بين القرضاوي والريسوني: هل أخونة الاتحاد العالمي قابلة للتغيير؟

أعادت مسألة انتخاب العالم المغربي أحمد الريسوني رئيساً للاتحاد العالمي للعلماء المسلمين مؤخراً، الجدل حول دور الاتحاد نفسه الذي تأسس العام 2004 على يد يوسف القرضاوي، أحد أعلام حركة الإخوان المسلمين، في ظلّ أنّ الريسوني، عمل فترةً طويلة مساعداً ونائباً للقرضاوي، الذي يبدو أنّه لم يتنحَّ عن منصبه هذا، إلا بسبب المرض وكبر السن، دون أن تلوح في الأفق أي ملامح لتغييرات جوهرية في النهج.

أحمد عبدالسلام الريسوني رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين

وجهان لعملة واحدة

تتسم سيرة القرضاوي بالتناقضات، خصوصاً منذ إقامته الدائمة في دولة قطر بعد منتصف القرن الماضي، وتقديمه إلى العالم الإسلامي من على شاشة قناة الجزيرة القطرية في التسعينيات، كمصدرٍ موثوقٍ للفتوى الدينية، في الفكر والإسلام والسياسة، ومن ثم استغلال حضوره في تشريع العنف خلال أعوام "الربيع العربي" ضد جيش بلاده، وحتى تجاه قادةٍ كان يمدحهم، كما فعل مع القذافي.

اقرأ أيضاً: القرضاوي: الفتوى الإخوانية..هل هي في خدمة المصالح القطرية؟

ولعل رئاسة القرضاوي للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، بيّنت مدى العلاقة القوية بين جماعة الإخوان ودولة قطر، وهو ما أسهم في إبقائه على كرسي رئاسة الاتحاد 14 عاماً منذ تأسيسه، مما كرّس خطاباً أحادياً خلالها أقرب إلى "منبر كراهية"، حتى أنّ عضو هيئة كبار العلماء في الأزهر الدكتور محمود مهنا وصف القرضاوي بأنّه "مارق عن مصر والأمة العربية، ومتبع للسياستين الأمريكية والإسرائيلية" بحسب وصفه، في تصريحٍ نشر له على صحيفة "الحياة" بتاريخ 20 شباط (فبراير) 2014.

يبدو من المتعذر تصوّر تغيير جوهري مع رئاسة الريسوني للاتحاد

جاء تصريح مهنا رداً على تدخلات اتحاد العلماء في الشؤون السياسية والداخلية للعديد من الدول العربية، عدا عن التحريض الذي تعرضت له مصر تحديداً بحق جيشها ومؤسساتها بعد انتهاء حكم الرئيس الإخواني محمد مرسي العام 2013، ومعه جماعة الإخوان، وخروج الاتحاد عن صفته "العلمية" التي روّج لها، بعد أن وظّف بعض المسائل الدينية في خدمة دعايته السياسية ولم يدعم بوضوح الجهود في علوم الدين والشريعة إلا على هذا الأساس السياسي.

 

 

 

 

وفي هذا السياق، قامت هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بالقول إنّ "الاتحادات التي تصنّف نفسها على أنهّا علمية وهي بالأساس قائمة على أفكار حزبية وأغراض سياسية مثل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، تقدم أفكاراً حزبية ضيقة، وتقدم مصلحة هذه الأفكار على مصلحة المسلمين" وفقاً لما ورد في موقع "سي إن إن" بتاريخ 27 تشرين الأول (أكتوبر) 2017.

تتسم سيرة القرضاوي بالتناقضات خصوصاً منذ إقامته الدائمة في دولة قطر بعد منتصف القرن الماضي

يبدو من المتعذر تصوّر تغيير جوهري مع رئاسة الريسوني للاتحاد في ظل عمله نائباً للقرضاوي خلال الأعوام الأخيرة، فإنّه لا يمكن فصله ببساطة عن "أستاذه" وسياساته، وبحسب مصادر متطابقة لموقع "أنباء تونس" فإنّ قرار تنحّي یوسف القرضاوي من رئاسة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمین بعد 14 عاماً "جاء بإیعاز من دولة قطر، التي یُعتبر الاتحاد العالمي لعلماء المسلمین أحد الھیئات التي تقع تحت سیادتھا من خلال تمویلها له بنسبة 90 بالمائة، لخدمة مصالحھا وسیاساتھا في العالمین العربي والإسلامي، وقد بدا لها أنّ ورقة القرضاوي باتت ورقة محروقة ومستھلكة ولا تخدم أجندة القیادة".

اقرأ أيضاً: القرضاوي.. الآمر الناهي في قطر

ويضيف الموقع، في تقريره المنشور بتاريخ 9 تشرين الثاني (نوفمبر) الجاري، أنّ انتخاب الريسوني خلفاً للقرضاوي، يأتي في "إطار المساعي القطریة لتجدید نشاط  ھذا الكیان الإخواني، للقیام بأنشطة تخدم الأجندة القطریة. وذلك بعد تراجع تأثیر یوسف القرضاوي، حيث يتوقع أن يقوم الريسوني باتباع النھج القطرى خلال الفترة المقبلة".

تداولت تقارير أنّ انتخاب الريسوني يأتي لتجدید نشاط الكیان الإخواني

ولا يبدو بصورةٍ أولية، أن انتخاب المغربي أحمد الريسوني خلفاً للقرضاوي، غير من الأسس التي قام عليها الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، رغم أن هناك محاولاتٍ واضحة، لتغيير صورة الاتحاد التي تم رسمها في عهد القرضاوي، غير أن انحياز الريسوني لمواقف دولة قطر، وحصول العديد من قادة الاتحاد ممن هم حوله على الجنسية القطرية، ينزع مصداقيته مبدئياً في جهود التغيير المتوقعة مستقبلاً، عدا عن انحيازه سابقاً لدولة قطر خلال الأزمة الخليجية، منذ منتصف العام 2017، دون أن يدرس الأزمة بموضوعية، وهو انحيازٌ طبيعي، وبنيوي، لأنّه ينتمي إلى تركيبة الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين التي تغلب عليها "الأخونة" وتبدو غير قابلةٍ للتغيير ببساطة، في ظل الاستقطابات السياسية التي تخدم مصالح دولٍ بعينها.

الأقسام: