العرب والاستشراق.. فصول من سوء الفهم والصّدام

أحمد الديباوي's picture
باحث في الفكر الإسلامي
2144
عدد القراءات

2019-01-10

يذهب كثير من الباحثين العرب إلى أنّ الاستشراق تكريس للنزعة الاستعمارية، وتعبير عن فكرة المركزية الغربية الأوروبية والأمريكية، دون أن يدور بخلدهم إمكانية "تحويل التراث الاستشراقي إلى موضوع وقاعدة من قواعد الانطلاق لتأسيس معرفة بالآخر"، على حدّ تعبير المفكر المغربي بنسالم حمِّيش.

الاستشراق في مرايا العرب

إنّ كثيرين، في تقييم أُحادي ودوغمائية لا تلين، ينظرون إلى مسألة الاستشراق على أنّها مسألة استعمارية مكتملة الأركان، فيعدّونه حركة تبشيرية واكبت الحملات الصليبية الجديدة، من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، فيما عُرف بالاستعمار الغربي للشرق، دون الانتباه إلى وجود أهمية، ولو محدودة، لإنتاج المستشرقين وجهودهم في استكشاف بعض الظواهر الدينية واللغوية والتاريخية التي غفل عنها العرب والمسلمون بفعل مؤثرات متعددة في محيطهم السياسي والاجتماعي والثقافي؛ فالاستشراق ليس وحدة مفردة، والمستشرقون ليسوا نسيجاً واحداً؛ فبعضهم لم ينطلق من وجهة نظر سياسية أو أهداف استعمارية، بل كان ينطلق من وجهة علمية ومعرفية خالصة، حتى أنّ المستشرق، فرنسيسكو غابرييلي، يرى أنّ العرب قد أعطوا للحضارة الإنسانية تاريخاً مشرقاً لا يمكن إنكاره، لكن دورهم قد تضاءل في القرون الأخيرة.

ينظر كثيرون إلى الاستشراق على أنّه مسألة استعمارية فيعدّونه حركة تبشيرية واكبت الحملات الصليبية الجديدة

لا ننكر أنّ كثيراً من الدراسات الاستشراقية (Orientalism)؛ إنما تتصيّد الأخطاء وتتربّص بالقرآن الكريم والسنّة النبوية، وتغوص في مدونات التراث، لعلّها تستخرج منها ما يفيد منهجها في القدح، لكننا لا ننكر أنّ هؤلاء المستشرقين كان لهم فضل كبير في تحقيق كثير من كتب التراث وإعادة طبعها وتصحيحها؛ بل إنّ لهم فضلاً في التنبيه على أمور ذات قيمة في ذلك التراث، مما لم ينتبه إليه المسلمون أنفسهم، فحفظ لنا التاريخ أسماء مستشرقين معتدلين، مثل: جوستاف لوبون، وزيجريد هونكه، وسلفستر دي ساسي، وتوماس أرنولد، وغيرهم، ممّن ساهمت بحوثهم وأفكارهم، لا نقول كلها، في تجديد التراث وبيان سماحة الإسلام والدفاع عنه، والإلماع إلى فضل الحضارة الإسلامية على الغرب.

المجدّدون في الفكر الإسلامي ليسوا تلاميذَ المستشرقين

ومن العجب أن يدّعي بعضهم أنّ المجدّدين والمخالفين لبعض نصوص التراث إنما هم تلاميذ المستشرقين والمبشرين، ويعملون وفق أجندة غربية، وكأنّ مدرسة الرأي التي أنشأها الإمام أبو حنيفة قد نقلت هي الأخرى عن الدوائر الاستشراقية حين ردّت بعض أحاديث لم تقبل متنها! وكأنّ الأصمّ أو الجاحظ أو واصل بن عطاء، أو غيرهم من أصحاب المدرسة العقلية قد نقلوا عن المستشرقين، أو عملوا وفق أجندات غربية استعمارية! ثمّ كأنّ الأستاذ الإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، اللذين انتقدا بعض أحاديث البخاري قد كانا من عملاء الاستشراق الإمبريالي ومن المبشرين الصليبيين! وكأنّ الشيوخ: مصطفى عبد الرازق، ومحمود شلتوت، ومحمد أبو زهرة، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمد الغزالي، ومحمد المدني، وغيرهم من أولي التجديد والإصلاح، قد نقلوا أيضاً عن المستشرقين، وكانوا يتحركون وَفق أجندات غربية!

اقرأ أيضاً: مراجعة الاستشراق أم نقض الغرب؟

إننا نقوم بتسويق نظرية المؤامرة المعتادة لدينا في عالمنا العربي تسويقاً رائعاً، فيما نغضّ الطرف عن مستشرقين قد أسلموا بالفعل، مثل: كليوبولد فايس، وأتيين دينيه، وموريس بوكاي، وغيرهم، أو حتى من لم يعلن إسلامه منهم، فكان مثالاً للعدل والإنصاف مثل: جوهان رايسكه، ومايكل هارت، وبودلي، ومونتجمري، وكارن أرمسترونج، وغيرهم، بخلاف بعض المستشرقين الذين يستغلّون روايات ضعيفةً في تراثنا لم نعطها، نحن المسلمين، حقها في البحث والتنظير المقنِع، والتأويل السائغ غير المتكلّف، فيأتي بعض المستشرقين، ولو بحُسن نية، فيستنتجون منها معارفَ ومعلوماتٍ ليست من الدين الصحيح في شيء، فنلومهم قبل أن نلوم أنفسنا!

المستشرق غابرييلي يرى أنّ العرب قد أعطوا للحضارة الإنسانية تاريخاً مشرقاً لكن دورهم قد تضاءل في القرون الأخيرة

إنّ الدعوات التي يحاول البعض أن يطلقها ليسوّغ لبعض المؤسسات الدينية الرسمية مهمة تجديد الدين، ونقد التراث المجافي للقرآن الكريم والعلم والمنطق والذوق والتحضّر، هي دعوات بائسة؛ لأنّ تلك المؤسسات الدينية لن تتنازل بسهولة عن امتيازات الكهنوت الديني السادر في رمْي المخالفين بأنهم يعملون وَفق أجندات غربية، لهدم الدين وثوابته، فيما هم يدركون أن كلامهم هذا ما هو إلا محاولات دائبة منهم لتشويه صورة مخالفيهم، وتشويه أطروحاتهم باسم العمالة للغرب، ولا تعجب من ذلك؛ فالأشعريون، الذين يسيطر مذهبهم العقائدي على أكثر من 60% من العالم الإسلامي، قد سبقوهم إلى ذلك، بقرون؛ حين ادّعوا على مخالفيهم من المعتزلة بأنّهم زنادقة، وانتحلوا عليهم نقولاً ومروياتٍ وأحكاماً لم يقولوا بها؛ لأنهم عجزوا عن مسايرة أطروحاتهم التي تتسم بالديالكتيك والديناميكية، فعمدوا إلى تشويههم وتأليب الناس عليهم.

التراث بين الأصالة والحداثة

من غير المُجدي الاستمرار في نعت الدراسات الاستشراقية؛ بأنّها "مُغرضة"، كأننا لا نملك سوى ردّ الفعل الدفاعي، دون اتخاذ خطوات علمية جادّة للتعاطي مع تلك الدراسات بموضوعية وتحليل ونقد، فالدراسات الاستشراقية تفرض علينا، بداية، النظر إلى تراث المستشرقين الجدد بشيء من العناية والتدقيق، وترجمة أهم أعمالهم، كما تفرض علينا تغيير نظرتنا إلى التراث، سيما أنّ أكثر من 140 ألف مخطوط عربي، بحسب آخر الإحصائيات، لمّا تزل في مكتبات ودور الكتب الأوروبية، ما يعني أنّ الباحثين العرب معنيّون بإعادة اكتشاف هذا التراث، وإخراجه، وإضاءة المسالك المعتمة فيه، وتطويره بكل الدراسات الحديثة والإضافة إليه؛ حيث يتلاقح الجديد بالقديم، أي تتلاقح الحداثة بالأصالة؛ إذ إنّ "الأصالة دون حداثة تركة مهزومة، والحداثة دون أصالة طاقة مهدورة"، يقول بنسالم حِمّيش.

اقرأ أيضاً: إعادة النظر في الاستشراق

ويكفي أن نشير، في آخر مقالنا هذا، إلى أنّ رائداً من روّاد الاستشراق الحديث، هو الفرنسي ألان دي ليبيرا، الأستاذ في جامعتي جنيف وباريس، وأحد كبار الاختصاصيين في الفلسفة العربية الإسلامية، لا توجد -حتى الآن- ترجمة عربية لكتابه المهم "ابن رشد والفلسفة الرشدية" (Averroes et l"avarroisme)، الذي صدر منذ عام 2003، وهو الكتاب الذي يمثل مدخلاً عاماً إلى فلسفة ابن رشد وإلى التيار المنبثق عنها في أوروبا، المسمّى "الفلسفة الرشدية" (Averroisme)، وتنبع أهميته من كونه يعيد ترتيب دراسة فلسفة ابن رشد الحقيقية، بعيداً عن تصورات "الرشدية اللاتينية" في البيئة المسيحية اللاتينية، في القرون الوسطى.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



تداعيات خسارة أردوغان في إسطنبول.. كيف نقرأ الحدث؟

عمر الرداد's picture
كاتب وخبير أمني أردني
180
عدد القراءات

2019-06-25

يصرّ مؤيدو ومعجبو الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، على مقولة إنّ الخسارة المدوّية التي تلقّاها أردوغان، ومعه حزب "العدالة والتنمية"، في الانتخابات المعادة في بلدية إسطنبول، إنّما تؤكّد التزام "العدالة والتنمية" بالديمقراطية، وهو أمر مشكوك فيه استناداً لوقائع، والمرجّح أنّ أردوغان لم ينتزع قراراً من القضاء بإعادة انتخابات إسطنبول ليؤكّد التزامه بالنهج الديمقراطي، إنّما كان في مخططه إنجاح مرشّحه، علي بن يلدريم، في هذه الانتخابات، بعد فشله في المرة الأولى التي أجريت في آذار (مارس) الماضي.

اقرأ أيضاً: إسطنبول "تصفع" أردوغان

الحديث عن مزاعم بالتزام حزب "العدالة والتنمية" بالديمقراطية، وأنّ انتخابات إسطنبول أكّدت ديمقراطية الحزب، تنفيها الاعتقالات المتواصلة لعسكريين ومهنيين وإعلاميين، والتضييق على الحريات التي تتضمنها تقارير منظمات مستقلة "الأمنستي"، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، عام 2016، إضافة إلى إجراءات مرتبطة بالرقابة على الإنترنت، والشكوك حول استقلال القضاء، الذي تحوم حوله الشكوك بخضوعه لأردوغان وسياساته.

لم ينتزع أردوغان قراراً من القضاء بإعادة انتخابات إسطنبول ليؤكّد التزامه بالنهج الديمقراطي إنّما لإنجاح مرشّحه يلدريم

الانتخابات المعادة في إسطنبول كانت تؤكد، قبل إجرائها؛ أنّ أردوغان يراكم خسائره، بمعزل عن النتيجة، ففوز المعارضة، وهو ما حصل، وبفارق عددي أكثر من المرة السابقة، رسالة جديدة تؤكّد خيارات سكان إسطنبول، المدينة الأهمّ في تركيا، وأنّهم ليس فقط مع المعارضة، وإنّما ضدّ أردوغان وبرنامج حزبه، ولو فاز مرشّح أردوغان، يلدريم، فإنّ شكوكاً عميقة ستحيط بالنتيجة، وإنّ الحزب الحاكم قام بتزوير الانتخابات، وخلافاً لما يعتقده كثيرون من أنّ "العدالة والتنمية" سجّل نصراً بالتزامه بالديمقراطية؛ فإنّ الفضل في ذلك يُسجَّل لقيم الجمهورية التركية التي استقرت على أن تكون نزاهة أيّة انتخابات خطاً أحمر في القيم التركية، والتي حاول أردوغان ضربها بالاحتجاج على نتائج الانتخابات السابقة؛ إذ كان لافتاً، وخلافاً لكلّ ديمقراطيات العالم، أن يحتجّ الحزب الحاكم على نتيجة انتخابات فازت فيها المعارضة.

اقرأ أيضاً: هكذا خسر أردوغان إسطنبول مرتين
وبعيداً عن دلالات حجم الأصوات التي حصل عليها مرشح المعارضة، أكرم إمام أوغلو، وتعميق الفوارق مع مرشح الحزب الحاكم؛ فإنّ جملة أسباب تقف خلف هذه الخسارة، لعلّ أبرزها: عدم قناعة الناخب ببرامج ووعود حزب "العدالة والتنمية"، الذي "يقتات" على إنجازات ماضوية للحزب، ترتبط بمقارنات غير موضوعية مع مراحل سبقت تسلّم الحزب للحكم، ولم تأخذ بعين الاعتبار مطالب الشباب، وبقيت تدور حول الفصل بين الجنسين في المسابح العامة وغيرها من الأمور، ويبدو أنّ ذلك كان بهدف التغطية على الأزمات الاقتصادية وتداعياتها، فيما كان للاستهداف الشخصي لمرشّح المعارضة، بأنّه من أصول يونانية، وأنّه يوالي الانقلابيين، تأثير كبير في وقوف الجمهور التركي إلى جانب إمام، إضافة إلى ذلك؛ لعبت دعوة المعارض الكردي، عبدالله أوجلان، للأغلبية الكردية في إسطنبول، إلى اتخاذ موقف الحياد، دوراً في عدم تأييد مرشّح "العدالة والتنمية"، خاصة مع ردود أردوغان السلبية على دعوة أوجلان.

الانتخابات المعادة في إسطنبول كانت تؤكد قبل إجرائها أنّ أردوغان يراكم خسائره بمعزل عن النتيجة

إنّ ربط خسارة أردوغان بانتخابات إسطنبول، فقط بسوء الحملة الانتخابية، كما يتمّ الترويج من قِبل مؤيديه، مزاعم ينقصها الدليل؛ إذ أسهمت جملة عوامل؛ داخلية وخارجية، في تلك الخسارة؛ فعلى الصعيد الداخلي، يلمس المواطن التركي تداعيات الأزمات الاقتصادية في تركيا بالهبوط الحادّ لليرة التركية، ومستويات التضخم، وزيادات الأسعار، بما فيها المواد الاستهلاكية، وهروب الاستثمارات الأجنبية، رغم استمرار الدعاية الضخمة حول مشاريع كبرى؛ من مطارات، وجسور، وبنية تحتية، تخاطب عواطف المواطن التركي، الذي لا يرى فيها إنجازات حقيقية في ظلّ أزماته الاقتصادية، فيما يدرك المواطن التركي أنّ تلك الأزمات مرتبطة بتحالفات أردوغان، وتناقضاته في بناء تحالفاته الدولية والإقليمية، وخساراته للحليف الأمريكي والعمق الأوروبي، والذي دفع الأوروبيين، بفعل تلك السياسات، إلى رفض انضمام تركيا إلى اتحادهم، فيما تتوالى خسارات أردوغان في سوريا، بفضل دعمه للفصائل الإرهابية فيها، وخساراته في السودان وليبيا، وبناء علاقة عدائية مع مراكز الثقل العربي: الرياض والقاهرة وأبوظبي.

اقرأ أيضاً: هزيمة إسطنبول.. 3 دلائل على نهاية نظام أردوغان
انتخابات إسطنبول تشكّل محطة ذات دلالة سيترتّب عليها ما بعدها، وباتجاهات قد تذهب بعيداً، لتسجيل المزيد من خسارات حزب "العدالة والتنمية"، ولعلّ أول محطات تلك الخسارات؛ توجهات "العدالة والتنمية" لإجراء مراجعات شاملة لسياسات وبرامج الحزب، قد تصل إلى حدّ وقوع انشقاقات في الحزب، في ظلّ القيادة المتفردة لأردوغان، فيما لا يستبعد أن تسهم الأزمة الاقتصادية في تراجع شعبية "العدالة والتنمية"، وربما تؤسس لربيع تركي جديد، ارتباطاً بدور العامل الاقتصادي في تحريك الشعوب، فيما سيفقد أردوغان أوراقاً كثيرة على صعيد علاقاته بأوروبا وأمريكا، إضافة إلى تراجعات الإسلام السياسي في المنطقة، والتغيرات المقبلة في سوريا والسودان وليبيا، والتي لا تصبّ مخرجاتها بما يجعلها أوراقاً يمكن أن يرفعها أردوغان للتدليل على نجاحاته.

الارتياب في الحداثة والتوجس من الحرية

116
عدد القراءات

2019-06-25

يبدو أنّ التناقض بين التقليد والحداثة لا يزال يخترق جميع مجالات الحياة في بلادنا؛ يُعبَّر عن هذا التناقض ثقافياً بتناقض العقل والإيمان تارة، وتناقض العلم والدين تارة أخرى، أو بتناقض الحرية والمقدس، على نحو ما تناوله المفكر العربي المرموق، فهمي جدعان (1942 – )، في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه: "الحرية والمقدس". استمرار هذا التناقض على مدى قرنين من الزمن، يكشف مدى قصورنا الذاتي؛ إذ لا ننفك نطرح الأسئلة نفسها ونجيب عنها بالإجابت نفسها، وقد يفسر لمَ لا تحتفي مجتمعاتنا بالحرية إلا في يوم دفنها. على نحو ما حدث في العراق منذ عام 2003، وما حدث في بلدان الربيع العربي منذ عام 2011، وما يحدث اليوم في السودان والجزائر.

اقرأ أيضاً: سيمون بوليفار.. الحرية لمن يخلص لحلمه حتى النهاية
فقد تبين أنّ الحرية ليست نقيض العبودية أو التبعية، كما يقول القاموس، وليست نقيض الاستبداد، كما نتوهم1 ، بل هي نقيض السلطة، منذ فجر التاريخ؛ لأن مبادئ إنتاج السلطة وآليات اشتغالها وأشكال ممارستها، في جميع مجالات الحياة الاجتماعية، هي التي تحدد مدى تمتع الأفراد بالحرية، في أي مجتمع، وتحدد، من ثم، طبيعة الأعراف والشرائع والقوانين، ومعايير المسؤوليات القانونية والأخلاقية، وتحدد أشياء أخرى كثيرة.
فهل ثمة رابطة أو علاقة ضرورية بين المقدس والسلطة؟
تتناول هذه المقاربة ما تسميه المصادرة الرئيسة 2 في علاقة الحرية بالمقدس، عند فهمي جدعان، تقول المصادرة: "أحدثت الحداثة وقائع جديدة. أقصت الديني، ونصبت العقل إماماً وحاكماً، وأقرت حقوقاً للإنسان، وجعلت من حق الحرية في الاعتقاد والتعبير حقاً مقدساً". هذا عن الحداثة، بوجه عام، كما يقرر النص، ولكن هذه الأحكام القطعية على الحداثة، مقصورة أو تكاد تكون مقصورة على مواطن الحداثة الأصلية.

الحرية ليست نقيض العبودية أو التبعية كما يقول القاموس وليست نقيض الاستبداد كما نتوهم بل هي نقيض السلطة

في مواطن  الحداثة؛ أي في الغرب، يضيف الدكتور جدعان، "استخدم "الفكر الحر" هذا الحق استخداماً مطلقاً. وفي مجراه المرتبط بسلطة "الوحي" وبمؤسسة الكنيسة قصد هذا الفكر، مع فولتير، إلى الإجهاز على "الدجال" ونعت المقدس الديني وأهله بأقذع النعوت وأعنف الأقوال، وأذيعت المصنفات التي تؤنسن المسيح أو تضعه موضع الشك أو الازدراء والسخرية، وحفلت الأدبيات الغربية بما لا عد له ولا حصر من الكتابات المضادة للألوهية وللدين وللمقدس"3 . يعترض الدكتور جدعان على الحرية في مواطن الحداثة؛ وليس لهذا الاعتراض من معنى إلا إذا كان تحذيراً من شرور الحداثة وأخطار الحرية على مجتمعاتنا العربية والإسلامية أو دفاعاً استباقياً عن المقدس الإسلامي بالهجوم على الحرية في مواطن الحداثة.

اقرأ أيضاً: عن شجون الحرية الثقافية
المصادرة والبرهنة على صحتها بنعت المقدس الديني وأهله بأقذع النعوت وأعنف الأقوال، في مواطن الحداثة ... إلخ، تنطويان على أحكام عامة، مطلقة وقطعية، كالقول: "الحداثة أقصت الديني"، في حين أنّ الحداثة أقصت الديني من الحقل السياسي فقط، مثلما أقصت الملكية الخاصة من الحقل نفسه، لا من الحقل الاجتماعي ولا من الحقل الثقافي ولا من الحقل الأخلاقي؛ إذ المجتمعات الحديثة تظهر كلّها تديناً هادئاً ومتسقاً مع إيقاع الحياة الحديثة، بل يقال إنّ المجتمع الأمريكي، على سبيل المثال، من أكثر المجتمعات تديناً. وللكنيسة مكانة مرموقة وتأثير في الفضاء الأوروبي، وللمساجد الإسلامية والكنس اليهودية حريتها وتأثيرها أيضاً.

اقرأ أيضاً: في الحرية تزهر وردة الأمل والعقل
هذا من جانب، من جانب آخر، إنّ جعل العقل إماماً لا يضع العقل في تناقض مطلق مع الدين أو مع المقدس، (بخلاف تناقض العلم والدين)؛ إذ للحداثة مقدساتها أيضاً، كالوطن والأمة والدولة وحقوق الإنسان والحرية والمساواة والعدالة والعمل (العمل عبادة)، وسائر المثل أو القيم التي تتبناها البشرية قاطبة، كالحق والخير والجمال، لكن مقدسات الحداثة ليست مفارِقة أولاً، وليست أسمى من الإنسان ثانياً، وذات طابع كوني عام ثالثاً. ثم إنّ هنالك أصواتاً خافتة في الثقافة العربية، وفي التاريخ العربي، نادت بجعل العقل إماماً، لكنها نُبذت وكُفِّرت، كأصوات المعتزلة أو كأبي العلاءالمعري (973 – 1057م) القائل:  
كذب الظنُّ لا إمام سوى العقل مشيراً في صبحه والمساء
فإذا ما أطعـتــه جلب الرحمة عند المسير والإرســـاء
إنما هذه المذاهب أسبـــابٌ لجذب الدنيا إلى الرؤسـاء
أجل، هنالك من دعا، في الثقافة العربية قديمها وحديثها وفي التاريخ العربي قديمة وحديثه، إلى وضع العقل في مقابل الظن والرجم بالغيب ونسج الأوهام ومقابل الشعور بوجه عام. والظن، في نظر المعري، هو جوهر المذاهب قاطبة، لا جوهر الدين. فالمذاهب "أسباب"، أدواتٌ ووسائلُ لجذب الدنيا إلى الرؤساء، فهل ثمة ما هو أسوأ من جعل المقدس أداة ووسيلة؟!

هنالك أصوات خافتة بالثقافة العربية وبالتاريخ العربي نادت بجعل العقل إماماً لكنها نُبذت وكُفِّرت كالمعتزلة أو أبو العلاء المعري

والأهم، في هذا السياق، ليس علاقة العقل بالإيمان، بل علاقة العقل (المعرفة والإدراك والوعي والفكر والعمل... إلخ) بالواقع. فلم يخرج العرب من التاريخ، بتعبير فوزي منصور، إلا بمحاصرة العقل بالتعييب والتأثيم، وخنقه بالمقدسات والمحرمات، علاوة على القمع الصريح.
وإلى ذلك، إنّ المصادرة الرئيسة، التي أشرنا إليها، تقول هي نفسها: إن الحداثة "جعلت من حق الحرية في الاعتقاد والتعبير حقاً مقدساً"، ومن البدهي أنّ الحق في الاعتقاد والتعبير، ليس مقصوراً على أهل العلم الوضعي والقانون الوضعي، وليس حق فئة من الناس دون غيرها، وليس  امتيازاً للعلمانيين على اللاهوتيين: حق العلماني مساو لحق اللاهوتي، وحق الكنيسة مساو لحق الجامعة، والأهم أنّ حق المرأة مساو لحق الرجل، وحقوق الأطفال مصونة وتحظى باهتمام خاص، وكذلك حقوق ذوي الحاجات الخاصة (التي تعدها ثقافتنا عيوباً)، وهذه كلها وغيرها كثير  من تجليات البعد الإنساني الذي يميز الحداثة، والذي تفتقر إليه ثقافتنا ومجتمعاتنا افتقارها إلى الإنسانيات أو العلوم الإنسانية، وهذه وتلك؛ أي المجتمعات والثقافة، لا تُلقيان بالاً إلى أنّ الإنسان هو الذي يقدِّس ويدنِّس، فتضعان المقدس في مواجهة الإنسان، وتدنّسان الحرية، بوجه عام، وحرية الفكر والضمير، وحرية الرأي والتعبير، بوجه خاص.

اقرأ أيضاً: أبو العلاء المعري يواجه أعداء الحرية والعقل والإنسان
يرى جدعان أنّ "آثار الحداثة الغربية أدركت حدود الفضاءات العربية والإسلامية وعبرتها. لكن "العقلانية" التي حملتها ظلت، في هذه الفضاءات، ذات حدود وقيود. وظل المقدس في الغالب الأعم مبجلاً محترماً، قصارى ما لحق به الدعوةُ إلى فصل الدين عن الدولة، و"شُبَهٌ" هنا وهناك، وتجاوزات طفيفة، يغلب عليها نشدان الإثارة وطلب انتشار الصيت والصوت. ثم ما جاء من عقر  دار الحداثة وما بعدها ومن فضاءات "الحرية المقدسة". وذلك ما وضع الحرية والمقدس في (مدينة الإسلام الكونية) وضعاً جديداً"4 .
من المعروف أنّ الدولة مجال عام، أو فضاء عام، وأي دين من الأديان، هو مجال خاص أو فضاء خاص بأتباعه فقط، فكيف يمكن أن يكون استقلال الدين عن الدولة أو العكس مساساً بالمقدس، وهل يسوغ اعتبار العلمانية شبهة، مثل "شُبَه" (أخرى) هنا وهناك، وتجاوزات طفيفة يغلب عليها نشدان الإثارة وطلب انتشار الصيت والصوت"؟!

اقرأ أيضاً: "التنويريون الأوائل": عمامات ألهمت الثوّار وعشاق الحرية
المقدس، كما يعرِّفه جدعان، هو "المفارق، المتعالي أو العليُّ السامي الطاهر ...، والمدنسُ هو المحايث، "كل ما هو محايث"، (جدعان، ص 22)، أي كل ما هو أرضي، دنيائي، بتعبيره؛ هذه قسمة حدِّية (متطرفة)، تجيز لنا أن نتساءل: ما حكم الحرية المحايثة، الأرضية، أو الدنيائية؟ وما  حكم المساواة والعدالة؟ ما حكم المواطنة في دولة دستورية حديثة، وما حكم الحقوق والخيرات الاجتماعية والقيم الجمالية .. إلخ؟ هل الجمال (المحايث) مدنس وهل المحبة مدنسة؟!
نحن نعتقد أنّ العقل محايث، هو عقل الفرد الإنساني؛ أيِّ فرد يفكر، ويعمل، ويجدد، ويبتكر، ويبدع، في أي مجال من مجالات الحياة، والحرية محايثة، والدين محايث، هو دين في الدنيا، ودين لأهلها، متجذر في حياتهم الأخلاقية، لا للملائكة والملأ الأعلى. والقائلون بوحدة الوجود، من المتصوفة وغيرهم، يعتقدون أن الله محايث.

يعتقد جدعان أنّ خرق المقدس يصدم مشاعر المؤمنين ويلحق بنفوسهم أذى وبأنّ قداسة المقدس ذات طابع شامل يتعين احترامه

يجيبنا جدعان عن سؤال الحرية والقداسة بالتفريق  بين "حرية وادعة وآمنة، وحرية خارقة لكل  الحدود" (ص 24)، في حين أن الحرية والوداعة على طرفي نقيض، حتى ليمكن القول إنّ المجتمعات العربية الراكدة هي مجتمعات الحريات الوادعة، أو مجتمعات وديعة، بكل معاني الكلمة، بل ذليلة للاستبداد والطغيان والتسلط. ماذا تعني قداسة المقدس إذا لم يكن مناهضاً للطغيان والتسلط والاستبداد والإذلال والإفقار والتهميش وثائراً عليها؟!
يعتقد الدكتور جدعان أنّ خرق المقدس يصدم مشاعر المؤمنين ويلحق بنفوسهم أذى لا حدود له، وبأن قداسة المقدس ذات طابع شامل مطلق يتعين احترامه، وأن من شأن الاعتداء على المقدس أن يلحق ضرراً بالسلم الاجتماعي، وهذا ما يسميه "الموقف الإسلامي"، وفي مقابله "الموقف  الغربي" المساند لحرية التعبير، في جميع أشكالها، (والذي) يعتبر أن تقييد حرية التعبير يهدم الأسس القاعدية للنظام الديمقراطي، وأن فرض "الجماعة الدينية" لقيمها على المجتمع وعلى الدولة يهدم الأساس القاعدي للعلمانية، أي تحرير الدولة من أي التزامات دينية، فضلاً عن أنّ المقدس الديني ليس ذا طبيعة كونية شاملة". (ص 29)
وإلى ذلك، كيف يستقيم أنّ الشخص والعقيدة كيان واحد، فيستنكر الدكتور جدعان ما جاء في افتتاحية جريدة لوموند، التي ميزت الشخص من الفكرة أو العقيدة، إذ قالت الافتتاحية: "إن الأشخاص لا الديانات هم الذين يجب أن نضمن لهم الحماية من كل أشكال التمييز" (ص 29)، ومن المؤكد أنّ كاتب الافتتاحية يعني الديانات جميعاً بما فيها المسيحية، على اختلاف مذاهبها.

اقرأ أيضاً: نساء يدخلن التاريخ لمطالبتهن بالحرية والمساواة
الفكرة أو العقيدة محمول متغير لحامل متغير، هو الإنسان، فقد يتخلى الشخص عن فكرة أو عدة أفكار أو عن منظومة أفكار كاملة، وقد يختار التحول من دين إلى آخر، وقد يختار ألا يكون متديناً. الإنسان هو الذي يستحق الحماية، بالفعل، لا الفكرة ولا العقيدة. الفكرة تحمي نفسها أو لا تحميها، ما دام ثمة عقل وعقلاء وعاقلات ومعايير عقلية وأخلاقية، والعقيدة كذلك. لا يحتاج الدين إلى من يحميه أو يدافع عنه، فما بالك بالنبي أو الله!
آن أن نقول: العقيدة ليست أهم من الإنسان، وليست أسمى منه. المؤمنون، لا الأيديولوجيون، يؤمنون أنّ الله كرم الإنسان، واستخلفه في الأرض، وحمله مسؤولية إنسانيته، قبل أن ينتحل الإنسان أي عقيدة، بوحي أو بغير وحي.
وللحديث صلة


هوامش:

1 - نفترض أن نقيض العبودية التاريخي هو المواطنة المتساوية، والنقيض التاريخي للاستبداد هو الديمقراطية.
2 - اعتبرنا الأطروحة المشار إليها مصادرة رئيسة لورودها في مقدمة الكتاب، التي يفترض أن الكاتب يحدد فيها إشكالية بحثه وافتراضاته الرئيسة. وما من شك في أن العلاقة بين الحرية والمقدس علاقة إشكالية، تحتمل تأويلات شتى، قد تكون بعضها متناقضة، على نحو ما يكون التناقض بين القوى الاجتماعية والسياسية في المجتمع المعني، فتكتسب التأويلات، لذلك، طابعاً أيديولوجياً.
3 - فهمي جدعان، الحرية والمقدس، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2009، ص 21.
4 - جدعان، ص 21.

هل بات تجديد الفقه الإسلامي ضرورة؟

أحمد الديباوي's picture
باحث في الفكر الإسلامي
224
عدد القراءات

2019-06-24

لعلّه لم يعُد خافياً أنّ تجديد الفقه الإسلامي بات أمراً ضرورياً، تفرضه المتغيرات العلمية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية؛ لأنّ الفقه الإسلامي، بشكله القديم، بل بمحاولات البعض، حديثاً، إعادة صياغة ألفاظه، وشرح ما غمض من أحكامه، وتوليد أحكام جديدة قياساً على أحكامه القديمة، لن يستطيع مجاراة تلك المتغيرات المختلفة، كما لن يستطيع النهوض، تشريعياً وقانونياً، بالإنسان المسلم، في ظلّ ما يحيط به من إشكالات، وما يكتنفه من تساؤلات يومية وحياتية، باتت جزءاً من حاضره ومستقبله؛ فالمنظومة الفقهية الإسلامية القديمة، وما بُنِي على هوامشها حديثاً من موسوعات غير مكتملة وغير ناضجة، ومجامع فقهية هنا وهناك، لم ترتقِ إلى تطلّعات المجتمع، فهي لن تفيدهم لا نظرياً، ولا عملياً، خصوصاً في مجال المعاملات والأحداث التي تكتنف حياتهم، يومياً؛ لذلك لا نتجاوز إذا قلنا: إنّ انسداد وثبات المنظومة الفقهية عند حدود القرن الرابع الهجري يقضي على مواكبتنا للقضايا الراهنة التي لم يعُد مجدياً فيها رأي الفقيه!

هيمنة الفهم الحَرْفي للنصّ على الفقه الإسلامي
قديماً؛ أدرك الخليفة الثاني، عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ضرورة تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان وتبدُّل الأحوال، فألغى سهم المؤلفة قلوبهم، وأبطل العمل بحدّ السرقة في عام الرمادة، ومنع زواج المتعة، رغم معارضة بعض الصحابة، رضي الله عنهم، ما فتح باباً واسعاً بعد ذلك لفقه الرأي، وهو الفقه الذي يعتمد اعتماداً شِبه كليّ على الأخذ بحكم العقل، ومراعاة الظروف (الزمكانية)، دون تعويل كبير على النصّ؛ فكان فقه الرأي بذلك انفتاحاً مباشراً على العقل، وأضحت المنظومة التشريعية مرنة بعض الشيء، قادرة على مواجهة الواقع المعيش المتغير، في مقابل مدرسة أخرى تعتمد تماماً على الفهم الحَرْفي للنصّ، خصوصاً الأحاديث النبوية، وتُنافِح عن ألفاظه، وترمي فقه الرأي بالتعدّي على النصوص ولو كانت ظنية، كالأحاديث المنسوبة إلى النبي، صلى الله عليه وسلم، ولو كان بعضها يعارض القرآن الكريم نفسه، حتى أنّ فقيهاً كبيراً، كالأوزاعي، ينقل عن يحيى بن أبي كثير قوله: "السنّة قاضية على الكتاب، وليس الكتاب بقاضٍ على السنّة"، رغم أنّ فقيهاً ومحدّثاً سلفياً آخرَ، كالإمام أحمد بن حنبل، يرفض هذا الرأي تماماً، فيقول: "مَا أَجْسُرُ عَلَى هَذَا أَنْ أَقُولَهُ، وَلَكِنِّي أَقُولُ: إِنَّ السُّنَّةَ تُفَسِّرُ الْكِتَابَ وَتُبَيِّنُهُ"، وهو بهذا، أيضاً، لا يستطيع الانفكاك من هيمنة الأحاديث النبوية على كتاب الله تعالى، وإن خالفته أو تناقضت مع أحكام العقل أو مع القرآن الكريم ذاته، حتى أنّه كان يتوقف عن إبداء أيّ رأي، أو حُكم شرعي، على مسألة من المسائل، إذا لم يوجَد حديث أو أثر أو رأي صحابي، يتعلق بتلك المسألة!

تجليات تدهور الفقه الإسلامي
وبمرور الوقت، وفي ظلّ اشتعال الأوضاع السوسيو سياسية، واشتجار الخلافات المذهبية، سيطر الاتجاه النصّي على علم الفقه سيطرة تامة، ولم يكن مستغرباً أن يُستخدَم الفقه النصّي استخداماً نفعياً في حلبة السياسة، الأمر الذي جعل فقه المعارَضة، الخوارج والشيعة، منزوياً مستبعَداً من المجال العام، ليسود الجمود والتقليد، ويتدهور الفقه الإسلامي بحلول القرن الخامس الهجري، وكان من أبرز تجليات تدهوره إغلاق باب الاجتهاد، رغم أنّ الاجتهاد متجدد بتجدد الواقع.

اقرأ أيضاً: الفقه الإسلامي في أزمة
كما كان من أبرز تجليات تدهوره ظهور طبقة جديدة من الفقهاء، عُرفوا في التاريخ باسم فقهاء السلاطين، وهي ظاهرة ذكرها الفقيه الحنبلي، ابن الجوزي، في كتابه "تلبيس إبليس".

أدرك الخليفة الثاني عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ضرورة تغيُّر الأحكام بتغير الأزمان وتبدُّل الأحوال

وقُدِّر للمذهب الشافعي الانتشار في محيط جغرافي واسع في بلاد المشرق بسيادة المذهب الأشعري في العقيدة وأصول الدين، ويبدو الارتباط بين كلا المذهبين ارتباطاً قوياً، ولا سيما بعد أن تبارى أقطاب المذهب الأشعري في التمذهب بمذهب الشافعي، الذي أسّس أصول الفقه، جاعلاً السنّة النبوية جنباً إلى جنب مع القرآن الكريم، منادياً بالتقليد، مضيقاً باب الاجتهاد، قائلاً: "كلّ من لم تجتمع فيه شرائط الاجتهاد يتعين عليه التقليد"، وليس هذا فحسب؛ بل إنّه جعل اجتهاد المجتهدين بمثابة حكم الله الأزلي، فيقول في "الرسالة": "فليست تنزل بأحد من أهل دين الله نازلة إلا وفي كتاب الله الدليل على الهدى فيها"، ولعلّ تمذهب الماتُريدية، في بلاد ما وراء النهر بالمذهب الحنفي، المتوسع في الرأي، يؤيد مدى انفتاح الماتُريدية على العقل في الفقه، كما في العقيدة وأصول الدين، رغم كونهم يمثلون الجناح الثاني لأهل السنّة والجماعة عند الأزهريين، لكنّهم، لانفتاحهم على العقل، قليلاً، اختاروا التمذهُب بالمذهب الحنفي، بخلاف الأشاعرة، ومثل الماتريدية المعتزلة، فقد كان أكثرهم في الفقه على مذهب الأحناف.

ضرورة تجديد الفقه الإسلامي
لقد أضحى الفقه الإسلامي مغلَقاً، جامداً، نمطياً، بعد إغلاق باب الاجتهاد، وترسيخ مبدأ النقل عن الأئمة السابقين دون نظر أو إبداع، حتى محاولات المحدَثين الذين يدّعون تجديده، لم تكن سوى شرح للأصل، أو إيجاز له، أو ذيل عليه، بخلاف ظاهرة فوضى الأحكام، وتعارُض الأدلة، مما فرّغ علم الفقه من مضمونه وأصالته، ليصبح كياناً مغلَقاً في مواجهة الواقع المتغير المتسارع المتجدد، لذلك -لا غرو- والحال كذلك أن تكثر الفتاوى الغريبة، وتنتشر في وسائل الإعلام، على ألسنة بعض الشيوخ والفقهاء الأحكام الفقهية المتهافتة التي لا تتساوق مع الواقع والعلم والمنطق والتحضر الإنساني؛ لأنّ أولئك أغلقوا باب الاجتهاد، وعطلوا التجديد، واقتصروا على تخريج الأحكام من الأحكام السابقة، وعدّوا مَن يخرج على آرائهم خارجاً عن الإجماع، حتى أنّنا نقرأ أنّ بعض الفقهاء أفتوا بحرمانية استنباط أحكام مغايرة لأحكام وفتاوى السابقين!

اقرأ أيضاً: هل أسهم العقل الفقهي في إعاقة تأصيل الحداثة؟
ينبغي على أيّة هيئة أو مبادَرة تضطلع بمهمة تجديد الفقه الإسلامي؛ أن تفتح باب الاجتهاد، وتعيد النظر في علم أصول الفقه، وتعيد الاعتبار للعقل، وتنفتح على العلوم والمعارف، وتُواكِب العصر، وتجعل النص الديني مفتوحاً لا مغلَقاً، ليستمدّ النص مرجعيته من ذاته، لا من فهم السابقين وتخريجاتهم وثقافتهم.




البرازيل.. محطة الإمارات الجديدة في رسالة التسامح والأخوة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
47
عدد القراءات

2019-06-25

تواصل دولة الإمارات العربية إشاعة التسامح والأخوة في كافة أنحاء العالم، في إطار مبادرات عام التسامح، الذي أطلقته دولة الإمارات، برعاية رئيس الدولة.

واختارت هذه المرة دولة البرازيل، لتكون موطن وثيقة "الأخوّة الإنسانية"؛ حيث نظّمت قنصلية الإمارات في ولاية ساو باولو البرازيلية، فعالية التسامح والأخوة لجميع الأديان في البرازيل، للالتفاف حول مائدة حوار مشتركة حضرها عدد كبير من كلّ الأطياف والأديان الموجودة في البرازيل وفق وكالة "وام".  

   دولة الإمارات العربية تنظّم فعالية التسامح والأخوة بين الأديان في عاصمة البرازيل

ووقَّع خلال الفعالية، الإمام الشيخ محمد البقاعي، والكردنيال دون أوديلو شيرير، رئيس أساقفة ولاية ساو باولو، ممثلاً عن الطائفة الإسلامية، على وثيقة "الأخوة الإنسانية من أجل السلام العالمي والعيش المشترك"، وسط حضور من رجال الدين والسلطات البرازيلية، وبعض من نواب مجلس الشعب، وعدد من القناصل والأكاديميين والصحفيين، الذين أكّدوا أهمية المبادرة، خاصّة لشعب كبير ومتعدّد الأديان والثقافات مثل شعب البرازيل.

وقال قنصل عام دولة الإمارات، إبراهيم سالم العلوي، في ولاية ساو باولو: إنّ "هذه المبادرة ماهي إلا سلسلة متواصلة من مبادرات دولة الإمارات، تأكيداً منها على إرساء قواعد الإخاء والمشاركة، ومحاربة التطرف ونبذ العنف واحترام جميع الأديان، موجهاً الشكر للقيادة الرشيدة في الدولة، التي أعطتهم الفرصة لنشر تلك الثقافة في جميع أنحاء العالم، متقدماً بالشكر للحضور من جميع الطوائف والأديان الذين لبّوا الدعوة.

بدورهم، وجه الحضور الشكر لقيادة دولة الإمارات على ما تقوم به من مبادرات، من شأنها نشر التسامح والمحبة والسلام بين الجميع.

 

 

 

المغرب في مواجهة الإرهاب.. آخر عملياته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
40
عدد القراءات

2019-06-25

أعلنت السلطات المغربية، اليوم، تفكيك خلية إرهابية تابعة لتنظيم داعش الإرهابي، في مراكش، كانت تخطط لتنفيذ هجمات ضدّ أهداف عسكرية ومدنية.

وأكدت أجهزة الأمن المغربية؛ أنّ "الخلية التي قُبض على أفرادها في منطقة الحواز، تتكون من 4 إرهابيين، أعمارهم بين 25 و40 عاماً، موالين لتنظيم داعش".

ضُبطت بحوزة الإرهابيين بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تمّ استعمالها لتحضير مواد متفجرة

وضبطت الأجهزة الأمنية بقايا مواد كيميائية وسوائل مشبوهة ومعدات تم استعمالها لتحضير مواد متفجرة، بحوزة أحد أفراد هذه الخلية، وفق ما أوردت موقع "هسبريس" المغربي.

وشملت قائمة المضبوطات أيضاً: معدات إلكترونية، وأسلحة بيضاء، ومنظاراً، ومبالغ مالية، ودراجة نارية.

وكشفت التحقيقات الأولية؛ أنّ "زعيم هذه الخلية الإرهابية، استقطب باقي أفراد المجموعة، وأدار علاقات مشبوهة مع عناصر تنشط بالخارج بهدف التخطيط والإعداد لتنفيذ عمليات إرهابية خطيرة في المغرب باستعمال عبوات ناسفة".

وشدّدت الأجهزة الأمنية على أنّه "سيتم تقديم المشتبه فيهم إلى العدالة، فور انتهاء التحقيقات التي تجرى معهم حالياً تحت إشراف النيابة العامة المختصة".

وهذه ليست المرة الأولى التي يتم فيها تفكيك خلية داعشية، خلال حزيران (يونيو) الجاري؛ إذ نجحت السلطات المغربية، مطلع الشهر الجاري، في تفكيك خلية داعشية في الرشيدية وتنغير، كانت بصدد الإعداد لتنفيذ اعتداءات إرهابية.

ونجحت السلطات أيضاً، في 18 حزيران (يونيو)، في تفكيك خلية إرهابية بمدينة تطوان كانت تخطط لتنفيذ عمليات إرهابية.

ومنذ قتل سائحتين أوروبيتين بالمغرب، أواخر العام 2018، تشنّ السلطات المغربية ملاحقات أمنية واسعة ضدّ الخلايا التابعة لتنظيم داعش الإرهابي.

 

داعش على الحدود الأمريكية!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
57
عدد القراءات

2019-06-25

حذّرت وزارة الأمن الداخلي الأمريكية، أمس، من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في أراضي المكسيك، جارة الولايات المتحدة.

وأكّدت الشرطة المكسيكية؛ أنّها تلقت بلاغاً من أمريكا يؤكد أنّه تمّ رصد المواطنَيْن المصريَّيْن: إبراهيم محمد، ومحمد عيسى، والمواطن العراقي أحمد غانم محمد الجبوري، الذين يشتبه بانتمائهم لـتنظيم داعش الإرهابي، في بنما، في 12 أيار (مايو) الماضي، ثم في كوستاريكا، في 9 حزيران (يونيو) الجاري"، حسبما نقلت شبكة "روسيا اليوم" عن موقع "إكسيلسير" المكسيكي.

أمريكا تحذّر السلطات المكسيكية من احتمال وجود عناصر لتنظيم داعش الإرهابي في المكسيك

وأشار البلاغ إلى أنّ الإرهابيَّيْن المصريَّيْن غير معروف، ولا يستبعد احتمال وصولهما إلى أراضي المكسيك، بينما تمّ توقيف العراقي في كوستاريكا.

وترجّح السلطات الأمريكية أن تكون وجهة المصريين الولايات المتحدة.

وكان قد كشف الجنرال الروسي، فلاديمير شامانوف، في تصريح لوكالة "نوفستي"؛ أنّ "الإرهابيين المهزومين في سوريا والعراق يحاولون الانتقال إلى أمريكا الجنوبية، والجزء الشمالي من أفغانستان".

وقال الجنرال شامانوف، الذي يترأس لجنة الدفاع في مجلس النواب الروسي (الدوما): "هناك معلومات استخباراتية محددة، تؤكّد أنّ الإرهابيين يتوجهون نحو أمريكا الجنوبية، ليكونوا قريبين من الولايات المتحدة".

يذكر أنّ الحدود الأمريكية من جهة المكسيك تتعرض للكثير من الخروقات يومياً، من قبل مهرّبي البشر، مما دفع الرئيس الأمريكي إلى طلب بناء جدار على طول حدود بلاده مع المكسيك، للحدّ من موجات النزوح وتهريب البشر.

 




طارق أبو هشيمة: الفتوى أخطر أسلحة التنظيمات الإرهابية

37
عدد القراءات

2019-06-25

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال مدير المؤشر العالمي للفتوى، طارق أبو هشيمة، إنّ هذا المؤشر التابع لدار الإفتاء المصرية فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دُور الفتوى في العالم، مضيفاً، في حواره مع "حفريات" أنّ هذه الآلية البحثية التابعة لدار الإفتاء المصرية، تعتمد أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، من خلال مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين.

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم

وأوضح، رئيس وحدة الدراسات الإستراتيجية في دار الإفتاء المصرية، أنّه رغم قلة نسبة الفتاوى غير المنضبطة إلا أنّها تشكّل خطراً بـ "اتخاذها ذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، ورافداً من روافد الإلحاد من ناحية أخرى".
وأكد أبو هشيمة أنّ المؤشر كشف التناقض الفكري لفتاوى الإخوان المسلمين قبل وبعد وجودهم بالسلطة في مصر، مشدداً على الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ وأنّ "العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة".

وهنا نص الحوار:
دور المؤشر العالمي للفتوى

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية
بدايةً، هلاّ عرّفتنا ما هو المؤشر العالمي للفتوى وآلية عمله وأهميته؟

المؤشر العالمي للفتوى (GFI) هو آلية بحثية تابعة لدار الإفتاء المصرية، يرصد ويحلل الحقل الإفتائي العالمي، وفق أحدث آليات التحليل الإستراتيجي والإحصائي، وهو الأول من نوعه في قياس حالة الفتاوى بكافة أرجاء العالم، وهي فكرة فريدة ليس لها سابقة من قبل في دور الفتوى في العالم.

اقرأ أيضاً: "الاحتطاب" في تونس: الجماعات الإرهابيّة تسطو وتسرق بفتاوى شرعية
أما عن آلية عمل المؤشر لدينا؛ فكما هو موضح من خلال الاسم، لدينا مجموعة كبيرة من الباحثين والمترجمين يقومون برصد وتحليل الفتاوى تحليلاً دقيقاً، من خلال التحليل الكيفي والكمّي، وتكمن أهمية ذلك في إيجاد مؤشر يكون بمنزلة "الترموميتر" لقياس حالة الفتوى على نحو دقيق مبني على أسس علمية وإحصائية دقيقة.

كيف تواجهون فتاوى المتطرفين والتنظيمات الإرهابية استناداً إلى مؤشر الفتوى؟
تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى، لما تمثله من خطورة وما يترتب عليها من أحداث، وبما أنّ مجابهة فتاوى التنظيمات المتطرفة هي من أولويات دار الإفتاء المصرية، فإنّ المؤشر يفرد لها مساحة لرصد فتاوى (تنظيم داعش والإخوان وجبهة النصرة وأنصار بيت المقدس والقاعدة وحزب التحرير وغيرها)، وذلك من منصاتهم الإعلامية ومجلاتهم الدورية وإصداراتهم المرئية والمسموعة؛ وذلك للوقوف على الداء العضال الذي أصاب كثيراً من فتاواهم، والتي يطوّعها قاداتهم لتنفيذ أجنداتهم وأهدافهم المسمومة.

اقرأ أيضاً: "مؤشر الفتوى"... هل يضبط فوضى الفتاوى عالمياً؟!
فلك أن تتخيل مثلاً؛ أنّ "فتاوى النكاح" تصدّرت فتاوى المرأة عند تنظيم داعش الإرهابي، بنسبة (61%)، معظمها دار حول ظاهرة زواج القاصرات، وأن (90%) من أحكام فتاوى التنظيمات المتطرفة تؤيد الظاهرة ذاتها، وهذه النسب والإحصائيات هي ما توصل إليها المؤشر العالمي للفتوى مؤخراً.

العقل المتطرف شديد التعقيد وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة

ما ردكم على اتهامات "تسييس" الفتاوى الرسمية؟
أي عمل لا بدّ من أن يدعم الدولة والوطن، حتى لو كان فكريّاً، ولا شكّ في أنّ لكلّ عمل هادف ومؤسسة إفتائية ناجحة مغرضين يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً، وهذا دأبهم، فهم لا يعملون للأوطان، إنما يخدمون تنظيماتهم وجماعاتهم، ولا بدّ لأي مؤسسة من أن تهدف للحفاظ على الإنسان والبنيان؛ فالانتماء للوطن لا ينفي الانتماء للأمة الإسلامية، ومصالح الأوطان ليست بمعزل ومنأى عن مصالح الأديان؛ لأنّها دوائر متداخلة، وكما قال عالم الاجتماع الفرنسي، إميل دوركهايم، فإنّ المؤسسة الدينية هي القادرة وحدها على أن توحّد البشر في مستوى مشاعرهم وتصرفاتهم.

تستحوذ فتاوى التنظيمات المتطرفة على نصيب الأسد في مؤشر الفتوى لما تمثله من خطورة

أما عن أبرز الفتاوى التي رصدها مؤشر الفتوى، وكانت بحسب الحاجة والمصلحة، كانت فتاوى جماعة الإخوان حول مناسبة عيد الأم، فقد أفتوا بعدم جواز الاحتفال قبل وجودهم بالسلطة بمصر، لكنهم أثناء وجودهم في السلطة، أفتوا بجواز الاحتفال به؛ بل وحثّوا الناس عليه، حتى وصل بهم الأمر إلى توزيع البطاقات الملونة على المصلين داخل المساجد أثناء خطبة الجمعة.
الفتوى سلاح مهم جدّاً في يد التنظيمات الإرهابية، فهي بمثابة "سيف المعز وذهبه"، فهي سيف يُشهر في وجه المخالف، وذهب ينثر على رأس المؤيد والموافق، فهي مكمن السلطة داخل هذه التنظيمات.
ما أبرز النتائج التي توصلتم إليها خلال العام الماضي حول الفتاوى؟
أطلق المؤشر العالمي للفتوى نتائجه في مؤتمر دار الإفتاء العالمي، تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، مجموعة من النتائج، أهمها؛ أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة في العالم، خلال العام 2018، كانت (87%)، ونسبة الفتاوى غير المنضبطة (13%) (سواء كانت متساهلة أو متشددة).
ورغم أنّ الفتاوى غير المنضبطة تُمثل نسبة ضئيلة، غير أنّها تشكّل خطراً من ناحيتين: الأولى أنّها تعدّ سبباً وذريعة لخطابات الجماعات المتطرفة، والثانية: أنّها تُمثّل رافداً من روافد الإلحاد، وتفتح باباً له في عقول الشباب، كما أنّ الفتوى المصرية شكّلت (40%) من إجمالي الفتاوى المرصودة في العالم خلال العام ذاته.

اقرأ أيضاً: فتاوى آثمة وضالة ومتكررة
أما عالميّاً؛ فكانت أهم النتائج؛ أنّ (35%) من الفتاوى الأوروبية تنمّي ظاهرتي "الإسلاموفوبيا" والتطرف، وأنّ الفتاوى الأوروبية تمثل (4%) من جملة الفتاوى في العالم.
مواجهة العقل المتطرف

الإخوان أفتوا بتحريم الاحتفال بعيد الأم لكنهم أجازوه أثناء وجودهم في السلطة
بالإضافة إلى الرصد والدراسات الوصفية ما الذي قمتم به لمواجهة الفكر المتطرف؟

العقل المتطرف عقل شديد التعقيد، ليس لما يحمله من أفكار، إنما لما يحمله من متناقضات، وتفكيك أفكاره بمثابة تفكيك قنبلة موقوتة متشابكة الأسلاك، هو يحمل الشيء ونقيضه في آن واحد، وطريقة التعامل مع هذا العقل، تتطلب عمليتين "الإزاحة والإحلال"، إزاحة الأفكار القديمة وإحلال أخرى جديدة.

تنظيم داعش الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)

وعليه؛ فإننا نستدرج المتطرفين فكريّاً لملعبنا، كما نخاطب الناس العاديين المتعاطفين مع أفكار التنظيمات الإرهابية للحيلولة دون حملهم السلاح أو تأثرهم فكريّاً، ومن ثم نمنع حامل الفكر من أن يدخل في دائرة حمل السلاح، وممارسة العنف، وهو هدف لو تعلمون عظيم نرجو أن يستمر، فما أنفع لك حين تمنع شخصاً من أن يكون مفسداً في الأرض.
المؤشر العالمي تصدى بشكل كبير لإصدارات التنظيمات المتطرفة في الفتاوى، وفنّدها، وردّ على الأباطيل التي تروجها تلك التنظيمات، فنحن نتابع بشكل مستمر مقالات وردوداً، بعددٍ من اللغات، للردّ عليها، وهو أمر، لا شكّ في أنّه يؤكد أهمية العمل ذاته.
كما أنّنا عن طريق تفكيك الخطاب الإفتائي بشكل عام، والوقوف على نقاط القوة والضعف فيه، نساهم في تجديد الفتوى ومن ثم تجديد الخطاب الديني لإنتاج خطاب إفتائي رشيد، بعيد عن الفوضى والعشوائية.

لم يعد خافياً أنّ الفتاوى سلاح داعش في معركة البقاء، كيف تشخّصون خط الفتوى للتنظيم؟

الفتوى أهم سلاح للتنظيمات المتطرفة في كافة معاركها بين الحشد والهزيمة؛ فتمويل التنظيمات يكون بفتوى، والقتل والتفخيخ والتفجير بفتوى، واستباحة الأنفس والأعراض والأموال بفتوى، فتنظيم داعش الإرهابي يستغل سلاح الفتاوى في تحريك وصناعة الأحداث؛ لذا نجده يطوِّع الفتوى لتحقيق أهدافه التي تخدم أجندته بنسبة تصل إلى (90%)، وقد تتبع المؤشر العالمي للفتوى خطًّاً زمنيّاً لفتاوى التنظيم منذ نشأته وتكوينه، حتى بوادر هزيمته الأخيرة، وأظهر أنّ أبرز فتاوى الحشد تمثّلت في: "طاعة القائد والخليفة، واستغلال النساء والأطفال، وسرقة ونهب ممتلكات وآثار الدول، واللجوء لإباحة العملات الرقمية المشفرة لمزيد من البقاء وتمويل عناصر التنظيم، ونسف الهوية الوطنية".

اقرأ أيضاً: من يحمي ضحايا فوضى الفتاوى في المغرب؟
في حين كانت أبرز فتاوى بوادر هزيمة التنظيم، في أكثر من مكان على الأرض: "الثبات، والصبر، والتبرع بالأموال، والانقلاب على القائد، والتذكير بالشهادة، ودخول الجنة، والحور العين".

إلى أي مدى يمكن أن يمضي داعش في معركة البقاء فكرياً ومادياً؟

إنّ إعلان هزيمة تنظيم داعش بصورة نهائية لا تعني موت التنظيم موتاً تامّاً، فقط ما تمّ هو إزاحته من جميع المناطق التي كان يسيطر عليها منذ العام 2014، أما أفكاره، فلم يتمّ اجتثاثها بصورة كبيرة، وأرى أنّ الأفكار هي ما تشكل الأخطر والأهم في معركة البقاء مع هذه التنظيمات الإرهابية.

حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية

تنظيم داعش فعلًا لم تكتب شهادة وفاته بعد، فقد انتقل إلى مناطق رخوة في بعض الدول، فهو بمثابة خلية سرطانية في الجسد، عندما تحاربها تنتقل من منطقة الهجوم إلى منطقة أكثر أماناً، أو ما تعارف عليه بـ"إستراتيجية سمكة الصحراء أو سمكة الرمال"؛ حيث تقوم هذه الإستراتيجية على انسحاب التنظيم من أماكن يتعرض فيها لضربات عنيفة، وهجمات متتالية، إلى أماكن جديدة غير متوقعة من قِبل خصومه؛ ليُشكّل بذلك منطقة نفوذ جديدة، يضمن فيها مزيداً من الأتباع، ومزيداً من الموارد المادية التي تساعده على استكمال أهدافه، وعلى الدول التكاتف والاتحاد واتخاذ الخطوات اللازمة لمجابهته قبل إعادة ترتيب أوراقه من جديد.
من الأمور الإيجابية لهزيمة داعش مؤخراً؛ خسارته لكثير من الموارد المالية التي كان يحصلها جراء سيطرته على البترول وتحصيل الأموال، من أهل المنطقة، التي وصلت إلى 88 ألف كيلومتر مربع، والتي كانت تعدّ بالمليارات، وهذه الخسارة ستفقد التنظيم الكثير من وجوده على أرض الواقع، إلى جانب أنها ستصيبه بالإنهاك، وتفقده القدرة على مواصلة الحروب ضدّ الدول التي يخوض معها معارك طويلة.

اقرأ أيضاً: حوار مع أمين الفتوى بدار الإفتاء المصرية حول فوضى الفتاوى وتجديد الخطاب الديني
بوجود مجموعة خطوات احترازية لمواجهة التنظيم الذي انتقل الآن من خانة العدو الظاهر إلى خانة العدو الخفي، وعودته ورجوعه لمنطقة الحشد من جديد، وهذا الحشد متمثل في السيطرة على عقول الشباب، من خلال بثّ مفاهيم خاطئة في عقولهم، منوهاً إلى أنّه لتجنّب عودة التنظيم من جديد لا بدّ من سيطرة الدول على المناطق الهشّة، والتي تبعد عنها السيطرة الأمنية بصورة كبيرة؛ حيث تُعدّ هذه المناطق بيئة خصبة لعودة هذه التنظيمات إلى الساحة من جديد.
وكذلك ضرورة وجود آلية للردّ على كلّ الشائعات التي تروج على مدار الساعة؛ لأنّ هذه التنظيمات تستغل هذه الشائعات في استقطاب الشباب، والتي تربطها بالقضايا التي يعيشها المواطن على مدار اليوم؛ حيث تأخذ هذه التنظيمات تلك الشائعات وتنسج عليها حالة من الضجر واليأس والإحباط لدى شرائح الشباب.

اقرأ أيضاً: آخر فتاوى الداعية الجزائري المثير للجدل شميسو
لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية، ومجابهة الإرهاب الإلكتروني؛ لأنّ وسائل التواصل تعدّ الملاذ الأخير لهذه التنظيمات لنشر أفكارهم الهدّامة، فالتنظيمات الإرهابية تؤمن بأنّ بقاءها على وسائل التواصل سيضمن لها الدعم ليس في دولة واحدة؛ بل في دول عديدة، وبالتالي لا بدّ من رقابة على المحتوى الإلكتروني، إلى جانب السعي لتنقيتها من الأفكار المتطرفة والشاذة، حتى لا نترك باباً لهؤلاء المتطرفين يصلون من خلاله إلى عقول الشباب.
مسايرة التطور

لا بدّ من الحضور بقوة في الساحات الافتراضية على الشبكات الإلكترونية ومجابهة الإرهاب الإلكتروني
ما أحدث تقاريركم الإستراتيجية؟ وكيف تسايرون الجديد على الساحة الدينية والإفتائية؟

لقد قدمنا عملاً جديداً من نوعه، لاقى إشادات داخلية وخارجية، فقد حلّل مؤشر الفتوى الرسوم الكاريكاتيرية التي احتوى مضمونها على قضايا دينية بشكل عام، وفتاوى على وجه الخصوص، على مدار عام، وتوصل إلى أنّ (15%) من رسوم الكاريكاتير المتداولة في المواقع الإلكترونية والصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، وإصدارات التنظيمات الإرهابية ركزت على قضايا الشأن الديني بشكل عام، وأنّ (70%) منها ألقت الضوء بشكل مباشر على الفتاوى في كافة أرجاء العالم.

اقرأ أيضاً: الفتاوى بين التوظيف السياسي وفخ التناقضات

وعالميّاً؛ تضمن آخر تقاريرنا أسباب حذف موقع البحث الشهير "جوجل" لتطبيق "الدليل الفقهي للمسلم الأوروبي"، أو ما يسمى بـ"يورو فتوى"، التابع للمجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث، وكشفنا أنّ تنظيم داعش هو الأكثر استخداماً لتطبيقات الهواتف المحمولة، بنسبة (50%)، تلاه حزب التحرير بنسبة (35%)، ثم القاعدة بنسبة (15%)، وبرهنا بالدليل على أن تلك التنظيمات تستخدم هذه التطبيقات كآلية قوية لنشر أفكارها، وتحقيق خططها وأهدافها.

خطط مستقبلية

تجنيد الأطفال
لم يعد خافياً استراتيجية التنظيمات الإرهابية بتجنيد الأطفال، كيف نحصّن الأجيال الصغيرة من التطرف؟

لقد وضعت هذه التنظيمات الإرهابية إستراتيجية بعيدة المدى من خلالها تستبدل بمشاعر البراءة مشاعر الكراهية والحقد والثأر في نفوس النشء ضدّ العالم خارج التنظيم، وقد اتبعت في ذلك مجموعة من الآليات لتنفيذ هذه الإستراتيجية، كان – وما يزال – أهمها؛ سلاح الفتاوى، الذي يحوّل الطفل البريء إلى قاتل صغير.

ثمة مغرضون يرون أنّ أيّة فتوى تخدم الوطن هي عمل موجه سياسيّاً

أما عن روافد تلك التنظيمات في الحصول على الأطفال المقاتلين في صفوفها؛ فإنّها تكون من خلال روافد ثلاثة، الأول (بنسبة 66%)؛ وهو الأطفال من أبناء مقاتلي التنظيمات، والثاني (بنسبة 24%)؛ وهو الاختطاف والأَسر، والثالث (بنسبة 10%)؛ وذلك عبر الخداع والاستقطاب.
ونحن نرى أنّ روشتة تحصين النشء من التطرف تكمن في تنظيم دورات تدريبية لهم حول المفاهيم الصحيحة للدين الإسلامي بغرض عدم التأثر بأية مؤثرات خارجية قد تحمل تطرفاً أو عنفاً، وإعداد دورات لتأهيل الأطفال المتضررين من العمل الإرهابي.
وقبل ذلك كلّه؛ ضرورة إصدار فتاوى استباقية للتحذير من ظواهر سلبية خاصة بالطفل، مثل: التنمر واختطاف الأطفال وبيع أعضائهم، إضافة إلى المراقبة الأسرية لألعاب الأطفال الإلكترونية، لما ثبت من أضرار هذه الألعاب على الأطفال الصغار.

هل هناك خطوات لدار الإفتاء في المرحلة المقبلة تجاه الحوادث الإرهابية الواقعة في حقّ المسلمين بالخارج؟
لا شكّ في أنّ الحوادث الإرهابية التي تقع بحقّ المسلمين تكون، في جزء كبير منها، نتاج معلومات مغلوطة بشأن الإسلام والمسلمين، وصورة مشوهة لشخص المسلم المسالم غير المتبني للعنف، وعلى الدول الغربية، مراعاة ذلك بمجموعة من الإجراءات.

المؤشر العالمي للفتوى توصل إلى أنّ نسبة الفتاوى المنضبطة خلال 2018 كانت 87%

لذا؛ فقد حثّ المؤشر العالمي للفتوى الدول الغربية، بالتعاون مع الأزهر الشريف، ودار الإفتاء المصرية، لتبني مناهج تعليمية ومقررات دراسية ونشرات دعوية تنشر الإسلام الصحيح، هذا إلى جانب عزم دار الإفتاء على نشر مبادئ الدين الإسلامي الصحيح عبر صفحاتها المترجمة للغات غير العربية، في مواقع التواصل الاجتماعي، بصورة مستمرة، لتعريف العالم بالإسلام الصحيح البعيد عن أيّ تشويه، وغير المرتبط بتنظيمات أو جماعات أو أفكار فردية، إلى جانب إيفاد الخطباء والدعاة المعتدلين لمسلمي الغرب، وهو الدور الذي تقوم به الدار فعلياً، فهؤلاء المسلمون هم من يمثلون الإسلام في هذه البلاد البعيدة، وهم رسل الدين، فبسماحتهم يتعلم الغرب المعنى الصحيح للدين، ويتم القضاء على صورة المسلم المشوّهة في ذهن غير المسلم.

هل من جديد عن المؤتمر العالمي للإفتاء الذي تعقده دار الإفتاء كلّ عام؟

من المقرر، إن شاء الله، أن تعقد دار الإفتاء المصرية، تحت مظلة الأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، مؤتمرها العالمي السنوي، في منتصف شهر تشرين الأول (أكتوبر) 2019، ويعقد هذا العام تحت عنوان "الإدارة الحضارية للخلاف الفقهي"، وسيتناول العديد من القضايا الفقهية المهمّة.

الإمارات صوت لسلام المنطقة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
26
عدد القراءات

2019-06-25

منى بوسمرة

سياسات الإمارات الخارجية، ارتكزت تاريخياً، على مبدأ الحلول السياسية، في مواجهة الأزمات، والتوترات، وهذا أهم مبدأ تثبته مواقف الدولة، في كل موقع.

كنا هكذا في ملف اليمن، وفي بقية الملفات، بما في ذلك ملف التوترات في الخليج العربي، والذي يعود إلى مواقف الدولة في المنظمات والمؤسسات الدولية والإقليمية والعربية، إضافة إلى تصريحات كبار المسؤولين، والدبلوماسية الإماراتية، يجد بكل وضوح أن الإمارات، لا تؤمن بالحلول العسكرية للنزاعات، وتحض على تجنب الصراعات، وتدعو دوماً إلى إطفاء محاولات التصعيد، من أجل تحقيق الاستقرار.

هذا هو موقف الإمارات، وهو موقف لم يأتِ تعبيراً عن ضعف، بل تعبيراً عن قوة ومكانة واقتدار، وإيماناً بكون التوترات تضر الازدهار، وتمس استقرار الشعوب.

ملف توترات الخليج العربي، شهد مواقف إماراتية بارزة، ونحن كنا دوماً، نعبر عن أهمية الحلول السياسية، وفي الوقت ذاته، لا نقبل أن يتم مس أمن المنطقة، ولا استقرارها، إذ إن الدعوات للحوار والحلول السياسية، لا تعني في أي حال من الأحوال السكوت عن محاولات زعزعة أمن المنطقة، والإضرار بمقدرات شعوبها، وهذا يعني أن دعوات الدولة للحلول السياسية، تتوازى معها، الدعوة لردع الإرهاب، والحزم لاجتثاث خطره، وخصوصاً، حين لا تتوقف الأطراف الداعمة لهذا الإرهاب عن ممارساتها.

أمام هذا الصوت الداعي لسلام المنطقة، والسياسة الإماراتية العقلانية، التي تتطابق أيضاً مع سياسات لدول عربية وعواصم دولية وازنة، رأينا كيف لا تتوقف إيران، عن استفزاز المنطقة، وتهديد العالم، إذ يغيب فيها ما يمكن وصفه الصوت العاقل، ولا تظهر أي دعوات متزنة في مراكز القرار فيها، وتجنح نحو التوتير المستمر، وتجر شعبها البريء، نحو صراعات مكلفة، يدفع فيها أبرياء الإيرانيين الثمن، نتيجة للخفة التي تتسم بها هذه السياسات.

لقد عبرت الإمارات، مراراً، عن موقفها لوقف التصعيد في الخليج العربي، وهو تصعيد يمس أمن العالم كله، فهذه المنطقة هي قلب العالم، وشريانه، ونبضه، وما كتبه معالي الدكتور أنور قرقاش، وزير الدولة للشؤون الخارجية، في تغريدته الأخيرة، يعبر بوضوح عن هذه السياسات، وخصوصاً، حين تتجدد الدعوة لوقف التصعيد، وإيجاد حلول سياسية، لازمات المنطقة، بدلاً من التوترات التي تهدد المنطقة بأسرها.

لقد آن الأوان لأن تمتثل إيران لدعوات العالم إلى الحوار والمفاوضات، مثلما جاء في تغريدة الدكتور قرقاش، وهذه الدعوات التي تؤيدها القوى المعتدلة والمؤثرة في العالم، بنيت على أساس واضح، من الإدراك العميق بكون التوتير والتصعيد، لن يؤديا إلا لمزيد من الخسائر الكبيرة، والحروب التي لا يريدها أحد.

لقد تعبت المنطقة العربية والإسلامية، من عشرات الحروب الصغيرة والكبيرة، التي ابتليت بها بسبب الصراعات الكبرى، أو النزاعات الدينية والمذهبية والطائفية، أو الصراعات على السلطة، ولم تكسب المنطقة، أي شيء، من حروب المائة عام الأخيرة، وبين أيدينا أرقام مذهلة حول خسائر المنطقة، على صعيد الإنسان وثرواته ومستقبله، فوق الخسائر التي لا يمكن حسبانها بالأرقام، ولا تقديرها بالمال، فهي خسائر تحفر عميقاً في شخصية أبناء المنطقة ووجدانهم وأحلامهم.

لا حل لهذه الأزمات، سوى الحل السياسي، ولا بد من تحرك جماعي، من أجل إطفاء نيران هذه الأزمات، وأن تتوقف إيران عن إشعال أزمات جديدة، وأن يجلس العالم، إلى مائدة التفاوض والحوار، من أجل حل ينشد السلام والاستقرار.

عن "البيان" الإماراتية

استطلاع: معظم الأمريكيين يخافون من كل ما هو "عربي"

57
عدد القراءات

2019-06-25

ترجمة: محمد الدخاخني


هل يجب أن يتعلّم الأمريكيّون، ضمن مناهجهم المدرسية، الأرقام العربية؟

الرئيس التنفيذي لشركة الاستطلاعات وصف النّتيجة بأنّها أتعس وأطرف شهادة على التعصب الأمريكي نراها في بياناتنا

طرحت سيفيك ساينس، وهي شركة أبحاث مقرها بيتسبيرغ، هذا السؤال مؤخراً على نحو 3,200 أمريكي ضمن استطلاع يدور، على ما يبدو، حول الرياضيات، لكن النتيجة كانت مقياساً لمواقف الطلاب تجاه العالم العربي. وقد قال حوالي 56 بالمائة من المُستطلَعين "لا". ولم يصرح 15 بالمائة منهم بأي رأي.

هذه النتائج، الّتي أثارت بسرعة أكثر من 24,000 تغريدة، ربّما كانت لتختلف بشكل حادّ لو أوضح المستطلِعون ماهيّة "الأرقام العربيّة".
هناك 10 منها، هي: 0، 1، 2، 3، 4، 5، 6، 7، 8 ، 9.
تلك الحقيقة دفعت جون ديك، الرّئيس التّنفيذيّ لشركة الاستطلاعات، إلى وصف النّتيجة بأنّها "أتعس وأطرف شهادة على التّعصّب الأمريكيّ نراها في بياناتنا".

اليوم تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة
يُفترَض أنّ الأمريكيين الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة (وكانت نسبة الجمهوريّين بينهم أكبر من الديمقراطيين) يفتقرون إلى المعرفة الأساسيّة بماهيّة هذه الأرقام، ولديهم أيضاً بعض النّفور من أيّ شيء قد يُوصف بأنّه "عربيّ".
إنّه أمر محزن ومضحك بالفعل - وأيضاً سبب للتّوقّف وطرح سؤال بسيط: لماذا يُدعى النّظام العدديّ الأكثر كفاءة في العالم، والأكثر معياريّة في الحضارة الغربيّة، بـ"الأرقام العربيّة"؟

اقرأ أيضاً: الإسلام في أوروبا: اختراق "القارة العجوز" وصعود الإسلاموفوبيا
يأخذنا الجواب على ذلك إلى الهند في القرن السّابع؛ حيث طوِّر النّظام العدديّ، الّذي تضمّن الصّياغة الثّوريّة للصّفر. وبعد حوالي قرنين من الزّمان، انتقل إلى العالم الإسلاميّ، الّذي كانت عاصمته الرّائعة، بغداد، آنذاك أفضل مدينة في العالم يتابع فيها المرء حياته الثّقافيّة. وهناك، طوَّر عالم مسلم فارسيّ، يُدعى محمّد بن موسى الخوارزميّ، تخصّصاً رياضيّاً يسمّى الجبر، ويعني حرفيّاً "لم شمل الأجزاء المكسورة".
وفي أوائل القرن الثّالث عشر، اكتشف عالم رياضيات إيطاليّ، يُدعى فيبوناتشي، درس الحساب على يد مُعلِّم عربيّ في إحدى دول شمال إفريقيا المسلمة، أنّ هذا النّظام العدديّ وطبيعته العشريّة أكثر عمليّة بكثير من النّظام الرّومانيّ، وسرعان ما نشره في أوروبا؛ حيث أصبحت الأرقام معروفة باسم "الأرقام العربيّة".

اقرأ أيضاً: كيف انتشرت ظاهرة الإسلاموفوبيا ومن غذّاها؟
وفي الوقت نفسه، صار عِلم الجبر يُعرف بـ"algebra"، وتطوَّر اسم الخوارزميّ إلى "algorithm".
اليوم، تحظى العديد من الكلمات الإنجليزيّة بجذور عربيّة؛ وقد تشتمل قائمة مختصرة على كلمات مثل: أميرال admiral، الكيمياء alchemy، الكُوَّة alcove، الإنبيق alembic [أداة تقطير]، القلويّ alkali، ملاط lute، ماسِك أو قِناع mask، موصلين muslin [نوع من الأقمشة]، نظير nadir، سُكر Sugar، شراب syrup، تعريفة tariff، ذروة zenith. ويعتقد بعض العلماء أنّه حتّى كلمة "check"، أي الورقة الّتي يتحصّل عليها المرء من أحد البنوك، تأتي من الكلمة العربية "صكّ"، والّتي تعني "وثيقة مكتوبة". (وتستخدم صيغة الجمع، "صكوك"، في الصّيرفة الإسلاميّة للإشارة إلى السّندات).

محمّد بن موسى الخوارزميّ
هناك سبب يرجع إليه امتلاك هذه المصطلحات الغربيّة لجذور عربيّة: بين القرنين الثّامن والثّاني عشر، كان العالم الإسلاميّ، عبر لغته المشتركة، العربيّة، أكثر إبداعاً من أوروبا المسيحيّة، الّتي كانت آنذاك تعيش أواخر عصورها الوسطى. كان المسلمون من الرّواد في الرّياضيّات والهندسة والفيزياء والفلك والأحياء والطّب والعِمارة والتّجارة، والأهم من ذلك، الفلسفة. ولا شكّ أنّ المسلمين قد ورثوا هذه العلوم من ثقافات أخرى، مثل؛ اليونانيّين القدماء والمسيحيّين الشّرقيّين واليهود والهندوس. ومع ذلك، فقد طوّروا هذه التّخصّصات من خلال ابتكاراتهم الخاصّة ونقلوها إلى أوروبا.

الأمريكيون الذين عارضوا تدريس الأرقام العربيّة ونسبة الجمهوريّين بينهم كبيرة لديهم بعض نفور من أيّ شيء يُوصف بأنّه عربي

لماذا الخوض في هذا التّاريخ المنسيّ؟ لأنّ دروساً يمكن أن تستقى من ذلك، لكلّ من المسلمين وغير المسلمين.
ومن بين الأخيرين يأتي المحافظون الغربيّون، الّذين لديهم شغف بحماية تراث الحضارة الغربيّة، والّتي غالباً ما يعرّفونها على أنّها حضارة "يهوديّة-مسيحيّة" فقط. بالطّبع، الحضارة الغربيّة لديها إنجاز عظيم يستحقّ الحفاظ عليه: التّنوير، الّذي منحنا حرّيّة الفكر وحرّيّة الدّين وإلغاء العبوديّة والمساواة أمام القانون والدّيمقراطيّة.
ولا ينبغي التّضحية بتلك القِيَم لصالح القَبَليّة ما بعد الحداثيّة المسمّاة "سياسة الهويّة". لكنّ المحافظين الغربيين يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة. إنّ ثالث الدّيانات الإبراهيميّة العظيمة، الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث، وتكريم ذلك الإرث قد يساعد على إقامة حوار بنّاء مع المسلمين.

الإسلام، كان له دور في صنع العالم الحديث
بالطّبع، أمامنا، نحن المسلمين، سؤال كبير يجب علينا الإجابة عنه: لماذا كانت حضارتنا ذات يوم خلّاقة، ولماذا فقدنا ذلك العصر الذّهبيّ؟
يجد بعض المسلمين إجابة بسيطة في التّقوى والافتقار إليها، معتقدين أنّ هذا التّراجع جاء عندما أصبح المسلمون "آثمين". ويفترض آخرون أنّ العظمة المبكّرة يمكن إرجاعها إلى القادة الأقوياء، الّذين يأملون في أن تتجسّد نماذج مماثلة لهم. ويجد البعض العزاء في نظريّات المؤامرة الّتي تُلقي بالّلوم على الأعداء في الخارج و"الخونة" في الدّاخل.
إليكم تفسير أكثر واقعيّة: كانت الحضارة الإسلاميّة المبكّرة مبدعة لأنّها كانت منفتحة. على الأقلّ، امتلك بعض المسلمين الرّغبة في التّعلُّم من الحضارات الأخرى. كان هناك مجال لحرّيّة التّعبير، وهو ما كان أمراً استثنائيّاً في ذلك الوقت. وقد سمح ذلك بترجمة ومناقشة أعمال فلاسفة يونانيّين كثيرين، مثل أرسطو، كما سمح لعلماء لاهوت من مختلف الأطياف بالتّعبير عن آرائهم، وأتاح للباحثين بيئة عمل مستقلّة. على كلّ حال، منذ القرن الثّاني عشر وما بعده، فرض خلفاء وسلاطين لهم طبيعة استبداديّة شكلاً أقلّ عقلانيّة وأقلّ قبولاً بالتّنوّع للإسلام. وهكذا تحوّل الفكر الإسلاميّ نحو العزلة والتّكرار والّلامبالاة.

وبحلول القرن السّابع عشر، في الهند المسلمة، كان أحمد السّرهنديّ، وهو عالم بارز عُرِف أيضاً باسم الإمام ربّانيّ، يمثّل منعطفاً دوغمائيّاً عندما أدان جميع "الفلاسفة" وتخصّصاتهم "الغبيّة". وكما كتب: "تأتي الهندسة بين علومهم المدوّنة والمنظّمة، وهي عديمة الفائدة تماماً. مجموع ثلاث زوايا في مثلث عبارة عن مجموع زاويتين قائمتين - ما الفائدة الّتي يمكن أن يعود علينا بها مثل هذا الكلام"؟

المحافظون الغربيون يتراجعون إلى القبليّة بأنفسهم عندما ينكرون حكمة وإسهامات المصادر غير اليهوديّة وغير المسيحيّة

بالضّبط، لماذا حدث هذا الإغلاق المأساويّ للعقل الإسلاميّ، وكيف يمكن الانقلاب عليه، هو السّؤال الأكبر الّذي يواجه المسلمين اليوم. ويجب ألّا نفقد المزيد من الوقت من خلال ألعاب الإنكار والّلوم.
ومع ذلك، وفي الوقت نفسه، يجب ألّا يخطئ الآخرون في الحكم على الحضارة الإسلاميّة من خلال النّظر إلى أسوأ منتجاتها، الّتي يشيع الكثير منها الآن. إنّها حضارة عظيمة قدّمت إسهامات كبيرة للبشريّة، لا سيّما الغرب.
ولهذا السّبب، حين تتّصل عبر هاتفك، تقوم باستخدام "الأرقام العربيّة". وهذا مجرّد غيض من فيض من الأفكار والقِيَم المشتركة بين الإسلام والغرب.


المصدر: مصطفى أكيول، النيويورك تايمز

الصفحة الرئيسية