الفيلسوف المسيحي وشيخه المسلم!

7692
عدد القراءات

2017-11-12

طفل مسيحي قصير القامة، يبعث به والده إلى شيخ الجامع الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلًا، ليتعلم على يديه علوم اللغة العربية وفنون البلاغة، فيجد الطفل في الجامع سكناً له، وفي الشيخ القزم عملاقاً يطمئن إليه.
يحكي له الطفل مرة عن زهوه بأدائه في امتحان نصف العام، فيجعل الشيخ موضوع درسه "إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً"، ويأتي في يوم آخر وقد ضربه طلاب المرحلة المتقدمة في المدرسة، لأنه أجاب عن سؤال عجزوا هم عن إجابته، فأهانوه وركلوا طربوشه فجعل الشيخ درسه عن أن "آية الفضل أن تُعادى وتُحسد"، واختتم مع الطفل الدرس بعد أن داوى له جرح كرامته، بقول المسيح: "أبتِ اغفر لهم فإنهم لا يدرون ما يفعلون".
هكذا لم يسع الفتى إلا أن يقارن بين شيخه الذي رفض أن يأخذ مقابلاً على تعليمه بعد أن ضاقت حالة أسرته المادية، بل وصار الشيخ هو من يأتي للفتى في بيته، كي لا يشعر الفتى بمهانة أو نقص من ضيق ذات اليد، وبين جدته التي تبدأ دائماً أحاديثها باسم المسيح، لكنها رفضت أن تساعد والدته في ضائقتهم المالية. مقارنة بين جدة تنتمي للصليب وشيخ يصلي بالناس على محمد خمس مرات في اليوم أوصلت الطفل إلى نتيجة مفادها "أن البر ليس وقفاً على دين دون دين".
وحين بدأت أزمة الفتى الوجودية، ووجد المنزل يلقنه الإيمان تلقناً ويقول له أهله "إنَّ الإمعان في التفكير يسوق إلى الكفر، وإن المناقشة سبيل الشك، وإنَّ من دخل الشك قلبه فارقته نعمة الإيمان، وإنه بغير نعمة الإيمان يهلك المرء ولا يدخل ملكوت السماء"، وجد الطفل في شيخه الضرير خير معين في تلك المرحلة، فقد أزال ما يكتنف ضميره من شعور بالذنب جراء التفلسف ومساءلة السلطة المتمثلة في "الأسرة"، فكان الشيخ يكرر له مراراً وتكراراً أنّ: "الدين المتين يقوى بالتفكير والتعقل، وأنْ اليقين الذي لا يصمد للشك يقين زائف، والمطمئن إليه مخدوع كمن يشيد بيته على الرمال"، كما رفض الشيخ أن يصبح هو سلطة بديلة على الفتى، ورفض كل الرفض أنْ يلقنه الإسلام بدلًا عن المسيحية[1].

قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة

تلك الذكريات بين المفكر المصري المسيحي المثير للجدل، نظمي لوقا وهو طفل وبين شيخه، والتي يشتمل عليها الجزء الأول من كتابه "محمد الرسالة والرسول"، هي ما جعلتنا نعيد النظر في الكتاب الذي نشر لأول مرة في عام 1959 عن مطبعة دار الكتب الحديثة[2]، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة إصدار طبعة جديدة منذ ثلاثة أعوام[3]، فنحن في حاجة إلى دراسة مثل هذا النموذج  الفريد في تاريخ العلاقات الإسلامية القبطية بمصر منذ الفتح الإسلامي لمصر، وفي حاجة لاستكشاف العلاقات المجتمعية التي أنتجت مثل تلك العلاقة الفريدة في مرحلة هامة من تاريخ مصر، هي النصف الأول من القرن العشرين.
ويزيد اهتمامنا بإمعان النظر في ذكريات الدكتور لوقا مع شيخه، حين نرى كيف أنَّ والده المؤمن الرافض للتفكير تماماً في الأمور الدينية، هو من دفع به إلى الجامع وإلى الشيخ الضرير، بل رضخ إلى تعليمات الشيخ حين نهى الطفل عن أن يقول على غلام الشيخ الذي يساعده على قضاء حاجاته "خادم"، وعلمه أنْ يقول فتاي وفتاتي كما كان الرسول محمد يقول، فبات الطفل يقص على أمه طرفاً مما وعاه من آداب الرسول وصحابته، حين يجد أمه تسبّ خادمها وهي تتعجله في قضاء حاجة ما، فغضب الأب المسيحي في البداية وذهب للشيخ غاضباً لأنه يعلم الولد آداباً إسلامية، قائلًا للشيخ: "إنَّ الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات"، فأجابه إجابة مباغتة لم يكن يتوقعها الوالد: "أما قرأت إنجيلك؟ ألم تجد فيه أن المسيح غسل أقدام حواريه.. إن آداب الرسل ليس فيها تفاوت، وإنما التفاوت عندنا حين نفرط في لباب الدين لنتعلق بزخارف الدنيا"[4]، فما كان من الوالد إلا أنْ رضخ لتعاليم الشيخ وآذن أم الفتى أنه سيستأنف درسه منذ الغد، قائلًا لأمه: "إني يا فلانة لأستحي أن يظن الشيخ بنا دون هذه الآداب الجليلة التي يعلمها".
وما يزيد اهتمامنا بالإمعان في سياق تلك الحالة التاريخي، وتلك المرحلة المهمة في تاريخ مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، حين نرى عنوان جريدة المورنينج بوست بتاريخ 19 أبريل (نيسان) 1919، وهي تتحدث عن واحدة من أهم الأحداث التي عاصرت تلك الحقبة التي وقعت فيها قصة الطفل نظمي لوقا مع شيخه وهي حادثة "ثورة 1919"، فقد لخصت الجريدة وضع المسيحيين في قلب الثورة ضد الاحتلال البريطاني بقولها: "إنَّ الأقباط أكثر حماسة للملكية من الملك نفسه"، بمعنى أنهم أكثر حماسة للاستقلال الوطني من الأغلبية المسلمة ذاتها[5].
بالطبع تبدو قصة الطفل المسيحي مع الشيخ الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلاً، شديدة الغرابة في عصرنا الحالي، وفي قرننا الواحد والعشرين، ففكرة أن يذهب أب مسيحي بطفله إلى شيخ الجامع ليعلمه، ويكون مرشداً له، بل ويؤنسه في رحلة شكه في دينه، تعد درباً من الخيال، إذا تصورناها في مصر القرن الواحد والعشرين، بعد عقود من تسييس الهويات الثقافية، حتى على صعيد الخطاب الحقوقي.

حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد، كرس الجزء الأول منه لذكرياته مع شيخه

لكننا حين نحاول فهم تلك الحالة يجب ألا ننزلق إلى فهم متسرع لطبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الحقبة، فلا شك من أنّ فترة الاستعمار البريطاني لمصر شهدت بروزاً حقيقياً لحوادث طائفية، ومنذ أنْ رست السفن الإنجليزية على المياه الإقليمية المصرية، بدأ صوت الخطابات الرجعية النابذة لقيم المواطنة في الارتفاع، فالمواطنة التي أرسى محمد علي دعائمها في مصر قبل أي دولة إسلامية وقبل الخلافة العثمانية، وتواصل تصديرها من جانب السلطة إلى المجتمع بنجاح عبر تغيرات إجتماعية واقتصادية تحديثية حتى وصل الأمر في عهد إسماعيل أن كتبت لوسي دوف جوردون: "إنّ أهالي ببا، ومعظمهم من المسلمين، انتخبوا جرجس القبطي عمدة لهذه البلدة، ومما أثار إعجابي روح التسامح التي أجدها في كل مكان. ويظهر أن المسلمين والأقباط على وئام تام"[6]، لكن مشروع المواطنة هذا تعرض إلى ضربات عديدة في ظل الاحتلال البريطاني.
وما يعنينا هنا أن الطبقات الوسطى في المجتمع المصري وهي المتمثلة في قصتنا هذه بالموظف "والد نظمي لوقا" وشيخ الجامع - اللذان لم يكونا من الطبقة الإقطاعية - استطاعت أن تحافظ على ما تكون من قيم المواطنة قبل الاحتلال البريطاني، قيم المواطنة التي تشكلت بالتوازي مع تشكل الدولة القومية الحديثة في مصر، وتغيّر مردود مسيرتها دوما وفق التغيرات الجوهرية في النظم الاقتصادية وفي التشكيلات الاجتماعية.

والأمر الآخر الذي يعيننا على فهم الرغبة الجارفة لوالد نظمي لوقا في أن يتقن ابنه علوم اللغة العربية على يد الشيخ، هو معرفة الظرف الطارئ الذي تعرض له الأقباط منذ أن تطور التعليم في مصر تطوراً ملحوظاً، وبدأ الأقباط يفقدون احتكارهم التاريخي للوظائف المالية في البلاد فصاروا في تحد،ٍ لتحصيل قدر كبير من التعليم يوفر لهم فرص العمل التي يحتاجونها.[7]
ومن الدروس المفتاحية في قصة الطفل والشيخ، أنّ إيمان الشيخ بحرية الاعتقاد إيماناً مطلقاً كان له عميق الأثر في الطفل الذي هجر المدينة ولم يره مرة أخرى بعد سن العاشرة، إلى أنْ نال شهادة الدكتوراة وكتب عن شخصية الرسول محمد التي عرفها عبر شخصية شيخه المتسامح العقلاني.
هذا الشيخ الذي رفض دوماً أن يستبدل سلطة تلقين العقيدة المسيحية للطفل في المنزل بسلطة تلقينه العقيدة الإسلامية في المسجد، رغم أن الطفل كان يطلب ذلك أحياناً، لكنه فضل أن يعلم الطفل حرية الإرادة، ومتعة التفلسف. وهكذا يخدم الإيمان بحرية الاعتقاد والضمير، الدين، فالإيمان الملقن يولد بداخل صاحبه ثورة شك يستشعر معها يستشعر معها الذنب دوماً، ويخرج للحياة مرتاباً تعيساً وبدلاً من أن يفتح الدين للإنسان ممكنات للحياة، تجد الشك المؤرق يسم له ينابيعها.
وهكذا حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد - بعد أن صار أستاذاً جامعياً في الفلسفة - كرس الجزء الأول من كتابه لذكرياته مع شيخه الذي كان بمثابة منظار، ينظر من خلال شخصيته على الرسول محمد، ولعله كان يكتب كلاماً مختلفاً تماماً لو أنّ هذا الشيخ فضل أن يلقنه الإسلام حينها، بدلاً من أن يعلمه متعة التفلسف، وحرية الضمير.
قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل وتفاعل وانسجام تام، بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير يوماً مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة. وفي القصة تجسيد حقيقي لاحترام حرية الاعتقاد الفردية من الأساس، وليس احترام الهويات بعد تسييسها باعتبارها معطى نهائياً.
إن هذا هو ما شددت عليه الفيلسوفة الأمريكية الشهيرة نانسي فرايزر في أطروحاتها، وهو "عدم اختزال العدالة الاجتماعية بالاعتراف بهوية جماعة محددة بما هم جماعة، وإنما الاعتراف بمواقع الأفراد التابعين لتلك الجامعة بما هم شركاء فعليون في التبادل الاجتماعي، أي شركاء كاملو العضوية والحقوق في المجتمع".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



رشيد رضا والإصلاح الديني ... انقلاب على الانقلاب

2019-07-11

من الشائع عن الشيخ رشيد رضا؛ أنّه نفّذ انقلاباً فكرياً على تعاليم الإمام محمد عبده، أو على مدرسة الإصلاح التوفيقية (بقيادة جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده) لصالح "التسلّف"؛ وأنّه كان حلقة الوصل (الإشكالية) بين مدرسة "الإصلاح" والإسلام الحركي، الذي كانت جماعة الإخوان المسلمين (بقيادة تلميذه حسن البنا) نموذجه الأول والأبرز.

اقرأ أيضاً: عندما اتهم رشيد رضا طه حسين بالإلحاد والكُفر!
ومن أجل تأكيد صحة تلك الافتراضات؛ يتعين مناقشة طبيعة "الإصلاح"، وحدوده، وعلاقته بفكر رشيد رضا، وبحث ما إذا كان رضا منقلباً فعلاً على فكر الإصلاح؟ وما حيثيات هذا الانقلاب؟ وما علاقة الشيخ بسياقه الاجتماعي والتاريخي؟ وأخيراً مدى تكريسه للرؤية الأصولية للعالم، وهل كان رائدها في الأساس أم حلقة إشكالية من حلقاتها؟
الإمام محمد عبده

بدايات المصلح ومآزق الإصلاح
في الوقت الذي انطلقت فيه دعوات الإصلاح من القاهرة، ظهرت نشاطات إصلاحية في الشام، كان من أبرز أعلامها حسين الجسر، الذي درس في الأزهر، ثم أسّس في طرابلس المدرسة "الوطنية الإسلامية"، التي درس فيها رشيد رضا.

كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها

كان رضا قد وُلد في القلمون، لعائلة من "الأشراف"، وتعلّم في كتّاب القرية، ثم دخل مدرسة حكومية، لم يلبث فيها سوى عام واحد، لسخطه على مناهج التدريس التي تهدف لتخريج موظفين؛ لينتقل إلى مدرسة حسين الجسر (الوطنية الإسلامية)، ويدرس فيها علوم الشريعة واللغة، وبعد إغلاق المدرسة، شرع في طلب العلم في المدارس الدينية في طرابلس.
سيطبع هذا التكوين (أحادي الثقافة) مسيرة رشيد رضا بأكملها؛ إذ ظلّ حتى رحيله يشعر بالاكتفاء الذاتي ثقافياً، ولم يسع لتعلّم لغة أجنبية (وإن كان اطّلع على بعض الكتب المترجمة)، أو لإقامة أيّة علاقات مع الأوروبيين، على عكس أستاذه، محمد عبده، الذي أتقن الفرنسية، وأقام علاقات وثيقة مع مفكّرين وساسة أجانب.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
وبواسطة هذه العلاقات بالذات استطاع محمد عبده تأمين دعم مالي وإداري لرشيد رضا، حين قرّر تأسيس مجلة "المنار" 1898، ومن خلال خبرته السياسية، قدّم لرضا نصيحة تمثّل خلاصة تجربته، وهي الابتعاد عن الصراعات السياسية المباشرة، والانغماس في قضايا التربية والتعليم، وانتشال الأمة من التخلف والضعف، برسم المواجهة طويلة المدى مع الآخر الاستعماري، لا المواجهة العاجلة والمباشرة، كما أمِلَ الأفغاني.
تأسست "المنار" في الأساس لإحياء تعاليم "العروة الوثقى"، التي أطلقها الأفغاني وعبده عام 1884، والتي لم يصدر منها إلا 18 عدداً، بعد أن نزع رضا عن تلك التعاليم طابعها السياسي، حتى تتلاشى المتاعب المتوقعة من قبل الإنجليز والسلطة في مصر، وصارت "المنار" استئنافاً للخط التحريري الاجتماعي والفكري الذي صاغه الشيخان، خصوصاً فيما يخصّ الوحدة الإسلامية.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
ورغم تخلّي الشيخ رضا عن أيّ طرح سياسي مباشر، إلا أنّ السياسة كانت حاضرة دائماً في اختياره لموضوعاته، وفي ردوده على مقالات جريدة "المقتطف" العلمانية؛ ومن ثم فقد كانت مجلة سياسية بالمعنى العميق.
فقد كانت فكرة الجامعة الإسلامية (وهي فكرة سياسية)، هي الأساس الفكري للمجلة، وفي تحديده لها، يقول رضا: "لها [الجامعة] طرفان: أحدهما يضمّ المعتقدين بالدين الإسلامي، الذين يربطهم رابط الأخوّة الإيمانية حتى يكونوا جسماً واحداً، وقد انحلت هذه الرابطة، لكنّها لم تنتهِ، غير أنّ من الممكن توثيقها وشدّها بعدد من الإجراءات العامة والخاصة. أمّا الطرف الآخر؛ فهو الذي يربط المسلم وغيره من أرباب الملل برابطة الشريعة العادلة، وهذه الرابطة طرأ عليها ما حلّ عقدتها في بعض الحكومات، وما أزالها كلياً في حكومات أخرى، فصار الحال يقضي على المسلمين في كلّ قُطر أن يسعوا بالاشتراك مع مواطنيهم الذين يحكمون معهم بحكومة واحدة إلى كلّ ما يعود على وطنهم وبلادهم بالعمران، ويفجّر فيهم ينابيع الثورة من أجل مزيد من المنعة والقوة والاستعداد".

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
واعتقد رضا أنّ بالإمكان تحقيق الجامعة الإسلامية عبر الترويج للوسائل التي تؤدي إليها، مثل الإصلاح الديني، ورغم تخليه عن العمل السياسي الصريح، إلا أنّه كان مدركاً أنّ إصلاحاً من هذا النوع لن يتحقق بمعزل عن إرادة سياسية "تجمع كلمة المسلمين على عقيدة واحدة وقانون شرعي واحد، ولغة واحدة (هي العربية)".
وبالنسبة إليه؛ فإنّ الإصلاح المأمول "يتوقف على تأليف جمعية إسلامية، تحت حماية الخليفة، يكون لها شُعب في كلّ قُطر إسلامي، وتكون أعظم شُعبها في مكة المكرمة، التي يؤمّها المسلمون من جميع الأقطار، ويتآخون في مواقعها ومعاهدها المقدسة، وأهم اجتماعات هذه الشعبة تكون في موسم الحج الشريف".
جمال الدين الأفغاني

وينيط رضا ثلاث مهمات بهذه الجمعية:
1- تلافي البدع والتعاليم الفاسدة قبل انتشارها.
2-  إصلاح الخطابة.
3-  الدعوة إلى الدين.
وهو يعلق آمالاً عريضة على هذه الجمعية، أهمها إحداث تقارب بين الحكومات الإسلامية، والاتحاد على صدّ هجمات أوروبا، وإيقاف مطامعها عند حدود معينة! ويرسم لها أفقاً صاغه على غرار التحالف البريطاني الفرنسي في السياسة الخارجية، والنموذج الأمريكي في الإصلاحات الداخلية المتعلقة بالتربية والتعليم.
ويدرك المصلح السوري محدودية الجانب التربوي والتعليمي في الإصلاح المأمول؛ لذا يضع شرطين لهذا الإصلاح: أولهما: أن يكون الحكم شورياً قائماً على العدل والمساواة بين الرعية، يتولاه موظفون أكفاء يكونون بمثابة "أُجراء للأمة"، ليسوا سادة لها، ولا مستبدين عليها.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
والثاني، وهو مرتبط بالأول: تغيير أفكار الأمة وأخلاقها بنشر العلوم والآداب الاجتماعية والأخلاقية، حتى يولد لدى الأمة، ولدى الحكام في آن، الاستعداد للإصلاح.
وفي ملاحظة بالغة الخطورة، وهي مستوحاة من فلسفة ابن خلدون الاجتماعية، يرفض رضا أن تكون الشورى مجرد "ائتمار بأمر الدين وعمل بهدايته"؛ بل يجب أن تكون انعكاساً ميكانيكياً للارتقاء الاجتماعي، وإلا لن يطول العهد عليها، كما كان الحال مع حكومة الشورى عند المسلمين الأوائل؛ إذ لم تلبث أن عصفت بها العصبيات في مهدها. وعليه؛ يستنتج أنّ "التاريخ الطويل للاستبداد في مسيرة الأمة التاريخية كان ثمرةً لعدم استعداد المحكومين للسيطرة على حكامهم، بسبب قلة معارفهم الاجتماعية" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه "أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988).

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
في طبيعة الحال، تطلّب النوعان من المواجهة، السياسية والحضارية، اعترافاً بتخلّف المسلمين، مع تنزيه الإسلام عن التسبّب في ذلك، وكأثرٍ من آثار التلمذة الفكرية على عبده والأفغاني، أعطى رضا أولوية حاسمة للإسلام في تطوير حياة المسلمين المعاصرين وانتشالهم من التخلف؛ فـ "القرآن هو الحلّ" لكلّ المشكلات، وبالرجوع إليه تعود للأمة وحدتها، وتُقام فيها الشورى والعدل (كما يقول أحمد صلاح الملا، في كتابه "جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة، رشيد رضا ومجلة المنار 1935- 1898".
حتى هنا كانت الأساسات الفكرية لمدرسة الإصلاح متفقاً عليها بين أعلامها الثلاثة؛ فأزمة المسلمين تكمن في انحرافهم عن الإسلام؛ فهم كانوا أعزاء وأقوياء حين كانوا متمسكين بتعاليم الله تعالى، وحين تخلوا عنها كان من الطبيعي أن يصابوا بالتخلف والانحطاط، وحتى يمكن رفع هذه العقوبة الإلهية، تجب العودة إلى الإسلام.
تمثال ابن خلدون في تونس العاصمة

حيثيات الانقلاب المنقوص
اتفق أعلام الإصلاح على تطهير الإسلام من شوائبه، وبدؤوا بالتصوف، إلّا أنّه ما كان يدينه الأفغاني، وينتهي منه سريعاً لينتقل إلى غيره، وما كان يقاربه محمد عبده بحذر وروية، اشتبك معه رشيد رضا بتصلب وعنف شديدَين؛ إذ تجاوز الشيخان معاً، ليستلهم ابن تيمية، ويستدعيه، كي يشارك في حملته الضارية على الصوفية التي شنتها "المنار".

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وليس معقولاً أن يستدعي رضا ابن تيمية في البدع ويتجنّب رؤيته للإصلاح؛ فحين تعلق الأمر بـ "السلف الصالح"، الذي حاول محمد عبده، بعنادٍ حديدي، التخفف من سلطته، دافع رضا عن تلك السلطة المعيارية بحسّ تكفيري عالٍ تظهر عليه بصمة ابن تيمية بشكل لا تخطئه العين.

لم يكن انقلاب رضا على أستاذه محمد عبده كاملاً فقد جاراه في رؤيته السياسية وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار

وضمن هذه الروح؛ ألغى رضا وظيفة العقل، تقريباً، بحصر دوره في إقامة الدلائل على صحة العقائد، ومن ثّم تحدّد مسبقاً موقفه من الاجتهاد؛ فرغم رفضه "النظري جداً" لإغلاق باب الاجتهاد، إلا أنّه، بتعريفه للاجتهاد بأنّه "تقيّد محض بأحكام القرآن والسنّة وسيرة السلف الصالح"، يكون قد وضع حجراً إضافياً خلف باب الاجتهاد المُوصد.
وطبيعي في مسار كهذا أن يعيد رضا تثبيت مفهوم "الإجماع" كسلطة مقيدة للاجتهاد، حتى كاد أن يساويه مع سلطة القرآن والسنّة، وطبيعي أيضاً أن يكون موقفه في علم الكلام متناغماً مع موقفه في الفقه؛ إذ كان منذ بداياته الأولى رافضاً للمعتزلة ومنحاهم العقلاني، وظلّ مُحصناً طويلاً من تأثيرات أستاذه محمد عبده، الذي تميّز بحسّ اعتزالي رصين (لاحقاً سيحاول رضا تطهير محمد عبده من درائن الاعتزال؛ وسيحشد كلّ الأدلة الممكنة والمتخيلة حتى يُثبت أنّ الآراء الاعتزالية المنسوبة إلى الإمام مدسوسة عليه).

اقرأ أيضاً: حبيب جرجس: نظير محمد عبده في المسيحية المصرية
كان الشيخ محمد عبده قد نفّذ انقلاباً فكرياً على جمال الدين الأفغاني، حوّل بموجبه "الإصلاح" من أيديولوجيا تجميع ومواجهة للمحتل الغربي، إلى خطة بعيدة المدى لإصلاح البناء الفكري للعالم الإسلامي، وبهذا المعنى يكون مشروع رشيد رضا بمثابة استئنافٍ، بوجهٍ ما، للأفغاني؛ أي نفّذ انقلاباً على الانقلاب.
تتمة الانقلاب
لم يكن انقلاب رشيد رضا على أستاذه كاملاً؛ فقد جاراه في رؤيته السياسية، وعُرف بموقفه المهادن من الاستعمار، منذ أن انطلقت مجلته "المنار"، حتى تباشير الحرب العالمية الأولى، التي تحوّل موقف رضا خلالها نحو الاحتلال الإنجليزي من الرضا إلى العداء؛ لتيقنه من خيانة بريطانيا للمسلمين.
كان هذا هو العنصر المفقود للانقلاب، وكان على رضا، من أجل إتمام انقلابه، العودة إلى الأفغاني ومواقفه المتصلبة من الاستعمار، وستحمل هذه الخلاصة صدمة، من نوعٍ ما، لمن رأوا في رشيد رضا منافحاً دائماً عن قضايا الأمة ومناضلاً لا يلين ضدّ الاستعمار.

اقرأ أيضاً: جمال الدين الأفغاني: هل كان "عراب الصحوة" إسلامياً؟
طوال الوقت أظهر رضا موقفاً مناهضاً للاستعمار، من خلال مقالاته "نصف النارية" التي، رغم لغتها العنيفة، لا يمكن بناء أيّ موقف سياسي عليها ضدّ الاستعمار، ولا يمكن لقارئها قطعاً أن يحتشد ويُثار وينخرط في حركة مقاومة سياسية أو عسكرية، في طبيعة الحال، ضدّ الإنجليز؛ إذ اختار رضا طريق المقاومة الحضارية بعيدة المدى.
كان موقف محمد عبده السياسي قائماً على استبعاد إمكانية الحصول على الاستقلال في ظلّ تخلّف الأمة وضعفها البادي، ولم يكن رضا بمنأى عن هذا الموقف، بل عبّر عنه، فقط، بلغة جمال الدين الأفغاني، وهنا كمُنَت الخدعة.
على أيّ أساس بنى رضا موقفه السياسي؟ لم يكن هناك بين أعلام مدرسة الإصلاح الثلاثة: الأفغاني، عبده، رضا، من هو منقوصُ الاستقلال أو التابع أو المقلد، وبالتالي ليس هناك مجال للقول إنّ رضا قد تبنى موقفاً مهادناً من الاستعمار سيراً على خطى عبده؛ فكثيراً ما خالفه علناً في قضايا عديدة؛ وبالتالي يجب البحث عن سبب آخر بُني عليه هذا الموقف الإشكالي.

اقرأ أيضاً: هل يحتاج التيار التنويري إلى وقفة نقد ذاتي جريئة؟
وضع رضا معياراً يحدّد موقفه من الاستعمار، وهو معيار مجلوب رأساً من قلب الممارسة التاريخية للإسلام؛ إذ حدّد الفقهاء أوضاعاً بعينها تقتضي الخروج على الحاكم: تحديه للعقيدة الإسلامية، منعه أداء المسلمين لشعائرهم، إلغاؤه للتعليم الديني؛ فيضيع العلم الشرعي بموت العلماء؛ إذ ليس هناك طلاب يحملونه عنهم، وعليه؛ رأى رضا أنّ الاحتلال الإنجليزي مقبول ما لم يمسّ الثوابت التي وضعها الفقهاء في السابق (كان موقفه من الاحتلال الفرنسي للجزائر عدائياً بالكامل؛ نظراً لفرض فرنسا ثقافتها بالقوة على المجتمع الجزائري المسلم، وسعيها، الذي لم يهدأ، لطمس ثقافته المحلية). وفي تخطٍّ لموقف أستاذه محمد عبده المهادن، اعترف رضا بحقّ بريطانيا في السيادة على العالم الإسلامي بحكم تفوقها الأخلاقي والعلمي.

استيلاء إيطاليا على طرابلس عام 1911
سريعاً ما ستتلاشى أوهام رضا حول النوايا الطيبة للاستعمار؛ فبعد استيلاء إيطاليا على طرابلس، عام 1911، واندلاع الحرب بين دول البلقان والدولة العثمانية، عام 1912، بدأ رضا يدرك الطبيعة التدميرية للاستعمار وتعقيدات "المسألة الشرقية"، في ظلّ الأطماع المتنامية للدول الكبرى في اقتسام "إرث الخلافة"، وفي صدارتها بريطانيا "العاقلة"، كما كان يسميها.
بدأ رضا يفقد الأمل في بريطانيا، وقرّر معارضتها علناً، والتحريض على وجودها في المجتمعات الإسلامية، وعّززت الحرب العالمية الأولى نزعته العدائية تجاهها، حتى أصبحت بريطانيا في عُرفه هي "الشيطان الأكبر" حصراً؛ وتبرّع بإصدار ثاني فتوى "تكفير سياسي" في العالم الإسلامي الحديث (كانت الأولى من نصيبه أيضاً، حين كفّر الحاكم المستبد أثناء صراعه مع السلطان عبد الحميد)؛ إذ رأى أنّ الحياة تحت سلطان بريطانيا "كفر صريح ورِدّة عن الإسلام"، ورغم هذا الجنوح (المتوقع من أيّة أصولية: إصلاحية أو سلفية) نحو التكفير، لم يطوّر رضا أيّة نظرية للجهاد ضدّ الاستعمار.
في هذا الزمن، دخلت الخلافة العثمانية بخطى واسعة وسريعة مرحلة أفولها، وتنافست القوى العظمى على تركة الإمبراطورية، واحتلّ الحلفاء (بريطانيا وفرنسا) أراضي تركيا نفسها، فيما حاول مصطفى كمال أتاتورك ردّ الثقة إلى الجيش والشعب، عبر النضال ضدّ المحتلين، في وقتٍ كانت فيه الحكومة العثمانية متورطة في مساومات مع الدول الأوروبية، انتهت بقبولها بمعاهدة "سيفر" 1910 المهينة؛ التي كرّست تمزيق الإمبراطورية، إلا أنّ أتاتورك حطم المعاهدة علمياً، باسترداده منطقة "أزمير"، الداخلة ضمن بنود المعاهدة.
آنذاك، كان كلّ نصر يحققه الكماليون يُخصم من رصيد السلطنة العاجزة، ويعزز إمكانية إطاحتها، حتى إذا جاء عام 1922 ألغى المجلس الوطني في أنقرة السلطنة، وأعلن تركيا دولة جمهورية، وهو قرار لاقى تأييداً جارفاً في مصر، التي ماهت بين حركتها الوطنية ونظريتها التركية، وتأييداً حذراً في بقية العالم الإسلامي، لكن بعد دفع القرار إلى نتيجته المنطقية بإلغاء الخلافة، عام 1924، ثارت ثائرة العالم الإسلامي.
كان رشيد رضا الصوت الأكثر بروزاً في معارضة فصل الخلافة عن السلطنة، والأكثر صخباً بعد سقوط الخلافة نفسها، وكان هذا ما اشتُهر به لاحقاً.

للمشاركة:

"الإنسان قمة التطور": سلامة موسى متأثراً بداروين وجالباً على نفسه اللعنة!

2019-07-03

ظهرت في القرن التاسع عشر العديد من النظريات الكبرى، التي حاولت أن تفسر الإنسان والعالم تفسيراً شمولياً بردّه إلى المبدأ الواحد (اللوجوس). وقد ظهرت هذه النظريات في حقول معرفية عدة، كان منها الأحياء؛ حيث برزت فيها "نظرية التطور" التي أطلقها تشارلز داروين، وقد لاقت النظرية قبولاً كبيراً في أوساط الجماعة العلمية آنذاك، في حين لاقت معارضةً كبيرة من المؤسسات الدينية المسيحية.

اللغة تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة

وتقوم النظرية على افتراض مادي أساسه أنّ الكائنات الحية عُرضة للتطور من خلال التغير على مدار الزمن، هذا التغير يأخذ شكلاً تدريجياً؛ حيث تحدث تطورات كمية ونوعية في البنية الأساسية للكائن الحي. ويستند التطور إلى قاعدة حتمية هي؛ أنّ البقاء للأصلح، وأنّ التكيف أساس البقاء، بمعنى أنّ أساس بقاء الكائن الحي مرهون بصلاحيته، وصلاحيته تعتمد بشكل كلي على قدرته على تكييف نفسه مع الواقع من حوله.
وكان المفكر المصري سلامة موسى من أوائل من استقبلوا بحفاوة النظرية الداروينية، فأنشأ يكتب عنها وفيها، متأثراً بميوله العلمية وتفكيره الاشتراكي المادي، ودعوته إلى أنّ محاكاة الغرب والتجربة الحضارية التي خاضها هي الكفيلة بارتقاء المجتمع المصري.
ولد سلامة موسى عام ١٨٨٧ بقرية بهنباي على بعد سبعة كيلومترات من الزقازيق لأبوين قبطيين. التحق، كما تقول كتب السيرة المتصلة به، بالمدرسة الابتدائية في الزقازيق، ثم انتقل بعدها إلى القاهرة ليلحق بالمدرسة التوفيقية ثم المدرسة الخديوية، وحصل على شهادة البكالوريا عام ١٩٠٣.
تشارلز داروين

الرحلة إلى الغرب
سافر عام ١٩٠٦ إلى فرنسا ومكث فيها ثلاث سنوات قضاها في التعرف على الفلاسفة والمفكرين الغربيين. انتقل بعدها إلى إنجلترا مدة أربع سنوات بغية إكمال دراسته في القانون، إلا أنه أهمل الدراسة وانصرف عنها إلى القراءة، فقرأ للكثيرين من عمالقة مفكري وأدباء الغرب، أمثال: ماركس، وفولتير، وبرنارد شو، وتشارلز داروين، وقد تأثر موسى تأثراً كبيراً بنظرية التطور أو النشوء والارتقاء لتشارلز داروين. كما اطلع موسى خلال سفره على آخر ما توصلت إليه علوم المصريات.

داروين رفع الإنسان إلى العلياء، وأثبت أنّه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة

بعد عودته إلى مصر، أصدر كتابه الأول تحت عنوان: "مقدمة السوبرمان"، الذي دعا فيه إلى ضرورة الانتماء الكامل للغرب، وقطع أية صلة لمصر بعالم الشرق. كما أصدر كتاباً آخر بعنوان: "نشوء فكرة الله"، يلخص فيه أفكار الكاتب الإنجليزي جرانت ألين، التي تتضمن نقد الفكر الديني والإيمان الغيبي، الذي يرى فيه تخديراً للشعوب وإغلالاً لأيديها. كما تَبَنَّى موسى كثيراً من الأفكار العنصرية التي سادت الغرب آنذاك؛ حيث دعا إلى أن يتزوج المصريون من الغربيات لتحسين نسلهم، وردد بعض المقولات العنصرية عن الزنوج التي كانت تعتبرهم من أكلة لحوم البشر!
المفكر المثير للجدل
توفي سلامة موسى عام ١٩٥٨، تاركاً إرثاً مثيراً للجدل، مدحه البعض كغالي شكري، حيث اعتبره نصيراً للطبقات الكادحة، ومحررا للعقول من الأوهام، وانتقده البعض الآخر كالعقاد الذي قال: "إن سلامة موسى أثبت شيئاً هاماً؛ هو أنه غير عربي". كما قال: "إنّ العلماء يحسبونه على الأدباء والأدباء يحسبونه على العلماء؛ لهذا فهو المُنبتّ الذي لا عِلْماً قطع ولا أدباً أبقى". وقد هوجم سلامة موسى من "مجلة الرسالة" الأدبية، التي وصفته بأنه الكاتب الذي يجيد اللاتينية أكثر من العربية، كما اعتبره مصطفى صادق الرافعي بأنه "معادٍ للإسلام"، ولم يره إبراهيم عبد القادر المازني سوى "دجال ومشعوذ".

اقرأ أيضاً: الإسلام والداروينية عند أمين خولي
ومن بين كتبه التي ألّبت عليه المحافظين من الكتاب والأدباء المصريين، كتابه "الإنسان قمة التطور" الذي نشره مسلسلاً، ثم جمعه في كتاب صدر عن دار المعارف بمصر، وهنا نورد منه ما يأتي:
كتابه "الإنسان قمة التطور"

مقتطفات من كتاب الانسان قمة التطور للكاتب سلامة موسى:
الشاب الذي درس التطور في الأحياء؛ نباتاً، وحيواناً، لا يتمالك أن يحس إحساساً دينياً نحو الطبيعة، ثم إذا درس بعد ذلك تطور المجتمعات والأديان والعائلة والثقافة والعلم والأدب والفن والحضارات، فإنه لا يتمالك أيضاً أن يحس المسؤولية نحو الوسط الذي يعيش فيه، ويجب أن يؤثر فيه، للخير والشرف والسمو؛ لأنه هو نفسه قد أصبح جزءاً عاملاً في هذا التطور، ويمكن أن يعد التطور بهذا الفهم ديناً أو مذهباً بشرياً جديداً.
اللغة بدورها تحتاج إلى الحياة الاجتماعية؛ إذ هي للتفاهم؛ أي: أن يفهم واحد ما يقوله الآخر؛ أي إنّ اللغة ليست اختراع فرد وإنما هي اختراع جماعة.

اقرأ أيضاً: ريتشارد دوكنز يعيد إحياء الداروينية: هل للملحد ما يواسيه؟
إنّ كل كلمة فكرة، وتسجيل الكلمات في الدماغ هو بمثابة تسجيل الأفكار، وهذه الأفكار تتصادم وتتفاعل في الدماغ الذي يكبر وينمو كي يستوعبها.

ما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ لغيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة

الزراعة أنتجت الحضارة، والكتابة أنتجت الثقافة. وبالكتابة توسع التفكير البشري ووجدت كلمات التعميم والشمول، وأصبحت ممكنة، وصار الذكاء مدرباً على الفهم العام، ورويداً رويداً تحول البحث "النظري" الديني القائم على العقائد والخرافات إلى بحث فلسفي قائم على العقل والمنطق.
إنّ التقاليد تعوق التطور، والاستعمار يأكل ويشبع من الشعوب التي تجمدت بالتقاليد وسيطرت عليها الأديان التي تعلمها أنّ السعادة في عالم آخر وليست في هذا العالم، وأنّ العقيدة الدينية أهم من البترول.
(لا تعتني إلا بالصيد والكلاب، وإمساك الجرذان، وسوف تكون عاراً على نفسك وعلى عائلتك). هذه هي الكلمات التي تلقاها داروين من أبيه في وقت كان يلوح لأي إنسان يتأمل داروين أنها صحيحة، وأنّ هذا الشاب قد خاب الخيبة التامة، فقد تسكع في دراسات مختلفة، ولكنه لم يستقر على واحدة منها، فقد التحق بكلية الدين ثم تركها، والتحق بكلية الطب ثم تركها، وفي غضون ذلك كان يلعب، أو على الأقل كان يبدو كأنه يلعب، يخرج إلى الحقول ويجمع النباتات، ويصيد الحشرات ويقارن بين النباتات، ويفكر تفكيراً سرياً كأنه يتآمر على الكون كله، كي يغيّره أو يغيّر البصيرة البشرية فيه.
وبعد أكثر من مئة سنة من هذه الكلمات القاسية التي قالها أبوه عنه، لم يعد داروين عاراً على عائلته، بل هو فخر أمته يتباهى به التاريخ الإنجليزي، وبعد نحو خمسين سنة من هذا التوبيخ الأبوي، تأمّل داروين حياته الماضية، وبلغ ما أتمّه من الخدمة في التوجيه. قال: "أظن أنّ أبي قد قسا عليّ بعض القسوة".
جاليليو وداروين
لقد قيل: إنّ جاليليو حط الإنسان من عليائه، حين أعلن أنّ الأرض ليست مركز الكون، وأنها كوكب صغير يدور حول الشمس، ولعل الشمس أيضاً نجم صغير لا يختلف عن ملايين النجوم التي نراها كل ليلة في المساء، ولكن داروين رفع الإنسان إلى هذه العلياء من جديد، وأثبت أنه لم يكن عالياً فسقط، وإنما هو كان ساقطاً يعيش على حضيض الطبيعة حيواناً كسائر الحيوانات والحشرات، ثم ارتفع، وبهذه الكرامة الجديدة انتقل من أسر القدر، وأحسّ أنه تاج التطور، وأنّ له الحق في تدبير هذا العالم، وفي تعيين السلالات القادمة، بل ماذا أقول في إيجاد الأنواع البشرية الجديدة؟

جاليليو
الوسط الاجتماعي أو البيئة الثقافية في أوسع معانيها، حين تشمل المعيشة والاتجاه والعادات والعواطف، هي الحافز للتفكير، فإننا مع ذلك يجب ألا نُغفل الشخصية؛ وما دام كل فرد يولد مختلفاً عن الآخر في الحيوان والنبات، فإنّ هذا الاختلاف ينطوي بلا شك على ميزة أو عجز، فهو يساعد في الحال الأولى على البقاء والانتصار في معركة الحياة، وهو يهيئ له الهزيمة في الحال الثانية.

اقرأ أيضاً: أبناء داروين أم فرويد؟
نحن والحيوان نولد وبنا كفايات للكفاح والبقاء أو للموت والانقراض، ومهما جهد آباؤنا ومهما نالوا من كفايات في حياتهم، فلن نستطيع الانتفاع بهذه الكفايات؛ لأنّ طفل الحيوان يولد من الخلية المنوية، وهذه الخلية تعيش حياة مستقلة عن الجسم، جسم الطفل ثم الصبي ثم الشاب ثم الشيخ، وهي تظهر منذ أول التكوين للجنين؛ إذ نجد خليتين إحداهما تلك التي ينمو بها الجسم الحيواني والإنساني والأخرى تلك التي تتخصص للتناسل، وهذه تبقى خادرة كأنها نائمة إلى سن الشباب إلى حين تشرع في التكاثر وتؤدي إلى التناسل، وما يحدث للجسم إذا من ضعف أو جهد أو قطع ذراع أو أي عادات يعتادها الحيوان أو الإنسان، كل هذا لا يؤثر في الخلية المنوية؛ لأنها إنما تقطن الجسم فقط وتتغذى بالدم الذي يجري فيها ولكنها لا تتأثر به.
العادة والوراثة
وإذاً، مهما يعيش الإنسان في وسط سيئ، ومهما يكتسب في هذا الوسط السيئ من عادات مؤذية قد تحيله إلى مجرم أو وحش، فإنّ أبناءه سيخرجون وهم غير متأثرين بحياة الشر والإجرام التي عاشها.

اقرأ أيضاً: سلامة موسى.. مفكر أعزل أبحر عكس التيار
الوسط الاجتماعي، الذي يشمل التعليم وتربية الأطفال ونظام الزواج والارتزاق والأخلاق والأمراض والطعام والسكنى؛ كل هذا يؤثر في عادات الفرد ويستنبط منه كفايات أو يقتل فيه كفايات.
فإذا كنا نعيش في بيئة تعاونية تطالبنا بالحب والرفق والتعاون وتستنبط منا أجمل الفضائل، فإنّ ما نمارسه عندئذ كوظيفة يستحيل بعد أجيال إلى غرائز عضوية؛ فيعيش أبناؤنا بعد آلاف السنين وهم يتعاملون بالحب والرفق والتعاون.
وما دامت معارفنا ناقصة، فإنّ منطقنا يبقى ناقصاً، ولذلك نحن نلجأ من وقت لآخر إلى غيبيات نضع فيها البصيرة والحدس مكان التعقل والمعرفة.

للمشاركة:

كيف نظر الإصلاحيون إلى "الإسلام الصحيح"؟

2019-06-26

ليست هناك مبالغة في القول بأنّ مدرسة "الإصلاح" الإسلامي كانت بمثابة رد فعل على التدخل الاستعماري في العالم الإسلامي، ومنذ إرهاصاتها الأولى واجهت تلك المدرسة مأساة تخلّف العالم الإسلامي قياساً على الغرب؛ ولأنّ إنكار هذا التخلّف كان مستحيلاً اعترفت به، إلا أنّها رفضت بشكل قاطع ربطه بالإسلام، وإن كان هذا مفهوماً بحكم انطلاقها من أرضية إسلامية أصلاً، إلا أنّ رد الفعل بمجمله ترتب عليه نتائج إشكالية للغاية.

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟

بُنيت الفكرة الإصلاحية برمّتها على فرضيّتين متلازمتين: الأولى أنّ هناك فارقاً جذرياً بين الإسلام (كمفهوم معياري) وبين الإسلام المعاصر (كواقع قائم)؛ وبالتالي كانت مهمتها الأساسية ردم هذه الفجوة بين الواقع والمثال، والثانية صلاحية الإسلام كصيغة حضارية للوجود في العصر الحديث (وهذا أيضاً يمكن تفهمه وإلا كان أعلام الإصلاح مطالبين بالتسليم باللاجدوى التاريخية لما اعتُبر أساس وجود الأمة).

الإسلام الصحيح والمعاصر

إذن، وضع مفكرو الإصلاح حداً فاصلاً بين الإسلام من حيث هو جوهر متعالٍ، وبين المسلمين كورثة غير جديرين لحمل هذه الرسالة العظيمة، وبناءً على هذا الفصل تم تفسير وضع اللاجدارة الذي عليه المسلمون؛ فـ"بابتعادهم عن الله ابتعدت عنهم الأمجاد والانتصارات في الدنيا" (نص على ذلك محمد عبده في كتابه: الإسلام دين المدنية والعلم)؛ و"لم يكن الله هو من تخلى عن أمته وتخاذل عن تمكينها ونصرتها بل كانت الأمة هي من تخلت عن الوعد الإلهي وخذلته" (كما يقول جمال الدين الأفغاني في إحدى خاطراته).

مدرسة الإصلاح الإسلامي كانت بمثابة رد فعل على التدخل الاستعماري في العالم الإسلامي

لكن بأي وسيلة يمكن فصل الإسلام الصحيح عن الإسلام المعاصر؟ سيتساوى في الإجابة عن هذا السؤال كلٌّ من الأصولية الوهابية وأصولية الإصلاح، فكلاهما رأتا في مفهوم "البدع" آلية حاسمة في الفصل بين الإسلامين؛ فالشوائب التي ألصقت بالإسلام ولم تكن فيه من الأصل عبر تراكم تاريخي طويل هي التي أفسدت نقاءه، بالنسبة إلى الوهابية، حتى أصبح هو والكفر سواء، وهي التي حرّفت مساره في تقدم المسلمين ورِفعتهم، بالنسبة إلى "الإصلاح"، وبالتالي هي السبب الحقيقي في تخلف المسلمين وهزيمتهم.
بالوصول إلى هنا يمكن فهم المعضلة الإصلاحية على النحو التالي: كانت سيادة الأمة الإسلامية على باقي الأمم قاطبة أحد الأسس المركزية للوعي المسلم منذ انطلاق أول جيش للفتح في عهد الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، وحتى ظهور أعراض الضعف على الخلاقة العثمانية في القرن الثامن الميلادي؛ فلما تحدى "الغرب" هذه السيادة وسحقها وفرض على الجسد الجغرافي الإسلامي سيادته هو، لم يكن هناك مفر من التمييز بين إسلام واقعي ويومي وزائف ومهزوم وبين إسلام مفارق ونقي وأصلي وصحيح لم يُهزم ولم يُخضع بل لا يزال صالحاً، عند استدعائه بجدية، للنصر والتمكين.

 جمال الدين الأفغاني
هكذا زرعت مدرسة "الإصلاح" بذور أصولية من نوعٍ جديد؛ تفترض وجود إسلام "أصلي" و"صحيح" يجب استدعاؤه كي تعود للأمة سيادتها على واقعها وتمارس "أستاذيتها" على العالم، ويتم لها التقدم. أما مكونات هذا الإسلام المثالي فهي: القرآن الكريم، السنة النبوية، السلف الصالح (الذي جسد هذا الإسلام الحقيقي تجسيداً مثالياً دون شوائب، كما يعتقد المصلح الأصولي).

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده
وعلى هذا النحو لا بد من تمييز الفارق بين الأصوليات السابقة (الوهابية) وأصولية "الإصلاح"، وهو فارق يتعلق بالأساس بالهدف من استدعاء "الإسلام الصحيح" إلى العالم، فبالنسبة إلى الأولى كان الاستدعاء قائماً على أسس عقائدية بحتة تتعلق بتطهير الدين من الأدران التي علقت به كي يتم للناس إيمانهم، أما الأخيرة فالمسألة مرتبطة بمهمة الإسلام في العصر الحديث: توحيد المسلمين في مواجهة الآخر الاستعماري، وتحقيق النهضة وهو ما يستوجب تطهيره.
تطهير الإسلام إذن كان مجرد وسيلة كي يتمكن من تنفيذ مهمته في العالم، لذا حُدّدت أهداف التطهير بدقة: استئصال الصوفية، بعد تحميلها مسؤولية القضاء على الفاعلية التاريخية للإسلام بتكريسها للإيمان السلبي والانسحاب من العالم والعزوف عن الدخول في معترك الحياة وخوض معارك التقدم والحضارة. سيكون هذا النوع من التطهير من العلامات المميزة للإسلام الحركي، لاحقاً، في سعيه الدؤوب نحو تفكيك بنية "التدين الشعبي" وفي هذا لا يمكن العثور على أي فارق يُذكر بين جمال الدين الأفغاني وبين حسن البنا، كما لا يمكن التفريق بين موقف محمد عبده الرائي في الصوفية خطراً على "الإسلام الصحيح" وموقف رشيد رضا تجاهها.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
ومفهوم "الإسلام الصحيح" كما عبرت عنه مدرسة الإصلاح كان سابقة تاريخية في حد ذاته؛ فقد كانت هذه هي المرة الأولى التي يتم فيها النظر إلى الإسلام كما لو كان كياناً واحداً يتجاوز اختلافات الفرق والمذاهب عن طريق العودة إلى ما اعتُبر أصلاً أولاً، كما كانت هذه أول صياغة فكرية للأصولية الإسلامية بشكلها المعروف حالياً، من حيث القفز على التاريخ المتشعب للإسلام وتعددية الحاضر نحو توحيد المسلمين في مواجهة الآخر والتأخر، كما استنتج شريف يونس في كتابه "البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر" 2014.
أما عن الكيفية التي تمكنت بها الأصولية (الإصلاح، الإسلام الحركي) من القفز على تاريخ الإسلام المتشعب، فقد كانت عبر الانتقائية حصراً: انتقت مدرسة الإصلاح مسيرة السلف الصالح من بين كل العصور والتفت حول ما نُسب إليهم من قول أو عمل، وانتقى الإسلام السياسي "الشريعة" من بين كل التراث الباذخ الثراء للحضارة الإسلامية.
"البحث عن خلاص: أزمة الدولة والإسلام والحداثة في مصر"

أوجه متباينة للإصلاح
مع ذلك، يمكن القول إنّه على الرغم من أنّ أعلام مدرسة الإصلاح اتفقوا على الخطوط العريضة للرؤية الإصلاحية إلا أنّه كانت هناك فروق مهمة، بها تميز محمد عبده عن أستاذه جمال الدين الأفغاني وتلميذه رشيد رضا؛ فمثل الأفغاني وضع عبده التراث الإسلامي "بين قوسين" لينتقي منه ما يناسب خطته للإصلاح، ومثله وضع علامات استفهام كبرى حول الدور الذي بإمكان علماء الدين أن يلعبوه في معركة النهضة؛ في ظل تجاهلهم لمصادر الإسلام الأساسية واستعاضتهم عنها بالحواشي والشروح، إلا أنّه وبحكم تكوينه الأزهري واطلاعه على الثقافة الحديثة في آن، كان مدركاً للمشكلات البنيوية للفقه في ظل الأوضاع المعاصرة؛ وبالتالي كان أكثرهم تأهيلاً لتقديم رؤية تجديدية.

وضع مفكرو الإصلاح حداً فاصلاً بين الإسلام والمسلمين كورثة غير جديرين لحمل رسالته العظيمة

مثل أستاذه وتلميذه لم يكف عبده عن التأكيد على مركزية الأسس الثلاثة للإصلاح الإسلامي: القرآن الكريم، السنّة النبوية، السلف الصالح، إلا أنه رفض مقتضيات هذا التأكيد؛ وأصر على عدم قبوله بأي مقيد للعقل والاجتهاد سوى القرآن الكريم والسنّة النبوية، وبالتالي أطاح عملياً بالأهمية الحاسمة لإجماع السلف الصالح (على عكس أي أصولي مسلم في العصر الحديث) ولم يكتف بذلك بل حاول حصر سلطة السنّة في الأحاديث القطعية الدلالة والثبوت مع التشكك في صحة الكثير من أحاديث الآحاد، بل وتمادى في توسيع نطاق الاجتهاد وحرية العقل حتى مع وجود نصوص قرآنية، ويمكن تفسير اتجاهاته التأويلية ذات الطابع العقلاني على ضوء مساعيه هذه.
في المقابل، لم يكن الاجتهاد عند الأفغاني يعني أكثر من "الاهتداء بهدي القرآن وصحيح الحديث" (كما يقول أحمد صلاح الملا في كتابه: جذور الأصولية الإسلامية في مصر المعاصرة.. رشيد رضا ومجلة المنار 1898 - 1935).
على النقيض من الأفغاني ارتبط الإصلاح الذي رمى إليه محمد عبده بالدعوة إلى الانفتاح على الحداثة

انقلاب الإمام على الأستاذ
كيف يمكن تفسير هذا الاختلاف بين الأستاذ جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده؟ للإجابة على هذا يمكن النظر على استراتيجية الأفغاني في الإصلاح والتي كانت بمثابة رد فعل سياسي مباشر وواضح على التهديد الغربي، على عكس استراتيجية عبده التي، وإن كانت بمثابة صدى للتهديد الغربي، تمحورت حول إعادة بناء المجتمع المسلم على أسس جديدة، وبالتالي كانت مواجهته للتهديد الغربي حضارية بالأساس وعلى المدى الطويل.

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
في مواجهة الاختراق الغربي للتشكيلة الاجتماعية الإسلامية شرع الأفغاني في الدعوة إلى "الانغلاق" و"التقوقع" و"الاكتفاء الذاتي"؛ إذ اعتقد أنّ فتح الأبواب أمام الثقافة الغربية من شأنه تقليد المتعلمين المسلمين للأوروبيين والاستكانة لحكمهم والرضا بسلطانهم؛ لذا هاجم بقسوة، غير مبررة، "الأفندية" الذين حصلوا على تعليم غربي، واعتبرهم طلائع الاختراق الغربي لـ "دار الإسلام" وبديلاً عن التعليم طرح الأفغاني حلاً بسيطاً: العودة إلى الأصول. على مضضٍ سمح باقتباس أدوات القوة العسكرية والتقنية من الغرب (وستكون هذه الرؤيا بمثابة المدماك الأول في مشروع حسن البنا لتأسيس جماعة دينية/سياسية تواجه التغريب).

سؤال فصل الإسلام الصحيح عن المعاصر يتساوى في الإجابة عنه كلّ من الأصولية الوهابية والإصلاحية

وعلى المستوى السياسي تبنّى الأفغاني فكرة الجامعة الإسلامية التي يمكن بواسطتها مقاومة الأطماع الأوروبية من خلال الانضواء تحت راية الخلافة العظمى، ومن هنا كانت السياسة هي المهماز الذي يحرِّك الأفغاني في جميع القضايا، و"لم يكن لوعيه أن يولد إلا في ظل أوضاع يبدو فيها المسلمون في حال من الذل والهوان بإزاء قوة أجنبية غالبة ومهيمنة" (كما يقول فهمي جدعان في كتابه أسس التقدم عند مفكري الإسلام في العالم العربي الحديث" 1988.
بعد مسيرة سياسية ذات طابع ثوري قصير النفس، كان فيها خاضعاً لتأثير الأفغاني، انقلب محمد عبده على أستاذه ورأى أنّ الصراع مع الغرب ليس له الأولوية العاجلة، وأنّ مشكلات مصر والعالم الإسلامي لا تكمن في الوجود الغربي، بل في البناء الفكري الإسلامي نفسه، وهو ما يتطلب وضع مشروعٍ للإصلاح التدريجي البطيء.

اقرأ أيضاً: مذكرات محمد عبده.. كيف ودّع رائد التنوير كراهية العلم؟
وعلى النقيض من الأفغاني، ارتبط الإصلاح الذي رمى إليه محمد عبده بالدعوة إلى الانفتاح على الحداثة؛ لذا طالب المسلم بالكف عن الاستعلاء لمجرد كونه مسلماً، ودعاه إلى إثبات جدارته في الحياة بالاشتباك مع الواقع والمشاركة في الحضارة.
في المحصلة، انتهى الإصلاح الذي بدأ كشكل من أشكال المقاومة للوجود الاستعماري الغربي عبر توحيد المسلمين في مواجهته عند محمد عبده إلى موقف يائس كلياً وسلبي بالكامل، (كما يقول ألبرت حوراني في كتابه: الفكر العربي في عصر النهضة) 1961، بعد إقراره بأنّه ما دامت مصر عاجزة عن طرد الإنجليز فلتحاول الاستفادة من وجودهم، إلى درجة أنّ اللورد كرومر، عميد الإدارة الاستعمارية في مصر، رأى في محمد عبده "حليفاً موضوعياً"، فلم يكن من قبيل الصدفة أنّ القطيعة بين الأستاذ والإمام بدأت في هذه المرحلة بالذات.

للمشاركة:



هذا ما وصلت إليه مفاوضات السودان..

2019-07-16

أعلن المجلس العسكري الانتقالي في السودان الوثيقة الدستورية المشتركة، والمزمع مناقشتها اليوم، مع قوى إعلان الحرية والتغيير التي تمّ تقديمها للأطراف لدراستها.

وقال المجلس: إنّ "الوثيقة الدستورية المشتركة تمّ إعدادها بواسطة لجنة قانونية مشتركة، تضمّ ثلاثة أعضاء من كلّ طرف"، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

المجلس العسكري الانتقالي يوقع اليوم قوى إعلان الحرية والتغيير الوثيقة الدستورية المشتركة

ومن المنتظر أن يعقد اجتماع مباشر بين المجلس العسكري الانتقالي، اليوم، بالخرطوم، بعد تأجيله بناءً على طلب قوى إعلان الحرية والتغيير مهلة 48 ساعة، لإكمال مشاوراتها الداخلية حول وثيقة الإعلان الدستوري.

وتجري جولة التفاوض، التي ينتظر أن تكون حاسمة، وسط حضور دولي وإقليمي لافت؛ حيث استبق المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، دونالد بوث، جولة الغد بلقاءات أمس، شملت رئيس المجلس العسكري، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وينتظر أن تمتد إلى قوى الحرية والتغيير لدفع العملية السلمية.

وأثار تأجيل انعقاد جلسة التفاوض بين المجلس العسكري والحرية والتغيير للتوقيع على وثيقة الإعلان الدستوري، مرتين متتاليتين، مخاوف البعض من العودة إلى المربع الأول، لكنّ تحليلات الخبراء جاءت عكس ذلك؛ حيث أكّدت أنّ عملية التسوية سوف تسير بشكل جيد.

أثارت عودة خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة في السودان صدمة كبيرة لدى الملايين؛ حيث تمّ تداول عدة مقاطع فيديو وصور تظهر "تعاملاً وحشياً" لمسلحين بملابس عسكرية مع المتظاهرين، خلال فضّ اعتصام الخرطوم، في مطلع حزيران (يونيو)، بحسب ما نقلت "فرانس برس".

وجدّدت المقاطع والصور الغضب تجاه المجلس العسكري الحاكم في السودان، خاصة أنّه مع عودة الإنترنت على الهواتف المحمولة، أصبح تداول أشرطة الفيديو أكثر سرعة وانتشاراً.

وكان السودانيون يعتصمون قرب المقر العام للقيادة العامة للجيش، منذ السادس من نيسان (أبريل)، للمطالبة بتغيير النظام السياسي.

فيديوهات وصور لمسلحين بملابس عسكرية يعتدون على متظاهرين يجدد غضب السودانيين

وبعدما أطاح الجيش، في 11 نيسان (أبريل)، بالرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد على مدى ثلاثين عاماً، رفض آلاف المحتجين فضّ الاعتصام، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين، فيما يتولى مجلس عسكري الحكم منذ الإطاحة بالبشير.

ويذكر أنّ خدمة الإنترنت قطعت في السودان إثر فضّ مسلحين يرتدون زياً عسكرياً الاعتصام، في عملية أسفرت عن مقتل أكثر من مئة متظاهر، وإصابة مئات آخرين بجروح، ويتّهم المحتجون ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع بالهجوم على اعتصام المحتجين.

 

 

للمشاركة:

في ظلّ تعنّت إيران.. هل تنقذ أوروبا الاتفاق النووي؟‎

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أمس؛ إنّ "طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها".

منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي

وتقول إيران: إنّ على الدول الأوروبية بذل المزيد لضمان حصولها على المزايا الاقتصادية التي كان يفترض أن تنالها، مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بموجب الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن، العام الماضي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، عن كمالوندي قوله: "سنقلص التزاماتنا بموجب الاتفاق النووي حتى يفي باقي الموقِّعين بتعهداتهم".

من جهته، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي؛ أنّ بلاده "ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي المبرَم مع القوى الدولية عام 2015، بالقدر نفسه الذي سيلتزم به باقي الموقّعين عليه".

وأضاف موسوي أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة "تسنيم" للأنباء؛ أنّ "إيران تتوقع من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق".

في المقابل؛ قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: إنّ "الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي لا تعدّ مخالفات طهران للاتفاق انتهاكات كبيرة، ولم تشر إلى أيّة نية لتفعيل آلية فضّ النزاع بالاتفاق".

موغريني: الاتفاق النووي مع إيران ليس في وضع جيد لكنّه ما يزال حياً

وأضافت في مؤتمر صحفي، بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "في الوقت الحالي، لم يشر أيّ من أطراف الاتفاق إلى أنّه ينوي تفعيل هذا البند، وهو ما يعني أنّ لا أحد منهم يعدّ في الوقت الحالي، وفي ظلّ البيانات الحالية التي تلقيناها، سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ أنّ المخالفات انتهاكات كبيرة"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأعلنت أنّ "الاتفاق النووي مع إيران، ليس في وضع جيّد، لكنّه ما يزال حياً، ولا يمكن تحديد إن كان في ساعاته الأخيرة".

بدوره، أكّد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، أنّ الوقت ما يزال متاحاً لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، مضيفاً إلى أنّ بلاده لا تتفق مع الولايات المتحدة، وهي أقرب حلفائها، في طريقة تعاملها مع الأزمة الإيرانية.

وقال هنت للصحفيين، أمس، لدى وصوله إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية، لكن هناك فرصة ضئيلة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة".

وزير الخارجية البريطاني: ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية

وفي السياق نفسه؛ قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، اليوم: "يجب على أوروبا أن تظلّ موحّدة في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني"، مضيفاً أنّ "على طهران العدول عن قرارها بعدم الالتزام ببنود في الاتفاق".

وأوضح لو دريان للصحفيين في بروكسل: "يجب على الأوروبيين الحفاظ على وحدتهم في هذه المسألة".

وأضاف أنّ "قرار إيران بتقليص التزامها بالاتفاق، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي، بمثابة "ردّ فعل سيّئ على قرار سيّئ".

 

للمشاركة:

التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية