"الفلسفة في زمن الإرهاب": هل من وصفة لمواجهة أخطار الإرهاب المدمّرة؟

"الفلسفة في زمن الإرهاب": هل من وصفة لمواجهة أخطار الإرهاب المدمّرة؟
10292
عدد القراءات

2018-03-04

الجدل حول ظاهرة الإرهاب في زيادة مستمرة، مرتبطة بزيادة اللّبس والخلافات في تفسير الظاهرة وأسبابها، خاصة في الحقبة الحالية من العولمة، وفي ظلّ تنامي خطر الإرهاب الديني، وبروز ظواهر مقلقة للمجتمع الدولي كظاهرة إرهاب الذئاب المنفردة، وتزايد خطر الإرهاب السيبيري، أو الإلكتروني والبيولوجي، المرتبطة بالتسارع الكبير في آليات العولمة التكنولوجية خاصة التكنولوجيا الرقمية والذكاء الصناعي.

ويمكن القول إنّ الإرهاب العالمي المعاصر، بأشكاله وأنواعه وأيديولوجياته المتعددة، أصبح من أكثر الظواهر في العلوم الإنسانية نشاطاً في البحث والدراسة والتأليف والتنظير، وليس هناك من حقلٍ معرفي إلّا وقدّم في مقاربة للفهم والتحليل.

ما سبق يطرح سؤال ما الجديد في كتاب "الفلسفة في زمن الإرهاب" لجيوفانا بورادوري (أستاذة الفلسفة الأوروبية وعلم الجمال في جامعة فاسار الأمريكية)؟ الذي نشر بالإنجليزية عام 2003، على خلفيات هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضدّ أمريكا، وترجمه وقدّمه خلدون النبواني إلى العربية، بعد عقد من الزّمان 2013.

جيوفانا: أيديولوجيا الإرهابيين الذين كانوا مسؤولين عن هجمات 11 أيلول الإرهابية ترفض الحداثة والعلمانية رفضاً صريحاً

الجديد والفريد في هذا الكتاب؛ هو "كيفية إخضاع الأسئلة الأكثر إلحاحاً في الظاهرة، المتعلقة بالإرهاب والنزعة الإرهابية للتحليل الفلسفي"، خاصّة وأنّ الفلسفة، كما يقول شيخها أرسطو، تدرس المبادئ العامة، أو الكليات، حسب كلام الفلاسفة العرب القدماء، وفي ظاهرة الإرهاب الكثير من الجزئيات والتفاصيل والأحداث والاتجاهات الفرعية الباعثة على الجدل والخلاف وانعدام الرؤيا.

وهذا الموضوع قلّما تمت الإشارة إليه –حسب علمي- في الدراسات وأدبيات ظاهرة الإرهاب المعاصرة؛ ثمّ من الفلاسفة؟

إنّه مع أهم فلاسفة المنظومة الأوروبية تأثيراً في الغرب والعالم المعاصر، وهما: يورغن هابرماس (مواليد 1929)، وجاك دريدا (مواليد الجزائر 1930 -2004)، وفي أوّل مناسبة "يقبل فيها هابرماس ودريدا أن يظهرا جنباً إلى جنب ليجيبا بالتّوازي على المجموعة ذاتها من الأسئلة، رغم التباين الصارخ في تناولهما للفلسفة بشكل عام.

يورغن هابرماس

ويذهب البعض إلى أنّ كلاً منهما (وهما من أصول يهودية) هو النقيض للآخر، فهبرماس يمثّل فكر الحداثة، والكونّية والعقل، أمّا نقيضه دريدا فيمثّل "ما بعد الحداثة" والتمرّد عليها، والخصوصية ونقد العقل، وكان يُعرِّف نفسه، في أغلب الأحيان "بأنّه ليس يهودياً، ولا فرنسياً وليس جزائرياً"، باعتبار أنّه يهودي من مواليد الجزائر، وبينما كان دريدا معروفاً بتأييده للحقوق العربية والقضية الفلسطينية، والمطالبة بدولة فلسطينية ذات سيادة غير منقوصة، وفضح السياسات العنصرية لإسرائيل وإرهاب الدولة الذي تمارسه ضدّ الفلسطينيين، وحبّه للجزائر، كان نقيضه هابرماس أقلّ حماساً للقضايا العربية، وفي الوقت الذي لم يُدن فيه إسرائيل صراحة فإنّه، في المقابل، وصف العمليات الانتحارية في الأراضي الفلسطينية بالإرهابية، وسكت عن إرهاب الدّولة الإسرائيلي.

إنّ الخيط الناظم لمحاورات هابرماس ودريدا هو التحليل الفلسفي للأحداث والاتجاهات والأسئلة المتعلقة بها، مثل: هل غدا القانون الدولي الكلاسيكي متقادماً إزاء التهديدات الجديدة من "الأطراف الفاعلة ما دون الدولة" الجديدة المتخطية للدول كالجماعات الإرهابية؟ مَن له السيادة على مَن؟ هل من المفيد تقييم سيرورة العولمة من خلال الأفكار الكونية والمواطنة العالمية؟ التي يدعو إليها هابرماس، هل فكرة الحوار السياسي الفلسفي أداة عالمية في التواصل؟ أم إنّ الحوار هو ممارسة مميزة ثقافياً؟ ثمّ في أيّ شروط يمكن للحوار أن يكون خياراً متاحاً؟

الفلسفة في مواجهة الإرهاب

كمدخلٍ فلسفي رئيس تشير جيوفانا إلى أنّ "أيديولوجيا الإرهابيين الذين كانوا مسؤولين عن هجمات 11 أيلول الإرهابية، ترفض الحداثة والعلمانية رفضاً صريحاً، وبما أنّ هذين المفهومين صاغهما، للمرة الأولى، فلاسفة التنوير في الغرب، فإنّ الفلسفة مدعوة إلى الدفاع عنهما؛ إذا هي قادرة، بلا أدنى ريب، على تقديم مساهمة فريدة عند هذا الملتقى الجيوسياسي الحسّاس".

وهنا كانت محاورة هابرماس مكثّفة جداً وكلاسيكية على نحو أنيق، بأسلوبه البسيط جداً والمنضبط الخالي من البهرجة اللغوية، ولا غريب في ذلك، فهو ابن المدرسة الألمانية في الفلسفة، على خلاف محاورة نقيضه دريدا الطويلة المتعرجة، لكن القادرة على الجمع بين الابتكار والدّقة، كيف لا وهو أستاذ التفكيك؟

ورغم الاختلاف بينهما، إلّا أنّهما اتّفقا أنّ "الإرهاب مفهوم مراوغ، يعرّض السياسة العالمية لأخطار وشيكة وتحديات مستقبلية. وكيف يمكن للإرهاب أن يدّعي لنفسه مضموناً سياسياً، بالتالي، كيف يمكن أن يكون منفصلاً عن النشاط الإجرامي؟"، وهذا سؤال مهمّ حول التنظير للإرهاب في حقل السياسة والعلاقات الدولية بأنّ الإرهاب فعل سياسي، ويهدف لتحقيق أهداف سياسية ويختلف عن النشاطات الجرمية.

جاك دريدا

ليس للإرهاب مضمون سياسي

ويرى، هابرماس، أنّ إعلان أمريكا الحرب على الإرهاب قد تمنحه شرعية سياسية، ثم هل هناك إرهاب دولة، وهل يمكن التمييز بين الإرهاب والحرب تمييزاً واضحاً؟ وهل يمكن لمجموعة من الدول، أو دولة، بناء تحالفات وإعلان الحرب على "أطراف فاعلة من غير الدول" مثل الجماعات الإرهابية؟ وبالطّبع فإنّ هذا السؤال لا يزال مطروحاً الآن، مع بناء التحالف الدولي الجديد ضدّ إرهاب تنظيم داعش مثلاً.

الأخطر في الأمر، بحسب هابرماس، هو "الخسارة المحتملة لشرعية الحكومات الديمقراطية الليبرالية؛ حيث تعرّض نفسها للخطر بردّة فعلها المفرطة ضدّ عدو مجهول" هو الإرهاب.

لكن كيف؟ أولاً: على الصعيد الداخلي؛ لأنّ عسكرة الحياة العادية قد تقوّض أعمال الدولة الدستورية، وتقيد إمكانات المشاركة الديمقراطية. ثانياً: على الصعيد الدولي؛ إذ قد يتكشّف استخدام العسكرية عن نتائج غير ملائمة أو غير فعّالة".

أما دريدا (صاحب فلسفة التفكيك)، فإنّه يدعو إلى تفكيك (بمعنى تحليل البنى المترسّبة التي تشكل العنصر الخطابي أو الخطابية الفلسفية التي نفكّر داخلها)، مفهوم الإرهاب الذي تجلّى في هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، بوصفه مفهوماً غامضاً وعصيّاً على الفهم، ومراوغاً، ومُحيراً، ومُتلاعباً به لغايات عدّة تصبّ في مصلحة أمريكا، بقدر ما تصبّ في مصلحة الجماعات الإرهابية.

يتّفق هابرماس ودريدا على الدعوة للانتقال من القانون الدولي الكلاسيكي إلى نظام عالمي تصبح فيه المؤسسات فاعلات سياسية رئيسة

وهو يرى أنّ "تفكيك المفهوم هو المسلك الوحيد والمسؤول؛ إذ إنّ الاستخدام العام لهذه الكلمة يظهرها كما لو أنّ مدلولها واضح بذاته، ويظهر وكأنه بداهية، الأمر الذي يجعلها تخدم قضية الإرهاب على نحو غير مباشر".

والتفكيك يعني تبيان أنّ ضروب التميز، التي نفهم في إطارها معنى مصطلح الإرهاب، مثقلة بالمشكلات؛ فليست الحرب هي المسؤولة عن ترهيب المدنيين، أو الوحيدة التي تنطوي على عناصر الإرهاب؛ إذ لا يمكن الفصل بين مختلف أنواع الإرهاب؛ أي بين إرهاب الدولة والارهاب المحلّي أو الإرهاب العالمي؛ لذلك يرفض دريدا أن يكون "للإرهاب معنى ثابت، أو جدول عمل أو محتوى سياسي، ويمكن أن نلاحظ هنا أنّ هابرماس ودريدا قد اتفقا في تفريغ الإرهاب من مضمونه السياسي.

وحول علاقة الإرهاب بظاهرة العولمة، خاصة آليات العولمة التكنولوجية في الاتصالات والمواصلات والإعلام، يقدّم دريدا رؤيا استشرافيّة؛ حيث يدعو إلى ضرورة "التيقظ حيال العلاقة القائمة بين الإرهاب ونظام الاتصالات العالمي، ويُذكّر بسيل الأخبار والصور والقصص المتلفزة، عقب الهجمات الإرهابية في 11 أيلول (سبتمبر) 2001، التي تتحدث عن إرهاب، وأنّها تستدعي تأمّلاً نقدياً.

فمع استيطان الصدمة في الذاكرة، يسعى الضحايا عادة إلى أن يطمئنوا أنفسهم بأنّهم قادرون على تحمل الصدمة التي يمكن أن تتكرّر، وقد بقي دريدا مرتبكاً حيال واقعية الخطر المتمثل في إمكانية استخدام الشبكات التقنية وشبكات الإعلام، وأنّه لا يمكن له أن يتصوّر الخوف من الهجمات الإرهابية التي تستخدم فيها الأسلحة الكيماوية، أو البيولوجية، أو التكنولوجيا الرقمية؛ لأنّها مخاطر "صامتة وخفيّة"، والمُرعب أنّ الإرهاب "لا يظهر كحدثٍ مضى بقدر ما يظهر كاحتمالٍ مستقبلي".

وصفة فلسفية لمواجهة خطر الإرهاب

في مواجهة أخطار الإرهاب المدمّرة، يتّفق هابرماس ودريدا على الدعوة إلى ردّ يشمل الكرة الأرضية، ويتضمن الانتقال من القانون الدولي الكلاسيكي، الخاص بالقرن التاسع عشر، والقائم على الدولة القومية –الأمة الذي انبثق عن اتفاقية وستفاليا 1648، إلى نظام عالمي جديد تصبح فيه المؤسسات المتعددة الأطراف والتحالفات العالمية هي الفاعلات السياسية الرئيسة، والتركيز على قيمة المثل العليا لعصر التنوير، وهي نفسها مثل التي حلم بها الفيلسوف إيمانويل كانط، كمثال المواطنة العالمية، والحقّ العالمي الشامل، والجماعة الكونية التي يكون لجميع أفرادها حضورهم في مجتمعات الآخرين بفضل حقّهم في الملكية المشتركة لسطح الكرة الأرضية".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يساعد الدين المجتمعات في أداء رسالتها؟

2020-02-20

قدّم ماكس فيبر بين عامي 1903 و1920، مجموعة من الدراسات في سوسيولوجيا الدين؛ مثل "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية"، "المذاهب الدينية في أمريكا الشمالية"، "الأخلاق الاقتصادية للأديان الكبرى"، وجُمعت هذه الدراسات في مجلد واحد بعنوان؛ "الأعمال الكاملة لسوسيولوجيا الدين"، الذي تضمن  دراسات عن الكونفوشيوسية والتاوية واليهودية، وقد نشرت المنظمة العربية للترجمة، مجموعة من هذه الدراسات في كتاب بعنوان: "مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"، (2015) ترجمة منير الفندري.

لا ينظر فيبر إلى الدين باعتباره نظاماً من المعتقدات بل يراه نسقاً لتنظيم الحياة حيث اهتمّ بالسلوكيات العملية للأفراد

وينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي، ولا يعتبره نظاماً من المعتقدات، بل نسق لتنظيم الحياة، ولذلك فقد اهتمّ فيبر بالسلوكيات العملية للأفراد، والمعنى الذي يعطونه لأفعالهم، وبالنسبة إليه، فإنّ المسألة المطروحة هي لا عقلانية العالم، وبشكل خاص عدم التوافق بين ما هو مقدّر، وبين ما تصير إليه الأمور، بين واقع المعاناة الذي تعيشه، وحقيقة الموت الذي كان القوة الدافعة لتطوّر الأديان جميعها، وإذا أنشأت الأديان نظماً وترتيبات لاهوتية متعلقة بالعالم الآخر، فإنّ بعض الاتجاهات السلوكية للناس في الحياة القائمة  تحركها عوامل وبواعث دينية.

"مقالات في سوسيولوجيا الدين: الثقافة البروتستانتية"
ويرى فيبر أنّ السياسة بعكس الاقتصاد، يمكن أن تدخل في تنافس مباشر مع ما هو ديني؛ فالدين والسياسة، كما يقول فيبر، متمايزان بوضوح، لا يوحد بين المنطق الداخلي لكل منهما، ويلاحظ تجارب متنوعة في العلاقة بين السياسي والديني، امتدت عبر تاريخ من المعارضة الراديكالية للسياسة، إلى الاستيعاب الديني، لكن ما هو أكثر تعقيداً من ذلك، أنّ الدين ينشئ نتائج ثورية حتى عندما لا يبالي بالسياسة، كما ينشئ علاقات حميمة بالمجال الجمالي؛ كالموسيقى والرقص والعمارة والتصميم والزخرفة، وبهذا المعنى فقد شجع الدين الفن بقوة.

اقرأ أيضاً: "في سوسيولوجيا الإسلام" لعلي الوردي: دراسة جريئة في الصراع المذهبي
ويهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان، ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين، ويعتبر كتابه "الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية" الأكثر شهرة بين أعماله الفكرية، كما يلقى نظرة شمولية على علاقات ديانات أهم الحضارات بالاقتصاد والتركيبة الاجتماعية في محيطها، في كتابه "أخلاقيات الاقتصاد لديانات العالم الكبرى".

يهتم فيبر بشكل خاص بالأخلاقيات الاقتصادية للأديان ويشير إلى الصلات بين بعض الفئات المهنية والتدين

ويلاحظ فيبر، في مقارنة بين الكاثوليكية والبروتستانتية، أنّ الإنسان الكاثوليكي أكثر سكوناً وأقل مغامرة من الإنسان البروتستانتي، حيث إنّ البروتستانتية، كما يقول فيبر، تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار، واستغلال الوقت أفضل استغلال في تحقيق المنفعة للذات والآخرين، حيث تأخذ الحرفة أو المهنة في الفهم البروتستانتي للإنجيل، بعداً دينياً غير موجود في المجتمعات الكاثوليكية، كما أنّ البروتستانتية تمنح العمل قداسة دينية، وقد كانت الحوافز والدوافع الدينية للعمل والإنتاج واحدة من أهم ملامح حركة الإصلاح الديني التي أطلقها مارتن لوثر بين عامي  1483 و 1546، وفي حين كان الصرافون والمرابون والاحتكاريون، حلفاء مقربين للملوك في بريطانيا وفرنسا، كانوا يتعرضون للنقد الحاد من قبل الإصلاحيين الكالفينيين. وفي حين استخدمت دعوات الزهد والتقشف لتكريس الخضوع للسلطة والرضا بالفروق الاقتصادية والاجتماعية لدى الكاثوليك؛ استخدمت لأجل العمل والإنتاج والتقدم الاقتصادي، وتكريس الموارد للأعمال المنتجة بدلاً من هدرها في مجالات لا تفيد الفرد والمجتمع في البروتستانتية.

ينظر ماكس فيبر إلى الدين على أنّه نوع خاص من أشكال العمل الجمعي
يختار فرويد نماذج أدبية تعتمد على المصادر الدينية، فيلاحظ أن القصة التقليدية لآدم وحواء وخروجهما من الجنة، تعرض في عالم الكاثوليكية كمسألة تراجيدية أقرب إلى اللعنة، لكنها في الأدب الإصلاحي تبدو أمراً إيجابياً، وفي ذلك يقارن بين دانتي في الكوميديا الإلهية؛ إذ يصمت اليغيري دانتي حيال الأسرار الإلهية لخاتمة القصة، لكن جون ميلتون في "الفردوس المفقود"، العمل الذي يسمى الكوميديا الإلهية للبيوريتانيين؛ يصف الخروج من الجنة على النحو التالي:

البروتستانتية بحسب فيبر تعلّم أتباعها التفاني في العمل والادخار واستغلال الوقت في تحقيق المنفعة للذات والآخرين

التفتا إلى الخلف ولمحا الركن الشرقي من الجنة
الذي كان مقرهما الناعم الهانئ
يغمره لظى من النيران المستعرة
وعلى بابه حشود من المردة
في قبضاتهم أسلحة من اللهب
أحسّا بالدموع تتقاطر الهوينى
ولكن سرعان ما جففا الخدود
لقد ظهرت أمامهما الدنيا الفسيحة
التي لهما أن يختارا فيها موطناً مريحاً
تقودهما في ذلك عناية الرب
سارا بخطى وئيدة مترددة
مبتعدين، اليد في اليد عن جنة عدن
وفي موضع آخر من الملحمة يقول ميخائيل (ميكال) لآدم:
لا تنس أن تقرن المعرفة بالفعل
وأضف إلى ذلك الفضيلة والعقيدة والصبر
ثم الاعتدال وتلك المحبة
التي ستصبح يوماً تمجد بنعتها المسيحية
وتغدو المهجة لكل الفضائل
حينئذ لن تأسف على فراقك هذا الفردوس
ما دمت تحمل في نفسك ما هو أجمل بكثير

ومن الواضح أنه شعر يمتلئ بمحبة الحياة، وتثمينها كهدية، ويؤكد فيبر أنّ هذه الفروق بين الكاثوليك والبروتستانت، ليست فروقاً قومية مردها إلى الاختلاف بين الأمم، لكنه يردها إلى اتجاهات ومذاهب كنسية، مع التأكيد على أنها ليست العامل الوحيد، لكن النتائج والآثار الاقتصادية والاجتماعية، لم تكن نتائج متوقعة أو مخططاً لها عند مؤسسيها على أي حال، بل هي عفوية وغير مستهدفة، جاءت في كثير من الحالات بعيدة عما تهيأ لخاطرهم، أو على نقيضة أحياناً.
ويؤكد ماكس فيبر هنا على أنّ الرأسمالية لم تكن نتاجاً حتمياً للبروتستانية، أو أنّ "الرأسمالية" لم تكن لتظهر بدونها، فالرأسمالية برأيه أعرق وأعمق من البروتستانتية، لكن فيبر يحاول أن يبحث ويفكر في الأثر الاقتصادي للحركات الدينية، وإلى أي مدى ساهمت في صياغة العقلية الرأسمالية، وماذا يعود إلى الحركات الدينية من جوانب محسوسة في الحضارة الرأسمالية.

للمشاركة:

هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:

بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟

منى يسري's picture
صحافية وكاتبة مصرية
2020-02-06

في ظلّ تصاعد التيارات النسائية الإسلامية في مختلف البلدان، التي يرى العديد من الباحثين في هذا المجال، أنّها تحمل الطابع الإصلاحي لمجال حقوق النساء، وما تزال متشحة برداء ذكوري، يتكشّف عند أول احتكاك فعلي بها، ويظل أكبر ملمح بارز في تلك القضية، هو التهميش الثقافي والحضور التاريخي للنساء في كتب التاريخ، ومساهمات المرأة في الحقول الدينية والروحية، الذي لم ينل قدره من البحث والتنقيب بالقدر الذي ناله الحضور الذكوري.

على الصعيد الإسلامي الفروق بين الرجال والنساء تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى

إلى جانب قداسة النساء التي تم تغييبها في الكتابة حول "تاريخ الولايات الصوفية"، الذي بقي كغيره من الكتابات التي احتكرها الرجال، فالمناقب ترصد لنا قداسة يهيمن عليها الأولياء والصلحاء الذكور، أما النساء فيبقين على الهامش من الذكر، رغم ما لهنّ من مساهمات كبيرة في هذا الحقل المهمّ من التراث الديني؛ بل إنّ الخصوصية العاطفية للنساء، والتي غالباً ما تمّ استخدامها ضدّهن، تجعلهن في إطار متفوق على الرجال، في مسألة الولايات الصوفية.
في هذا السياق يأتي كتاب "بركة النساء"، للباحث المغربي وأستاذ الأنثربولوجيا بجامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب، رحال بوبريك، ليناقش قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي، وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار، لأسباب استطرد في سردها والردّ عليها.
التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور

التكوين الفيسيولوجي ونفي الطهارة
يستهل بوبريك رحلته حول التأصيل الجذري لهذا الشكل من التهميش الثقافي، المبتعد كلّ البعد عن النصّ الإلهي، معوّلاً على كلّ العوائق التي تعترض طريق المرأة نحو الحضور التاريخي والديني، إلّا أنّ إصرارها الذي ظهر حتى في الدين المسيحي، في القرن الثالث عشر، كان أكبر الأدلة على نجاحها؛ حيث ستظهر نساء باعتراف العامة، متبوعات بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح، عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل الحلول في جسد المسيح.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
ومثّلت هذه التجربة إلحاحاً وعزيمة من المرأة، على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضها إقصاءها من المشاركة في الحقل الديني إلى جانب الرجل، معتبرة أنّه في الحقل الديني، للمرأة مثل الرجل في القرب من الله والتقوى.
وعلى الصعيد الإسلامي؛ فإنّ الفروق بين الرجال والنساء، تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى، بالنظر إلى ما كُتب في سير الأولين، كما أورد كتاب فريد الدين العطار "سير الأولياء"، متحدثاً عن رابعة العدوية، كأحد أعلام الولاية النسائية في التاريخ الديني، استخدم العطار النصّ الديني في الحديث النبوي: "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم"، تعليلاً على تلاشي الذكورة والأنوثة في طريق الحبّ الإلهي.

يناقش الكتاب قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار

ورغم المساواة التي أقرّها النصّ الديني بين الرجال والنساء في الإيمان، والتي تجلّت في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلا أنّ الواقع الاجتماعي فرض سطوته على النصّ، وموازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال، حالت دون تلك المساواة، فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي الذي حملته المرأة عبر قرون من الزمان، والذي ما يزال حائلاً بينها وبين اختراق هذا الحقل من الولاية والقداسة الدينية، ليظلّ الاختلاف الجنسي حاضراً وبقوة في حقل الولاية الصوفية، ومحددات التكوين الفيسيولوجي للمرأة مكانتها كجنس أقل من الرجل.
بذلك، كان من الطبيعي، وفق بوبريك، أن تحاول المرأة نفي أنوثتها وإخفاء دم حيضها، الذي يعدّ أحد أسباب تدنيها وتقليل قداستها، في كلّ الديانات، فحيضها نجاسة، وطهارتها هي الشرط الأول من شروط الولاية، وتمّ استخدام النصّ الديني لتبرير نقصان عقل المرأة بسبب حيضها، رغم أنّ الأوائل كانوا يرون أنّ هذا الدّم ميزة اقتنصتها المرأة من الطبيعة، لتملك هي لغز الحياة الذي يتحقق بالولادة.
غلاف الكتاب

مقومات الإقصاء والتهميش
  يواصل المؤلف رحلته في البحث، مستعرضاً مقومات الإقصاء والتهميش من حقل القداسة الدينية، فنجد الجسد الأنثوي بطبيعته معرّضاً للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية، فتحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية، ومنبت للفساد في نفوس الرجال، وأصبحت المرأة في التصور الديني جسداً جميلاً يسكنه الشيطان، ليوقع الرجال في الخطيئة، فهنّ فتنة الأنبياء والمرسلين، فما بالنا بالرجال العاديين! فالتراث الديني، بما فيه النصّ، إنما يضع الرجل في موقف سلبي تجاه الأنثى، التي تفرض عليه الخطئية، فبجمالها يمتنع الرجل عن العبادة، ويخضع لغواية تحول بينه وبين طريق الله تعالى.

الجسد الأنثوي بطبيعته معرّض للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية

لذا، وبحسب ما يرى الباحث، فإنّ إخضاع أداة الفتنة المتمثلة في الجسد لضوابط دينية تعمل على تدجينه وتنميطه، وإخضاعه للمراقبة، والعمل على إخفائه قدر الممكن، بات لزاماً على المجتمع، سواء بإخفاء المرأة، ومنعها نهائياً، مثل المرأة المحجبة، أو فرض حجاب يسترها، إن هي أرادت الخروج مؤقتاً للمجال العام، فيما عمِل النصّ الديني، وفق بوبريك، على ترسيخ مفهوم إغواء المرأة، وهو ما يجعلها مستبعدة من معترك المكانة الدينية، ولا يرقى جسد المرأة لمكانة أعلى، إلا حين تؤدي دورها الطبيعي في الإنجاب، الذي يختزل وجودها في الحياة، باعتبارها مصنعاً لإنتاج الخام البشري، فيرتقي جسد المرأة حد القداسة، كونها واهبة الحياة، ومصدر الخصوبة، وهو السبب نفسه الذي رفع من مكانة النساء في الحضارات القديمة.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

على اختلاف الديانات الإبراهيمية في تشريعاتها، اتفقت جميعها في نجاسة المرأة الحائض، مع اختلاف درجات المعاملة، فنجد مثلاً؛ أنّ المرأة في الشريعة اليهودية، في فترة النفاس، تعدّ نجساً لمدة أربعين يوماً، إذا كان المولود ذكراً، وثمانين يوماً إذا كانت المولودة أنثى، وهو ضمنياً يعني نجاستها حتى وهي تخرج إلى العالم من رحم الأم، فقد اجتمعت اليهودية والمسيحية، على اعتبار الحيض والنفاس أصل الشرور والمفاسد، وسرّ نقصان المرأة، أمّا الإسلام فكان أكثر إنصافاً، خاصّة بعد نزول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة: آية 222)، فقد اقتصرت نجاسة الحيض في الإسلام على العبادات والمعاشرة الزوجية.
موازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال حالت دون المساواة فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي

القداسة الشعبية تحقّق تطلعات النساء
بعد أن استعرض الكاتب عوامل إعاقة النساء عن دخولهنّ حقل القداسة الدينية، يستفيض في دراسة حول تحقيق القداسة الشعبية التي منحت المرأة نصيبها المهدور؛ حيث تشترك هؤلاء النساء في كونهنّ لم يكنّ من صنف العابدات أو المصطفيات أو الصالحات، اللواتي وردت سيرهنّ في كتب المناقب، دون أن يكون لذلك تأثير كبير على رأسمالهن الديني في حقل القداسة، بل نجدهنّ أكثر حضوراً وشهرة وزيارة من اللواتي وردت سيرهنّ في المتون المناقبية، بل ظلّت السيرة شفهياً متداولة عبر الأجيال، مؤسسة لقداستهم، في بعدها الزمني.

تحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية ومنبت للفساد في نفوس الرجال

وفي هذا الصدد نجد دراسة مهمّة، للباحثة صوفي فرشيو، حول زيارة الأضرحة، ومن وجهة نظرها؛ أنّ زيارة الأضرحة وارتياد الزوايا، ظاهرة لها علاقة بالتصوف، والممارسات الإحيائية، ولا تشبع احتياجاً دينياً فقط؛ بل نفسياً واجتماعياً، فالمسجد الذي أغلق أبوابه أمام النساء، جعلهنّ يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن الخلاص الدنيوي والديني؛ حيث تفتح الزاوية ومكان الولي أبوابهما أمام النساء دون ضوابط شرعية مقننة.

يستكمل الباحث رحلته حول كشف أبواب القداسة النسائية، وعن ارتباطها بالماء، وهو ما يتجلى في بعض الأسماء المشهورة للوليّات، مثل: "عائشة البحرية، وعائشة مولات المرجة (صاحبة المستنقعات)"، لنجد الماء حاضراً بقوة، كرمز للطهارة بالنسبة إلى النساء؛ فالأمواج والماء تطهّر من النجس، ويتساءل الكاتب: هل الأمر يتعلق ببقايا لطقوس إحيائية وثنية وسحرية ما قبل إسلامية، أو استمرارية لهذه الطقوس بدون انقطاع؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
هنا يجيب بأنّ بعض منابع وعيون المياه لم تتحوّل كأماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر إذاً لا يتعلق ببقايا؛ بل باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء المقدس في الطقوس الدينية الإسلامية، وهو ما يكثر الحديث حوله في أدبيات التصوف، فيروى أنّه حين كانت تأتي الزائرات لعائشة مولات المرجة، فعلى الموجة أن تحمل هداياهن للوليّة عربوناً لقبولها زيارتهنّ، ويغتسلن كذلك بماء الحوض الذي يوجد فيه حجر ينسب لعائشة، أو ضريحها، وتتكثف صورة الماء في المتخيّل الشعبي من مادة مطهر إلى مسكن للقوى الخفية، وتعدّ الولية في هذا الموضع بالنسبة إلى مريداتها من النساء، الشفيع والوسيط بينها وبين الله تعالى.
يتمكّن الباحث في نهاية أطروحته من التأكيد على انتزاع المرأة لنفسها مكاناً في حقل القداسة الدينية، ارتفعت فيه وتفوقت على الرجال، رغم كلّ المعوقات التي وضعها النصّ والمجتمع والإرث الذكوري في طريقها، ومكّن التصوف المرأة من تجاوز المكانة السلبية التي وصمها المجتمع بها، واستطاعت اعتلاء هرم القداسة، وفرض بنات جنسها على حقل يعجّ بالذكورية، إذاً يمكننا القول: إنّ التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور، هناك تحقّقن، ووجدن طريقاً إلى الله تعالى.

للمشاركة:



إمام مسجد لندن المركزي يبدي تسامحاً مع الشخص الذي طعنه.. هذا ما قاله

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

أبدى إمام المسجد المركزي في لندن، رأفت مجلاد (70 عاماً)، في رد الفعل الأول حول محاولة طعنه، تسامحاً تجاه المتشرد دانييل هورتون، الذي طعنه خلال أداء صلاة العصر، الخميس الماضي، قائلاً: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه".

ووجهت محكمة بريطانية، أمس، اتهاماً إلى هورتون، الذي يبلغ 29 عاماً، بالتسبب بضرر جسدي بالغ، وحيازة سكين بشكل غير شرعي، وطعن إمام ومؤذن مسجد لندن، وفق "فرانس برس".

واستبعدت شرطة لندن، على الفور، أن تكون هناك دوافع إرهابية وراء حادثة الطعن، رغم عدم إعلانها دوافع شخصية أو اجتماعية أخرى.

رأفت مجلاد متحدثاً عن الشخص الذي طعنه: "أسامحه.. وأشعر بالأسف تجاهه"

وتلقى مجلاد العلاج في مستشفى في لندن، وعاد الجمعة إلى المسجد للصلاة، ويده مضمدة، قائلاً: "بالنسبة لي كمسلم لا أحمل في قلبي أيّة كراهية".

وقالت المدعي العام، تانيا دوغرا، للمحكمة: "الرجلان يعرفان بعضهما، لأنّ هورتون اعتاد أن يرتاد المسجد المركزي في ريجينت بارك، شمال غرب لندن، خلال الأعوام الماضية".

وأبقي هورتون رهن التوقيف، قبل عقد جلسة استماع ثانية، مقررة في 20 آذار (مارس) المقبل.

وكانت شرطة العاصمة البريطانية، لندن، قد أعلنت، الخميس الماضي؛ أنّها اعتقلت رجلاً بعد واقعة طعن في مسجد قرب متنزه ريجنتس أسفرت عن إصابة شخص.

وقالت الشرطة البريطانية في بيان: "عثر على رجل مصاب بجروح جراء حادث طعن، وتم اعتقال المتهم في مسرح الواقعة".

وأظهرت صور نشرت على موقع تويتر أفراد الشرطة وهم يقيدون رجلاً في ساحة الصلاة بالمسجد قرب متنزه ريجنتس قبل اقتياده.

للمشاركة:

زلزال على الحدود الإيرانية التركية يخلّف قتلى

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

قال وزير الداخلية التركي، سليمان صويلو؛ إنّ ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال بلغت قوته 5.7 درجة ضرب غرب إيران، في وقت مبكر من اليوم، وتأثرت به مناطق تركيا.

وتركّز الزلزال في مدينة خوي الإيرانية وتضررت قرى في محافظة فان التركية.

وقال صويلو، في مؤتمر صحفي في أنقرة؛ إنّ "ثلاثة أطفال وخمسة بالغين قتلوا في منطقة باسكولي في تركيا"، وأضاف: "خمسة مصابين نقلوا إلى المستشفى بينما بقي آخرون محاصرين تحت أنقاض مبانٍ منهارة"، وفق وكالة "الأناضول".

صويلو: ثمانية أشخاص لقوا حتفهم في زلزال ضرب مدينة خوي الإيرانية وتضررت محافظة فان التركية

ووفق مركز رصد الزلازل الأوروبي المتوسطي؛ فقد كان عمق الزلزال 5 كيلومترات.

يذكر أنّ المنطقة لديها تاريخ مع الزلازل القوية؛ ففي الشهر الماضي ضرب زلازل بقوة 6.8 درجة ريختر مركزه بلدة سيفرجه بولاية ألازيغ، ما أدّى إلى انهيار بعض المباني وهروع السكان إلى الشوارع، وأسفر عن مقتل 40 شخصاً.

ويعدّ الزلازل الذي ضرب محافظة إزميت القريبة من إسطنبول، عام 1999، والذي بلغت قوته 7.6 درجة ريختر، أكثر الزلازل تدميراً؛ إذ أسفر عن مقتل 17 ألف شخص.

وفي إيران، قال مسؤول للتلفزيون الرسمي: "أُرسلت فرق الإنقاذ إلى المنطقة التي وقع فيها الزلزال، ولم تردنا، إلى الآن، أيّة أنباء عن أضرار أو خسائر في الأرواح في المنطقة، غير المأهولة بالسكان، والتي تقع في إقليم أذربيجان الغرب".

 

للمشاركة:

الصدر في مواجهة البرلمان العراقي..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

هدّد رجل الدين الشيعي، مقتدى الصدر، بتنظيم احتجاجات مليونية أمام مجلس النواب في حال رفض التصويت على حكومة رئيس الوزراء المكلّف، محمد علاوي، الأسبوع المقبل.

ودعم رجل الدين، الذي يحظى بشعبية كبيرة، تعيين علاوي رئيساً للوزراء، رغم رفضه من قبل حركة الاحتجاجات التي كان الصدر قد دفع مناصريه لقمعها ومواجهتها.

وظهر الصدر، الذي عاد إلى العراق، أمس، علناً، خلال زيارته ضريح الإمام علي في النجف حيث يقيم.

مقتدى الصدر يهدّد بتنظيم احتجاجات مليونية في حال رفض التصويت على حكومة علاوي

وكان الزعيم الشيعي قد أمضى الأشهر القليلة الماضية في إيران، لكنّه عاد في رحلة قصيرة إلى النجف، تفقّد خلالها المتظاهرين الذين يطالبون بإصلاحات.

وتمّ تعيين علاوي كمرشح متفق عليه بين الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة، ودعا بدوره البرلمان إلى عقد جلسة طارئة لمنح الثقة لحكومته، الإثنين.

ودعم رئيس الوزراء المستقيل طلب علاوي داعياً مجلس النواب إلى جلسة استثنائية؛ لأنّه في إجازة حالياً.

وقال نائب رئيس البرلمان، حسن كريم الكعبي، المقرب من الصدر، لوسائل إعلام محلية: "خطاب عبد المهدي كان ملزماً".

في المقابل؛ أعلن رئيس البرلمان، محمد حلبوسي؛ أنّ المجلس لم يحدّد موعد الجلسة الاستثنائية، مضيفاً في تصريح متلفز: "يجب أن يكون موقف القوى السياسية واضحاً تجاه الحكومة كما يجب تسليم المنهاج الوزاري قبل يومين من انعقاد الجلسة الاستثنائية".

 وأوضح الحلبوسي؛ أنّه "بعد وصول المنهاج الوزاري يتم تشكيل لجنة نيابية برئاسة أحد نواب رئيس البرلمان لتقييم البرنامج الوزاري".

 

 

للمشاركة:



ثوران البرلمان الإيراني الجديد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

فريد أحمد حسن
لا يهم دول المنطقة من فاز في انتخابات مجلس الشورى الإيراني التي جرت الجمعة الماضية ومن خسر فيها، ولا يهمها تفاصيل ما جرى قبل وأثناء وبعد ذلك اليوم، ولا كيف فاز الفائزون، وكيف تم تخسير الخاسرين، تماماً مثلما أنه لم يهمها قبل ذلك من تأهل لخوض تلك الانتخابات، ومن قرر النظام الإيراني شطب اسمه وحرمانه من الترشح. كل هذا لا يهم هذه الدول. ما يهمها فقط هو أن ينشغلَ الفائزون والنظام الإيراني وأربابه جميعاً بأنفسهم ويخرجوها من رؤوسهم، فبلادهم لا يمكن أن تتقدم ولا يمكن للشعب الإيراني أن يعيش كما ينبغي له أن يعيش إن تركوا مسؤولياتهم وتفرغوا للتدخل في شؤون الآخرين واستمروا في توزيع التصريحات السالبة المليئة بالتهديدات المباشرة وغير المباشرة بكرة وعشياً.

يكفي دول المنطقة أن ينشغل النظام الإيراني بالداخل الإيراني لتشعر بشيء من الأمان والاستقرار، فما يهدد المنطقة ويحرمها من الاستقرار هو أن النظام الإيراني ترك منذ استيلائه على الحكم في إيران الداخل الإيراني وتفرغ للخارج، معتقداً أنه بهذه الطريقة يضمن لنفسه الاستمرار في الحكم.

إيران تعاني اليوم من مشكلات كثيرة، وحري بمسؤوليها أن يعملوا على حلها، وأول خطوات حلها هو توقفهم عن التدخل في شؤون جيرانهم الذين من الطبيعي ألا يقبلوا بالتدخل في شؤونهم الداخلية فلا يتوفر لهم بعد ذلك سوى اعتماد مبدأ الرد على كل ما يستدعي الرد عليه، وهذا يعوق نمو إيران ويتسبب في أذى كثير للمنطقة التي لا يمكن أن تتطور إن لم يتحقق الاستقرار فيها.

أمر آخر يفترض ألا يفوت المسؤولين في النظام الإيراني وأن يضعوه في اعتبارهم هو أن المنطقة لا تتألف من الدول التي تشكل جغرافيتها فقط، فهناك دول تسكن بعيداً لكن لها مصالح هنا لا يمكن التفريط فيها وهي على استعداد دائم للدفاع عنها في كل الأحوال، والأكيد أنها لا تتردد عن القيام بأي عمل كي تضمن مصالحها بما في ذلك الدخول في حرب، ولا يهمها لو اشتعلت المنطقة وتخلفت.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني لا تريد من الذين وصلوا إلى مقاعد مجلس الشورى في إيران ومن سائر مسؤولي النظام الإيراني وأربابه سوى أمر واحد وهو أن يتركوا أحلامهم التي لا يمكن منطقاً وواقعاً أن تتحقق وأن يتفرغوا لبناء الداخل الذي أوله إخراج الشعب الإيراني من حالة الفقر والفاقة التي صار فيها منذ الساعة التي اختطف فيها الملالي ثورته وأن يتركوا عنهم تصرفات المراهقين التي تأكد أنها لم تسفر بعد أربعين سنة من تحرير شبر واحد من أرض فلسطين.

شعوب المنطقة ومنها الشعب الإيراني كلها تعرف أن شيئا في إيران لن يتغير لا من خلال مجلس الشورى الجديد ولا من خلال أي مجلس آخر، فأرباب النظام الإيراني مسيطرون على كل شيء في هذا البلد ولا يمكن أن يسمحوا لا لأعضاء هذا المجلس ولا لغيرهم أن يحدثوا أي تغيير في سياسة إيران ومواقفها، لكن هذا لا يعني فقدان الأمل، فهناك من الإيرانيين من يعمل في الداخل وفي الخارج على إحداث تغيير يرغم أرباب النظام على تبديل سياستهم قبل أن يفوت الفوت فلا يسمع صوتهم أحد.

ربما كان من بين الذين فازوا بمقاعد البرلمان في إيران من يدرك كل هذه الأمور ويمتلك القدرة على إحداث تغيير ما في سياسة ومواقف النظام الإيراني وأربابه تنقذه من السقوط وترمم علاقته بجيرانه، فلا سبيل لتحقيق أية مكاسب للشعب الإيراني إن استمر النظام الإيراني في استراتيجيته وفي برامجه وأنشطته العدائية، واستمر في التدخل في شؤون جيرانه وتهديدهم بمناسبة ومن غير مناسبة.

عن " الوطن البحرينية"

للمشاركة:

القضية الفلسطينية بين الاستغلال والابتزاز

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-23

رضوان السيد

مرَّ مشروع «صفقة القرن» الذي طرحه الرئيس ترامب، من دون رفض قاطعٍ من الجهات الدولية والدول الكبرى، وباعتراضات من جانب الجهات العربية والإسلامية، إنّ أهمَّ أسباب الرفض من جانب السلطة الفلسطينية، أنّ المشروع مخالف للقرارات الدولية، والواقع أنّ المشروع ما بقي فيه من القرارات الدولية غير أمرين: القول بالدولة المستقلة للفلسطينيين، وعدم تعريض السكان الفلسطينيين للانتقال أو التهجير، وفيما عدا ذلك، مثل الحدود والقدس والأمن واللاجئين والمستوطنات، هناك تجاهُل للقرارات الدولية، فقد تقزمت القضية لتصبح تذاكياً في تقسيم الأرض والعقارات، وما عاد الأمر أمر حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.
ونعود هنا إلى ردود الأفعال العربية والإسلامية، جماعاتٍ ودولاً وأفراداً، كانت هناك وجهة النظر التي تقول بقبول التفاوض، لأن انقطاع التفاوض لعشر سنوات رفضاً للمستوطنات، ما أفاد الفلسطينيين شيئاً، ويمكن لهم خلال التفاوض قبول هذا التفصيل أو ذاك أو رفضه، بل والشكوى للجنة الرباعية الدولية مثَلاً، إن لم يكن مسموحاً بالشكوى لغيرها، أما وجهة النظر الأخرى فترفض التفاوض كما رفضت المشروع، وترى أنّ قبوله قبول للمشروع وخضوعٌ لشروطه، وعادت السلطة الفلسطينية للدعوة لمؤتمر دولي، لكن لم تكن لذلك استجاباتٌ ملموسة، ولا نتائج لاجتماع مجلس الأمن.
وقد دفع ذلك كله عديدين للتفكير بأنه من الأجدى والأكثر إحراجاً لإسرائيل وللإدارة الأميركية، الإقدام على حلّ السلطة الفلسطينية، لتعود مناطق السلطة مناطق محتلة من جانب إسرائيل، وتخضع لإشراف المؤسسات الدولية، والتفكير على هذا النحو، على خطورته، له عدة أسبابٍ سبقت صفة ترامب، أولها الضيق المادي الذي نزل بالحكومة الفلسطينية، نتيجة إلغاء كل الدعم الأميركي، واحتجاز أموال السلطة من جانب إسرائيل، والسبب الثاني تراجع الدعم السياسي والمادي للسلطة الفلسطينية من جانب جهات عدة دولية وإقليمية، والسبب الثالث تفاقُمُ الانقسام بين السلطة و«حماس» في غزة، وإقبال إسرائيل على اللعب مع «حماس» بتوسط قطر وتركيا، والسبب الرابع عدم قدرة السلطة على تحمل مسؤولياتها السياسية والأمنية أو المادية تجاه الشعب الفلسطيني، وهذا الحل أو الخيار الثالث في زمن اللا حل، يرى فيه البعض شجاعةً تأبى استمرار الخضوع للأوهام، بعد أن انتهت أوسلو من زمان، وصارت السلطة بكل أجهزتها تعمل لتصبير الفلسطينيين على الاحتلال، بينما رأى بعض في هذا الخيار جبناً وتراجُعاً، لأنّ الفلسطينيين وبمساعدات دولية وعربية كثيفة، أقاموا هياكل جيدة وجهازاً للشرطة والأمن، وكل ذلك لدولة المستقبل.
ولنلتفت إلى النقاش العربي الداخلي، الذي دار على خلفيات سياسية أو أيديولوجية، وكان بالفعل وما يزال كلام سفاهة وابتزاز ومعذرة للنفس، من خلال إهانة الآخر أو اتهامه بما ليس فيه! أولى الجهات التي افتتحت هذه الجبهة المعتمة، هي دولٌ وتنظيماتٌ بحجة أنّ الدول العربية الأخرى تهاونت أمام أميركا وإسرائيل، والواقع أنّ أهل التعيير هؤلاء هم الأحسن علاقةً بإسرائيل وأميركا، أما «حماس» التي تفيد من ذلك، فانضمّت إلى موقف أبو مازن الرافض، لكنها مقيدة تجاه داعميها في السنوات الماضية، لذلك دخلت في حملات التعيير والابتزاز، وإنْ ليس بشكلٍ مباشر، بل من خلال محسوبين عليها من الكتّاب، أو من جماعات الإسلام السياسي.
وهكذا نشبت حروب وهمية، شاركت فيها عشرات المحسوبين على اليسار والقوميين و«الإخوان».. ومعظم ما كان له نشاط معروف تجاه القضية الفلسطينية، إنّ الشتائم المقذعة لا تحرّر فلسطين، وهو شأن جماعات الإسلام السياسي والمقاومات التي قتلت في سوريا والعراق ولبنان واليمن وليبيا عشرة أضعاف من قتلتهم إسرائيل على كل الجبهات وفي كل الأزمنة: والنار تأكل بعضها إن لم تجد ما تأكله.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

الجهاديون العائدون.. خطر من نوع جديد

2020-02-23

ترجمة: علي نوار


تمثّل عودة الجهاديين الذين قاتلوا في صفوف تنظيم داعش في دول مثل؛ سوريا والعراق، وفي الكثير من الأحيان برفقة أسرهم، "تحدّياً على جميع الأصعدة بالنسبة للمجتمع"، حسبما أكّد كارلوس إتشبريا الباحث في الجامعة الوطنية الإسبانية للتعليم عن بعد.

اقرأ أيضاً: هل يبقى ملف "الإرهابيين العائدين" ساحة للمناكفات السياسية؟
وأوضح إتشبريا أنّه عند التطرّق لملف "المقاتلين العائدين" ينبغي الأخذ في الحسبان هؤلاء الرجال والنساء الذين انخرطوا في الحرب وأبناؤهم الذين يعودون برفقة ذويهم إلى أوروبا.

أطفال مؤهّلون عسكرياً

نعم هم أطفال لكنّهم تمرّسوا في ساحات القتال لدرجة أنّ التنظيم أطلق عليهم تسمية "أشبال الخلافة"، وقد حصلوا على تدريب عسكري ودُفع بهم في المعارك عندما كان عمرهم بالكاد تسعة أعوام.

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي

وقال الباحث "كان مشروعاً يتمتّع ببريق للأسف" في أعين آلاف المسلمين الذين كوّنوا أسراً في الأراضي التي كان يحتلّها تنظيم داعش، وهي أراض لا تزال مناطق حرب، ما تسبّب في عودة الكثير من هؤلاء الأشخاص.

وأشار الباحث، الذي وضع تقرير "المقاتل العائد"، إلى أنّ عودة العائلات كانت تحمل في طيّاتها تحدّيات كبيرة على مستويات مثل؛ التعليم والصحة وعلم النفس الاجتماعي، وينبغي على الحكومات التعامل معها بجدّية.

كما لفت إتشبريا الانتباه إلى أنّ إسبانيا جاءت على رأس دول الاتحاد الأوروبي من حيث أعداد المقبوض عليهم خلال العقد الماضي والذين وجّهت لهم تهم الإرهاب الجهادي، رغم أنّ الأرقام "منخفضة للغاية" فيما يتعلّق بالعائدين مقارنة بدول مثل فرنسا أو المغرب.

بيد أنّه عاد ليبرز الأهمية الرمزية لأراضي الأندلس، التي تشمل إسبانيا والبرتغال وجنوب فرنسا، وهو ما يعني تزايد التهديد إزاء عودة الأشخاص المتطرّفين، لذا حذّر من "التلاعب الدعائي" و"الترويج للأساطير" حول الأندلس بين مسلمي إسبانيا.

بالمثل، سلّط إتشبريا الضوء على المشكلة "المقلقة" الكامنة في الأطفال العائدين، معتبراً أنّه من الضروري فتح نقاش في هذا الشأن؛ لأنّ هؤلاء القصر ينبغي أن يلتحقوا بالمؤسسات التعليمية وتجرى معاملتهم "بشكل خاص" كي يتمكّنوا من الاندماج في المجتمع.
كذلك دقّ الخبير ناقوس الخطر حيال وضع المسلمين في سجون الدول الأوروبية لافتاً النظر إلى أنّ الموقف "سيئ جداً" لا سيما في فرنسا والمغرب؛ لأنّ السجناء هم في الواقع "أشخاص يتّصفون بالضعف" وبالتالي تجد "الأيدولوجيا الجهادية السلفية الخبيثة موطئ قدم لها ويعتقد أتباعها أنّهم وجدوا فيها بلسماً".

اقرأ أيضاً: هل تنجح المقاربة الأمنية المغربية في إدماج العائدين من داعش؟
من جانبه، شدّد سرخيو جارثيا ماجارينيو على أهمية "استكشاف آليات السقوط في فخ الأصولية العنيفة بحيث يمكن استيعابها ووضع استراتيجيات لمكافحتها لا سيما مع تصاعد خطر المقاتلين العائدين" من سوريا والعراق.

لكنْ هناك تساؤل يطفو على السطح ها هنا ألا وهو: كيف نجا جهاديو "داعش" في الصحراء؟

شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها

لا تزال هناك مساحات واسعة من الصحراء السورية-العراقية يجرى فيها تحصيل الضرائب وعمليات الابتزاز والاستيلاء على الأراضي بل والحصول على نوع من التضامن.

صحيح أنّ عناصر التنظيم لم يعد بوسعهم الظهور علانية خلال ساعات النهار، إلّا أنّ الليل لا يزال ملكاً لهم؛ لا يحكمون أي مدن بعد وليس لديهم دولة، لكن لديهم مساحات واسعة من الصحراء الواقعة على جانبي الحدود السورية-العراقية حيث يمارسون أنشطتهم المعهودة.

لا تصلح صحراء الأنبار في العراق ومنطقة دير الزور السورية، حيث عاود عناصر "داعش" اكتساب نفوذهم من جديد، سوى لحياة العقارب. ضباع، ثعالب، ذئاب، أفاعي، قصف تركي، مرتزقة إسلامويون يعملون لحساب تركيا، جيوش نظامية، وقتلة من "داعش" مختلطين بأبناء المنطقة. كل ما في هذا المكان يسعى بشكل حثيث لقتلك. وهنا تحديداً حيث تمكّن الجهاديون من الانتصار في معركة البقاء بفضل حالة الفوضى العسكرية والإنسانية التي نجمت عن التدخّل التركي في الأراضي الشمالية والشرقية من سوريا التي تتمتّع بالحكم الذاتي والمعروفة باسم "روجافا". لم يعد "داعش" لأنّه لم يختف من الوجود بالأساس.

الاندساس بين صفوف العدو

عندما وصل المقاتلون الأكراد ضمن "وحدات حماية سنجار" نهاية تموز (يوليو) الماضي إلى أحد النقاط الواقعة في أقصى شرق جبل سنجار بالعراق، حيث كانت ترقد جثث أربعة جهاديين كانوا قد انتهوا للتو من قتلهم فيما يشبه مهمة صيد لكن للبشر، نظروا إلى بعضهم البعض في حيرة مطبقة. كان عدد من قتلة "داعش" الذين مزّقتهم الميليشيات شبه العسكرية الإيزيدية إرباً بالرصاص، يرتدون في أقدامهم أحذية عسكرية تشبه بالضبط تلك التي يستخدمونها هم أيضاً.

ومن بين التفسيرات، ربما ليس الأكثر جنوناً، لهذا الأمر هو أنّ عناصر التنظيم الإرهابي نجحوا بطريقة أو بأخرى في التسلل بين سكان القرى في المنطقة الصغيرة الواقعة قرب حدود روجافا شمالي سوريا والتي تسيطر عليها "وحدات حماية سنجار"، التي شكّلها أكراد تركيا من حزب العمال الكردستاني لمساندة الإيزيديين العراقيين في حربهم ضد تنظيم داعش. لوهلة قد يبدو اختراق بعض الجهاديين للخطوط التي وضعها الأكراد والتسلّل بين صفوفهم شيئاً عصياً على الاستيعاب، لكنّه أصبح واقعاً.

يدفع التنظيم المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية

ومنذ ظهور هذا الاحتمال، شرعت أجهزة الاستخبارات التابعة لـ "وحدات حماية سنجار" في استجواب عدد من العرب الذين يعملون لحسابهم في بناء شبكة من الأنفاق الدفاعية. لكنّ النقطة الأكثر مدعاة للقلق في كل ذلك هو أنّ هؤلاء الذين خضعوا للاستجواب كانت لديهم صلاحية الوصول إلى المتفجّرات التي استخدمت في شقّ الأنفاق التي حفرها حزب العمال الكردستاني لحماية عناصره من القصف التركي.

لم يتسنَّ التحقّق مما إذا كان الجهاديون الذين تم القضاء عليهم أو السبعة أو الثمانية الآخرون الذين لاذوا بالفرار، على علاقة بالعمال الذين يتقاضون أجراً من الأكراد، إلّا أنّ التوصّل لهذا الاكتشاف جاء ليؤكّد من جديد ما كان الجميع يعلمه بالفعل في العراق وسوريا: لم تنته خلافة "داعش" المزعومة ولا سيطرتها على الأراضي؛ لأنّ التنظيم يحمل جينات أفعى ويستطيع التحوّر كجرثومة. حدث ذلك من قبل مع تنظيم القاعدة. لا زلنا بصدد الفصل قبل الأخير.

التملّص من الـ"درونز" والمداهمات

كيف نجح مقاتلو التنظيم الإرهابي في تلافي مقابلة الجيوش النظامية والميليشيات شبه العسكرية التي تبحث عنهم للقضاء عليهم وما الذي يعنيه مصطلح "خلية نائمة"؟ والأخطر من ذلك؛ هل بوسع الجهاديين الأوروبيين البقاء على قيد الحياة والنجاة من حصار قوات التحالف الدولي و"قوات سوريا الديمقراطية" رغم الطائرات بدون طيار "درونز" وآلاف من نقاط التفتيش وعمليات المداهمة؟ يكشف أحد قيادات حزب العمال الكردستاني في العراق "نعم بوسعهم ذلك، لكن الأمر يعتمد على القدرات التي يتمتّع بها كل فرد، نجح بعض المقاتلين الأجانب في ذلك، أما المحليين فتقابلهم صعوبات عديدة".

الهدف من إعانات داعش لأرامل وأيتام التنيظيم واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين

ويوضّح المقاتل الكردي "هناك منطقة واسعة في الأنبار، بمحيط مدينة الرمادي العراقية وقطاع بطول 200 كلم جنوبي جبال سنجار العراقية، على جانبي الحدود السورية، حيث توجد قرى صغيرة للرعاة العرب وصحراء جرداء يصعب للغاية السيطرة عليها".
وفي نفس المنطقة بسنجار، يوجد عدة أشخاص انخرط ذووهم في صفوف تنظيم داعش وتعاون بعضهم بشكل مباشر مع التنظيم الإرهابي. لم يتعرّض هؤلاء للمحاكمة باعتبار أنّهم لم يشاركوا في أعمال عنف، فضلاً عن أنّ البعض فعل ذلك مضطراً بسبب الظروف المحيطة؛ لأنّه إذا تقرّر محاكمة كل من انتمى لـ"داعش" بأي صورة فستكون هناك حاجة لبناء سجن بمساحة دولة مثل هولندا أو الدنمارك. بل أنّ هناك عرباً من "وحدات حماية سنجار" قاتل أقرباؤهم في صفوف التنظيم.

الاختباء بين الصخور

بالتالي لا يسهل معرفة ما إذا كان المزارعون العرب السنّة يكنّون مشاعر التعاطف مع عناصر "داعش" أم لا، ولا حتى في المناطق التي يتواجد بها التحالف الدولي عسكرياً، كما أنّ هناك عدداً من القرى في الصحراء خارج نطاق الإدارات التي تتنافس على السيطرة على هذا القطاع الحدودي.

يقول أحد المقاتلين الغربيين المتطوعين في المنطقة "نعرف أنّهم يستطيعون الاختباء لأيام بلا طعام وبلا ماء تقريباً، عندما نستعدّ لشن هجوم. لكن لا يمكنهم الاستمرار على هذا النحو لأشهر بدون مساعدة من المزارعين العرب طوال الوقت الذي يقضونه في الظل حتى يقرّروا العودة لنشاطهم ويدخلون روجافا أو سنجار أو مدينة عراقية كي يفجّروا أنفسهم".

اقرأ أيضاً: كيف تتعامل الرباط مع العائدين من 'داعش'؟

والحقيقة أنّ هناك أدلة على تقديم السكان المحليين للدعم اللوجيستي إلى مقاتلي "داعش" تحت وقع التهديد. ويوضّح ضابط كردي في "قوات سوريا الديمقراطية" أنّ عناصر التنظيم "خسروا جزءاً من تعاطف المحليين، لكن هؤلاء يسهل للغاية الضغط عليهم؛ لأنّهم يعلمون أنّ ما من جيش أو إدارة بوسعها توفير الأمن لهم. لذا يضطرّ بعض المزارعين لتقديم أحد أبنائهم إلى "داعش"، في نوع من الابتزاز يشبه ذلك الذي تقوم به عصابات الجريمة المنظمة. ويتابع الضابط "إذا نجح بعض الأوروبيين في النجاة دون أن يُكشف أمر كونهم أجانب، فإنّ ذلك سببه تمكّنهم من الاختباء بمساعدة جهاديين آخرين من المنطقة. ويشير خوف المحلّيين إلى أنّ بوسع الإرهابيين الادعاء بأنّهم رعاة بسطاء أو مزارعين قبل أن ينفّذوا هجوماً انتحارياً".

وقبل أيام نشر "مركز روجافا للمعلومات" تقريراً يؤكّد ببيانات دقيقة ارتفاع معدّل هجمات "داعش" في منطقة "روجافا" بعد التدخّل التركي مؤخّراً. وأورد التقرير أنّه "خلال أيلول/سبتمبر الماضي وبينما كان لا يزال وقف إطلاق النار سارياً كان معدّل الهجمات منخفضاً. لكنّ المعدّل ارتفع مجدّداً في أعقاب التدخّل التركي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، لأنّ "داعش" ينشط في وقت غياب الاستقرار. وفي كانون الأول/ديسمبر من العام الماضي، تراجعت وتيرة العمليات المضادة لـ"داعش" لمستوى أدنى بكثير مقارنة بنفس الشهر من عام 2018 وأدّى ذلك لإهدار جانب كبير من التقدّم والاستقرار الذي كان قد تم إحرازهما على مدار العام المنصرم. وعاد التنظيم الإرهابي لاسترداد قواه".

المناطق الريفية من دير الزور

يتشابه نمط عمل "داعش" في العراق مع أسلوبه في سوريا، مع فارق أنّ التنظيم الجهادي نجح في تعزيز مواقعه بالمناطق الريفية على الأراضي السورية وتحديداً في محيط دير الزور. وقد أظهرت وثيقة أعدّها "مركز روجافا للمعلومات" بشكل تفصيلي كيف يتّبع "داعش" نمطاً أشبه بالأرجوحة في شنّ عملياته بهدف تشديد الخناق على المدينة بعد استجماع قواه. وفي الأرياف ومحيط دير الزور الواقعة على ضفة نهر الفرات، 450 كلم شمال شرقي العاصمة السورية دمشق، يعيد "داعش" ترتيب أوراقه وحشد قواه إثر تغيير تكتيكاته والارتداد للجذور بالعمل بأسلوب حرب العصابات وهي الطريقة التي حقّق بها نجاحات كبيرة إثر الغزو الأمريكي للعراق عام 2003. اضرب وفرّ وانشر الخوف والفزع وانتظر اللحظة المناسبة.

يقول أحد الباحثين في "مركز روجافا للمعلومات" ومقرّه مدينة القامشلي بسوريا "يقتحمون القرى والمدن الصغيرة تحت ستار الليل بل إنّهم ما زالوا يمارسون جباية الضرائب في بعض المدن. أما خلال ساعات النهار فإنّهم يختبئون في المناطق القاحلة غير المأهولة. أغلب الجهاديين الذي تلقي قوات "تحالف سوريا الديمقراطية" القبض عليهم هم من المحليين، رغم أنّه في بعض الأحيان، على الأقل حتى نهاية العام الماضي، كان يجرى اعتقال بعض العراقيين بل والغربيين من دول مثل بلجيكا. ومن بين قيادات التنظيم التي سقطت في أيدي التحالف مؤخّراً يبرز قائد عمليات تهريب النفط في المنطقة، ما يقدّم صورة عن كيفية حصول التنظيم على التمويل وكيف لا يزال محتفظاً بقوامه نسبياً إلى الآن".

بعبارة أخرى، لا يعني عدم القدرة على شنّ ضربات منظّمة ذات وقع قوي رداً على التدّخل التركي، حتى رغم العمليات الفردية والكثير من الهراء، تعرّضهم للهزيمة مثلما تم الادعاء العام الماضي. ويضيف الباحث "في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وعقب التدخّل التركي في شمال سوريا، هدّد الجهاديون بمهاجمة مخيم الهول حيث يُحتجز الكثير منهم، لكن لسبب ما لم تُنفّذ العملية. بينما يصل عدد ليس صغيراً من الأفراد باستمرار إلى إدلب. وهم مزيج بين الخلايا النائمة والمهرّبين الذين يحقّقون مكاسب لا حصر لها من تهريب أي شيء يخطر على البال".

في دير الزور، يحصل الجهاديون على دعم ملحوظ من جانب السكان الذين يعيشون في كبرى مدن شرق سوريا وحيث يقطنها 211 ألف نسمة. بالطبع يتعاون المحلّيون أيضاً مع تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" خصوصاً في الهجمات التي تعتمد بنسبة كبيرة على المعلومات التي تقدّمها الاستخبارات المحلية. وبالفعل بدأ "داعش" في شن حملة ضد المتعاونين الذين يعملون لصالح الإدارة المحلية الكردية. ويستهدف الجهاديون تحديداً المتعاونين مع "قوات سوريا الديمقراطية" رغم أنّ ذلك لم يمنعهم من قتل كبار السن والمعلّمين. وجرت عشرات من وقائع القتل من هذا النوع خلال الأشهر الأخيرة.

ورداً على ذلك، يشنّ تحالف "قوات سوريا الديمقراطية" أيضاً من جانبه عملية بين الحين والآخر في محافظة دير الزور كما يعمل على تجنيد المزيد من العرب سواء في المهام العسكرية أو حتى التطوّع كمدنيين.

على صعيد آخر، فإنّ وجود المعقل الأساسي للتنظيم في المناطق الريفية من دير الزور لا يعني أنّه لا وجود له في مناطق أخرى تخضع بالكامل لسيطرة الحكومة التي يقودها الأكراد وكذلك في مدن أخرى تقع في الشرق مثل الرقة حيث لا يزال هناك مؤيدون لـ "داعش" بها، كما أنّ التنظيم له حضور أيضاً في القامشلي عاصمة الإدارة الكردية "روجافا" وحيث توجد عائلات كثيرة لا تتورّع عن إخفاء تعاطفها العلني مع تنظيم "جبهة النصرة" الإرهابي.

وإجمالاً شهدت سوريا وحدها العام الماضي 906 هجوم نفّذتها خلايا نائمة، أعلن تنظيم داعش مسؤوليته عن 683 منها. ويقدّر عدد ضحايا هذه الاعتداءات بـ406 قتيلاً، فيما أمكن القبض على 581 عنصراً إرهابياً.

نقاط تفتيش زائفة

بالمثل، تسبّب التدخّل التركي في دفع تنظيم "داعش" المعدّل للدخول في مواجهة مفتوحة أكثر، لا سيما في دير الزور، وكذلك في الحسكة حيث يتعرّض عدد من التجّار والمحلّيين للابتزاز في وضح النهار حالياً. أما في العراق، فقد ذهب التنظيم في نسخته الجديدة لما هو أبعد من ذلك وبات يحصل على المال عن طريق سرقة السيارات بعد نصبه نقاط تفتيش زائفة يرتدي فيها عناصر التنظيم الزي الخاص بعناصر ميليشيات "الحشد الشعبي" وهو تحالف من عدة ميليشيات. وبعد سرقة سياراتهم، يُعثر على ركّابها قتلى في أغلب الأحوال.

يمتلك تنظيم داعش أيضاً طريقة ما لنقل الأسلحة والأموال وأي شيء حرفياً عبر الحدود. وسواء في العراق أو سوريا، لا يزال التنظيم يدفع المال لأرامل وأيتام المقاتلين الذين لقوا مصرعهم، وهو ما يعني أنّ الإرهابيين لا تزال لديهم قدرات مالية. والهدف من هذه الإعانات بالطبع واضح للغاية ألا وهو ضمان ولاء الجيل الجديد من الإرهابيين.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:

ttps://bit.ly/3bSMato ، https://bit.ly/38TKAWu

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية