"الفلسفة في زمن الإرهاب": هل من وصفة لمواجهة أخطار الإرهاب المدمّرة؟

8798
عدد القراءات

2018-03-04

الجدل حول ظاهرة الإرهاب في زيادة مستمرة، مرتبطة بزيادة اللّبس والخلافات في تفسير الظاهرة وأسبابها، خاصة في الحقبة الحالية من العولمة، وفي ظلّ تنامي خطر الإرهاب الديني، وبروز ظواهر مقلقة للمجتمع الدولي كظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة، وتزايد خطر الإرهاب السيبيري، أو الإلكتروني والبيولوجي، المرتبطة بالتسارع الكبير في آليات العولمة التكنولوجية خاصة التكنولوجيا الرقمية والذكاء الصناعي.

ويمكن القول إنّ الإرهاب العالمي المعاصر، بأشكاله وأنواعه وأيديولوجياته المتعددة، أصبح من أكثر الظواهر في العلوم الإنسانية نشاطاً في البحث والدراسة والتأليف والتنظير، وليس هناك من حقلٍ معرفي إلّا وقدّم في مقاربة للفهم والتحليل.

ما سبق يطرح سؤال ما الجديد في كتاب "الفلسفة في زمن الإرهاب" لجيوفانا بورادوري (أستاذة الفلسفة الأوروبية وعلم الجمال في جامعة فاسار الأمريكية)؟ الذي نشر بالإنجليزية عام 2003، على خلفيات هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضدّ أمريكا، وترجمه وقدّمه خلدون النبواني إلى العربية، بعد عقد من الزّمان 2013.

جيوفانا: أيديولوجيا الإرهابيين الذين كانوا مسؤولين عن هجمات 11 أيلول الإرهابية ترفض الحداثة والعلمانية رفضاً صريحاً

الجديد والفريد في هذا الكتاب؛ هو "كيفية إخضاع الأسئلة الأكثر إلحاحاً في الظاهرة، المتعلقة بالإرهاب والنزعة الإرهابية للتحليل الفلسفي"، خاصّة وأنّ الفلسفة، كما يقول شيخها أرسطو، تدرس المبادئ العامة، أو الكليات، حسب كلام الفلاسفة العرب القدماء، وفي ظاهرة الإرهاب الكثير من الجزئيات والتفاصيل والأحداث والاتجاهات الفرعية الباعثة على الجدل والخلاف وانعدام الرؤيا.

وهذا الموضوع قلّما تمت الإشارة إليه –حسب علمي- في الدراسات وأدبيات ظاهرة الإرهاب المعاصرة؛ ثمّ من الفلاسفة؟

إنّه مع أهم فلاسفة المنظومة الأوروبية تأثيراً في الغرب والعالم المعاصر، وهما: يورغن هابرماس (مواليد 1929)، وجاك دريدا (مواليد الجزائر 1930 -2004)، وفي أوّل مناسبة "يقبل فيها هابرماس ودريدا أن يظهرا جنباً إلى جنب ليجيبا بالتّوازي على المجموعة ذاتها من الأسئلة، رغم التباين الصارخ في تناولهما للفلسفة بشكل عام.

يورغن هابرماس

ويذهب البعض إلى أنّ كلاً منهما (وهما من أصول يهودية) هو النقيض للآخر، فهبرماس يمثّل فكر الحداثة، والكونّية والعقل، أمّا نقيضه دريدا فيمثّل "ما بعد الحداثة" والتمرّد عليها، والخصوصية ونقد العقل، وكان يُعرِّف نفسه، في أغلب الأحيان "بأنّه ليس يهودياً، ولا فرنسياً وليس جزائرياً"، باعتبار أنّه يهودي من مواليد الجزائر، وبينما كان دريدا معروفاً بتأييده للحقوق العربية والقضية الفلسطينية، والمطالبة بدولة فلسطينية ذات سيادة غير منقوصة، وفضح السياسات العنصرية لإسرائيل وإرهاب الدولة الذي تمارسه ضدّ الفلسطينيين، وحبّه للجزائر، كان نقيضه هابرماس أقلّ حماساً للقضايا العربية، وفي الوقت الذي لم يُدن فيه إسرائيل صراحة فإنّه، في المقابل، وصف العمليات الانتحارية في الأراضي الفلسطينية بالإرهابية، وسكت عن إرهاب الدّولة الإسرائيلي.

إنّ الخيط الناظم لمحاورات هابرماس ودريدا هو التحليل الفلسفي للأحداث والاتجاهات والأسئلة المتعلقة بها، مثل: هل غدا القانون الدولي الكلاسيكي متقادماً إزاء التهديدات الجديدة من "الأطراف الفاعلة ما دون الدولة" الجديدة المتخطية للدول كالجماعات الإرهابية؟ مَن له السيادة على مَن؟ هل من المفيد تقييم سيرورة العولمة من خلال الأفكار الكونية والمواطنة العالمية؟ التي يدعو إليها هابرماس، هل فكرة الحوار السياسي الفلسفي أداة عالمية في التواصل؟ أم إنّ الحوار هو ممارسة مميزة ثقافياً؟ ثمّ في أيّ شروط يمكن للحوار أن يكون خياراً متاحاً؟

الفلسفة في مواجهة الإرهاب

كمدخلٍ فلسفي رئيس تشير جيوفانا إلى أنّ "أيديولوجيا الإرهابيين الذين كانوا مسؤولين عن هجمات 11 أيلول الإرهابية، ترفض الحداثة والعلمانية رفضاً صريحاً، وبما أنّ هذين المفهومين صاغهما، للمرة الأولى، فلاسفة التنوير في الغرب، فإنّ الفلسفة مدعوة إلى الدفاع عنهما؛ إذا هي قادرة، بلا أدنى ريب، على تقديم مساهمة فريدة عند هذا الملتقى الجيوسياسي الحسّاس".

وهنا كانت محاورة هابرماس مكثّفة جداً وكلاسيكية على نحو أنيق، بأسلوبه البسيط جداً والمنضبط الخالي من البهرجة اللغوية، ولا غريب في ذلك، فهو ابن المدرسة الألمانية في الفلسفة، على خلاف محاورة نقيضه دريدا الطويلة المتعرجة، لكن القادرة على الجمع بين الابتكار والدّقة، كيف لا وهو أستاذ التفكيك؟

ورغم الاختلاف بينهما، إلّا أنّهما اتّفقا أنّ "الإرهاب مفهوم مراوغ، يعرّض السياسة العالمية لأخطار وشيكة وتحديات مستقبلية. وكيف يمكن للإرهاب أن يدّعي لنفسه مضموناً سياسياً، بالتالي، كيف يمكن أن يكون منفصلاً عن النشاط الإجرامي؟"، وهذا سؤال مهمّ حول التنظير للإرهاب في حقل السياسة والعلاقات الدولية بأنّ الإرهاب فعل سياسي، ويهدف لتحقيق أهداف سياسية ويختلف عن النشاطات الجرمية.

جاك دريدا

ليس للإرهاب مضمون سياسي

ويرى، هابرماس، أنّ إعلان أمريكا الحرب على الإرهاب قد تمنحه شرعية سياسية، ثم هل هناك إرهاب دولة، وهل يمكن التمييز بين الإرهاب والحرب تمييزاً واضحاً؟ وهل يمكن لمجموعة من الدول، أو دولة، بناء تحالفات وإعلان الحرب على "أطراف فاعلة من غير الدول" مثل الجماعات الإرهابية؟ وبالطّبع فإنّ هذا السؤال لا يزال مطروحاً الآن، مع بناء التحالف الدولي الجديد ضدّ إرهاب تنظيم داعش مثلاً.

الأخطر في الأمر، بحسب هابرماس، هو "الخسارة المحتملة لشرعية الحكومات الديمقراطية الليبرالية؛ حيث تعرّض نفسها للخطر بردّة فعلها المفرطة ضدّ عدو مجهول" هو الإرهاب.

لكن كيف؟ أولاً: على الصعيد الداخلي؛ لأنّ عسكرة الحياة العادية قد تقوّض أعمال الدولة الدستورية، وتقيد إمكانات المشاركة الديمقراطية. ثانياً: على الصعيد الدولي؛ إذ قد يتكشّف استخدام العسكرية عن نتائج غير ملائمة أو غير فعّالة".

أما دريدا (صاحب فلسفة التفكيك)، فإنّه يدعو إلى تفكيك (بمعنى تحليل البنى المترسّبة التي تشكل العنصر الخطابي أو الخطابية الفلسفية التي نفكّر داخلها)، مفهوم الإرهاب الذي تجلّى في هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بوصفه مفهوماً غامضاً وعصيّاً على الفهم، ومراوغاً، ومُحيراً، ومُتلاعباً به لغايات عدّة تصبّ في مصلحة أمريكا، بقدر ما تصبّ في مصلحة الجماعات الإرهابية.

يتّفق هابرماس ودريدا على الدعوة للانتقال من القانون الدولي الكلاسيكي إلى نظام عالمي تصبح فيه المؤسسات فاعلات سياسية رئيسة

وهو يرى أنّ "تفكيك المفهوم هو المسلك الوحيد والمسؤول؛ إذ إنّ الاستخدام العام لهذه الكلمة يظهرها كما لو أنّ مدلولها واضح بذاته، ويظهر وكأنه بداهية، الأمر الذي يجعلها تخدم قضية الإرهاب على نحو غير مباشر".

والتفكيك يعني تبيان أنّ ضروب التميز، التي نفهم في إطارها معنى مصطلح الإرهاب، مثقلة بالمشكلات؛ فليست الحرب هي المسؤولة عن ترهيب المدنيين، أو الوحيدة التي تنطوي على عناصر الإرهاب؛ إذ لا يمكن الفصل بين مختلف أنواع الإرهاب؛ أي بين إرهاب الدولة والارهاب المحلّي أو الإرهاب العالمي؛ لذلك يرفض دريدا أن يكون "للإرهاب معنى ثابت، أو جدول عمل أو محتوى سياسي، ويمكن أن نلاحظ هنا أنّ هابرماس ودريدا قد اتفقا في تفريغ الإرهاب من مضمونه السياسي.

وحول علاقة الإرهاب بظاهرة العولمة، خاصة آليات العولمة التكنولوجية في الاتصالات والمواصلات والإعلام، يقدّم دريدا رؤيا استشرافيّة؛ حيث يدعو إلى ضرورة "التيقظ حيال العلاقة القائمة بين الإرهاب ونظام الاتصالات العالمي، ويُذكّر بسيل الأخبار والصور والقصص المتلفزة، عقب الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي تتحدث عن إرهاب، وأنّها تستدعي تأمّلاً نقدياً.

فمع استيطان الصدمة في الذاكرة، يسعى الضحايا عادة إلى أن يطمئنوا أنفسهم بأنّهم قادرون على تحمل الصدمة التي يمكن أن تتكرّر، وقد بقي دريدا مرتبكاً حيال واقعية الخطر المتمثل في إمكانية استخدام الشبكات التقنية وشبكات الإعلام، وأنّه لا يمكن له أن يتصوّر الخوف من الهجمات الإرهابية التي تستخدم فيها الأسلحة الكيماوية، أو البيولوجية، أو التكنولوجيا الرقمية؛ لأنّها مخاطر "صامتة وخفيّة"، والمُرعب أنّ الإرهاب "لا يظهر كحدثٍ مضى بقدر ما يظهر كاحتمالٍ مستقبلي".

وصفة فلسفية لمواجهة خطر الإرهاب

في مواجهة أخطار الإرهاب المدمّرة، يتّفق هابرماس ودريدا على الدعوة إلى ردّ يشمل الكرة الأرضية، ويتضمن الانتقال من القانون الدولي الكلاسيكي، الخاص بالقرن التاسع عشر، والقائم على الدولة القومية –الأمة الذي انبثق عن اتفاقية وستفاليا 1648، إلى نظام عالمي جديد تصبح فيه المؤسسات المتعددة الأطراف والتحالفات العالمية هي الفاعلات السياسية الرئيسة، والتركيز على قيمة المثل العليا لعصر التنوير، وهي نفسها مثل التي حلم بها الفيلسوف إيمانويل كانط، كمثال المواطنة العالمية، والحقّ العالمي الشامل، والجماعة الكونية التي يكون لجميع أفرادها حضورهم في مجتمعات الآخرين بفضل حقّهم في الملكية المشتركة لسطح الكرة الأرضية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أيهما أخطر على الديمقراطية.. السياسي أم الديني؟

2019-10-14

يعدّ كتاب ألكسيس توكفيل (1805–1856) "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية، كان توكفيل سياسياً فرنسياً، وقد شغل منصب وزير الخارجية الفرنسي، العام 1851، وهو أيضاً مثقف ثقافة شاملة عميقة، وقد شُغل بتجربة الولايات المتحدة باعتبارها كانت بلداً حديثاً يمثّل تحدياً للمنظرين، وقدمت نموذجاً في العلاقة بين السياسة والدين في عملية بناء الديمقراطية، مختلفاً عن النموذج الفرنسي؛ حيث كانت فرنسا تخوض صراعاً مريراً مع ذاتها لم يتوقف منذ الثورة الفرنسية التي وقعت العام 1789، وفي الوقت الذي دخلت الثورة الفرنسية في صراع عدائي مع الدين؛ فإنّ الثورة الأمريكية (1776) أنشأت توافقاً فريداً بين الديمقراطية والدين.

يقول توكفيل إنّ أجمل أحلامه عندما دخل معترك السياسة كان المساهمة بالتوفيق بين روحي الحرية والدين

يقول توكفيل؛ إنّ أجمل حلم في حياته عندما دخل معترك الحياة السياسية؛ كان المساهمة في التوفيق بين روح الحرية وروح الدين.
يتساءل توكفيل: هل ستتراجع الديمقراطية أمام البورجوازيين والأغنياء كما تراجعت أمام الإقطاع؟ لقد أدرك توكفيل المدى الثوري للديمقراطية وحقوق الإنسان في كلّ مجالات الحياة، ونتائجه على العمل الكلي للمجتمع نفسه، لكنّ النزوع إلى المساواة قد يفتت المجتمع، ويغذي نزعة العزلة والاستقالة العامة لينكفئ الأفراد على حياتهم الخاصة، ومجتمعاتهم الصغيرة، بعيداً عن المجتمع الكبير؛ فالمساواة تضع البشر إلى جانب بعضهم، دون رابطة مشتركة تربط بينهم.

غلاف الكتاب
وهنا تتعرض المجتمعات الديمقراطية للتهديد من داخلها؛ فالديمقراطية بما هي التأكيد على أولوية الفرد وحريته تفكّك الروابط التقليدية المبينة على العادات أو المكانة الاجتماعية، وتصعّد نزعة الاحتكام إلى الأغلبية، وهو ما قد يؤدي إلى "طغيان الأغلبية"، ويتحوّل الرأي العام إلى مظهر للإكراه والتبعية، الطغيان الناعم الوديع!

اقرأ أيضاً: الإسلاموية والديمقراطية في تركيا بعد انتخابات إسطنبول
يعتقد توكفيل أنّه من المهم أن تكون بعض الأفكار العامة عن الله والوضع الإنساني موضع وفاق، "لا يوجد فعل إنساني على الإطلاق، أياً كانت الخصوصية التي نخلعها عليه، لا يخرج إلى النور من فكرة عامة جداً، وهي أنّ البشر قد خلقوا من قبل الله، من علاقاتهم بالنوع الإنساني، من طبيعة ضمائرهم وواجباتهم تجاه من هم مثلهم، لا شيء يمكن أن يحدث من دون أن تكون هذه الأفكار المنبع المشترك الذي يتدفق منه كلّ شيء آخر. لدى البشر، إذاً، مصلحة كبيرة في إنتاج أفكار محكمة بدقة عن الله، عن روحهم، عن واجباتهم العامة نحو خالقهم ونحو من يماثلونهم، ذلك أنّ الشكّ في هذه النقاط الأولى يؤدّي إلى أن تصبح كلّ أعمالهم أسيرة الصدفة، وتصمها بشكل ما بالفوضى والضعف".

يعدّ كتاب توكفيل "الديمقراطية في أمريكا" من أهم المراجع التقليدية المؤسسية لعلاقة إيجابية ممكنة بين الدين والديمقراطية

الأفكار العامة المتعلقة بالله وبالطبيعة البشرية، إذاً، هي من بين جميع الأفكار التي تحثّ بشكل أفضل على أن تستبعد من الممارسة المعتادة للعقل الفردي، الأفكار التي بسببها هناك الكثير الذي يتم اكتسابه والقليل الذي يمكن خسارته، بسبب الاعتراف بها كسلطة، الموضوع الأول للأديان وإحدى المميزات الرئيسة لها، هو تقديم إجابة على كلّ واحد من هذه الأسئلة الأولية، إجابة واضحة دقيقة ومفهومة، تتّسم بالديمومة إلى حدٍّ كبير من قبل الجموع.
يمكن القول: إنّ كلّ دين دخل القائمون عليه في تجربة عرقلة وإعاقة حرية خلاص الروح البشرية، والسعي إلى فرض قيود وتبعية على الفكر، لكن يجب الاعتراف أيضاً –يقول توكفيل- بأنّه إذا لم ينقذ الدين البشر في العالم الآخر، فإنّه على الأقل مفيد جداً لسعادتهم وتقدمهم في هذا العالم، هذا صحيح بشكل خاص بالنسبة إلى البشر الذي يعيشون في البلدان الحرة، وهكذا فإنّ توكفيل يرى الحرية ضرورية للدين وفهمه وتطبيقه على نحو صحيح، كما هي ضرورية بطبيعة الحال للديمقراطية.

 الدين متجذر في التجربة الفردية
إذا كانت روح الدين وروح الحرية تتعايشان في وفاق، فإنّ هذا يرجع، كما يعتقد توكفيل، إلى الاستقلال بين الدين والدولة، وقد يقلل ذلك من القوة الظاهرية للدين، لكنّه يزيد من قوته الواقعية؛ فالدين متجذر في التجربة الفردية ما يجعله قادراً على العمل والتأثير حتى من دون دعم الدولة، وفي ذلك فإنّ الشؤون الدينية يجب أن تعمل في مجالها؛ لأنّها إذا امتدت أكثر من ذلك، فإنّها تخاطر بفقدان وجودها في كلّ مجال.

اقرأ أيضاً: "الديمقراطية الحلال" تُنتَجُ وتُعلَّب في تونس
إنّ توكفيل، وهو المتحمس لفصل المؤسسة الدينية عن الدولة، قد رأى جيداً الخطر الذي يحيق بالديمقراطية، بتغليبها السياسة على ما هو ديني، أو الديني على ما هو سياسي؛ لذلك فإنّ توكفيل تميّز برؤية الإمكانية العملية لتهدئة المشاعر الديمقراطية الجامحة بكلّ كفاءة، كما يرى فيه (الدين) الإمكانية النظرية في إطار المجتمع الديمقراطي للقدرة على بلوغ مجال خارجي، القدرة على الوصول إلى شيء آخر، مختلف عن الديمقراطية الطبيعية الصافية النقية – طبيعة الإنسان المتدين- متخلصاً من كلّ اعتقاد عن المساواة ذاتها، والنتيجة أنّه لا يشيد هذه الإمكانية العملية إلا من خلال انتزاع هذه الإمكانية النظرية منها، لكن تظلّ حاجة دائمة إلى تطوير الفهم الديني وقدرته على مواكبة واستيعاب التحولات الاجتماعية والحضارية التي تمر بها الأمم، وتظلّ خطورة كبرى للمؤسسة الدينية على الحياة السياسية، عندما تعجز عن التقدم بالسرعة التي تتقدم فيها الحياة السياسية والاقتصادية، ومن ثمّ، في طبيعة الحال، ثقافة الأمم وإدراكها ورؤيتها للحقائق.

للمشاركة:

هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟

2019-10-10

كيف يمكننا إعادة بناء إشكالية العلمانية في الفكر العربي بالصورة التي تحقق لنا تجاوز مجرد الدفاع عن مفهوم مكتمل، من أجل المشاركة في إعادة تأسيسه في ضوء أسئلتنا الجديدة، أسئلة الفلسفة والسياسة والتاريخ؟

يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي

وكيف نعيد التفكير في سؤال العلمانية بالصورة التي تجعله ينفتح على الإشكالية الكبرى في تاريخنا السياسي المعاصر؛ أي إشكالية استيعاب مقدمات الحداثة السياسية بإعادة بنائها وتركيبها في ضوء معطيات حاضرنا وتاريخنا؟
وكيف نعيد بناء المجال السياسي العربي؟ وكيف نواجه الاختيار السياسي الذي يستدعي أطروحات محمد عبده بتوسط رشيد رضا، ويردد دعاوى الثورة الإيرانية لرفض مبدأ العلمنة وفك الارتباط بين السياسي والمقدس؟
يعتبر مفهوم العلمانية من أكثر المفاهيم السياسية التباساً في الفكر السياسي العربي على مستوى اللفظ والرسم والجذر اللغوي، كما على مستوى الدلالة المباشرة أو المختزنة في طبقات معانيه المترسبة عبر الزمن. وما زال الموقف من العلمانية بحكم استعمالات المفهوم المتحزّبة مشحوناً بشحنة أيديولوجية تغشي النظر إلى المفهوم بعيداً عن قطبية القبول أو الرفض القائمة على التحليل السياسي الظرفي، وتمنع من النفاذ إلى جذوره الفلسفية والسياقات الفكرية التاريخية التي ساهمت في تشكله وتطوره.

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية

غلاف الكتاب
لذلك فقد ظل الحوار حول هذا المفهوم حواراً متشنجاً ومصبوغا بصبغة القبول أو الرفض باعتباره مفهوماً غربياً ينفتح على علاقة الغرب الحديث بفكره الأنواري المادي ووجهه الاستعماري بالشرق المنكفئ والمدافع عن هويته الروحية منذ السجال الشهير الذي دار بين محمد عبده وفرح أنطون على صفحات مجلة "الجامعة" وجريدة "المنار" مطلع القرن الماضي، باعتباره يؤرخ لأول استعمال لمفهوم العلمانية في الفكر العربي. 

اقرأ أيضاً: الإسلام السياسي يطارد إريتريا.. والنخب تفضّل أنظمة علمانية
ما يشير إلى أنّ موقف الفكر السياسي العربي من العلمانية متضمن أساساً في الموقف من الغرب والتوجهات الفلسفية والسياسية الكبرى لعصر الأنوار الأوروبي، نظراً لارتباط مفهوم العلمانية بهذه الفلسفات التي فتحت السجال التاريخي الطويل بين الديني والدنيوي، وقوضت سلطة الاستبداد الديني، وأرست قيم الحداثة الليبرالية وأسس الحرية الفردية ومركزية الإنسان في الكون، فقد تنوعت التوجهات الفكرية السياسية وما رافقها من أنماط التدين الإسلامي في الوطن العربي بتنوع تلك الفلسفات نفسها، وبتعدد المواقف منها، سواء أكان قبولاً وتبنياً أم رفضاً ومجابهة.

يسعى كمال عبداللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية" إلى إعادة التفكير بمفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة

انطلاقاً من هذه الخلفية، والأسئلة "الهموم" السابقة وما يتفرع منها، ومن وعي الباحث بصعوبة البحث في المفاهيم السياسية بحكم ارتباطها بالإشكالات التاريخية والسياسية الواقعية، والمواقف والاختيارات المتشكلة حولها في الواقع الحي، يسعى الباحث المغربي كمال عبد اللطيف في كتابه "التفكير في العلمانية.. إعادة بناء المجال السياسي العربي" الصادر عن دار رؤية للنشر والتوزيع 2007 إلى إعادة التفكير في مفهوم العلمانية بعيداً عن الأحكام المسبقة حوله، ومحاولة مقاربته في سياقاته الفكرية والتاريخية الأصلية، للإسهام في "إضاءة محتوى المفهوم بالصورة التي تجعل تبيئته وتوطينه في الجدال السياسي العربي أكثر إنتاجية، وأكثر قدرة على فك مغلقات كثير من إشكالات واقعنا السياسي، فكراً وممارسة". 

اقرأ أيضاً: عن أي علمانية نتحدث؟
فمن أجل التأسيس لإعادة التفكير بالمفهوم يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية وقضية العلمنة خلال القرن الماضي لاستقصاء إطاراتها المرجعية ومحتواها التنظيري وآلية تجسيدها بالممارسة العملية، من أجل مراجعتها والتمكن من بناء ما يساهم في تجاوزها بتطويرها وتطوير أسئلتها ونتائجها؛ فيقف على ثلاث لحظات مفصلية يعتبرها محطات مؤسِسة:
تتمثل اللحظة الأولى في مجادلة محمد عبده وفرح أنطون حول مسألة التأخر في العالم الإسلامي وعلاقتها بفصل السلطة الدينية عن السلطة السياسية؛ فرغم انطلاق الطرفين من اعتقاد واحد هو الاعتراف بتأخر العالم الإسلامي، إلا أنهما قد ذهبا في سبيل البحث عن الحلول لتجاوز واقع التأخر وتحقيق النهضة مذهبين مختلفين.

 الباحث المغربي كمال عبد اللطيف
وقد رسم هذان المذهبان الملامح الأولى لاختيارين فكريين متناقضين لا يزالان متجاورين في الفكر السياسي العربي دون أن تنفتح حدود أيّ منهما على الآخر منذ تلك اللحظة وحتى يومنا هذا، الاختيار السلفي المدافع عن خصوصية التجربة الإسلامية والرافض للعلمانية وفكر الغرب الاستعماري والداعي إلى العودة إلى الإسلام الأول بمنابعه النقية، والاختيار الليبرالي "التغريبي" الذي ذهب نحو الحداثة الغربية بحماسة وضعية وتبني العلمانية وقيم الأنوار في الحرية في مجال العقيدة والمساواة والتسامح.

يذهب الباحث إلى استعراض نقدي للعديد من الكتابات السياسية المعاصرة والمحاولات التنظيرية التي تصدت لمفهوم العلمانية

أما اللحظة التالية فقد دشنها كتاب علي عبد الرازق "الإسلام وأصول الحكم" بعد ربع قرن، "والذي يعتبر امتداداً لجدال اللحظة الأولى رغم طابعه التاريخي العام"؛ إذ أثبت مؤلفه بالشواهد التاريخية والفقهية أنّ الخلافة والإمامة والملك والسلطنة أمور دنيوية لا شأن للدين بها، وأنّ الخلافة والقضاء وغيرها من وظائف الحكم ومراكز الدولة كلها خطط سياسية لا شأن للدين بها، إنّما يرجع الحكم فيها إلى أحكام العقل وتجارب الأمم وقواعد السياسة.
ويخلص عبد اللطيف من معاينة تلك التجربتين إلى أنّه وبالرغم من أهميتهما وأهمية الآفاق السياسية التي فتحتاها في باب الكتابة السياسية العربية، إلا أنهما بقيتا محكومتين بمحدودية النموذج النظري؛ "فالمرجعية الليبرالية في خطاب فرح لا تتأسس فلسفياً بقدر ما يتم التسليم بها في دائرة الكفاح الأيديولوجي المناهض للدعوة السلفية"؛ إذ غابت عنها أسئلة التأصيل الفلسفي وحضرت مكانها حماسة الدعوى التي تكتفي بالنقل والانتقاء؛ فقد أدخلت إلى الفكر العربي مفهوم الخلاص الأنواري الوضعي الذي يسعى لتجاوز الخلاص الأخروي الديني، لكنها لم تفكر بحكم حماستها النضالية في مفهوم الخلاص ذاته، ولم تفكر في الزوج المفهومي دين/دنيا، إنما "ألهبت الحماسة في دائرة المتعلمين في زمنها، لكنها لم تؤسس النظر".
نحو إعادة بناء مفهوم العلمانية
تنفتح اللحظة التاريخية الثالثة على مساهمة جيل جديد من المفكرين العرب يقدمها الباحث كنموذج للمعالجة الجديدة لمفهوم العلمانية في الفكر السياسي العربي، تدخل في دائرة أفق فلسفي تاريخي جديد، أفق تساهم فيه إلى جانب إنجازات محمد أركون إنجازات نظرية لمفكرين من أمثال؛ عبدالله العروي ومحمد عابد الجابري وناصيف نصار وهشام جعيط وغيرهم ممن يتسلحون بنفس الآليات المعرفية والتاريخية، رغم الاختلافات في الاختيارات السياسية والفلسفية العامة بينهم؛ فقد دشنت إنجازات هؤلاء المفكرين، برأيه، عصراً فكرياً جديداً في المواجهة الفلسفية لمعضلات السياسة والتاريخ في مجتمعاتنا.

يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عمداً أو جهلاً بينه وبين النزعة التغريبية

ويركز عبد اللطيف على المنجز النظري لمحمد أركون المنفتح على تاريخانية العروي الذي ذهب نحو التأصيل الفلسفي للمفهوم وتحيينه كنموذج قابل للبناء عليه في عملية إعادة التفكير في العلمانية، مع الإشارة إلى أبحاث ومحاولات ناصيف نصار وعزيز العظمة ومحمود أمين العالم وفؤاد زكريا وسمير أمين في مواجهتهم لتيارات ورموز الإسلام السياسي. فقد عمل محمد أركون على تحليل مسلمات العلمانية في سياق تشكلها وتطورها داخل الفكر السياسي الغربي والفلسفة السياسية الحديثة بما اغتنت به من فتوحات العلوم الإنسانية، كما ساهمت أسئلته المتعلقة بإعادة توسيع المفهوم في ضوء الاستفادة من دروس وتجارب الحاضر النظرية والتاريخية في بلورة تصورات تتخلص من صنمية المفهوم لتحوله إلى أداة للفهم النظري التاريخي القابل للتوظيف في الصراع السياسي والأيديولوجي الجاري في العالم العربي.

محمد أركون
لكنه وبالرغم من كل تلك الإنجازات يعود مفهوم العلمانية اليوم إلى سطح الخطاب السياسي العربي بصور تخلط عن عمد أو جهل بين العلمانية والنزعة التغريبية، وتطابق بين العلمانية والتبعية، وثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية، أو إلى تمريرها في صيغ وسط تجعل من مفهومها جزءاً من جملة المفاهيم المرتبطة بصورة عضوية به وبمحتواه.
ما يعني التخلي عن المكتسبات التي تحققت من خلال صياغة المفهوم  في أبعاد مختلفة عبر قرن من الزمان، وكأن الذاكرة العربية ذاكرة مشروخة، والعقل العربي "برميل بلا قعر" لا يجمع ولا يراكم و"يعيد ويستعيد القضايا ذاتها في دائرة مغلقة".

ثمة دعوات للتخلي عن العلمانية صراحة أو ضمناً رغم قبول أصحاب تلك الدعوات بالديمقراطية

لذلك يعتبر الباحث أنّ ثمة انقطاعاً حاصلاً في تاريخ الفكر السياسي العربي كما عبر عنه محمد أركون في حديثه عن غياب أي متابعة لجهود علي عبد الرازق في تشخيص وتشريح علاقة الإسلام بأصول الحكم. لذلك لا بد من العودة إلى متابعة الجهود للتفكير مجدداً في العلمانية والمشروع السياسي الليبرالي في الفكر العربي المعاصر بالعودة إلى قراءة تاريخ الفكر السياسي الإسلامي قراءة نقدية، خاصة في "ظل انتعاش الحركات الإسلامية وانتشار فكر التنظيمات الحركية "الجهادية" بشكل قوي وعنيف، ما جعل المساهمات النقدية السابقة تبدو غريبة وسط شعارات الدفاع عن الخصوصية والأصالة، ودعوات التشبث بمقومات الذات والمحافظة على نقائها والدفاع عن "الحاكمية الإسلامية" وكونية الإسلام".
يكشف مفهوم الحاكمية، كما جاء في فكر المودودي وتنظير سيد قطب، عن عمق التراجع الحاصل في المنظور الإسلامي للسلطة، والنكوص حتى عن أفكار واختيارات محمد عبده. كما يكشف استمرار الحنين إلى النموذج السياسي الإسلامي للسلطة، رغم عدم وضوحه كنموذج تاريخي، عن عدم إنجاز مهمة التفكير في أسئلة السياسي في الفكر الحديث بصورة عميقة وجذرية تتيح إعادة إنتاج المجال السياسي على ضوء أسئلة الواقع ومقتضيات النظر السياسي الحديثة والمعاصرة؛ "لذلك ستظل مسألة التنظير السياسي النقدي الهادف للقطع مع اللغة السياسية العتيقة ضمن أولويات جدول أعمالنا في الفكر السياسي العربي المعاصر، طال الزمان أو قصر".

اقرأ أيضاً: علاء حميد: العلمانية العربية ردّ فعل على تغوّل الإسلام السياسي
وعليه، فالعمل السياسي العفوي كعمل بلا نظر قد يكون أكثر فشلاً وأكثر كارثية من النظر بلا عمل، ولن يقود إلى بناء المشروع السياسي المطابق للتاريخ، وإقامة الدولة الوطنية المعبرة عن الإرادات الجماعية، وبناء التصورات الجماعية المستقاة من ينابيع الواقع وممكنات التاريخ؛ فليس في تاريخ الفكر الإنساني مفاهيم مكتملة إلا في رأس من يوثّن الكلمات والمفاهيم ويعبد أوثانها، وليس في تاريخ البشر والحضارات نماذج دول مثالية كاملة، إنما تجارب تاريخية وحسب، إلا في فكر من يريد أن يخرج التاريخ من رأسه لا أن يخرج رأسه من التاريخ.
لذا ستبقى مهمة إعادة بناء المجال السياسي العربي، كمجال مستقل عن الدين والأخلاق واليوتوبيا، والتفكير في العلمانية في ضوء منجزات الفكر الإنساني وتجارب الآخرين، وبالاستفادة من فتوحات الفلسفات والعلوم الحديثة على اختلاف تخصصاتها مهمة راهنة.

للمشاركة:

هكذا يمكن إزالة سوء التفاهم بين الإسلام والحرية

2019-10-03

يحمل كتاب الباحث التونسي محمد الشرفي "الإسلام والحرية: سوء التفاهم التاريخي" روح مشروعه لإصلاح التعليم في تونس والعالم العربي والذي يعتبره الباحث المقدمة الضرورية لإزالة الالتباس التاريخي بين الإسلام والحرية وقيم الحداثة.

يستقصي الشرفي أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها بالمجتمعات العربية والإسلامية في العقود الأخيرة من القرن العشرين

الكتاب الصادر عن دار بترا للنشر بالتعاون مع رابطة العقلانيين العرب 2008 ينقسم إلى أربعة فصول متكاملة، تشكل الثلاثة الأولى منها تمهيداً لا بد منه للفصل الأخير الذي حمل اسم "التربية والحداثة" الذي يعرض الشرفي من خلاله المبررات النظرية والخطوات العملية الضرورية لإنجاز عملية الإصلاح تلك، والتي عمل على بلورتها إبان تبوئه لمنصب وزير التربية والتعليم في تونس لمدة خمس سنوات تعرض خلالها لكثير من المواجهات والتهم من قبل التيار الأصولي الذي يحمل تهمة جاهزة لكل مفكر أو مشروع يخلخل حصون استبداده وتحجر أفكاره وهي تهمة "التغريب" وعداء الإسلام الذي يعتبره التيار الإسلاموي ملكاً حصرياً له، ويعتبر نفسه المعبر الوحيد عن أفكاره ونقاء أصوله وسلامة شريعته الصالحة لكل زمان ومكان، والمخول الوحيد لإحياء مجده التاريخي واستعادة خلافته.

اقرأ أيضاً: تجديد الخطاب الديني بين الوهم والواقع.. هل سيكون الجيل الجديد أقل أصولية؟
لذلك يذهب الشرفي بداية إلى استقصاء أسباب بروز الظاهرة الإسلاموية وسرعة تفشيها السرطاني في المجتمعات العربية والإسلامية في العقود الثلاثة الأخيرة من القرن المنصرم وأثر هذا الانتشار السرطاني على سيرورة تطور هذه المجتمعات، وتنامي ظاهرة التعصب الديني فيها وانحدارها بمجملها نحو العنف في علاقاتها الداخلية والبينية، ونحو الماضوية والتقليد على صعيد الثقافة السياسية والخطاب.

غلاف الكتاب
فيرى الباحث أنّ التركيز على العوامل الاقتصادية والسياسية والدوافع الاجتماعية وما يتصل بها من الفقر والبطالة والفساد وغياب الحريات العامة والهجرة الريفية نحو المدن... رغم أهمية دورها في هذا المجال إلا أنّها لا تقدم تفسيراً شاملاً لبروز ظاهرة التعصب الديني في هذه المجتمعات، خاصة حين نشهد انتشار التعصب والعنف في مجتمعات يتمتع أهلها بمستويات عيش مرتفعة جداً كما في الدول النفطية، ولا تعاني من تمايز مُشِطّ بين فئاتها الاجتماعية.

اقرأ أيضاً: الشرعية الأصولية وإرباك المشهد السياسي في مصر
أما البلدان الإسلامية التي تشكل العوامل الاقتصادية والاجتماعية تفسيراً ممكناً للغضب الشعبي فيها فنجد مثيلاتها من الدول الأخرى تثار فيها مثل تلك الاحتجاجات الاجتماعية لكنها تتخذ طابعاً مطلبياً ويتشكل الرأي فيها في مؤسسات ومنظمات وجمعيات تطالب باستعادة التوازن الاجتماعي، وتسعى لإيجاد حلول لأزماتها الاجتماعية والسياسية، "فلم تغلف هنا تلك المطالب المختلفة بالمناداة الوهمية بالرجوع إلى دولة إسلامية تحل فيها جميع المشكلات بصورة عجائبية وعصا سحرية حالما يتحقق تطبيق الشريعة الإسلامية"؟ وهل يعبر ذلك عن حركة احتجاجية في مجتمعات ذات خصوصية إسلامية أم أنه مشروع سياسي قد يكون مدخلاً للعنف والرعب والظلم؟

يميل الباحث لاعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف

هذا الذي يجعل الباحث يميل إلى اعتبار أنّ للجانب الثقافي والتربوي دوراً محورياً في إنتاج وإعادة إنتاج ظواهر التعصب والتطرف والعنف، متخذاً من واقع ودور المؤسسة المرجعية الرسمية في البلدان العربية، كالزيتونة في تونس والأزهر بمصر، وعلاقة هذه المؤسسات بالسلطة السياسية ومعاندتها للتحديث والعصرنة دليلاً على دور العامل الثقافي في هذا المجال، خاصة بعد التوسع الكمي للتعليم في هذه المؤسسات وتحولها إلى مؤسسات شعبية لم تعد تقتصر على النخبة الارستقراطية ذات التأدب العالي والموسوعية المعرفية.
ألم يخرج معظم القادة الأصوليين من تحت عباءة هذه المؤسسات التي أصابها الترهل والجمود الفكري والتحجر العقائدي؟ ألم يقف هؤلاء القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس تلك المؤسسات فاتهموهم بالكفر والمروق وغيرها من الأوصاف ومُنعت كتبهم وحُوربت أفكارهم التجديدية من قبل هؤلاء القادة وتواطؤ السلطات السياسية مع تلك المؤسسة التي تخشى إثارتها خوفاً من فقدان الشرعية التي تستمدها منها. ومن الأكيد أن قيم الحرية والديمقراطية والتجديد والانفتاح على الفكر الإنساني لن تجد لها بيئة مناسبة لتنمو فيها بل و"تمتنع ممارستها إلى حين إذا ما اعتقد جزء لا يستهان به من الشعب أنه يمتلك الحقيقة المطلقة، وأن له الحق بل من واجبه أن يفرض تلك الحقيقة بالقوة".

ينسحب موقف الأصوليين المتمسك بالفقه الذي تعلموه والرافض لكل تجديد على علاقة الإسلام بالقانون دون أدنى تفكر أو تمييز بين أعراف القبيلة ومجتمع الجزيرة العربية والإسلام الأول وبين مقتضيات مجتمع المدينة والدولة الحديثة، ويقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل: التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها، وحقوق الآخر غير المسلم، والقانون المتعلق بالعبودية وحرية المعتقد وعقوبة الردة، والعقوبات الجسدية كالجلد وقطع اليد، ثم العلاقة الملتبسة حتى اليوم بين الفقه ومدونة حقوق الإنسان.

اقرأ أيضاً: مصطلح الجاهلية المعاصرة في الخطاب الأصولي
والمسألة المهمة التي يثيرها الباحث لا تقتصر على نقاش تلك الموضوعات نقاشاً مستفيضاً وتبيان تاريخيتها ومدى استمرار صلاحيتها، أو استنادها أو عدم استنادها إلى قاعدة قرآنية فحسب، رغم أهمية ذلك، بل البحث في التناقض الفكري والفصام النفسي الذي يعيشه الفرد الإسلامي بين ما تعلمه في التعليم الديني أو المدرسي الرسمي الذي يشكل زاده الثقافي والمعرفي وبين ما يعيشه في الحياة اليومية، ودور هذا التعليم قديماً وحديثاً في إنتاج وإعادة إنتاج العنف.
فمن المعروف أن العديد من الدول الإسلامية قد تجاوزت في دساتيرها وقوانينها الوضعية الكثير من تلك الموضوعات وألغت بعض القوانين وتقبلها الإسلاميون ببراغماتية نفعية على الصعيد العملي والمعيش، كما في تونس مثلاً، لكنها ما زالت تلقن في التعليم الديني كمنظومة تشريعية متكاملة غير قابلة للتجزئة والتفكيك والتفكر بما أضفي عليها من قداسة لا تقل عن قداسة النص القرآني نفسه.

وقف القادة الأصوليون الجدد ضد كل المحاولات الإصلاحية التي انبرى لها مفكرون مسلمون من نفس مؤسساتهم

وتكرس ذلك مع بروز الظاهرة الأصولية والإسلام السياسي "فبات عسيراً على المسلمين وضع ماضيهم في مكانه المناسب وإدراك منزلته، حتى يعيشوا حاضرهم كما ينبغي لهم أن يفعلوا"، ما يعني في نظر الباحث أن التخلف ليس تخلفاً اقتصادياً واجتماعياً فحسب، بل هو تخلف ثقافي وفكري أيضاً و"يمثل وجود الظاهرة الإسلاموية في البلدان الإسلامية التعبير الأكثر جلاء ووضوحاً عن هذا التخلف".
ولعلّ أسوأ أنواع هذا التخلف هو التوظيف السياسي لعقوبة الردة التي كان لها الأثر الكبير في كبح ومحق أي محاولة تنويرية وتجديدية في الفكر الإسلامي في الماضي والتي يعمل الإسلاميون اليوم بالتواطؤ مع أنظمة الحكم المستبدة إلى الدفع بها إلى السطح من جديد للنيل من رأي معارض، ولمنع حرية التفكير والرأي والضمير والدين. وهو ما يدفع الباحث للسؤال عن السبب الكامن وراء تشبث الأصوليين وأهل التقليد من المسلمين بالمحافظة على هذه المظالم المنافية للعدل والمساواة.

اقرأ أيضاً: السعودية في مواجهة التطرف والأصولية
ولا يختلف عن ذلك موقف الإسلامويين من الدولة ومحاولات تحديث مؤسسة الحكم وتحديث القوانين الناظمة لعمل مؤسساتها المختلفة أو من الديمقراطية والعلمانية، وفصل السلطات وفصل الدين عن السياسة، وحقوق المشاركة السياسية والمساواة أمام القانون وحقوق المواطنة التي تكفل حق التمثيل والمشاركة المتساوية للجنسين وللأقليات غير المسلمة؛ حيث يجري الخلط عن جهل أو غاية وقصد بين رفض السلطة الحاكمة واستبدادها أو عجزها وفساد الحكام وبين رفض الدولة الحديثة وشيطنة وتكفير النخب السياسية الداعية للتحديث، ورفض أفكارها باعتبارها وافداً غربياً دخيلاً لتبرير التمسك بمفهوم "الدولة الدينية" أو"دولة الخلافة" والتمسك بتطبيق الشريعة وفق المدونة الفقهية التي هي عمل بشري وضع في ظرف تاريخي معين ولخدمة السلطة السياسية.

هيأت الصدمة التي أحدثتها حملة نابليون على مصر والاتصالات المستمرة بين ضفتي المتوسط في تونس لظهور جيل المصلحين الأوائل الذين أدركوا واقع التخلف في العالم الإسلامي فعملوا على خلق مؤسسات تعليمية حديثة في كلا البلدين تنفتح على العالم وتتجاوز الانغلاق الديني، لكن مساعيهم لم تستطع أن تهز جمود فكر الأزهر والزيتونة في ذلك الوقت.
ثم جاء الجيل الثاني من المصلحين بأفكارهم الإصلاحية الجذرية ممن تطعم فكرهم بأفكار النهضة الأوروبية، وتوجهت الحكومات إلى إنشاء المدارس "العصرية" إلى جانب التعليم التقليدي معتبرة أنّ إصلاح هذا الأخير أمر ميؤوس منه، ولما كان على التعليم العصري الجديد أن يؤمن التعليم الديني وتعليم اللغة العربية أيضاً فقد جرى الاعتماد من جديد على خريجي التعليم الديني لهذه المهمة، فانتقل هؤلاء بكثرة إلى المدرسة الجديدة حاملين معهم أفكارهم وبرامجهم وعقلياتهم التقليدية و"بذلك كانت الدودة في خفايا الثمرة".

اقرأ أيضاً: "الإسلام السياسي بين الأصوليين والعلمانيين".. التطرف الديني إلى أين؟
ويلفت الشرفي في هذا المجال كيف انتشر الفكر الإخواني في عدد من الدول العربية في الأوساط الطلابية مع المعلمين الموفدين من مصر إلى هذه الدول كالجزائر والسودان بشكل خاص، وكيف "بث هؤلاء المعلمون في تلاميذهم إحساساً بالتمزق بين القيم التي تدرس من جهة وبين الواقع الاجتماعي والسياسي من جهة أخرى... إذ ولّد ذلك الوضع أفراداً  منفصمي الشخصية أو متطرفين لذلك كانت نشأة الأصولية من إنتاج القطيعة بين المجتمع ومدرسته"، وما أن توسع هذا التعليم توسعاً كمياً ملحوظاً في وقت لاحق وفي مرحلة ما بعد الاستقلال حتى ترك أثره على جيل الشباب وأصبح بذاته مصدر الصعوبات الكبرى فجذور الأصولية كانت قد زرعت فيه.

يقف الشرفي عند بعض القوانين المفصلية في المدونة القانونية الفقهية مثل التمييز ضد المرأة وتكريس دونيتها

وإذا كانت التجربة التونسية التي يتخذها الشرفي مثالاً لدراسة أثر التربية والتعليم في مستقبل الدول العربية وظهور الأصولية فيها قد اكتسبت خصوصية ما مع إنشاء المعهد الصادقي كمنافس حقيقي للزيتونة وانفتاح النخبة السياسية على الحداثة الغربية، إلا أنّها لا تشذّ عن غيرها من التجارب العربية التي شكل الاستبداد السياسي وحكومات العسكر التي عملت على إنشاء جحافل الجيوش وعسكرة الدولة والمجتمع بدل تحديث التعليم عبئاً مضافاً، إلا شذوذاً نسبياً، ومع ذلك فقد ساهم في نجاتها من الوقوع في دوامة العنف كغيرها من الدول العربية.
ولما كانت الدولة قد أخذت تنافس الأصوليين في انتحال المنزع الإسلامي في الثقافة والسياسة والتشريع والتعليم فقد صبّ كل هذا التنافس في مصلحة الأصوليين أنفسهم؛ لذا يرى الباحث أن إصلاح التعليم هو المدخل الضروري لرفع سوء التفاهم بين الإسلام والحرية؛ ذلك أنّ التحديث النسبي الذي دخل على هذا التعليم منذ ما بعد الاستقلال بقي تحديثاً هشاً أو "حداثة مترددة" دخلت من الأبواب الخلفية وليس فعلاً ذاتياً مدروساً، إذ اقتصرت عمليات التحديث على الانتشار الكمي للمدارس والطلاب وإضافة المواد العلمية واللغات الأجنبية التي استمر تدريسها وفق مناهج تقليدية وتلقينية تكرس دونية المرأة التي كانت مشاركتها أو استفادتها من انتشار التعليم بحدود دنيا، عدا عن الفصل بين الجنسين وإلغاء المدارس المختلطة.

اقرأ أيضاً: الخطاب الدينيّ الشعبيّ واختراق الأصوليات الإسلامية له
وقد ارتبطت رهانات هذا التعليم بالتوجه السياسي للسلطة وأيديولوجيتها، وهي أيديولوجيا ذات منزع هووي قومي أو إسلامي، أكثر من ارتباطها بضرورات تحديث المجتمع؛ الأمر الذي دفع الشرفي لاعتبار أن التخلف الثقافي والعملية التربوية والتعليم كان لهما الدور الأكبر في استمرار تخلف المجتمعات العربية وانتشار الأصولية وتفجر العنف فيها، وأنّ مكافحة هذه الظواهر لا تتم بالقمع والتسلط والعنف المضاد، إنّما بإزالة أسبابها، ما يجعل من تحديث التعليم وربطه برهانات تحديث المجتمع مهمة راهنة.

للمشاركة:



ألمانيا تحذّر من هؤلاء..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

حذرت هيئة حماية الدستور (المخابرات الداخلية) من اليمين المتطرف في ولاية ساكسونيا، لافتة إلى أنّ ظهوره بشكل مسلح، كما حدث في مدينة هالة، في الحادثة التي راح ضحيتها مواطنون، الأسبوع الماضي، له دلالات خطيرة.

وقالت الهيئة، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية: "أيديولوجيتهم تهدف إلى تغيير المجتمع بشكل دائم"، وفي مدينة هاله تغيّر الكثير في الأعوام الماضية، حتى لو أنّ رئيس وزراء ولاية ساكسونيا – أنهالت، راينر هازلهوف، يؤكّد أنّ الهجمات اليمينية المتطرفة، مثل ما حصل الآن في هالة، ليس لها مكان داخل المجتمع.

المخابرات الداخلية: ظهور اليمين المتطرف في ساكسونيا كما حدث في هالة له دلالات خطيرة

العنصريون ومعادو السامية لهم الكثير من مراكز الالتقاء في ساكسونيا – أنهالت؛ فهناك مجلس مدني تابع لحزب البديل من أجل ألمانيا، ثمّ هناك ما يسمون "مواطني الرايخ" المعروفين بكراهيتهم للمجتمع المتعدد الثقافات، إضافة إلى عدد من المجموعات اليمينية المتطرفة الصغيرة التي توسعت في ساكسونيا – أنهالت، مثل "مجموعة النوع الشعبية"، التي تمجد النظام النازي.

وبحسب جهاز الاستخبارات الداخلية؛ فهي "متحدث مهم بالنسبة إلى الوسط فيما يرتبط بالحياة الثقافية داخل الحركة القومية، وتعرض بأنشطتها، لا سيما للنازيين الجدد، إطاراً أيديولوجياً لربط العائلات والأطفال بالوسط اليميني، ونشر القناعات العنصرية، وفي هذا السياق؛ يتمّ نشر بعض المثل على غرار "النوع الذاتي" و"العنصر".

وكانت القوات الأمنية قد ألقت القبض على أحد المتطرفين اليمينيين، بعد ارتكابه جريمة قتل مزدوجة، يوم الأربعاء الماضي؛ حيث أطلق النار على سيدة (40 عاماً)، فقتلها أمام كنيس يهودي، في حي باولوس، بمدينة هالة، ثم قام بإطلاق النار داخل محل للشاورما التركية، يقع بالقرب من الكنيس، فقتل شاباً عمره 20 عاماً.

 

 

 

للمشاركة:

بوتين يصل السعودية.. أبرز الملفات التي سيبحثها

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

وصل الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إلى الرياض، اليوم، في زيارة رسمية؛ حيث من المتوقع أن يلتقيه الملك سلمان بن عبد العزيز.

مساعد بوتين يؤكّد أنّه تمّ تحضير نحو 30 وثيقة بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية لتوقيعها خلال زيارته

وكان مساعد بوتين، يوري أوشاكوف، قد قال في وقت سابق؛ إنّه "تمّ تحضير نحو 30 وثيقة، بما في ذلك اتفاقيات اقتصادية وتجارية، لتوقيعها خلال زيارة بوتين إلى السعودية"، وفق ما نقلت "رويترز".

كما سيناقش خادم الحرمين الشريفين، الملك سلمان بن عبد العزيز، مع بوتين، قضايا التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، تشمل آفاق التعاون في مجالات الطاقة والزراعة والصناعة والتعاون العسكري التقني والتبادلات الثقافية والإنسانية، وفق أوشاكوف.

ديميتريف: قيمة الاتفاقات ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً وإحدى الشركات ستستثمر في شراكة مع "أرامكو"

وقال الرئيس التنفيذي للصندوق الروسي للاستثمار المباشر، كيريل ديميتريف، في تصريح لـ "العربية": "قيمة اتفاقاتنا ستبلغ أكثر من 3 مليارات دولار حالياً، وإحدى الشركات ستكون مختصة في صناعة النفط، وستستثمر في شراكة مع "أرامكو" لإنتاج مواد مهمّة للشركات الروسية، و"أرامكو"، وشركات عديدة أخرى حول العالم".

يذكر أنّ الرئيس الروسي كان قد زار السعودية آخر مرة، في شباط (فبراير) 2007، أي منذ 12 عاماً، أما الملك سلمان فقد زار روسيا عام 2017، في زيارة وصفها الرئيس الروسي بـ "التاريخية".

 

 

 

 

للمشاركة:

الحوثيون يستخدمون المختطفين دروعاً بشرية.. نداء استغاثة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

كشفت رابطة أمھات المختطفین، الیوم، قیام ميلیشیا الحوثي الانقلابیة، بإلباس 400 مختطف داخل السجن المركزي بصنعاء الزيّ العسكري للقوات الجویة، ونقلھم إلى معسكر الأمن المركزي في منطقة السبعین، بعد إیھامھم داخل السجن المركزي، أنّه سیتمّ إطلاق سراحھم.

وحمّلت رابطة أمھات المختطفین ميلیشیا الحوثي مسؤولیة حیاة المختطفین بعد نقلھم إلى منطقة عسكریة تعرضت سابقاً لضربات طیران التحالف.

أمھات المختطفین: الحوثيون ألبسوا 400 مختطف الزيّ العسكري ونقلوھم إلى معسكر الأمن المركزي في السبعین

 

وقالت الرابطة، في بیان عاجل نقلته صحيفة "المشهد" اليمنية: "فقدنا سابقاً العشرات من أبنائنا المختطفین بعد احتجازھم في الشرطة العسكریة بصنعاء وسجن كلیة المجتمع بذمار، وقتل خلالھا العشرات من أبنائنا المختطفین المدنیین".

وناشدت الرابطة، في بیانھا، الصلیب الأحمر والأمم المتحدة والمنظمات الحقوقیة بسرعة اتخاذ الإجراءات اللازمة، وإنقاذ حیاة المختطفین، وإطلاق سراحھم دون قید أو شرط.

كما دأبت ميليشيات الحوثي الإرهابية، منذ سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء، في أيلول (سبتمبر) 2014، والتمدّد إلى مناطق أخرى، على انتهاك القانون الإنساني الدولي عبر سلسلة من جرائم الحرب، أبرزها اتخاذهم دروعاً بشرية.

واتّهمت تقارير دولية ومحلية الحوثيين باستخدام المدنيين كدروع بشرية في التصدي للجيش الوطني اليمني المدعوم من تحالف دعم الشرعية.

وكان مركز الدراسات الإستراتيجية والدولية الأمريكي، قد أفاد بأنّ "الحوثيين يعتمدون بشكل رئيس على الدروع البشرية، كتكتيكات فعالة في مواجهة الحرب الجوية".

 

للمشاركة:



منظمة "الإيثار" الخيرية.. ستار إخواني لنشر الفكر المتطرف بالسودان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

مرتضى كوكو

إن كان السودان قد تخلص من ما يعرف بـ"الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة" أضخم ذراع إخوانية سودانية داخل المؤسسة العسكرية، فإنه بحاجة ملحة لتفكيك منظمة "الإيثار" وهي واحدة من أخطر أدوات الحركة الإسلامية السياسية لأدلجة ضباط الصف بالجيش والمجتمعات الريفية لصالح أجندة التطرف تحت غطاء العون الإنساني، وفق عسكريين.

وتصاعدت المطالب في السودان بضرورة اجتثاث منظمة "الإيثار الخيرية" المتغلغة في 11 ولاية إقليمية وعدداً من المناطق الريفية، وتنشط في بث الفكر المتطرف لأكثر من 28 عاماً بتدبير وإيعاز من نظام الإخوان البائد، لكونها تشكل خطراً على البلاد خلال المرحلة المقبلة.

وتأسست منظمة الإيثار الخيرية على يد الحركة الإسلامية السياسية في يونيو عام 1991، أي بعد عامين من صعود الإخوان إلى سدة الحكم في السودان بانقلاب عسكري ضمن مخطط كبير لأدلجة المجتمع والقوات المسلحة السودانية لصالح أجندته وخلق قاعدة أتباع عريضة ليتسنى لهم الاستمرار أطول فترة ممكنة في السلطة، بحسب مهتمين.

وكشفت مصادر، لـ"العين الإخبارية" عن أن قيادات المنظمة يتم اختيارهم بعناية فائقة من قبل الحركة الإسلامية السياسية ودائماً ما تكون بعيدة عن الأضواء، ولهم قدرات عالية في التغلغل وسط المجتمع تحت غطاء العمل الإنساني والدعوة الإسلامية.

ويتولى رئاسة المنظمة حالياً الإخواني، محمد موسى البشير، وسبقه في هذه المهمة عدد من الإخوان وأغلبهم من ضباط جهاز الأمن الشعبي التابع للحركة الإسلامية السياسية (مليشيا سرية لقمع الخصوم السياسيين)، أبرزهم: إبراهيم محمد أحمد البلولة، وعباس عبدالله حسين.

وبحسب المعلومات، فإن المنظمة تنتشر في ولايات الخرطوم، والجزيرة، والبحر الأحمر، والقضارف، وكسلا، ونهر النيل، وسنار، والنيل الأبيض، والنيل الأزرق، وشمال كردفان، والشمالية، حيث لديها مقار مؤسسة، كما تنشط في إقليم دارفور غربي البلاد وتعاونها في ذلك أذرع إخوانية أخرى.

ويزعم قيادات المنظمة وفق ديباجيتهم التعريفية أن منظمة "الإيثار" تعمل على ساحات العمل الخيري لتكون أداة لنشر قيم الحق والخير والفضيلة والإيثار في المجتمع والإسهام في التنمية الاجتماعية والصحة ومقرها من خلال 4 برامج، التعليم، تخفيف حدة الفقر، تنمية ورفع قدرات، دعوة وتوعية.

لكن في واقع الأمر تستغل المنظمة هذه اللافتات الإنسانية لبث سموم تنظيم الإخوان، حيث يبدأ مشروعها للأدلجة من رياض الأطفال إلى المراحل التعليمية الأخرى، وصولاً إلى ضباط صف وجنود القوات المسلحة.

وأوضحت مصادر عسكرية لـ"العين الإخبارية" أن الحركة الإسلامية أوكلت مهمة أدجلة ضباط الصف والجنود لمنظمة "الإيثار" التي تعمل بينهم بكثافة وتقدم لهم المساعدات لكسب تعاطفهم، بينما أعطت مهمة اختيار وتنقيح طلبة الكلية الحربية "الضباط" للهيئة الخيرية للقوات المسلحة التي فككها مجلس السيادة قبل أيام.

وشددت المصادر على أن هناك مطالب واسعة داخل المؤسسة العسكرية بحل منظمة الإيثار الخيرية ومصادرة أملاكها في كل ولايات السودان لصالح الخزينة العامة للدولة، أسوة بما حدث مع الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة.

وتشير المصادر إلى أن الإيثار تستعطف المجتمع بمساعدات وخطاب دعوي لصالح الحركة الإسلامية السياسية، بينما تتبنى منهجاً خاصا تنفذه في رياض الأطفال والمدارس لأدلجة الطلاب على الفكر الإخواني، وكل ذلك بإيعاز من النظام المعزول.

وفي منتصف سبتمبر/أيلول الماضي، أصدر رئيس المجلس السيادي في السودان الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان مرسوما دستوريا يقضي بحل "الهيئة الخيرية لدعم القوات المسلحة"، إحدى أضخم أذرع تنظيم الإخوان الإرهابي داخل الجيش.

ونص المرسوم على أن تؤول جميع الممتلكات الثابتة والمنقولة والأصول والخصوم الخاصة بالهيئة الخيرية إلى الصندوق الخاص للتأمين الاجتماعي للعاملين بالقوات المسلحة.

وبهذا المرسوم، فقد تخلّص السودان من أكبر ذراع إخوانية داخل الجيش، حيث تملك الهيئة الخيرية عددا من الشركات أبرزها "زادنا"، وكانت تتولى مهمة اختيار الطلبة الحربيين، وتغيير فكرهم لصالح الحركة الإسلامية السياسية، ويشرف على ذلك الإخواني محمد أحمد علي الفششوية.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

تركيا وخطر تقسيم سوريا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

عبد الوهاب بدرخان

غزو تركي، عدوان، مجرد «عملية» عسكرية... أياً كان التوصيف لا يبدو المجتمع الدولي حتى الآن مقبلاً على التعامل المتناسب مع تركيا، تحديداً بقواعد القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. والسبب أن هذا المجتمع الدولي عجز أو جرى تعجيزه عن التعامل مع الأزمة السورية برمّتها، فتُرك للقوى النافذة والمؤثرة التشارك في صنع «قوانين» خاصة بتوافقاتها أو منافساتها، أمكن لروسيا والولايات المتحدة أن تتوافقا أحياناً، وأن تختلفا في معظم الأحيان، حين لا تكون المصالح واضحة ومتوازنة. نتيجةً لذلك يجري تمديد الأزمة، وتُفتح فيها فصول حروب جديدة، في انتظار أن يرتسم توافقٌ دوليٌ ما. في كل المراحل كان الشعب السوري هو الضحية، وقد قُزّمت طموحاته في الحل السياسي للأزمة، والآن يُسلّط الضوء على قضية الأكراد الذين يتعرّضون لهجمة تركية شرسة قد تقضي على كيان خاص بهم في سوريا.
كثير من الأخطاء ارتُكب دولياً وإقليمياً وأوصل إلى تدخّل تركي «غير مقبول» وفقاً للإجماع على توصيفه. وتقع المسؤولية هنا على عاتق القوى الدولية التي اعتبرت باكراً جداً، منذ غزو العراق وقبل اندلاع الأزمة السورية، أن الشرق الأوسط بات منطقة مريضة ويمكن إيلاء العناية بها إلى ثلاث دول إقليمية هي إسرائيل وإيران وتركيا. وبعدما زرعت إيران نفوذها في لبنان إلى جانب النفوذ السوري ما لبثت أميركا أن تركتها تستأثر بالعراق وتتمدد إلى سوريا وإلى غزّة، ومع بدء الانتفاضة الشعبية السورية استشعرت إيران تهديداً لنفوذها فضاعفت تدخّلها وإقحام ميليشياتها. إزاء ذلك أقامت روسيا تنسيقاً مع إسرائيل أولاً لمنع الإيرانيين من فتح جبهات ضدّها انطلاقاً من سوريا، وثانياً لإجازة ضربات إسرائيلية لأي تحركات إيرانية تعتبرها إسرائيل خطراً على أمنها. هذا التنسيق تحوّل إلى توافق أميركي - روسي ثابت، وهو الوحيد الذي تمكن الرئيسان من التوصّل إليه وإعلانه بعد قمتهما في هلسنكي (يوليو 2018)، ولم يتفقا في شأن إيران لكن فُهم أن نقطة الخلاف الرئيسية هي النفوذ العسكري وليس الوجود الإيراني في سوريا.
بقيت تركيا في منطقة رمادية بين الدولتين الكبريين، لا توافق على دورها أو نفوذها، بل تنافس حادٌّ وصامت بينهما عليها. كانت روسيا أزعجت أميركا بإجازتها عام 2016 تدخّلاً تركياً لطرد تنظيم «داعش» من غربي الفرات، إذ كانت «قوات سوريا الديمقراطية» ذات الغالبية الكردية اقتربت من تلك المنطقة في سياق الخطط الأميركية لمحاربة الإرهاب. وبعد قطع خطوط الأكراد مع غربي الفرات انسحب الروس من منطقة عفرين الكردية (أقصى شمال غربي سوريا) فدخلها الأتراك دخولها وسيطروا عليها والحؤول دون اتصال القوات الكردية بها. كان قادة أكراد صرّحوا مراراً بأن منطقتهم (روج آفا) تمتد على طول الحدود وصولاً إلى المتوسط. ما تحاوله تركيا في المرحلة الحالية هو دفع الأكراد شرقاً إلى محافظة الحسكة المعروفة بأنها ذات كثافة كردية.

كثيرون يعتقدون أن ترامب قدّم «هدية» إلى أردوغان، ومثلهم من يعتقد أنها قد تكون مصيدةً لتركيا. هذا لا يغيّر شيئاً في التقويم العام الذي يُظهر أن سوريا باتت ساحة مطروحة في مزاد مغلق بين خمس قوى وتريد إحداها (الولايات المتحدة) أن تنسحب لكن بعد إنجاز توزيع الحصص. وينظر إلى التدخّل التركي على أنه المؤشّر الأخطر إلى «تقسيم سوريا» باعتبار أنه سيقتطع من جغرافية البلد (ماذا عن الجولان؟). المطلوب التأكيد على «وحدة سوريا»، خاصة أن هناك من استهان بقضية الشعب السوري واستسهل اللعب بالورقة الكردية رغم خطورة ذلك على الدول الأربع التي ينتشر فيها الأكراد.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

"الإخوان" في الدول الإسكندنافية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-10-14

إميل أمين

ما الذي يجعل التنظيم الدولي لجماعة «الإخوان المسلمين» يكثف جهوده في الآونة الأخيرة من أجل تثبيت حضوره في مجموعة الدول الإسكندنافية وبنوع خاص في السويد؟... لعل ما تعرضت له جماعة «الإخوان المسلمين» من انتكاسات في الأعوام الماضية في الشرق الأوسط، وفي منطقة الخليج العربي مؤخرا، كما في حال افتضاح شأنها في الكويت، جعل السعي المحموم إلى الخارج أمرا ملحا لا سيما إذا كانت في دول تتوفر فيها الشروط الملائمة لنشوء وارتقاء «الجماعة» مرة أخرى من أجل تحقيق أهدافها التي لم تغب عن عينيها.

منذ أن تأسست «الجماعة» وحتى الساعة، كان في المقدمة وضمن أهدافها، بسط هيمنتها ومقدراتها لا على العالم العربي والإسلامي فقط، بل تصدير دعوتها واكتساب أرض جديدة يوما تلو الآخر إلى حين تتمكن من التحكم في العالم برمته.

ما الذي يدعو لفتح ملف «الإخوان المسلمين» في الدول الإسكندنافية في هذا الوقت؟ المؤكد أن هناك رصدا ومتابعة دقيقين قد جرت بهما المقادير الأشهر القليلة الماضية، هناك، حيث أكدت الخلاصات أن العديد من أفراد جماعة الإخوان والقياديين في «التنظيم الدولي» قد وقر لديهم يقين بأن السويد والدنمارك والنرويج، هي أفضل ثلاث دول يمكن أن يباشروا عليها أنشطتهم وبخاصة بعد التضييق عليهم من قبل الأجهزة الأمنية، في الدول التقليدية التي عاشوا فيها طويلا لا سيما بريطانيا وألمانيا وفرنسا بدرجة ما.

أضف إلى ذلك أن انحسار تنظيم داعش ومؤيديه أيديولوجيا على الأقل قد كشف أوراق الكثيرين الذين باتوا قولا وفعلا أوراقا محروقة، ويتحتم عليهم الابتعاد والتواري عن المشهد.

عطفا على ذلك فإن الدول الإسكندنافية في هذه الأوقات تبقى الأكثر أمانا من ناحية عدم استطاعة اليمين الأوروبي المتطرف، السيطرة على حكوماتها وهو التيار الذي يعادي جهرا وسرا الوجود الإسلامي على الأراضي الأوروبية.

في دراسة حديثة لـ«وكالة الطوارئ المدنية» في السويد إحدى أهم وزارات الدفاع والتي تقوم بمثابة الاستخبارات على الأرض، نجد خلاصات مفادها أن «الإخوان» يسعون إلى اختراق الوجود الإسلامي في السويد ونشر مفاهيم الجماعة واكتساب أعضاء جدد.

على أن السؤال المطروح في هذا المقام كيف تمكن «الإخوان» من اختراق هيكل الدولة السويدية خلال العقدين الماضيين أي مع أوائل الألفية الجديدة بنوع خاص؟

الجواب يحمله إلينا البرفيسور السويدي ماغنورس نورويل، وعنده أن جماعة «الإخوان» تمكنت على مر السنين من بناء مؤسسات قوية في ذلك البلد الإسكندنافي البعيد بعد أن ضمنت عمليات تمويل من الأموال السويدية العامة، وبعد أن أتقنت فن الاحتيال في هذا البلد منذ سنين طويلة.

أما الباحث السويدي والخبير في شؤون جماعة «الإخوان لمسلمين» لورينزو فيدينو، فيذهب في تحليله لطريقة انتشار الإخوان في السويد، إلى القول بأن جماعة «الإخوان» الأم تعتمد على ثلاث فئات من الكيانات السويدية أعضاء الإخوان أنفسهم، وشبكات الإخوان غير المباشرة، والمنظمات المتأثرة بالإخوان.

ولعل تعميق البحث في مسألة الوجود الإخواني في السويد يقودنا إلى اكتشاف جذور تعود إلى ثلاثة عقود خلت وليس لعقدين فقط، وأنهم عرفوا كيف يتعاطون وإن بذكاء شديد مع مفاتيح الدولة السويدية، وعليه فقد قاموا ببناء هيكل مؤسسي يستخدم بسلاسة «النموذج السويدي» للاستفادة الكاملة من نظام المنح السخي والمساعدات المالية من الخزائن العامة.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل أنشأت جماعة «الإخوان» منظمات مستقلة ظاهريا لكنها ترتبط بها تشمل شبكات من المدارس والشركات والجمعيات الخيرية وغيرها من الكيانات، كل واحدة تنتمي إلى إحدى الفئات الثلاث المتقدمة، تحصل على تمويلها من دافعي الضرائب.

في هذا الصدد كانت هيئة «الحماية المدنية والتأهب» تصدر تقريرا بعنوان «النشاط الإسلامي في سياق متعدد الثقافات» قام على إعداده أستاذ الأنثروبولوجيا الاجتماعية السويدي «إيه كارلوم»، من جامعة «مالمو» خلص فيه إلى أن «الإخوان» على أراضي السويد لديهم مهمة راديكالية الطابع ذات خطر على الدولة، ولا ينبغي أن تتلقى أموالا من الأصول الضريبية.

دعا تقرير «كارلوم» إلى فتح العيون على أهم بل وأخطر أربع جمعيات كبرى في السويد على صلة مباشرة بالإخوان وأشهرها «جمعية الإغاثة» و«جمعية بن رشد التعليمية» و«جمعية الشباب السويدي المسلم» و«الرابطة الإسلامية» التي تعد مقرا لـ«الإخوان».

يستدعي الحديث عن هذه الرابطة حديثا مطولا لا سيما بعد أن باتت ملاحقة رسميا من السلطات السويدية متمثلة في جهازي الشرطة والمخابرات، فهي تابعة بشكل كامل «للتنظيم الدولي» والذي ينشط بأذرع متعددة في أوروبا وخصوصا في السويد عبر نشاط اقتصادي مغلف بعمل خيري أو تربوي أو حتى تعليمي وديني وإرشادي، وإن كانت المحصلة النهائية لكافة هذه التنظيمات واحدة أي ملء خزائن التنظيم الدولي لـ«الإخوان» بالأموال، وهي تستوحي قيمها من أفكار المؤسس حسن البنا، ورئيسها يدين بالولاء التام للزعيم الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

تزعم الرابطة اليوم أنها تمثل ما لا يقل عن سبعين ألف سويدي مسلم، وهو رقم كبير يكاد يشمل الغالبية العظمى للمسلمين في السويد، وتشكل الرابطة مظلة لعدد من المنظمات السويدية، بما فيها المجلس الإسلامي السويدي، ومسجد ستوكهولم والأصول التابعة له في السويد.

لاحقا تكشف لجهات الأمن السويدية أنهم أمام تشكيلات إخوانية تكاد تكون صورة طبق الأصل من نظيراتها في الشرق الأوسط والعالم العربي والإسلامي، إذ تتألف كل منظمة من المنظمات التابعة لـ«الإخوان» في السويد من مجلس شورى تحت قيادة أمير أو زعيم، ويتكون كل مجلس من اثني عشر شخصا يتناوبون على رئاسته، وينقسم الأعضاء بدورهم إلى وحدات صغيرة تتألف من خمسة أفراد ليشكلوا بذلك أسرة أو عائلة، وتقوم الأسرة بدورها بتنظيم اجتماعات أسبوعية تتخللها مناقشة الأمور الأيديولوجية في البلاد. ويضع تقرير المعهد الأميركي جيتسون السويديين أمام حقائق مخيفة حول ما يجري على أراضيهم من خداع فعلى سبيل المثال لم يكن هناك مشروع لإنشاء مسجد يعد مركزا لـ«الإخوان» في مدينة مالمو، بل مركز للأنشطة الشبابية والأسرية، وحين تم سؤال المسؤول عن البناء المدعو خالد عاصي قال إن الوقف غير تابع لأي مؤسسة، وإن جميع المساهمات المالية تأتي من أفراد المنطقة. فيما الأمر الأكثر إزعاجا أن العديد من أعضاء ما يعرف بـ«الوقف الإسلامي السويدي» ينتمون إلى الجمعية الثقافية الإسلامية السويدية التي ينتمي متحدثها الرسمي عمار دواد إلى طائفة أتباع الإمام الدنماركي أبو لبن، المعروف بصلاته بعناصر جهادية وبتحريضه للعالم الإسلامي ضد الدنمارك، وقد وصف أبو لبن ذات مرة «سيد قطب» منظر جماعة الإخوان المسلمين الأشهر بأنه مثله الأعلى.

ولعل خلاصة التقارير السويدية عن حالة «الإخوان المسلمين» في البلاد يمكن إجمالها في أن الجماعة تسعى في الداخل إلى بناء وخلق مجتمع مواز بمساعدة النخب السياسية التي تدعم سياسات الصمت على أنشطة هذه المجموعة الأصولية غير البريئة، وأن هذه الجماعة تبني كيانا موازيا في هذه الدولة الإسكندنافية، يمتد ليتصل ببقية الإخوان في الدنمارك والنرويج، كما أن هناك حالة جهل عام في صفوف السياسيين السويديين بشأن المجموعات المنتسبة إلى جماعة الإخوان، وبشأن مفهوم الإسلام السياسي ككل، وقد حان الوقت للاعتراف بالمشاكل المتجذرة المنبثقة عن وصول الجماعة إلى المال العام دون قيود، ولا بد من تحقيق رقابة على الأفراد الذين يديرون منظمات قد تكون بديلا عن اللبنات الأساسية للمجتمع.

ولعله من المؤكد أن الحديث عن التمدد «الإخواني» في الدول الإسكندنافية لا يستقيم بدون الحديث عن ذلك الوجود في النرويج وكذا الدنمارك.

يستلفت النظر في النرويج بداية وجود الرابطة الإسلامية الموازية لنظيرتها في السويد، والتي لها مسجد مستقل هو «مسجد الرابطة» في العاصمة النرويجية أوسلو، ويديره بعض الأشخاص وثيقو الصلة بالمرشد الروحي لـ«الإخوان» يوسف القرضاوي.

يستغل إخوان النرويج بنفس العقلية مؤسسات الدولة النرويجية التي تسبغ حرصها ودعمها للأقليات، وعليه يحصلون من الدولة على دعم مالي يستخدم في خدمة الأغراض الإخوانية، وخلال إجراء النيابة النرويجية التحقيقات حول نشاط خلية مايكل داود المتهم بتفجير صحيفة جيلاندز بوست الدنماركية ورد ذكر اسم مسجد الرابطة، فقد كان داود، وهو نرويجي من أصل صيني تحول إلى الإسلام عقب زواجه من امرأة مسلمة من أصول مغربية يتردد بشكل مستمر على المسجد قبل سفره إلى دول عربية حيث تواصل مع تنظيم «القاعدة»، وأشار إلى أنه أثناء قيادة الإخواني الأردني إبراهيم الكيلاني لـ«الرابطة الإسلامية» عام 2006 توسعت المؤسسة الإخوانية في أنشطتها الاجتماعية ونظمت فعاليات ومؤتمرات اشترك فيها قادة من الجماعة.

ماذا عن الدنمارك؟ الشاهد أن بعض التقارير الإعلامية الغربية تحدثت مؤخرا عن العاصمة الدنماركية كوبنهاجن، فوصفتها بأنها «مغارة الحمدين» في إشارة لا تخطئها العين لما تقوم به قطر منذ عام 2000 في نشر رؤاها الأصولية من خلال الجماعات الإخوانية المنتشرة هناك.

منذ عقدين أسست قطر ما يعرف بـ«المجلس الإسلامي الدنماركي»، لتجعل منه صندوقا لتمويل تيارات متطرفة وفلول جماعة الإخوان الفارين من الدول العربية وحصالة لجمع الأموال وتوزيعها على قياديين في جماعات وتنظيمات وتيارات مشبوهة داخل أوروبا.

ولعل ما كشف حقيقة الدور المزعج لذلك المجلس قضية اختلاس بعض أعضائه لمبالغ تصل إلى ملايين الدولارات، مما جعل أجهزة الاستخبارات الدنماركية تتساءل من أين تحصلوا على تلك الأموال؟ وفيم أنفقوها؟

وفي كل الأحوال يتكشف للدنماركيين والحديث على لسان هنريك يرني عضو اللجنة القانونية بالحزب الديمقراطي الاجتماعي أنه منذ عام 2010 تدفقت الأموال القطرية بالملايين على المركز المعروف باسم المجلس الإسلامي، وما أثار المخاوف هو أن تبرعات المسلمين في الدنمارك ومساعدات الدولة تكفي لبناء هذ المسجد وأكثر، وعليه فلماذا المزيد من ملايين قطر تلك التي يقوم بنقلها مسؤولون كبار في قطر.

ويبقى السؤال قبل الانصراف: هل يتحتم على الدول الإسكندنافية التيقظ اليوم لما يحاك لها ويجري على أراضيها؟

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية