فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء

فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء
7892
عدد القراءات

2019-01-20

لعلّه لم يدر بخلد أحد متابعي العرض السينمائي المصري الأول، الذي جرى بمدينة الإسكندرية، في الخامس من تشرين الثاني (نوفمبر) العام 1896، أن تتحوّل هذه الشاشة إلى واحدة من أهم وسائل التواصل المعرفي، متجاوزة اعتبارات الترفيه والتسلية، وهو الأمر الذي بات واضحاً، منذ ظهرت الأفلام الروائية الناطقة، العام 1932، بتدشين فيلم "أولاد الذوات" الذي أسقط الضوء على جوانب متعددة من الحياة الاجتماعية للمصريين.
مقتبسة عن مسرحية "الشرف" للألماني هرمان في سود رمان

صدى الأفكار الاشتراكية
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية؛ بدأ صدى الأفكار الاشتراكية يتردد حول العالم، وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على فنّ السينما؛ حيث فرضت قضية الفقر نفسها بقوة، في سياق التداعيات التي تسببت في ظهورها دولة البروليتاريا الأولى، وفي إطار اشتباك السينما مع البنى الطبقية للمجتمع المصري، باغت عميد المسرح العربي، يوسف وهبي، الجميع في العام 1942، برائعته التراجيدية "أولاد الفقراء" المقتبسة عن مسرحية "الشرف" للألماني هرمان في سود رمان، وفيها شرع وهبي، ابن الطبقة الأرستقراطية الهارب، في تشريح جسد المجتمع العاري، بأداء مسرحي اعتادته السينما العربية في بداياتها، في عمل طويل من تأليفه وإخراجه وبطولته، طرح فيه قضية الفقر بأبعادها المتباينة، مبيناً مظاهر الاستغلال الطبقي بكل وجوهه الممكنة، وهو ما يفسّر مدة الساعتين التي تجاوزها العمل الفني.

بدأ صدى الأفكار الاشتراكية يتردّد حول العالم وكان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على فنّ السينما

مارس وهبي طقساً فنياً استثنائياً من خلال أسرة ميسورة يفقد عائلها كلّ أمواله في البورصة، ليسقط تحت وطأة الاستغلال من قبل أخيه الثري، الذي يمارس على الأسرة كلّ أشكال الضغط الطبقي، ويمارس ابنه في الوقت نفسه، على ابنة عمه، سلوكاً ذكورياً تقليدياً ينتهك من خلاله جسدها، ويزرع بذرة الخطيئة في رحمها، بينما يحاول الابن الأكبر الفرار من الهامش، ويمكّنه تفوقه الدراسي من دراسة القانون في أوروبا، لكنّه حين يعود محمّلاً بأمنيات الخروج من براثن الفقر، يكتشف أنّ العم نجح في التهام أسرته الصغيرة بلا رحمة.
تصل المأساة ذروة التأجج؛ حيث تبيع الأخت جسدها رغبة في إنقاذ أمها من موت محقّق، وسرعان ما تتشابك المسارات الدرامية في تعقيد مستمرّ، يطلّ من خلاله الفقر في دروب الجوع والمرض، والرغبة في الانتقام، وبين ثنايا العمل، تطلّ الأفكار الاشتراكية في نعومة، وتتسلل في إيقاع منتظم، لتظهر مدى قبح المجتمع الإقطاعي، وقسوة سوء التوزيع.

اقرأ أيضاً: "الدين والاشتراكية".. هل يمكن تحرير التراث من صراعات الأيدولوجيا؟
تتجلى هنا التراتبية في الأوجه المتعددة للفقر، كقضية إنسانية ملحة، تظهرها الثنائيات المتقابلة: القصر/الوكر، الصحة /المرض، الخطيئة /الشرف، يركز العمل الفني على بعضها، ويهمل أخرى أو يهمشها، لكنّه أبداً لا يدين الفقراء مهما اقترفت أيديهم، ويظلّ النصّ هو البطل بينما المؤثرات الصوتية والعناصر البصرية تمتنع في أحيان كثيرة عن التعبير، قبل أن تخترق أجراس الكنائس المشهد في صلاة أخيرة على الضحية، في لحظة تجلّي المدّ المأساوي للفقر كفاعل رئيس في السردية الحزينة.

بين التعبير المباشر والرسالة الضمنية
يقول ستانلي كوبريك: "هل كنّا نقدّر ونحترم لوحة الموناليزا، في حال كتب ليوناردو دافنشي أسفلها (سيدة تبتسم لأنّها تخفي سرّاً عن حبيبها)، بالطبع لا، الفنّ لا يحتاج إلى شرح".
لعل هذا هو المقصود بالإلهام، ربما لم يقصد يوسف وهبي في ظلّ انشغاله بقضية الفقر إبراز هذا التوجه، لكنّه تسلّل عبر الأحداث، ومن خلال انتقال الكاميرا بين قصور الأثرياء وأوكار المعدمين، ظهر عالم الظلّ بكلّ ثقله، ليصدم المجتمع بحضوره الطاغي، فحرّك بعضاً من رتابته، ولعلّه هو نفسه عالم الظلّ الذي حرّك في دواخل ماركس كلّ هذا الفيض الثوري بدوافعه ومنطلقاته الإنسانية.

اقرأ أيضاً: هل قدمت السينما المصرية صورة منصفة للمعلم؟
بعد عشرة أعوام على ظهور هذا العمل الذي شارك في بطولته محمود المليجي وأمينة رزق، أي في العام 1952، شهدت مصر ثورة غيّرت وجه الحياة، ثورة قامت على الأفكار التي بشر بها يوسف وهبي في فيلمه، وجعلت من أحد مبادئها القضاء على الإقطاع والطبقية، تحققت انتصارات وجرت خيبات وانكسارات، لكنّ جملة الأفكار التي تناولتها السينما المصرية، وناقشت فيها قضية الفقر والظلم الطبقي، التي ظهرت بصورة كلية في فيلم "أولاد الفقراء"، تبدو هي نفسها التي قامت عليها ثورة تموز (يوليو) 1952؛ حيث كانت المرة الأولى التي يتصدر فيها المشهد أولاد الفقراء، وإن كانت فصول الحكاية لم تختتم بالنهاية المرجوّة حتى الآن.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جوليان جرين.. القلب بيت المسرح

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

يقول الدكتور عبد الرحمن بدوي في تقديمه لمسرحية «الجنوب» للكاتب الفرنسي جوليان جرين: إن هذا الكاتب متوحد، لا يتابع التيارات اليومية في عصره، ولا يشارك في أحداثه العامة، ولو كان إليه أمر اختيار زمن مولده، لاختار أن يعيش في أعماق العصر الوسيط، ففيه إيمانه ونزعاته الميتافيزيقية ولمحاته الرمزية، واستشعار الأسرار، والرغبة في التنبؤات بالمجهول والتعبير عما يتجاوز القدرة على التعبير، حتى إنه قال عن نفسه إنه غلط في الميلاد بهذا القرن، كما يغلط المرء في طابق البيت الذي يسكن فيه.

جوليان جرين أمريكي الأبوين؛ لكنه ولد في باريس في 16 سبتمبر/أيلول سنة 1900، وفيها درس حتى حصل على البكالوريا في سنة 1917، واشتغل بالتمريض متطوعاً في الجبهتين الفرنسية والإيطالية (خدمة الميدان الأمريكية والصليب الأحمر)، انخرط في سلك الجيش الفرنسي، ولم يسافر إلى وطنه إلا في سنة 1919 لأول مرة؛ حيث درس في جامعة فرجينيا، وقام بتدريس اللغة الفرنسية ثم عاد إلى فرنسا، وفيما بعد استقر به المقام في أمريكا عام 1940.

كانت الأم كثيراً ما تحدث ابنها عن حرب الانفصال، التي وقعت بين الولايات الشمالية والجنوبية، بين سنتي 1860 و1865؛ بسبب الرق، فالشمال يريد إلغاءه، والجنوب يريد الإبقاء عليه، وكان انتخاب لنكولن سنة 1860، إيذاناً بهذه الحرب التي استمرت أربع سنوات، وانتهت بانتصار الشمال، ثم مصرع لنكولن، وسيكون لهذه الذكرى (انفصال الجنوب) أثرها البالغ في نفس جوليان جرين، وهذا الأثر ناجم عن شعور بأنه ينتسب إلى شعب مقهور في الجنوب، ما جعل هذه الحرب «مصدر حزن لا ينفد وهو حزن موروث وقد يقال مستعار؛ لكنه كان ذا أثر في كيفية وجودي» كما يقول في يومياته.

تنازعت جرين الثقافتان الفرنسية والأمريكية، الأولى لأنه شب عليها، والثانية لأن أصله أمريكي، كما تنازعته البروتستينية مذهب أجداده، والكاثوليكية مذهب فرنسا السائد، وعانى التوتر بين المذهبين المتصارعين في نفسه؛ لكنه عاد فيما بعد إلى الكاثوليكية، وكان معجباً بأندريه جيد وقامت بينهما صداقة، استمرت أكثر من عشرين سنة، وترددت أصداؤها في «يوميات» كليهما، كما أعجب بقصص فوكنر، وقد ألف 12 رواية، أشخاصها نماذج عابرة لظروف الزمان والمكان، إنهم يمثلون الوجود المجرد ويستندون إلى القوى المنتصرة، وتعتلج في نفوسهم معاني اليأس والاختناق والشعور بعبء الوجود.

لكن ليس معنى هذا أن جرين غارق في الخيال، إنه يصف التفاصيل بدقة بالغة، ويجعلنا نعيش في الوسط الذي يحيا فيه أشخاصه، واللوحات التي يقدمها عن الأماكن في المدينة أو الريف تكاد في وقتها وواقعيتها تنافس أشهر لوحات بلزاك في قصصه العظيمة، وكل شخص في رواياته يتميز بخصائص فيزيائية واضحة، ونبرة صوت خاصة، ويشيع فيها جميعاً تأثير الأحلام والقوى الخفية ذات النداءات الرهيبة التي تنبئ عن المصير وترشد السلوك، وهؤلاء الأشخاص في الأغلب هم متمردون، لا يحسنون الاتصال بالناس؛ لأن جرين يؤمن بأن «الوجود الإنساني منفصل عن باقي الإنسانية بحاجز لا يزول أبداً، وتلك هي مأساة كل منا، وما نفكر فيه بعمق لا يكاد يكون من الممكن إيصاله للغير».

طرق جرين أبواب المسرح متأخراً فقد ألف أولى مسرحياته «الجنوب» في 6 مارس/آذار سنة 1953 وهو في سن الثالثة والخمسين، وكانت نظرته المسرحية أرسطية خالصة، وقد وضع الغاية التي قدرها أرسطو من المأساة رمزاً لمسرحيته الأولى، وهي «التطهر من وجدان خطر بواسطة تحرر عنيف، ولهذا كان يحب أن يهدف المسرح إلى المزيد من الانفعال المنبعث عن القلب لا عن العقل»، وهو حين يؤلف مسرحية، فإنه لا يعلم مقدماً موضوعها الحقيقي، ولا تصاعد الأحداث فيها؛ بل يأتي ذلك مع التأليف، فقد قال في يومياته عن مسرحية «الجنوب»: «لقد كتبت هذه المسرحية بطريقة غريبة؛ إذ اكتشفت موضوعها الحقيقي عند نهايتها، كما حدث لي مراراً مع كثير من مؤلفاتي الأخرى، إن أشخاص رواياتي كثيراً ما تتجاوزني ذلك إنهم ماكرون».

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

خيال المبدعين انهزم و"أدب كورونا" يدخل المعترك

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-04

شيرين أبو النجا

منذ اندلاع ثورات العالم العربي في نهاية 2010 أصبحنا على ثقة بأن منظومة الخيال التقليدي قد انهارت لتحل محلها منظومة جديدة في الرؤية والأدوات، وتحول أي تشبث بالقديم إلى شكل من أشكال مناهضة الثورة. كان الخيال الجديد يُعبر عن مستقبل قريب يسعى جيل بأكمله إلى تشييده، لكن خيبة الأمل كانت بالمرصاد. تحول عندها الخيال في كل أشكال الفن إلى وسيلة مقاومة لحاضر بائس ويائس، فوجهت السلطة جهودها لقمع هذا لخيال ووظفت كل الأشكال المتاحة لإسكات أي كلمة ولمحو أي لوحة ولوأد أي تجمع فني ثقافي قد يشكل مساحة لفكرة جديدة. وعندما اتجه الخيال إلى مواقع التواصل الاجتماعي معتمداً على موقعي "فيسبوك" و"يوتيوب" لم تتوان السلطة عن الملاحقة التي دائماً ما تثير الاستهجان الممتزج بالسخرية، حتى أن رئيس أكبر دولة في العالم أعلن قانوناً يتيح ملاحقة محتوى "فيسبوك".

من قلب هذا الحصار المحكم ظهر أدب اليوتوبيا ونهاية العالم (أبوكاليبس)، وهو نوع كانت بوادره قد ظهرت في كل أشكال السخرية المكتوبة والمصورة. لكن اللافت للنظر أن هذا النوع من الكتابة لم يكن يؤشر نحو المستقبل كنظيره في الأدب الغربي بل عمد إلى توظيف كل مكونات الحاضر في شكل كابوسي مثل رواية "عطارد" للمصري محمد ربيع و"فرانكشتاين في بغداد" للعراقي أحمد سعداوي. حتى المسلسل الرمضاني المصري "النهاية" والذي كتبه عمرو سمير عاطف انطلق من فكرة أزمة الطاقة التي يمر بها العالم ورسم قدساً جديدة دفعت المتحدث العسكري أفيخاي أدرعي إلى التعليق باستهجان على المسلسل. وكأن ما حدث على مدار العقد الماضي ونتائج الثورات كانت بمثابة ديستوبيا فقام الأدب بتصوير ما يحدث في إطار تخييلي مع الكثير من الإسقاطات والترميز والإشارات التي تقدم الواقع المعيش. وكأن الثورات المهزومة كانت أقوى من الخيال الذي لم يعد لديه ما يقدمه، لم يعد الخيال قادراً على التخيل، إذ شهد أسوأ خيالاته تتحقق على أرض الواقع. تحول الخيال إلى شاهد على ذاته.

عندما قدم ستيفن سودربرغ فيلم "العدوى" في عام 2011 لم يكن يعتقد أن الفيلم سيتحول إلى حقيقة، وذلك على الرغم من أن أرباح الفيلم تجاوزت 135 مليون دولار في حين كانت موازنة الفيلم 60 مليون دولار. وعلى كل المواقع السينمائية بلا استثناء تم تصنيف الفيلم كخيال علمي، لكن 2020 أخرجت الفيلم من التصنيف وجعلته يعكس واقعاً نعيشه. هناك نحو عشرين فيلماً تتعلق بالأمراض والأوبئة من إنتاج هوليوود تندرج تحت تصنيف الخيال العلمي، لكنها فقدت هذه السمة مع اندلاع فيروس كورونا. يواجه الخيال هزيمته الثانية لكن هذه المرة ليس عن طريق السلطات المباشرة بل عن طريق الطبيعة، الطبيعة أقوى من الخيال الإنساني وربما أكثر إبداعاً، وهو ما قد يُحزن أوسكار وايلد كثيراً الذي كان مؤمناً أن الواقع هو الذي يُقلد الفن (وبالتالي الخيال).

ما بعد كورونا

في هذه الهزائم المتتالية للخيال علينا أن نعيد التفكير في عدة قضايا (إلى أن تنجلي الجائحة). فبداية ينبغي على النقد الأدبي أن يراجع مقولاته المتعلقة بتعريف الأدب والفن. فدائماً ما كان المتخصص ينفي أن يكون الفن مرآة للواقع، فكان يقول إنه يسبق الواقع بخطوة أو أنه عالم مغاير أو أنه يكسر قواعد الواقع أو أنه يناهض الواقع. ولهذا كان مفهوما الخيال والتخييل يقدمان أكبر تحدٍ لغير المتخصص الذي يخلط مثلاً بين المؤلف والشخصية الرئيسية. أما القضية الأخرى فهي تتعلق بأدب اليوتوبيا، ما مصيره بعد كورونا وما هي الآفاق الجديدة التي يُمكنه أن يطرحها؟ هل سيكون قادراً على إعادة رسم العالم بالشكل الذي نعيشه الآن؟ كل خطوة خارج المنزل تحمل نتائج وخيمة أو سالمة، هو المجهول المطلق. هل سيتمكن الأدب من العودة إلى حياته الطبيعية بعد كورونا أم أنه سيخوض في الآثار النفسية الناتجة من عزلة كورونا؟ هل سنطالع ما يشبه "يوميات الكورونا" كما طالعنا من قبل يوميات الثورات؟ قد يخرج علينا النقد بمصطلح "أدب الكورونا" على شاكلة "أدب الثورات" و"أدب المقاومة" و"أدب المخيمات".

أما القضية الأخيرة فهي تتعلق بكيفية القراءة سواء النقدية أو الحرة. من الصعب أن نحافظ على منهج القراءة ما بعد البنيوي، فقد تقوقعنا في عزلة تُعيد للبنية القائمة بذاتها مجدها الغابر، لم يعد للمؤثرات الخارجية أي فعالية فالسياق معزول ومبتور من كل ما عداه، إلا إذا مات أحدهم جوعاً أو من الوباء. وهذه النقطة تثير العديد من الإشكاليات، فالقارئ المعزول بإرادته أو قسراً يتابع تأثير الجائحة على الظرف الاقتصادي والصحي (والسياسي في بعض الأماكن)، لكنه معزول تماماً بحيث أن هذه القرارات لن يكون لها الأثر الواضح إلا عندما يعاود الاشتباك مع الشارع وأشكال السلطة المؤسسية. ومن هنا قد يكون في حاجة إلى قراءة بنية النص كوحدة مستقلة تمده ببعض الثبات في فوضى نفسية وزمنية. على الجانب الآخر، تتسبب هذه التحولات الاقتصادية الكارثية في إعادة ترسيم العالم بما يجعل القارئ منغمساً فيها تماماً. على النقد إذن أن يخرج من عزلته ليدرك أن خياله بحاجة إلى انتفاضة من الركود. قد يكون النقد هو المعقل الأخير لمقاومة هزيمة الخيال أو قد يمنح الخيال روحاً جديدة وهو ما يمنحه المكان الذي كان يسعى إليه من قبل.

عن "اندبندنت عربية"

للمشاركة:

"20 قصيدة حب".. صوت الشاعر يبحث عن الريح

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-02

أوميد عبدالكريم إبراهيم

كان للحقبة التي عاش في ظلها الشاعر التشيلي الشهير بابلو نيرودا «1904-1973»، وما شهدته من حروب وأحداث عصفت ببلاده وبعدد من دول العالم، تأثير واضح على أعماله الشعرية التي طغى عليها الطابع الثوري الرافض للظلم والجور من جهة، والحزن والألم والحنين إلى الوطن من جهة أخرى، لاسيما في مجموعته وباكورة أعماله «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» التي أصدرها نيرودا وهو في أوج شبابه، والتي ترجمت أكثر من مرة إلى اللغة العربية، إلى جانب لغات أخرى، وحازت إعجاب النقاد والقراء على حدٍّ سواء.
نيرودا المولود في إحدى القرى النائية وسط تشيلي عام 1904، والذي وصفه الروائي الكولومبي الكبير، جابرييل جارسيا ماركيز بالقول إن «بابلو نيرودا من أفضل شعراء القرن العشرين في جميع لغات العالم»، أصدر مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» عام 1924، أي في بدايات تشكل هويته الثقافية وتجربته الأدبية، وفيها رفع الشاعر التشيلي الكبير راية التحدي في وجه الظلم والمهانة، وتتكون هذه المجموعة من 20 قصيدة كما يتضح من عنوانها، حيث يقول في إحداها، مُصوراً ضعف البشر ومُشبهاً العالم بجسد امرأة:
يا عطشي، يا اشتياقاً لا ينتهي
يا طريقيَ الحائر!
دروبُ مياهٍ مظلمة
حيث العطش الأبدي يستمر
والعناء يستمر
والألم لا نهاية له

الصمت المطبق

نيرودا الذي حاز العديد من الجوائز العالمية أبرزها جائزة نوبل في الآداب عام 1971، كما حاز الدكتوراه الفخرية من جامعة أوكسفورد، والذي كتب عنه الناقد الأدبي، هارولد بلوم: «لا يمكن مقارنة أي من شعراء الغرب بهذا الشاعر الذي سبق عصره»، يسخر في إحدى قصائده من الصمت الدولي المطبق تجاه ما سماه «الظلم والممارسات المريضة»، وفي هذا الإطار يقول في قصيدة «تعجبينني حين تصمتين»:
تعجبينني حين تصمتين لأنك تكونين كالغائبة/ وتَسمعينني من بعيد، وصوتي لا يلامسك/ تبدو عيناك مرتبكتين/ ويبدو أنَّ قبلةً ستطبقُ على فمك/مثل كل ما يمتلئ بروحي/ تُشرقين، ممتلئةً بروحي/ وتشبهين روحي، يا فراشة الحلم/ وتشبهين كلمةَ كآبة.

نقد ذاتي

لم يكتفِ الشاعر التشيلي الكبير الذي كان شيوعيَّ التوجه، بانتقاد العالم على صمته مما يحدث، بل عمد إلى النقد الذاتي، واعتبر نفسه جزءاً من ذلك العالم الصامت الذليل، ملقياً اللوم على نفسه لأنه أضاع حبه ووطنه، فيقول في قصيدة «أستطيع أن أكتب الأشعار»:
في الليلة نفسها التي تبيَضُّ فيها الأشجار نفسها/ نحن، اللذَيْن كنّا آنذاك، لم نعد كما كُنّا/ لم أعُدْ أُحبها، صحيحٌ، لكنْ كمْ أحببتها/ كان صوتي يبحث عن الريح كي يلامس سمعَها/ ستكون لآخَر. لآخَر. مثلما كانت من قبْل لقبلاتي/ صوتها، جسدها المضيء. عيناها اللانهائيتان/ لم أعُد أُحبها، صحيحٌ، لكنْ ربّما أحبها/
كم هو قصيرٌ الحب، وكم هو طويلٌ النسيان.

طريق العودة

كان الحزن والكمد والحنين سمات طاغية على قصائد المجموعة، وفيها كان نيرودا يبحث عن طريق العودة إلى الوطن والدروب المؤدية إلى أحضانه، حيث يقول في قصيدة «لقد فقدنا حتى هذا الشفق»:
رأيت من نافذتي
مهرجان الغروب فوق الربى البعيدة
ومثل قطعة نقود
تتّقد شذْرَةٌ من الشمس بين يديّ
لماذا يداهمُني كل هذا الحب
عندما أشعر بالحزن، وأَشعرُ بكِ بعيدة؟
اختار نيرودا عنوان «أغنية يائسة» ليختتم بها مجموعته الشهيرة، وفيها يتحدث عن موت حب التسامح في قلوب البشر، وكيف تسبب الحروب بتدمير العالم الجميل وتحوله إلى أنقاض أشبه بنهاية البشرية، حيث يقول:
يلحّ تذكُّركِ في الليلة التي أنا فيها
يَمزج النهرُ بالبحر نواحه العنيد
مهجورٌ مثل الأرصفة وقت السَحَر
إنها ساعة الرحيل، أيها المهجور!
تُمطر فوق قلبي تويجاتٌ باردة
يا مثوىً للحطام، يا كهفاً مفترساً للغرقى!
تتراكمُ فيكِ الحروب والأجنحة المحلّقة
ومنكِ تنهض بأجنحتها عصافيرُ الغناء
فيكِ غَرِقَ كلُّ شيء، مثل البعد
مثل البحر، مثل الزمن. فيكِ غَرِقَ كل شيء!

الرحيل الأبدي

مجموعة «عشرون قصيدة حب وأغنية يائسة» لم تكن وحدها ذات طابع حزين ومؤلم بين أعمال نيرودا، فقد عاصر الشاعر التشيلي معظم الحروب والأحداث التي عصفت ببلاده وبالعالم خلال القرن العشرين، كما كان من أبرز النشطاء السياسيين، وعضواً بمجلس الشيوخ ومرشحاً سابقاً للرئاسة في تشيلي، ومثَّل بلاده في العديد من دول العالم مثل الهند، إندونيسيا، المكسيك، الأرجنتين، إسبانيا وفرنسا، ومن أبرز الأحداث التي تركت جراحاً غائرةً في نفسه، مقتل صديقه المقرب الشاعر الإسباني الكبير فيديريكو جارسيا لوركا عام 1938 على يد جنود الدكتاتور الإسباني «فرانكو»، فضلاً عن مقتل صديقه الآخر، الرئيس التشيلي المنتخب آنذاك سلفادور أليندي، الذي أطاح به قائد الجيش أوجستو بيونشيه، وقتله داخل القصر الرئاسي عام 1973، وقد توفي نيرودا بعد مقتل أليندي ببضعة أيام، وكان آخر الجمل، وربما آخر جملة في كتاب سيرته الذاتية: «لقد عادوا ليخونوا تشيلي مرة أخرى».

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:



في ظل مبادرات السلام.. توكل كرمان تدعو إلى المزيد من الاقتتال في ليبيا!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

أثارت الناشطة اليمنية توكل كرمان، جدلاً واسعاً بتغريدة نشرتها على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، تدعو فيها إلى المزيد من الاقتتال في ليبيا، رغم مبادرات السلام الداعية إلى حل الأزمة الليبية دون إراقة المزيد من الدماء، والتي كان آخرها "إعلان القاهرة".
وكتبت توكل كرمان على "تويتر"؛ "لا بد من بنغازي وإن طال السفر واشوقاه لعاصمة ثورة فبراير الليبية"، في دعوة إلى تسعير الحرب بين الليبيين حتى تصل ميليشيات حكومة الوفاق المدعومة من مرتزقة أردوغان إلى "بنغازي".

وتثير الناشطة اليمنية المقيمة في تركيا، توكل كرمان، الجدل من وقت لآخر بتغريدات تحث على الفوضى والعنف وتُحرّض على الفتن في الدول العربية، انطلاقاً من علاقتها المتينة مع تنظيم الإخوان المسلمين ومع دول مثل تركيا وقطر، خاصة وأنّها تعتبر نفسها "داعية سلام".

دعت كرمان إلى تسعير الحرب في ليبيا رغم مبادرات السلام الداعية إلى حل الأزمة دون إراقة المزيد من الدماء والتي كان آخرها إعلان القاهرة

وتعيد تغريدة كرمان الحاثة على الحرب، فتح قضية تعينها مؤخراً ضمن "مجلس مراقبة المحتوى الخاص بفيسبوك"، والذي لاقى رفضاً شديداً من رواد الموقع، الذين رفضوا القرار من خلال وسم "أرفض توكل كرمان في مجلس حكماء فيسبوك"، معتبرين أنّ كرمان غير محيادة وأنّها ستستخدم منصبها لتصفية حساباتها مع خصومها.
وفي السياق الليبي، وافق قائد الجيش الليبي المشير خليفة حفتر، اليوم السبت، على مبادرة لحل الأزمة في ليبيا أعلنها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بعد محادثات جمعتهما مع رئيس البرلمان الليبي عقيلة صالح في القاهرة، وتتضمن وقفاً لإطلاق النار يدخل حيز النفاذ اعتباراً من صباح الإثنين، وفق ما أوردت شبكة فرانس 24.

أعلن الرئيس المصري في مؤتمر صحفي عن المبادرة التي تشتمل على احترام كافة المبادرات والقرارات الدولية بشأن وحدة ليبيا

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في مؤتمر صحفي، مع المشير حفتر والمستشار عقيلة صالح، عن المبادرة التي تشتمل على احترام كافة المبادرات والقرارات الدولية بشأن وحدة ليبيا، مشيراً إلى أنّها تتضمن وقفاً لإطلاق النار، وتفكيك الميليشيات وتسليم أسلحتها.
ونصت المبادرة على الارتكاز على مخرجات مؤتمر برلين، والتي ينتج عنها حل سياسي وأمني واقتصادي شامل، واستكمال أعمال مسار اللجنة العسكرية 5+5 بجنيف برعاية الأمم المتحدة، مع إلزام المنظمات الدولية بإخراج المرتزقة الأجانب والإرهابيين من كافة الأراضي الليبية، وتسليم الميليشيات أسلحتها، حتى يتمكن الجيش الليبي بالتعاون مع الأجهزة الأمنية، من تحقيق الأمن والاستقرار في ربوع البلاد.

للمشاركة:

الإمارات ترسل مساعدات إلى موريتانيا لدعمها في مواجهة فيروس كورونا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

أرسلت دولة الإمارات العربية المتحدة، اليوم السبت، طائرة مساعدات مُحملة بـ 18 طناً من الإمدادات الطبية والغذائية إلى الجمهورية الإسلامية الموريتانية، لدعمها في مواجهة تداعيات انتشار فيروس كورونا المستجد.

تتضمن المساعدات معدات اختبار وأجهزة طبية وإمدادات غذائية، سيستفيد منها حوالي 10 آلاف عامل في مجال الرعاية الصحية في موريتانيا

وبحسب وكالة أنباء الإمارات (وام)، تتضمن المساعدات معدات اختبار وأجهزة طبية وإمدادات غذائية، سيستفيد منها حوالي 10 آلاف عامل في مجال الرعاية الصحية في موريتانيا.
ويأتي هذا الدعم في إطار الجهود المستمرة التي تبذلها الإمارات في مساعدة دول العالم في جهود احتواء فيروس كورونا المستجد، حيث أرسلت حتى اليوم أكثر من 239 طناً من المساعدات إلى أكثر من 22 دولة، استفاد منها نحو 240 ألفاً من العاملين في المجال الصحي.
من جانبه، قال سفير دولة الإمارات لدى الجمهورية الإسلامية الموريتانية، حمد غانم المهيري؛ "في ظل التحديات التي تواجه العالم اليوم، ثمة فرصة للتكاتف والتعاون بشكل لم يسبق له مثيل من قبل".

وأشار المهيري إلى أنّ نهج دولة الإمارات يعطي الأولوية إلى تلبية الاحتياجات الضرورية في الدول عند تقديم المساعدات؛ "إنّ النهج الذي تتبعه دولة الإمارات في تقديم المساعدات، يعطي الأولوية لتلبية الاحتياجات الضرورية وضمان وصولها إلى كافة مستحقيها دون تمييز".

اقرأ أيضاً: الإمارات تقدم مساعدات جديدة للمملكة المتحدة

في سياق متصل، كان المدير العام لمنظمة الصحة العالمية، الدكتور تيدروس أدهانوم غبريسوس، قد أشاد في  15 نيسان (أبريل) بجهود دولة الإمارات في دعم الدول الأفريقية لمواجهة جائحة كورونا، قائلاً؛ "أود أن أشكر الاتحاد الأفريقي، وحكومتي دولة الإمارات وإثيوبيا، ومؤسسة جاك ما، وجميع شركائنا على تضامنهم مع البلدان الأفريقية في هذه اللحظة الحرجة من التاريخ".

للمشاركة:

المسماري يكشف أسباب انسحاب الجيش من ترهونة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

قال اللواء أحمد المسماري، المتحدث باسم الجيش الليبي، مساء أمس، إنّ ما قام به فايز السراج رئيس حكومة الوفاق مع تركيا هو "انتهاك لسيادة ليبيا".

وأضاف المسماري، خلال كلمته في مؤتمر صحفي عقد أمس، أنّ "الغزاة الأتراك لم يتقيدوا بأي التزام أثناء انسحاب القوات الليبية"، مشيراً إلى أنّ الأتراك قصفوا بـ 6 طائرات مسيرة قوات الجيش الليبي رغم إعلان وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنّ الجيش انسحب من ترهونة لتجنيب المدينة الدمار، وقتل المدنيين الأبرياء، وفق ما نقلت صحيفة "بوابة أفريقيا".

الناطق باسم الجيش الليبي: القوات المسلحة انسحبت من ترهونة لتجنيب المدينة الدمار وقتل الأبرياء

وقال المسماري: "تلقينا مطالب دولية بالتراجع 60 كلم عن حدود طرابلس، وقمنا بالانسحاب من منطقة ترهونة إلى مناطق آمنة".

وتابع: "الغزاة الأتراك لم يتقيدوا بأي التزام أثناء انسحابنا.. والطائرات المسيرة التركية واصلت استهدافنا رغم وقف النار الذي أعلنا عنه".

وأردف: "لن نتمكن من الدفاع عن القوات أثناء وجودها في ترهونة، وسيعرض هذا أيضاً المدينة للدمار بسبب قصف الطائرات التركية المسيرة المكثف".

وتابع: "منذ عام 2014 لم تقاتل قواتنا داخل المدن ولم تحتم بالمناطق المأهولة بالسكان، فهذه أخلاق الطرف الآخر وليست أخلاق القوات الليبية.. بناء عليه صدرت أوامر بالتراجع والانسحاب من ترهونة وإعادة التمركز في منطقة آمنة"

وشدد المسماري على أنّ ترهونة "تعرضت لعصابات إجرامية خطيرة محمية بالقوى التركية"، مشيراً إلى أنّها "نفذت عمليات نهب هناك وتعدت على أملاك وسلامة المواطنين".

المسماري يؤكد أن ترهونة شهدت عمليات قتل وسجن وضرب وقتل، محمّلاً المجتمع الدولي المسؤولية

واستطرد بالقول: "جرت عمليات قتل وسجن وضرب وقتل خارج القانون في ترهونة، أمام مرأى ومسمع الدول الصديقة والأمم المتحدة، التي ضغطت على القوات المسلحة لاتخاذ هذه الخطوة. نحمّل الآن المجتمع الدولي مسؤولية ما يحدث بترهونة، خاصة الدول التي تواصلت معنا".

وأكد المسماري أنّ قوات الجيش الليبي التي انسحبت من ترهونة، هي في "منطقة آمنة الآن حيث يتم تجهيزها وتعويض النقص"، مضيفاً: "هذه معركة الشعب الليبي ضد الغزاة الأتراك والخونة والعملاء.. المعركة ستستمر ولم تنته".

وتابع: "تركيا لا تهمها حكومة الوفاق وغيرها، وإنما يهمها الوصول لمقدرات الشعب الليبي والسيطرة على سوق النفط والغاز.. وقد تم إدخالنا من قبل (رئيس حكومة طرابلس فايز) السراج في هذه اللعبة الدولية".

وحمّل المتحدث باسم الجيش الليبي، السراج، "المسؤولية كاملة لكل ما حدث في ليبيا بعد الاتفاقية التي أبرمها مع أردوغان، والتي أدت إلى إدخال المرتزقة".

للمشاركة:



شهر على "إيريني".. المهمة ترصد انتهاكات بالجملة لأردوغان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

حسام حسن

لم تمنع المهمة الأوروبية "إيريني" تركيا من التحايل عليها واختراق حظر تصدير السلاح لليبيا، وإرسال المرتزقة والأسلحة إلى طرابلس، لتغيير مسار الأحداث على الأرض، وإيجاد موضع قدم لأنقرة ومرتزقتها.

ففي الأول من أبريل/نيسان الماضي، أطلق الاتحاد الأوروبي مهمة "إيريني" لتحل محل مهمة بحرية سابقة للاتحاد الأوروبي، تم إيقاف سفنها العام الماضي وسط نزاع حول أزمة الهجرة بين عواصم اليورو.

وكان طموح بروكسل في بداية المهمة هو مراقبة التزام الأطراف المختلفة بحظر تصدير السلاح لليبيا، الذي فرضه مجلس الأمن في 2011، انتهاء بتحقيق السلام في هذا البلد. واختارت للمهمة العسكرية اسم "إيريني" إله السلام في الحضارة اليونانية.

وشهد 7 مايو/أيار الماضي، إعلان مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيف بوريل، أن الوحدات الأولى المشاركة في مهمة "إيريني"، وتشمل فرقاطة فرنسية وطائرة استطلاع من لوكسمبورج، بدأت العمل بالفعل قرب السواحل الليبية. وتشارك ألمانيا في المهمة بما يصل إلى 300 جندي.

انتهاكات تركية لا تنتهي
وبعد مرور شهر كامل على العمل الفعلي لـ"إيريني"، لا تزال تركيا ترسل الأسلحة الثقيلة والطائرات بدون طيار والمرتزقة السوريين بلا عوائق إلى طرابلس.

وتسعى تركيا بصورة واضحة لتحقيق مصالحها الاستراتيجية في ليبيا، المتمثلة في تمكين حلفاها من الأرض ووضع قدم على ساحل المتوسط لتقوية موقفها في نزاع احتياطات الغاز، لذلك ترفض أنقرة وقف إطلاق النار الكامل والتوزيع العادل للسلطة والموارد في ليبيا، وفق صحيفة "نويه زوريشر" تسايتونغ، كبرى الصحف السويسرية الناطقة بالألمانية.

وخلال الأسبوعين الماضيين، كثفت تركيا انتهاك حظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وأرسلت 10 طائرات شحن عسكرية إلى طرابلس.

ونقلت صحيفة هاندلسبلات الألمانية المرموقة عن مصادر أوروبية رفيعة لم تسمها: "الجنود المشاركون في المهمة الأوروبية ينظرون للسماء الآن، بعد أن كثفت أنقرة نقل الأسلحة إلى ليبيا جوا".

وأضافت: "خلال الأيام الماضية، أرسلت تركيا 10 طائرات شحن عسكرية محملة بالسلاح إلى طرابلس"، مضيفة: "تم رصد الطائرات العشر في مطار إسطنبول قبل إقلاعها إلى طرابلس".

وفي بيان، أعلن الجيش الليبي، قبل أيام، أن سفينة شحن تركية وصلت ميناء مصراته غربي ليبيا، يوم 28 مايو/أيار الماضي، وأفرغت حمولة من دبابات ((M60.

وتابع: "المريب، هو تزامن حركة السفينة مع حركة فرقاطات تركية كانت قريبة منها".

وكانت صحيفة تاجس تسايتونج الألمانية نقلت مؤخرا عن مصادر أممية أن فريق الأمم المتحدة المعني بمراجعة امتثال الأطراف المختلفة لقرار حظر تصدير السلاح، رصد في الفترة بين يناير/كانون الثاني وأبريل/نيسان 2020، اختراق سفينتين حربيتين تركيتين للقرار، ونقل سفن حاويات تركية لمنظومة صواريخ الدفاع الجوي "كوركوت" ومدرعات إلى طرابلس.

وفي إفادة لـ"العين الإخبارية"، أقرت الخارجية الألمانية بوقوع اختراقات لحظر تصدير السلاح إلى ليبيا، وقالت: "في الإعلان الختامي لمؤتمر برلين، التزم جميع الموقعين بالامتناع عن تصدير الأسلحة".

وتابعت: "ندعو جميع الأطراف إلى احترام حظر تصدير الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة وعدم تأجيج الصراع".

ماذا تفعل إيريني؟
خافير زيفر، المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي لشؤون السياسة الخارجية والأمن، قال بدوره في تصريحات لـ"العين الإخبارية": "تتمثل مهمة إيريني الأساسية في تنفيذ حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة من خلال الوحدات البحرية والجوية والأقمار الصناعية".

وتابع: "بعد أسابيع قليلة فقط من بدء الأنشطة في البحر، أثبتت المهمة بالفعل قيمتها المضافة، وتبادلت هذه العملية معلومات قيمة مع فريق خبراء الأمم المتحدة حول تهريب النفط ومنع بعض السفن من المشاركة في هذه الأنشطة غير القانونية".

فيما نقلت صحيفة نويه زوريشر السويسرية عن مصادر لم تسمها الجمعة "إن مهمة إيريني لم تحدث تأثيرا في ملف حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا حتى اليوم".

وتابعت: "تركيا تنقل الأسلحة الثقيلة والمسلحين جوا وبحرا باستمرار إلى ليبيا رغم بدء المهمة عملها قبل أسابيع".

كما أن هناك العديد من نقاط الضعف في عمل مهمة إيريني، أولها هل تملك سفن المهمة حق الاشتباك مع السفن التي تنقل الأسلحة إلى ليبيا؟، وهل يمكن أن تشتبك مع سفن تحرسها فرقاطات من البحرية التركية؟

وفي بروكسل وروما، حيث تتواجد قيادة إيريني، حاولت "العين الإخبارية" الحصول على إجابات لهذه التساؤلات، وتواصلت مع المسؤولين عن الإعلام في المهمة، وهما ايلوسيا كوفيلي، وفينسنسيو دي انا، ولم تحصل على رد.

فيما قالت صحيفة نويه زوريشر السويسرية إنها "حاولت طرح تساؤلات عن قواعد الاشتباك في مهمة إيريني على قيادتها، لكنها تلقت ردا واحدا: هذه معلومات حساسة من الناحية العسكرية".

بدوره، قال الخبير المتخصص في الشأن الليبي، ولفرام لاشر في تصريحات للصحيفة السويسرية: "استخدام الاتحاد الأوروبي القوة لفرض حظر تصدير الأسلحة إلى ليبيا، أمر غير وارد".

ومضى في حديثه: "تحتفظ بعثة إيريني بالحق في إيقاف السفن وتفتيشها، لذلك تتمثل مهمتها الأساسية في جمع المعلومات حول عمليات تصدير الأسلحة، وكذلك تهريب النفط"، مضيفا: "فكرة المهمة الأساسية هي رصد وإدانة انتهاكات حظر تصدير السلاح".

ولم يرغب الخبير في الحديث عن "فشل المهمة بشكل نهائي"، لكنه نصح بـ"ابقاء التوقعات منخفضة، حيث سيكون من الصعب أن تنفذ إيريني المطلوب منها".

ورغم الصعوبات التي تواجه إيريني، قال مسؤول أوروبي في تصريحات لـ"العين الإخبارية" مفضلا عدم ذكر اسمه: "لم يحدد المجلس الأوروبي أي جلسة لمناقشة أداء المهمة أو نتائجها".

من المستفيد؟

ومع صعوبة فرض حظر تصدير السلاح، تعمل تركيا بشكل مستمر على إرسال الأسلحة الثقيلة والطائرات المسيرة والمرتزقة بحرا وجوا إلى ليبيا، حسب "نويه زوريشر تسايتونغ"، إلى حد باتت معه أنقرة المستفيد الأكبر من هذا الوضع.

وفي بداية العام، كان وضع ميليشيات الوفاق ميئوسًا منه، واليد العليا للجيش الليبي الذي تقدم على الأرض حتى دخل محيط العاصمة طرابلس. ولكن تدخل تركيا وتصديرها السلاح بلا سقف إلى ليبيا، أعاد خلط الأوراق مرة أخرى، حسب صحيفة بيلد الألمانية "خاصة".

وقال أندرياس كريج الخبير في الشأن الليبي من كلية كينجز كوليدج في لندن للصحيفة ذاتها "إن تدخل تركيا كان حاسماً في نتيجة معركة طرابلس".

وتابع: "مهدت الطائرات بدون طيار وأنظمة الدفاع الجوي التركية، الطريق أمام ميلشيات الوفاق لصد الجيش الوطني الليبي".

وأضاف: "منذ بدء الهجوم الأخير على طرابلس في أبريل/نيسان 2019، لم يكن لدى قوات الوفاق أي فرصة ضد الجيش الليبي" لكن أسلحة ومرتزقة أنقرة منحوها الأمل.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

3 أعوام من عزلة قطر: الاستقواء بأردوغان لا يرمم الخسائر

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

الحبيب الأسود

تدخل المقاطعة العربية لقطر اليوم عامها الرابع، بينما تؤكد أغلب المؤشرات أن الحل لا يزال بعيدا، وأن النظام القطري باق في عزلته داخل محيطه، بسبب استمراره في المكابرة، وعجزه عن مراجعة مواقفه العدوانية تجاه أشقائه نتيجة خضوعه التام لمشروع جماعة الإخوان التي تهيمن على قراره السياسي وطاقم المستشارين المستورد المستفيد من الوضع الحالي، والتحالف مع المشروع الأردوغاني العثماني الجديد، استجابة لرغبة بالبحث عن دور كبير في منطقة الخليج أو المنطقة العربية.

وأعلنت أربع دول عربية هي السعودية والإمارات والبحرين ومصر في الخامس من يونيو 2017 مقاطعتها للنظام القطري، بعد أن أخل ببنود اتفاقية الرياض للعام 2013، وعلى رأسها عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية بشكل مباشر أو غير مباشر وعدم إيواء أو تجنيس أي من مواطني المجلس ممن لهم نشاط يتعارض مع أنظمة دوله، إلا في حال موافقة دوله وعدم دعم الفئات المارقة المعارضة لدوله وعدم دعم الإعلام المعادي، وعدم دعم الإخوان المسلمين أو أي من المنظمات أو التنظيمات أو الأفراد الذين يهددون أمن واستقرار دول المجلس عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم قيام أي من دول مجلس التعاون بتقديم الدعم لأي فئة كانت في اليمن ممن يشكلون خطرا على الدول المجاورة لليمن.

ثم وقع النظام القطري على بنود الاتفاقية التكميلية للعام 2014 ومنها امتناعه عن دعم الجماعات المعارضة والعدائية في دول مجلس التعاون الخليجي بالإضافة إلى اليمن ومصر، وعدم إيواء أو توظيف أو دعم – بشكل مباشر أو غير مباشر – في الداخل أو الخارج أي شخص أو أي وسيلة إعلامية ممن له توجهات تسيء إلى أي دولة من دول مجلس التعاون.

أكدت الوثيقة ضرورة التزام كل دولة باتخاذ كافة الإجراءات النظامية والقانونية والقضائية بحق من يصدر عن هؤلاء أي تجاوز ضد أي دولة أخرى من دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، بما في ذلك محاكمتهم، وأن يتم الإعلان عن ذلك في وسائل الإعلام. وكذلك التزام كافة الدول بنهج سياسة مجلس التعاون لدول الخليج العربية لدعم جمهورية مصر العربية والإسهام في أمنها واستقرارها والمساهمة في دعمها اقتصاديا، وإيقاف كافة النشاطات الإعلامية الموجهة ضد مصر في جميع وسائل الإعلام بصفة مباشرة أو غير مباشرة بما في ذلك ما يبث من إساءات على قنوات الجزيرة، وكذلك السعي لإيقاف ما ينشر من إساءات في الإعلام المصري.

لكن الدول الأربع تأكدت بما لا يدع مجالا للشك أن قطر لم تلتزم بأي من تعهداتها السابقة، واختارت الاستمرار في مراوغاتها وتآمرها على أمنها القومي بالتحالف المعلن مع القوى الإقليمية ذات الأهداف التوسعية على حساب الدول العربية وبدعم الجماعات المتطرفة العاملة في هذا الاتجاه، وتحريك الخلايا التخريبية بهدف بث الفوضى في المجتمعات الآمنة، وتجييش أبواقه الإعلامية وجيوشه الكرتونية للمساس من الأنظمة ورموزها، وتحويل الدوحة إلى مركز لتصدير المشاريع العدوانية والترويج لمخططات الفوضى الهدامة على غرار ما سمي بثورات الربيع العربي، معتمدا في ذلك على تيارات الإسلام السياسي ودعاة العنف والتكفير وتزوير الحقائق وفبركة الوقائع لبلورة رأي عام محلي وإقليمي ودولي ضد الأنظمة التي يرى أنها تعرقل خطواته لتعميم حالة الخراب الممنهج.

الالتفاف على الشروط
عندما أعلنت الدول الأربع في الخامس من يونيو 2017 قرارها بمقاطعة قطر، طرحت عددا من الشروط للتراجع عن ذلك القرار من ذلك قيام قطر بالإغلاق الفوري للقاعدة العسكرية التركية الجاري إنشاؤها آنذاك ووقف أي تعاون عسكري مع تركيا داخل الأراضي القطرية، وإعلان قطر قطع علاقاتها مع جميع التنظيمات الطائفية والأيديولوجية وعلى رأسها تلك التنظيمات التي تهدد مملكة البحرين وغيرها من منظمات وردت في قائمة المنظمات التي تدعمها قطر ومن أبرزها جماعة الإخوان وداعش والقاعدة وفتح الشام (جبهة النصرة سابقا) وحزب الله اللبناني، وإدراجها ككيانات إرهابية وضمها إلى قوائم الإرهاب وإقرارها بتلك القوائم والقوائم المستقبلية التي سيعلن عنها.

كما شملت المطالب إيقاف جميع أشكال التمويل القطري لأفراد أو كيانات أو منظمات متطرفة، وكذلك المدرجين ضمن قوائم الإرهاب في الدول الأربع، والقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها، وقيام قطر بتسليم جميع العناصر الإرهابية المدرجة والعناصر المطلوبة لدى الدول الأربع، والعناصر الإرهابية المدرجة بالقوائم الأميركية والدولية المعلن عنها والتحفظ عليها وعلى ممتلكاتها المنقولة وغير ‎المنقولة إلى حين التسليم، وعدم إيواء أي عناصر أخرى مستقبلا والالتزام بتقديم أي معلومات مطلوبة عن هذه العناصر خصوصا تحركاتها وإقامتها ومعلوماتها المالية وتسليم كل من أخرجتهم قطر بعد قطع العلاقات وإعادتهم إلى أوطانهم، بالإضافة إلى إغلاق قنوات الجزيرة والقنوات التابعة لها.

وحاولت قطر أن تلتف على تلك الشروط ضمن خططها المعهودة بالانقلاب على التزاماتها وتعهداتها، وأن تخترق الصف المقاطع باستمالة طرف دون آخر، وقامت بتحركات على مستوى العالم بأسره بحثا عن منفذ للضغط على الدول الأربع حتى تتجاوز عن سوابقه بفتح صفحة جديدة، دون أن تنضبط للشروط، أو تستجيب للمطالب، واتجه أمير قطر إلى العواصم الكبرى كواشنطن وموسكو وبرلين ولندن وباريس وغيرها معتمدا على دبلوماسية الصفقات في محاولة منه لكسب دعم دولي ضد ما وصفه بـ"الحصار الذي يستهدف بلده"، لكنه فشل في تحقيق أي من أهدافه.

وحاولت قطر أن تعوض ذلك بالتبعية للنظامين التركي والإيراني، لتقع في دائرة الخطأ مرة أخرى بالكشف عن طبيعة تحالفاتها، التي لا تخرج عن دعم التطرف والسعي إلى اختراق الدول العربية، ولتجد نفسها في موقع المتحالف مع أردوغان علنا والممول لمشاريع الملالي سرا.

فشل قطري

أدى فشل قطر في الضغط إقليميا ودوليا لرفع العقوبات العربية عنه، إلى توسيع دائرة نشاطه في المراهنة على قوى الإسلام السياسي بشقيها السني والشيعي ودعم الجماعات المتطرفة، وصلت إلى دول غربية كالولايات المتحدة وإيطاليا وإسبانيا وفرنسا، من خلال تجنيد جاليات مسلمة واللعب على حبال الأقليات، وذلك ضمن مشروع إنغماسي داخل المجتمعات الأخرى، بحثا عن دور يتجاوز حجمه الجغرافي والسياسي والحضاري.

أما في داخل قطر، فتم تهميش الشعب القطري بشكل غير مسبوق، وتعرضت الأفواه للتكميم والحقائق للتعتيم واستشرى الفساد في ظل الاستقواء بالأجنبي على حساب أبناء البلد، وتم تقسيم أراضي الشعب القطري على ضيق مساحتها لتتحول إلى مقسمات لاحتضان القواعد الأجنبية الجديدة أو توسيع السابق منها.

وبسبب المقاطعة والعزلة، تحولت قطر إلى دولة تواجه صعوبات مالية واقتصادية، حيث تعاني من أزمة في القطاع السياحي وشح الاستثمارات وانهيار منظومة الخدمات ومنها الطيران، وارتفاع تكاليف المواد المستوردة من الدول البعيدة بعد أن كانت تصلها من الدول الجارة، ونتيجة الابتزاز التركي المكشوف، وصرف موازنات ضخمة على شراء الولاءات أو عقد الصفقات غير المبررة وخاصة في مجال التسليح لنيل رضاء الدول الكبرى، وهو ما أثر على الوضع الداخلي الذي يمكن الاكتفاء لتفسيره بوضع العمال الأجانب وخاصة في مشاريع بنية كأس العام 2022 بعد مرور أشهر طويلة دون حصولهم على رواتبهم، وعندما فاجأ فايروس كورونا المستجد قطر، ثبت عجز السلطات عن مواجهته، فتم تسجيل نسب من الإصابات تعتبر من الأعلى عالميا مقارنة بعدد السكان وإمكانيات الدولة.

وبنظرة خاطفة، يمكن التأكيد على أن قطر اليوم لم تعد هي ذاتها قطر ما قبل 5 يونيو 2017، فكل شيء يتراجع إلى الوراء بما يعلن نهاية قصة النهضة والازدهار والرفاه، كما أن التحولات العالمية الكبرى في مجالات إنتاج وتصدير الغاز باتت تهدد الطفرة المالية، كما أن العلاقات الدولية تمر بفترة ركود، لا يغطيها إلا الاندفاع إلى أحضان أردوغان وتمويل وتبني مشاريعه التخريبية في المنطقة، أو الالتحاف بعباءات النظام في طهران بحثا عن وساطات ميؤوس منها مع الغرب للظهور في صورة النظام القادر إقليميا على حل الأزمات.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

كشف أسرار عن مروان البرغوثي ومحمد ضيف ويحيى السنوار

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-06-06

بن كسبيت

يواصل اسحق إيلان "الجورجي"، نائب رئيس الشاباك السابق، الحديث عن بعض أسرار عمله في "الشاباك"، ويتحدث في هذه الحلقة عن كل من محمد ضيف، مروان البرغوثي ويحيى السنوار كما عرفهم.

تصفية بصمت
تحدثنا في الفصل الأول عن تصفية المهندس يحيى عياش، التي كان يفترض بها أن توقف الإرهاب. ولكن عمليات التفجير استمرت بعده بقوة. العملية في ديزنغوف سنتر مثلاً. هل كانت هذه انتقاما لتصفية عياش؟

"لا. كي نتحدث عن ديزنغوف سنتر، يجب العودة الى بيت ليد. أتذكر العملية في بيت ليد؟".

واضح، لا يمكن النسيان.
"كان هناك مخربان انتحاريان تفجرا بفارق 3 دقائق. في التحقيق تبين أن هذه صدفة. فقد وصلا معاً، ولكن أحدهما علق في الإشارة الضوئية للمشاة فوصل الى تجمع الجنود في المفترق متأخراً. هذا هو السبب الذي جعلهما لا يفجران نفسهيما معاً. كانت هذه عملية مخيفة، من اقسى العمليات. الانتحاريان جاءا من غزة. فقد تظاهرا بأنهما ضريران، وخرجا لتلقي العلاج الطبي. وكان يفترض بالعملية أن تكون ثلاثية وليس ثنائية، ولكن احد الانتحاريين لم يصل. من خطط العملية كان رئيس الجهاد الإسلامي في غزة. وقد أبقى نفسه في الظلال ولم يعرف أحد بوجوده. أما نحن فكنا نعرف. تخوفنا من أن يكون هناك مزيد من العمليات على الطريق. كانت أحاديث عن عملية ثلاثية. في النهاية، وبفضل عمل ألمعي لمسؤولنا في غزة، اكتشفناه وصفيناه بصمت. هذا لم ينشر أبداً. وجاءت العملية في ديزنغوف سنتر انتقاماً لهذه التصفية، وليس لتصفية يحيى عياش".

لم أفهم. رئيس "الجهاد الإسلامي"، فتحي الشقاقي، صفاه في مالطا "الموساد" في تشرين الاول 1995 بعد عشرة اشهر واربعة ايام من العملية في بيت ليد. أتتحدث عن هذا؟
"لا. أنا اتحدث عن رئيس الجهاد الاسلامي في غزة. لم يعرف احد بوجود هذا الشخص. اكتشفناه وصفيناه بصمت. وهذا لم ينشر حتى اليوم".

هل ضاع أجرنا عبثاً، إذاً؟ أنت نفسك تقول ان ديزنغوف سنتر هو انتقام لهذا.
 "لا مفر. الحرب ضد الإرهاب ليست مخيماً صيفياً. هذا الرجل كان في الطريق الى تنفيذ عملية ثلاثية خطيرة جدا مع عبوات تزن اكثر من 15 كيلوغراما. بالمناسبة، امسكنا بالعبوة أيضاً. عندما تكون تعرف هذا مسبقاً، لا يمكنك الا تصفيته".

بالمناسبة، في كل التقارير عن العملية في ديزنغوف وكذا في ويكيبيديا مكتوب أن المخرب من ديزنغوف سنتر كان رجل "حماس"؟
 "إذاً، هكذا كتب. دليل آخر على انه محظور الاعتماد على ما ينشر في الشبكة. أبلغك بأنه كان رجل الجهاد. وكان هذا انتقاماً لتصفية رجل الجهاد في غزة. انا كنت في الخارج في حينه، عدت الى البلاد قبل يومين من ديزنغوف سنتر. جاء بالمخرب الى تل أبيب سائق عربي اسرائيلي. وقد حكم في المركزية في الناصرة، وتلقى 15 سنة سجن. وشهدت في محاكمته. وعلى حد قوله كان هرّب عاملاً جاء لينال الرزق. كان هنا لأسفي إهمال كبير من الجيش. فقد جلب المخرب في شاحنة رمل كبرى. وروى المخرب له انه يحتاج ليستعيد ديناً من احد ما شغله في تل أبيب. وعندما اقتربا من ديزنغوف، اخرج زجاجة عطر صبها على رأسه وأجرى تطهيراً. وهذا دليل واضح على من يعتزم الانتحار. كل مسلم يفهم هذا. ولكن السائق تجاهل. انزل، لم يبلغ أحداً وابتعد. بل انه سمع الانفجار. في المحاكمة حاول التبرؤ من الفعلة قائلاً: لم أعرف، لم أسمع، لم أتصور. اما نحن فكنا نعرف أنه يعرف. بل انه حصل من المخرب على دفعة اعلى بعشرة أضعاف من التعرفة العادية لتسفير عامل".
هل كان هناك إخطار قبل العملية؟
 "كانت لنا معلومة بأن هذا السائق يهرب عمالاً الى إسرائيل. وكانت هناك نية للتحقيق معه. لم نتمكن. قبل عشرين دقيقة من العملية كان لنا إخطار بأنه يوجد انتحاري داخل تل أبيب".

عملية ألمبي
ماذا يمر عليكم في مثل هذا الوضع؟ اليوم توجد وسائل خاصة متطورة ولكن قديماً كان كل شيء هاماً أكثر. فماذا تفعل في هذه العشرين دقيقة؟
 "تكون متحفزاً كالرفاص. تتركز أفكارك على كيفية منع العملية. حصل لنا مرات عديدة أن نجحنا. ومرات اخرى لم ننجح. عندما تكون أنت القائد تتركز الانظار اليك وعليك أن تتخذ القرارات وتبدي حساً قيادياً. عليك أن تقرر أي الطرق تغلقها، لمن تستمع واي وكلاء تستخدم وأين تستخدم الشرطة والجيش، على من تطلق النار وعلى من لا تطلق النار، ما العمل. والمثال الأفضل هو العملية التي أحبطت في ألمبي".
إروِ لي عنها.
 "نحن نتحدث عن بداية الانتفاضة الثانية. المخرب زياد الكيلاني من قرية سيريس قرب جنين. ومساعدته، التي كانت زوجته ايضا، يهودية مهاجرة جديدة من روسيا تدعى انجليكا يوسفوب. عمليته الأولى كانت طعن ضابط من الجيش، يعقوب بن ديان، في سوق الكرمل في تل أبيب. أصيب الضابط بجراح خطيرة وتمكن الكيلاني من الفرار. بعد ذلك أعد عبوتين ناسفتين. الأولى زرعها في بسطة شاورما في منطقة شارع ألمبي. عرفنا ذلك، وشخّص خبراء المتفجرات في الشرطة العبوة وفجروها في المكان. في هذه الأثناء هرب الكيلاني ومعه العبوة الثانية، في سيارة عمومية من نوع ترانزيت الى العفولة. تمكنا من معرفة موقعه بالتقريب. اغلقنا حركة السير على المحور الذي كان فيه. سألني رجلي الميداني ما العمل؟ وصفت له الكيلاني بالتفصيل. قلت له في اللحظة التي يراه فيها فلينزل السيارة عن الطريق بكل ثمن ويبعدها لأن معه عبوة كبيرة. ولحظنا المتعثر كان يجلس في السيارة. ولن أنسى هذا. رجلنا الميداني روى لي انه ما ادخل رأسه الى الترانزيت حتى شخصه. فقد تقاطعت نظراتهما. كان يجلس خلف السائق. من تلك اللحظة لم يتذكر رجلي شيئا. اذ ان الكيلاني فعل العبوة التي كانت تحت مقعد السائق. قطعت ساقاه وكذا احدى يديه وعين واحدة ولكنه نجا. اما السائق، شاب يسمي كلود كنا فقد قتل".

ماذا كان مصيره؟
 "تحرر في صفقة شاليت، فماذا تظن. المساعدة يوسفوب فبقيت في السجن لتقضي حكومتها حتى النهاية. فقد حكمت 18 سنة. نوع من المفارقة. كانت تعرف انه مخرب، ساعدته، اخفته واخفت العبوات، زودته بالسكين، كانت تعرف كل شيء".

محمد ضيف
قل لي، كي لم نصفِ محمد ضيف حتى الآن؟

 "مرة على الاقل هو مدين بحياته لشمعون بيريس. في اليوم الذي صفينا فيه عياش، جاءت معلومة عن مكان تواجد ضيف، مع مسؤولي إرهاب آخرين من غزة. طلبنا الإذن لتصفيته من الجو. لم يأذن رئيس الوزراء بيريس. تخوف من تصفيتين كهاتين في اليوم ذاته. تخوف من ان يكون هناك مصابون ابرياء. في حينه دخل ديختر الى رئيس الأركان، أمنون ليبكن- شاحك، الذي أحبه بيريس جدا وقال له اذهب اليه وقل له إننا ملزمون بشطبه. اما ليبكن الذي فهم الأمر، فترك كل شيء، ذهب لبيريس، تلقى منه الإذن، ولكن الى أن حصل هذا كان ضيف غير مكانه وضاعت الفرصة".

حسناً، هذا لا يعني أننا كنا محظوظين أكثر في مرات اخرى. حاولنا شطبه مرات لا تحصى؟
 "صحيح. ودوماً يوجد جدال عن الضرر الجانبي. ذات مرة كان فيها كل رؤساء حماس. كل رؤوس الأفعى، في البيت ذاته في غزة. وقنبلة واحدة كانت ستنظف لنا كل قيادة حماس لأجيال. كان هناك جدال، وفي النهاية أقرت قنبلة صغيرة وليست كبيرة، فخرجوا بسلام".
أتذكر هذا. كنا في حينه تحت تأثير تصفية صلاح شحادة الذي قتل فيها 15 بريئا بينهم 8 طفال بعد أن القى سلاح الجو قنبلة بوزن طن. وقد استخلصنا الدروس؟
"صحيح. ولكن هذا استخلاص مغلوط للدروس. هذا هو الدرس غير الصحيح".

مروان البرغوثي
ماذا تعتقد حول القول انه كان من الخطأ اعتقال مروان البرغوثي وانه الفلسطيني الوحيد القادر على الحديث معنا عن تسوية؟

"هراء. البرغوثي قاتل شرير، وليس لديه أي إمكانية للقيادة. صدقني. هذا الرجل يجلس مع خمس مؤبدات، وعن حق. قبل الانتفاضة أخرج خلايا مخربين من الاردن قتلوا ضمن آخرين تسفي كلاين. كنت أنا بين أولئك الذين اعتقلوه. هو مخرب قديم وكثير الأفعال. على اسمه خمس عمليات".

سيقال لك ان السلام يصنع مع الأعداء وهناك حاجة لعنوان يمكنه أن يوفر البضاعة؟
"انصت لي. البرغوثي هو شخص متطرف للغاية. من الوهم القول انه براغماتي. حتى لو كان يبث براغماتية، من اللحظة التي يخرج فيها ليصبح زعيما سيختفي هذا. في اجواء اليوم لا يوجد زعيم فلسطيني يمكنه أن يتنازل عن حق العودة".
أنت لست قاطعاً جداً؟ في "يهودا" و"السامرة" يوجد هدوء نسبي منذ وقت طويل.
"الهدوء يسود بفضل الشاباك والسيطرة العملياتية للجيش الإسرائيلي. من يدعي بان الفقر يتسبب بالإرهاب يكذب".

يحيى السنوار
هل تعرف يحيى السنوار؟

"نعم أعرفه على نحو ممتاز. بل التقيته في السجن ايضا. سألني اي لغة اريد أن أتحدث بها. العبرية أم العربية، ففضلت العربية، إذ نقلت له بضع رسائل مهمة. هو عدو مر، متوحش، حكيم وذكي. انظر، منذ حل محل الرجل الهزيل، اسماعيل هنية، كل مشروع التظاهرات على الجدار من عمله. البالونات، الطائرات الورقية، خلايا الازعاج الليلي. لقد نجح في أن يحقق لـ "حماس" إنجازات غير مسبوقة باستخدام أدوات من العصر الحجري. هذا مذهل. لقد كان قائد الخلية الاولى تحت قيادة احمد ياسين. قتل عملاء بيديه. هو متوحش على مستوى لا يصدق. انت لا تريد أن تعرف بأي طرق قتلهم".

هل يوجد ما يمكن الحديث فيه معه؟
"على المستوى السياسي، لا. هذا خطأ. هو يعرفنا على نحو ممتاز. من كل الجوانب. يقرأ "يديعوت" و "معاريف"، خبير في المجتمع الإسرائيلي بكل تفاصيله. أخوه الأكبر، محمد السنوار، كان قائد اللواء الجنوبي في خان يونس".

هل الأخ حي؟
"نعم. هو أيضا مدين بحياته لأحد ما عندنا".

وهل هناك عربي في غزة ليس مديناً بحياته لأحد ما عندنا؟
"عندما كان عامي ايالون رئيس الجهاز، جئت اليه بخطة لشطب السنوار الكبير. لم يقرها. برأيي لم يرتفع هذا حتى الى المستوى السياسي".

أما أنا بالذات فانطباعي هو أن السنوار ينتمي لجيل آخر يمكن عقد الصفقات معه. فهو يفهم احتياجات جمهوره في غزة على نحو ممتاز. يعرف انه بالعنف لن نحققها؟
"يقال عن هذا بالعربية هلوسة. ليتك تكون حقا، ولكن لأسفي انت مخطئ".

لماذا؟ انظر فهم يتحدثون الآن عن صفقة اسرى، يطلبون اجهزة تنفس. افلا يمكن الوصول الى تهدئة لعشر سنوات؟
"سيكون هذا خطأ. كل نهجنا تجاه قطاع غزة هو مساومة خاطئة. بعد تصفية بهاء أبو العطا، فتحوا النار وتطورت مواجهة. ردا على ذلك قتلنا منهم 25 نشيطا. أتعرف ما كان ينبغي عمله؟ ان نقتل 2500 نشيط. هكذا فقط سيكون هدوء في غزة. هذا هو السبيل الوحيد، لشدة الأسف".

اذاً، ما الحل؟
"يجب احتلال غزة مثلما فعلنا في يهودا والسامرة. لا يوجد سبيل آخر. لا توجد اختصارات للطريق. قلت هذا ايضا لبوغي في حينه".
استعراض الجيش الإسرائيلي الإلكتروني في "الجرف الصامد" تحدث عن 500 جندي قتيل على الاقل؟
"هراء. لا اقبل هذا. هكذا تحدثوا ايضا في يهودا والسامرة قبل السور الواقي. عندما تجر الارجل، تدخل وتخرج، تتعرض للخسائر. اما عندما تقرر أن تحتل، فهذا يبدو مختلفا تماما. صدقني. كنت مستشار لجنة الخارجية والامن في فترة الجرف الصامد. كان هذا مخزيا. أفرغت مخازن كاملة من القذائف الموجهة على فتحات الأنفاق. فماذا أفاد هذا؟ كان هناك خلل رهيب. عندما يقول نتنياهو انه وافق على كل اقتراحات وقف النار في أثناء الحملة، ولم يقصد حقا، أقول لك هذا كذب وبهتان. إسرائيل قالت نعم لكل حالات وقف النار. وهذا عار. لا يوجد اختصارات للطريق في هذه القصة. يجب الدخول الى غزة وتنظيفها من الصواريخ. إعداد خطة مرتبة. وستكون الخسائر أقل بكثير مما يخيل لك".

مصدر الترجمة عن العبرية: "معاريف" /نقلاً عن "الأيام" الفلسطينية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية