الفيلسوف المسيحي وشيخه المسلم!

الفيلسوف المسيحي وشيخه المسلم!
9516
عدد القراءات

2017-11-12

طفل مسيحي قصير القامة، يبعث به والده إلى شيخ الجامع الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلًا، ليتعلم على يديه علوم اللغة العربية وفنون البلاغة، فيجد الطفل في الجامع سكناً له، وفي الشيخ القزم عملاقاً يطمئن إليه.
يحكي له الطفل مرة عن زهوه بأدائه في امتحان نصف العام، فيجعل الشيخ موضوع درسه "إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً"، ويأتي في يوم آخر وقد ضربه طلاب المرحلة المتقدمة في المدرسة، لأنه أجاب عن سؤال عجزوا هم عن إجابته، فأهانوه وركلوا طربوشه فجعل الشيخ درسه عن أن "آية الفضل أن تُعادى وتُحسد"، واختتم مع الطفل الدرس بعد أن داوى له جرح كرامته، بقول المسيح: "أبتِ اغفر لهم فإنهم لا يدرون ما يفعلون".
هكذا لم يسع الفتى إلا أن يقارن بين شيخه الذي رفض أن يأخذ مقابلاً على تعليمه بعد أن ضاقت حالة أسرته المادية، بل وصار الشيخ هو من يأتي للفتى في بيته، كي لا يشعر الفتى بمهانة أو نقص من ضيق ذات اليد، وبين جدته التي تبدأ دائماً أحاديثها باسم المسيح، لكنها رفضت أن تساعد والدته في ضائقتهم المالية. مقارنة بين جدة تنتمي للصليب وشيخ يصلي بالناس على محمد خمس مرات في اليوم أوصلت الطفل إلى نتيجة مفادها "أن البر ليس وقفاً على دين دون دين".
وحين بدأت أزمة الفتى الوجودية، ووجد المنزل يلقنه الإيمان تلقناً ويقول له أهله "إنَّ الإمعان في التفكير يسوق إلى الكفر، وإن المناقشة سبيل الشك، وإنَّ من دخل الشك قلبه فارقته نعمة الإيمان، وإنه بغير نعمة الإيمان يهلك المرء ولا يدخل ملكوت السماء"، وجد الطفل في شيخه الضرير خير معين في تلك المرحلة، فقد أزال ما يكتنف ضميره من شعور بالذنب جراء التفلسف ومساءلة السلطة المتمثلة في "الأسرة"، فكان الشيخ يكرر له مراراً وتكراراً أنّ: "الدين المتين يقوى بالتفكير والتعقل، وأنْ اليقين الذي لا يصمد للشك يقين زائف، والمطمئن إليه مخدوع كمن يشيد بيته على الرمال"، كما رفض الشيخ أن يصبح هو سلطة بديلة على الفتى، ورفض كل الرفض أنْ يلقنه الإسلام بدلًا عن المسيحية[1].

قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة

تلك الذكريات بين المفكر المصري المسيحي المثير للجدل، نظمي لوقا وهو طفل وبين شيخه، والتي يشتمل عليها الجزء الأول من كتابه "محمد الرسالة والرسول"، هي ما جعلتنا نعيد النظر في الكتاب الذي نشر لأول مرة في عام 1959 عن مطبعة دار الكتب الحديثة[2]، وأعادت الهيئة العامة لقصور الثقافة إصدار طبعة جديدة منذ ثلاثة أعوام[3]، فنحن في حاجة إلى دراسة مثل هذا النموذج  الفريد في تاريخ العلاقات الإسلامية القبطية بمصر منذ الفتح الإسلامي لمصر، وفي حاجة لاستكشاف العلاقات المجتمعية التي أنتجت مثل تلك العلاقة الفريدة في مرحلة هامة من تاريخ مصر، هي النصف الأول من القرن العشرين.
ويزيد اهتمامنا بإمعان النظر في ذكريات الدكتور لوقا مع شيخه، حين نرى كيف أنَّ والده المؤمن الرافض للتفكير تماماً في الأمور الدينية، هو من دفع به إلى الجامع وإلى الشيخ الضرير، بل رضخ إلى تعليمات الشيخ حين نهى الطفل عن أن يقول على غلام الشيخ الذي يساعده على قضاء حاجاته "خادم"، وعلمه أنْ يقول فتاي وفتاتي كما كان الرسول محمد يقول، فبات الطفل يقص على أمه طرفاً مما وعاه من آداب الرسول وصحابته، حين يجد أمه تسبّ خادمها وهي تتعجله في قضاء حاجة ما، فغضب الأب المسيحي في البداية وذهب للشيخ غاضباً لأنه يعلم الولد آداباً إسلامية، قائلًا للشيخ: "إنَّ الله رفع الناس بعضهم فوق بعض درجات"، فأجابه إجابة مباغتة لم يكن يتوقعها الوالد: "أما قرأت إنجيلك؟ ألم تجد فيه أن المسيح غسل أقدام حواريه.. إن آداب الرسل ليس فيها تفاوت، وإنما التفاوت عندنا حين نفرط في لباب الدين لنتعلق بزخارف الدنيا"[4]، فما كان من الوالد إلا أنْ رضخ لتعاليم الشيخ وآذن أم الفتى أنه سيستأنف درسه منذ الغد، قائلًا لأمه: "إني يا فلانة لأستحي أن يظن الشيخ بنا دون هذه الآداب الجليلة التي يعلمها".
وما يزيد اهتمامنا بالإمعان في سياق تلك الحالة التاريخي، وتلك المرحلة المهمة في تاريخ مصر، في النصف الأول من القرن العشرين، حين نرى عنوان جريدة المورنينج بوست بتاريخ 19 أبريل (نيسان) 1919، وهي تتحدث عن واحدة من أهم الأحداث التي عاصرت تلك الحقبة التي وقعت فيها قصة الطفل نظمي لوقا مع شيخه وهي حادثة "ثورة 1919"، فقد لخصت الجريدة وضع المسيحيين في قلب الثورة ضد الاحتلال البريطاني بقولها: "إنَّ الأقباط أكثر حماسة للملكية من الملك نفسه"، بمعنى أنهم أكثر حماسة للاستقلال الوطني من الأغلبية المسلمة ذاتها[5].
بالطبع تبدو قصة الطفل المسيحي مع الشيخ الذي توقف جسده عن النمو منذ أن كان طفلاً، شديدة الغرابة في عصرنا الحالي، وفي قرننا الواحد والعشرين، ففكرة أن يذهب أب مسيحي بطفله إلى شيخ الجامع ليعلمه، ويكون مرشداً له، بل ويؤنسه في رحلة شكه في دينه، تعد درباً من الخيال، إذا تصورناها في مصر القرن الواحد والعشرين، بعد عقود من تسييس الهويات الثقافية، حتى على صعيد الخطاب الحقوقي.

حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد، كرس الجزء الأول منه لذكرياته مع شيخه

لكننا حين نحاول فهم تلك الحالة يجب ألا ننزلق إلى فهم متسرع لطبيعة العلاقات بين المسلمين والمسيحيين في هذه الحقبة، فلا شك من أنّ فترة الاستعمار البريطاني لمصر شهدت بروزاً حقيقياً لحوادث طائفية، ومنذ أنْ رست السفن الإنجليزية على المياه الإقليمية المصرية، بدأ صوت الخطابات الرجعية النابذة لقيم المواطنة في الارتفاع، فالمواطنة التي أرسى محمد علي دعائمها في مصر قبل أي دولة إسلامية وقبل الخلافة العثمانية، وتواصل تصديرها من جانب السلطة إلى المجتمع بنجاح عبر تغيرات إجتماعية واقتصادية تحديثية حتى وصل الأمر في عهد إسماعيل أن كتبت لوسي دوف جوردون: "إنّ أهالي ببا، ومعظمهم من المسلمين، انتخبوا جرجس القبطي عمدة لهذه البلدة، ومما أثار إعجابي روح التسامح التي أجدها في كل مكان. ويظهر أن المسلمين والأقباط على وئام تام"[6]، لكن مشروع المواطنة هذا تعرض إلى ضربات عديدة في ظل الاحتلال البريطاني.
وما يعنينا هنا أن الطبقات الوسطى في المجتمع المصري وهي المتمثلة في قصتنا هذه بالموظف "والد نظمي لوقا" وشيخ الجامع - اللذان لم يكونا من الطبقة الإقطاعية - استطاعت أن تحافظ على ما تكون من قيم المواطنة قبل الاحتلال البريطاني، قيم المواطنة التي تشكلت بالتوازي مع تشكل الدولة القومية الحديثة في مصر، وتغيّر مردود مسيرتها دوما وفق التغيرات الجوهرية في النظم الاقتصادية وفي التشكيلات الاجتماعية.

والأمر الآخر الذي يعيننا على فهم الرغبة الجارفة لوالد نظمي لوقا في أن يتقن ابنه علوم اللغة العربية على يد الشيخ، هو معرفة الظرف الطارئ الذي تعرض له الأقباط منذ أن تطور التعليم في مصر تطوراً ملحوظاً، وبدأ الأقباط يفقدون احتكارهم التاريخي للوظائف المالية في البلاد فصاروا في تحد،ٍ لتحصيل قدر كبير من التعليم يوفر لهم فرص العمل التي يحتاجونها.[7]
ومن الدروس المفتاحية في قصة الطفل والشيخ، أنّ إيمان الشيخ بحرية الاعتقاد إيماناً مطلقاً كان له عميق الأثر في الطفل الذي هجر المدينة ولم يره مرة أخرى بعد سن العاشرة، إلى أنْ نال شهادة الدكتوراة وكتب عن شخصية الرسول محمد التي عرفها عبر شخصية شيخه المتسامح العقلاني.
هذا الشيخ الذي رفض دوماً أن يستبدل سلطة تلقين العقيدة المسيحية للطفل في المنزل بسلطة تلقينه العقيدة الإسلامية في المسجد، رغم أن الطفل كان يطلب ذلك أحياناً، لكنه فضل أن يعلم الطفل حرية الإرادة، ومتعة التفلسف. وهكذا يخدم الإيمان بحرية الاعتقاد والضمير، الدين، فالإيمان الملقن يولد بداخل صاحبه ثورة شك يستشعر معها يستشعر معها الذنب دوماً، ويخرج للحياة مرتاباً تعيساً وبدلاً من أن يفتح الدين للإنسان ممكنات للحياة، تجد الشك المؤرق يسم له ينابيعها.
وهكذا حين قرر نظمي لوقا أن يكتب كتاباً عن الرسول محمد - بعد أن صار أستاذاً جامعياً في الفلسفة - كرس الجزء الأول من كتابه لذكرياته مع شيخه الذي كان بمثابة منظار، ينظر من خلال شخصيته على الرسول محمد، ولعله كان يكتب كلاماً مختلفاً تماماً لو أنّ هذا الشيخ فضل أن يلقنه الإسلام حينها، بدلاً من أن يعلمه متعة التفلسف، وحرية الضمير.
قصة نظمي مع شيخه، قصة اعتراف متبادل وتفاعل وانسجام تام، بين شيخ مسلم وطفل مسيحي سيصير يوماً مفكراً ومدرساً مرموقاً للفلسفة. وفي القصة تجسيد حقيقي لاحترام حرية الاعتقاد الفردية من الأساس، وليس احترام الهويات بعد تسييسها باعتبارها معطى نهائياً.
إن هذا هو ما شددت عليه الفيلسوفة الأمريكية الشهيرة نانسي فرايزر في أطروحاتها، وهو "عدم اختزال العدالة الاجتماعية بالاعتراف بهوية جماعة محددة بما هم جماعة، وإنما الاعتراف بمواقع الأفراد التابعين لتلك الجامعة بما هم شركاء فعليون في التبادل الاجتماعي، أي شركاء كاملو العضوية والحقوق في المجتمع".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

كيف يكون الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله؟

2020-02-10

في كتابه "مشكلة الحرية"، يرى المفكر المصري زكريا إبراهيم أنّ الحرية، بمفهومها الاشتقاقي، عبارة عن انعدام القسر الخارجي. والإنسان الحر بهذا المعنى هو من لم يكن عبداً أو أسيراً. أما الحرية بالمعنى الفلسفي، فهي اختيار الفعل عن روية مع استطاعة عدم اختياره، أو استطاعة اختيار ضده.

كيف نتحدث عن عالم حر في وقت لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان؟

مفهوم الحرية لا يتحدد إلا على ضوء مفهومات أخرى تتضمن معاني الضرورة أو الحتمية أو الجبرية. فالحرية لا يمكن أن تفهم إلا على ضوء نقيضها، وبالتالي فإنّ فهم معنى "الضرورة" قد يساعد على تحديد معنى الحرية، فالفعل الحر ليس دائماً وليدَ اختيار إرادي مقصود، بل نشعر أحياناً بأنّ علينا أن نتخطى مجال الاختيار لكي ننفذ إلى عالم الحرية بمعنى الكلمة، حيث يكون الفعل الحر إنما هو ذلك الذي لا نستطيع أن نفعل سواه، أي ذلك الفعل الذي يعبّر تعبيراً جوهرياً عن حقيقتنا الباطنة. فالفعل الحر بهذا المعنى لا يفهم على ضوء فكرة الإمكانية، بل بالأحرى على ضوء فكرة الضرورة، ولكن الضرورة هنا ليست ضرورة عقلية، بل هي ضرورة حية أو ضرورة وجودية.
وتعددت آراء الفلسفة في الحرية منذ فجر التفكير الإنساني، وما زالت تحتل مكانة محورية في التاريخ الحديث والمعاصر وشغلت الكثير من أقلام الفكر السياسي والأدب والشعر والفلسفة لدى مختلف شعوب الأرض ولو بنسب متفاوتة، وبمضامين وخلفيات اجتماعية وثقافية وبظروف تاريخية مختلفة، كما يقول الباحث فارس أبي صعب، مدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية، في دراسته المنشورة على الموقع الإلكتروني للمركز.
غلاف كتاب "مشكلة الحرية" للمفكر المصري زكريا إبراهيم

خطوات في الفكر الإنساني التحرري
وعلى الرغم من أنّ الحضارة البشرية قد حققت في القرون الثلاثة الأخيرة في بعض مناطق العالم خطوات عظيمة على مستوى الفكر الإنساني التحرري الذي ما لبث أن فرض نفسه في العلاقات الاجتماعية وإعادة إنتاج صورة جديدة للإنسان الفرد عن نفسه، وبالتالي على مستوى البنية السياسية وعلى مستوى نماذج الحكم، فإنّ هذه الحضارة شهدت في الفترة نفسها أبشع أنواع السحق لحريات الكثير من الشعوب؛ ففي الوقت الذي كانت أفكار جان جاك روسو تضيء مشاعل الحرية في الثورة الفرنسية كانت أفكار "الحرية" نفسها تسحق شعوباً وحضارات متعددة في معظم مناطق العالم وتبني على أنقاضها المستعمرات، وتصطاد البشر في أفريقيا وترسل من تبقى حيّاً منهم بالأقفاص، لكي يُحوّلوا إلى عبيد لدى أسياد الأرض الجديدة في شمال القارة الأمريكية التي أبيد الملايين من أبناء شعبها الأصلي، ودائماً باسم الحرية، بحسب أبي صعب.
حرية العقل
ولكن ما المرتكزات المشتركة التي تعطي الحرية بعدها الإنساني؟

اقرأ أيضاً: قراءة في كتاب الليبرالية: حين تعتدي سلطة المال على الحرية
تجيب الدراسة بأنّ أول هذه المرتكزات هو حرية العقل، بوصفه أداة للتفكير الذي تميز به الإنسان من سائر الكائنات الحية، هو مصدر إنسانية هذا الإنسان. فالإنسان يحقق إنسانيته ويكملها إذاً بقدر ما يفتح أمام عقله آفاق التفكير غير المقيد وغير المحدود. ولكي يأخذ هذا العقل مداه يجب أن يتحرر من جملة قيود؛ فهو يجب أن يتحرر من الإيمانية. فإيمان العقل بنصوص جاهزة وبمقولات وأفكار راسخة بوصفها حقائق مطلقة ممنوع الشك فيها، يحد من عقلانية العقل ويضعف قدرته على التفكير وعلى البحث عن الحقيقة، وبالتالي على إدراك الظواهر. وهذا التحرر من إيمانية العقل هو الذي يعيد الوصل بين العقل والدين، ويشق الطريق أمام الاجتهاد، ويسمح للفكر الديني بالتجدد، في نظر أبي صعب.

يتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

لكن العقل الإيماني هذا لا يقتصر على الفكر الديني وحسب، بل يشمل الفكر العلماني أيضاً، إذ إنّ الإيمانية تقع في ذلك المستوى من العقل المسؤول عن طريقة التفكير بموضوع ما وليس عن عملية التفكير في حد ذاتها، لذلك نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً، فيؤمنون بالنصوص العقيدية والأيديولوجية التي يعتنقونها على نحو يعيق العقل لديهم من استخدام قدراته لإدراك مدى نسبية الحقيقة التي تحملها هذه النصوص، أو مدى محدودية النظرة أو مدى خصوصية الزاوية التي ترى الأمور من خلالها، أو على الأقل مدى تجاوز الواقع التاريخي لهذه النصوص التي تكون قد مضى على وضعها عشرات السنين أو مئات السنين أو آلاف السنين، وتكون هذه النصوص قد وضعت أصلاً لتجيب عن تساؤلات أو لتعالج قضايا كان المجتمع يشهدها في العصور التي وضعت النصوص فيها، الأمر الذي يسقط العقل الإيماني هذا في فخ اللاتاريخية.
كي يتحرر العقل يجب أن تُحطم الأصنام الموجودة فيه

تحطيم أصنام العقل
ولكي يتحرر هذا العقل، يجب أن يحطم الأصنام الموجودة فيه، فبنية الإنسان العقلية كثيراً ما ترتكز على منظومة معايير ثقافية تستمد بعض جوانبها من مجموعة قيم ومقولات ومفاهيم وأقوال وأمثلة ومثل، متوارثة أو مكتسبة حديثاً، يعتمدها العقل كأدوات قياس، فيغدو العقل أسير أحكام مستَمدّة من ارتكازه على تلك المنظومة القيمية التي تمثل حالة صنمية تحكم العقل بمجموعة مقدسات ومحرّمات جامدة خارج إطار حركة التاريخ وما تحمله من تحولات في البنى الاجتماعية والثقافية.

اقرأ أيضاً: كيف مثّلت أهم 5 ثورات في التاريخ فكرة الحرية؟

وحرية هذا العقل تتطلب كذلك تحريره من القَدَريَّة التي تدفع الإنسان إلى الشعور بالعجز حيال إمكان تغيير السلطة. وتستغل السلطة هذه البنية القدرية في عقل الإنسان، فتمارس عليه لعبة استعراض القوة على نحو يزيد شعوره بالعجز عن إمكان إحداث أي تغيير فيها، فتغدو هذه القدرية ذريعة لتأبيد النظام أو لاستبداد السلطة.
والنظام الرأسمالي، كما تتابع الدراسة، يؤسس بدوره للفكر القَدَري، بهدف إبعاد الشعب والدولة عن التدخل في مصالح قواه. فالسوق لا تحتاج إلى راعٍ يديرها أو رأس يخطط لها وينظمها من خارجها، لأن السوق لها إلهها الذي يرعاها، وهي لها قدرها الذي لا يجوز أن يعاند أحد مشيئته، وبالتالي لا يجوز لطرف آخر كالدولة أن تتدخل في شؤون هذه السوق.

اقرأ أيضاً: هكذا عاين زكريا إبراهيم مشكلة الإنسان والحرية والعجز عن إيقاف الزمن
ولكي يتحرر العقل، على الإنسان أن يتحرر من مناهج التعليم ومن أنماط التربية المدرسية والأسرية ومن برامج الإعلام التي تقوم جميعها على المنحى التلقيني الإملائي. وهو منحى يؤسس عقلاً استسلامياً لدى الإنسان، خاضعاً للأمر الواقع، مقفلة أمامه آفاق رؤية الأمور بطريقة مختلفة.
لكي يكون العقل حراً يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص

ثنائية الخوف والإغراء
ويتساءل الباحث فارس أبي صعب: كيف يغدو الإنسان حراً إذا لم يتحرر عقله من ثنائية الخوف والإغراء؟

نجد الكثيرين من أصحاب العقائد الفكرية، بما فيها العقائد العلمانية أو حتى الإلحادية، يتعاطون مع عقائدهم تعاطياً إيمانياً

ولكي يكون العقل حراً، يجب ألا يقع أسير الشكلانية في قراءته الظواهر والنصوص. وعلى الرغم من أنّ هذه الظاهرة ليست بجديدة في مسيرة العقل البشري، فإننا نلحظ اليوم تعميماً متسارعاً ومقصوداً لها من جانب بعض المدارس البحثية الإمبيريقية في العلوم الإنسانية التي تركز على وقائعية الظاهرة وعلى نصية النص، وتبني نظامها المعرفي انطلاقاً من تلك الوقائعية أو تلك النصية، واضعة أمام العقل حدوداً تحول دون استخدام إمكاناته المعرفية والمنهجية التي تتيح له النفاذ إلى معنى النص بدلاً من التوقف عند حدود شكله، أو تتيح له فهم بنية الظاهرة وشروطها الزمكانية بدلاً من التوقف عند حدودها التعبيرية، الأمر الذي ينعكس على البنية الثقافية، التي يدخل العقل معها في دائرة مغلقة تساهم في جعل كل منهما يعيد إنتاج الآخر، وجعل هذه البنية أسيرة النظرة الشكلانية للبنية الفوقية للمجتمع في مختلف مستوياتها المتمثلة في الدين والحداثة والتراث ونظام القيم والتقليد والتجديد.
التحرر من الفقر والجهل والمرض
ويرى الباحث بأنه إذا كان تحقيق الحرية مشروطاً بمدى تحرر الإنسان من الفقر والجوع والمرض والجهل والأمية والخوف من المستقبل فلا يبدو أنّ هذين النموذجين السائدين على مستوى الدولة الوطنية وعلى مستوى النظام العالمي، يوفران حقاً شروط الحرية للإنسان بوجه عام، فالتفاوت في توفير هذه الشروط واسع جداً بين إنسان وآخر وبين شرط وآخر.

اقرأ أيضاً: هل سنكون أكثر أخلاقاً إذا قلّصنا نوافذ الحرية؟
فكيف، يتساءل أبي صعب، نتحدث عن عالم حر في الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من ملياري إنسان يتعرضون لجوانب متعددة من الحرمان في حياتهم، وفي الوقت الذي لا يزال متوسط الدخل في بلدان جنوب العالم لا يتعدى نسبة 7 في المئة من متوسط الدخل في بلدان الشمال، وفي الوقت الذي لا يزال هناك أكثر من مليار ونصف المليار من البشر يعيشون بأقل من دولار واحد يومياً، في حين لا يزال أكثر من 820 مليون إنسان جياعاً لا يحصلون على ما يكفيهم من طعام. وفي الوقت الذي لا يزال يوجد أكثر من 750 مليون إنسان أميين، وأكثر من 100 مليون إنسان مشردين بلا مأوى، وأكثر من مليار ونصف المليار إنسان يعيشون في مساكن غير مناسبة؟!

للمشاركة:

جذور الإسلام السياسي: الانتقال من النهضة إلى التعنّت

2020-02-03

شهدت نهاية القرن التاسع عشر تزاحماً فكرياً مهماً، شكّله العديد من المفكرين العرب الطامحين بالإصلاح والتغيير، كمحمد عبده وجمال الدين الأفغاني ورشيد رضا وغيرهم، حاملين رؤى عديدة حول إمكانيات النهوض العربي والإسلامي، ما تزال مثار جدلٍ إلى اليوم، بعد أن أنتجت تيارات مختلفة، انبثقت عنها العديد من التجارب الفردية والجماعية خلال القرن العشرين، منها السلفي ومنها السياسي؛ كتجربة جماعة الإخوان المسلمين، وتيار آخر تحديثي، إذ خاضت جميعها صراعات ضدّ بعضها أكثر مما خاضت الطريق الذي افترضته كلّ منها نحو التقدم.

 

فجر النهضة
يعدّ جمال الدين الأفغاني إحيائياً رائداً، اكتسب شهرته الواسعة كونه صاحب أول نظرةٍ تحديثية أراد بها تجديد حقّ الأمة الإسلامية بالقوة والاستقلال والتطور، من خلال توحيدها دينياً (إسلامياً)، في مواجهة القوى الاستعمارية؛ إذ رأى في حينه أنّ الأمة العربية لن تحيا أو تنهض إلا بدوافع خاصة تفصلها عن سلطة الاحتلال وقوته التفكيكية، المؤثرة في الثقافة والسياسة والمجتمع، ومن أجل ذلك، لجأ الأفغاني إلى ما عده مخزوناً موجوداً في الشعوب العربية الإسلامية، وأدواته حاضرة في المؤسسات الدينية، كالأزهر مثلاً، وهو الإسلام.

بقدوم الاستعمار اشتعل السجال بين دخول الحداثة وظهور الدولة القومية، وبين من يرون أنّ هذه الحداثة مؤامرة غربية

ذلك إضافة إلى قلق الأفغاني من أصحاب القطيعة، المبهورين، بحسب رأيه، بالنظرة الخلدونية للمهزومين، والتي تتمحور حول انبهار المهزوم بالمنتصر، مما يجعله يقلده في أدواته الحضارية والفكرية، بالتالي، حصول قطيعةٍ معرفية (مع الماضي والتراث)، مما سيؤدي إلى قطيعة عملية لاحقاً، تتعارض مع فكر الأفغاني القائم على أنّ الوحدة الإسلامية تعني مركزية عربية، تضمن تطور العالم العربي في إطاره الخاص؛ حيث يتضح من هذا كلّهِ أنّ لدى الأفغاني نزعة عروبية ما، أساسها الدين.
مشروع الأفغاني هذا، الذي لم يتحقق بالتأكيد، قابلته مشروعات أخرى تالية، مثل مشروع محمد عبده؛ الذي رأى أنّ "الإصلاح الإسلامي والنهضة العربية يرتبطان بما هو أبعد من الدوافع الذاتية؛ حيث يحتاج المسلمون إلى مواكبة روح العصر، فدعا إلى التركيز على المناهج العملية، الفكرية منها والفلسفية، وكذلك العلمية والعملية"، وفق تقرير "الشرق الأوسط" عنه، عام 2018.

مشروعات الأفغاني وعبده وظِّفت لاحقاً لتتحول إلى أدوات تراجع لا تقدم

انبثقت بعد عبده والأفغاني أنوية لمشاريع إصلاحية ونهضوية متنوعة، تأثرت في واقع الحال بالوقائع السياسية والاستعمارية والثقافية التي سادت منذ مطلع القرن العشرين، فعمّت الأيديولوجيات الحياة الفكرية العربية، وكذلك الرؤى التراثية والسلفية والعلمية وغيرها، من التي حملها أشخاص مختلفون، بدءاً بطه حسين وميشيل عفلق وحسن البنا، وليس انتهاء بمحمد عابد الجابري وجورج طرابيشي.  وفي هذا السياق؛ يرى الباحث وأستاذ الفكر والفلسفة في جامعة فيلادلفيا الأردنية، د. زهير توفيق؛ أنّ "المشاريع النهضوية الآنفة الذكر، بغضّ النظر عن اختلافها، ورأي الكثيرين فيها، فإنّها فشلت، وقد أسفر فشلها عن فشلٍ آخر في تشخيص أسباب هذا التراجع والفشل".

اقرأ أيضاً: هل كان الإمام محمد عبده سلفياً أم مُستغرباً؟
ويضيف في كتابه "النهضة المهدورة"، الصادر عن "المؤسسة العربية للدراسات والنشر"، عام 2017: "الخطاب النهضوي نفسه يحمل مسؤولية كبيرة عن هذا الفشل، في تركيبته وتجربته التاريخية الذاتية، قبل التدخل الخارجي، وقبل الشروط الموضوعية للتقدم والتأخر"، فما الذي حدث أولاً للمشاريع النهضوية الإسلامية؟ وكيف ذابت في بحر الإسلام السياسي؟

الأفول المحتّم
يضرب توفيق أمثلة عديدة حول قيام تيارات عديدة، إصلاحية ونهضوية، بالسقوط في فخّ التراجع أو التصلب، بدلاً من التقدم، وهو يعرج في كتابه على فشل مشروعات الشيوعيين والقوميين اليساريين، وسواهم، أما فيما يتعلّق بنموذج الإسلام السياسي، فهو يتحدث عن "اكتشاف العرب لذاتهم كعرب، مع نهايات القرن التاسع عشر، وقدوم الاستعمار، فقد اشتعل السجال بين دخول الحداثة وظهور الدولة القومية والقطرية، وبين من يرون أنّ هذه الحداثة مؤامرة غربية ضدّ العرب والمسلمين"؛ لذلك تمّ توظيف المشروعات القائمة في تلك الفترة وما بعدها مباشرة، كمشاريع محمد عبده والأفغاني وغيرهما، في محاولة إثبات أنّه لا يمكن الإصلاح، حتى مع الأخذ بروح العصر، إلا من خلال الإسلام.

اقرأ أيضاً: الإصلاح الديني بين مارتن لوثر ومحمد عبده

ولا يمكن، فعلياً، اعتبار هذه الرؤية سيئة أو خطيرة إن كانت تودّ الحفاظ على روح الإسلام والثقافة العربية الدينية واللغوية ...إلخ، إلا أنّ هذه الرؤية لم تستثمر في هذا السياق أو تكتفي به، بل عملت على توظيف كلّ المشاريع الإسلامية النهضوية لصالح فكرةٍ واحدة، مفادها أنّ الحضارة لا تبنى مادياً، بل روحياً فقط، وأنّ العالم والأمم الأخرى لها مقياس واحد، وهو إسلامها من عدمه، وبذلك تكون خيرة، أو تكون آخراً شريراً أو كافراً مثلاً. وبالتالي فإنّ صراعاً حتمياً، يجب أن يقوم ولن تكون هناك نهضة، إلا من خلال معارك صفرية، تؤدي إلى موت طرف وبقاء طرفٍ آخر.

برمجة الإيمان في مشاريع الإسلام السياسي على تقوقع روح وقيم الإيمان الفطري

هذه العقلية يقول عنها الكاتب والباحث، طارق عصمان، في دراسته المنشورة على موقع "CAIRO REVIEW"، عام 2015؛ أنّها تسبّبت لاحقاً بظهور جذور "التعنّت في مشروع الإسلام السياسي"، ومن أجل التوضيح، ليس ظهور جماعة الإخوان المسلمون سبباً في هذا التعنت، بل تحويرها للأفكار النخبوية الإصلاحية بمختلف مشاربها، أثناء محاولة جعلها جماهيرية أو شعبية، هو ما أسهم في ظهور هذا التصلّب الذي أصبح تاريخياً بعد ذلك، وأنتج حوادث كثيرة مؤلمة في مسيرة العالم العربي بعد حين.

اقرأ أيضاً: الشيخ محمد عبده في "كنيسة أورين"
ويشير عصمان إلى هذا الموضوع بقوله: "تحتل الجماعات الإسلامية الأشدّ عنفاً صدارة المشهد الآن؛ فالتنظيمات الجهادية في العراق وسوريا سيطرت على مساحة جغرافية أكبر من بعض الدول الأوروبية، إنَّهم يحاولون إحياء دولة تنتمي إلى القرن السابع الميلادي، بينما نحن نعيش في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين، ويحاولون ذلك دون الملامح الأخلاقية والتاريخية والثقافية، التي جعلت الدولة التي تحاول تلك التنظيمات إحياءها بذرة لحضارة غنية يمكن أن تتطور وتبقى".

اقرأ أيضاً: محمد عبده... النهضة الفكرية والإصلاح المتدرج
ويعلق عصمان بأنّ كثيراً من الكتّاب والمفكرين يرون في هذا الأمر ظاهرةً غريبة نوعاً ما، إلا أنّ "آخرين، يرونها نتيجة حتمية لعقود من الخمول والتدنّي الفكري، وفشل السياسات الاجتماعية والاقتصادية في أجزاء كبيرة من العالم الإسلامي، خصوصاً في المنطقة العربية، وقد فشلت الأحزاب والمؤسسات الإسلامية مع غيرها في كلّ هذا التراجع والخمول"؛ فهي موجودة منذ عقود، وقدمت مشاريعها الإصلاحية والنهضوية على طريقتها، وحتى حين استلمت السلطة فترات غير طويلة، بعد الربيع العربي. لم تعمل حالاً على إثبات قدراتها في تبني روح التطور والتعددية والتغيير.

المشروع الإسلامي الإصلاحي تمّ تحويره ليصبح مشروعاً متعنتاً يتبناه إسلام سياسي حاول كسب الجماهيرية بمحاربة الحداثة

ويرى الكاتب؛ أنّ السبب يعود إلى تحوير (الإسلام السياسي) ليكون عنواناً للصراع بين الإيمان والحداثة، رغم أنّ ذلك ليس هو لبّ مشكلة النهضة، فالتطور لن يهدم الإيمان ولا الديانات، والنهضة ليست نموذجاً يعني التحول من فكرة بناء الدولة إلى فكرة السيطرة عليها أو هدمها ونعتها بالكافرة أو غير المؤمنة، وبالتالي تدمير أيّ أسسٍ للتقدم والمنافسة الشريفة بين التيارات المختلفة على بناء الدولة، كما أنّ هذا الخطاب يعزز علاقة السلطة بالدين، لتبنيه وفق مصالحها، ولا لوم إذاً، كما يقول جان جاك روسو "على دولةٍ تتحكم بالدين حتى تسيطر على المتدينين، الذين يحاربون من يظنون أنّهم غير متدينين".

اقرأ أيضاً: بين محمد عبده وفرح أنطون.. ما تبقى من سجالات النهضة المُجهضة
وبالتالي؛ يتم إفراغ التدين من مهامه الأخلاقية والفكرية، وقيمه المتعلقة بالإنسانية والمحبة، والدعوة لفهم العالم وتدبّره، كما يذكر القرآن الكريم، وهذا نفي للنهضة الموجودة في الدين، قبل نفي النهضة البشرية في حتميتها العلمية والطبيعية، مما يعني أنّ جذور الإسلام السياسي الإصلاحية، فقدت بوصلتها منذ زمنٍ طويل، وأصبح الإقصاء والسيطرة والتفضيل بين فردٍ وآخر وأمةٍ وأخرى، على أسسٍ تحدّدها جماعات بعينها دون أخرى، وهو مشروعها الوحيد، المتعنّت الذي لا يقود إلى نهضة عربية إسلامية بطبيعة الحال.

للمشاركة:



الحوثيون يعيقون وصول المساعدات لليمنيين.. وثائق وشهادات

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تواصل ميليشيا الحوثي الإرهابية استغلال المنظمات الإغاثية الدولية، التي تحاول مساعدة الشعب اليمني المنكوب.

وكشفت وثائق أممية؛ أنّ الميليشيات فرضت على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات الإغاثة لهذا البلد الذي مزقته الحرب.

وأكّدت الوثائق، التي حصلت عليها وكالة "أسوشيتد برس" الأمريكية؛ أنّ الميليشيا الانقلابية أخضعت الوصول إلى المناطق الواقعة تحت سيطرتهم لمجموعة شروط ترفضها وكالات المساعدات، وذلك لأنّها ستمنح الحوثيين نفوذاً أكبر في تحديد من يتلقى تلك المساعدات.

الميليشيات الحوثية تفرض على برامج إمدادات الأمم المتحدة إلى اليمن ضرائب 2% كشرط لإيصال مساعدات

ونقلت عن مسؤول رفيع المستوى بالأمم المتحدة، فضّل عدم الكشف عن هويته؛ أنّ جهود الحوثيين لعرقلة الإمدادات الإنسانية عاقت كثيراً من برامج توفير الغذاء للنازحين جراء الحرب ذات الأعوام الستة، مضيفاً "أكثر من 2 مليون مستفيد تأثروا بشكل مباشر".

وظلت الأمم المتحدة، إلى حدّ كبير، ملتزمة الصمت تجاه الضغوط التي تتعرض إليها، لكن خلف الكواليس لم تتراجع المنظمة أو المتبرعون الدوليون عن موقفهم المعارض لمطالب الحوثيين.

والتقت "أسوشيتد برس" 7 من العاملين والمسؤولين في الأمم المتحدة ووكالات مستقلة بشأن الوضع، وجميعهم تحدثوا شرط عدم كشف هويتهم، فضلاً عن أنّها اطلعت على عشرات الوثائق، من بينها رسائل بريد إلكتروني لمسؤولي مساعدات.

وفي تشرين الأول (أكتوبر) الماضي؛ أرسلت ليز جراندي، منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية في اليمن، خطاباً إلى رئيس الوزراء الذي عينه الحوثيون، تشكو فيه بشأن قائمة طويلة من المطالب.

وقالت جراندي في الخطاب: "الغالبية العظمى من تلك المطالب تعوق وتؤخر إيصال المساعدات، وكثير من بنودها تنتهك المبادئ الإنسانية".

وعلى مدى عدة أشهر، طالب الحوثيون بالحصول على حصة 2% من الميزانية الإجمالية للمعونات، وهو شرط رفضته الأمم المتحدة والمتبرعون، وفق "إسوشيتد برس."

وكالة برنامج الغذاء العالمي تفكّر في قطع مساعدات الغذاء التي تستهدف 12 مليون يمني شهرياً

وفي رسالة بريد إلكتروني؛ قال المتحدث باسم الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية: إنّ محاولات الحوثيين لفرض ضريبة على المساعدات الإنسانية غير مقبولة وتتعارض بشكل مباشر مع المبادئ الإنسانية الدولية.

وطبقاً للوكالة الأمريكية للتنمية، تبرعت الولايات المتحدة بـ 686 مليون دولار إلى اليمن عام 2019.

والأسبوع الماضي، بدا أنّ الحوثيين يتراجعون عن شرط الـ 2%، لكن ما يزالون يواصلون الضغط من أجل امتيازات أخرى، طبقاً لمسؤول مساعدات.

وتفكّر وكالة برنامج الغذاء العالمي في قطع مساعدات الغذاء، التي توصلها إلى 12 مليون يمني شهرياً، بحسب ما قاله مسؤول بالأمم المتحدة، موضحاً: "لسوء الحظ؛ الشعب سيعاني، لكنّ الحوثيين لا يمكنهم استخدام الناس كرهائن لفترة طويلة".

 

 

 

للمشاركة:

الكورونا الجديد يجتاح مدينة قم الإيرانية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أعلنت وزارة الصحة الإيرانية وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد، في مستشفى بمدينة قم.

ورغم تأكدات وكالة الأنباء الرسمية "إرنا"؛ أنّ المصابين الذين توفيا لم يسافرا خارج إيران، أو خارج مدينة قم، قبل إصابتهما، إلا أنها نقلت لاحقاً خبر قرار إقفال المدارس والجامعات في المدينة، اليوم، كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس.

وأكّد نائب وزير الصحة لوسيلة إعلام محلية عدم اكتشاف إصابات خارج مدينة قم، حتى الآن، لكن شبكة "بي بي سي" الفارسية علمت أنّ 25 شخصاً يخضعون الحجر الصحي في المستشفى ذاته في قم، بسبب الاشتباه في إصابتهم بفيروس "كوفيد 19".

وزارة الصحة الإيرانية تؤكد وفاة شخصين جراء إصابتهما بفيروس كورونا المستجد

هذا وقد أعلنت بكين، اليوم، أنّها رصدت، خلال الساعات الـ 24 الماضية، 394 إصابة جديدة بفيروس كورونا المستجدّ، في أدنى حصيلة يومية يسجّلها الوباء في الصين، منذ حوالي شهر، فيما ارتفعت حصيلة الوفيات الناجمة عن الفيروس في الصين القارية إلى 2118 حالة، بعد أن سجّلت مقاطعة هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، 114 حالات وفاة خلال الساعات الـ 24 الفائتة.

وقالت لجنة الصحة الوطنية في تحديثها اليومي لحصيلة الوفيات والإصابات؛ إنّ الغالبية العظمى من هذه الإصابات الجديدة سجّلت في هوبي، بؤرة الوباء في وسط البلاد، في حين سجّلت 45 إصابة جديدة فقط في سائر أنحاء البرّ الرئيس للصين.

وبحسب الحصيلة الجديدة؛ فقد بلغ عدد المصابين بالفيروس في عموم أنحاء الصين القارية 74500 مصاب.

السلطات الإيرانية: إقفال المدارس والجامعات في قم كإجراء وقائي للحدّ من انتشار الفيروس

وأعلنت منظمة الصحة العالمية؛ أنّ المواطن الأجنبي الذي سُجلت إصابته بـ "كوفيد 19" في مصر لم يعد يحمل الفيروس، لكنّه سيبقى 14 يوماً في الحجر الصحي.

وأعلن مدير منظمة الصحة العالمية، تيدروس أدهانوم غيبريسوس، خلال مؤتمر صحفي؛ أنّ المعلومات الآتية من الصين تشير إلى انخفاض عدد الإصابات الجديدة.

وأضاف: "رأينا ظهوراً منتظماً لحالات جديدة خارج الصين، لكننا لم نرَ بعد استمراراً لانتشار الفيروس داخل البلاد، عدا في ظروف خاصة، مثل ما حصل في سفينة "دياموند برنسيس"".

 

 

للمشاركة:

تراجع الليرة التركية إلى أدنى مستوياتها.. بماذا تأثرت؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

تراجعت الليرة التركية مجدداً، اليوم، لتظلّ قرب أدنى مستوياتها في التداولات العادية منذ أيار (مايو) الماضي، مع تخوف المستثمرين من تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية؛ حيث تقترب أنقرة من مواجهة عسكرية.

وسجلت الليرة 6.0895 مقابل الدولار في الساعة 0534 بتوقيت غرينتش، بعد أن ضعفت إلى 6.1 في معاملات خفيفة مبكرة، ومقارنة مع 6.0845، أمس، وفق "رويترز".

وأظهرت بيانات من معهد الإحصاء التركي، اليوم؛ تراجع مؤشر ثقة المستهلكين إلى 57.3 نقطة في الشهر الحالي، عن 58.82 في الشهر السابق.

الليرة التركية تنهار على وقع تصاعد التوترات في منطقة إدلب السورية والمواجهات العسكرية

وفي أيار (مايو) الماضي، لامس المؤشر 55.3، أدنى مستوياته منذ نشر البيانات للمرة الأولى في 2004، مع سقوط الاقتصاد في الركود، ويشير مستوى ثقة دون 100 إلى نظرة تشاؤمية، بينما تعني أيّة قراءة فوق 100 التفاؤل.

وانخفضت الليرة بنسبة 11% في العام الماضي، لأسباب من بينها توغل عسكري تركيا في سوريا، لتصل خسائرها على مدى عامين إلى 36%، ويقول متعاملون إنّ بنوكاً حكومية تبيع الدولار لدعم العملة خلال اضطراب السوق.

وتهدف الإجراءات الحكومية، التي شملت فرض قيود على الصرف الأجنبي ومتطلبات الاحتياطيات بهدف تعزيز الإقراض، إلى تحقيق استقرار في العملة في الوقت الذي يتعافى فيه الاقتصاد المتعثر من ركود. وتتوقع أنقرة أن يقفز النمو إلى معدل 5% هذا العام وهو ما يزيد عمّا يتوقعه معظم المحللين.

المرصد السوري: عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" بسوريا يرتفع  إلى 39 نقطة

 وفي الإطار الميداني في إدلب، الذي يلقي بظلاله على الليرة، ذكر المرصد السوري لحقوق الإنسان، اليوم؛ أنّه رصد دخول رتل عسكري تركي من معبر كفرلوسين شمال إدلب في سوريا، مشيراً إلى أنّ الرتل يتألف من 80 شاحنة وعربة مصفحة ودبابات.

وأوضح المرصد، عبر حسابه على "تويتر"؛ أنّ القوات التركية أنشأت نقطة عسكرية جديدة في قرية بزابور بجبل الزاوية.

وأشار إلى أنّه رصد، قبل ساعات، تمركزاً للقوات التركية في أعلى قمة "النبي أيوب" الإستراتيجية، التي تشرف على مناطق جبل الزاوية وسهل الغاب، إضافة إلى أجزاء من طريق حلب-اللاذقية الدولي.

وقال إنّه رصد إنشاء نقطة عسكرية بالقرب من بلدة بسنقول الواقعة على الطريق ذاته.

وأشار إلى أنّ عدد النقاط التركية في منطقة "خفض التصعيد" يرتفع بذلك إلى 39 نقطة.

مسؤول تركي: تركيا تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب لضمان الأمن

ويرتفع أيضاً عدد الشاحنات والآليات العسكرية التي وصلت المنطقة ذاتها، بحسب المرصد، خلال الفترة الممتدة من الثاني من شهر شباط (فبراير) الجاري وحتى الآن، إلى أكثر من 2535 شاحنة وآلية عسكرية تركية إلى الأراضي السورية، تحمل دبابات وناقلات جند ومدرعات وكبائن حراسة متنقلة مضادة للرصاص ورادارات عسكرية، بينما بلغ عدد الجنود الأتراك الذين انتشروا في إدلب وحلب خلال تلك الفترة إلى أكثر 7300 جندي تركي.

هذا وقد صرّح مسؤول تركي، اليوم؛ بأنّ بلاده تناقش مع الجانب الروسي تسيير دوريات مشتركة في إدلب، شمال غرب سوريا، كأحد الخيارات لضمان الأمن في المنطقة.

وأضاف المسؤول، دون ذكر اسمه، لوكالة "رويترز": "إيران وتركيا وروسيا تخطط للاجتماع في طهران، مطلع آذار (مارس) المقبل، لمواصلة مناقشة الوضع المتأزم في إدلب، والأزمة السورية".

ولفت المسؤول إلى أنّ وفداً روسياً قد يأتي إلى أنقرة قبل الاجتماع في طهران لإجراء مزيد من المحادثات حول إدلب.

 

للمشاركة:



أغاني المهرجانات: هل هي "أخطر" من فيروس كورونا في مصر أم "فن" قائم بذاته؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

أشرف مدبولي

بوجه حزين، وملامح مصرية مآلوفة، وفي منزل يحوي أثاثا بسيطا، قالت الأم بنبرة باكية: "وحياة رحمة ابنتك بلاش (لا) تعاقب ابني".

هذه السيدة هي والدة المغني محمد محمود، الشهير باسم حمّو بيكا، أحد مطربي المهرجانات في مصر، وكانت توجه كلماتها هذه إلى نقيب الموسيقيين من خلال برنامج تلفزيوني على قناة محلية.

وبينما كان يشاهد البرنامج عدد من رواد مقهى شعبي بحي امبابة، وهو حي شعبي بمحافظة الجيزة، مساء الاثنين، قال أحدهم بلهجة مصرية عامية: "هذه الحرب كلها تستهدف الناس الذين يحاولون إسعادنا ويعينونا على نسيان همومنا...".

وهنا رفع عامل المقهى صوت مشغل الأغاني على وقع أغنية شعبية، تسمى مؤخرا مهرجان، لمطربَين باسم "كزبرة وحنجرة".

وكانت نقابة الموسيقيين في مصر قد أصدرت قرارا بمنع مَن يُعرفون بمطربي المهرجانات من الغناء في المنشآت السياحية والملاهي الليلية، باعتبار أن كلمات أغانيهم "تحمل ألفاظا متجاوزة وكلمات تخالف العُرف القيمي، وتتعدى على الرواسخ الثابتة للمجتمع المصري"، وفقا لبيان النقابة.

وردًا على قرار منع المهرجانات أقام المطرب الشعبي حمّو بيكا، أحد الذين تقدموا لنيل عضوية النقابة عدة مرات ورُفض طلبه، دعوى قضائية في محاولة لإلغاء القرار، ولكن المفاجأة كانت في أنه لم يختصم نقابة الموسيقيين التي كان يجب عليه أن يختصمها، بل اختصم نقابة الفنانين التشكيليين!

وظهرت أغاني المهرجانات في مصر قبل نحو عقد ونصف في أوساط الشباب من الطبقات العمالية وتحت المتوسطة في المناطق الشعبية، وبعض وسائل المواصلات، وحفلات الزفاف الشعبية، غير أنها اجتذبت جمهورا أكبر من المستمعين من طبقات أخرى خلال السنوات الخمس الأخيرة.

وقال هاني شاكر نقيب الموسيقيين، وهو مطرب معروف يغني منذ أكثر من أربعين عاما: "إن هناك شبه اتفاق بين طوائف المجتمع على الحالة السيئة التى باتت تهدد الفن والثقافة العامة، بسبب هذه النوعية من الأغاني".

واحتلت ردود الفعل على قرار منع مطربي المهرجانات الصحف وبرامج التلفزيون بل والبرلمان وساحات المحاكم خلال الأيام الثلاثة الماضية، وساد جدل حاد بين مؤيد للقرار ورافض له.

وبينما قال المتحدث باسم البرلمان المصري صلاح حسب الله إن هذه "المهرجانات أخطر على مصر من فيروس كورونا"، أوضحت بسمة وهبة، وهي مذيعة شهيرة وزوجة برلماني بارز، أن المهرجانات "أصبحت فنا في حد ذاته يجتذب الملايين".

وصدر قرار منع مطربي المهرجانات بعد يوم واحد من حفل موسيقي حضره عشرات الآلاف في ملعب القاهرة الدولي، شارك فيه مغنّي المهرجانات حسن شاكوش، بأغنية "بنت الجيران"، وهي الأغنية التي احتلت الأسبوع الماضي المركز الثاني في قائمة الأكثر استماعا على موقعَي يوتيوب وساوندكلاود بأكثر من 100 مليون مشاهدة واستماع.

وأوضحت غرفة المنشآت السياحية أنها تؤيد قرار منع مطربي المهرجانات من الغناء في منشآتها، مؤكدة أن أي منشأة سياحية تخالف القرار ربما تتعرض للإيقاف المؤقت أو النهائي.

"حجْر على الذوق العام"

يقول نصر عبدالله، وهو سائق ميكروباص في القاهرة، إن هذه "محاولة للحجر على اختيارات الناس وأذاوقهم، وأرى أن المهرجانات ستنتصر لأنها تتحدث عن مشكلات الناس، على خلفية نغمة موسيقية متكررة".

ويتفق معه أحد الركاب ويدعى عبد العليم، 23 عاما، قائلا: "يستحيل أن تنصب نقابة الموسيقيين نفسها وصيا على الناس فتخبرهم ما يجب الاستماع إليه، وكأننا لا نستطيع التمييز".

أما فايزة عبد السلام، وهي موظفة في الخمسين من عمرها، والتي كانت في ذات الميكروباص، فتتخذ رأيًا وسطا قائلة: "الموضوع عرض وطلب، وإذا كان الطلب على المهرجانات كبيرا بهذه الصورة، فيجب اعتباره فنا قائما بذاته".

وتستخدم موسيقى المهرجانات جهاز الكمبيوتر في تشكيل الألحان وتستعين بكلمات لكُتّاب شباب، غير محترفين، وتدور معظم أفكار كلماتها حول مشكلات الشباب وأحلامهم، وتختلف عن الاتجاه المعروف في الغناء العربي الذي يركز بشكل أكبر على الحب والرومانسية.

وبحسب كثير من المنتجين والنقاد الموسيقيين، غيّرت أغاني المهرجانات وجه الساحة الغنائية في مصر، بعدما أثبتت أن الاستماع لها في تزايد مستمر في الشارع وفي الحفلات وعبر الإنترنت.

وامتدح حلمي بكر، وهو ملحن معروف، قرار منع مطربي المهرجانات، منتقدا هذا النوع من الغناء ومَن يؤديه، قائلا: "مطربو المهرجانات هم بالأساس جزّارون وسائقو توكتوك".

كما أوضح بكر أن انتشار مثل هذه الأغاني هبط بالفن الغنائي ودفع بعض المطربين الجيدين إلى ترك المجال.

ودعم البرلمان قرار النقابة بمنع مطربي المهرجانات، موضحا على لسان متحدثه الرسمي أن "مواجهة أغاني المهرجانات مسؤولية مشتركة بين الجميع في الدولة المصرية".

وتقدم النائب البرلماني فرج عامر بمقترح لتعديل قانون العقوبات يدعو فيه إلى تشديد عقوبة اللفظ الخادش عموما لتتراوح بين عام وثلاثة أعوام، بدلا من غرامة بقيمة 500 جنيه (30 دولارا) حاليا.

وقال عامر في تصريح صحفي: "أغاني المهرجانات بها ألفاظ لا يجب أن تقال، وأصبحنا نردد هذه الأغاني بما فيها من لغة متردية وإسفاف، فبدأت تنتشر في المجتمع وللأسف ستتحول إلى لغة سائدة".

وطالب عامر، الذي قال إنه تقدم بطلب التعديل التشريعي قبل أشهر، بتشجيع الكتاب المميزين وتكريمهم وأن تكون هناك برامج تثقيفية ومسابقات أدبية وشعرية تهتم باللغة العربية، لمواجهة الابتذال والتردي الذي أسفرت عنه المهرجانات.

وبينما يطالب عامر بذلك، يطالب آخرون باحتضان مطربي المهرجانات وتعليم من لديه موهبة منهم وفرض رقابة على كلمات أغانيهم، وفي الوقت نفسه حثِّ المنتجين على تشجيع المواهب الشابة.

وتستمر حالة الجدل حول مطربي المهرجانات في مصر، بين مَن يرى المنع حلا، ومَن يرى الاحتضان والتدريب وسيلة لمواجهة الفن بالفن.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

إيران: آخر نداءات الإصلاحيين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

حسن فحص

على الرغم من اتساع رقعة الأصوات الإصلاحية والمدنية والعلمانية الداعية لمقاطعة الانتخابات البرلمانية التي ستجري يوم الجمعة في الواحد والعشرين من شباط فبراير الجاري 2020، إن كان علانية او من خلال التزام الصمت والعزوف الهادئ عن المشاركة والرسائل التي يحملها للنظام ومراكز القرار، الا أن اصواتاً من كبار قادة التيارين الإصلاحي والمعتدل وحتى من القوى المنتقدة داخل التيار المحافظ، ترفع الصوت عاليا بالدعوة الى المشاركة الواسعة والكثيفة لمنع وقطع الطريق على خسارات اكبر لعل اقربها واقساها سيطرة التيار المتشدد اليميني على البرلمان، وبالتالي السيطرة والهيمنة على البلاد من دون حسيب أو رقيب.

قد تبدو هذه الدعوات غير منطقية او واقعية امام الاستنفار الذي يعيشه التيار المحافظ من اجل ضمان الحصول على أعلى حصة من مقاعد البرلمان وحسمها لصالح مرشحيه بغض النظر عن الجناح الذي يمثلونه، إن كان المتشدد او الأصولي، وقد ذهبت بعض الاطراف الاصلاحية الى حد اعتبار هذه الدعوة بمثابة تسليم واستسلام والقبول بالتسوية أمام قوى النظام والسلطة المحافظين، الا ان اصحاب هذه الدعوات ينطلقون من اعتقاد بان العازفين عن المشاركة سيصابون بالندم لاحقا عندما يدركون الخطأ الذي ارتكبوه عندما قرروا مقاطعة صناديق الاقتراع، وانهم ساهموا في حرمان أنفسهم وحرمان الاصلاحيين والمعتدلين القدرة على ايصال اصواتهم للرأي العام من خلال منبر البرلمان.

وتبرز اهمية هذه الدعوات لدى هذا الطيف من الاصلاحيين والمعتدلين، نتيجة الإجراءات التي اتخذها التيار المحافظ من خلال لجنة دراسة اهلية المرشحين في مجلس صيانة الدستور والمجزرة التي ارتكبها بحق المرشحين والتي لم تقتصر على الوجوه الإصلاحية البارزة والاساسية، بل طالت وجوها معتدلة ومستقلة وحتى محافظة وسطية، وقد ارتفع منسوب الخوف من النتائج المتوقعة بعد قرار رئيس البرلمان الحالي وأحد أبرز شخصيات التيار المحافظ علي لاريجاني العزوف عن الترشيح، خصوصا بعدما ادرك حجم الاستنفار الذي يسيطر على المعسكر المحافظ ويحفزه على الانقضاض على أي طرف قد ينازعه على تحقيق أهدافه باستعادة السيطرة على البرلمان. وقد زاد  من تجذر هذه المخاوف قرار صيانة الدستور عدم تأييد أهلية علي مطهري الذي يعتبر من أبرز الشخصيات المحافظة التي مارست دورا انتقاديا ووسطيا خلال الازمات السياسية التي مرت بها ايران خلال السنوات التسع الماضية خاصة ازمة فرض الاقامة الجبرية على زعيمي الحركة الخضراء مهدي كروبي ومير حسين موسوي وزوجته.

ولا يعتبر الرئيس حسن روحاني الجهة او الطرف الوحيد بين الاصلاحيين والمعتدلين الذين رفعوا الصوت مرارا وتكرارا بالدعوة الى المشاركة الواسعة في الانتخابات حفاظا على احد اهم وابرز مظاهر الديمقراطية في ايران وان كان بحدها الادنى والمقيد عبر مجلس الصيانة، فالنتائج التي اسفرت عنها استطلاعات الرأي للشارع الايراني خصوصا في العاصمة طهران أظهرت ان نسبة المشاركة الشعبية في الاقتراع لن تتعدى 24 في المئة، وهي نسبة غير مسبوقة في تدنيها بمختلف العمليات الانتخابية في تاريخ الثورة، وهذه الانتخابات ان سمحت للتيار المتشدد بالسيطرة على البرلمان، فانها ستفتح الطريق امام تراجع الاصوات المعتدلة والحوارية والمستقلة القادرة على تقديم خطاب غير صدامي يهدئ من التوتر الداخلي ولا يعطي الخارج خصوصا الادارة الامريكية الذريعة لممارسة المزيد من التشدد والحصار والعقوبات ضد ايران والشعب الايراني.

ولعل من أسباب العزوف الشعبي عن المشاركة في هذه الانتخابات، حالة تراجع الثقة التي زادت مستوياتها كثيرا خلال الاشهر الماضية، خصوصا بعد موجة القمع والاعتقالات التي شهدتها ايران جراء التظاهرات المطلبية في شهر تشرين الثاني نوفمبر 2019 بعد قرار النظام رفع اسعار الوقود وتفاقم الازمات الاقتصادية وانهيار العملة الوطنية وتراجع القدرة الشرائية للمواطن. وهي اسباب لم يعمل النظام والسلطة على ترميمها بما يسمح بتعزيز الاعتقاد الشعبي بقدرته على احداث تغيير عبر المشاركة في الانتخابات وانتاج طبقة سياسية جديدة تعبر عن طموحاته واحتياجاته. وعليه فان المسؤولية الاكبر في هذا العزوف تقع على عاتق النظام الذي لم يبادر الى طمأنة الشارع الشعبي لموقعه ودوره وتأثيره، فضلا عن تزايد الشكوك بعدم نزاهة الانتخابات ما يساهم في تراجع مستويات المشاركة.

امام هذه المعطيات، وما يضاف اليها من ان التيار الاصلاحي يواجه صعوبات حقيقية نتيجة النشاط الذي مارسته مقصلة مجلس صيانة الدستور بحق مرشحيه، في مختلف محافظات ايران، فان التيار المحافظ يدخل السباق الانتخابي منطلقا من قاعدة وحصة محسومة تبدأ من حصوله على 160 مقعدا من اصل 260 سيجري عليها الانتخاب من مجموع 290 مقعدا هي عدد مقاعد البرلمان، والسبب يعود الى ان مجلس الصيانة قد قام بعملية تنظيف واسعة امام مرشحي التيار المحافظ وازاح عن طريقهم المنافسين لهم، في حين ان الدوائر التي قد يكون التيار الاصلاحي قادرا على تقديم مرشحين له فيها لا يتجاوز عدد مقاعدها الثمانين (80) هي مجمل من سيمثل هذا التيار في كل ايران والمنافسة عليها لن تكون سهلة لوجود خصوم محافظين في الدوائر التي يمثلونها، أما في العاصمة طهران فان التيار الاصلاحي قد يكون قادرا على تشكيل لائحة متكاملة من 30 مرشحا، الا ان حظوظ تحقيق خرق لا تبدو واضحة على الرغم من وجود 14 نائبا من النواب الحاليين بينهم، لان التيار المحافظ يعتبر معركة طهران مفصلية في تأمين الشرعية لاحكام قبضته على البرلمان واختيار رئيسه وهيئته الرئاسية.

المعطيات المتوفرة لا تشير الى امكانية تحقيق معجزة تقلب النتائج التي تمت هندستها بعناية، الا ان الرهان يبقى على حجم المشاركة وأن ينتفض المقترعون في اللحظات الاخيرة- وهو أمر مستبعد- لتغيير النتيجة وتوجيه رسالة واضحة للتيار المحافظ بأن نبض الشارع في مكان آخر خارج هذه الهندسات وبعيدا عن المصادرات.

عن "المدن"

للمشاركة:

سياسة أردوغان في إدلب تُحمل تركيا أعباءً إنسانية واقتصادية جمة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-20

جلدم أتاباي شانلي

قرار الحكومة التركية المشاركة النشطة في الحرب المستمرة في محافظة إدلب بشمال غرب سوريا سيؤدي على الأرجح إلى ضغط كبير على اقتصاد البلاد الهش بالفعل.

قال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان إن تركيا ستضرب أهدافاً سورية في أي مكان إذا استمرت الهجمات على الجنود الأتراك في آخر جيب رئيسي يسيطر عليه مقاتلو المعارضة في سوريا.

ومنذ الأسبوع الماضي، نشرت تركيا أكثر من ألف جندي في إدلب، حيث قُتل 13 جندياً تركياً خلال الأسبوع الماضي جراء القصف السوري. وتطالب تركيا القوات الحكومية السورية المدعومة من روسيا بالانسحاب من المواقع خلف 12 مركز مراقبة لتركيا في المنطقة، والتي تم إنشاؤها بموجب اتفاق سوتشي لعام 2018 بين أنقرة وموسكو.

اختار أردوغان تحدي موسكو فيما يتعلق بإدلب على الرغم من المخاطر الاقتصادية المحتملة لهذه الخطوة. فعندما انهارت العلاقات بين البلدين تماماً بعد أن أسقطت أنقرة طائرة مقاتلة روسية في عام 2015 على حدودها مع سوريا، انخفضت تجارة تركيا مع روسيا بنسبة الثلث تقريباً من 23.9 مليار دولار في عام 2015 إلى 16.8 مليار دولار.

وبدأ البلدان في تحسين العلاقات في أعقاب محاولة انقلاب فاشلة في تركيا في عام 2016 وأقاما علاقات أوثق منذ ذلك الحين. ولكن بالنظر إلى أن هدف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين المتمثل في التخلص من جميع المقاتلين الجهاديين في إدلب، فمن غير المرجح أن تتوصل روسيا وتركيا إلى اتفاق هذه المرة.

من الواضح أن التدفق الهائل للاجئين من إدلب، التي تضم ثلاثة ملايين شخص بحسب تقديرات الأمم المتحدة، والذين يُعتقد أن 1.2 مليون منهم لاجئون نزحوا من أماكن أخرى في سوريا، سيكون أول نتيجة لزيادة التوتر في المحافظة. وتقول الأمم المتحدة إن حوالي 700 ألف شخص فروا بالفعل من إدلب هرباً من الاشتباكات بين قوات الحكومة السورية والمقاتلين الجهاديين، سعياً لإيجاد مأوى في تركيا، التي تستضيف بالفعل حوالي 3.6 مليون سوري.

ويقول أردوغان إن العدد أكبر من ذلك، أي ما يقرب من مليون شخص. وفي حال بدأ هؤلاء الأشخاص بالمرور عبر الحدود، ستكلف موجة اللاجئين الجديدة تركيا ما لا يقل عن اثنين إلى ثلاثة مليارات دولار سنوياً. بالنظر إلى أن تركيا يجب أن تتعامل مع معدل بطالة يبلغ 15 في المئة في القطاعات غير الزراعية ومع تنامي المشاعر المناهضة للاجئين بين الأتراك، فإن التكلفة السياسية الكلية لسياسة تركيا في إدلب لا يمكن أن يتحملها حزب العدالة والتنمية الحاكم.

وستكون هناك بالطبع تكلفة لتدهور العلاقات مع روسيا. ليس في قطاع الطاقة، حيث يبدو أن روسيا ضمنت مصالحها في صفقات مع تركيا. لكن قرار تركيا شراء أنظمة دفاع روسية من طراز إس-400، مما أبعد حلفاء أنقرة في الغرب، سيكون له ثمن.

ستحتاج تركيا إلى إعادة موازنة علاقاتها مع الغرب، لا سيما مع الولايات المتحدة. بعد زيارته الأخيرة للبيت الأبيض في نوفمبر، قال أردوغان إن تركيا قد تفكر أيضاً في شراء بطاريات صواريخ باتريوت أميركية الصنع. وفي حال كان هذا التنازل لا مفر منه للحصول على دعم الولايات المتحدة في إدلب، فإن هذا سيعني نفقات إضافية بقيمة تتراوح بين ملياري وثلاثة مليارات دولار للخزانة التركية. ستدفع أنقرة ثمناً باهظاً مقابل سياستها القائمة على السعي لتحقيق مكاسب استراتيجية باللعب على تضارب المصالح بين واشنطن وموسكو.

وستلعب موسكو ودمشق بالورقة الكردية في سوريا على الأرجح ضد تركيا لكبح أي خطوة عدوانية من أنقرة. يشعر المقاتلون الأكراد في سوريا بتخلي الولايات المتحدة عنهم حيث تركتهم في حماية 600 جندي أميركي فقط حول حقول النفط في شمال شرق سوريا بعد قرار الرئيس دونالد ترامب سحب القوات قبل توغل تركي في أكتوبر.

ومن خلال إشراك القيادة الكردية السورية بفعالية في جهودها لصياغة دستور جديد في سوريا، يمكن لروسيا هز الأسس المتزعزعة بالفعل لسياسة أنقرة. حاولت الحكومة التركية تبرير توغلاتها العسكرية في شمال سوريا من خلال التأكيد على التهديدات التي يتعرض لها الأمن القومي لتركيا من قبل قوات سوريا الديمقراطية، والتي تقول الحكومة التركية إنها امتداد لحزب العمال الكردستاني المحظور، الذي يقاتل داخل تركيا من أجل الحكم الذاتي على مدى ما يربو على ثلاثة عقود.

ولم تخف أنقرة أبداً المكاسب الاقتصادية المحتملة لمثل هذه التوغلات، كما ذكرت بوضوح في أكتوبر عندما حددت خططاً لبناء منشآت سكنية لما يصل إلى مليون لاجئ سوري في المناطق التي تهدف إلى السيطرة عليها بعد عمليتها العسكرية في شمال شرق سوريا. لكن التوصل لاتفاق بين الأكراد السوريين والرئيس بشار الأسد يمكن أن يضع حداً لأحلام أنقرة لتعزيز صناعة البناء والتشييد من خلال مشاريع جديدة في سوريا. وهذا يعني خسارة عائدات بقيمة بضعة مليارات من الدولارات لصناعة البناء في تركيا، والتي كانت بمثابة المحرك الأساسي للنمو التركي لمدة 15 عاماً حتى عام 2018.

سيتأثر السوق التركي حتماً بشكل عام بالتوترات السياسية والعسكرية والاشتباكات في سوريا. لن تكون الإدارة الاقتصادية التركية قادرة بعد الآن على إبقاء الليرة تحت مستوى ستة دولارات، وهو مؤشر نفسي. وسيكون من المستحيل على تركيا الإبقاء على أسعار الفائدة عند مستوياتها الحالية، والتي تحارب الخزانة التركية للإبقاء عليها من خلال بيع الأوراق المالية بقيمة مليارات الليرات.

ثمة أيام مظلمة في انتظار البنك المركزي التركي، الذي خفض أسعار الفائدة الرئيسية على الإقراض إلى النصف من 24 في المئة منذ يوليو إلى 11.75 في المئة في يناير. إن سياسته المتمثلة في الحد من سوق المبادلة من خلال منع تحركات المستثمرين الأجانب ليست مستدامة في ظل ظروف استثنائية. تشير المؤشرات الاقتصادية إلى أنه سيكون من المستحيل على الحكومة تحقيق أهداف النمو الاقتصادي لعام 2020. ونظراً لأن الوضع في إدلب سيكون له أيضاً آثار تضخمية، فإن عواقب التوترات الدائمة في إدلب ستكون أكثر حدة.

كان بإمكان تركيا أن تتجنب كل هذه المخاطر إذا كانت اتبعت سياسة مختلفة تجاه دمشق منذ بداية الحرب الأهلية السورية في عام 2011. والآن، بالنظر إلى عدد القتلى الأتراك في إدلب، يبدو أن أنقرة متأخرة للغاية في توجيه سياساتها في هذا الاتجاه.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية