العرب والاستشراق.. فصول من سوء الفهم والصّدام

أحمد الديباوي's picture
باحث في الفكر الإسلامي
886
عدد القراءات

2019-01-10

يذهب كثير من الباحثين العرب إلى أنّ الاستشراق تكريس للنزعة الاستعمارية، وتعبير عن فكرة المركزية الغربية الأوروبية والأمريكية، دون أن يدور بخلدهم إمكانية "تحويل التراث الاستشراقي إلى موضوع وقاعدة من قواعد الانطلاق لتأسيس معرفة بالآخر"، على حدّ تعبير المفكر المغربي بنسالم حمِّيش.

الاستشراق في مرايا العرب

إنّ كثيرين، في تقييم أُحادي ودوغمائية لا تلين، ينظرون إلى مسألة الاستشراق على أنّها مسألة استعمارية مكتملة الأركان، فيعدّونه حركة تبشيرية واكبت الحملات الصليبية الجديدة، من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، فيما عُرف بالاستعمار الغربي للشرق، دون الانتباه إلى وجود أهمية، ولو محدودة، لإنتاج المستشرقين وجهودهم في استكشاف بعض الظواهر الدينية واللغوية والتاريخية التي غفل عنها العرب والمسلمون بفعل مؤثرات متعددة في محيطهم السياسي والاجتماعي والثقافي؛ فالاستشراق ليس وحدة مفردة، والمستشرقون ليسوا نسيجاً واحداً؛ فبعضهم لم ينطلق من وجهة نظر سياسية أو أهداف استعمارية، بل كان ينطلق من وجهة علمية ومعرفية خالصة، حتى أنّ المستشرق، فرنسيسكو غابرييلي، يرى أنّ العرب قد أعطوا للحضارة الإنسانية تاريخاً مشرقاً لا يمكن إنكاره، لكن دورهم قد تضاءل في القرون الأخيرة.

ينظر كثيرون إلى الاستشراق على أنّه مسألة استعمارية فيعدّونه حركة تبشيرية واكبت الحملات الصليبية الجديدة

لا ننكر أنّ كثيراً من الدراسات الاستشراقية (Orientalism)؛ إنما تتصيّد الأخطاء وتتربّص بالقرآن الكريم والسنّة النبوية، وتغوص في مدونات التراث، لعلّها تستخرج منها ما يفيد منهجها في القدح، لكننا لا ننكر أنّ هؤلاء المستشرقين كان لهم فضل كبير في تحقيق كثير من كتب التراث وإعادة طبعها وتصحيحها؛ بل إنّ لهم فضلاً في التنبيه على أمور ذات قيمة في ذلك التراث، مما لم ينتبه إليه المسلمون أنفسهم، فحفظ لنا التاريخ أسماء مستشرقين معتدلين، مثل: جوستاف لوبون، وزيجريد هونكه، وسلفستر دي ساسي، وتوماس أرنولد، وغيرهم، ممّن ساهمت بحوثهم وأفكارهم، لا نقول كلها، في تجديد التراث وبيان سماحة الإسلام والدفاع عنه، والإلماع إلى فضل الحضارة الإسلامية على الغرب.

المجدّدون في الفكر الإسلامي ليسوا تلاميذَ المستشرقين

ومن العجب أن يدّعي بعضهم أنّ المجدّدين والمخالفين لبعض نصوص التراث إنما هم تلاميذ المستشرقين والمبشرين، ويعملون وفق أجندة غربية، وكأنّ مدرسة الرأي التي أنشأها الإمام أبو حنيفة قد نقلت هي الأخرى عن الدوائر الاستشراقية حين ردّت بعض أحاديث لم تقبل متنها! وكأنّ الأصمّ أو الجاحظ أو واصل بن عطاء، أو غيرهم من أصحاب المدرسة العقلية قد نقلوا عن المستشرقين، أو عملوا وفق أجندات غربية استعمارية! ثمّ كأنّ الأستاذ الإمام محمد عبده، وتلميذه رشيد رضا، اللذين انتقدا بعض أحاديث البخاري قد كانا من عملاء الاستشراق الإمبريالي ومن المبشرين الصليبيين! وكأنّ الشيوخ: مصطفى عبد الرازق، ومحمود شلتوت، ومحمد أبو زهرة، وعبد المتعال الصعيدي، ومحمد الغزالي، ومحمد المدني، وغيرهم من أولي التجديد والإصلاح، قد نقلوا أيضاً عن المستشرقين، وكانوا يتحركون وَفق أجندات غربية!

اقرأ أيضاً: مراجعة الاستشراق أم نقض الغرب؟

إننا نقوم بتسويق نظرية المؤامرة المعتادة لدينا في عالمنا العربي تسويقاً رائعاً، فيما نغضّ الطرف عن مستشرقين قد أسلموا بالفعل، مثل: كليوبولد فايس، وأتيين دينيه، وموريس بوكاي، وغيرهم، أو حتى من لم يعلن إسلامه منهم، فكان مثالاً للعدل والإنصاف مثل: جوهان رايسكه، ومايكل هارت، وبودلي، ومونتجمري، وكارن أرمسترونج، وغيرهم، بخلاف بعض المستشرقين الذين يستغلّون روايات ضعيفةً في تراثنا لم نعطها، نحن المسلمين، حقها في البحث والتنظير المقنِع، والتأويل السائغ غير المتكلّف، فيأتي بعض المستشرقين، ولو بحُسن نية، فيستنتجون منها معارفَ ومعلوماتٍ ليست من الدين الصحيح في شيء، فنلومهم قبل أن نلوم أنفسنا!

المستشرق غابرييلي يرى أنّ العرب قد أعطوا للحضارة الإنسانية تاريخاً مشرقاً لكن دورهم قد تضاءل في القرون الأخيرة

إنّ الدعوات التي يحاول البعض أن يطلقها ليسوّغ لبعض المؤسسات الدينية الرسمية مهمة تجديد الدين، ونقد التراث المجافي للقرآن الكريم والعلم والمنطق والذوق والتحضّر، هي دعوات بائسة؛ لأنّ تلك المؤسسات الدينية لن تتنازل بسهولة عن امتيازات الكهنوت الديني السادر في رمْي المخالفين بأنهم يعملون وَفق أجندات غربية، لهدم الدين وثوابته، فيما هم يدركون أن كلامهم هذا ما هو إلا محاولات دائبة منهم لتشويه صورة مخالفيهم، وتشويه أطروحاتهم باسم العمالة للغرب، ولا تعجب من ذلك؛ فالأشعريون، الذين يسيطر مذهبهم العقائدي على أكثر من 60% من العالم الإسلامي، قد سبقوهم إلى ذلك، بقرون؛ حين ادّعوا على مخالفيهم من المعتزلة بأنّهم زنادقة، وانتحلوا عليهم نقولاً ومروياتٍ وأحكاماً لم يقولوا بها؛ لأنهم عجزوا عن مسايرة أطروحاتهم التي تتسم بالديالكتيك والديناميكية، فعمدوا إلى تشويههم وتأليب الناس عليهم.

التراث بين الأصالة والحداثة

من غير المُجدي الاستمرار في نعت الدراسات الاستشراقية؛ بأنّها "مُغرضة"، كأننا لا نملك سوى ردّ الفعل الدفاعي، دون اتخاذ خطوات علمية جادّة للتعاطي مع تلك الدراسات بموضوعية وتحليل ونقد، فالدراسات الاستشراقية تفرض علينا، بداية، النظر إلى تراث المستشرقين الجدد بشيء من العناية والتدقيق، وترجمة أهم أعمالهم، كما تفرض علينا تغيير نظرتنا إلى التراث، سيما أنّ أكثر من 140 ألف مخطوط عربي، بحسب آخر الإحصائيات، لمّا تزل في مكتبات ودور الكتب الأوروبية، ما يعني أنّ الباحثين العرب معنيّون بإعادة اكتشاف هذا التراث، وإخراجه، وإضاءة المسالك المعتمة فيه، وتطويره بكل الدراسات الحديثة والإضافة إليه؛ حيث يتلاقح الجديد بالقديم، أي تتلاقح الحداثة بالأصالة؛ إذ إنّ "الأصالة دون حداثة تركة مهزومة، والحداثة دون أصالة طاقة مهدورة"، يقول بنسالم حِمّيش.

اقرأ أيضاً: إعادة النظر في الاستشراق

ويكفي أن نشير، في آخر مقالنا هذا، إلى أنّ رائداً من روّاد الاستشراق الحديث، هو الفرنسي ألان دي ليبيرا، الأستاذ في جامعتي جنيف وباريس، وأحد كبار الاختصاصيين في الفلسفة العربية الإسلامية، لا توجد -حتى الآن- ترجمة عربية لكتابه المهم "ابن رشد والفلسفة الرشدية" (Averroes et l"avarroisme)، الذي صدر منذ عام 2003، وهو الكتاب الذي يمثل مدخلاً عاماً إلى فلسفة ابن رشد وإلى التيار المنبثق عنها في أوروبا، المسمّى "الفلسفة الرشدية" (Averroisme)، وتنبع أهميته من كونه يعيد ترتيب دراسة فلسفة ابن رشد الحقيقية، بعيداً عن تصورات "الرشدية اللاتينية" في البيئة المسيحية اللاتينية، في القرون الوسطى.

اقرأ المزيد...

الوسوم: