أبناء رفاعة.. صعود الدولة المدنية وانحسارها

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
4270
عدد القراءات

2018-10-31

"كيف صار بعض الناس بعد كفاح قرنين من الزمان يحنون إلى ظلام العصر العثماني، الذي أوشكت مصر في ظله أن تبيد؟"، يطرح الأديب المصري، بهاء طاهر، في سبيل البحث عن مبررات وواقع هذا السؤال، وفهم إشكالياته، وجوانبه المتعددة، كتاباً بعنوان: "أبناء رفاعة"؛ يستعيد من خلاله ميراث التنوير المجهض، وأسماء المفكرين الذين أسهموا بدور مؤثر في تاريخ النهضة والإصلاح المصريين.

ضد التغريب وضد التتريك

يكشف الأديب المصري عن دور المثقفين المصريين في عصر النهضة؛ أمثال: رفاعة الطهطاوي، وعلي مبارك، والإمام محمد عبده، وعبدالله النديم، وقاسم أمين، وطه حسين، ممن خاضوا صراعاً شاقاً ضد عمليات وأد الثقافة والهوية الوطنية، وتصدوا لكافة محاولات التتريك والتغريب، سواء من الاستعمار الغربي أو الخلافة العثمانية، وذلك عبر وعيهم بأهمية التعليم لنشر المعرفة والثقافة، وأسس الدولة المدنية الحديثة.

يتساءل طاهر عن سيطرة الفكر الإخواني على الرأي العام في مصر وتغيير المزاج العام نحو الفهم الأصولي والسلفي للدين

ولما كانت السياسة البريطانية التي ورثت امتيازات الحكم العثماني، تهدف إلى إلغاء الذاكرة الوطنية وسحق الهوية؛ فقام اللورد كرومر بغلق المدارس، ما أدى إلى أن بلغت نسبة الأمية 91%، وبالتبعية انخفضت المدارس من 32 مدرسة إلى ثلاث مدارس فقط، وفرضت اللغة الإنجليزية بدلاً من العربية، واستبدل التاريخ الوطني في المدارس بالتاريخ الروماني، وتطور الدستور البريطاني.

بيد أنه، في المقابل، كان ثمة دور مغاير يلعبه المثقفون المصريون، لبعث الوعي الوطني، ورفع الطبقات السميكة التي تعزل المواطنين عن هويتهم، والإحساس بذواتهم، وبدأوا بفضح كل أشكال الاستبداد المقنع بالدين، تارة، والاستعمار، تارة أخرى، من أجل إقصاء المصريين عن المشاركة في حكم وطنهم، واعتبارهم جنساً أدنى، وإنكار وجود الوطن، ونشر التجهيل.

اقرأ أيضاً: الجماعات الجهادية...هل هي شكل جديد للاستعمار؟

ومن جهة أخرى، قام الإمام محمد عبده بجهود حثيثة، بغية الكشف عن المضمون التقدمي للدين الإسلامي، ومطابقته بروح العصر، وتقديم العقل والاجتهاد في شؤون الحياة، عن النقل وتقديس السلف، كما قام عبد الله النديم بتدشين أول دعوة إلى التعليم بالجهود الذاتية، لمقاومة سياسة الاستعمار، وتبنى قاسم أمين رؤيته، ومن ثم، جاءت فكرة إنشاء أول جامعة مصرية بأموال الشعب وتبرعاته، فأنشئت الجامعة الأهلية العام 1908.

غلاف كتاب "أبناء رفاعة" للأديب المصري بهاء طاهر

النهضة والسقوط في الفكر المصري الحديث

يحاول صاحب "خالتي صفية والدير"، بناء صورة بانورامية، يستلهم عناصرها من الواقع التاريخي لمصر في سيرورته؛ حيث صعود الدولة المدنية وانحسارها؛ أي منذ الصعود التدريجي لخروج المجتمع المصري من ظلام العصور الوسطى إلى أنوار الحداثة والحرية، بجهود مثقفي عصر النهضة، وذلك على امتداد نحو 150 عاماً، حتى ارتدت مآلاتها إلى "التراجع التدريجي والمنظم لمشروع النهضة ذاك، بهدف العودة من جديد إلى المنظومة الفكرية للدولة العثمانية، التي يتغزل بها الآن الكثيرون على غير علم، رغم أنها قد أشرفت بمصر على الهلاك".

اقرأ أيضاً: الخلافة على منهاج النبوة: الوهم والتاريخ

ولذلك، بعث الطهطاوي مفهوم "الوطن" في مقابل مفهوم "الأمة"، والأخير، حاولت الخلافة العثمانية تكريسه، باعتباره فلسفة في الحكم، قوامه الدين؛ حيث ظل الحكم يعتمد تلك المرجعية، ويقوم عليها في الحصول على شرعيته وصناعة استبداده الخاص، وطلب الطاعة والانصياع.

وبحسب الطهطاوي، فإنّ مفهوم الأمة كان مجرد قناع ديني، لا يعني شيئاً أكثر من الوحدة في نطاق العبودية؛ لأنّ تلك الدولة (العثمانية) كانت أبعد ما تكون عن روح الدين وعن حقيقته، بما سادها من الظلم والاستبداد والفتك المنظم برعاياها.

 

 

الهوية المصرية في مواجهة الخلافة العثمانية

يحفر الأديب المصري أسفل الطبقة التاريخية، التي تشكلت على سطحها صورة مصر في تلك الحقبة، التي وضعتها في قبضة الاستعمار؛ سواء الفرنسي أو البريطاني، وتحتم عليها مواجهة الآخر، الذي جاء وعبر إليها في صورة محتل، يفضح الخراب الذي تعيشه، وهويتها الضائعة والملتبسة، وموقعها المتأخر في التاريخ والحضارة، التي لا تعرف عنهما شيئاً، وبينما يبحث الأديب والمفكر المصري في جذور الأزمة المركبة، في سبيل الكشف عن العوامل المتسببة، في الإخفاق السياسي والثقافي، فإنه يوضح بدايات تشكل سؤال الهوية، الذي ضرب بقوة وجدان المجتمع، في ظل سيطرة ومواجهة الاحتلال.

تمثلت الأسس النظرية للمنظومة الفكرية للحكم العثماني في التسليم بحق السلطان في الحكم المطلق دون أي حقوق للرعية

وفي ما يتصل بالاستبداد الديني، والمتمثل في الخلافة، ومركزها الأستانة، فقد تعقب طاهر محاولات نفي الهوية المصرية، وتفتيت مكوناتها الثقافية والحضارية؛ فعلى مدى قرون، تمثلت الأسس النظرية للمنظومة الفكرية للحكم العثماني، في التسليم بحق السلطان (الخليفة) في الحكم المطلق والأمر والنهي، دون أي حقوق للرعية، سوى الطاعة والإذعان لهذا القائد الديني، حتى جاء الاحتلال، في مراحله المتعاقبة، بغية أن يضع قبضته الغليظة على بقايا أملاك "رجل أوروبا المريض".

الأديب المصري بهاء طاهر

وحول هذه المرحلة، يصف الجبرتي، وهو مؤرخ عاصر هذه الحقبة وعاين أحداثها، ورصد تفاصيلها ويومياتها بدقة، بأنّ "الخراب عم إقليم مصر، بينما كاد المصريون يندثرون فعلاً لا مجازاً، بسبب المجاعات المتكررة والمجازر والأوبئة، وبارت الأرض الزراعية، بسبب إهمال الحكم أعمال الري، وهروب الفلاحين من أرضهم، فراراً من جباة الضرائب الفاحشة والمتكررة، وانتشر فيمن بقي من السكان على قيد الحياة الجهل الشامل والخرافة والشعوذة".

كيف وصلنا إلى الإخوان؟

وعشية الحملة الفرنسية على مصر، لم يكد يتجاوز عدد سكان المحروسة المليونين ونصف المليون؛ حيث كان الموت تحت وطأة المرض وانتشاء الأوبئة، متفشياً في كل مناحي الحياة؛ حيث اختفى العلم وسادت الخرافات والشعوذة، فيما أصبح المتدروشون والدجالون هم القادة والمراجع الفكرية، لهذا المجتمع الآخذ في الاندثار، عدداً وعقلاً، كما يوضح طاهر.

يطرح كتاب "أبناء رفاعة" تساؤلات حول أسباب صعود الإخوان المسلمين في المجتمع

وبحسب جمال حمدان، فإنّ الوجود التركي يعد نوعاً خاصاً ومحيراً من الاستعمار، وهو الاستعمار الديني، ولولا القناع الديني لعد مماثلاً للغزو المغولي الوثني؛ فقد كانت تركيا بمثابة المتروبول (الوطن الأصلي)، وباقي الولايات مستعمرات تابعة لها، تعتصر كل مواردها وخيراتها، بلا مواربة، لتحشد حشداً في المركز، وكما يحلب الراعي ماشيته، كانت الامبراطورية بقرة كبرى عند الأتراك للحلب فقط.

بحسب الطهطاوي فإنّ مفهوم الأمة مجرد قناع ديني لا يعني شيئاً أكثر من الوحدة في نطاق العبودية لأنّ الدولة العثمانية كانت أبعد ما تكون عن روح الدين

وفي الفصل الأخير من الكتاب، يطرح الأديب المصري تساؤلاً مهماً، حول أسباب صعود الإخوان المسلمين في المجتمع، وهو هنا لا يقصد وصولهم إلى الحكم أو نفوذهم من الناحية السياسية، بالصورة التي تطلعنا إليها إبان الربيع العربي؛ لكنه يعني، بصورة أدق، سيطرة الفكر الإخواني على نسبة غالبة من الرأي العام في مصر، وتغيير المزاج العام نحو الفهم الأصولي والسلفي للدين.

فالمسألة تنحصر لدى صاحب "بالأمس حلمت بك"، في عملية الانقلاب الذي دبر عن عمد وتدبير، على امتداد ثلاثة عقود، في ثقافة ووجدان المواطن المصري، منذ بدأت حملة إطفاء المصابيح الثقافية، في سبعينيات القرن الماضي، والتي شهدت هجرة أبرز العقول المصرية من الأدباء والمفكرين، بالإضافة إلى غلق المنابر الثقافية والفنية، ما مهد الطريق إلى صعود التيارات الدينية الأصولية والسلفية، بانغلاقها ورؤيتها البراغماتية، لتحض على الطاعة للحاكم، والمغالاة في الجوانب الشكلية للعبادات، دون أي مضمون اجتماعي حقيقي وجاد للدين، كما فعل رواد النهضة.

رفاعة الطهطاوي

وكانت النتجية الحتمية التي أسفرت عن وجهها المأساوي، حدوث تراجع في قيمة المثقف ومبادئ المساواة والمواطنة، وتلاشي الحرية، وأضحى أقطاب التغيير الثقافي؛ منذ الطهطاوي وحتى طه حسين، موضع شك وتجريح وتطاول، واحتل مكانهم رموز أخرى، يريدون العودة إلى "الخلافة" واستعادة أغلال الماضي والتبعية له.

اقرأ أيضاً: عهد المماليك: النزعة العلمانية وتآكل الخلافة

وفي هذه المرحلة، التي شهدت تشتيت مثقفي النهضة، وإسكات صوت الثقافة وإضعاف دورها، تلاشت كل مكتسبات الدولة المدنية، واستبدلت العقلانية بالدروشة، وعاد الحديث مجدداً عن الأممية والخلافة الإسلامية، والتي تجعل كل سكان الإمبراطورية في ظلها رعايا على قدم المساواة في العبودية لإمام الآستانة، كما يصف طاهر.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مدرب بساق واحدة يعلّم السباحة لمبتوري الأطراف في غزة

2019-08-20

داخل منتجع الهدى السياحي، غرب مدينة غزة، وفي مشهد أقرب للخيال منه للحقيقة، يجتمع 40 شاباً من ذوي الاحتياجات الخاصة، الذين فقدوا أطرافهم السفلية خلال الاعتداءات الإسرائيلية على سكان قطاع غزة، يتلقون تمارين اللياقة البدينة، استعداداً للنزول إلى بركة السباحة، لممارسة الرياضة التي حرموا من ممارستها قسراً.

الجريح عنان النجار: لم أكن أتخيّل في يومٍ من الأيام أن يكون بمقدوري ممارسة السباحة بقدم واحدة

وقد تعرّض المئات من الفلسطينيين إلى إصابات كثيرة في الأعوام الماضية، خلال الحروب الإسرائيلية ومسيرة العودة، كانت الغالبية العظمى منها في النصف السفلي من الجسد، مما أدّى إلى بتر أطرافهم السفلية، ليحولوا تلك الإصابة إلى نقطة أمل جديدة، ويتحدّوا الإعاقة من خلال ممارسة الرياضة، ومن بينها السباحة.
ويتولى مهمة تدريب مبتوري الأطراف شخص فقد قدمه خلال حادث مروري، عام 1990، قرر أن يدمج تلك الشريحة داخل المجتمع، وإدخال السعادة إلى قلوبهم، لإيصال رسالة دلالية على مدى صمود الفلسطيني، وقدرته على تخطي العقبات رغم الصعاب.
لم يقف الطرف الصناعي الذي حلّ مكان قدمه المبتورة بفعل رصاصة متفجرة، عام 2015، حائلاً بينه وبين حبّه للسباحة، فهو تخطى مصاعب الحياة بقوته وإرادته، وأراد أن يمارس الرياضة التي يحبّها منذ نعومة أظفاره.
مشهد أقرب للخيال منه للحقيقة

السباحة بقدم واحدة
يقول الجريح عنان النجار (25 عاماً)، لـ "حفريات" إنّ "السباحة من أكثر الرياضات التي أحبها، وكنت أتألم عندما أذهب إلى شاطئ البحر، ولا أتمكّن من النزول إلى الماء بفعل الإصابة، فلم أكن أتخيل في يومٍ من الأيام أن يكون بمقدوري ممارسة السباحة بقدم واحدة".

المدرب مجدي التتر: استطاع المتدربون تجاوز الأزمة وأصبح بإمكانهم ممارسة السباحة وكأنهم لم يفقدوا أطرافهم السفلية

ويضيف: "كنتُ من أول المشاركين في الدورة التدريبية، وفرحت فرحاً شديداً عندما تم الإعلان عنها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، فهذه الدورة منحتني الثقة بنفسي، وجعلتني أحقق حلماً طالما انتظرته في الأعوام الماضية، فمنذ إصابتي حاولت عدة مرات النزول إلى الماء، ولكنّي لم أتمكّن من ذلك، نظراً لفقداني قدمي".
ويواصل حديثه: "في الأيام الأولى للتدريب، شعرت بصعوبة بالغة عند النزول إلى الماء، وذلك بسبب انقطاعي الأعوام الماضية عن السباحة، إضافة لأنّني أسبح للمرة الأولى بقدم واحدة، ولكن بفضل توجيهات المدرب، والتمارين المكثفة تمكنت من تخطي تلك العقبة، واستعدت نشاطي الذي فقدته عندما فقدت قدمي، أما الآن فقد شعرت أنني لم أفقد قدمي".
أحد المشاركين: هذه الدورة منحتني الثقة بنفسي

ليسوا أشخاصاً معاقين
ويلفت النجار إلى أنّه استطاع الاندماج بالمجتمع، وتغيير النظرة المجتمعية السائدة التي تعتبر مبتوري الأطراف أشخاصاً معاقين، ويعجزون عن ممارسة الرياضات التي يحبونها، مشيراً إلى أنه كان يعاني كثيراً من نظرات الناس عند نزوله إلى شاطئ البحر.

اقرأ أيضاً: 17 لاعباً من غزة يغيّرون قواعد كرة القدم

ويخبر "حفريات" بأنّه سيستمر في رياضة السباحة، سعياً إلى تطوير مهاراته، ليتمكن من الغوص داخل أعماق البحار، وأن يشارك في مسابقات دولية، ويمثّل فلسطين في المحافل العالمية.
كان الشاب، ضياء أبو سمرة، يجلس على شاطئ بحر مدينة غزة بشكل يومي، متحسراً لعدم قدرته على السباحة، نتيجة فقدانه أحد أطرافه السفلى، بعد إصابته بطلق ناري متفجر أثناء مشاركته في فعاليات مسيرات العودة؛ فهو يهوى السباحة والغوص، وكان يتمنى أن يمارسها في يومٍ من الأيام، فهذا الحلم أصبح حقيقة، بعد التحاقه بالدروة التدريبية الخاصة بتعليم السباحة لمبتوري الأطراف".
هذا الحلم أصبح حقيقة

منافسة أشخاص أصحاء
يقول أبو سمرة لـ "حفريات" كانت دورة السباحة بالنسبة إليّ نقلة نوعية، فقد مكّنتني من تخطي مصاعب الحياة، والتغلب على الإعاقة التي سبّبها لي الاحتلال الإسرائيلي، فأنا اليوم أستعيد نشاطي السابق بقدم واحدة، فالمدرب يمتلك خبرات واسعة في هذا المجال، واستطاع أن ينقل لنا تجربته، فنحن نستطيع منافسة أشخاص أصحاء، والأمر لا يحتاج سوى إلى إرادة وعزيمة قوية".

الكابتن أحمد أبو راس: الاعتماد على الأطراف العلوية من الجسد خلال السباحة يكون بديلاً عن استخدام الأقدام

ويتابع: "كلّ بداية صعبة، وهذا ما واجهنا، خصوصاً أنّنا بقدم واحدة، ولكن مع مرور الوقت أصبح الأمر ممتعاً، وتمكنت وزملائي المصابين، من تحقيق نتائج متقدمة في السباحة؛ حيث تمكّنا من الاعتماد بشكل أساسي على الأجزاء العلوية من الجسد، كبديل عن الأقدام في الدفع والتنقل داخل الماء".
من جانبه، يقول مدرب الفريق، الكابتن مجدي التتر، في تصريح لـ "حفريات": "فكرة تنظيم دورة لتعليم مبتوري الأطراف السباحة، جالت في خاطري أثناء مشاهدتي عدداً من مبتوري الأطراف يمارسون السباحة في عدد من الدول الأجنبية، دون صعوبات، الأمر الذي أوجد لديّ حافزاً، ورغبة للإعلان عن دورة تدريبية تضم ضحايا الاحتلال الإسرائيلي، لتعليمهم السباحة، ورسم صورة مختلفة وجديدة من صور نضال الشعب الفلسطيني".
أبو سمرة لـ "حفريات":  كانت دورة السباحة بالنسبة إليّ نقلة نوعية

وكأنّهم لم يفقدوا أطرافهم
ويضيف التتر: "تدريب أشخاص بقدم واحدة يختلف بشكل كلّي عن تدريب الأشخاص الأصحّاء؛ ذلك لأنّ الاعتماد على ساق واحدة يعرّضها للتعب أثناء ممارسة السباحة، لذلك نتّبع تمارين معينة قبل النزول إلى الماء، كي لا يشعر المتدرّب بالتعب أثناء السباحة، وخلال فترة قصيرة حققنا نتائج رائعة، واستطاع المتدربون تجاوز الأزمة، وأصبح بإمكانهم ممارسة السباحة، وكأنّهم لم يفقدوا أطرافهم السفلية".

اقرأ أيضاً: في غزة: مساجد بملايين الدولارات وفقراء بلا مأوى
ويتابع: "تعليم السباحة لأشخاص مبتوري الأطراف السفلية، يشمل عدة جوانب، منها: تطوير البيئة الجسمية والعضلية لهم، وتقديم الإرشادات والنصائح لتفادي حالات الغرق، والتركيز على الأطراف العلوية أكثر من الأطراف السفلية، نظراً لفقدانهم إحداها، فتلك الدورة كانت فارقاً كبيراً في حياة هؤلاء المتدربين؛ حيث تحدّوا الصعاب، واستطاعوا ممارسة الرياضة التي حرموا من ممارستها".

يتم اتباع تمارين معينة قبل النزول إلى الماء كي لا يشعر المتدرّب بالتعب أثناء السباحة

وأعرب المدرب عن شعوره بفخر كبير أثناء تدريب مبتوري الأطراف على ممارسة رياضة السباحة، والتأقلم مع ظروفهم الصحية؛ لأنّه يسهم في رسم البسمة على شفاههم، ويساعدهم في الخروج من الحالة النفسية التي تعرضوا لها بعد الإصابة، إضافة إلى إعادة دمجهم بالمجتمع، وتغيير النظرة السائدة تجاه مبتوري الأطراف.
التتر حقق نجاحاً في تدريب مبتوري الأطراف؛ لأنّه كان يوماً من الأيام مثلهم لم يستطع السباحة بقدم واحدة، نتيجة فقدانه أحد أطرافه السفلية، واستطاع تعلّم السباحة دون صعوبات، إلى أن أصبح مديراً للمدرسة الفلسطينية لتعليم السباحة، وحاز على عدد من الميداليات الذهبية والفضية، في مسابقات دولية ومحلية.

اقرأ أيضاً: لأول مرة.. فلسطيني من غزة مرشح قوي لعضوية الكونغرس
من جهة أخرى؛ يقول الكابتن أحمد أبو راس، مدرّب سباحة، لـ "حفريات": "تعلم السباحة ليس بالأمر السهل؛ فهي تحتاج إلى قوة بدنية، وعزيمة إصرار على الاستمرار، وممارسة عدد من مبتوري الأطراف السفلية تلك الرياضة، يعدّ أمراً خارقاً للعادة، فليس من السهل ممارسة السباحة بقدم واحدة، كون التركيز يكون على القدمين بشكل أساسي".
ويضيف: "الاعتماد على الأطراف العلوية من الجسد، خلال السباحة، يكون بديلاً عن استخدام الأقدام؛ ولكن هذا يتطلب وجود قوة جسدية، وهؤلاء المتدربون لديهم لياقة بدنية مناسبة، الأمر الذي ساعدهم في السباحة بقدم واحدة"، لافتاً إلى أنّهم سوف يحققون نجاحات كبيرة في المستقبل "في حال الاهتمام بهم، وتوفير سائر المستلزمات التي يحتاجون إليها".

للمشاركة:

ما بعد الإسلام السياسي: الطموحات الأيديولوجية الكبيرة إذ تنكمش

2019-08-20

يمثل "الإسلام السياسي" كمصطلح، الأزمة العميقة التي تصيب الذات حين تهبط من رحمها الطوباوي إلى مواجهة العالم، مما يجعلها مهووسة في تقديس أفكارها الطوباوية، والدفاع عنها أيديولوجياً وفعلياً في العديد من الأحيان.
وسرعان ما تأخذ هذه الذات بالتمدد، حتى تتسع إلى العالم وأفكاره الأخرى، وبغض النظر، سواء اتُخذت تلك الأفكار على أنّها دخيلة، صديقة، عدوة، فإنّها في النهاية تحدث تغييراً، ربما يؤدي في آخر الأمر إلى تحطيم الذات كما كانت تحاول أن تكون.

هبط الإخوان المسلمون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية إلى بنى الواقع والسلطة والرأسمالية

"الإسلام السياسي" يفصح عن هذه الحالة في تجليها اليوم، حيث يتم التعبير عنه مؤخراً، على أنه بلغ مرحلة النهايات، وهذا طرحٌ وجد منذ تسعينيات القرن الماضي، إلا أنه يطفو من جديد على وجه المنطقة العربية بعد اشتباكاتها الكثيفة مؤخراً على صعد مختلفة اجتماعية وسياسيةٍ وثقافية ودينية، اختزلها "الربيع العربي".
واليوم، أصبحت؛ ما بعد الإسلام السياسي، هي الجملة الأكثر حضوراً، وصارَ التبشير بنهاية الإسلام السياسي كما نعرفهُ حالةً سائدة، غير أنّ السياقات المؤدية إلى هذه النهاية التي يتم التسويق لها، تظل محل اختلاف، فهل يمكن تقصي بعض هذه السياقات، وإلى أين قد تؤدي بالفعل؟

مؤسس جماعة الإخوان المسلمين حسن البنا

المثالية التي تحطمت
يعود تاريخ العلاقة بين الفكرة والعالمِ عند جماعة الإخوان المسلمين منذ التأسيس، إلى رؤية فضفاضة أرساها شيخها المؤسس حسن البنا، الذي قال في إحدى رسائله "لسنا حزباً سياسياً، وإن كانت السياسة على قواعد الإسلام من صميم فكرتنا، ولسنا جمعية خيرية إصلاحية، وإن كان عمل الخير والإصلاح من أعظم مقاصدنا، ولكننا أيها الناس: فكرة وعقيدة، ونظام ومنهاج، لا يحدده موضع، ولا يقيده جنس، ولا يقف دونه حاجز جغرافي، ولا ينتهي بأمرٍ حتى يرث الله الأرض ومن عليها".

اقرأ أيضاً: كيف زيّفت جماعات الإسلام السياسي المعاني الدينية؟
هذه الرسالة التي مضى عليها قرنٌ تقريباً، لم يكن ممكناً فهمها في سياقها التاريخي؛ كونها لا توضح أهدافها لا بزمانٍ ولا مكان، ولا تسعى إلى هيكلٍ واضح يمكن لجماعة الإخوان المسلمين اتخاذه سياسياً على الأقل، بحيث يفضي إلى نتائج مأمولة على المدى البعيد. لكن، تم تفسير هذه الرسالة لاحقاً أنها جاءت في سياق مشروعٍ نهضويٍ عربي إسلامي، أهم ما يميزه أنه ضد الاستعمار، وسيقوم بالعمل على إنجاز رؤية إسلاميةٍ في الحكم (رداً على سقوط الخلافة الإسلامية) كما أنه سينتج حملةً اجتماعيةً ثقافيةً من منظورٍ إسلامي، خارج مجال الاستعمار، وخارج المنطق الذي بدأت فيه الدول العربية بالظهور مستقلةً بعد انحسار القوى الاستعمارية، باعتبارها تمثل العروبة في استقلالها، وتخفي وضعاً ما بعد كولونيالي في واقعها الجديد، وتذهب الجماعة في تأسيسها أيضاً، إلى أنها تسعى للعدالة الاجتماعية ومحاربة الفساد، وكان هذا في صميم أعمالها خلال الثلاثينيات من القرن الماضي.

المشروع المناهض للاستعمار في أساسه كما طرحته جماعة الإخوان ضاع خلال الربيع العربي في متاهات التحول إلى جماعات حاكمة

الإخوان فيما بعد، ورغم كل ما واجهوه وواجههم في حقبة عبد الناصر، حملوا معهم إرثاً لثلاثةِ عقودٍ من الزمن، اتسم بالعمل الاجتماعي الدعوي، الذي سيبقى ويتطور لاحقاً، إذ تصفه الباحثة بيث بارون في كتابها الصادر عام 2014 بعنوان "فضيحة اليتيمة: الإرساليات المسيحية وصعود الإخوان المسلمين" بأنه "جاء نتيجة احتكاكٍ مع الإرساليات الدينية الغربية والأمريكية التي كانت في مصر، وما تقدمه من خدماتٍ دينية واجتماعية، رأى الإخوان أنهم أولى بتقديمها وفق هويتهم الدينية والعربية". وكان هذا تصرفاً لا استعمارياً مرةً أخرى، في سياقه الزمني الذي تحكمه ظروفه. وفي مقالتها المنشورة على موقع "حبر" في 2018 تشير الكاتبة دعاء علي، إلى أنّ ما قدمه الإخوان من خدماتٍ اجتماعية في تلك الفترة، لم يكن محتاجاً إلى أي انتماء أيديولوجي من المستفيدين من تلك الخدمات، ولا عرقي أو طائفي. كان نوعاً من محاولة خلق مزيجٍ اجتماعي مستفيد ومتسق، في حين "لم تكن الدولة قادرةً مثلاً على تقديم ذات الخدمات بذات الجودة".

وفيما بعد، لا بد أنّ هذا المشروع الذي هدف إلى عدة نتائج اجتماعية ‘يجابية، أخذ بالانحراف عن مساره، فلا توضيح لسبل جمع الأموال لقيادات الإخوان المسلمين الذين ظهروا منذ انتهاء حقبة جمال عبد الناصر، ولا أدلة تشجب أيضاً اختلاط العمل الدعوي بالاجتماعي بالسياسي. ألم يصبح تأييد الجماعة جالباً للعديد من المكاسب السياسية والاجتماعية إلى بعض الأفراد في المقابل؟

اقرأ أيضاً: كيف يكون الإسلام السياسي مشروعاً مضاداً للاجتماع الإنساني؟
هذا المشروع الاجتماعي للإخوان، أخذ يتقلب، ويتشعب، ولعل كل الطرق الجانبية التي خاضها الإسلاميون في مصر تحديداً، أملاً منهم في الوصول إلى طريقهم الرئيسية وأهدافهم، تحولت إلى متاهةٍ معقدة. والمثال الأبرز، كان في عهد الرئيس الراحل أنور السادات، وذلك بعد تشكل الإخوان كقوةٍ اجتماعيةٍ في مصر خلال حكم جمال عبد الناصر، رغم ما حاق بهم من قمعٍ في عهده، إلا أنّ هذه الحقبة انتهت بصعود السادات وبدء مرحلةٍ جديدة، واجه فيها السادات معارضةً من مراكز قوى مصرية مختلفة، فقرر حينها "أن يستعين بجماعة الإخوان المسلمين وأن يتصالح معها؛ ليضرب بذلك التيارات اليسارية والقومية التي يستند عليها خصومه داخل مصر، حيث كان الصراع محموماً على السلطة"، وفق مقالٍ مطول نشره موقع "إضاءات" في 2015.

اقرأ أيضاً: إلى أي مدى طوعت جماعات الإسلام السياسي اللغة لصالح مشروعها؟
وكانت قياداتٌ إخوانية مشهورة، مثل سعيد رمضان الذي كان خارج مصر، وعمر التلمساني من داخل مصر، وغيرهم، "التقوا السادات الذي عرض عليهم العودة للعمل بحريةٍ وعلنيةٍ في مصر بل والتحالف إن أمكن، مقابل مواجهة خصومٍ مشتركين يمثلون (الإلحاد والشيوعية)" وفق المقال ذاته.
الإخوان، خرج  معظمهم من السجون بين عامي 1971 و 1973، وصار السادات فيما بعد، الرجل الذي يحمل لقب "الرئيس المؤمن". ورغم كثرة وتعقيدات التفاصيل، فإنّ المقال يوجز أنّ الإخوان لم يتعلموا من حقبة الملكية في مصر، ولا من حقبة عبد الناصر، فكرروا وقت السادات ذات الخطأ، والمقصود به التحالف مع السلطة بالطبع.

اقرأ أيضاً: كيف عكس حزب التحرير أزمة الإسلام السياسي؟
ربما كانت هذه التجربة طوال عقود في مصر، لها شبيهاتها في بعض الدول العربية، لكنها تشير إلى أول خللٍ في الطوباوية المتمثلة في مواجهة الحالة ما بعد الاستعمارية، التي تخيلها الإخوان في لحظة من الزمن في دولٍ مغلوبةٍ على أمرها تتبع الحداثة الغربية، كما تتبع خطاياها وآثارها الاستعمارية بعد الاستقلال، وتواجه تغييرات اجتماعية تمس الدين والهوية الإسلامية العربية عموماً، مما يجعل مشروع النهضة الإخواني في خطر. لكن هذه الفكرة تضعضعت، وبات التفاعل المباشر مع شؤون الدولة والسلطة ومسؤوليها (وفق رؤية السلطة) أمراً قائماً كما في مرحلة السادات، بل إنّ الإخوان أخذوا بالتمدد والتوسع في أوروبا وأمريكا وبعض دول العالم، بذات الأسلوب الذي بدأوه في مصر، وأخذ المسلمون حول العالم يشكلون محوراً أساسياً من محاور اهتمامهم.

اقرأ أيضاً: موجة البديل الإسلامي في جماعات الإسلام السياسي
بالتالي، أصبح البحث عن مكانٍ واضح في الحكومة، أو في مجلس النواب أمراً طبيعياً وضرورياً، وتجلى هذا بوضوح في عهد الرئيس الأسبق محمد حسني مبارك، وتوالت مواضع الكر والفر بين مبارك والإخوان، فكانوا تارةً ضيوفاً على السجون، وتارةً أخرى ضيوفاً على البرلمان، وبقيت قوتهم الاجتماعية حاضرة، ومؤسساتهم المتنوعة دينية أم تجارية أم خيرية قائمة عموماً، فصار الإخوان سياسيين، واجتماعيين، وحاولوا بث رؤيتهم في الثقافة والفن حتى. كما عملوا عالمياً بكل ما هو متاح لهم تحت مظلة القوانين في دولٍ كبريطانيا وفرنسا وغيرهما. لقد انخرطوا في العالم الذي غيّرهم، أو بالأحرى، صاروا طبيعيين إن صح التعبير، منخرطين في مشاكل مختلفة وقضايا متشعبة، جعلتهم يهبطون من رحم مشروعهم النهضوي المغلف بالمثالية والتاريخية والذاتية، إلى بنى الواقع والسلطة والرأسماليةِ فيما بعد.

حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل

الذات يسرقها العالم
يمكن للحديث عن حركة الإخوان المسلمين أن يطول جداً، ويأخذ الكثير من الأمثلة والوقائع، خصوصاً بعد تجربة "الربيع العربي"، وبعد تجربة الحكم قصيرة الأمد في مصر، والمتقلبة في تونس، والأخرى الخاضعة للظروف السياسية بعد 2010 في المغرب، وقبل كل ذلك في السودان والجزائر.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي في تشكلاته وتحولاته.. هل هو سياق تاريخي أم أزمة؟
لكن، وتمهيداً لهذه المرحلة، يمكن القول إنّ نهاية التسعينيات شهدت رؤية جديدة عالمية، قادتها الولايات المتحدة، خصوصاً بعد حادثة 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية التي ساهمت في صعود مصطلح الإسلام المعتدل إلى الساحة السياسية الدولية، حيث أصبحت جماعة كالإخوان المسلمين ضمن ما أمكن تعريفه دولياً بجماعة معتدلة مناهضةٍ للعنف والراديكالية. وفي هذه النقطة، يقول الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية حسن أبو هنية، إنّ هذا التعريف الدولي لم يكن مرتبطاً تماماً بـ "أيديولوجية الجماعة وأدبياتها وهيكلها وإلخ" بل خضع إلى مصالح دولية.

تبدو الجماعة وقد انتهت كما عرفناها من قبل بعد أن صار ما بعد الإسلام السياسي عنواناً مفروضاً عليها

وربما كان أهم هذه المصالح، يكمن في أن تحديد ما هو معتدل، سوف يسهل في المقابل تعميم ما هو إرهابي وتحديده في أي مكان وزمان وفق مصالح السياسة الدولية. وهذه الفكرة لا يراد منها شيطنة الجماعة، إنما استيضاح ما يشير إليه أبو هنية، الذي يرى أنّ تغير السياسات الدولية تجاه الجماعة فيما بعد، أضعفها، وربما أدى إلى وضعها في قوائم الإرهاب نفسه أحياناً.
هذا التصور، أتى نتيجة للعديد من التحولات؛ فبعد العالمية التي خاضها الإخوان، وهي مرادف آخر لظواهر صعود العولمة، أخذت أفكار التنمية الفردية (خارج إطار الجماعة) وانفتاح سوق المال بالمعايير النيوليبرالية تؤثر في بنيتها بالطبع، وجعل التعامل الدولي أو العالمي معها يخضع لمصالح متبادلة أو غير متبادلة في العديد من الأحيان، أما هي، ووفقاً للباحثة هبة رؤوف عزت في كتابها "الخيال السياسي للإسلاميين"، فكانت لا تزال تطرح علناً سجالاتٍ من نوع "الفروقات بين الشورى والديموقراطية، إضافة للمراجعات التي تتحدث عن مدى إمكانية تقبل الجماعة للعمل الحزبي والتوجه نحو السياسة والسلطة" داخل ما تراه عزت دولة علمانية. وذلك رغم أنّ التنظيم الدولي لجماعة الإخوان يعمل على مستوى العالم وليس على مستوى دوله العربية والإسلامية فقط.

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي كأزمة في تاريخ الأفكار
وبالعودة إلى أبو هنية، صاحب رؤية "نهاية الإسلام السياسي كما نعرفه" فإنّ كل ما عصف في العالم العربي من تغيرات اقتصادية وسياسية لا بد أنه أثر على جماعة الإخوان، كما أنّ السيطرة الدولية ما بعد الكولونيالية جعلت من الجماعة قابلة للعديد من التغيرات على مستوى الأفراد والتوجهات العامة للجماعة ككل.
يقول أبو هنية: "تعاني جماعة الإخوان المسلمين اليوم من أزمة غير مسبوقة، ذاتية وموضوعية، فتبدل الظروف الموضوعية بالتعامل مع الجماعة كطريق نحو التطرف فالإرهاب؛ عمّق من مأزقها الذاتي التاريخي الذي يتمثل بالصراع بين أتباع النزعة المحافظية وأنصار النزعة الإصلاحية كمكونات بنيوية تاريخية مؤسسة لهوية الجماعة".

إذاً؛ تحولت الجماعة إلى صراعٍ منطقيٍ ومشروع بعد كل ما مرت به من ظروف وتحولات، ليتم وضع مشروعها الأساسي جانباً، وبدل التعبير عن مشروع نهضوي إحيائي ومضاد للاستعمار تأسست عليه، أصبح الجدل على القدرة في الاندماج مع الحياة السياسية في الدول والسعي لاعتلاء السلطة، وفهم التعددية، والنقاش داخل الجماعة بين الإصلاحيين والمحافظين، هو السائد.

اقرأ أيضاً: ما تأثير الإسلام السياسي على المجتمع الجزائري؟
وغير بعيدٍ عن أبو هنية، يرى الكاتب الأردني هشام البستاني أنّ الجماعة لم تنجح في حل مآزقها مع الإسقاطات الـ "ما بعد كولونيالية" التي تم رميها بها، سواء كانت تلك المتعلقة بالاعتدال، ومن ثم التهم المتعلقة بالإرهاب. وفي مقاله المنشور على موقع "حبر" في 2018، يعتقد البستاني أنّ تجربة حكم الإخوان في مصر بالذات، قوضت الكثير مما بنوه في زمنٍ سابق؛ حيث يطرح فكرة أنّ الإخوان خاضوا طريق الديموقراطية التي فرضها عليهم "الربيع العربي"، من أجل الاستبداد بالسلطة لاحقاً، كما إنهم "رفضوا أي تحالفاتٍ جدية مع القوى السياسية والاجتماعية الأخرى في مصر، معتمدين على ثقة في النفس اكتسبوها من نوعٍ من التعايش مع السلطة حتى نهاية ثمانينيات القرن الماضي، حيث استفاد السادات من التعايش معهم لتمرير لبرلة الاقتصاد المصري مثلاً، كما كانوا مهمين في مواجهة السلطة للتنظيمات اليسارية والقومية".
وبصورةٍ عامة، كانت قبضة الإخوان على السلطة في مصر ضعيفة، بسبب تراكم خلافاتهم مع القوى السياسية المصرية عموماً، ولسعيهم الانفراد في السلطة، من خلال العمل على التحول إلى مجموعةٍ حاكمة، ليس لها رافعة اجتماعية وشعبية كافية أو متفقٌ عليها عموماً.

اقرأ أيضاً: جماعات الإسلام السياسي.. هل تشوه القيم الإنسانية للأفراد والمجتمعات؟
لم تكن الديموقراطية الطريق الممهدة للوصول إلى السلطة، بل كان التعامل مع المجال العام والسياسة والاقتصاد على أنها مشاريع شراكة وطنية مستقبلية هو الأساس للاستمرار في السلطة.
بدوره، أسهم "الربيع العربي" أيضاً، في تغييرات وتحولات في الجماعة، التي تتجه إلى نهايتها كما أراد أبو هنية وغيره أن يقولوا، والقصد أنّ سياسة القوى العالمية الكبرى، ومشاريع الرأسمالية والسيولة في العلاقات والمفاهيم والتبادل التكنولوجي والثقافي، والثورات منذ 2010، أنهت شكل الإسلام السياسي كما نعرفه. لقد غير العالم في الجماعة أكثر بكثير مما أرادت أن تغير فيه، فهي ليست العدو التقليدي للتقدم مثلاً، وليست حركة رجعية. إنما اكتسبت براغماتية مع الزمن، ربما حولت مشروعها الأساسي إلى حلمٍ آخر من الماضي. أما قاعدتها الاجتماعية العريضة، وعملها على توظيف خدمة المجتمع، فكان من أجل التوسع شعبياً على الأقل، بين الإخوانيين وبين من لا ينتمون مباشرةً للجماعة. يمكن من خلال تجربة الحكم في مصر المذكورة آنفاً، فهم أنّ التحول إلى جماعةٍ حاكمة يعني التخلي عن الكثير من المكونات السياسية والشعبية هذه، حتى من داخل إطار الإخوان ذاتهم؛ لأنّ السلطة الاستبدادية ستؤدي بالضرورة إلى التفكك من أجل صراعٍ مستقبليٍ على السلطة.

 الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت
العديد من هياكل الجماعة تفككت، حتى التنظيمية منها أحياناً، كما أنّ الطموحات الأيديولوجية الكبيرة صغرت، إذ صار الطموح مقتصراً ربما، كما يرى أبو هنية عن "أمل عودة نظرية؛ مشمولية الإدماج/ الاعتدال، إذ تراهن الجماعة على استعادة منظورات التعامل مع الجماعة باعتبارها (جدار وقاية) ضد التطرف والعنف".

اقرأ أيضاً: التداعيات الإقليمية لسقوط الإسلام السياسي في السودان
وإذا كانت مشاريع الدول الكبرى (وتدخلاتها) في العالم سياسياً واقتصادياً وحتى عسكرياً، أثرت في الجماعة إلى هذا الحد، فتأثرت بمعايير قوتها ومصالحها - تماماً مثلما انحسرت تجربة اليسار في العالم العربي من قبل -  دون أن تنقذ الخلفية الاجتماعية والدينية للإخوان مساعيهم ومشاريعهم الكبرى، إذاً، ماذا بقي في صراعها المزعوم مع الحداثة المفترض أنها ما بعد كولونيالية، والذي عبر عنه راشد الغنوشي ذات مرةٍ بقوله "يوجد صراع بين حداثتين، إسلامية تريد ذاتها، وغربية تفرض ذاتها".
يتراءى أنّ النهايات، ومقولات "الـ ما بعد" فُرضت على الجماعة، وأدت إلى ما سمي (ما بعد الإسلام السياسي، وما بعد الإسلاموية، وإلخ)، ولعل أطروحة الباحث الفرنسي فرانسو بورغا، عن أنّ الإسلام هوية مجتمع، تمثله جماعات كالإخوان يسقط وفق الرؤية آنفة الذكر. فكون الإسلام هوية مجتمعية، أو دين أمة، أو رسالة خيرٍ وسلام وغير ذلك، لا يعني أنّ ممثليه ذاتيون، أو أنهم استطاعوا تخليص ذواتهم من الحداثة التي تفرض ذاتها عليهم، كما قال الغنوشي.

للمشاركة:

لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

كريم شفيق's picture
صحافي وكاتب مصري
2019-08-20

لا يبدو أنّ تصريحات قادة حركة "النجباء" العراقية ضد الجيش والحكومة العراقية، أمراً يسترعي الانتباه، ويثير معه دلالات جديدة أو يكشف عن توجهات مختلفة، فالحركة الشيعية، الموالية لإيران، تعمد باستمرار إلى الكشف عن ولائها الطائفي، وتبعيتها الإقليمية، والتصدي لأية محاولات تمس وتهدد تحالفاتها وأدوارها المحلية، في بغداد، والتي تقوم بها بالوكالة عن طهران، بالإضافة إلى ارتباطها العضوي بالمرشد الأعلى، علي خامنئي.
تطاول مستمر على الحكومة والجيش العراقيين
تنتمي حركة النجباء على مستوى المرجعية إلى "الولي الفقيه" في إيران، دون مواربة أو إخفاء لذلك، بالإضافة إلى إعلانها عن صلاتها بالعديد من التكوينات التنظيمية الشيعية، التابعة لطهران في المنطقة، وقياداتها، سيما حزب الله، في لبنان، وأمينه العام، حسن نصر الله، والأخير تصفه بأنه "النموذج المحمدي العربي الناصع لمقاومة الاستكبار".

مقتدى الصدر

وعلى المستوى الإقليمي، تشارك الحركة في عمليات ميدانية وعسكرية، تتماس، بشكل مباشر، مع الأهداف السياسية والطائفية لإيران، مثلما حدث في سوريا؛ إذ اشتركت عبر مقاتليها في السيطرة على الأجزاء الشرقية من مدينة حلب، شمال سوريا، نهاية العام 2016.

اقر أيضاً: معركة إيران… في العراق
وفي خضم هذه العملية العسكرية، أعلنت الحركة أنّ قائد فيلق القدس، التابع للحرس الثوري الإيراني، قاسم سليماني، تفقد قطاعات عمليات مقاتليها العسكرية والميدانية، بالإضافة إلى حضوره اجتماع قادة الحركة.
وفي هذه الأثناء ظهر أكرم الكعبي، قائد التنظيم وزعيم الميليشيا، في مطار حلب، وهو يتفقد المقاتلين، ويقوم بالإشراف على المعركة، وقد رافقه قادة عسكريون إيرانيون، للتنسيق بشأن ما يجري في المنطقة، وخصوصاً، في العراق وسوريا.

حفلت ممارسات حركة النجباء بالحقد الطائفي ففي ريف حلب توثق مشاهد القتل والسحل ضد المواطنيين عبارات مشحونة بالكراهية المذهبية

خلال النصف الأول من الشهر الجاري، أطلقت حركة النجباء، على لسان قياداتها، عدداً من التصريحات التي يمكن توصيفها بـ"المسيئة"، تجاه الحكومة والجيش العراقيين، وأخرى، تحمل تهديدات مباشرة وصريحة، لمؤسساتها الشرعية، في حال عملت ضد مصلحة إيران.
ووصف القيادي بالحركة، يوسف الناصري، الجيش العراقي، بأنه "الجيش المرتزق"، وطالب بحله وإسناد مهامه إلى الحشد الشعبي، وعليه، يكون "الحشد الشعبي هو الجيش الأول في العراق، وليس رديفاً، وحتى يكون هو وزارة لحماية أمن ومستقبل العراق إستراتيجياً".
وأصدر المتحدث باسم حركة "النجباء"، نصر الشمري، هو الآخر، تهديداً إلى أي حكومة عراقية، تعمل ضد إيران، حيث سيصبح مصيرها السقوط، في غضون أسابيع، بحسب وصفه.
تنتمي حركة النجباء على مستوى المرجعية إلى "الولي الفقيه" في إيران

رأس حرب في المنطقة
وصرح المتحدث باسم الحركة، أثناء اللقاء بمستشار المرشد الإيراني للشؤون العسكرية، في طهران، اللواء يحيى رحيم صفوي، بأنّ الحركة تراقب عن كثب جميع القواعد العسكرية الأمريكية، على الأراضي العراقية، والتي يبلغ عددها 11 قاعدة.

اقرأ أيضاً: هل تعتزم إيران شنّ هجمات عسكرية في العراق؟

"تشكلت هذه الحركة من مجموعة من القيادات التي حاربت نظام صدام في السابق، والاحتلال الأمريكي، وقاومت في المدن العراقية كافة، من جميع النواحي العسكرية والفكرية والاجتماعية والسياسية".
يتحدث زعيم ميليشيا النجباء، أكرم الكعبي، عن بدايات تأسيس الحركة الشيعية، في العراق، والتي تعد أكبر فصائل الحشد الشعبي، قبل الانفصال عنها، وتعرف بصلاتها الوثيقة بالحرس الثوري الإيراني، وحزب الله اللبناني، على وجه الخصوص، فيما يعد الكعبي أحد أبرز مؤسسي جيش المهدي، قبل أن يتم حله، مع رجل الدين العراقي، مقتدى الصدر، بالإضافة إلى دوره المؤثر في تشكيل جماعة "عصائب أهل الحق"، والتي انفصل عنها هي الأخرى.
يتراوح عدد أفراد المقاتلين في حركة النجباء، بحسب بعض التقديرات الصحافية، بين 8- 10 آلاف مقاتل. وقد تأسس هيكل الحركة بعد الانفصال عن "عصائب أهل الحق"، من خلال اندماج الألوية العراقية التالية: "لواء عمار بن ياسر"، و"لواء الإمام الحسن المجتبى"، و"لواء الحمد".

اقرأ أيضاً: داعش يعزز قدراته في العراق وسوريا.. البنتاغون يكشف الأسباب
ثمة مقومات هائلة تحوزها حركة النجباء، على المستويين المالي والاقتصادي، وذلك، جنباً إلى جنب مع الإمكانيات السياسية والعسكرية، ومن ثم، بإمكانها فرض نفوذها، عبر وسائط عديدة، وفقاً لقدراتها ومواردها المتعددة؛ فهي تملك قناة تلفزيونية، تحت اسم "قناة النجباء الفضائية"، وكذلك منصة إلكترونية، تحمل الاسم نفسه، وتستهدف نشر أخبارها، وتقديم تغطيات تخص نشاطاتها، والترويج والدعاية لسياساتها.
نسخة مكررة من حزب الله اللبناني
وتعرف الحركة نفسها، عبر موقعها الإلكتروني بأنها "إحدى فصائل المقاومة الإسلامية في العراق، وتهدف إلى الدفاع عن المقدسات في سوريا والعراق". ويحدد أكرم الكعبي، قائد التنظيم، مواقع سيطرة وتمركز الحركة، من خلال لواء، في غرب العراق، المعروف بـ"اللواء الثاني"، الذي سبق وانخرط في المعارك ضد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، ولا يزال قائماً حتى الآن، ولواء آخر، هو "اللواء الثلاثون". بيد أنّ الأخير، وغالبية عناصره من الطائفة السنّيّة، قد جرى حله بقرار من الحكومة العراقية.

اقرأ أيضاً: الميليشيات المدعومة من إيران تتسلل إلى مراكز السلطة في العراق
يسجل العام 2013، بداية انخراط النجباء في الحرب الأهلية الدائرة في سوريا، بين النظام والمجموعات المسلحة من المعارضة، وقد شكل وجودها ضمن عدد من الألوية والفيالق الشيعية، التي تعمل تحت قيادة فيلق القدس والحرس الثوري، عاملاً حاسماً في العديد من المعارك الميدانية، سيما معركة القصير في حزيران (يونيو)، العام 2013، حيث ضاعفت من عدد مقاتليها، وقد نشرت في سوريا ألوية "عمار ابن ياسر"، و"الإمام الحسن المجتبى"، و"الجولان"، ونفذت من خلالهم عمليات ميدانية، في دمشق وحلب، وفي ريف المدينتين، شمالي البلاد، فضلاً عن تحرير قرى شيعية، مثل نبل والزهراء.

اقرأ أيضاً: ضربات إسرائيلية على أهداف إيرانية في العراق أم مجرد حريق بسيط؟
حفلت ممارسات حركة النجباء بالحقد الطائفي، خلال معاركهم وقتالهم في سوريا. ففي ريف حلب، توثق مشاهد القتل والسحل ضد المواطنين، عبارات مشحونة بالكراهية المذهبية مثل: "هذا هو ابن أمية.. وابن عائشة".

 

منظمة إرهابية
تعد حركة النجباء أول فصيل شيعي، يصنف من قبل الولايات المتحدة، على لائحة "المنظمات الإرهابية"، قبل عامين، إلا أنّ زعيمه الكعبي، يخضع للعقوبات الأمريكية، منذ العام 2008، على خلفية دوره في الهجمات التي كانت تستهدف القوات الأمريكية في العراق حينها.
وأشار الكونغرس الأمريكي، في تقريره الصادر العام 2017، على موقعه الإلكتروني، بعد حظر وتصنيف النجباء ضمن المنظمات الإرهابية، إلى أنّ "النجباء تتلقى التسليح والتدريب من فيلق القدس الإيراني، والاستشارة من جماعة "حزب الله" اللبنانية الموالية لطهران".

اقرأ أيضاً: مَن سيحتوي مَن: الدولة العراقية الهشّة أم الحشد الشعبيّ؟
واتهم التقرير أكرم الكعبي باستهداف المنطقة الخضراء، في وسط العاصمة العراقية بغداد، والتي تضم المقرات الحكومية والبعثات الدبلوماسية، إبان الاحتلال الأمريكي للعراق، عام 2008.
وبحسب الصحفي العراقي حسن الشريف، فإنّ حركة النجباء وغيرها من الميليشيات المدعومة من إيران، تستهدف من خلال التنيظمات الطائفية أن تتلاشى أمامها الدولة، وتضعف مؤسساتها، بل أنها تتجاوزها؛ إذ تعمل بسياسة مستقلة، وتنفذ أهداف طهران والولي الفقيه، محلياً وإقليمياً، بما ينعكس على العراق كدولة، ومستقبلها السياسي، الذي يضحى مرتهناً بأكثر من إرادة، تعصف بوحدة قرارها السياسي ومصالحها.
تصريحات قادة النجباء تستهدف النيل والسخرية من الحكومة والدولة وجيشها

تهديد للعراق ومصدر حماية لإيران
ويضيف الشريف في حديثه لـ"حفريات": "تصريحات قادة النجباء التي تستهدف النيل والسخرية من الحكومة والدولة وجيشها، ليست بالأمور الجديدة، فهذا التطاول متكرر، وعملياً تتحكم الميليشيات بالعراق وكأنه بلا سيادة. وفي مقدمة الضحايا لهذا الوضع القائم، منذ عدة سنوات، ليست الأهداف الأمريكية ومصالح الغربيين واستثماراتهم، كما يعتقد، إنما المواطن العراقي، في المقام الأول، والذي يشعر بالتهديد، وتتآكل مساحته الحقوقية والمدنية في وطنه".
وعليه، فإنّ الميليشيات التابعة لإيران، ليست مصدر حماية إلى أحد، ولكنها أحد مصادر التهديد الأخيرة، والمتبقية التي يواجهها سكان المدن العراقية، حيث تعرض الميليشيات كافة المواطنين العراقيين للخطر، عندما تخبئ صواريخ إيرانية كبيرة، في بلدات صغيرة مثل آمرلي. كما يوضح معهد واشنطن.

اقرأ أيضاً: على نهج داعش.. الميليشيات الإيرانية تهدّد المكوّن المسيحي في العراق
ويشير المعهد الأمريكي إلى أنّ ألوية الحشد الشعبي، والميليشيات الشيعية، لا تحتاج إلى مدفعية صاروخية لمهامها، في مكافحة التمرد ضد تنظيم الدولة الإسلامية، ناهيك عن احتياجاتها لصواريخ باليستية إيرانية، قصيرة المدى، الأمر الذي ينبغي الكشف عنه، وتفسير أسباب وجوده، ودوافعه. لذا، يبقى السبيل الوحيد لضمان عدم تصرف هذه القوات المدعومة من إيران، بشكل يلحق الضرر بالمصالح العراقية، هو إخضاعها لمتطلبات الرقابة نفسها، التي تعمل بموجبها القوات الأمريكية، سيما وجود عدد كبير من قوات الأمن العراقية النظامية من وزارات مختلفة، في كافة مواقع "الحشد الشعبي، بحيث لا يسمح لتلك الميليشيات بالسيطرة بشكل حصري على مهمات مربحة، مثل أمن المحطات النفطية البحرية، وحماية منشآت البنية التحتية الأساسية، ومراقبة الطرق السريعة ومراقبة الجمارك.

للمشاركة:



نزاعات المؤسسة الدينية الإيرانية تخرج للعلن

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

بدأ الصراع على منصب المرشد الأعلى للثورة الإسلامية يخرج للعلن بين المتحكمين عموماً في الشأن الإيراني، بما هو سياسي وديني واجتماعي، والموجهين أيضا للبوصلة الإيرانية على مستوى العلاقات الخارجية والنزاعات الإقليمية؛ حيث اندلعت حرب كلامية كانت الشتائم والتهديدات سمتها البارزة، بين رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني، آية الله صادق آمولي لاريجاني، وعضو فقهاء مجلس صيانة الدستور، آية الله محمد يزدي، باتهامهما بعضهما بالكذب والتدليس والفساد.

وسط الخلاف الحالي بين آية الله صادق آمولي لاريجاني وآية الله محمد يزدي، الضوء على الصراع الذي يشق تيار المؤسسة الدينية في إيران، وفق ما نقل موقع "ميديل إيست أون لاين".

آية الله صادق آمولي لاريجاني وآية الله محمد يزدي يتهمان بعضهما بالكذب والتدليس والفساد

وإلى وقت قريب كان الحديث عن خصومات ونزاعات رجال الدين البارزين في إيران أمراً "محرَّماً" وخطّاً أحمر، لكن المؤسسة الدينية المتحكمة في معظم الشأن الإيراني والمرجعية الأعلى في البلاد اهتزت منذ فترة، على وقع احتجاجات كسرت حاجز الخوف واخترقت جدار الصمت المطبق المفروضة بعصا ميليشيات الحرس الثوري، لتتهم خامنئي ذاته بالفساد وتطالب برحيل نظام الملالي الذي أطبق على صدر عامة الإيرانيين وخنق حرياتهم.

وكانت الوكالات الإيرانية الرسمية، الأحد، قد نشرت رسالة مفتوحة للاريجاني اتهم فيها يزدي بـ "نشر الأكاذيب وبثّ الإشاعات والتشهير"، وذلك ردّاً على اتهام يزدي له بتشييد القصور تحت غطاء الحوزات الدينية واستغلال منصبه عندما كان رئيساً للقضاء.

وسارع رئيس مجلس تشخيص مصلحة النظام الإيراني إلى تكذيب روايات تتحدث عن اعتزامه الهجرة إلى النجف الأشرف في العراق، كما نفى -في الوقت ذاته- أن تكون السلطات الأمنية الإيرانية قد اعتقلت مدير مكتبه بتهم فساد.

وذهب عضو فقهاء مجلس صيانة الدستور إلى أبعد من ذلك؛ حين شكّك في أهلية لاريجاني العلمية والدينية، قائلاً إنّ ذهابه إلى النجف أو بقائه في قم لن يكون له تأثير يذكَر لسبب بسيط؛ أنّه لم يكن له (أي لاريجاني) أي تأثير ديني يذكر.

بدوره، ردّ رئيس مصلحة تشخيص النظام على استهزاء يزدي بالقول في رسالته: "لا أحد يأخذ آراءك ودروسك في الحوزة الدينية في قم على محمل الجدّ".

هذا وقد عرّت الحرب الكلامية بين الرجلين جزءاً يسيراً من الفساد المستشري في المؤسسة الدينية الإيرانية التي تختزلها مرجعية قم وتفرعاتها، لتهزّ بذلك الثقة في المؤسسة التي يقودها خامنئي منذ عقود والمتهم بدوره ببناء إمبراطورية اقتصادية.

 

 

للمشاركة:

تركيا تحشد قواتها إلى إدلب.. آخر التطورات في المنطقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

وصلت تعزيزات عسكرية تركية إلى جنوب محافظة إدلب، اليوم، غداة سيطرة قوات النظام السوري على الأطراف الشمالية الغربية لمدينة خان شيخون، الواقعة في المنطقة.

ويشمل الرتل التركي، الذي وصل إلى مدينة معرة النعمان، الواقعة على بعد 15 كيلومتراً شمال خان شيخون، في ريف إدلب الجنوبي، على قرابة خمسين آلية من مصفّحات وناقلات جند وعربات لوجستية، إضافة إلى خمس دبابات على الأقل، وفق "فرانس برس".

من جهتها، نقلت وكالة الأنباء الرسمية السورية "سانا"، عن مصدر رسمي في وزارة الخارجية تنديده بدخول "آليات تركية محمّلة بالذخائر، في طريقها إلى خان شيخون لنجدة الإرهابيين المهزومين من جبهة النصرة"، معتبرة أنّ ذلك "يؤكد مجدداً استمرار الدعم الذي يقدمه النظام التركي للمجموعات الإرهابية".

وصلت تعزيزات عسكرية تركية إلى جنوب محافظة إدلب غداة سيطرة قوات النظام السوري مناطق من خان شيخون

وأشارت إلى أنّ هذا "السلوك العدواني التركي لن يؤثر في أيّ شكل على عزيمة وإصرار الجيش على مطاردة فلول الإرهابيين في خان شيخون".

ومنذ نهاية نيسان (أبريل)، تتعرض مناطق في إدلب وأجزاء من محافظات مجاورة تسيطر عليها هيئة تحرير الشام (النصرة سابقاً)، وتنتشر فيها فصائل أخرى معارضة أقلّ نفوذاً، لقصف شبه يومي من جيش النظام وحليفته روسيا، وبدأت قوات النظام في الثامن من الشهر الجاري التقدم ميدانياً في ريف إدلب الجنوبي.

وتشهد سوريا نزاعاً دامياً تسبّب منذ اندلاعه في 2011، بمقتل أكثر من 370 ألف شخص وأحدث دماراً هائلاً في البنى التحتية، وأدى إلى نزوح وتشريد أكثر من نصف السكان، داخل البلاد وخارجها.

 

للمشاركة:

إرهاب الحوثيين يطال دور الأيتام.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

استولى مسلحون حوثیون على دار لإیواء الأیتام في محافظة الحدیدة، غرب الیمن.

وأجبر الحوثیون عشرات الأیتام على مغادرة دار المعالي لإیواء الأیتام في مدینة المراوعة، عقب اقتحامها بقیادة المشرف الحوثي المدعو "أبو المجد یاسر المروني"، وفق موقع "المشهد" اليمني.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تستولي على دار للأيتام في الحديدة وتجبر عشرات الأيتام على مغادرتها

وقال مصدر محلي في المدیریة: إنّ المروني ومدیر المدیریة، المدعو أدھم ثوابة، أقرّا بتحویل الدار إلى مقرّ لعقد الدورات الصیفیة، واستخدام المدرسة التابعة له لعقد ما تسمّى "الدورات الثقافیة الطائفیة".

وأضاف المصدر؛ "اضطرت إدارة الدار لإخلائها من الأیتام، خوفاً على سلامتھم، بعد أن أصبح مسلحو الحوثي ومشرفوھم یسیطرون عليها بشكل دائم، ویستخدمونها لأغراض خاصة بھم، وأصبح الأیتام بلا مأوى أو سكن".

یذكر أنّ الدار تشرف على إدارتھا مجموعة من المتطوعات، وتعتمد بشكل كبیر على دعم فاعلي الخیر والمغتربین.

إلى ذلك؛ دمّرت ميليشيا الحوثي أحد الطرق العامة الرئيسة في محافظة الحديدة، بالتزامن مع مواصلة تصعيدها العسكري والقصف العشوائي المكثف على منازل المدنيين، ضمن خروقاتها المستمرة للهدنة الأممية.

ميليشيات الحوثي فجّرت عبّارات وجسوراً على الطريق الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد جنوب الحديدة.

على صعيد آخر، قالت مصادر محلية، أمس: إنّ "ميليشيات الحوثي فجرت عبّارات وجسوراً على الطريق الإسفلتي الرابط بين مديريتي التحيتا وزبيد، جنوب الحديدة".

وذكرت المصادر؛ أنّ الميليشيات الحوثية استخدمت في تدمير الطريق العام وقلع الإسفلت، الألغام والمتفجرات والجرافات.

وسبق أن فخخت ميليشيات الحوثي أكثر من 73 جسراً ومجرى لسيول الأمطار في الطرق الرئيسة التي تربط العديد من مديريات الحديدة، من خلال استخدام شبكات ألغام مرتبطة بصواريخ وقذائف وزرعها بالطرقات والجسور.

في السياق ذاته؛ أصيب مدني بجروح بليغة، أمس، جراء استهداف ميليشيا الحوثي بالقصف المدفعي المكثف على قرى المواطنين في منطقة المتينة السكنية، جنوب الحديدة.

القوات المشتركة في الساحل الغربي تحبِط محاولة تسلل لميليشيات الحوثي نحو مركز مديرية التحيتا

وذكر سكان محليون؛ أنّ المواطن إبراهيم داؤود سليمان تعرض لإصابة بليغة، في مناطق متفرقة من جسده بشظايا قذيفة الهاون التي أطلقتها الميليشيا.

هذا وأفشلت القوات المشتركة في الساحل الغربي جنوب الحديدة، محاولة تسلل لميليشيات الحوثي نحو مركز مديرية التحيتا، بالتزامن مع قطع خدمة الإنترنت والاتصالات الأرضية عن المديرية.

وأحبطت القوات المشتركة هجوماً ومحاولة تسلل قامت بها الميليشيات الحوثية، من الناحية الجنوبية ومن المزارع المطلة على مدينة التحيتا تحت غطاء ناري كثيف.

 

 

للمشاركة:



اللامركزية عقيدة إخوانية غذاؤها الفراغ والفوضى

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-20

بهاء العوام

إنه موسم العودة إلى الحياة السياسية في المنطقة العربية. هكذا تقرأ جماعات الإخوان المرحلة الراهنة. الفرصة سانحة في الجزائر وليبيا والسودان وتونس وسوريا بسبب الفراغ أو الفوضى في هذه الدول، أما في دول أخرى مثل تركيا وقطر ومصر والمغرب، فيمكن أن تمارس أذرع التنظيم أدوارا مساعدة في تلك العودة.

الحديث عن تمدد الإخوان في المنطقة لا يقارب المبالغة. وفي الوقت ذاته لا يحتمل التفخيم ليصنع منهم قوة لا تقهر. هم بكل بساطة تيار سياسي لا يعرف حدودا في استغلال الدين لصالح أهدافه، توسع في بلاد لم تعرف بعد الاستعمار القديم أنظمة ديمقراطية ودساتير تتيح للناس المشاركة السياسية في الحكم.

الاستغلال اللاأخلاقي لله والدين، سهل على الإخوان التكيف وفقا للبيئة التي يعيشون فيها. كل حزب ينتمي إلى التنظيم بشكل مباشر أو غير مباشر يكتسي ما يلائم الدولة التي يعمل فيها. و”الغاية تبرر الوسيلة” هي القاعدة الأولى التي تستند عليها أحزاب وتيارات الإخوان حول العالم وليس في المنطقة العربية فقط.

غاية الإخوان هي أن يحكموا حيث ينشطون ولكل جماعة أن تختار الوسائل اللازمة لذلك. لا حرج في طريق الوصول إلى الحكم سواء شقت بالدم أو عبر التحالف مع الشيطان. المهم أن تؤدّي جميع الطرق إلى السيطرة على المكان والأشخاص. في الحي والمنطقة والمدينة والمؤسسة والمدرسة والجامعة وكل تجمع.

الأحزاب الإخوانية تصوغ أدواتها على مقاس الدول التي تنشط فيها؛ ثمة لامركزية يفرضها اختلاف البيئات ولكنها لا تمس نزعة الفكر الإخواني إلى الحكم في أي زمان ومكان، حتى ولو في حافلة للشرطة تقل معتقلين من نشطاء تظاهروا ضد نظام حسني مبارك في مصر عام 2011، كما شاهدنا في فيلم “اشتباك”.

في الفيلم الذي أنتج عام 2016 كان الإخوان أكثرية بين المعتقلين في حافلة الشرطة. اختاروا زعيما لهم وبدأوا ببسط نفوذهم في الحافلة بالقوة إلى أن سيطروا عليها وتوجهوا بها إلى مناطق تجمعات “ثوار” الإخوان، فهوجمت وقتل كل من فيها بمن فيهم أفراد الجماعة الذين سطوا على الحافلة وقادوها إلى حتفها.

النهاية المأساوية هي مآلات تجارب الإخوان في الحكم دائما، والإدارة التعسفية العقيمة للأمكنة التي يسيطرون عليها، سواء عبر صناديق الاقتراع أو بالتحالف مع العسكر، هي الميزة الأساسية لحكمهم. مشكلة الإخوان هي في الفكرة والتطبيق معا، فكرة أنانية إقصائية كاذبة تترجم بأدوات انتهازية وأساليب ملتوية.

أبشع صور انتهازية الإخوان تتجلى في تربصهم بالثورات الشعبية لاستغلالها وقطف ثمارها. يدعون أنهم جزء من الحراك ويحق لهم ما يحق لغيرهم، رغم أنهم وحدهم، دون غيرهم، يبحثون في التغيير دوما عن مصلحتهم الخاصة وليست مصلحة البلاد التي ثار من أجلها الناس وواجهوا فيها أنظمة استبدادية فاسدة.

ولا يضير الإخوان أن تتناقض أداوت أحزابهم في ما بينهم، أو تتناقض مع منطلقات الفكر الإخواني الأصلي. لا ضير أن يركب حزب إخواني موجة المدنية في البلاد إن كانت ستحط به على شاطئ السلطة، ولا بأس من دعم مرشح علماني لرئاسة البرلمان أو الجمهورية أو الحكومة، إن كانوا سيقودون المكان عبره.

في تونس مثلا ترى حزب النهضة منفتحا على مدنية الدولة، أما إخوان سوريا فيتلعثمون عند استخدام هذه المفردة للحديث حول مستقبل البلاد. حركة مجتمع السلم في الجزائر تؤيد الجيش في حوار “وطني” مبهم الأهداف. أما في السودان فيحارب الإخوان المجلس العسكري بحجة أنه لا يحاورهم، قيادي منهم قال ذلك وعلى الملأ عبر شاشة تتكلم بلسان إخوان العالم.

في ليبيا وسوريا، يتحالف الإخوان مع قطر وتركيا ويستعدون لفرصة الانقضاض على السلطة. لم يفلح الإخوان في قطف ثمار الحراك الشعبي مباشرة لأن التدخلات الخارجية قادت الدولتين إلى حروب أهلية، فانضم الإخوان إلى هذه الحروب وحرصوا على استمرار اشتعالها، تحت شعار: إن لم تكن السلطة لنا فلن يهنأ بها غيرنا.

يريد الإخوان تطبيق هذا الشعار في مصر ولا يملون المحاولة. السعي وراء السلطة عبر الدم لا يتعارض أبدا مع مبادئهم مهما حاولوا ادّعاء عكس ذلك. ربما يمكنهم الهروب من الإدانة الرسمية في الإرهاب الذي يُمارسونه في بعض الأماكن، ولكن دولا عديدة وضعتهم على رأس قوائم الإرهاب فيها وأطلقت الحرب عليهم.

ما يثير الاستغراب هو ذلك الوهم الذي تعيشه الدول الغربية في التفريق بين الإخوان والإرهاب. هو في الحقيقة ليس وهما بقدر ما هو تحالف شيطاني آخر نسجه الإخوان مع هذه الدول على مدار عقود طويلة. شروطه تغيرت خلال تلك السنوات طبعا، ولكن الثابت الوحيد هو أن يبقى الإخوان في خدمة مصالح هذه الدول بالمنطقة العربية أولا، ويحافظون على استقرار مجتمعات الغرب ثانيا.

لا يخالف التنظيم الدولي للإخوان قواعد اللعبة التي تمارسها أحزاب التنظيم عربيا، فالسلطة هي مبتغاه أيضا، ليس عبر البرلمان أو الحكومة، في الوقت الراهن على الأقل، وإنما عبر احتكار تمثيل المسلمين في هذه الدول واحتكار التفاوض باسمهم والتعبير عن توجهاتهم ومواقفهم من القضايا الداخلية والخارجية.

نجح الإخوان في بريطانيا والولايات المتحدة في تمثيل المسلمين لسنوات طويلة. كانوا يجلسون مع الحكومات المتعاقبة لهذه الدول للبحث في شؤون الجالية في البلاد. اليوم تغيرت المعادلة وظهرت تيارات إسلامية ترفض فكر الإخوان وتعتز بالانتماء إلى دول الغرب قبل أي انتماء آخر. من هذه التيارات وصل وزراء ومسؤولون إلى الحكم في تلك الدول، مثل وزير الخزينة البريطانية ساجد جاويد وعمدة لندن صادق خان.

أدركت الدول الغربية، وعلى رأسها بريطانيا، خطأ حساباتها تجاه الإخوان في العقد الأخير، وتكشف هذا الخطأ لشعوبها مع ولادة داعش من رحم الفكر الإخواني. استفاق البريطانيون فجأة على كتب التطرف لحسن البنا وسيد قطب فحظروها في سجونهم التي أنتجت متطرفين انضموا إلى صفوف الإرهاب لاحقا.

تراجعت قدرة الإخوان على التكيف الكاذب مع البيئة البريطانية. لم تعد اللامركزية سلاحا يمكن استغلاله في الغرب عموما. ثمة حالة مشابهة في المنطقة العربية، نضجت تماما في بعض الدول فحظرت تنظيم الإخوان، وتعيش مخاضا في دول أخرى تبحث شعوبها عن قطيعة مع ماضيها الاستبدادي بجميع مفرداته، وعلى رأسها الإخوان.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

تحقيقات جديدة.. ما حقيقة تمويل قطر لجماعات إسلامية إقليمياً ودولياً؟

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2019-08-19

ترجمة: مدني قصري


حاولت الدوحة تعزيز دورها الإقليمي بعد انفجار "الربيع العربي"، من خلال دعم فروع الإخوان المسلمين في عدد من البلدان التي شهدت ثورات، لا سيما تونس ومصر وليبيا.

اقرأ أيضاً: تحذير بريطاني من جمعية خيرية على صلة بمؤسسة قطرية
هناك أدلة كثيرة على أنّ هذا النهج قد انتشر في اليمن؛ ففي خطاب ألقاه، في نيسان (أبريل) 2011، قال الرئيس اليمني الراحل، علي عبد الله صالح: "نستمدّ شرعيتنا من قوة شعبنا اليمني المجيد، لا من قطر، التي نرفض مبادرتها"؛ كانت هذه الإدانة العلنية الشديدة ناجمة عن دعم قطر لحزب الإصلاح، الذي لعب دوراً رئيساً في الجهود المستمرة للإطاحة بصالح.

على غرار العديد من الجهاديين المصريين فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين سيد قطب

ذكرت وسائل الإعلام اليمنية؛ أنّ قطر تدعم حزب الإصلاح في اليمن، وهو الجناح السياسي لجماعة الإخوان المسلمين في البلاد، وكان الغرض من هذا التدخل، وفق تقارير، هو إنشاء جناح عسكري للجماعة يعزز قدرة حزب الإصلاح الإخواني على توسيع نفوذه في جميع أنحاء اليمن والدولة، في المجالات؛ السياسية والعسكرية والأمنية.
يحاول المقال توضيح الأهداف المحتملة التي قد تحملها الدوحة في دعم حزب الإصلاح، ويؤكد أنّ أيّة علاقة بين قطر و"الإصلاح" يجب أن تُفهم في ضوء سياسات قطر طويلة الأمد تجاه الإخوان المسلمين وغيرهم من الإسلاميين، في مختلف مناطق الصراع في الشرق الأوسط.
قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون

سياسات الدوحة
إنّ سياسات الدوحة، المتمثلة في الاتهامات الموجهة لها بتمويل المتمردين، أدّت إلى استفادة المنظمات المتطرفة منها، سوريا حالة معروفة؛ حيث حدث هذا، وليبيا ومالي مثالان آخَران، وقد ذهبت مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية في اتهاماتها إلى حدّ القول، عام 2013؛ إنّ قطر قد ذهبت إلى أبعد من ذلك، وإنّ قواتها الخاصة "تدرّب مقاتلين مرتبطين بجماعة أنصار الدين، وهي أحد الفروع المرتبطة بتنظيم القاعدة في منطقة الساحل".
الظواهري يثني على سيد قطب
ليس مستغرَباً؛ أن نرى جماعة الإخوان المسلمين و"القاعدة" تعملان بالقرب من بعضهما، وتدفعان نشاطهما في الاتجاه نفسه؛ لقد دافع زعيم القاعدة، أيمن الظواهري، علناً، عن الاتحاد مع جماعة الإخوان المسلمين، للعمل ضدّ الغرب، وعلى غرار العديد من الجهاديين المصريين، فقد تمّ استقطاب الظواهري إلى التطرف من قِبل منظر الإخوان المسلمين، سيد قطب، والذي أثنى عليه في كتابه "فرسان تحت راية النبي"، وبالتالي فإنّ أسلحة جماعة الإخوان المسلمين قد تنتقل بسهولة إلى القوات التابعة لتنظيم القاعدة.
الدوحة تدعم إخوان ليبيا
في ليبيا؛ تشير بعض التقارير الصحفية أنّ الدوحة دعمت لواء طرابلس، التابع لعبد الحكيم بلحاج، وكان بلحاج أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة، المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة، حتى تمّ أسْره من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي أي" في بانكوك، عندما حوّل بلحاج مجموعته إلى حزب سياسي، الوطن، ورفض الانتخابات الليبية عام 2012.

اقرأ أيضاً: قطر: إضراب عمال وافدين عن العمل لهذه الأسباب
رغم ذلك؛ لم يحقق بلحاج النتائج المرجوّة، وحصل على 3٪ فقط من أصوات الشعب، لذلك لم يفز بأيّ مقعد في البرلمان، كما دعمت الدوحة حزب العدالة والبناء الليبي (حزب العدالة والبناء)، وهي منظمة إسلامية مرتبطة بالإخوان المسلمين.
وصف المسؤولون الأمريكيون الإخوان المسلمين الليبيين بأنّهم متطرفون مناهضون للديمقراطية، وأعربوا عن استيائهم من دعم قطر لهم، فعلى سبيل المثال؛ منعت حكومة الولايات المتحدة، تاجر أسلحة في أريزونا من بيع الأسلحة إلى قطر على أساس أنّها ستزود بها المتشددين الليبيين.

فضائية "الجزيرة" تروّج لجبهة النصرة 
في سوريا؛ قدّمت قناة "الجزيرة" القطرية، تغطية مواتية لـ "جبهة النصرة" التابعة لتنظيم القاعدة، وقد حاول بعض المسؤولين القطريين تصوير "النصرة" كقوة معتدلة، ومنح تغطية واسعة، وساذجة، لتصريحات "النصرة"، التي انفصلت عن تنظيم القاعدة، وفشلت جهود قطر في تغيير النظرة الغربية إزاء "النصرة"، فشلاً ذريعاً، رغم استمرار قطر في محاولة التوسط بين الغرب والقوى المتطرفة، منذ حزيران (يونيو) 2013، ترحّب الدوحة بطالبان، التي تشارك في مفاوضات مع الولايات المتحدة حتى الآن.

الريان أكبر بنك إسلامي ببريطانيا لديه أكثر من 85000 عميل من أصحاب المجموعات المتشددة والمتعاطفين مع الإخوان المسلمين

إضافة إلى استخدام الإسلاميين لتوسيع نفوذها، استخدمت قطر الإسلاميين لتقويض منافسيها، وفق صحيفة "نيويورك تايمز"، قام رجل أعمال مقرب من أمير قطر، خليفة كايد المهندي، بالتنسيق مع السفير الصومالي في الصومال، في هجوم بسيارة مفخخة ارتكبها متشدّدون في بوساسو للترويج لمصالح قطر، من خلال إقصاء منافستها، الإمارات العربية المتحدة.
أمكن سماعُ المهندي خلال محادثة هاتفية مع السفير، في 18 أيار (مايو) 2019، بعد حوالي أسبوع من التفجير، قائلاً: "نحن نعرف من يقف وراء الهجمات"، مضيفاً: "كان أصدقاؤنا وراء أحدث الهجمات"، وأكّد المهندي؛ أنّ العنف كان "يهدف إلى تخويف وإبعاد الإماراتيين"، "فليطردوا الإماراتيين، حتى لا يجددوا العقود معهم، وسأحضر العقد هنا في الدوحة"، عاصمة قطر، وقد أعلنت حركة الشباب، فرع تنظيم القاعدة في الصومال، مسؤوليتها عن الهجوم.
وهذا يعزّز مصداقية اتهام سفير الإمارات العربية المتحدة لدى روسيا، عمر سيف غباش، بأنّ قطر متهمة بالتعاون مع تنظيم القاعدة في شبه الجزيرة العربية في اليمن.

اقرأ أيضاً: الإمارات تغلق قضية مرفوعة ضدّ قطر
قال غباش: "لقد أبلغ حلفاؤنا القطريون القاعدة بموقعنا بالضبط، وبالذي ننوي القيام به"، تجدر الإشارة هنا إلى أنه منذ عام 2011، على الأقل، أصبح تنظيم القاعدة في جزيرة العرب وحركة الشباب أكثر تشابكاً، وبالتالي فإنّ دعم أحدهما يمكن أن يفيد الآخر بسهولة.
يستنتج من ذلك؛ أنّه بالنظر إلى جميع العوامل المذكورة أعلاه، من المحتمل أن تحاول قطر استخدام حزب الإصلاح لتعزيز أهدافها في اليمن، ولن يكون من قبيل المبالغة الاعتقاد بأنّ الدوحة تعمل بقوة أكبر لمحاولة زيادة تأثيرها على الدولة والمجتمع اليمنيين.

العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية

في مقال نشرته صحيفة "التايمز" مؤخراً؛ يقدم أندرو نورفولك، وهو صحفي تحقيقي، رؤى جديدة حول العلاقات المالية بين قطر والجماعات الإسلامية الغربية.
لقد تلقت العديد من المنظمات البريطانية المرتبطة بالإسلاميين ومؤيديهم، وفق نورفولك، أموالاً من قطر، وبعض عملاء أحد البنوك جُمِّدت حساباتهم المصرفية أو أغلِقت لأسباب أمنية.

بنك الريان أكبر بنك إسلامي في بريطانيا

سبق أن قامت مؤسسة "العين الأوروبية على التطرف" ( European Eye on Radicalization) بالتحقيق في الروابط المذكورة أعلاه، والتي تجذب الآن انتباه الغرب.
بنك الريان، أكبر بنك إسلامي في بريطانيا، لديه أكثر من 85000 عميل (أصحاب المجموعات المتشددة، والدعاة، والمتعاطفون مع الإخوان المسلمين).

اقرأ أيضاً: بنك قطري آخر أمام القضاء البريطاني.. لماذا؟

وفق نورفولك، هناك 4 مجموعات تابعة للريان تخضع حالياً للتحقيق من قبل اللجنة الخيرية، يعتبر التحقيق الذي أجرته "التايمز" أمراً حاسماً لفهم قدرة الريان على الجاذبية والهيمنة بشكل أفضل؛ حيث إنّه يضمّ أكثر من 10 منظمات مثيرة للجدل إلى حدّ كبير لديها جميعاً حسابات في بنك الريان.

بنك الريان لديه أكثر من 85000 عميل

نشاطات مسجد شرق لندن
يعدّ مسجد شرق لندن، أحد أكبر المراكز الإسلامية في أوروبا، وكانت نشاطاته مثيرة للجدل دائماً؛ حيث إنه يدعو بانتظام دعاةً أمثال؛ هيثم الحداد، وأنور العولقي، أحد أشهر مروّجي دعوة "القاعدة" الذين تعدّ أيديولوجيتهم عنصرية وصريحة، وكارهة للنساء..، كما صرّحت بذلك سارة خان، المفوّضة البريطانية الحالية لمكافحة الإرهاب،.
في الماضي؛ كانت أعمال مسجد "فينسبري بارك موسكي"، أكثر إشكالية، كان معقل أبو حمزة، وهو رأس الكراهية، الذي يقضي حالياً عقوبة بالسجن مدى الحياة في الولايات المتحدة، قد تمت إعادة فتحه في مرحلة أولى، عام 2005.
روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان وحماس

كان لفريق القيادة الجديدة روابط أيديولوجية وثيقة مع الإخوان المسلمين، وكان محمد صوالحة، وهو عضو في مجلس إدارة المسجد، جزءاً من المكتب السياسي لحركة حماس.

اقرأ أيضاً: التايمز: قطر متهمة باستخدام مصرف بريطاني لدعم جماعات الإسلام السياسي
يبدو أنّ المجموعة المسؤولة عن هجمات 21 تموز (يوليو) 2005 في لندن، قد شجعها مسجد فينسبري بارك؛ ففي الآونة الأخيرة، تتم متابعة المؤسسة عن كثب، أيديولوجياً وتشغيلياً، مؤسسة البحوث الإسلامية الدولية، برئاسة الداعية ذاكر نايك، الذي طُرد من المملكة المتحدة، عام 2010، هي المموّل الرئيس لقناة "TV Peace".
وفق التحقيقات التي أجرتها "التايمز"؛ فإنّ رسالة "السلام للإنسانية" التي وجهها ذاكر نايك لم تمنعه من تمجيد زعيم القاعدة أسامة بن لادن.

مسجد شرق لندن

إستراتيجية إسلامية نمطية 

في الواقع؛ تعدّ العلاقات المالية لقطر مع المنظمات الإسلامية الغربية إستراتيجية تسير جنباً إلى جنب مع شكل من أشكال الدبلوماسية الثقافية الفريدة من نوعها، والتي تنفذها بعض دول الخليج.

في ليبيا دعمت الدوحة لواء طرابلس التابع لبلحاج الذي كان أمير المجموعة الليبية الإسلامية المقاتلة المتهمة بالارتباط بتنظيم القاعدة

يدعونا بول ستوت، مدرّب في الدبلوماسية والدراسات الدولية في "SOAS"، في جامعة لندن، وباحث في جمعية "هنري جاكسون" (HJS) إلى تأمّل رؤية وإستراتيجية قطر التي يبدو أنها تأخذ بعين الاعتبار دمج وتعميم تفسير نمط محدد للإسلام في الغرب بشكل عام، وفي المملكة المتحدة بشكل خاص.
أوضح ديفيد روبرتس، مؤخراً؛ أنّه بوجود موارد مالية وفيرة وموارد بشرية محدودة، يعتمد المقربون من سياسة قطر على العلاقات الشخصية مع مختلف الوسطاء، كأسلوب تشغيل رئيس للسياسة الخارجية، ونتيجة لذلك؛ تدعم قطر، أحياناً، الجماعات المرتبطة بالإخوان المسلمين؛ لأنّها كانت دائماً المنظمة الإسلامية بامتياز التي طورت مهارات تكيّف ملحوظة من زاوية إستراتيجية واتصالية في آن.

كتاب يكشف سعة تمويل قطر
دعمت قطر مشاريع المساجد والمراكز الإسلامية في سويسرا بعدة ملايين من اليورو، وفق كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)  الذي نشرته جريدة "تاشيا" مؤخراً.

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
لكتابة "أوراق قطرية"، اعتمد الصحفيان الفرنسيان، كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو، على وثائق داخلية مسرّبة تابعة لمنظمة غير حكومية على صلات مع شخصيات مقربة من السياسة القطرية، وفق ما ذكرته "Hers External Link" و"Geneva TribuneExternal".

 كتاب "أوراق قطرية"(Qatar Papers)
يعتقد المؤلفان الفرنسيان؛ أنّه من المشروع أن يكون للمسلمين قاعات صلاة جيدة في أوروبا وغيرها، لكنّهما يحذران من المجتمعية الدينية، وظهور مجتمع موازٍ يؤدي إليه التبشير الإسلاموي؛ لأنّ مؤسسة قطر الخيرية ترتكز على عقيدتها في جماعة الإخوان المسلمين، والتي "تغذيها مجرّة الجمعيات".
لقد استأجرت المنظمة، غير الحكومية، واعظها الأكثر شهرة في أوروبا، طارق رمضان، وهدف سياسة الدوحة هو إرضاء قاعدتها المحافظة، والتي تعدّ توسّع الإسلام في جميع أنحاء العالم واجباً عليها، واكتساب نوع من التأمين، من خلال استثماراتها الثقافية أو المالية، أو من استثمارات رياضة كرة القدم، في الغرب، لمواجهة عدوّها السعودي.
مكافآت طارق رمضان
استناداً إلى مذكرة من منظمة المراقبة المالية الفرنسية "تراكفين"، يؤكد كتاب كريستيان تشيسنو وجورج مالبرونو "أوراق قطرية"؛ أنّ طارق رمضان، المقرَّب من جماعة الإخوان المسلمين، يتلقى 35000 يورو شهرياً من مؤسسة قطرية .

اقرأ أيضاً: الرئيس الموريتاني: قطر دمرت دولاً عربية باسم الديمقراطية
كما تشير منظمة المراقبة المالية الفرنسية إلى أنّ وسائل الإعلام الإسلامية كانت ستحصل أيضاً على 19000 يورو من رابطة المسلمين في سويسرا، في أوائل عام 2018، وقت اعتقال رمضان بتهمة الاغتصاب التي وجهت له ولم يعترف بها.
 طارق رمضان

تفاصيل نشاط قطر الخيرية
كشف التحقيق الذي أجراه تشيسنو ومالبرونو، والمدعوم بالعديد من المقابلات والوثائق السرية كيفية توجيه الدوحة أدواتها بطريقة محترفة ومنهجية ومبهمة للغاية، عبر برنامج "البيت" التابع لمنظمتها غير الحكومية، قطر الخيرية، تموّل هذه الأخيرة 138 مدرسة ومسجداً في أوروبا، من شمال النرويج الكبير إلى إيطاليا، عبر ألمانيا والمملكة المتحدة وسويسرا وبلجيكا ومنطقة البلقان وفرنسا.

اقرأ أيضاً: محللون فلسطينيون يكشفون أهداف الأموال القطرية في قطاع غزة
يستعرض الكتاب تفاصيل نشاط قطر الخيرية في مدن؛ مولهاوس، ونانت، ومرسيليا، ولِيلْ، وبواتييه، والهافر، وإيل دو فرانس، خاصة مع المسؤولين المنتخبين الذين تمّ إغراؤهم من قبل إسلام "الوسطية"، أو الوعد بـ "مسجد مقابل عهدتين"، وكانت الميزانية الإجمالية 30 مليون يورو؛ أي ضعف التقديرات الرسمية، ويؤكّد المؤلفان أنّ الإنفاق قانوني بشكل عام ولا يموّل الإرهاب.
140 مسجداً مقابل 71 مليون يورو
هذه الوثائق تتيح تقييم سعة وحجم التمويل من قبل الدوحة، للمشاريع المتعلقة بالمنظمات الإسلامية في أوروبا.
يؤكّد الكتاب؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا، مقابل 71 مليون يورو.

اقرأ أيضاً: محور تركيا قطر: هل يفقد نفوذه في السودان وليبيا؟‎
"قطر اليوم لاعب رائد في تمويل الإسلام في أوروبا"؛ هكذا علق مؤخراً على التلفزيون والإذاعة السويسرية الناطقة بالفرنسية (RTS)، جورج مالبرونو، مؤلف مشارك لكتاب "أوراق قطرية"، وصحفي رئيس في صحيفة "لوفيغارو"، وإيطاليا هي أول بلد مستفيد بأكثر من 50 مشروعاً مموَّلاً.
 مؤسسة قطر الخيرية قامت بتمويل 140 مسجداً ومركزاً إسلامياً في أوروبا

5 مشاريع مموّلة في سويسرا
في سويسرا؛ ضخّت المنظمة غير الحكومية، بين عامي 2011 و2014، أكثر من 3.6 مليون يورو (4 ملايين فرنك) في 5 مشاريع للمنظمات الإسلامية في بريلي (فاود)، وبيين (برن)، ولا شو دو بروفانس، فوندز (نوشاتيل)، ولوغانو (تيسينو).

منحت قناة الجزيرة تغطية واسعة لجبهة النصرة التابعة لتنظيم القاعدة وحاول بعض القطريين تصويرها على أنها قوة معتدلة

يلعب كلّ من محمد ونادية كرموس، وهما على رأس متحف الحضارات الإسلامية في لا شو دو فون، "دوراً رئيساً"، وفق كتاب "أوراق قطرية"، تلقى الزوجان "المدعومان على أعلى مستوى من حركة الإخوان المسلمين" للمتحف، ما لا يقل عن 7 تحويلات مالية بمبلغ إجمالي يصل إلى 1.4 مليون فرنك.
ردّاً على اتصال من قبل هيئة تحرير "Tamedia"، لم يرغب محمد كرموس في التعليق على الكتاب دون قراءته، ولكنّه أكّد "احترام القوانين السويسرية".
يقع المجمع الثقافي الإسلامي في لوزان في بريلي (1.6 مليون فرنك سويسري) ومسجد صلاح الدين في مدينة بيين، ضمن الهياكل التي تلقت الأموال من الدوحة.

"من يموّل يملِك النفوذ"
"تتواصل قطر مع الشبكات المرتبطة بحركة الإخوان المسلمين (...)، وبالتالي، فمن خلال هذه الشبكة الموجودة مسبقاً، هناك حتمية أسهل في ممارسة الإقحامية"، وفق قول جورج مالبرونو.
وقال الصحفي: "هناك استثمار ضخم من جانب قطر للتأثير على الإسلام الأوروبي"، مشيراً إلى أنّ قطر فرضت شروطاً على مساعدتها لمتحف لا شو دي فون (La Chaux-de-Fonds): "لقد فرضوا رفع العلم، وحضور القادة القطريين في الاجتماعات المهمة، مَن يموّل يملك النفوذ".
في مواجهة جورج مالبرونو، ذكّر ممثل اتحاد المنظمات الإسلامية في سويسرا، باسكال جيمبرلي، بأنّ تمويل جميع المساجد في البلاد هو بنسبة "98٪" من أصل سويسري، وقال: "نحن بعيدون عن فيضانات الأموال الأجنبية".
وأضافت باسكال جيمبرلي؛ أنّ مؤسسة قطر الخيرية "لديها شراكات مع مؤسسة بيل جيتس، وتعمل مع برنامج الغذاء التابع للأمم المتحدة، ومنظمة "اليونيسيف"، ومنظمة الصحة العالمية..."؛ "فهي ليست منظمة منبوذة".

 


المصادر: eeradicalization.com/fr و www.swissinfo.ch

للمشاركة:

الجنوبيون ومؤتمر جدة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-19

عبد الرحمن الراشد

في لحظة مخيفة مضت الأسبوع الماضي وجدنا أنفسنا أمام أزمة خطيرة أخرى في المنطقة، وربما حرب أهلية أعنف في جنوب اليمن تبدأ وقد تدوم عشر سنوات. وفي هذه اللحظة الرائعة نرى أنه تم تجنبها بتغليب الحكمة من كل الأطراف. الأزمة انتهت الآن على الأقل، فالجميع ذاهب إلى جدة للبحث عن حلول دائمة، والمجلس الجنوبي الانتقالي تراجع عن استيلائه على مؤسسات الحكومة اليمنية، وأصدر بيانات أكد رضاه وقبوله بالشرعية اليمنية كما سنتها الأمم المتحدة.
الحقيقة أن الانتقالي طمأن السعوديين، وأعفى الإمارات من إحراجات كبيرة، والأهم أنه أنقذ نفسه وأهله، مواطني الجنوب، وكل المنطقة من نتائج كارثية كان يمكن أن تقودها تلك الخطوة، بغض النظر عن مبرراتها.
لكن النقاش بطبيعة الحال لن يتوقف، وقد قرأت مقالين للدكتور محمد الرميحي (في الشرق الأوسط) والدكتور سعد العجمي (في إندبندنت عربي) حول الخلاف القائم. وباختصار قد لا يفي برأيهما، هما يعتقدان أن استقلال الجنوب هو الحل الأمثل. بل إن سعوديين مثقفين أيضا يعتقدون أن المصلحة السعودية هي في يمنين أو ثلاثة وليس في يمن موحد أكبر سكاناً، خاصة أن تجربة التعامل مع يمن موحد حكمه نظام الرئيس الراحل علي عبد الله صالح عشرين عاما، كانت مرحلة صعبة ومؤذية للسعودية.
إنما من الخطورة العبث السياسي مع كيانات الدول. وأقول للصديقين المثقفين الكويتيين إن نزع الشرعية عن دولة معترف بها في الأمم المتحدة وتفكيكها يهدد كل دول المنطقة، والكويت من بينها. فالقبول بالانفصال غير الشرعي يماثل تماماً الضم غير الشرعي!
أنا، أبداً، لست ضد حق الجنوبيين الراغبين في دولة منفصلة ولا ضد قيام جمهورية جنوبية، لكن عليهم تحقيقها بالطرق الشرعية، إما بالتفاهم مع الدولة اليمنية عندما تعود مؤسساتها إلى العمل، أو الآن من خلال الأمم المتحدة. حينها كلنا سنقبل بها كدولة لكن ليس من خلال الاستيلاء. وطالما أن كثيرين يرددون أن اليمن الجنوبي أصلاً دولة شرعية، وهذا صحيح في الماضي القريب، فإن بمستطاعهم تصديق الطلاق من محكمة الأمم المتحدة، وحينها لن توجد دولة تعارضهم، وإذا وجدت لا قيمة لموقفها ولا تستطيع أن تحرم الجنوبيين هذا الحق. ونستطيع أن نمضي الأيام المقبلة نلوك الحديث عن الماضي والدولة الماضية وجذورها التاريخية ولا قيمة له. ولا يصدق أحدكم أبداً أن الجنوبيين متفقون وعلى قلب رجل واحد، ولا حتى أن المتفقين يجمعون على اسم الدولة، ولا قياداتها، ولا نظامها، هناك قيادات سياسية منافسة لركوب الشعبية وإعلان زعامتها، وهناك مكونات متباينة في الجنوب قبلية ومناطقية وهناك زعماء سياسيون وسادة وأشراف وسلاطين وتجار كلهم طامحون في الحكم. ما حدث فلتة كفى الله اليمن شرها، ونرجو أن يلتقي الفرقاء في جدة وأن يتفقوا على طبيعة العلاقات داخل الدولة، ويتركوا حديث الانفصال للمستقبل أو يحتكموا فيه في نيويورك.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية