الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف

الحركات الجهادية في إفريقيا... تحالف وتقاتل وعنف
8110
عدد القراءات

2018-12-13

ترجمة: علي نوار


قبل ما يقرب من عام؛ انفجرت عربة مفخخة تحمل طنّين من المتفجرات، في قلب العاصمة الصومالية، مقديشيو، لتودي بحياة 600 شخص؛ ويصبح هذا الحادث هو ثاني أكثر الهجمات دموية في تاريخ الإرهاب الحديث، نظراً إلى ضخامة عدد القتلى، الذي يصل لثلاثة أضعاف ضحايا هجمات 11 آذار (مارس) 2004 في مدريد، وهجمات بالي، و10 أضعاف ضحايا هجمات 7 تموز (يوليو) 2005 الإرهابية.

هذا الحادث هو ثاني أكثر الهجمات دموية في تاريخ الإرهاب الحديث، نظراً إلى ضخامة عدد القتلى

تقدّم هذه الاعتداءات لمحة عن تصاعد وتيرة العنف الذي يشهده، ليس الصومال فحسب؛ بل القارة الإفريقية بالكامل. فقد شهد العام الماضي مقتل 10 آلاف شخص، جرّاء هجمات جهادية، ورغم أنّ الرقم بعيد للغاية عن ذلك الذي شهده عام 2015، بمصرع 18 ألف شخص، إلّا أنّ الظاهرة لا تتوقّف عن التمدّد: فخلال الفترة بين عامي 2010 و2017، ارتفع عدد الدول التي توجد بها منظمات جهادية إلى الضعف، بينما قفزت معدلات الهجمات بنسبة 300%.
ويقول سرخيو ألتونا، الباحث في برنامج الإرهاب العالمي بمعهد "إلكانو" الملكي الإسباني: "رقعة التهديد تتسع، ويحظى تنظيم القاعدة حالياً بعدد من المقاتلين، يفوق أيّ وقت مضى داخل إفريقيا، ولديه وجود في دول كثيرة، كان الاعتقاد السائد دائماً أنّها لن تتعرّض لهذا النوع من التهديد، وظهرت بؤر جهادية جديدة في كلّ من؛ موريتانيا، وكينيا، وبوركينا فاسو، بقوة كبيرة، أما النيجر التي كان هناك وجود بسيط للجهاديين في المنطقة الجنوبية الشرقية منها، فقد أصبحت هذه المنطقة شديدة الخطورة".

أبو بكر شيكاو، في فيديو عام 2016. (رويترز)
وبحسب التقرير السنوي حول الإرهاب؛ الذي تصدره وزارة الخارجية الأمريكية، والذي نشر في أوائل تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ فإنّه "على الرغم من تكثيف الدول الإفريقية لجهودها الهادفة لوضع حلول لمكافحة الإرهاب في المنطقة، إلّا أنّها ما تزال تقاتل من أجل احتواء توسّع الجماعات الإرهابية، التي نفذّت بالفعل هجمات وأعمال أخرى في 2017"، وبينما كان العالم منشغلاً بالعراق وسوريا، ويحتفل بالقضاء على آخر معاقل تنظيم داعش، كانت الحركات الجهادية تنتشر في أنحاء إفريقيا كالسرطان.

اقرأ أيضاً: الأعداد التقديرية للمقاتلين في الخلايا التابعة لداعش في إفريقيا
قال ألتونا لصحيفة "الكونفدنسيال" الإسبانية: "هناك أسباب مختلفة؛  منها غياب الفرص التعليمية والاقتصادية، إضافة إلى الحكم غير الرشيد حيث إنّ الكثير من هذه الدول تحكمها أنظمة استبدادية؛ إذ يحدث تركيز شديدة للسلطة، فسلطة الدولة لا تتجاوز المدن الحضرية الكبرى، ويتلاشى خارجها، ما يسهم في السعي نحو انضمام جزء من الشعب، محدود، لكنّه واضح، إلى هذا النوع من الجماعات الإرهابية".
خلافات عائلية في بوكو حرام
تعدّ الأحداث التي أحاطت بجماعة (بوكو حرام) مؤخراً خريطة واضحة لكيفية تطور الحركات الجهادية في قارة إفريقيا، فقد تأسّست الجماعة عام 2002، في مدينة مايدوجوري النيجيرية، على يد رجل دين ذي شعبية جارفة؛ هو محمد يوسف وكانت جماعة دينية في البداية، قبل أن تتّجه نحو الأصولية، وتبدأ في استخدام العنف ضدّ هؤلاء الذين رفضوا تبني تأويلها المفرط في التطرّف للإسلام، وبعد إعدام يوسف على الملأ من جانب الشرطة النيجيرية، عام 2009، دخل أتباعه في مرحلة دموية أفرزت فظائع وحشية وضعت الجماعة تحت أنظار المجتمع الدولي.

اقرأ أيضاً: نيجيريا تخفق في هزيمة بوكو حرام .. وهذه هي الأسباب
واشتهر أبو بكر شيكاو، خليفة يوسف، بالمذابح الجماعية في شمال نيجيريا والدول المجاورة، واستخدام الأطفال في الاعتداءات الانتحارية، واختطاف القصّر من مدارسهم، واتجه للتفكير في الانضمام إلى تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، بل ووصل الأمر لدرجة إرسال بعض أعضاء "بوكو حرام" إلى الجزائر، من أجل الحصول على التدريب، بيد أنّ هذه المبادرة لم تثمر، وفي 2015؛ أعلن شيكاو الولاء لتنظيم داعش، وغيّر اسم جماعته إلى ولاية غرب إفريقيا، التابعة لـداعش، إلا أنّ قيادات الأخير انتبهوا سريعاً إلى أنّ النيجيري لم يكن يسعى سوى إلى بثّ الإرهاب بغرض الإرهاب، لا السيطرة على الأراضي.

سرخيو ألتونا: رقعة التهديد تتسع، ويحظى تنظيم القاعدة حالياً بعدد من المقاتلين، يفوق أيّ وقت مضى داخل إفريقيا

لذلك، قرّر تنظيم داعش، في 2016 تعيين قيادي آخر لتمثيل بوكو حرام في هذه المنطقة من إفريقيا، ووقع الاختيار على "أبو مصعب البرناوي" ابن محمد يوسف، ما أدّى لوجود حركتين؛ الأولى هي (ولاية غرب إفريقيا) بزعامة البرناوي؛ الذي يعتقد أنّ تحت إمرته ثلاثة آلاف و500 مقاتل، ما يجعلها أكبر فصيل تابع لـداعش، على مستوى العالم، وقد أصبح فرعاً رسمياً من التنظيم الجهادي في شمال غرب القارة، بينما يطلق الجميع على الحركة التي يقودها شيكاو، والذي ما يزال تحت قيادته ألف و500 رجل، الاسم القديم (بوكو حرام)، ورغم اتجاه الأخيرة للعنف العشوائي واسع النطاق، إلا أنّ (ولاية غرب إفريقيا) استفاد بصورة كبيرة من خبرة الجهاديين المخضرمين من دول أخرى، الذين درّبوا عناصره على تكتيكات مثل زرع القنابل منزلية الصنع على الطرقات.
ونظراً إلى موقعها الإستراتيجي؛ تعدّ نيجيريا أكثر مناطق النزاع سخونة على مستوى القارة، ويؤكّد جنرال سابق، كان قائداً للقوات الأمريكية في إفريقيا (أفريكوم)؛ أنّه "إذا سقطت نيجيريا، فإنّ هذا من شأنه أن يخلق ثقباً هائلاً، قد يبتلع ستّ أو سبع دول أخرى"، في تصريحات أوردتها صحيفة "إيكونوميست"، لكنّ نيجيريا ليست البؤرة الوحيدة التي تبعث على القلق.

اشتهر شيكاو بالمذابح الجماعية بشمال نيجيريا والدول المجاورة واستخدام الأطفال في الاعتداءات الانتحارية، واختطاف القصّر من مدارسهم

ويتابع الخبراء، بقلق، كيفية اتجاه الكثير من هذه الجماعات نحو عقد تحالفات جهادية، تكبر بمرور الوقت، وبشكل مستمر، كما حدث على سبيل المثال في الصحراء الكبرى؛ حيث ظهرت بنهاية الشتاء الماضي، ما يطلق عليه اسم "جماعة نصرة الإسلام والمسلمين"؛ عن طريق اندماج عدة حركات سلفية جهادية هي "أنصار الدين" الطوارقية، و"جبهة تحرير ماسينا"، و"المرابطون"، التي ولدت بدورها إثر الاتحاد بين "جماعة التوحيد والجهاد، غرب إفريقيا، وفرع القاعدة في المغرب الإسلامي بالصحراء الكبرى، ورغم أنّ التركيبة الداخلية في هذا الاندماج موضع تساؤلات، إلا أنّ تنظيم القاعدة يعدّه فرعاً له في الساحل، بعد مبايعة أيمن الظواهري، خليفة مؤسس وزعيم القاعدة الراحل، أسامة بن لادن، خاصة أنّ التنظيم الجديد يسيطر على مساحات لا بأس بها من الأراضي.

هيمنة "الشباب"
هناك سيناريوهات أخرى قائمة، من بينها التفتّت؛ وهو ما ينطبق، على سبيل المثال، في حالة مصر؛ حيث أدّى ظهور فرع لتنظيم داعش، إلى أن تُطل عدة حركات، مختلفة ومتقاتلة فيما بينها، برأسها، خلافاً لما هو حادث في منطقة القرن الإفريقي؛ حيث تتوارى الجماعات حديثة العهد أمام هيمنة جماعة "الشباب".

اقرأ أيضاً: وزير مغربي يكشف عدد إرهابيي داعش والقاعدة في إفريقيا
وأورد التقرير السنوي لوزارة الخارجية الأمريكية ما يلي: "نجحت جماعة الشباب في الاحتفاظ بقاعدة انطلاق آمنة، فضلاً عن عمليات التجنيد والسيطرة على الموارد والهيمنة الفعلية على مناطق شاسعة من الصومال؛ حيث تتحرّك بحريّة تامّة"، لكنّ العامل الأكثر مدعاة للقلق هو امتداد الجماعة إلى دول الجوار، مثل: أوغندا وكينيا، وبلدان أخرى إلى الجنوب من الصومال، ويذكر تقرير "المجموعة العالمية للأزمة"، حول هذه المنظمة: أنّه "رغم خسارتها أراضيَ في الصومال وتراجع قدرتها على التجنيد في كينيا، تحت وطأة ضغط السلطات، إلّا أنّ "الشباب" أدركت كيف تتأقلم، عن طريق إيجاد مناطق عمليات جديدة، علاوة على إجراء اتصالات مع عسكريين في جنوب تنزانيا وشمال موزمبيق"، لكن ليس واضحاً ما إذا كانت هناك علاقة بين "الشباب"، وظهور حركة جديدة في موزمبيق، تحمل اسم "أنصار السنّة" أو "سنة سواحيلي" التي تقارع سلطات موزمبيق حيث لا وجود يذكر للمسلمين.

اقرأ أيضاً: القاعدة تهدد باستهداف المصالح الغربية في إفريقيا
ويقارن الجنرال، مارك هيكس، قائد القوات الخاصة الأمريكية في إفريقيا، الوضع الراهن بصعود حركة طالبان بأفغانستان، خلال حقبة التسعينيات؛ حيث قال: "ما يزال في طور البدء، ويمكن التعامل معه مقابل ثمن غير فادح من حيث الدماء والأموال"، وذلك أثناء مقابلة أجرتها معه صحيفة "إيكونوميست"، وأوضح خلالها؛ أنّ الوضع قد لا يستمر على الأرجح بهذه الحالة لوقت طويل، وقد أعدّت "أفريكوم" بالفعل، تقريراً في تشرين الأول (أكتوبر) 2017، حلّلت فيه ما الذي قد يحدث إذا امتدّ نفوذ هذه الجماعات إلى ليبيا، وإقليم الساحل، وبحيرة تشاد، أو حتى إن اتّجهت لإبرام التحالفات فيما بينها.

اقرأ أيضاً: الأمم المتحدة تحذّر: داعش يتمركز في إفريقيا
ويتكهّن التحليل بالسيناريوهات المتوقّعة، إذا نشأ تحالف بين الجماعات الجهادية ونجح في السيطرة على الشرق الليبي، الغني بآبار البترول على نحو شبيه بما فعله "تنظيم الدولة الإسلامية في سوريا والعراق" واستفادوا من هذه العائدات في تمويل هجمات إرهابية. ويؤكّد التقرير أن "تنظيم الدولة الإسلامية وأفرعه التابعة له قد يكون بوسعهم وقتها البدء في التخطيط وتنفيذ هجمات واسعة النطاق والتأثير ضد أهداف غربية في شمال أفريقيا وأوروبا".

اقرأ أيضاً: هل هرب الإرهابي أبو بكر البغدادي إلى إفريقيا؟
كما درس التقرير التحالفات المحتملة بين (داعش) وفروع تنظيم القاعدة المختلفة، سواء في ليبيا أو منطقة المغرب العربي، وهو ما يعني السماح لهذه الجماعات بالتغلغل في دول مثل الجزائر ومالي وتونس، وأوضحت دراسة "أفريكوم"؛ أنّه "في غضون خمسة أعوام ستكون هذه الجماعات قد فرضت سيطرتها على الأراضي الواقعة في شمال مالي، وصولاً إلى تومبوكتو، وستقيم علاقات تعاون وثيق مع الجماعات المتمرّدة في مالي، بينما ترسي نظاماً للحكم في الأراضي التي تخضع لنفوذها"، ولفت التقرير الانتباه إلى مدى خطورة توحيد جماعتي بوكو حرام وولاية غرب إفريقيا، موضحاً أنّ "الأراضي التي تخضع لسيطرتهما في نيجيريا، قد تتحوّل في غضون عامين إلى مقصد للجهاديين، ونقطة تجمّع للمقاتلين الأجانب والإقليميين من أجل الحصول على التدريب والتلقين".
أعضاء في موكب الشباب بعد الانتهاء من تدريبهم ، في مقديشو ، في أكتوبر 2010. (رويترز)

إمكانية التحالف
رغم أنّ هذا التحليل يفترض السيناريوهات الأسوأ، لكن خبراء، مثل ألتونا، لا يعتقدون أنّ فرضية التعاون بين الجماعات الإرهابية غير مستبعدة على الإطلاق؛ حيث يرى أنّه "حدث ذلك بالفعل في بعض المناطق، مثل بنغازي، حيث تعاون "مجلس شورى الثوار"؛ الموالي لتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي، مع فرع تنظيم داعش "ولاية برقة"، أثناء الحصار الذي فرضه المشير خليفة حفتر على المدينة، شهدت بعض البلدان انقسامات ثم إعادة توحيد، التعاون هو احتمال قائم، لا اعتقد أنّ الأمور ستتحوّل إلى تحالف بين ليلة وضحاها، لكن بمرور الوقت، فهذا ممكن بالتأكيد".
وأضاف "خاصة أنّ عدداً كبيراً من زعماء فصائل داعش في إفريقيا، سبق لهم الانخراط من قبل في صفوف تنظيم القاعدة، لذا فإنّهم يحظون بصلات وعلاقات، وينعكس ذلك حالياً في صورة عدم تقاتل هذه الجماعات فيما بينها، ومن الواضح بشدّة أنّ ثمة علاقات بينها".

تعدّ نيجيريا نظراً إلى موقعها الإستراتيجي أكثر مناطق النزاع سخونة وخطورة على مستوى القارة كلها

بيد أنّ بعض المراقبين يرون أنّ توقّعات "أفريكوم"، ربما لا تعدو سوى كونها محاولة من أجل جمع الأموال، في الوقت الذي تفكّر فيه إدارة الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، بتقليص موازنة وقوام القوات الأمريكية المنتشرة في القارة، علاوة على أنّ بعض النشطاء الأفارقة يؤكّدون أنّ تواجد القوات الأجنبية لا يسهم في تسوية المشكلة، بل تعقيدها وزيادتها سوءاً.
ويبرز ألتونا "لا يمكن إنكار أنّه بدون عملية "سرفال"، التي استمرت باسم عملية "برخان"، التي تقرّر بموجبها نشر آلاف العسكريين الفرنسيين في الأراضي المالية، قبل أن ينضمّ إليهم عسكريون من دول أخرى، لكان الشطر الشمالي من مالي قد سقط، وامتدت سيطرة الجهاديين إلى مناطق، ربما قد لا تكون ذات كثافات سكانية عالية، لكنّها مترامية الأطراف، والأهمّ من كل ذلك؛ هو الحيلولة دون تحوّل المنطقة إلى نقطة تجمع خطرة للمقاتلين"، مشدداً في الوقت ذاته أنّ "التواجد الغربي، وما يثيره من الشعور بالاعتماد على الغرب، وليس روح التعاون، يعيد إلى الأذهان فكرة الكولونيالية الجديدة والتدخل الأجنبي، وهذا واضح للغاية بالنسبة إليّ".

اقرأ أيضاً: الصراعات الدينية تتأجج في إفريقيا
ويستطرد الخبير قائلاً: "لكن إفريقيا كبيرة جداً، وكذلك منطقة الساحل، الوجود الغربي ليس متماثلاً بالضبط، فالعمل الذي يقوم به ليس نفسه في جميع الدول، وكذلك النتائج ليست ذاتها، إلا أنّني، في المقابل، أعتقد أنّه يتعيّن على الغرب تغيير فكرة المساعدة التي يقدّمها؛ حيث يولي مزيداً من الاهتمام والتعاون في مجال الأمن، وتمكين السلطات والشعوب المحلية، وليس مجرّد انتشار لتنفيذ مهمات نوعية فحسب"، مشيراً أيضاً إلى مدى تعقيد الوضع على الساحة الإفريقية بتأكيده "كما أنّه صحيح في بعض الدول، حيث لا يكفي العمل الذي تقوم به قوات الأمن المحلية منفردة في احتواء التهديد على جميع أراضي البلاد".


المصدر: مقال للصحفي دانييل إيرارتي، نشر في صحيفة "الكونفدنثيال" الإسبانية، بتاريخ 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 2018.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الخطة الخمسية لتطوير القدس الشرقية: نـجـاح فـي مـجـالات «الأسـرلـة» فـقـط !

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

بدأت الخطة الخماسية لتغيير وجه شرقي القدس، بتكلفة نحو ملياري شيقل، تعطي ثمارها، بعد سنتين من المصادقة عليها. الخطة 3790 كما تسمى نجحت في التأثير على شبكة العلاقات بين السكان الفلسطينيين، الذين يشكلون نحو 40 في المئة من سكان العاصمة، وبين السلطات الإسرائيلية. ولكن اذا كانت حققت أهدافها بصورة نسبية في مجال التعليم والنظافة، فهي فشلت في مجال مثل المواصلات وتسجيل الاراضي. وحسب منتقدي الخطة، فانه في المجالات الأكثر أهمية، مثل تخطيط السكن والمواطنة، لا تتجرأ على المس بها.

جاءت الخطة من اجتماع ظروف استثنائية أدت الى الربط بين سياسيين من اليمين ورجال سابقين من "الشاباك" وموظفين في المالية، نجحوا في اقناع الوزراء والحصول على ميزانيات من خلال الإصرار على أنه "لا يمكن الاستمرار بهذا الشكل"، بعد أن تمت المصادقة قبل اربع سنوات على خطة اخرى مع ميزانية متواضعة تبلغ 244 مليون شيقل، ثلثها خصص للشرطة وتحسين جهاز الأمن، والتي فشلت. تمت بلورة الخطة الجديدة في وزارة القدس ووزارة المالية، وتمت المصادقة عليها في "يوم القدس" 2018.
الدكتور امنون رمون، من معهد القدس لأبحاث السياسات، والذي حقق في تدحرج الخطة لصالح وزارة القدس، قال إنه أثناء بلورتها اجتمعت تحذيرات رجال الامن، ووقفت أمام خطاب السيادة وتوحيد القدس للسياسيين من اليمين، والتقت مع الرؤية الاقتصادية لموظفي المالية، الذين ادركوا أنه بدون معالجة الـ 40 في المئة من سكان العاصمة، فان العاصمة لن تنهض.

تقدم الخطة

كان يجب أن تعالج الخطة بشكل معمق عدة قضايا في شرقي القدس، منها التعليم والمواصلات والصحة والتشغيل والبنى التحتية. التقدم الاكبر تم تحقيقه في مجال التعليم، بمساعدة استثمارات كبيرة في التعليم غير الرسمي، في تعليم العبرية والتعليم التكنولوجي، وتعريف طلاب الثانوية الفلسطينيين بالبرنامج الأكاديمي الإسرائيلي. نجحت الخطة بشكل جزئي في الدفع قدماً بأسرلة جهاز التعليم، أي الانتقال الى تعلم منهاج البغروت الإسرائيلي بدل موازيه الفلسطيني (التوجيهي). شملت الخطة اعطاء ميزانيات ومنح كبيرة للمدارس التي ستفتح صفوفا للبغروت الإسرائيلي، حتى أنه كان هناك استعداد من جانب الفلسطينيين لذلك. في عدد من الاحياء العربية هناك شعروا بأن إسرائيل تحاول أن تفرض على اولادهم تغييراً في الهوية، وقد ووجهت هذه الخطوة بمعارضة. اليوم ما زال هناك اكثر من 90 في المئة من طلاب شرقي القدس يدرسون التوجيهي.
"نشعر بالتغيير"، قال مدير مدرسة في شرقي القدس، "يعطون اطارا لكل ولد، معهدا للعبرية، دورات خاصة لاصلاح الهواتف المحمولة والتكييف، تحسين الصفوف، واعطاء بنية تحتية للانترنت وتظليل في الساحة". وحسب قوله: "لا توجد لدينا معارضة من قبل الاهالي، لكن في احياء اخرى توجد معارضة. وحقيقة أنه يوجد لدينا بغروت في المدرسة بالتأكيد ساعدت في الحصول على ذلك".
تجد الخطة صعوبة في إحداث تحسين جوهري في مجال تشغيل النساء، رغم أنها تضمنت نظام توجيه للنساء وإنشاء خدمة نهارية. في التقرير الذي أعدته جمعية "عير عاميم" ومنظمة العمال "ماعن" وجد أنه رغم وجود ارتفاع معين في نسبة النساء الفلسطينيات العاملات، حدث أيضاً ارتفاع في معدلات الفقر. ووجد التقرير أن غياب مواصلات عامة جيدة الى اماكن التشغيل ونقصا في الاطر للاولاد، وحواجز اللغة والثقافة، لا تسمح للنساء في شرقي القدس بالخروج الى سوق العمل. ولو أن هؤلاء النساء وجدن عملا، فهن يحصلن على الاغلب على أجر منخفض جدا.
في مجال البنى التحتية تضمنت الخطة تخطيط واقامة 15 شارعاً جديداً أو تجديدها، المشروع الاكبر الذي يوجد قيد الانشاء سمي الشارع الأميركي الذي يربط احياء شمال شرقي القدس وجنوب شرقي القدس. مع ذلك، ميزانية الشارع التي تقدر بنحو 250 مليون شيقل كانت موجودة قبل الخطة، ويصعب أن نرى فيها إضافة على الميزانية. مشاريع أخرى في مجال البنى التحتية للمياه والمجاري توجد في مراحل التخطيط، وهي ايضا بعيدة عن إغلاق الفجوة بين شرق المدينة وغربها. فشلت الخطة حتى الآن في إدخال بطاقة المواصلات "الراف كاف" الى نظام المواصلات في شرقي القدس. في شرقي المدينة يعمل عدد كبير من الشركات الخاصة، ولم تنجح وزارة المواصلات في بلورة اتفاق يسمح بتشغيل البطاقة. استثمارات اكبر كانت ايضا في مجال جودة الحياة مثل اصلاح الشوارع، وتحسين النظافة في شرقي القدس. ولكن في هذا البند ايضا، حسب اقوال مصدر مطلع، علقت برامج كثيرة.
احد البنود الاشكالية في الخطة، بالنسبة لسكان شرقي القدس، يتعلق بتسجيل الأراضي. منذ العام 1967 جمدت الدولة تسجيل "الطابو" لاراضي شرقي القدس. و90 في المئة من الأراضي غير منظمة، وتقريبا لا يمكن البناء فيها بصورة قانونية. حسب الخطة، حتى نهاية السنة يجب على وزارة العدل تسوية 50 في المئة من الأراضي، واستكمال جميع التسجيلات حتى نهاية 2025. ولكن هذا الموضوع ما زال عالقاً.
يخشى الفلسطينيون من أن التسجيل سيستخدم لنقل العقارات الى القيم على اموال الغائبين (في حالة أن واحدا أو أكثر من الورثة يعتبر غائبا، أي انتقل الى دولة عربية)، ومن القيم العام الى جمعيات المستوطنين. النتيجة هي أن الفلسطينيين يرفضون التعاون مع التسجيل من جهة واحدة، والاردن ايضا لا يساعد في نقل السجلات لديها، وهكذا فان مسجل الاراضي في وزارة العدل يجد صعوبة في التقدم في هذا الموضوع.
ايضا في مجال سريان قانون الصحة على شرقي القدس حدث تقدم طفيف، اذا لم يكن يحدث أبداً. "شرقي القدس بحاجة على الاقل الى 3 – 4 خطط خماسية مثل هذه من اجل البدء في رؤية التغيير"، قال مصدر من المجتمع المدني في شرقي القدس، "المشكلة هي أن الخطة تعتبر خطة أسرلة، والسكان لا يؤمنون بأن الشارع الأميركي أعد لهم، بل أعد للربط بين معاليه ادوميم وجبل أبو غنيم".
لا تعالج الخطة القضايا الثلاث الاكثر جوهرية، والتي تثقل جدا على حياة ومستقبل سكان شرقي القدس. هكذا فان الخطة تقريبا لا تتعامل مع الاحياء التي تقع خلف جدار الفصل. في هذه الاحياء التي حجزت بين الجدار وبين حدود بلدية القدس، يسكن نحو ثلث الفلسطينيين في القدس (120 – 140 ألف نسمة) في ظروف قاسية جدا. منذ اقامة الجدار تخلت السلطات الإسرائيلية عن هذه المناطق، وبني فيها عشرات آلاف الوحدات السكنية غير القانونية.
مشكلة ثانية هي أن الخطة تقريبا لا تعالج موضوع البناء السكني وتخطيط الاحياء الفلسطينية. وحقيقة أنه لا يمكن تقريبا البناء بصورة قانونية في الاحياء الفلسطينية دفعت آلاف العائلات الى البناء بصورة غير قانونية، والآن هي مضطرة لمواجهة أوامر الهدم، ودفع مبالغ كبيرة كغرامات ومعركة قضائية لا تنتهي. مشكلة اخرى هي حقيقة أن سكان شرقي القدس ليسوا مواطنين، لذلك هم لا يتمتعون بحقوق مثل جواز السفر أو القدرة على الهجرة الى الضفة الغربية، ورغم أن وتيرة طلبات الحصول على الجنسية ازدادت في السنوات الاخيرة إلا أن العقبات في الطريق من اجل الحصول على الجنسية ما زالت كثيرة، وفقط قلائل ينجحون في الحصول عليها.
الدكتور رمون اشار الى مشكلة اخرى في الخطة وهي تعدد الجهات الحكومية التي يجب عليها تطبيقها. وعدد على الاقل 27 جهة حكومية كهذه. "جميعها يجب عليها العمل معا. هذا معقد جداً وهو يرتبط بالنية الحسنة للموظفين".

مصدر الترجمة:  نير حسون- "هآرتس" / نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية‎

 

للمشاركة:

أوروبا تضرب إسرائيل وتقصد ترامب!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-21

بعد أن قضى على وباء "كورونا"، الذي ضرب الدول الأوروبية بشدة، وتغلب على الصدوع الحادة التي برزت في صفوفه، تفرغ الاتحاد الأوروبي لمعالجة الموضوع المستحب لديه جدا: إسرائيل.

لم تنشر الحكومة التي تشكلت بصعوبة بعد خطة عملها، وإذا بالاتحاد الأوروبي يسارع الى تهديدها بأنه سيتخذ اجراءات عقابية، بما في ذلك عقوبات اقتصادية، بل سيعلق العلاقات الدبلوماسية إذا تجرأت إسرائيل على تنفيذ نيتها بسط القانون الإسرائيلي على أجزاء من "يهودا" و"السامرة".
لا يمكن للبيروقراطيين في قيادة الاتحاد في بروكسل حقاً أن يجرّوا أوروبا الى حرب ضد إسرائيل، فللعديد من دول القارة، مثل النمسا، وتشيكيا، وهنغاريا وغيرها، علاقات وثيقة مع إسرائيل. لكل أولئك بطن مليئة على الاتحاد الأوروبي، الذي فشل في لحظة الحقيقة، وتركها، كل واحدة بمفردها، في وجه تحدي الحجر، والموت، والأزمة الاقتصادية التي جلبها "كورونا". ولكن بضع دول رائدة في أوروبا، وعلى رأسها فرنسا، وبلجيكيا، واسبانيا وايرلندا، والتي لبعضها عداء واضح لإسرائيل، مصممة على اتخاذ خطوة مناضة لإسرائيل، وهددت بتفعيل خطوات عقابية حتى لو لم تنضم معظم دول الاتحاد.
الخلاف بين الاصدقاء مشروع، ولكن في كل ما يتعلق بعلاقات إسرائيل وأوروبا، وللدقة، بضع دول في الاتحاد، ليس هكذا هو الأمر. فالفلسطينيون يهمون الاتحاد الأوروبي كما تهمهم قشرة الثوم. كما أن الحرص على القانون الدولي، الذي على حد قوله تخرقه إسرائيل، ليس في رأس اهتمامه. فبعد كل شيء، يبدي الاتحاد الأوروبي استخفافا بالاحتلال التركي لقبرص. وكذا التبت أو الصحراء الغربية، الأمر الذي تسكت عليه ولا تذكره بروكسل.
ولكن إسرائيل تعتبر دوما هدفا جذابا لضربه من أجل تحقيق تعاطف عربي وعموم اسلامي. فضلا عن ذلك، فان الاتحاد الأوروبي لا يزال ملتزما بثابت يعود لعشرات السنين ويقضي بان المسألة الفلسطينية هي المفتاح لحل مشاكل الشرق الاوسط كله. هذا لا يعني أن الأوروبيين يهمهم الفقر والضائقة في أرجاء الشرق الاوسط، ولكنهم قلقون من موجات الهجرة التي تجتاح أوروبا، نتيجة لعدم الاستقرار في العالم العربي، ومقتنعون بأن هذا سيمكنهم من وقفها.
يخيل مع ذلك أن للهوس الأوروبي بإسرائيل دافعاً عميقاً آخر. الأوروبيون يضربون إسرائيل، ولكنهم يقصدون بالضربة الرئيس ترامب، الذي يراه الكثير من الأوروبيين خصما. هذا جزء من مشاعر متجذرة مناهضة لأميركا، تختلط بحسد متبّل بمشاعر التعالي، على من يشكل نظرية مضادة ناجحة ويتفوق على "القارة القديمة".
ان الارتباط الوثيق والتحالف الحميم بين إسرائيل والولايات المتحدة هما بلا شك نقطة قوة لإسرائيل، وهما يشقان لها السكك في كل أرجاء العالم. ليس في أوروبا. ففي عيون الأوروبيين، التماثل المتعمق بين القدس وواشنطن والحميمية المزدهرة في العلاقات بينهما هي بمثابة خطيئة اولى او شراكة مهددة. هكذا تطلق السهام من أوروبا الى إسرائيل بدلا من ان توجه نحو واشنطن، على أمل أن الألم ستشعر به ليس فقط الحكومة في إسرائيل، بل سيشعر به البيت الأبيض ايضا.
يدور الحديث، إذاً، عن تيار عميق ومتجذر في أوروبا، حتى التسوية مع الفلسطينيين لن تحله على ما يبدو. ستعود علاقات إسرائيل ودول أوروبا الى مجراها على أي حال، إذ يوجد ما يكفي من الزعماء الراشدين في أوروبا، مثل المستشارة ميركيل وآخرين، الذين ينصتون لإسرائيل ومشاكلها، بل يعترفون أيضا بالمصلحة الأوروبية في وجود العلاقات معها. ولكن يمكن الافتراض بأن البيروقراطيين في بروكسل وخلفهم بعض الدول في أوروبا سينتظرون الفرصة التالية ليضربوا إسرائيل.

مصدر الترجمة: ايال زيسر - "إسرائيل اليوم" / نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:

ما الذي يعنيه أن تكون يمينياً متشدداً في القرن الـ 21؟

2020-05-20

ترجمة: علي نوار


بعد التقدم الذي تحرزه الأحزاب والحركات الرجعية واليمينية المتشددة المحافظة في أوروبا والأمريكيتين، تزداد الحاجة إلى فتح النقاش حول تعريف اليمين المتشدّد.

اقرأ أيضاً: داردو سكافينو: صعود اليمين المتشدّد في أوروبا انتصار للجهاديين
لم يسبق أن دار نقاش بهذا القدر من الحدة والجدل حول تعريف اليمين المتشدد، مثل ذلك الذي نشهده في الآونة الحالية، عبر وسائل الإعلام الأوروبية والأمريكية، ويغذّي هذا الجدل الصعود الحثيث في الانتخابات الذي تحرزه الأحزاب والحركات والزعماء السياسيين، مثل: دونالد ترامب في الولايات المتحدة، وجايير بولسونارو في البرازيل، اللذين وصلا إلى الرئاسة في البلدين بالفعل، أو أحزاب مثل "بديل من أجل ألمانيا" في ألمانيا، و"فوكس" في إسبانيا، التي تهدد بدخولها في تشكيل حكومات، أو على الأقل فرض إملاءات وشروط على آلية الحكم في بلدانها.

اقرأ أيضاً: إرهاب اليمين المتطرف الخطر القادم من الغرب
ورغم سخونة الجدل الدائر، إلّا أنّ تحديد ماهية العوامل المشتركة التي تعرّف الأحزاب الجديدة، أو الحركات اليمينية المتشددة، تظلّ هي النقطة الأكثر زخماً ومحلّ خلاف، وبدلاً من الوصول إلى حالة من الإجماع، يبدو أنّ رقعة الاختلاف تتّسع شيئاً فشيئاً؛ في بعض الحالات بسبب محاولات تلميع مواقف تعكس بكلّ وضوح الفكر اليميني المتشدّد، والتي تمثّل تهديداً لمنظومة التعايش الديمقراطي، أو في حالات أخرى، نتيجة التساؤلات الصادقة التي تطرح بغية معرفة أين تقف الحدود الفاصلة بين المواقف اليمينية المتشددة واليمين المتشدد واليمين الأصولي (الراديكالي).

سانتياجو أباسكال ، زعيم فوكس، يتحدث خلال لقاء مع أنصاره في فالنسيا (رويترز)

وقد شهدت ألمانيا بالفعل نقاشاً نظرياً مطوّلاً حول هذا التقسيم، وكانت ألمانيا تحديداً مسرحاً لهذا الجدل، خاصة أنّ نموذجها الديمقراطي بات حافلاً بحركات يمينية متشددة، أو نابعة من الفكر النازي، لكنّ الأمر ليس حديثاً للغاية؛ حيث بدأ في أعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقيام دولتين جمهوريتين، منذ عام 1949، في الأراضي الألمانية، على أنقاض الأيديولوجية الاشتراكية القومية، وفي جمهورية ألمانيا الفيدرالية الحالية، التي نجت إثر انتهاء الحرب الباردة، يتساءل كثيرون، اليوم، عن معنى الفكر اليميني المتشدّد في خضم القرن الواحد والعشرين، الذي أحدثت فيه الرقمنة وشبكة الإنترنت تغييرات جذرية، سواء على مستوى صياغة السياسات أو مستوى نشرها.

يتساءل كثيرون عن معنى الفكر اليميني بالقرن الـ 21 الذي أحدثت فيه الرقمنة تغييرات جذرية على صعيد صياغة السياسات

وكتبت الصحفية جابرييله ناندلينجر، المتخصصة في ملفات التشدد اليميني في موقع "بليك ناخ ريشتس" الإخباري الألماني: "وذلك لأنّ اليمين المتشدد لا يمتلك في الحقيقة حزمة أفكار موحّدة، كما أنّه لا وجود لتعريف محدّد لهذا المصطلح"، قبل أن تضيف "يرفض اليمينيون المتشددون بشكل عام النظام الديمقراطي والليبرالي، عن طريق اللجوء للعنف حتى، ويتطلّعون لإرساء نظام دولة سلطوي، أو على الأقل يتّسم بالشمولية؛ حيث تصبح الأيدولوجية القومية والعنصرية هي الأساس للمنظومة الاجتماعية".
وبحسب ما تكشف ناندلينجر؛ فإنّ المكتب الفيدرالي لحماية الدستور في ألمانيا يدرس بعناية عدداً من العوامل عند إدراج حركات أو أحزاب ضمن تيار اليمين المتشدد، ألا وهي: الروح القومية الهجومية، والرغبة في تكوين مجتمع على أساس الطبقات العرقية، ومعادة ورفض التعددية، ومعاداة الأجانب المتعلقة بشكل عام بمعاداة السامية، المواقف التي تنادي بوجود دولة يتزعمها شخص شمولي، الدعوة للعسكرة، والتقليل من شأن أو غضّ الطرف عن الجرائم ذات الدوافع القومية الاشتراكية، وكذلك العمل على تشويه المؤسسات الديمقراطية ورموزها.

 

 

حدود مبهمة
رغم أنّ اليمين الراديكالي قد يتبنّى مواقف يمينية متشددة بعينها، على غرار تلك المذكورة بالأعلى، والتماهي المفرط في الحدود الفاصلة بين اليمين المتشدد واليمين الراديكالي، لكن هناك نقطة ربما تكون حاسمة بالنسبة إلى الأكاديميين الألمان: الرفض المعلن غير المستتر، الذي لا يمكن الخطأ بشأنه تجاه النظام الدستوري والديمقراطي.

اقرأ أيضاً: الحركات اليمينية وراء زيادة حالات الحصبة في أوروبا!
وتوضّح ناندلينجر: "تعتاد المؤسسات والعلوم الاجتماعية استخدام مصطلح "أصولية اليمين" للإشارة بصفة عامة إلى منظمات أو أفراد يتمركزون إلى اليمين من قلب النطاق السياسي، إلّا أنّهم ما يزالون داخل الإطار الدستوري، وبشكل معمّم؛ فإنّ اليمين الأصولي لا يتبنى مواقف عدائية تجاه النظام الديمقراطي".

يرفض اليمينيون بشكل عام النظام الديمقراطي والليبرالي، ويتطلّعون لإرساء نظام سلطوي، تصبح الأيدولوجية القومية والعنصرية هي الأساس للمنظومة الاجتماعية

لكنّ هذا الإطار النظري يفتقر، على الأرجح، للتحديث، عند محاولة تطبيقه على ما يسمى "اليمين الألماني الجديد"، أو أحزاب مثل: "بديل من أجل ألمانيا"، و"حزب الحرية" النمساوي، التي رغم حفاظها على خطاب يظهر الاحترام للمؤسسات والنظام الدستوري، لكن تربطها علاقات واضحة ووثيقة بحركات يمينية متشددة، وتحصل على أصوات النازيين الجدد، فضلاً عن تبنّيها لمواقف تعبّر عن التجاهل أو التقليل من شأن الجرائم التي لها صلة بالقومية الاشتراكية.
ومن الأمثلة الدالة على ذلك؛ تبرز تصريحات زعيم حزب "بديل من أجل ألمانيا"، ألكسندر جاولاند، الذي وصف النظام النازي بـ "براز طائر في تاريخ ألمانيا الممتد لألف عام" في محاولة للتهوين من مدى فداحة ما ارتكبه نظام الرئيس الراحل أدولف هتلر، وبشاعات الحقبة النازية، ثم تصريحات القيادي في الحزب أيضاً، بيورن هوكه، الذي رأى أنّ ضريح ضحايا المحرقة (هولوكوست) القائم في قلب برلين "أثر يبعث على العار" بالنسبة إلى ألمانيا.

اقرأ أيضاً: لماذا ينشط اليمين المتشدد في ألمانيا الشرقية؟
ورغم هذا الخروج المتكرّر عن النص من قبل زعماء بارزين في "بديل من أجل ألمانيا"، ومحاولات إعادة تأويله لتخفيف وطأته لاحقاً، أو حتى الاعتذار عنه، لكن من الجليّ للغاية ملاحظة أنّها تأتي ضمن إستراتيجية استفزازية وإستراتيجية، محاولة زعزعة استقرار واحدة من أهم الاتفاقيات التي أبرمتها الأحزاب ديمقراطية الطابع في ألمانيا، بعد كارثة الحرب العالمية الثانية، والمتمثّل في عدم استخدام النزعة القومية، والتحفّظ إزاء الأفكار النازية كأدوات سياسية وانتخابية، بيد أنّ حزب "بديل من أجل ألمانيا" يخرق هذا الاتفاق، ما يحوّله بالتبعية إلى عنصر مقوّض للنظام السياسي الألماني القائم منذ سبعة عقود، فيما يحترم القواعد الرسمية للعب الديمقراطي والمؤسسي.

ملصق حملة من البديل لألمانيا في ميونيخ، ألمانيا (رويترز)

ما هو "فوكس"؟

يعدّ "فوكس" أحدث الأحزاب التي انضمت إلى معسكر أحزاب اليمين الراديكالي في القارة العجوز، وهنا لا مناص من أن يقفز السؤال ذاته إلى الأذهان: ما هي الصفة الأكثر ملاءمة التي يجدر إطلاقها على الحزب الذي يتزعّمه سانتياجو أباسكال؟

اقرأ أيضاً: اللحظة الشعبوية: انتهاء ثنائية اليمين واليسار في أوروبا
يقول جييرمو فرناندث، خبير علم الاجتماع والباحث في جامعة "كومبلوتنسي" بالعاصمة الإسبانية مدريد: إنّ "فوكس" يتموضع في الوقت الحالي، على الأقل، على مسافة أقرب إلى اليمين الراديكالي، أكثر منها إلى اليمين المتشدّد، ويوضّح "في ضوء انخراطه في اللعبة الديمقراطية، أعتقد أنّ "فوكس" هو حزب يميني راديكالي هوياتي ومحافظ بشدة، الغالبية العظمى من كوادره هم في الأصل أعضاء سابقين في "الحزب الشعبي"، يمين وسط، وتحديداً الجناح الأكثر راديكالية من ذلك الحزب، علاوة على القطاعات الأصولية في الكنيسة الكاثوليكية، التي شعرت بتعرّضها للخداع من جانب رئيس الحكومة الإسبانية السابق، ماريانو راخوي، عند وصول الأخير للسلطة، وعدم إلغائه قانون الإجهاض، على سبيل المثال، لكنّني أرى أنّ وصف "فوكس" بأنّه حزب ينتمي لليمين الراديكالي بدلاً من اليمين المتشدد لا يسقط عنه الخطورة؛ إنّه حزب يقوم على أساس الأيديولوجية اليمينية الأكثر راديكالية في محاولة للدخول في معركة ثقافية مع اليسار".

حزب فوكس يقوم على أساس الأيدولوجية اليمينية الأكثر راديكالية في محاولة للدخول في معركة ثقافية مع اليسار

وعند محاولة إيجاد سلسلة من القواسم المشتركة الموجودة بين الحركات الجديدة من تياري اليمين المتشدد واليمين الراديكالي، بداية من ترامب حتى بولسونارو، ومروراً بـ "بديل من أجل ألمانيا"، و"حزب الحرية"، و"فوكس"، يعدّد الباحث في جامعة "كومبلوتنسي" العناصر الآتية: الغلو في المحافظة، مفهوم جوهري للهوية الوطنية، خطاب مناهض للنخب، أو "معاداة المؤسسات"، مناهضة الحركة النسوية، مكافحة ما يطلق عليه "أيدولوجية النوع".
أما فرانكو ديلي دوني، أستاذ العلوم السياسية والمتخصص في الإعلام السياسي والمقيم بألمانيا؛ فيرى أنّ النقاش المعجمي حول استخدام لفظتي "يمين متشدد" و"يمين راديكالي" عقيم بالأساس، فيقول: "كون هذه الأحزاب لديها رغبة في احترام النظام الديمقراطي أو المؤسسي من عدمها لا تصنع فارقاً ضخماً بالنسبة إليّ؛ لأنّها لا تضع اعتباراً من أيّ نوع للمبادئ التي أجمع الكلّ عليها، وهو في رأيي أمر أكثر أهمية، ومنها -على سبيل المثال لا الحصر؛ من حقّ المرأة أن تكون على قدم المساواة مع الرجل، بينما يعلن رؤساء، مثل بولسونارو دون مواراة؛ أنّه "من بين سياسات الدولة التي يتبنّونها يبرز القضاء على المساواة بين الأنواع".

اقرأ أيضاً: كيف تلتقي الإسلاموية مع اليمين المتطرف؟
وبسؤاله عمّا إذا كانت هناك قواسم مشتركة تجمع بين الرئيس البرازيلي وحزب (فوكس) الإسباني، و(بديل من أجل ألمانيا) في ألمانيا، وحركات متشددة أخرى داخل القارة الأوروبية، يذكر ديلي دوني: "منظور رجعي للهوية الوطنية يعود للماضي من أجل بناء هويات جمعية للمستقبل، والبحث الدائم عن خطر أو عدو خارجي، يربض دائماً خارج نطاق هذا المجتمع الغارق في القيم التقليدية، وقد يكون مهاجراً، أو متحولاً جنسياً، أو لاجئاً، أو اليسار، أو المسلمين، الاحتقار المتناهي للطبقات والنخب السياسية والمؤسسات ووسائل الإعلام التقليدية، التي توصم دائماً بكونها جزءاً من المؤسسات، وأخيراً الاستفزاز الحثيث والدائم والممنهج لكلّ ما هو صائب سياسياً، ومدّ رقعة النقاش السياسي لما هو أبعد من الحدود المقبولة من قبل الأحزاب السياسي القائمة؛ هذا هو ميدان المعركة الجديد الذي ستتصارع فيه الكتل السياسية والناخبون خلال المستقبل القريب.


المصدر: أندريو خيريث، صحيفة "الكونفدينثيال" الإسبانية

للمشاركة:



"حفريات" تهنئ في العيد وتستأنف مسيرة النّور

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

"عيدٌ بِأَيَّةِ حالٍ عُدتَ يا عيدُ.. بِما مَضى أَم بِأَمرٍ فيكَ تَجديدُ.

أَمّا الأَحِبَّةُ فَالبَيداءُ دونَهُمُ.. فَلَيتَ دونَكَ بيداً دونَها بيدُ".

لو كان المتنبي بيننا، لما وجدَ خيراً من هذا الشّعر ليعبّر عن مأساة الإنسان الذي اعتقله "كورونا" وجعله رهين محابس كثيرة أولها الخوف.

لا يأتي عيد الفطر هذا العام بأمر فيه تجديد؛ فالوباء يضرب هنا وهناك، وليس على البشر إلا أن يتعايشوا مع عواصفه، ويتنظروا بشائر أمل قد تلوح بعد عام، وتحمل معها أنباء اللقاح المنتظر، فتنهض البشرية من ذعرها وتستأنف الحياة.

الأحبة في العيد بينهم البيداء والحَجْر الصحي ومواعيد الإقفال التي تفرضها الحكومات التي حبست شعوبها في أقفاص، فتطلقهم في موعد وتحشرهم في آخر، وهم راضون مسلّمون.

"حفريات" في هذه القنطرة التي تفصل زمنين من الخوف والرجاء لا تملك إلا أن تستدرج الخير، وتأمل أن يكون القادم أجمل. وهي تعاهد قرّاءها على استئناف المسيرة في الحفر المعرفيّ من أجل طمر الكراهية والتطرف والفساد، وإحياء النّور "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون".

للمشاركة:
الوسوم:

خطوة تركية جديدة في ليبيا.. وواشنطن: لا للحل العسكري

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

نشرت مواقع متخصصة في رصد حركة الطائرات حول العالم تحركات غير اعتيادية لطائرات نقل عسكرية تركية إلى جانب عدد من الطائرات الحربية التركية، وقالت هذه المراصد، وفق وسائل إعلام، إنّ الطائرات تحركت في أجواء شرق البحر المتوسط وقرب السواحل الليبية، مؤكدة وصول طائرات نقل عسكرية كبيرة، أمس، إلى مطار مصراته قرب طرابلس.

وصول مقاتلات حربية تركية وطائرات نقل عسكرية كبيرة إلى ليبيا لمساندة ميليشيات الوفاق

وفي مقال له في صحيفة "خبر تورك" كتب الصحفي الكردي تشيتينار تشيتين، أمس: "في القريب يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية الجوية مقراً لها، هذا الأمر ممكن في إطار الاتفاقيات الموقع عليها بين تركيا وحكومة الوفاق".

وفي السياق شدد وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، على معارضة الولايات المتحدة للتصعيد العسكري الأخير واستمرار تدفق الأسلحة التركية إلى ليبيا.

وقال بيان لوزارة الخارجية الأمريكية إنّ بومبيو أكد في اتصال مع رئيس حكومة الوفاق في طرابلس، فايز السراج، أنّه "لا حل عسكرياً للأزمة الليبية" وأنّ "الحل الوحيد يكمن في العودة إلى المسار السياسي والالتزام بنتائج مؤتمر برلين"، وفق ما أوردت صحيفة "العرب" اللندنية.

اقرأ أيضاً: الغرياني يتحدث عن دور تركيا وقطر في ليبيا.. ماذا قال؟

وعبر وزير الخارجية الأمريكي عن "استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة والذخائر إلى ليبيا"، في إشارة واضحة إلى التدخلات التركية المتنامية في ليبيا.

تشيتين: يمكن أن تتخذ الطائرات المسيرة والطائرات الحربية التركية من قاعدة الوطية مقراً لها

وكان رئيس حكومة الوفاق، المدعومة من الميليشيات الإخوانية، سمحت لتركيا عبر اتفاقية أمنية وعسكرية وقعت في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي بتركيز قواعد عسكرية والتدخل في البلاد لمواجهة الجيش الوطني الليبي بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقال تقرير صادر عن مجموعة الأزمات الدولية الشهر الماضي إنّ تركيا أرسلت إلى ليبيا ما لا يقل عن 100 ضابط عسكري، كما أرسلت سفناً محملة بأسلحة ودفاعات جوية إضافة إلى نحو ألفي مرتزق.

كما أعطى البيان، الصادر عن البيت الأبيض قبل يومين بشأن الأوضاع المستجدة في ليبيا، إشارات واضحة برفض التدخل التركي المتنامي في البلد الغارق بالفوضى.

وقال البيت الأبيض إنّ الرئيس دونالد ترامب ونظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون ناقشا بواعث القلق حول "التدخل الأجنبي المتزايد" في ليبيا و"اتفقا على الحاجة الماسة لوقف التصعيد".

بومبيو يعبر عن استياء بلاده لاستمرار مستوى دخول الأسلحة التركية والذخائر إلى ليبيا

وعكس بيان البيت الأبيض دعوة صريحة إلى ضرورة وضع حد للتدخل التركي في الشأن الليبي، الذي أغرق البلاد بالمرتزقة الذين جلبهم للقتال إلى جانب ميليشيات حكومة الوفاق.

هذا وكان المؤتمر الدولي الذي عقد بألمانيا في كانون الثاني (يناير) الماضي دعا إلى وقف إطلاق النار والعودة للمفاوضات، لكن تزايد التدخلات التركية ومواصلة أنقرة إرسال المرتزقة إلى البلاد وشن هجمات على مراكز للجيش تسبب في فشل الجهود الدولية مما دفع نحو تصاعد للعمليات العسكرية.

للمشاركة:

تقرير: إيران متورطة بأنشطة إرهابية في 40 دولة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

تطرقت وزارة الخارجية الأمريکية، في بيان لها، إلى الأنشطة الإرهابية للنظام الإيراني، وإلى الانتهاكات التي يتعرض لها المعارضون السياسيون بالخارج.

وزارة الخارجية الأمريكية: النظام الإيراني تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة

وقالت الخارجية الأمريكية في بيان صدر أمس: "إنّ النظام الإيراني منذ وصوله إلى السلطة عام 1979، تورَّط في عمليات اغتيال ومؤامرات وهجمات إرهابية بأكثر من 40 دولة"، وفق ما نقل موقع "إيران انترناشيونال".

وتابع البيان: "وأعلن مسؤولون إيرانيون بارزون أنّ إيران تتابع عن كثب وتراقب باستمرار، المعارضين الإيرانيين في دول أخرى؛ من أجل قمعهم وتوجيه ضربات حاسمة ضدهم".

وأردف: "شملت حملة الإرهاب العالمية التي شنّتها إيران ما يقرب من 360 اغتيالاً في دول مختلفة، وهجمات بالقنابل أدت إلى مقتل وتشويه المئات".

ولفت بيان الخارجية الأمريكية إلى أنّ "إيران نفذت هذه الاغتيالات وغيرها من الهجمات بشكل أساسي من خلال فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني ووزارة الاستخبارات والأمن الوطني، ولكن أيضاً عبر أطراف أخرى ووكلاء مثل حزب الله".

ويضيف البيان: "كما يتضح من مذكرات التوقيف وتحقيقات القضاء والشرطة وأجهزة المخابرات وتقارير الشهود، تورط دبلوماسيين إيرانيين مراراً في اغتيالات بالخارج".

اقرأ أيضاً: الحوثيون وفلسطين.. متاجرة تكشف نشاز المشروع الإيراني- الإخواني

ويستطرد: "وبسبب التدقيق المتزايد الذي سبّبه الإرهابيون الإيرانيون الذين يستخدمون الغطاء الدبلوماسي، أظهرت إيران استعداداً لاستخدام العصابات الإجرامية وعصابات المخدرات وأطراف ثالثة أخرى لتنفيذ خططها للاغتيال في الخارج"، مشيراً إلى أنه "حتى عندما يُضبط موظفوها الدبلوماسيون وهم يراقبون الأهداف المراد اغتيالهم، ويوفرون المتفجرات أو يهربون من مسرح الجريمة تكذب إيران باستمرار حول تورّطها في عمليات قتل بالخارج".

حملة الإرهاب التي شنّتها إيران شملت اغتيال ما يقرب من 360 معارضاً في دول مختلفة

وفي إشارة إلى فرض الولایات المتحدة عقوبات على وزير الاستخبارات الإيراني السابق، علي فلاحيان، ذکرت الخارجية الأمريكية أنّ "المعلومات الموثوقة تُظهر أنه كان متورطًا في انتهاكات لحقوق الإنسان عندما كان وزيراً للاستخبارات والأمن".

وأضافت: "تورّط فلاحيان خلال فترة عمله في اغتيال عديد من المعارضين السياسيين الإيرانيين بأوروبا، وضمن ذلك الحالات التي أصدرت فيها المحاكم السويسرية والألمانية أوامر باعتقاله.

ووفقاً لوزارة الخارجية الأمريكية، فإلى جانب استهداف المعارضين السياسيين وقادة ونشطاء الأقليات العرقية والدينية ومسؤولين حكوميين أجانب عبر اغتيالهم، هدّدت إيران بشكل متزايدٍ نشطاء المجتمع المدني والصحافيين الإيرانيين في الخارج.

اقرأ أيضاً: "العفو الدولية" تطالب بالتحقيق بمجزرة احتجاجات إيران.. أدلة وأعداد

وختم بيان الخارجية بالقول: "في وقت سابق من هذا العام، ظهرت تقارير تفيد بأنّ المخابرات الإيرانية هددت باختطاف صحافيين من قناة "إيران إنترناشيونال" ومقرها لندن، ونقلهم قسراً إلى إيران".

للمشاركة:



7 تطورات ومفاجآت تعيد سوريا إلى الواجهة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

إبراهيم حميدي

عاد الملف السوري إلى تصدر الأوراق البحثية لمراكز التفكير الغربية والعربية إلى حد يذكر نسبياً بأجواء 2012. وذهبت وسائل إعلام ومنصات التواصل الاجتماعي إلى الحديث عن سيناريوهات سياسية وعسكرية لمستقبل البلاد. وأطل مسؤولون واقتصاديون سوريون حاليون وسابقون من بوابات مختلفة لتقديم «أوراق الاعتماد». كما أدلى مسؤولون غربيون بمواقفهم وطموحاتهم لمستقبل البلاد. وانتشر عسكريون في أجواء سوريا وأراضيها في تموضع جيوسياسي في مناطق النفوذ الثلاث.

عودة الملف السوري إلى الواجهة رغم انشغال العالم بوباء «كورونا» مرتبط بسبعة تطورات، هي:

1 - رامي مخلوف. لعقدين من الزمان كان هو الواجهة الاقتصادية وصاحب القرار الاقتصادي الرئيسي في سوريا، لكن منذ صيف العام الماضي، بدأت الأمور تنقلب عليه. انطلقت حملة لتفكيك جميع مؤسساته الاقتصادية وشبكاته العسكرية والإنسانية والسياسية. وعلى عكس جميع التجارب السورية، جاء مخلوف بتصرفات لا تنتمي إلى «القاموس السوري». تحدى بلغة دبلوماسية، وراح يوزع بيانات وفيديوهات على وسائل التواصل الاجتماعي. رفض ثم قبل شروط الحكومة لسداد شركته «سيريتل» مبلغ 185 مليون دولار.

أين روسيا وإيران من مخلوف؟ ماذا يعني هذا على بنية النظام؟ ولماذا الآن؟ وهل هناك جهة خارجية وراءه؟ هل يحصل في سوريا ما يحصل في كل الحروب الأهلية بأن التغييرات السياسية تأتي عندما يسعى «أمراء الحرب» إلى شرعنة أعمالهم؟

 توضيح بعد صمت

2 - الحملة الروسية. بعد زيارة وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو إلى دمشق في مارس (آذار) الماضي وطلبه من الرئيس بشار الأسد التزام اتفاق روسيا وتركيا حول إدلب وإثارته ملفات اقتصادية تتعلق بالإعمار، اندلعت فجأة حملة إعلامية من منصات بحثية وإعلامية قريبة من الكرملين. بقيت موسكو صامتة لبضعة أسابيع، لكنها عادت في الأيام الأخيرة وشنت حملة مضادة. مسؤول عسكري روسي جال في دمشق قبل أيام للتأكيد أنه «لا تغيير في موقف الرئيس فلاديمير بوتين من الأسد». وأجرى السفير الروسي في دمشق الكسندر يفيموف مقابلة مع صحيفة سورية أمس، ليقول بأن العلاقات بين موسكو ودمشق «تتميز بالطابع الصديق والاستراتيجي... والذين يصرون على قراءة التعاون بطريقة الكذب يقومون بعملية تخريب إعلامي فقط لا غير».

هل غيرت موسكو موقفها؟ هل تقصدت الصمت على الحملة بحيث تصل الرسالة إلى دمشق ثم تتراجع؟ ما هو حد التغيير في موسكو: الضغط على الأسد أم تغيير الأسد؟ للإصلاح أم للتغيير؟ هل فعلا، لا تريد روسيا الغرق في المستنقع السوري... اقتصاديا؟ وهل وصل النفوذ الروسي في المنطقة إلى الجدار ويحتاج إلى قفزة؟

3 - الحوار الروسي - الأميركي. تحدث مسؤولون أميركيون عن رغبة موسكو باستئناف الحوار الثنائي. اللافت أن المبعوث الأميركي جيمس جيفري قال لـ«الشرق الأوسط» بأن بلاده لا تمانع في بقاء روسيا عسكريا في سوريا، لكنها تريد خروج إيران. وقال المبعوث الأممي غير بيدرسن لمجلس الأمن: «أؤمن أن للحوار الروسي – الأميركي دوراً رئيسياً، وأشجع الطرفين على مواصلته».

وطرح دبلو ماسيون: لماذا تريد موسكو الحوار حاليا؟ إلى أي حد غير مواقفها؟ وهل يمكن الوصول إلى اتفاق قبل الانتخابات الأميركية؟ هل فعلا «بوتين غاضب من الأسد» أم أنها مناورة «قيصرية» جديدة؟

 انسحاب تكتيكي

4 - الانسحاب الإيراني: أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن إيران «انسحبت تكتيكيا» من سوريا. جاء هذا بعد شن إسرائيل غارات مكثفة على مواقع إيرانية من دمشق إلى حلب إلى دير الزور. لكن هذا تزامن مع أمرين: الأول، إعلان «المرشد» الإيراني علي خامنئي ومسؤولين آخرين بقاء قوات إيران في سوريا والتمسك بـ«الدكتور بشار الأسد رئيسا شرعيا». الثاني، قيام إيران بتشجيع فصائل موالية لها لاستعجال العودة إلى جنوب سوريا قرب الجولان، بما ناقض الاتفاق الروسي - الأميركي - الأردني - الإسرائيلي في بداية 2018، بإبعاد «القوات غير السورية»، أي الإيرانية إلى أكثر من 80 كلم من الحدود والخطوط الجنوبية. هنا، لم تتردد روسيا بإرسال قواتها لإخراج الإيرانيين من ريف درعا في الأيام الأخيرة. واللافت هنا، قول مسؤول إيراني بأن بلاده دفعت بين 20 و30 مليار دولار لدعم دمشق، وتريد استرجاع المبلغ.

ماذا تريد إيران من الانسحاب وإعادة التموضع؟ هل هذا مرتبط بأزمتها الاقتصادية بسبب العقوبات و«كورونا» أم ضغوطات روسية تلبية لمطالب إسرائيلية؟ لماذا فتحت المستحقات المالية من دمشق؟ لماذا عادت واشنطن وتل أبيب للتركيز على الوجود الإيراني؟

5 - هدنة إدلب: رغم خروق كثيرة في هدنة إدلب التي بدأ تنفيذها في 5 مارس (آذار) الماضي، تواصل روسيا وتركيا التزامهما وتسيير دوريات مشتركة. إحدى الدوريات وصلت إلى عمق إدلب باتجاه اللاذقية. تركيا أقامت قاعدة في قمة جبل استراتيجية، هي الأعلى في جبل الزاوية. ورغم التوتر والصدام بين الطرفين في ليبيا بسبب دعم طرفين مختلفين وإرسال كل منهما مرتزقة سوريين لدعم فريقه، لا تزال أنقرة وموسكو تعملان سوية في إدلب وشرق الفرات. هذا طرح أسئلة حول مستقبل هدنة إدلب وديموميتها؟ وتأثير الحدث الليبي سوريا؟ ومصير المتطرفين في إدلب وموعد نفاد صبر روسيا؟

بوابة التغيير

6 - الانتخابات السورية: تأجلت الانتخابات البرلمانية إلى يوليو (تموز) بسبب «كورونا»، لكن الأعين تتجه إلى الانتخابات الرئاسية في منتصف العام المقبل. يتحدث مسؤولون غربيون عن دعم مرشح معارض، وعادت أميركا لدعم المعارضة ماديا. وقام بعض المعارضين بالمبادرة في ترشيح أنفسهم. بل إن باحثا إسرائيليا سمى مرشح تل أبيب للرئاسة. وقال بيدرسون: «هذه الانتخابات ستعقد وفقاً للترتيبات الدستورية القائمة. فالأمم المتحدة ليس لديها ولاية محددة ولم يُطلب منها الانخراط في هذه الانتخابات. إن تركيزي لا يزال منصباً، في سياق الميسر للقرار 2254. على العمل من أجل انتخابات حرة ونزيهة تُجرى عملاً بدستور جديد وتُدار تحت إشراف الأمم المتحدة».

هل تصل أميركا، التي ستخوض انتخابات رئاسية في نوفمبر (تشرين الثاني) ، وروسيا بتوافق إقليمي إلى تفاهمات كي تشكل الانتخابات السورية بوابة التغيير، للوصول إلى تفاهمات تخص الإعمار والعقوبات والوجود الإيراني والعملية السياسية؟ هل هذا مخرج لروسيا التي ترفض مبدأ «تغيير الأنظمة»؟

7 - العقوبات والمساعدات: فتحت أميركا ملف بوابة اليعربية بين العراق وشرق الفرات لإرسال مساعدات بعدما لاحظت أن روسيا لم تنفذ التزاماتها بإيصال المساعدات من دمشق بعد التوافق على قرار خاص بالمساعدات بداية العام. هناك توقعات بمواجهة دبلوماسية روسية - غربية جديدة في مجلس الأمن. وهناك مواجهة قائمة إزاء العقوبات. موسكو تحمل العقوبات الأميركية والأوروبية مسؤولية عدم قدرة دمشق على مواجهة «كورونا» والمعيشية. واشنطن وبروكسل خرجتا عن صمتهما وشنتا حملة إعلامية للقول بأن العقوبات لم تعرقل وصول الأدوات الطبية أو الإنسانية إلى سوريا. عليه، هل يشكل الملفان بوابة جديدة لتفاهمات خطوة مقابل خطوة أم منعطف الافتراق؟

ليس سهلاً الجزم بأي اتجاه تنتهي مآلات التحركات في سوريا وحولها، لكن لا شك هذه التطورات تطرح أسئلة كبيرة يحاول كل طرف محلي وخارجي أن يجير إجاباتها إلى ضفته، في وقت يبدو الجميع في حالة اللايقين.

للمشاركة:

عندما انبطح العثمانيون وجاهروا بالخيانة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

وليد فكري

"أُسدٌ عليّ وفي الحروب نعامة".. هكذا انطبق شَطر بيت الشعر على الطاووس العثماني الذي طالما نفخ صدره نافشًا ريشه متشدقًا بأنه "حامي حِمَى بلاد الإسلام والمسلمين"، حتى إذا ما فوجيء بجيش مصر يجتاح بلاده ويهدد عاصمته سارع بالاستغاثة بالقوى الأجنبية التي كان حتى الأمس القريب يدعي حمايته البلاد والعباد منها!

لم يتوقف فتح السلطان العثماني باب التدخل الخارجي عند سماحه بإنزال عسكري روسي على سواحله ورسو أساطيل الروس أمام سراي الحكم، ولا عند طلبه تهديد بريطانيا لمصر بضرب الإسكندرية لإجبار محمد علي على إيقاف القتال... ولكنه استغل الهدنة واتفاقية كوتاهية للتورط في مزيدًا من الخيانات.

خونكار اسكله سي.. اتفاقية الخيانة:

لطالما طمع الروس في الوصول ل"المياه الدافئة" كما أوصاهم قيصرهم السابق "بطرس الأكبر"، وها قد أهداهم العثمانيون تلك الهدية.

فقد ارتمى العثماني على أعتاب الروس-المصنفون أصلًا كأعداء-يستغيث بهم، وعقد معهم اتفاقية مهينة هي "خونكار إسكله سي"، وهي اتفاقية دفاع مشترك تقضي بتدخل العثمانيين لرد أي عدوان على روسيا وتدخل الروس للدفاع عن الدولة العثمانية.. ولكنها تضمنت بندًا سريًا أعفى العثمانيين من عبء إرسال قوات لدعم روسيا حال مهاجمتها، بينما سمح للروس بإرسال قواتهم للدفاع عن العثمانيين.. وبناء عليه تعهد الباب العالي بالسماح للأسطول الروسي بالمرور من أي من المضائق وإغلاقها في وجه أية دولة بينها وبين روسيا حالة حرب!.

أي أن السلطان العثماني إمام المسلمين حامي البلاد الإسلامية صاحب البيرق السلطاني والذي يحمل لقب "الغازي" قبل اسمه، قد قرر إثر صدامه مع محمد علي باشا وجيش مصر أن يستدعي طرفًا أجنبيًا معاديًا طامعًا لكي يحميه وليستخدمه كفزاعة لمحمد علي باشا من ناحية، وللقوى الأوروبية التي اتهمها العثمانيون بالتقاعس عن نصرتهم من ناحية أخرى، وقدم له ثمنًا لذلك وصولًا سهلًا ل"المياه الدافئة" وفتح له أبواب أمنه القومي على مصاريعها!.. بم نصف ذلك إن لم يكن بالخيانة؟.

لعبة الفتنة وارتكاب خيانة جديدة:

لم تقف الخيانة العثمانية عند هذا الحد، بل أن العثمانيون استدعوا سلاحهم القديم "زرع الفتنة" لضرب الوجود المصري بالشام.. فقاموا بدس الدسائس لتأليب الأهالي على الحكم المصري وإثارة الفتن والاضطرابات هنا وهناك ضد إبراهيم باشا ورجاله.

وإحقاقًا للحق فإن مسئولية السماح بذلك تقع على عاتق محمد علي باشا وابنه، فصحيح أن إبراهيم باشا كان نشيطًا في إزالة المظالم والمفاسد العثمانية من فتن قبلية وعشائرية وطائفية، وانعدام للأمن، ومؤامرات متبادلة، وفساد إداري ومالي.. ولكنه وأبوه ارتكبا خطئًا إذ حسبا أن ما يسري على مصر يسري على الشام، فمن ناحية أبدى أهل الشام مقاومة شديدة لفكرة "التجنيد الإجباري"، ومن ناحية أخرى كان من المستحيل إقناعهم بفكرة "نزع السلاح" حيث أن ثقافتهم الحياتية-آنذاك وربما حتى الآن في بعض المناطق-تعتبر أن حيازة الفرد أو العشيرة للسلاح هي جزء من الأمن والشرف.

وكان الأحرى بمحمد علي باشا وإبراهيم باشا أن يحترما تلك الخصوصية لأهل الشام وأن يراعيا اختلاف نمط حياتهم عن نمط الحياة المصري.

استغل العثمانيون حالة السخط تلك وقرروا أن ينفخوا في الشرر ليتعاظم ويتحول إلى نار كبيرة.. ولكن هل فعلوا ذلك بأنفسهم فحسب؟.

كلا.. هنا إلى جانب "خيانة زرع الفتنة" نجد "خيانة فتح الباب للدسيسة الأجنبية".. فبريطانيا التي ارتاعت للاتفاقية العثمانية الروسية ومحاولة روسيا الانفراد بالتدخل في الملف العثماني، عرضت على العثمانيين المساعدة من خلال زرعها الفتنة بين الإدارة المصرية وأهل الشام.. ووافق العثمانيون! هكذا بكل بساطة!.

واستغل السلطان اندلاع الثورات في الشام ضد سياسات محمد علي باشا، وأرسل جيشًا جرارًا بقيادة حافظ باشا لمهاجمة قوات إبراهيم باشا في الشام.. رغم وجود اتفاقية سلام بين الجانبين، ليضيف لخيانة البلاد معرة خيانة العهد!.

الخيبة العثمانية الثقيلة:

تقدمت القوات العثمانية-100000 مقاتل- بقيادة حافظ باشا من أرض المعركة عند مدينة "نصيبين".. وفي المعسكر المصري المكوّن من 40000 مقاتل فقط، نظر سليمان باشا الفرنسوي-مساعد إبراهيم باشا-إلى قادة الجند وقال "بإذن الله نشرب القهوة بعد ثلاث ساعات في خيمة قائدهم حافظ باشا".

وبعد ساعتين فقط، أذل فيها الجيش المصري ناصية الجيش العثماني-رغم الفارق العددي الكبير-كان إبراهيم باشا وسليمان باشا والقادة يشربون القهوة في خيمة حافظ باشا التي كانت مترفة بشكل لا يلائم قائدًا متوجهًا لمعركة حربية!.

وكان الأمر بهذا التحرك هو آخر أوامر السلطان العثماني محمود الثاني الذي مات ممرورًا بحسراته وحاملًا خيباته إلى قبره!
واعتلى ابنه  عبد المجيد الأول العرش.

وكأنما تنقص العثمانيون مصائب جديدة، فقد توجه القبودان باشا (القبطان) قائد الأسطول العثماني بسفنه ووضعها تحت تصرف محمد علي!.

سرعان ما استغل الروس الهزيمة العثمانية والتي أدت لانهيار قوة العثمانيين العسكرية (يومًا بيوم مرج دابق) وسارعوا بفرض حمايتهم العسكرية على العثمانيين وفقا للمعاهدة المذكورة، وارتاع البريطانيون من أن وجود محمد علي في تلك المنطقة يهدد أطماعهم في العراق والجزيرة العربية وطريق الهند، وسعت النمسا لمساندة العثمانيين خوفًا من انفراد روسيا باللعبة.

وحاول العثمانيون مخاطبة محمد علي بالمود ودعوته لنسيان مرارات الماضي وفتح صفحة جديدة-بعد أن كانوا في الأمس القريب يهددون ويتوعدون-ويعده بحكم مصر وراثيًا.

ولكن لأن العثمانيون قد ارتضوا أن تكون يدهم هي السُفلى، فقد سارعت الدول الأوروبية روسيا والنمسا وفرنسا وبروسيا وبريطانيا لإرسال مذكرة للباب العالي "تأمر" فيها الدولة العثمانية ألا تبرم أية اتفاقيات بدون الرجوع للدول الأوروبية الخمسة أولًا!.

ووافق الباب العالي رغم مراسلة محمد علي للصدر الأعظم خسرو باشا يطالبه بعدم السماح بإدخال وسيط أجنبي بينهما!.

وراحت القوى الأوروبية تتجادل حول تسوية الأوضاع في الشرق وقد وقف العثماني المتغطرس سابقًا المنكسر حاليًا موقف المتفرج وكأنما الجدل لا يدور حول بلاد يدعي حقه في حكمها.. وفي خضم ذلك حاول البريطانيون والفرنسيون إقناع الباب العالي بالتخلي عن المعاهدة مع الروس والاستعانة بحمايتهما، فسارع الروس بتهديد العثمانيين لو تخلوا عن تلك الاتفاقية!.

وراح العثمانيون يستَعدون القوى الأوروبية ضد محمد علي إلى حد السماح لبريطانيا بالتهديد بضرب مصر بعد أن قصف الأسطول البريطاني بيروت بالفعل، بل وعرض الروس كذلك أن يقوموا بهذا الدور ضد بلد لطالما ادعى المحتل العثماني أنه حاميه!.

وأخيرًا بعد كل تلك الضغوط وحالات الشد والجذب، لم يجد محمد علي باشا في العام 1841م حلًا يقي دولته الدمار سوى أن ينسحب من الشام على أن يتم تثبيته على ولاية مصر ويصبح حكمها وراثيًا في أسرته، مقابل تعهده بدفع الجزية للباب العالي، وأن يلتزم بحد أقصى لعدد القوات التي تعتبر جزئًا من القوات العثمانية، وأن تسري القوانين العثمانية على مصر.

فشلت محاولة محمد علي باشا التوسعية، ولكن ليس بسبب قوة العثمانيين وإنما بسبب سماحهم بتدخُل الأوروبي المتلمظ لاستعمار الشرق.. في حلقة جديدة من سلسلة الخيانات العثمانية..

فرح العثمانيون بهزيمة محمد علي، ولكنهم نسوا أن كرة الثلج كانت قد تحركت وأن مصر ما بعد تلك التجربة تختلف تمامًا عن تلك التي عهدوها قبلًا.. وأن محمد علي باشا قد بدأ مشروعًا استقلاليًا عن الباب العالي قد يكون تعرقل ولكنه لم يُسحَق!.

وبينما كانت دولة العثمانيين تتداعى، كانت مصر تتقدم حضاريًا وصناعيًا وثقافيًا وتعليميًا.. فالحقيقة أن العثمانيين قد انتصروا في معركة-وانتصارًا لم يحققوه بأنفسهم-ولكنهم قد خسروا الحرب.

ربما يفسر هذا أن كثيرًا من العثمانيين الجدد وأتباعهم ما زالوا ينقمون على محمد علي باشا ويكيلون له الاتهامات المشينة إلى يومنا هذا.. وعلى رأسهم أحد أبرز أبواقهم الإخواني دكتور علي الصلابي الذي بلغ به التدليس أن أفرد فصلًا في كتابه "الدولة العثمانية" لاتهام محمد علي باشا بأنه "ماسوني متآمر ضد المسلمين مع الحركة الماسونية العالمية"، وهي تهمة مضحكة تليق بعقلياتهم، لها حديث خاص للرد عليها.. فللحديث بقية.

عن "سكاي نيوز"

للمشاركة:

رهان تركي خاسر، هل تهوي أسعار الغاز القطري إلى ما دون الصفر؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-05-23

موسكو - لم تُخفِ تركيا أبداً أنّ وجودها في كلّ من قطر وليبيا نابع من الرغبة في منافع متبادلة، سياسية وعسكرية واقتصادية، فأنقرة، التي تُعاني منذ نحو 3 سنوات من أزمة اقتصادية خانقة وتدهور لا يتوقف في عملتها الوطنية، لا تزال مستوردا لموارد الطاقة، بينما تسوء العلاقات التركية مع الكثير من الدول في مُحيطها الإقليمي، ومع الاتحاد الأوروبي الذي يُهدّد بتصاعد عقوباته الاقتصادية على إثر أزمة التنقيب عن النفط والغاز التي تُثيرها أنقرة في شرق المتوسط.
ويبدو أنّ تركيا تُسابق الزمن نحو مواصلة استغلالها للأزمة الخليجية للحصول على المزيد من الأموال القطرية، قبل أن تنفذ، على شكل استثمارات وصفقات ضخمة، وودائع أو هبات مالية لا تُرد، وذلك في مقابل توفير الدعم العسكري الذي بات يصفه بعض المُراقبين الدوليين اليوم بأنّه أشبه باحتلال تركي لقطر.
وفي حين طلبت تركيا من حكومة الوفاق الوطني الليبية مباشرة أعمال التنقيب عن النفط والغاز قبالة سواحل ليبيا، وبينما زاد حجم اتفاق مبادلة العملة مع قطر إلى 15 مليار دولار في اتفاق يوفر سيولة أجنبية تشتد حاجة تركيا إليها، كان من اللافت اهتمام الصحافة الروسية بهذه التطورات الاقتصادية السياسية، مُلمحة لرهانٍ تركي خاسر.
وتحت عنوان "أردوغان يفتح جبهة نفطية في ليبيا"، تحدث إيغور سوبوتين، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن استياء دول عربية تُعتبر حليفة للجيش الوطني الليبي، من خطط تركيا البدء في التنقيب عن النفط والغاز في السواحل الليبية، بينما تنوي أنقرة زيادة حصتها من الإنتاج ولعب دور موزع للنفط الليبي إلى أوروبا.
وبحسب كبير المحاضرين في قسم العلوم السياسية بالمدرسة الروسية العليا للاقتصاد، غريغوري لوكيانوف، فإن الوضع حول ليبيا معقد، ومن شأن أي رهان إضافي أن يلاقي معارضة من خصوم تركيا الرئيسيين، بينما لن يقف أنصار الجيش الوطني الليبي بقيادة المُشير خليفة حفتر، مكتوفي الأيدي.
أما على صعيد الاستغلال التركي المتواصل للغاز القطري، فإنّ الدوحة تُعاني اليوم من خسائر فادحة، وسوف تواجه قريبا خيارا صعبا إما تخفيض الإنتاج أو إطلاق حرب أسعار، وقد تفقد حصتها في السوق وتفسح المجال لأستراليا لتكون أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي المسال، وفقاً لما أوردته "روسيا اليوم".
كما حذّرت وكالة بلومبرغ من اندلاع حرب أسعار في سوق الغاز، متوقعة أنّ "أكبر مصدر في العالم للغاز الطبيعي المسال (قطر) قد يدخل في معركة من أجل السوق بسبب ضعف الطلب وارتفاع تكاليف التخزين".
وأشارت الوكالة إلى أن قطر في فبراير الماضي بعد انتشار فيروس كورونا في آسيا قامت بإعادة توجيه شحنات الغاز من آسيا إلى أوروبا، إلا أن القارة العجوز تعاني الآن ضعفا في الطلب على الغاز بسبب الفيروس، إذ هوت مشتريات الطاقة في أوروبا بشكل حاد.
وانخفضت أسعار الغاز العالمية بعد شتاء دافئ وامتلاء المخزونات وتراجع الطلب بسبب جائحة كورونا، وفي ظل ذلك فإن مصدري الغاز يواجهون وضعا صعبا، ولاسيما قطر، التي تعتمد على صادرات الغاز.
ويحذر محللون من أن منتجي الغاز في العالم قد يكونوا قريبين من خوض حرب أسعار للحصول على حصة إضافية في الأسواق ما قد يدفع أسعار الوقود الأزرق إلى مستويات سلبية إلى أن يقوم بعضهم بكبح الإنتاج لدعم الأسعار.
ومنذ بداية العام انخفضت الأسعار بنحو النصف، فعلى سبيل المثال وصلت أسعار الغاز في أوروبا والولايات المتحدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 1999.
وعلق على ذلك الخبير رون أوزر من شركة "ستاتار كابيتال"، ومقرها نيويورك، قائلا، إنه "لا يمكن لسوق استيعاب الإمدادات الزائدة في ظل الطقس الدافئ ووباء كورونا، وهذا ما وضع قطر في وضع صعب للغاية".
وفي ظل هذا الوضع تملك الدوحة خيار تخفيض الإنتاج، لكن هذا من الممكن أن يقوض خططها المستقبلية، ففي يناير من العام الماضي كشفت قطر عن خطة لزيادة إمدادات الغاز من 77 مليون طن سنويا إلى 110 ملايين طن سنويا بحلول 2024، إلى 126 مليون طن سنويا بحلول 2027.
وفي حال نفذت الدوحة هذا الخيار فسيؤثر ذلك على الميزانية القطرية، وتقول "بلومبرغ" بهذا الصدد إن "انخفاض صادرات الغاز سيؤدي إلى تراجع إيرادات الميزانية في قطر".
ولا يستبعد خبراء أن تضطر قطر في نهاية المطاف إلى خفض إنتاجها، إذ أن تقليص الإنتاج سيساهم في دفع أسعار الغاز إلى الأعلى.
وفي حال أشعلت قطر حرب أسعار في سوق الغاز، فمن الممكن أن تهوي الأسعار إلى مستوى دون الصفر كما حدث في سوق النفط العالمية في أبريل الماضي.
وعن المتضررين من حرب الأسعار، يستبعد خبراء من تداعيات كبيرة لذلك على روسيا، إذ أن الغاز الطبيعي المسال يشكل حصة ضئيلة من صادراتها، أم الغاز الطبيعي الذي تصدره عبر الأنابيب فإن ذلك يتم عبر عقود طويلة الأمد وفي حال رفض المشتري الشراء فسيتعرض لغرامات كبيرة.
في ذات الصدد، تحدثت أولغا ساموفالوفا، في "نيزافيسيمايا غازيتا" الروسية، عن ملامح حرب أسعار في سوق الغاز، تديرها أميركا وقطر.
وجاء في المقال الذي ترجمته ونشرته "روسيا اليوم" إنّ "هناك تنافس على أسواق الغاز في مناطق مختلفة من العالم، تُستخدم فيه القوة، أكثر فأكثر. وثمة معركة أخرى تتكشف بين موردي الغاز في تركيا، حيث يزاحم الغاز المسال الأميركي الغاز الطبيعي من إيران وروسيا. فقد اتهمت وسائل الإعلام الإيرانية تركيا بالمماطلة في إصلاح خط أنابيب الغاز الذي يتم من خلاله استجرار الخام الإيراني. وبدلاً من ذلك، تفضل تركيا شراء الغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة. كما خفضت أنقرة بشكل كبير مشتريات الغاز الروسي، على الرغم من إتمام بناء مشروع "التيار التركي".
وأكدت الكاتبة أنّ قطر تلعب الآن دورا مهما في سوق الغاز، وهي تزود تركيا أيضا بالغاز الطبيعي المسال. وإذا ما خفضت الدوحة أسعار الخام وأطلقت العنان لحرب أسعار، فإن ذلك سيؤدي إلى ركود طويل الأمد في سوق الغاز، سوف يؤثر على كافة الدول.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية