لطيفة الزيات.. الباب المفتوح دائماً للبحث عن الذات الحرة

لطيفة الزيات.. الباب المفتوح دائماً للبحث عن الذات الحرة


08/01/2019

اليوم، والفرادنية الزائفة تعصف بنا وتفتّتنا، بلا سند نتّكئ عليه، وتحوّلنا وسائطنا الرقمية إلى مجرد أرقام بلا روح، لا، هذا ليس ممارسة نوع من التشاؤم، إنّما محاولة لبعث نداء من نداءات الإفاقة، ولا أجمل من استدعاء شعلة حبّ مثل لطيفة الزيّات (1923-1996)، هذه المرأة المفعمة بالحياة، حتى وهي على الضفة الأخرى التي نسميها "الموت"، المرأة القادرة بكلماتها الصادقة الثائرة، أن تبعث حبّنا للكلّ من أطلال الأنا المتهاوية والمسجونة في دور ضحية هذا الزمن؛ "زمن الأسئلة التي بلا جواب"، على حدّ تعبيرها.

اقرأ أيضاً: الزمن الجميل.. قرع أبواب لا تفضي إلى شيء
   في سيرتها المعنونة "حملة تفتيش في أوراق شخصية"، تبوح لنا بكلّ شيء يمكن أن ينقله إنسان إلى آخر في كلمات؛ بل بأقلّ الكلمات، إيماناً منها أنّ الكلمة تزيح عنّا الموت قرين المطلق، وأنّ "الحقيقة لا تصبح حقيقة إلا إذا تكلمت، إلا إذا تشكلت في كلمات حية نابضة"، جمعت كلماتها في نصّ مفعم بالدفء، كمن يجمع "حبّات البرد في طبق الصاج، وهو يعرف أنّ البرد لن يلبث إلا ومضة ويزول".

في روايتها "الباب المفتوح"؛ التي صدرت عام 1960، نجد أنفسنا أمام دفقات متتالية من الحياة والصراعات

تخبرنا لطيفة بأنّ الحياة، مهما بلغت قسوتها، ومضة وتزول، لذلك أعطت حدّ الفناء، وكانت قوية كالأرض، تقبلت كلّ شيء، وتجاوزت كلّ شيء بعد أن استوعبته.
عام 1934؛ وعمرها قد أزهر أحد عشر ربيعاً، تقف على شرفة بيتها بشارع العباسي في المنصورة، كي تختبر أولى صدماتها المدمية، وهي ترى بعيني الطفلة، رصاص البوليس السياسي يردي أربعة عشر قتيلاً من المتظاهرين ضدّ حكومة إسماعيل صدقي، رئيس الوزراء وقتئذ، ومن تلك اللحظة الصادمة غادرت طفولتها، "وبلغت قبل أوان البلوغ مثخنة بمعرفة تتعدى حدود البيت لتشمل الوطن في كليته، يعذبها اختناق الصوت"، ويدفعها لأن تظلّ على قول "لا" لكلّ مظالم الدنيا.
تدخل لطيفة الجامعة عام 1942، وتلتحق بقسم اللغة الإنجليزية، ومن الجامعة تشتبك في المعترك السياسي وتنضم لليسار، وتنسى أنّها امرأة، أو أنثى، يجب أن تخجل وتستكين، ترفع صوتها عالياً ويحملها زملاؤها على الأعناق، صوتها هادراً، وكلماتها تنزل كالسوط على كل معتدي يهدر حقّ الإنسان في أن يعيش حرّاً كريماً.

اقرأ أيضاً: الظهور العلنيّ للنساء.. جدل الحداثة والطبقة والتحرش!
في منتصف الأربعينيات، تحديداً عام 1946، الذي شهد مذبحة الطلبة على كوبري عباس، تجلس لطيفة "وقد تحجرت الدموع في عينيها ملحاً، تنتظر رفاقها الغرقى"، على شطّ النيل تجلس الفتاة التي وجدت الملاذ في الكلّ، تستر العري، عريّها وعريّهم وعريّنا، تجلس ليلاً وصبحاً وضحى، حتى ينتهي الغواصون من مهمة انتشال الجثث، تلفّ بعلم مصر الأخضر جثة بعد جثة، تتسابق يداها وأيدي الآخرين، الكثير من الأيدي والجثث، ترتفع كالأعلام عالية على أيدي العاشقين، وشجرة العشق حية لا تموت"؛ العشق المطلق للحب والخير والحرية.
وحين سُجنت لطيفة، مع زوجها ومجموعة من زملائها الثوريين، عام 1949، وبعد الحكم على زوجها بالسجن سبعة أعوام، غنّت بمزيد من الحرية "غداً يعود الربيع من جديد، ونحبّ ونُحَب من جديد"، ولم يكن "الربيع الذي غنته بربيعها هي وحدها، كان ربيع الكلّ، وحبّ الكلّ، كان الربيع الذي يملك الكلّ أن يزدهر فيه، ويملك الكلّ أن يحبّ فيه".

اقرأ أيضاً: أفكار في عقل أبكار السقاف: رحلة كاتبة تنويرية
في روايتها "الباب المفتوح"؛ التي صدرت عام 1960، نجد أنفسنا أمام دفقات متتالية من الحياة والصراعات، تأخذنا رجفةَ بعد رجفة إثر حمولات كلماتها التي لا تملّ من شغف الحياة للكلّ، تشعر وكأنك جزء منها، وهي جزء منك، وكلانا ننتمي إلى الحياة الأم، أصلنا الواحد، تعلمنا أنّ الجحيم ليس هو الآخر؛ إنما من خلال الآخر، إذا تحليّنا بالحبّ يمكن أن نتوصل إلى ذواتنا الحقيقية، ذواتنا التي لا نجدها إلا "إذا ذابت بداية في شيء ما خارج حدود الأنا الضيقة، نحن نفقد هذه الذات الحقّة حين نصبح محدودين، محبوسين في قفص، متحلقين حول الأنا".
لقد أسلمت نفسها إلى "ليلى" في بابها المفتوح نحو الخارج، لا الداخل، ولا الأنا، لكنّها لم تستسلم لصراعات الأنثى في مجتمع منغلق يخشى أنوثتها، خوفاً من تكرار الخطيئة المقدسة، وآمنت بأنّ القهر لا يفرّق بين الإنسان كان رجلاً أو أنثى، وحين نقهر الآخر أياً كان نوعه، نحن نقهر ذاتنا ونسجنها بالأساس، وأنّ السجن أشدّ وطأة على السجّان لا السجين، لم تفصل الأنثى ذاتها عن جسدها الاجتماعي، حتى في لحظات انهزامها الخاص، كان كيانها ممزوجاً بوجع انهزام واقعها المعيش، وعيناها ترى وحشية الفساد ممددة بألسنة النيران تلتهم القاهرة، كانون الثاني (يناير) 1952، ثم وعيون الفدائيين تلقي النظرة الأخيرة، وتغادر الحياة على أرصفة موانئ مدن القناة إثر عدوان 1956، الذي وأد حلم الصبية، وكلّ الصبايا.

آمنت بأنّ القهر لا يفرّق بين الإنسان كان رجلاً أو أنثى، وحين نقهر الآخر فنحن نقهر ذاتنا ونسجنها بالأساس

عام 1967، عقب الهزيمة العسكرية، السوط الأخير الذي أسقط المنطقة العربية، وفي مقرّ المجلس الأعلى للآداب بالقاهرة، وبصفتها الوظيفية كأستاذة جامعية، ورئيس لجنة الدفاع عن الثقافة القومية، ثمّ بصفتها المناضلة التي وجدت نفسها من جديد في مواجهة الهزيمة الكلية للوطن والآخر، صرخت بكلّ قوتها في وجه زملائها من المثقفين والأدباء، لتبلور العنوان الرئيس الذي لفّنا إلى الآن "كلّ واحد منا مسؤول عن هذه الهزيمة، لو قلنا لا للخطأ كلّما وقع خطأ، ما حلّت بنا الهزيمة".
لكنّ لطيفة لم تسقط أسيرة اليأس، لم تخفت أغنيتها الأثيرة "غداً يعود الربيع من جديد، ونحبّ ونُحَبّ من جديد"، وفي انتصار تشرين الأول (أكتوبر) 1973؛ انطلقت منتشية تغني بأعلى صوت مع الكلّ، أغنية الكلّ، ظلت تقاتل بالكلمة والجسد، وتصارع القهر والظلم الاجتماعي، والخنوع للمعتدين؛ المعتدين على الأوطان، على كرامة الإنسان.
عام 1981، وهي على مشارف الستين من عمرها، تُسجن للمرة الثانية، ضمن مجموعة المثقفين الألف وخمسمئة، المعارضين لاتفاقية كامب ديفيد للسلام مع "الصهيونية"، تتأجج جمرة حريتها، وتكتب بروح الطفلة، ثم تورق كأنها شجرة مزهرة للأبد، جذورها ممدودة بأرض الحبّ.
على مشارف الستين؛ لم تبكِ ذاتها، إنما وجدتها من جديد، واستردت صوتها، تفصح لنا "سرى الدم في عروقي يضجّ بحبّ الحياة، وبإرادة صنع حياة أفضل، أنطقت من جديد المرأة التي تحنّطت لفترة داخل كتاب خشية صدام"، وقصدت بتلك الفترة، زواجها الثاني من اليميني رشاد رشدي الذي استمر ثلاثة عشر عاماً من الصمت.

اقرأ أيضاً: روز أنطون الكاتبة النهضوية المجهولة
ظلت لطيفة تبحث عن ذاتها في المجموع، على نحوِ محموم، وتفقد حريتها حين تحدث نفسها في لحظة حنين إلى راحة "طال المسار وآن لي أن أستكين، لكن معركة الحرية تستطيل }يا لطيفة{ ما استطال عمر الإنسان"، في السجن تهدهد وجعها الستينيّ، بقلبها الطفولي، تصف لنا عذاب صليبها الذي ارتضت حمله طواعية وسعادة من أجل الكلّ: "رغم الاضطهاد والقهر رويت الشجرة، رغم التقارير السرية، وأدوات الاستماع يزرعونها تحت فروة رأسي، وأجهزة التصوير يدسونها تحت جلدي، أعلم أنّ على الإنسان أن يروي الشجرة، تعلمت أنّ على الإنسان أن يروي الشجرة، حتى لو لم تتح له فرصة من العمر ليرى الشجرة تخضرّ، إنّ السجن والتشريد والتهديد والملاحقة والتعذيب ليست سوى وسائل لسلب الإنسان آدميته، أو قدرته على التفكير الناقد، لكن على الإنسان أن يستعدّ، ويعاود الاستعداد في كلّ لحظة يحياها".
وبحسب إيمان لطيفة الإنساني؛ فالإنسان بمقدوره، حتى في الأوقات حالكة الظُلمة والسجن والتشريد، أن يعيد خلق ذاته، ويصبح شرساً لكن جميلاً، ودلّلت على صدق إيمانها، وأخلصت حين لم تسمح لأيّ سجن أن يُسكت صوتها المحموم بالحرية، وإن كبلتها كهولة الجسد والزمن الذي أصبحت فيه مغتربة عن كلّ ما صنعها؛ لأنّها عاشت من أجل المطلق، وتجاوزت الزمان والمكان بأحلامها للكل.

ظلت تقاتل بالكلمة والجسد، وتصارع القهر والظلم الاجتماعي، والخنوع للمعتدين؛ المعتدين على الأوطان، على كرامة الإنسان

خلال الأعوام 1982-1996؛ تكتب لطيفة روايتها القصيرة "الرجل الذي عرف تهمته"، وفيها يتعرى الفرد في مرايا قمع السلطة واستبدادها، كتبتها بسخرية من ضحكوا حدّ السماء من شدة الألم، وتسأل: هل يتأتّى للفرد، أيّ فرد، أن يتمتع بحرية ما حتى أدناها، في ظلّ واقع بوليسي قاهر تتعدّد وسائل قمعه وآلياته القاهرة المحسوسة وغير المحسوسة؟ وإلى أي مدى يُسأل الإنسان العادي بسلبيته وانطوائه على ذاته عن هذا الوضع المتفاقم، الذي يطول الكلّ في الواقع، لا مجرد مجموعة من المشتغلين بالسياسة؟
لم تنسَ لطيفة قطّ كونها امرأة في مجتمع مقهور، وهو ما عكسته في روايتها "صاحب البيت"، لكنّها دافعت عن الكلّ باستماتتها نفسها في الدفاع عن ذاتها الأنثوية، وفي مسرحية "بيع وشرا"، العام 1994 ندّدت بمساوئ الانفتاح الاقتصادي، من طغيان النزعة الاستهلاكية وزيفها، وعبودية المال، والاغتراب عن الذات، في ظلّ لصوص سرقوا قوت الفقير ثم أكلوه حياً، في "بيع وشرا"، تعلن: "أعرف الآن أني كنت بالأمس الصبية التي تصفي مع اللصوص والقتلة حساباً قديماً، لم تصفّه الصبية يوم أردى رصاص البوليس أربعة عشر قتيلاً أمام عينيها".
يُسدل الستار على رحلة حياة لطيفة، في 11 أيلول (سبتمبر) 1996، بعد صراعها مع مرض السرطان، وعمرها 73 ربيعاً من العطاء، رحلت إلى المطلق الذي دأبت شوقاً إليه، لكنها تظلّ عشق الصوفيّ، الذي يموت ويُبعث في الكلّ، الغنوة التي أهابت بشعوب الشرق أن ترد الغاصبين، تدندن:
في يوم من أيام الحياة
سيزدهر الربيع من جديد
في أرض حرة حرة
فيها نحيا من جديد
فيها نحبّ ونُحَبّ من جديد

الصفحة الرئيسية