناصر سجنه لدعوته لتطبيق الشريعة، لكنّه صرخ في وجهي إنّه فكر الخوارج، ثم قابلت مؤسّس التكفير والهجرة، شكري، بالإسكندرية، واجتمعنا بمشايخ وأقرباء لي وعدد من أصدقائي، وعرض فكره وردّ عليه مشايخ ودعاة، واستمع إليه عدد من الشباب، منهم وجدي غنيم، فاقتنع بعض الشباب بفكره، ثم عاد الرجل لأسيوط، وكان قبل أن يمضي قد أخبرني بأنّ شيخه (وهو الشيخ علي عبده إسماعيل، شقيق عبد الفتاح إسماعيل الذي أُعدم مع سيد قطب)، يقيم الآن بالإسكندرية.
كان الشيخ علي عبده إسماعيل أول من ابتدع فكر التوقّف والتبيّن، لكنّه أعلن توبته منه، وكفّره تلميذه شكري مصطفى، ماذا قال لكم عبده عن تلك الفترة؟
توجهت وأنا في الإسكندرية لمقابلة الشيخ علي عبده إسماعيل بمسجد سلطان، وجلست معه وناقشته، وحكى وبيّن لي قصّة بداية جماعة التكفير، وبالفعل قال لي إنّ شكري كان تلميذه، لكنّه هو نفسه تاب ورجع لعقيدة أهل السنّة، وتنبأ لي بأنني الذي سأردّ على شكري وأفحمه، وأقضي على مجموعته.

اقرأ أيضاً: فريد بن بلقاسم: ادعاء "النهضة" القطيعة مع "الإخوان" دعاية سياسية انتخابية‎
ومن ثقته بي أرسلني لشخص ببنها أعطاني (كراسة) للردّ على شكري، وكتيّباً صغيراً "دعاة لا قضاة"، ولم يكن حينها قد طُبع بعد، فقرأتهما ودرستهما تماماً، لأبدأ فيما بعد سلسلة الردود على جماعة التكفير والهجرة.
الخروج من الهاوية

ما الذي تبينته لتحارب شكري مصطفى وتحاول هدم جماعته؟
بعدما سمعت قصة نشأة التكفير من الشيخ علي إسماعيل، وأيضاً من شكري مصطفى، وغيرهما من زعماء القطبيين، وجدت أنّ أفكارهم متشابهة تماماً، حرفياً ونصياً، مع فكر الخوارج، الذين كفّروا وقاتلوا الصحابة، رضي الله عنهم، وقتلوا الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وأعلنوا حرباً على الإسلام والمسلمين.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
وبعدما قرأت كتب الفرق الإسلامية، مثل: "الملل والنحل" للشهرستاني، و"الفرق بين الفِرق" للبغدادي، و"الإبانة عن أصول الديانة" لأبي الحسن الأشعري، وغيرها، وجدت آراءهم تتطابق تماماً مع فرقة من الخوارج اسمها (الأزارقة)، و(الأخنسية) و(الثعالبة)، والقطبيون يشبهون فرقة اسمها (النجدات) لا تَعْذُر بالجهل.
كيف بدأت سلسلة المحاورات الفكرية والردود؟ وكيف كانت؟
أخذت أطوف الجامعات المختلفة، وأعطي دروساً في الردّ على التكفير وشكري، وفي العام 1975 كان هناك معسكر صيفي لجامعة القاهرة في المدينة الجامعية، وكان المسؤول عنه عصام العريان، وحضره الأستاذ فهمي هويدي، وكان وقتها مشرفاً على الصفحة الدينية بـ"الأهرام"، فقلت له أنا وعصام العريان: "لقد نشرت ثلاث مقالات لأتباع شكري مصطفى، ولديّ ردود"، فقال لي: "اكتب مقالاً ردّ فيه على التكفير"، فكتبت مقالاً بعنوان "إنّهم يرددون فكر الخوارج"، ونشر في "الأهرام"، بتاريخ 15 آب (أغسطس) 1975.

اقرأ أيضاً: شوقي علام: الإخوان لم يقدموا طيلة تاريخهم سوى الخراب والدمار باسم الدين
وقد ناقشت أعضاء جماعة التكفير والهجرة بالحبّ والرفق، لا بالتحدي والمناظرة، فتاب أكثرهم، ومن ضمنهم عدد من قيادات جماعة شكري مثل: الدكتور صلاح الصاوي، والدكتور محمود حماية.
من التكفير إلى الإخوان؛ كيف تطوّر شكل الجماعات الإسلامية بالجامعات؟
تكوّنت جماعات إسلامية على مستوى الكليات والجامعات، وفي معسكر صيف 1976 بالإسكندرية، بأبي قير، الذي حضرته كلّ قيادات هذه الجماعات من الإسكندرية إلى محافظة أسوان، تم الاتفاق على توحيد الجماعات في جميع جامعات مصر، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، وتمّ اختيار خالد داوود ليكون أول أمير عام لها، على مستوى مصر، وخلفه بعد أن تخرَّج حلمي الجزار، ولم تكن الجماعة الإسلامية تابعة للإخوان؛ بل كانت مستقلة تماماً عنها في ذلك الوقت.
لماذا كان الفكر السلفي هو الغالب على فكر هذه الجماعات في ذلك التوقيت؟
بالفعل كان هو الغالب؛ لأنّه عندما ظهرت فتنة التكفير من شكري والقطبيين لم يجد الشباب ردوداً عليها، إلا في كتب السلف التي تحدثت عن الخوارج، عكس كتب الإخوان الفكرية والحركية، التي لم تغنهم في الردّ، ووجد الشباب أنّ الكتب التراثية هي الأمان والحماية وطوق النجاة من فكر التكفير، ومن هنا بزغ نجم السلفية بالإسكندرية.
مع الإخوان

إذاً؛ كيف بدأت فكرة انضمام الجماعات الإسلامية بالجامعة للإخوان؟
بدأت بعد أن تخرَّج عدد كبير في الجامعة، وبدأنا نبحث في عمل جماعة تربط هؤلاء الخريجين، وبدأ البعض يقترح علينا الانضمام للإخوان المسلمين، والعمل معهم، مثل: الأستاذ محمد حسين، وحامد الدفراوي، من الإسكندرية، وأخذنا في شدّ وجذب واختلاف، ووافق البعض، واشترطنا على الإخوان الأخذ بفكر السلف، ووعدنا بذلك الأستاذ مصطفى مشهور.

الشعب يرفض تماماً أن يعود الإخوان كما كانوا قبل 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة

وفي عامَي 1978 و1979 بدأت بعض قيادات الجماعة في دخول الإخوان سرّاً، وكانت البداية من الإسكندرية: حامد الدفراوي، خالد داود، إبراهيم الزعفراني، عصام الحداد، وأنا كنت معهم. ومن القاهرة: عبد المنعم أبو الفتوح، محمد عبد اللطيف، عصام العريان، ومن المنيا: محيي الدين عيسى، أبو العلا ماضي، وآخرون غيرهم، ثمّ حدثت مشكلة بالإسكندرية؛ حيث وجد بعضنا أنّ الإخوان لم يلتزموا بمنهج السلف، مثل: الدكتور محمد إسماعيل، والدكتور أحمد فريد، وأبي إدريس، وبرهامي، وآخرين، فتركوا الإخوان وكوّنوا المدرسة السلفية.
ماذا كان موقف الجماعة الإسلامية في الصعيد من انضمامكم للإخوان؟
عندما علم أعضاء الجماعة بأسيوط والمنيا، مثل كرم زهدي، وأسامة حافظ، وناجح إبراهيم، وعصام دربالة، وغيرهم، بانضمام بعضنا للإخوان سرّاً، استشاطوا غضباً، ورفضوا الانضمام، وكوّنوا جماعة خاصة بجامعات الصعيد، تحت اسم "الجماعة الإسلامية"، واتجهوا للعنف، إلى أن وصلوا لاغتيال الرئيس السادات، وأحداث مدينة أسيوط.

اقرأ أيضاً: إبراهيم ربيع: الإخوان المسلمون كيان وظيفي يعمل بالوكالة
وبالتالي انقسمت الجماعات في الجامعات إلى ثلاثة أقسام: قسم يتبع الإخوان، وآخر يتبع الدعوة السلفية، وثالث يتبع الجماعة بالصعيد.

لماذا لم ينتهِ الفكر التكفيري بإعدام شكري مصطفى؛ بل انتشر عن طريق القطبيين؟
رغم انتشار فكر شكري، والضجيج الذي ثار حول جماعته، التي كانت هشّة جداً، وتعتمد على شخصية مؤسسها، وبإعدامه انتهى تنظيمه، لكن رموز الفكر القطبي الذين كانوا أكثر قرباً من سيد قطب كانوا أكثر نشراً لفكر التكفير وفكرهم، وأخبث وأخطر، وكانوا يأخذون بنظرية التقية الشيعية، فنشروا فكرهم داخل تنظيمات الجهاد المختلفة، مثل: صالح سرية 1974، ويحيى هاشم 1975، و"الناجون من النار" 1979، ومحمد عبد السلام فرج، الذي حلّل دم السادات والجنود بأسيوط عام 1981، وغيرهم.
الانفصال عن الإخوان

كيف كنت ترى جماعة الإخوان قبل تحفّظ 1981 وبعده؟ ولماذا ابتعدت عنهم العام 1985؟
عندما انضممنا للإخوان في نهاية السبعينيات؛ كنت أراها دعوة سلمية معتدلة متصالحة مع المجتمع وتحارب التكفير، وفصيلاً إسلامياً من فصائل الوطن المختلفة، لا تميّز نفسها عليهم، لكن في عامَي 1984 و1985 بدأت أرى مظاهر الفكر القطبي في الجماعة، وتقديس السمع والطاعة، فناقشت الأستاذ جمعة أمين في ذلك، عام 1985، فقال لي: "إنّك بذلك تتهم الجماعة بأنّها فاشستية وفيها فكر تكفيري، وتريد أن تهدمها"، وكان ذلك هو نهاية علاقتي بجماعة الإخوان، وابتعدت عنهم بهدوء، ثم انضممت لحزب العمل العام 1987.
عرفت أنّك أول من ابتدع شعار "الإسلام هو الحلّ" كيف كان؟ وكيف اتّخذه الإخوان شعاراً بعد ذلك؟
نعم، أنا أول من كتب كتاباً بعنوان "الإسلام هو الحلّ"، وساعتها كنت مقتنعاً بأنّ الإسلام هو الحلّ لجميع مشاكل البشرية، لكن حدث في انتخابات برلمان، العام 1987، تحالف بين حزب العمل وحزب الأحرار والإخوان، باسم "التحالف الإسلامي"، وبحثوا عن شعارٍ موحّدٍ لا يكون شعاراً لأحد منهم قبل ذلك، واختاروا عنوان كتابي، وفي بداية الأمر رفض أفراد الجماعة الشعار؛ لأنّه ليس تقليدياً، مثل: "القرآن دستورنا"، و"الرسول زعيمنا"، وغيرهما، لكنّهم تراجعوا بعد أن وجدوا استحساناً له عند الناس، ثم إنّ حزب الأحرار ترك الشعار، وتمّ تجميد حزب العمل، فانفردت جماعة الإخوان به، وعدّوه خاصاً.
حدّثني عن الجماعة الآن؛ كيف تراها؟ وهل هناك بالفعل أجنحة داخلها؟
أصبحت جماعة الإخوان الآن أقرب ما تكون إلى السياسة من الدعوة، فممارستها أصبحت سياسية بحتة، واختفى أيّ أثر لها في الدعوة، وهي تموج بتيارات وأجنحة مختلفة، فهناك الجناح التقليدي للجماعة الذي يقوده محمود عزت (نائب المرشد)، ويمثله علناً الدكتور محمود حسين (أمين الجماعة)، وإبراهيم منير، وهناك جناح محمد كمال، الذي تتبعه حسم، ولواء الثورة، وغيرها من تنظيمات العنف، وهناك مجموعة أخرى من القيادات نفضت يدها من سياسة الإخوان الحالية، مثل: الدكتور عمرو دراج، وغيره.

السادات منح الجماعات الإسلامية الحرية فاستغلوها في نشر الأفكار القطبية

وثمة أجنحة أخرى مشتاقة للعودة للقيادة، وتزعم أنّها إصلاحية، لكن في الحقيقة الفكر القطبي أصبح المسيطر على غالب التيار، وأنا متأكد من أنّ الإخوان منقسمون، وكلّ جناح يزايد على الآخر، إلى جانب أنّ الدول التي تؤويهم أصبحت تتحكم في قراراتهم لمصالحها السياسية، فضلاً عن عقول القيادة المتحجرة.
وأما من جانب الدولة؛ فالشعب يرفض تماماً أن تعود جماعة الإخوان كما كانت قبل كانون الثاني (يناير) 2011 جماعة سرية شاملة موازية للدولة، ولا بدّ من أن تعلن تبرّؤها من أفكار العنف والتطرف، وأنا أعتقد أنّه الجماعة ستظلّ تضعف وتنقسم وتتشرذم على مرّ الوقت، إلى أن تنتهي أو تظهر بأشكال أخرى؛ لأنّها ليست جماعة خالدة.

للمشاركة:

حازم صاغية: خداع حزب الله فجّر الغضب الشيعي في لبنان

2019-11-05

أجرى الحوار: سامر مختار


في 17 تشرين الأول (أكتوبر) انتفض الشعب اللبناني، ونزل الشارع احتجاجاً على الوضع الاقتصادي المتأزم، وضدّ فساد المسؤولين السياسيين في الحكومة اللبنانية، وسرعان ما تطور الوضع، بازدياد أعداد المتظاهرين في الساحات، وامتدادها لتشمل مناطق ومدن كثيرة في لبنان؛ من بيروت لطرابلس، للنبطية، وصيدا، وصور، وجسر جل الديب، ومناطق كثيرة، وهذه الانتفاضة أخذت شكلاً مغايراً عن الاحتجاجات الشعبية عام 2015 "طلعت ريحتكم"، بعد أزمة النفايات التي تراكمت في شوارع بيروت وسائر المناطق في لبنان.

صاغية: اليد الثقيلة لإيران في العراق أولاً، وفي لبنان ثانياً، تتعرض اليوم لتحدٍّ خطير ولامتحان خطير

هذه المرة لم يكتفِ المتظاهرون برفع شعارات تعبّر عن مطالبهم الاقتصادية فحسب، بل كانت هناك مطالب سياسية واجتماعية، وهتافات ضدّ الطبقة السياسية التي تتمتع بغنى فاحش، والمنتفعة من الوضع القائم.
تتالت خطابات المسؤولين اللبنانيين لتهدئة الوضع، وإلقاء الوعود بتحسن الوضع تارة، وإلقاء اللوم على بعضهم تارة أخرى، ولم تنجح هذه الخطابات سوى برفع سقف مطالب المحتجين في الشارع، التي وصلت إلى إسقاط الحكومة أولاً، ومن ثمّ رفع شعار "الشعب يريد إسقاط النظام"؛ أي إسقاط النظام الطائفي في لبنان.
ولم تنجح تهديدات الأمين العام لحزب الله، حسن نصر الله، المبطَّنة، في خطابه الثاني، وذلك باتهاماته التي وجهها للمتظاهرين، بأنّ السفارات وجهات أجنبية وراء المظاهرات التي تحصل، ونزول مؤيدين له لمحاولة تخريب المظاهرات السلمية، بليِّ عزيمة المتظاهرين في الرجوع عن مطالبهم.
اللبنانيون يطمحون، من خلال انتفاضتهم، إلى تغيير الشكل السائد للبنان، منذ الحرب الأهلية وحتى الآن، والتي أرست نظاماً سياساً قائماً على اقتسام السلطة طائفياً.

اقرأ أيضاً: هل تحدث الثورة اللبنانية تغييراً في المجتمعات العربية؟
على هامش الانتفاضة اللبنانية، وحول أفقها وتداعياتها، التقت "حفريات" الكاتب والمعلق السياسي اللبناني حازم صاغية، الذي أكد أنّ السياسات المخادعة لحزب الله فجرت الغضب الشيعي في لبنان.
لبنان يجاهر بطائفيته لسببين

من الواضح أنّ حزب الله قد أعلن عن نفسه باعتباره هراوة السلطة وهو الذارع التي ستتولى المهام القمعية
كان أول شيء يلحظه الغريب الوافد إلى لبنان هو وضوح الانتماءات الطائفية، التي يبنى على أساسها مواقف سياسية واجتماعية في الحياة اليومية، سواء كان ذلك من خلال حوارات قصيرة مع سائق التاكسي، أو التغييرات الثقافية التي تلحظها أثناء تنقلها من مكان إلى آخر، اليوم؛ هل تغيّر المشهد بفعل الانتفاضة الشعبية العابرة للطوائف؟ وهل هناك شكل جديد أعلى من الانتماءات الفرعية في لبنان لصالح هوية وطنية قيد التشكل؟ وكيف ترى لبنان قبل وبعد 17 تشرين الأول (أكتوبر)؟

ارتبطت صورة لبنان، واسم لبنان، تاريخياً بالطائفية، وهذا من دون أن يعني أنّ لبنان مختلف نوعياً عن تراكيب باقي البلدان العربية، إلا أنّه يجاهر بطائفيَّته، لسببَين رئيسَين: الأول أنّه لم يخضع لنظام قومي عسكري أيديولوجي، يفرض أيدولوجية فوقية على المجتمع، والثاني: أنّ الدولة تبنت رسمياً الطائفية، وتوزيع الحصص والمواقع والامتيازات على أساس طائفي، لكن مؤخراً، مع الثورة التي نعيشها اليوم، بدأ يظهر "الإنسان الاقتصادي" (الذي يرى العالم من منظور موقعه الطبقي واحتياجاته المعيشية)، وبدأ يحصل نوع من الانزياح من "الإنسان الطائفي"، إذا صحّ الوصف، هذا الانزياح ترافق مع أزمة اقتصادية هائلة، أقنعت الذين كانوا لا يرون تناقضاً بين الطائفية والازدهار، وبين الطائفية والحياة الديمقراطية، أقنعتهم بأنّ التناقض يستفحل ويكبر، ولهذا نشهد هذه الحركة الانزياحية، التي إذا ما تسنّى لها أن تكبر، وفي حال عدم تعرضها للقمع؛ فإنّها، في رأيي، وفي أملي، مرشحة لأن تتعاظم وتنمو.
لكن، لماذا لم يشعر من هم في السلطة اللبنانية، من مسؤولين وسياسيين، بتفاقم هذا التناقض ما بين الطائفية والازدهار؟ فلبنان شهد محاولات لخلق حراك قبل الانتفاضة، من أسابيع قليلة، لكنّه لم ينجح، أي كانت هناك إشارات لانفجار ما، لماذا لم يتوقع من هم في السلطة هذا الانفجار؟
لم يتوقع الرسميون في لبنان هذا الانفجار؛ أولاً لأنّهم لا يريدون أن يتوقعوا، بمعنى أنّهم مستفيدون من الواقع القائم، وليس من مصلحتهم تعديله لصالح وضع جديد، تنهض من خلاله قوة جديدة غير طائفية تضعه في الظل، ثانياً: لأنهم أيضاً على صعيد الوعي والتفكير والاستشراف لا يملكون القدرة والقابلية على إدراك إلى أين يسير الوضع، وبالتالي على إدراك التناقض بين الطائفية واستمرار الحياة الاقتصادية والسياسية في البلد، الذي يدرك، على الأرجح، هو حسن نصر الله، وهو مستفيد كبير من التركيب الطائفي القائم، الذي لولاه لما كانت ظاهرة حزب الله، ولما كان بنموّه وقوته القائمة.
افتراق بين حزب الله وقاعدته

مؤخراً ما حصل هو افتراق كبير بين حزب الله وقاعدته
حسن نصر الله، في خطابه الأول، طلب من المتظاهرين ألّا يستخدموا الشتائم ضمن الهتافات التي كنت تعلو في المظاهرات، وكانت المفاجأة خروج مظاهرات في مناطق كانت ينظَر إليها سابقاً أنها مؤيدة له، لكنّها انقلبت عليه فعلياً، كما في النبطية ومناطق في الجنوب؛ كيف ترى هذه الجرأة التي رأيناها على انتقاد حسن نصر الله بشكل واضح هذه المرة؟

ما من شكّ في أنّ حزب الله  استطاع دائماً أن يظهر كما لو أنّه حليف للمسألة الاجتماعية والمتضررين منها في طائفته، وفي طوائف أخرى إلى حدٍّ ما، لكن في الوقت نفسه؛ أن يزاوج هذه المسألة، أو أن يلحقها بمسألته الأولى (وضعه السياسي) كأداة إقليمية، لكن مؤخراً ما حصل هو افتراق كبير بين قاعدته وبينه، لا سيما مع جفاف التمويل الإيراني، بسبب الحصار التي تتعرض له إيران منذ فترة، وهذا في المقابل أضاف شحنة إضافية إلى الغضب الشيعي الذي أحسّ بلونٍ من الخديعة في ما يخصّ سياسات حزب الله، وما درج من تبنيه الفعلي لقضايا المحرومين والفقراء في النبطية وصور وبعلبك، وسائر مناطق التي يقطنها الشيعة؛ لهذا أعتقد أنّ الصراع داخل الطائفة الشيعية الذي لم تظهر أدواته بعد، سيكون أكثر حدّة منه في أيّ من الطوائف الأخرى، فبالنسبة إلى السنّة الذي يغادرون موقع الحريري، أو المسيحيين الذين يغادرون الموقع العوني، المسألة ليست مرتبطة بالسلاح؛ إذ لا سلاح فيها، وبالتالي العبور والانقسام والانشقاق أهون وأسهل منه في حالة الشيعة.
كثير من التحليلات اليوم من متابعي ومتأملي الانتفاضة اللبنانية ترى أنّ صمود المتظاهرين وتحديهم لحسن نصر الله هو مغامرة، ويرون أنّ اقتلاع قبضة حزب الله، أو حتى التخفيف من هيمنته، شيء صعب، كما أنّ هناك نظرة تجاه حزب الله، بأنّه سيحاول ألّا يصطدم صداماً عنيفاً مع المتظاهرين ومطالبهم، هل تتفق مع هذه التحليلات؟ وهل ترى أفقاَ للتفاوض بين حزب الله والمتظاهرين أم إنّه سيستخدم العنف ضدّهم؟
ما من شكّ في أنّ طرح حزب الله كشريك في السلطة والتعامل معه بهذه الصفة هو مغامرة كبرى، وقد ظهرت بعض علامات نتائجها في ساحة رياض الصلح، وفي الجنوب، وفي أمكنة أخرى ربما، قد يكون من الصعب توقع أيّ شكل سيتبعه حزب الله، لكن المؤكّد حتى الآن، أنّ الحزب، لا سيما مع ما يظهر من تردّد الجيش، ومن وجود وجهات نظر قوية داخل الجيش ترفض التدخل القمعي، من الواضح أنّ الحزب قد أعلن نفسه باعتباره هراوة السلطة، وهو الذارع التي ستتولى المهام القمعية، حين يأتي الوقت الملائم لذلك، أما الأشكال فمن المبكر لأوانه التحدث عنها.
من تجرأ على الأسد يتجرأ في لبنان

العراق ولبنان يتشاركان في الخضوع للسطوة الإيرانية التي تتضامن أو تتكامل مع فسادٍ داخلي ومع تناقضات داخلية
المتظاهرون اللبنانيون اليوم في الساحات وفي الاعتصامات، يحيون كثيراً من الانتفاضات التي حصلت في الأعوام السابقة؛ هناك ردّ اعتبار لروح الثورة السورية، هناك أغانٍ على النغمات والهتافات نفسها التي كانت تخرج في بداية الثورة السورية؛ كيف ترى هذا الارتباط بين الموجة الأولى، والموجة الثاني للثوارت العربية؟

لقد رأينا فعلاً في الثورة اللبنانية، درجة التأثر، لا سيما في المجالات الفنية والغنائية بالإرث التي خلفته الثورة السورية، والتي عاش لبنان أجواءها عن كثب، حتى من قبل الذين عارضوا الثورة، هذه الأجواء لا بدَّ من أنّها أثّرت في الوضع اللبناني عموماً، وأنعشت حالة التجرؤ على النظام؛ إذ يغدو من السهل أن تتجرأ على النظام اللبناني بعد أن تجرأ السوريون على نظام الأسد، كذلك لا شكّ في أنّ المناخ الانتفاضي والثوري الذي عبّرت عنه مؤخراً بلدان، كالجزائر والسودان والعراق، الذي تواكب حركته الحركة اللبنانية، كلّ هذا فعل فعله، بلا شكّ، عبر التأثرات التي وصلت عن طريق التلفزيون والتواصل الاجتماعي وسواها، لبنان حتى الآن هو آخر مسارح الانتفاض الثوري في المنطقة.
نلاحظ اليوم؛ أنّ هناك خيطاً يربط بين الانتفاضة اللبنانية والانتفاضة العراقية، وهو الانتقاد الواضح لهيمنة إيران في المنطقة، هناك هتافات وشعارات خرجت من العراق ضدّ إيران وضدّ قاسم سليماني؟ كيف ترى هذا الانتقاد الواضح لإيران ووكلائها المحليين في المنطقة؟
ما من شكّ في أنّ العراق ولبنان يتشاركان في الخضوع للسطوة الإيرانية، من دون أن يكون هذا هو العنصر الوحيد؛ إذ إنّ هذه السطوة تتضامن أو تتكامل مع فسادٍ داخلي ومع تناقضات داخلية لا حصر لها، لكنّ اليدَ الثقيلة لإيران في العراق أولاً، وفي لبنان ثانياً، تتعرض اليوم لتحدٍّ خطير ولامتحان خطير، مفاد ذلك أنّ الانسحاب الغربي من المنطقة، خلق نوعاً من التجرؤ الإيراني عليها، وهذا استعرض نفسه على أوضح ما يكون في قمع الثورة السورية، لكن من الواضح أنّ تخريب وضع ما شيء، وبناء وضع، شيء آخر، فإيران نجحت، لأسباب كثيرة لا مجال لذكرها هنا، في الإمعان في تخريب الوضعَين العراقي واللبناني، لكنّك حين تكون مسؤولاً، أو طرفاً في المسؤولية، عن إطعام الملايين، وعن حلّ مشاكل الناس؛ فهذا امتحان يتجاوز تخريب وضعٍ سابق، في هذا الامتحان تفشل إيران ووكلاؤها المحليون، وهذا هو سبب المواجهة التي نعيشها اليوم.

للمشاركة:



وزارة الدفاع الجزائرية تخاطب مواطنيها.. ماذا جاء في بيانها؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

أصدرت وزارة الدفاع الجزائرية بياناً خاطبت فيه المواطنين، بالتزامن مع بدء حملة الانتخابات الرئاسية، اليوم.

وأكد البيان؛ أنّ "القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي أعطت التعليمات الكافية والتوجيهات الضرورية لكل القوات والمصالح الأمنية المعنية لتوفير الشروط الملائمة لتمكين الشعب الجزائري من المشاركة القوية والفعالة في الحملة الانتخابية، وفي الاستحقاق الرئاسي المقبل، بكلّ حرية وشفافية".

الجيش يعطي التوجيهات لتمكين الجزائريين من المشاركة في الحملة الانتخابية وفي الاستحقاق الرئاسي المقبل بحرية

وقالت الوزارة: إنّ "التعليمات المقدمة لوحداتها تهدف إلى تمكين المواطنين والمترشحين من التحرك والتعبير في جوّ يسوده الاطمئنان والأمن عبر مختلف أرجاء الوطن عشية انطلاق الحملة الانتخابية".

ودعت الوزارة "المواطنين الغيورين على وطنهم إلى المساهمة النشيطة، إلى جانب قوات الجيش ومختلف مصالح الأمن التي هي مجندة ليل نهار وبيقظة كبيرة، والوقوف صفاً واحداً لإنجاح هذا الموعد المصيري في حياة ومستقبل البلاد ورفع التحدي الذي يعزز مكانة وسمعة الجزائر".

هذا وتنطلق، اليوم، الحملة الدعائية للمترشحين الخمسة، وسط انقسام في الشارع حيال الانتخابات الرئاسية المرتقبة، في 12 كانون الأول (ديسمبر)، حيث تستمر الاحتجاجات الشعبية الرافضة لها كلّ يوم جمعة.

ويطالب المتظاهرون بتأجيل الانتخابات واستبعاد كلّ شخص كانت له علاقة بنظام بوتفليقة السابق، من ضمن بعض الشخصيات السياسية التي ما تزال على رأس عملها؛ مثل رئيس البرلمان وقائد الجيش.

 

للمشاركة:

الحكومة الصينية تكسب مليار دولار من جثث السجناء.. كيف؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

كشفت دراسة علمية طبية حديثة استخدام الصين أساليب ممنهجة للتستر على عمليات قتل سجناء سياسيين وسرقة أعضاء من جثثهم، خاصة من أقلية الإيغور المسلمة.

واتّهمت الدراسة الصين بالتزوير في بيانات المتبرعين بالأعضاء، مشيرة إلى أنّ البيانات الرسمية تكشف "عملية خداع وتضليل بارعة، حيث تظهر عمليات نقل الأعضاء القسرية وكأنها عمليات تمت عن طريق متبرعين"، وفق ما نقلت شبكة "الحرة".

الصين تتلاعب في بيانات المتبرعين بالأعضاء البشرية للتستّر على عمليات قتل سجناء وسرقة أعضائهم

وقامت الدراسة التي أعدتها ونشرتها مجلة "بي إم سي"، المتخصصة في أخلاقيات مهنة الطب، في 14 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، على مقارنة الإحصائيات الرسمية بالعدد المقدر لعمليات زراعة الأعضاء.

وأجرى الباحثون الدراسة على خمس مناطق، من مجمل 28 منطقة، أتيحت فيها المعلومات لدراسة الحالة، بين عامَي 2010 إلى 2018.

وقالت الدراسة؛ إنّ عمليات تجارة الأعضاء التي تقوم بها السلطات الصينية من السجناء تدرّ على الدولة مليار دولار، مضيفة أنّ هذه العمليات ما تزال مستمرة، رغم ادّعاء السلطات إصلاح تجارة الأعضاء القسرية.

وكانت السلطات الصينية قد أعلنت إصلاح نظام نقل الأعضاء، بدءاً من كانون الأول (يناير) 2015؛ حيث أصبح الحصول على الأعضاء البشرية من خلال المانحين المتطوعين في المستشفيات، وذلك بعد أن كانت تشتري الأعضاء من السجون والأجهزة الأمنية.

وتقول الدراسة: إنّ "الإصلاحات في الواقع كانت بمثابة قناع للاستمرار في استخدام الجهات المانحة غير الطوعية".

الدراسة أثبتت أنّ عمليات تجارة الأعضاء التي تقوم بها السلطات الصينية تدرّ على الدولة مليار دولار

وبذلك، تؤكّد الدراسة ما خلصت إليه نتائج تحقيقات أجرتها محكمة الصين المستقلة في لندن، وعرضتها أمام مجلس الأمم المتحدة في جنيف، في أيلول (سبتمبر) الماضي، ونفتها السلطات الصينية.

ومحكمة الصين هيئة مستقلة مراقبة لأوضاع حقوق الإنسان في الصين، يرأسها جيفري نيس، المدعي العام السابق لدى المحكمة الجنائية الدولية الخاصة، بما كان يعرف بيوغوسلافيا السابقة.

واستمعت المحكمة لعدة شهادات وإثباتات قدمها محققون في شؤون حقوق الإنسان وخبراء وشهود عيان من أقلية الإيغور المسلمة، وكذا أقلية فالون.

وأكدت المحكمة في بيان "وجود دلائل قطعية الثبوت بضلوع بكين، طوال عشرين عاماً، في استخراج أعضاء من أجساد المنتمين إلى تلك الأقليات والمتاجرة بها".

 

 

للمشاركة:

مقتل 3 قياديين حوثيين في محافظتَي صعدة والضالع.. أسماء

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

خسر الحوثيون، في محافظتَي صعدة والضالع، خلال الـ 24 ساعة الماضية، ثلاثة من قادتهم، في معارك مع الجيش اليمني الوطني.

وصرّحت مصادر عسكرية يمنية، بأنّ "الميليشيا خسرت 3 من كبار قادتها، الذين تلقوا تدريبات على أيدي قوات "الباسيج" في طهران، خلال الأعوام الماضية، ضمن مجموعة يقدَّر عددها بـ 200 شخص"، وفق ما نقلت صحيفة "عكاظ" السعودية.

الحوثيون خسروا 3 من كبار قادتهم الذين تلقوا تدريبات بطهران وهم: أبو الرضا وأبو طالب السفياني وحسن الوشلي

وأضافت: "قُتل القياديان الإرهابيان، أبو الرضا وأبو طالب السفياني، في مواجهات مع قوات الشرعية في جبهة الملاحيظ، برفقة عدد من مسلحيهما"، لافتاً إلى أنّ "القيادي الحوثي، حسن محمد الوشلي، المكنى "أبو سليمان"، قتل مع نجله، المكنى "أبو حسن"، في الضالع".

وأكّدت المصادر؛ أنّ مستشفى الثورة بذمار يستقبل يومياً عشرات الجثث من القتلى قادمة من الضالع وصعدة، وأنّ غالبية القتلى ينتمون إلى المحافظة.

في الأثناء؛ كشفت مصادر مطلعة في ميليشيا الحوثي الإرهابية، عن مصير وزير دفاع الحوثيين، اللواء محمد العاطفي، بعد شهر من إصابته بطلقات نارية في خلافات داخلية داخل أجنحة المليشيا الحوثية.

مصادر حوثية تكشف مقتل وزير دفاع الحوثيين، بعد شهر من إصابته بطلقات نارية في خلافات داخلية

ونقل "المشهد الخليجي"، عن مصادر مطلعة قولها: إنّ وزير الدفاع في حكومة الحوثيين (غير معترف بها دولياً)، والمطلوب رقم 7 للتحالف العربي، محمد العاطفي، قتل في تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، متأثراً بجراحه بعد إصابته من قبل عناصر في الميليشيا الحوثي.

وأوضحت المصادر؛ أنّ العاطفي أصيب بطلقات نارية في أنحاء متفرقة من جسده، نقل إثرها إلى أحد مستشفيات العاصمة، صنعاء، لتلقي العلاج، إلّا أنّه فارق الحياة.

وأشارت المصادر إلى أنّ العاطفي؛ أصيب يوم 12 تشرين الأول (أكتوبر)، ومات بعج أربعة أيام، وهو متخصص في إطلاق الصواريخ الباليستية، ويعزى إليه إطلاق بعضها نحو المملكة العربية السعودية.

وزير دفاع الحوثيين، اللواء محمد العاطفي

للمشاركة:



ماذا بقي لإيران في العراق؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

حسين الشيخ

لم يكن هذا السؤال مشروعاً ومسموحاً به قبل نحو عقدين من الزمن في ذهنية العراقيين شعباً وحكومة وتحديداً قبيل دخول القوات الأمريكية العراق عام 2003 واحتلالها كامل أراضيه، بحجة امتلاكه أسلحة الدمار الشامل ووجود عناصر لتنظيم القاعدة تعمل من داخل البلاد.

الوضع اليوم مختلف كثيراً لأن واشنطن وطهران تحالفتا على صدام حسين ونجحتا في إسقاط حكمه، ليقتسم البلدان النفوذ على الأراضي العراقية وإن لم يكن الأمر علانية ولكنه أمر ذاقت البلاد مرارته على مر السنوات الماضية، من خلال استغلال كل طرف رجالاته ونفوذه لدفع ثمن فاتورة الحرب التي لا شك كلفت الكثير خاصة الجانب الأمريكي.

منذ دخول القوات الأمريكية العراق برزت إيران على المشهد من خلال رجالات ينتمون للعراق هوية ويتبعون لإيران ولاءً، واستطاعت من خلال هؤلاء تشكيل أحزاب الغطاء فيها سياسي والبنية الداخلية قائمة على المليشياوية والتطرف وحب الانتقام، وهذا ما قامت تجاه أبناء المحافظات الغربية وبدعم من رئيس الحكومة العراقية الأسبق نوري المالكي، الذي صنف العراقيين عام 2012 بين من يقف مع "الحسين" قاصداً تياره ومن يساند "يزيد" في إشارة إلى خصومه السياسيين.

في واقع الأمر تمثل حقبتا نوري المالكي في رئاسة الحكومة، التي بدأتا عام 2006 إلى 2014، الأرض الأكثر خصوبة لتنامي النفوذ الإيراني وإرساء دعائم هذا النفوذ في الأرض العراقية، بما يحقق مصلحة إيران في الإبقاء على رئة تستطيع من خلاله التنفس عقب العقوبات الأمريكية والغربية عليها، وعدم توصل الطرفين لاتفاق ناجع تدخل به إيران منظومة الدول السوية غير المثيرة للمشاكل والنعرات الطائفية سواء في إقليمها القريب أو حتى على الصعيد الدولي.

عملت إيران ليل نهار لخلق حالة مجتمعية عراقية تخدم مصالحها من خلال دعم حلفائها من الذين يدينون لها بالولاء مثل المجلس الأعلى الإسلامي العراقي وحزب الدعوة ومنظمة بدر والصدريين مع تذبب موقفهم، لنتخرط في الحياة السياسية وتجميع الأحزاب والشخصيات الشيعية، والعمل على وحدة صفها وعدم ضياع أصواتها في الانتخابات التي تعاقبت على البلاد بعد سقوط النظام السابق، لا لينعم العراق بمستقبل أفضل بل لتبقى إيران مهيمنة على نفط البلاد ومقدراته من تجارة وزراعة وغيرها، وليبقى هذا البلد العربي ساحة تستطيع من خلالها إيران الضغط على خصومها الدوليين عبر رعايتها مليشيات متطرفة تحركها وفق ما تريد التي تريد بما يهدد ليس مصلحة واشنطن فحسب بل المنطقة برمتها.

هذا الوضع الذي كانت تعيشه إيران خلال السنوات الماضية لن تتمكن من الاستمرار به في الوقت الراهن أو حتى في المستقبل القريب على الأقل لعدة أسباب نذكر منها ثلاثة:

السبب الأول يكمن في رفض العراقيين إيران والتظاهر ضد نفوذها، وهي نقطة مهمة جداً إذ يدرك الساسة الإيرانيون جيداً في ذهنيتهم قوة الشعب العراقي وشدة انتمائه لعروبته وعدم رضوخه وقبوله الذل والمهانة، لذلك بات الصوت مرتفعاً ضد شخصيات كانت في الوقت القريب من المحرم المسّاس بها من شدة الذعر الذي رافق ذكرها كقاسم سليماني، قائد فيلق القدس الجنرال الإيراني الأكثر شهرة خلال السنوات العشر الأخيرة، لم يقف الأمر عنده بل وصل إلى المرشد علي خامنئي، ولعلها المرة الأولى التي تُحرق فيها صوره وبشكل في أكثر من منطقة عراقية، دلالة على ضيق ذرع العراقيين بالإيرانيين وسطوتهم.

الثاني يتمثل بعدم قدرة الساسة العراقيين جميعاً بمن فيهم المحابون إيران والذين كانوا يدورون في فلكها على مجاراة الضغوط التي تتعرض لها طهران من الغرب، لذلك بات هؤلاء يبحثون عن نجاتهم أكثر من مصلحة إيران، خاصة أن محكمة الشعب العراقي تلاحقهم واحدا تلو الآخر، واضعة أسماءهم بقائمة المطلوبين للمحاسبة القضائية.

أما السبب الثالث فيعود إلى تبني الدول العربية سياسة جديدة تجاه العراق، والعمل على مساعدته للعودة إلى حاضنته العربية، لذلك باتت العلاقات السعودية العراقية أكثر إيجابية مقارنة بالسنوات العشرين الماضية، إذ تعمل الرياض جاهدة من أجل عدم السماح لإيران باستغلال العراق البلد العربي، مدعومة بقرار وتأييد عربي من مصر والإمارات ودول عربية أخرى.

ليس من المبالغة القول إن نفوذ إيران في العراق بات من الماضي ولم يبق الشيء الكثير باستثناء بعض المليشيات ورجال دين معممين بعصائب ممزوجة برائحة دم أبرياء من العراقيين، الذين لا ذنب لهم سوى أنهم كانوا في زمن هكذا عصابات.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

رحلة "بيزنس الإخوان" من تجارة الخيوط إلى شرق أفريقيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-11-17

عمرو التهامي
مع نهاية خمسينات القرن الماضي، ولد حسن مالك لأب مسجون بتهمة الانضمام إلى جماعة «الإخوان المسلمين» وربة منزل تتولى مسؤولية سبعة أبناء آخرين، في حي المنيل القاهري.

ومع بلوغ حسن عامه الثاني عشر، اختار له والده الخارج من السجن لتوه مساراً مُشابها له، عبر إلزامه بقراءة قصص حياة قيادات الجماعة وكُتب مؤسسها حسن البنا، وحضور «اجتماعات الأشبال» في مسجد قريب من منزل العائلة، إلى أن صار عضواً منتسباً داخل التنظيم.

لكن على خلاف الوالد الذي كان «فرداً عاديا في التنظيم، مُتفقاً مع أفكارهم، ولا دور مُحدداً له»، كما قال مالك في تحقيقات النيابة، تحول الابن إلى لاعب أساسي في مسيرة الجماعة التي بنى ذراعها المالية مع شاب آخر التقاه في جامعة الإسكندرية وقدم نفسه له باعتباره «المسؤول عن المحاضرات التربوية والعمل الطلابي». كان اسم ذلك الشاب خيرت الشاطر الذي أصبح فيما بعد الرجل الأقوى في الجماعة.

بعد سنوات من هذا اللقاء، وتحديداً في العام 1985، تقاطعت رغبة الشاطر بدخول عالم المال مع قرار مالك ترك العمل في مصنع والده للغزل والنسيج في مدينة شبرا الخيمة العمالية وبدء نشاطه التجاري الخاص. أثمرت شراكة الرجلين سريعاً عن تأسيس أربع شركات، هي «الفجر» لتجارة الخيوط و«سلسبيل» لبيع البرمجيات وأجهزة الكومبيوتر، و«رواج» للتجارة العامة والاستيراد، و«المستقبل» لتجارة السلع المعمرة، كما تشير عقود عثرت عليها قوات الأمن خلال تفتيش منزل مالك.

هذه الشراكة شبه السرية اعتبرت الغطاء لتدوير أموال «الإخوان»، خلال عقدي الثمانينات والتسعينات، رغم تأكيد الرجلين أن أنشطتهما المالية لا تخص الجماعة. ويعزو عمرو عادلي، أستاذ الاقتصاد السياسي في الجامعة الأميركية بالقاهرة، غلبة «النشاط التجاري» على استثمارات قادة «الإخوان»، إلى «وعي التنظيم بخطورة الاستثمار في الأصول الثابتة، تحسباً لمصادرتها أو سهولة تتبعها». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الاستثمار في الأنشطة التجارية ذات رأس المال النقدي أو المتوزع على بضائع في أنشطة متنوعة «كان الخيار الآمن لهم».

كان الاستثناء الوحيد من هذا التوجه العام هو الاستثمار في قطاع التعليم عبر تأسيس مدارس خاصة مملوكة لقيادات من الجماعة، «كترجمة لأيديولوجية التنظيم المتصلة بالجانب التربوي والدعوي للنشء»، وفقاً لعادلي.

مع توسع أنشطة الرجلين الاستثمارية وبلوغ أرباحها «مستويات كبيرة»، اعتبر الشاطر نفسه «الأحق والأكفأ» بإدارة أموال التنظيم، بديلاً للقيادي نبيل مُقبل، المسؤول السابق عن أموال الجماعة، كما يقول عضو سابق في «الإخوان» عمل مع مقبل لسنوات قبل أن ينشق عن الجماعة.

اتفق الشاطر ومالك على فصل استثماراتهما الخاصة عن أموال التنظيم التي «أدخلاها في قطاعات استثمارية بنسبة أقل بكثير من استثماراتهما الخاصة»، وفقاً لموظف سابق عمل في مكتب الشاطر الخاص بعد الثورة في 2011.

وتتفق تقديرات الموظف السابق في مكتب الشاطر مع شهادات ثلاثة أعضاء في التنظيم، أحدهم لا يزال فاعلاً، في الذهاب إلى أن استثمارات الجماعة «ليست كبيرة» في المؤسسات التي شملتها إجراءات لجنة حصر وإدارة أموال «الإخوان» التي شكلتها الدولة المصرية في 2014.

وتخالف الرواية السابقة ما ذكره مالك الذي نفى أن تكون للتنظيم أي أنشطة تجارية «على حد علمي»، وفقاً لتعبيره. ويشير مالك إلى أن شراكته مع الرجل الذي أصبح الممسك بخيوط التنظيم خلال سنوات من علاقتهما، كانت دافعاً للكثيرين للتعامل معه كقيادي تنظيمي. وقال: «أنا لم أقرأ حتى لائحة الإخوان المسلمين أو اختصاصات مرشد الجماعة، وكل الناس تصورتني قائداً لمجرد أنني شريك الشاطر».

وبعد الثورة في 2011. توسعت صلاحيات الشاطر، نائب المرشد، عقب الإفراج عنه من محبسه، وأدار من خلال مكتبه في شرق القاهرة، الكثير من المهام التنظيمية ثم أصبح لاعباً أساسيا في حكم البلاد، عقب وصول الجماعة للحكم في 2012.

ويلقي موظف عمل في مكتب الشاطر عقب الثورة الضوء على بعض الإشارات لنفوذه الواسع، إذ تصفه بـ«الأخطبوط». وتوضح: «كان متداخلا في كل الأمور، سواء في البيزنس أو الأمور الداخلية للتنظيم. كان يحرك الجميع لأنهم يخافونه». ومبعث هذا الخوف «بطش» الشاطر المعهود عنه تجاه «أي شخص يغضبه أو ينازعه صلاحياته»، وفقاً للموظف السابق في مكتبه.

امتدت هذه السطوة خلال فترة حُكم الجماعة إلى مؤسسات الدولة، إذ يقول مساعد سابق في إحدى الوزارات الاستثمارية لـ«الشرق الأوسط» إن «الوفود الأجنبية كانت دائماً تلتقي الشاطر قبل لقاء الوزير المُختص، وهو ما كان يستدعي استغراب الوزير غير السياسي الذي كان يغيب عنه دور الرجل»، على حد قولها.

«حدة وتحكمات الرجل» أدت بمرور الوقت إلى تبدل العلاقة بينه وبين مالك إلى «خلاف دائم»، انعكس على العلاقات الأسرية وصلات أبناء الرجلين ببعضهما البعض، كما يقول مصدر آخر عمل مع مالك وعلى صلة مصاهرة بعائلته.

لكن عادلي يُفسر هذا الخلاف من منظور آخر له صلة بتباين الخلفية الاجتماعية للرجلين، والمسار الذي سلكه كل منهما للصعود. ويشرح قائلاً: «الشاطر رجل تنظيمي قطبي (نسبة إلى التيار المتشدد الذي يتبع أفكار سيد قطب) انتهى به التنظيم إلى لعب دور اقتصادي، خلافاً لمالك الذي كان تاجراً في الأساس هو وعائلته وانتهى به المطاف للانتماء إلى الإخوان من دون الانخراط في تفاصيلهم».

وأقر مالك بهذا الخلاف خلال تحقيقات النيابة العامة، مشيراً إلى أنه بدأ عقب صعود الشاطر إلى منصب نائب المرشد في 2006. ثم انفصال شراكة الرجلين عقب خلافات كان محورها الرئيسي تجاهل الشاطر رأي مالك بإبعاد الاجتماعات التنظيمية عن مقار الشركات المملوكة لهما، ما أدى إلى «انقطاع» علاقتهما، وإنهاء الشراكة بينهما بحلول 2011.

لاحقاً، عادت العلاقة بين الرجلين في تنسيق المهام بينهما، بعدما تنازل نائب المرشد عن «القليل» من سطوته النافذة. ويقول مصدر قريب من الرجلين مقيم خارج مصر إن «الشاطر كان مضطراً للتعامل مع مالك، لأن الأخير كان معروفاً وسط النخبة المالية في مصر التي تفضل التعامل معه كوجه مقبول ولديه حضور».

هذا التفضيل يظهر في مُراسلات رجال أعمال مصريين لمالك بهدف تسوية مشاكلهم مع النظام الحاكم آنذاك، كحال رجل الأعمال البارز هشام طلعت مصطفى الذي راسل مالك من محبسه على ذمة قضية جنائية، بخطاب منسوب إليه عثرت عليه قوات الأمن خلال القبض على مالك. وأبدى مصطفى في الخطاب استعداداً للتنازل عن جزء من أمواله نظير الخروج من محبسه. وحاولت «الشرق الأوسط» التواصل مع مصطفى الذي أفرج عنه لاحقاً بعفو صحي، لكن لم يتسن الحصول على رد رسمي منه حول نسبة هذا الخطاب له.

وتعززت مهام مالك، عقب صعود «الإخوان المسلمين» إلى الحكم في يونيو (حزيران) 2012. بعدما أسس جمعية «تواصل» بهدف التنسيق بين رجال الأعمال ومؤسسة الرئاسة آنذاك، وجمعية «ابدأ» التي ضمت أكثر من ألف رجل أعمال وانطلقت في أغسطس (آب) 2011 بهدف «مساندة النظام وتحقيق المصالح الخاصة»، كما جاء في بيان تأسيسها.

مع صعود التنظيم إلى الحكم، بدأ مالك وعدد آخر من قادة التنظيم الاستثمار في قطاعات استراتيجية ذات أصول ثابتة كالحديد والإسمنت. ويقول عادلي: «كانت هناك محاولات لـ«الإخوان» للتحول من النشاط التجاري إلى القطاعات الاقتصادية الكبيرة، لكن قصر مُدة الحكم لم يسعفهم».

ظهرت جهود مالك سريعاً في تشكيل نخبة مالية جديدة ترافق الرئيس السابق محمد مرسي في زياراته الخارجية، ضمت بين أسمائها وجوهاً جديدة على عالم المال من المنتمين للتنظيم وآخرين محسوبين على نظام الرئيس السابق حسني مبارك.

اضطلاعه بهذه المهام يظهر في نوعية المضبوطات داخل منزله، أثناء القبض عليه. وبين الملفات المضبوطة التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط» ملف بعنوان «الرؤية الاستراتيجية للتنمية الشاملة في مصر حتى عام 2050»، وآخر بعنوان «بيع أعمال القطاع العام - رؤية إسلامية»، ومُذكرة بعنوان «قراءة في الموقف الاقتصادي: هل يستطيع الدعم الخليجي إنقاذ الاقتصاد المصري؟».

غير أن مهام مالك تلك لم تستمر طويلاً، بعدما أطيح حكم الجماعة في 3 يوليو (تموز) 2013. وأعلن تجميد أنشطة جمعية «ابدأ» بعد استقالة أعضائها كافة من رجال الأعمال.

تبعت إطاحة الجماعة سلسلة حملات أمنية طالت قادة الصف الأول في التنظيم، ومنهم شريكه الشاطر، بينما ظل مالك حراً في منزله بالقاهرة حتى أكتوبر (تشرين الأول) 2015، ساعياً إلى التواصل مع المسؤولين لتجنب مسار السجن كحال المئات من قادة التنظيم.

كان واحد من هؤلاء المسؤولين هو اللواء محمد إبراهيم، وزير الداخلية آنذاك، الذي ذهب مالك للقائه بمقر الوزارة، فاستقبله ممثل لإبراهيم أبلغه بانشغال الوزير «في اجتماع هام»، قائلاً إن الوزير سيطلبه إذا أراد، وفقاً لمالك.

بعد هذا اللقاء انقطعت صلات مالك بالمسؤولين، وانحصرت صلاته مع ثلاثة من قادة «الإخوان» خارج السجن آنذاك، هم الوزير السابق محمد علي بشر قبل القبض عليه، وحلمي الجزار عقب إخلاء سبيله، ورجل الأعمال الراحل أسامة خليل.

كان الجانب الأكبر من هذه اللقاءات يتطرق لتبادل وجهات النظر في الكثير من قضايا التنظيم وخيار العنف الذي انخرط فيه عدد كبير من شباب التنظيم، بشهادة مالك ونجله الذي راسله حول هذا الأمر من مقر محبسه، وأقر مالك بصحة المراسلات.

«ملاحظات على مشروع الخطة الجديدة للجماعة»، هي واحدة من هذه الأوراق التي تسلمها مالك من بشر الذي كان يلتقيه بشكل دائم، قبل القبض عليه في 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 2014 بتهمة «التخابر مع دولة أجنبية»، فيما عكست خلفية خليل الاقتصادية نوعية الأوراق التي أمد بها مالك، مثل «واجبات الأفراد في التصعيد الثوري الاقتصادي».

وخلال هذه الفترة، صدرت بحق مالك وقادة الجماعة قرارات التحفظ على أموال التنظيم وممتلكاته، بعدما أصدر مجلس الوزراء المصري في أكتوبر 2013، القرار رقم 1141 لسنة 2013، بتشكيل لجنة ﻹدارة أموال التنظيم وقادته.

تبع ذلك صدور العشرات من قرارات التحفظ، من جانب اللجنة، على ممتلكات قادة الجماعة بملايين الجنيهات، قبل أن تتوسع صلاحيات اللجنة في يونيو 2014. عبر قرار وزاري من رئيس الوزراء الأسبق إبراهيم محلب الذي حولها بموجب هذا القرار إلى لجنة دائمة.

وتضُم قائمة أملاك «الإخوان» التي شملتها قرارات التحفظ وضمتها السلطات لاحقاً إلى الخزانة العامة للدولة في 11 سبتمبر (أيلول) 2018. نحو أموال 1589 عنصراً من المنتمين والداعمين لتنظيم «الإخوان» و118 شركة متنوعة النشاط و1133 جمعية أهلية و104 مدارس و69 مستشفى و33 موقعاً إلكترونياً وقناة فضائية، حسب تقدير اللجنة.

كان تشكيل هذه اللجنة، وقبلها حملات القبض المستمرة على قادة الجماعة المعروفين من أصحاب رؤوس الأموال، دافعاً لبناء «شبكة جديدة من الاستثمارات في دول خارج مصر، على رأسها دول شرق أفريقيا وجنوبها»، حسبما يشير مستثمر مقرب من الجماعة. ويُضيف أن «حجم بيزنس الجماعة زاد داخل هذه الدول، لسهولة الحصول على جنسياتها وتمتع قادة التنظيم بعلاقات جيدة مع مسؤولين بارزين فيها».

وترسم أوراق قضية «الإضرار بالاقتصاد القومي» صورة أعم وأشمل للوسائل التي لجأ إليها رجال المال في التنظيم للتعامل مع قرارات مصادرة ممتلكاتهم، وتحديداً في طرق نقل الأموال إلى خارج البلاد خلال هذه الفترة.

فمع توسع قرارات المصادرة والقبض على قادة التنظيم، ظهرت أسماء أقل شهرة من مالك والشاطر في مجال المال، وتبلورت أدوارها في نقل الأموال للخارج، تجنباً للتعامل من خلال البنوك والبُعد عن الرصد الأمني.

على رأس هؤلاء رجل الأعمال الهارب محمد صلاح محمود الذي يملك شركة تعمل في استيراد وتصدير المفروشات، وهو لعب «دوراً كبيراً في استخدام شركته لنقل ملايين الجنيهات لحسابه أو لحساب شركات أخرى مملوكة لقادة في التنظيم»، بحسب شهادات وملفات قضائية.

لا تتوافر معلومات عن الرجل الصادر بحقه حُكم من محكمة جنايات القاهرة بإدراج اسمه ضمن قائمة الإرهابيين لثلاث سنوات، في 29 أغسطس 2017. عدا كون أنه رجل أعمال «مُحب» للتنظيم، قدم تبرعات من فترة لأخرى، وفقاً لمصدر في «الإخوان».

وبمساعدة ثلاثة من أمناء الشرطة (مساعدي الضباط) في ميناء القاهرة الجوي، مقابل 10 آلاف جنيه للمرة الواحدة لكل منهم، نجح صلاح في نقل نحو مليار جنيه تقريباً (أكثر من 130 مليون دولار بأسعار الصرف آنذاك)، عبر ثلاثة عاملين في شركته تناوبوا على السفر للخارج لنقل نحو 50 إلى 100 ألف دولار أسبوعياً.

«ما الطريقة التي كانت تتم من خلالها نقل الأموال؟»، يجيب مصطفى همام (31 عاماً)، أحد هؤلاء العاملين واسمه مدرج في قوائم الإرهابيين، خلال التحقيقات معه: «تم الاتفاق مع أفراد الميناء الثلاثة على تسلم واحد منهم المبالغ المالية المراد تمريرها داخل أظرف كبيرة الحجم وإدخالها عبر الدائرة الجمركية من دون تفتيش، وتسليمها لواحد منا بعد ذلك، عقب إنهاء إجراءات السفر».

وتمثلت الطريقة الأخرى في تسهيل السفر باستخدام صالة كبار الزوار، وقيام أحد عناصر الشرطة الثلاثة بتمرير حقائب الأموال على جهاز الكشف على الحقائب بالأشعة الخاصة، من دون الإشارة لمحتوياتها، وفقاً له.

بدأ نقل هذه الأموال في نوفمبر (تشرين الثاني) 2014، إلى الصين ودول عربية وتركيا، عبر عاملين في شركة الاستيراد والتصدير، ليصل إجمالي المبلغ الذي انتقل خلال تلك الفترة إلى نحو مليار جنيه، وفقاً لهمام.

ويُقر همام الذي ألقت السلطات المصرية القبض عليه في المطار في 8 يناير (كانون الثاني) 2016، حين كان في طريقه إلى الأردن، وبحوزته عملات أجنبية بما يعادل نحو مليون و650 ألف دولار، بنقل هذه الأموال مع عاملين في الشركة خلال استجوابه أمام جهات التحقيق، قائلاً: «تلخيصاً لموضوعي، أنا أعمل في تهريب العملة فقط لا غير في إطار الأعمال التجارية وأعمال الصرافة، ولا علاقة لي بأي جماعات».

ويؤكد المصدر «الإخواني» أن «القطاع الأكبر من رجال المال داخل التنظيم استخدم طرقاً تقليدية لتهريب الأموال، بينما رجال المال المنخرطون في استثمارات بمليارات نجحوا في ذلك بطرق أكثر تطوراً من فكرة نقل الأموال السائلة».

وكان تحقيق صحافي محلي نشر في أغسطس 2015. كشف أن رجل الأعمال صفوان ثابت، وهو أحد قادة الجماعة الماليين الصادر بحقهم قرار تحفظ وحفيد مرشد «الإخوان» السابق مأمون الهضيبي، نجح في نقل ملكية شركته إلى شركة أخرى تقع في جزر العذراء البريطانية، وهي ملاذ ضريبي شهير، كوسيلة لحماية ممتلكاته من خلال الامتيازات التي تتيحها هذه الجزر لأصحاب الشركات من «امتيازات ضريبية وسرية تامة، إضافة إلى سهولة التأسيس».

وسبقت هذه المحاولات مساعٍ بطرق أخرى من جانب قادة التنظيم المنخرطين في عالم الأعمال لنقل أموالهم إلى الخارج، وتحديداً قبل وقوع مظاهرات 30 يونيو (حزيران) 2013 ضد حكم الجماعة ببضعة شهور، بالتزامن مع انتشار دعوات حركة «تمرد» لسحب الثقة من مرسي.

ويقول مستشار قانوني لشركة مملوكة لرجل أعمال منتمٍ إلى «الإخوان»، إن «قادة التنظيم المنخرطين في النشاط التجاري لجأوا إلى التعاقد مع خبراء في القطاع البنكي لنقل أموالهم إلى الخارج، وتعيين ممثلين قانونين غير محسوبين على الجماعة لإدارة شركاتهم، وتمثيلهم في المنازعات القضائية».

هذا التفاوت في طرق نقل أموال قادة «الإخوان» إلى الخارج «مرتبط بتباين قدرات كل واحد منهم وصلاته، وحجم البيزنس»، كما يقول عادلي الذي يعزو تفضيل قادة التنظيم نقل أموالهم إلى دول أفريقية إلى ثلاثة أسباب، أولها أن «هذه الدول فيها مساحة أكبر للتهرب من القيود المرتبطة بتمويل الإرهاب، خصوصاً للمستثمرين المحسوبين على تنظيمات الإسلام السياسي حول العالم»، فضلاً عن أن أفريقيا «مساحة تقليدية لتوطين الأنشطة غير الرسمية وغير القانونية، والمراقبة فيها محدودة». والسبب الأخير هو «سهولة إقامة علاقات وثيقة مع مسؤولين في هذه الدول».

لكن هل تنجح مصادرة ممتلكات «الإخوان المسلمين» في كتابة نهاية التنظيم؟ يجيب عادلي قائلاً: «قياساً على تجارب سابقة، سيكون أثر هذه الإجراءات وقتياً وليس ممتداً على المدى البعيد».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

السياحة الحلال: موضوع جدل ساخن في إندونيسيا

2019-11-17

ترجمة: محمد الدخاخني


يبدو أنّ إندونيسيا، الدّولة ذات العدد الأكبر من السّكان المسلمين في العالم، ليست بالمكان المُرجّح لحفلٍ يتعاطى مع أيّ شيء له علاقة بالخنازير.
لكن خلال الشّهر الماضي، على شواطئ بحيرة توبا في سومطرة، تجمّع أكثر من 1,000 شخص لمتابعة سباقات الخنازير وأخذ صور "سيلفي" معها والاشتراك في منافسات مخصّصة لاستدعاء الخنازير ورسمها. كما جاؤوا لتناول لحم الخنزير المشويّ بطريقة محلّيّة شهيّة.

اقرأ أيضاً: منتجات "الحلال" في كندا.. تجارة تغري الجميع
والمهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير. فهو أيضاً وسيلة المجتمع المسيحيّ الكبير في المنطقة للرّدّ على الجهود الّتي أقرّتها الحكومة لترويج نسخة مُحافظة من الإسلام في كافّة أنحاء البلاد، بما في ذلك منطقتهم.
وفي الأشهر الأخيرة، اشتمل هذا الاتّجاه نحو المُحافظة الدّينيّة على قانون وطنيّ مُقترَح يحظر ممارسة أية علاقة قبل الزّواج وانتخاب نائبٍ للرّئيس كان أصدر فتوى فيما سبق ضدّ ارتداء قبّعات سانتا كلوز. وأيضاً، دفع الحكومة إلى تشجيع "السّياحة الحلال"، وهو ما يُقصد به قضاء عطلات قوامها أنشطة وأطعمة مسموح بها بموجب الشّريعة الإسلاميّة.

المهرجان أكثر من مجرّد احتفال بالخنازير
يقول توغو سيمورانكير، وهو عالم أحياء ومُزارِع وصاحب فكرة مهرجان الخنزير: "السّياحة تدور حول السّعادة. السّياحة تتعلّق بالمرح. السّياحة لا علاقة لها بالدّين".
هذا الشّعور يضع السّيّد سيمورانكير في خلافٍ مع المسؤولين الحكوميّين وبعض جيرانه المسلمين في وقتٍ تحاول فيه بحيرة توبا جذب المزيد من الاهتمام.
وتُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا، ومعظمهم من المسيحيّين، وهم يشكّلون واحدةً من أكبر مجموعات الأقلّيّات في البلاد. لكن الحكومة عيّنت المنطقة باعتبارها واحدةً من المناطق السياحيّة السّاخنة في المستقبل.

تُعدّ بحيرة توبا، وهي أكبر بحيرة بركانيّة في العالم، المركز التّاريخيّ لسكان باتاك الأصليّين في إندونيسيا ومعظمهم من المسيحيّين

ومن جانبها، تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد من خلال إنشاء "10 جزر على نمط بالي" على أمل تكرار نجاح جزيرة بالي بوصفها وجهةً للعطلات.
وتُعدّ بحيرة توبا إحدى الأولويات العُليا لهذا البرنامج، لكن مع وجود 231,000 زائر أجنبيّ فقط في عام 2018، فإنّ المنطقة أمامها طريق طويل. ويُذكر أنّ الحكومة شيّدت مطاراً إقليميّاً جديداً في عام 2017، لكن انقلاب عبّارة محمّلة بأكثر من طاقتها، وهو الحادث الّذي أسفر عن مقتل 188 شخصاً العام الماضي، لم يساعد في جذب الزّوار.
واجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018. ومن بين 15.8 مليون زائر، كانت أكبر مجموعة من ماليزيا، وهي أيضاً دولة ذات غالبيّة مسلمة. وكانت ثاني أكبر مجموعة من الصّين المُحبّة للحوم الخنزير، حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة.

تخطّط الحكومة لتعزيز السّياحة في كافّة أنحاء البلاد
ويقول السّيّد سيمورانكير وغيره من مسيحيّي باتاك إنّهم يشعرون بالاستياء من خطّة الحكومة للحدّ من ممارستهم تقاليدهم، بما في ذلك أكل لحم الخنزير، من أجل إرضاء السّيّاح المسلمين.
ويقول سكّان مسيحيّون إنّ الزّعماء المسلمين في البحيرة يستخدمون عباءة السّياحة الحلال للدّفع بسياساتٍ تمييزيّة.
وكان أحد الزّعماء المسلمين دعا إلى حظر تناول لحم الخنزير في الأماكن العامّة وارتداء ملابس السّباحة الغربيّة - خاصّة بدلات السّباحة النّسائيّة -، باستثناء المناطق المخصّصة لذلك.
ويقول هالاسان سيمانغونسونغ، إمام مسجد الهدهوناه في بلدة باليغي المطلّة على البحيرة: "بالنّسبة إلى الأشخاص الّذين يرغبون في تناول لحم الخنزير، سيتمّ منحهم مكاناً خاصّاً. ولكي يفعل السّيّاح الأجانب ما يحلو لهم، امنحهم منطقة خاصّة أيضاً".

اجتذبت إندونيسيا عدداً من السّيّاح عام 2018 أكبر مجموعة كانت من ماليزيا ذات الغالبيّة المسلمة ومن الصين حيث يشكّل المسلمون أقلّيّة

وربّما من قبيل الصّدفة، يدير هذا الإمام مطعماً للأكل الحلال على شاطئ "بول بول".
مثل هذه القيود المفروضة على الطّعام والملابس، كما يخشى بعض سكّان باتاك، لا تنطبق فقط على الزّوار الأجانب ولكن على السّكّان المسيحيّين المحلّيّين أيضاً.
والخنزير مشحون برمزيّة ما عند كلٍّ من المسلمين والمسيحيّين، وقد استخدمت كلّ مجموعة هذا الحيوان للدّفاع عن تقاليدها.
بالنّسبة إلى المسلمين، الّذين يشكّلون حوالي 90 في المائة من سكّان إندونيسيا، فإنّ تناول الخنازير أو لمسها يُعتبر محرّماً. لكن بالنّسبة إلى مسيحيّي باتاك، تُعدّ الخنازير جزءاً من الحياة اليوميّة، ويُعدّ تقديم لحم الخنزير جزءاً أساسيّاً من كلّ احتفال مهمّ، من الولادة وحتّى الوفاة.

اقرأ أيضاً: هل يحتكر الإخوان المسلمون اقتصاد "الحلال" في أوروبا؟
يقول أوندي سيريغار، وهو مرشد سياحّي في مُتحف باتاك في باليغي ويربّي أيضاً 20 خنزيراً حول بيته: "يُعدّ الخنزير رمزاً للفخر عند أهل باتاك. وفي كلّ حفل، يجب أن يكون لحم الخنزير ضمن قائمة الطّعام".
وحتّى اليوم، يعيش العديد من القرويّين في منازل خشبيّة مرتفعة تضمّ مساحة سفلى لتربية الخنازير.
ويقول مارتونغو سيتينجاك، أحد زعماء كنيسة باتاك البروتستانتيّة، إحدى أكبر المنظّمات الدّينيّة في إندونيسيا: "إنّ حياتنا كلّها مرتبطة بالخنزير. وهذا الأمر لا يأتي من الدّين أو التّعاليم المسيحيّة. بل من الثّقافة".
وظهرت خطّة جذب المزيد من الزّوار المسلمين، خاصّة من ماليزيا المجاورة وبروناي، في آب (أغسطس)، عندما اقترح حاكم مقاطعة سومطرة الشّمالية، إدي رحمايادي، وهو مسلم، بناء المزيد من المساجد بالقرب من البحيرة وإنهاء ذبح الخنازير في الأماكن العامّة.

اجتذبت إندونيسيا عدداً قياسيّاً من السّيّاح الأجانب في عام 2018
وقال الحاكم في ذلك الوقت: "إذا لم نقم ببناء مساجد هناك، فلن يحضر السّيّاح. وإذا جرى ذبح الخنازير في الهواء الطّلق، فقد يأتي السّياح غداً، لكنّهم لن يأتوا مجدّداً".
وعندما انتشرت إدانة واسعة النّطاق لملاحظات الحاكم على الإنترنت بين ناخبيه المسيحيّين، أصرّ السّيّد إدي على أنّه لم يروّج مطلقاً للسّياحة الحلال.
كان أبرز ما في مهرجان الخنزير الّذي استمرّ يومين مسابقة صيد الخنازير. وفي ستّ جولات من المنافسة، تجمّعت فِرق الرّجال والصّبية معصوبي الأعين في مرجانٍ صغير وحاولوا الإمساك بخنزير صغير. كانت الّلعبة مُشابهة لمسابقات الخنازير المشحّمة المتعارف عليها بين رعاة البقر في أمريكا ومعارض المقاطعات، لكن العصابات الموضوعة على الأعين أضافت بعداً جديداً للكوميديا الهزليّة.

اقرأ أيضاً: "الفنادق الحلال" في تونس: تجارة للربح أم مخطط لأسلمة المجتمع؟
وقد تجمهر مئات الأشخاص حول الحظيرة، وأخذوا يضحكون بصوت عالٍ مع كلّ محاولة لعرقلة الخنازير الثّلاثة الصّغيرة، الّتي لم تتوقّف عن الهروب من المتسابقين وقد غطّاهم الوحل. وأكثر من مرّة، أمسك أحد الرّجال بخنزير وانتهى به المطاف على الأرض مع منافس له، ممّا دفع الجمهور نحو المزيد من الضّحك.
وفي وقت مبكّر، انزلق خنزير أسود صغير خارج الحظيرة المصنوعة من أنصاف أعواد الخيزران، وركض مسرعاً نحو خنزير مشويّ مُعلّق في سيخ، ثمّ قفز في بحيرة توبا وسبح بعيداً.
يقول السّيد سيمورانكير، منظّم مهرجان الخنازير، إنّ ما يُثني السّيّاح عن القدوم ليس لحم الخنزير، ولكن تدمير البيئة.
ويضيف أنّه بعد الحصول على إذن الحكومة المركزيّة، شرعت شركات من خارج المنطقة في تقطيع أشجار الغابات المحيطة بالبحيرة وأقامت عمليّات استزراع سمكيّة واسعة أدّت إلى تلويث البحيرة، الّتي كانت ذات يوم تشتهر بمياهها الصّافية.
ويتابع السّيد سيمورانكير: "إذا كانوا يريدون زيادة السّياحة في بحيرة توبا، فإنّ عليهم عدم المراهنة على السّياحة الحلال. وإنّما إغلاق الشّركات الّتي تدمّر بيئة بحيرة توبا فحسب".


ريتشارد بادوك، النّيويورك تايمز

مصدر الترجمة عن الإنجليزية:
https://www.nytimes.com/2019/11/08/world/asia/indonesia-lake-toba-pig-fe...

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية