كيف يتحرر التاريخ من الشرّ؟

كيف يتحرر التاريخ من الشرّ؟
أحمد برقاوي's picture
كاتب ومفكر فلسطيني
4104
عدد القراءات

2019-02-05

إذا كان الإنسان في حقيقته ذئباً لأخيه الإنسان، كما قال هوبز، فإنّ العيش بين البشر أمر مستحيل دون لجم الذئبية فيهم، والتي ترتدي أشكالاً متعددة من العنف .
وحتى يكون السلْم والصلح بين الناس ممكناً، فقد صاغ البشر جملة من القيم المشتركة، صارت مع الأيام جملة من المعايير يتوجب الالتزام بها .

الاستسلام لاستمرار الشرّ الواقعي أمر يمنح الشرّ القدرة على إفساد الحياة المجتمعية والبشرية

فقيم المحبة والإيثار والتعاطف والسلم والأمان والتعاون والصدق والوفاء وما شابهها، فضلاً عن ذم الكذب والخداع والقتل وكل أنواع الإيذاء، كل هذا من أجل الحد من الذئبية. ولقد اشترك في صياغة هذه القيم بأحكام واضحة حكماء ما قبل الميلاد والفلاسفة والأنبياء، وصيغ بعضها في جملة قوانين ملزمة للسلوك.
لكنّ البشرية لم تبرأ من الذئبية ومظاهرها، فما تزال الحروب منذ نشأة المجتمعات حتى الآن مستمرة، سواء أكانت حروباً أهلية أو حروباً بين الدول، وأيضاً الصراعات على الثروة لم تنته؛ بل أُضيفت إليها الصراعات الناتجة عن المعتقدات والأيديولوجيات النافية لبعضها، وفي الحقيقة؛ إنّ القوة والمصلحة ونزعة الهيمنة والتسلط ما تزال أكثر التعبيرات عن الذئبية البشرية، سواء تعينت هذه الذئبية في سياسات الدول أو في جماعات عنفية، أو في أنظمة مستبدة حاكمة.

اقرأ أيضاً: الاستقامتان العقلية والأخلاقية إذ تصدران عن ضمير حي

وفي الواقع؛ إنّ الاستسلام لاستمرار الشرّ الواقعي، بكلّ صوره الواقعية والممكنة، أمر يمنح الشرّ القدرة على إفساد الحياة المجتمعية والبشرية، ولا حاجة هنا إلى ضرب الأمثال عن حضور الشرّ في عالمنا؛ قديمه وحاضره؛ فمجرّد التأمل في حال عالمنا المعاصر، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، يخلق من الدهشة ما لم يخطر على بال؛ فشرقنا العربي غارق في محنة الاقتتال الذي يرتدي ثوباً مذهبياً، ومن النادر أن يوجد مكان في العالم لم يشهد حالات عنف أيديولوجي أو قومي أو ديني.
الاستسلام لهذا الشرّ لا يليق بالعقل الإنساني؛ لهذا فإنّ العقل مستمر في خوض معركة البحث عن المشترك الإنساني، عن القيم المشتركة، والدفاع عنها، والسعي إلى أن تتحول إلى نمط حياة للبشرية، وإذا كانت الأهداف الكبرى ذات الطابع الإنسانوي بطيئة التحقق وصعبة؛ فإنّ هذا يجب ألّا ينتج تشاؤماً لدى النخبة والفاعلين الاجتماعيين؛ بل على العكس، يجب أن نوطن الإرادة الخيرة على عدم اليأس والقنوط.

اقرأ أيضاً: النخبة الروحية وشهوة الحضور
والسؤال الحقيقي الذي مايزال حاضراً: كيف تأتى أن تصبح الأيديولوجيات، بما هي نتاج العقل، أساساً لتحطيم القيم المشتركة بين الناس؟ وقس على ذلك، كيف صار الدين الممتلئ بالقيم الخيرة أساساً للصراعات بين المختلفين؟
لا شكّ في أنّ الجواب عن هذا السؤال سهل جداً عند أهل العقل؛ الصراع على الثروة والرغبة في الهيمنة يقفان وراء ما نراه من شرّ، غير أنّ هذا الجواب لا يقول لنا شيئاً عن الخطاب الذي يقف وراء هذا الشرّ؛ فخطاب القتل أخطر من القتل نفسه.
من هنا تبرز أهمية تأسيس خطاب تاريخي متجاوز للخطابات المؤسسة للوعي الزائف بالحياة، خطاب يصوغ المشترك الإنساني على نحو يكون فيه قادراً على خلق نزوع إنسانوي نحو التعايش، بلا خطاب يبرر العنف والقتل والهيمنة والحروب .
ينطوي الخطاب المؤجج للحروب على سرديات تاريخية تجعل منها ومن نتائجها مصدر عزة قومية، وكتب التاريخ المدرسية مليئة بهذه السرديات.
في المقابل؛ ينطوي التاريخ على وقائع كثيرة تدل على جهود البشر في الوصول إلى التعايش السلمي؛ فالبشرية لا تستطيع العيش انطلاقاً من انفجار الذئبية؛ بل إنّ الحروب، سواء كانت حروباً أهلية أم حروباً بين دول، غالباً ما انتهت بأشكال من الموافقات التي اصطلح على تسميتها "الدساتير" و"المعاهدات" .

ينطوي الخطاب المؤجج للحروب على سرديات تاريخية تجعل منها ومن نتائجها مصدر عزة قومية

وبالتأكيد، إنّ هناك أمثلة لا تحصى في التاريخ عن استعادة السلم بعد الحرب، وتضرب العلاقة الفيتنامية-الأمريكية أكبر مثال على ذلك، ولسنا في وارد العودة إلى أسباب هذه الحرب ومساراتها؛ بل يكفي القول إنّها استمرت لفترة من الزمن، وخلّفت من القتل و الدمار في فيتنام ما لم تخلفه أيّة حرب في تاريخ الفيتناميين؛ حيث فقد الفيتناميون بين ثلاثة إلى أربعة ملايين قتيل، وأحرقت مساحات شاسعة من الغابات باستخدام الأسلحة الكيمائية، فضلاً عن الدمار الذي لحق بالبنية التحتية، والمآسي التي نتجت بعد الحرب عن الفقر والفقد، وأيضاً مقتل ما يقرب من ستين ألف جندي أمريكي.
واليوم؛ نشهد علاقة تحالف أمريكي -فيتنامي، ورفع الحظر عن تصدير الأسلحة الفتاكة عن فيتنام، وعلاقات اقتصادية ذات منفعة متبادلة؛ فقد زار أوباما فيتنام لوضع اللمسات الأخيرة على المصالحة التاريخية، وفي العام الماضي؛ رست أكبر حاملة طائرات أمريكية على السواحل الفيتنامية، وقيل إنّ ذلك كله يأتي من مصلحة مشتركة تجاه الصين، وبمعزل عن الأسباب التي دعت إلى المصالحة الفيتنامية-الأمريكية، فإنها مصالحة جاءت بعد سيول من الدماء وركام من الدمار.
وقد أثبتت بين أمريكا وفيتنام؛ أنّ التحرر من الماضي الذي يبعث على التعصب شرط لتحرير التاريخ من الشرّ.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أثرت أحداث "الربيع العربي" في الخطاب الديني؟

2020-02-19

تم بناء هذا المقال على فرضية تهمُّ الخطاب الديني في المنطقة العربية بالتحديد، وتفيد بأنّ أحداث "الربيع العربي"، التي اندلعت في كانون الثاني (يناير) 2011، ساهمت في إحداث تحولات لدى الفاعلين في الخطاب الديني.
ونقصد بالخطاب الديني في هذا السياق، كُلّ الفاعلين الدينيين؛ سواءً تعلّق الأمر بأداء المؤسسات الدينية التابعة للدولة الوطنية، أو بالمؤسسات المعنية بصياغة السياسات العامة المرتبطة بالحقل الديني لدول المنطقة، أو الخطاب الديني المُجسّد في الطرق الصوفية؛ أي المشروع الإسلامي الحركي بتفرّعاته الثلاثة؛ الدعوية والسياسية والقتالية، كتنظيم القاعدة وجبهة النصرة وتنظيم داعش.
التحولات في خطاب المؤسسات الدينية
انطلاقاً من التحولات التي عرفها خطاب المؤسسات الدينية، نستحضر المستجدات التي مرت بها أغلب هذه المؤسسات؛ والتي كان أبرزها ما عرفته مؤسسة الأزهر الشريف في مصر، على هامش أحداث "الربيع المصري"، وتحديداً ما سُميّ بـ "وثائق الأزهر"، حيث أُصدِرت 3 وثائق أساسية؛ "وثيقة مستقبل مصر" يوم 19 حزيران (يونيو) 2011 و"وثيقة الأزهر بخصوص الربيع العربي"، يوم 31 تشرين الأول (أكتوبر) 2011، و"وثيقة منظومة الحريات الأساسية"، يوم 8 كانون الثاني (يناير) 2012، هذا بصرف النظر عن السجال الخطابي المباشر الذي جرى مؤخراً بين إمام الأزهر ورئيس جامعة القاهرة، على هامش الخوض في موضوع تجديد الخطاب الديني؛ إذ يفيد هذا السجال بأنّ الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية لا يزال بعيد المنال، ولن يتم بين ليلة وضحاها.
التحولات في خطاب حركات الإسلام السياسي
مثلّت أحداث "الربيع العربي" فرصة للحركات الإسلامية، وخاصة حركات "الإسلام السياسي"، لاختبار أطروحة "ما بعد الإسلاموية" التي سطرها الباحث الإيراني آصف بيات قبل عام 2011، بالموازاة مع حديث الباحث الفرنسي أوليفيه روا عن "فشل الإسلام السياسي"، وثلاثية؛ "البيان الدعوي"، "الأخطاء الستة للحركات الإسلامية" و"الفطرية"، للباحث والداعية المغربية فريد الأنصاري.

كان حزب العدالة والتنمية المغربي متواضعاً مقارنة مع الآمال التي عُلّقت عليه قبل أحداث الربيع العربي

وصدرت توقعات هذا الثلاثي؛ الإيراني والفرنسي والمغربي، وتوقعات أخرى بالطبع، قبل أحداث "الربيع العربي"، حيث كان على الباحثين والمتتبعين لأداء المشروع الإسلامي الحركي، انتظار أداء الإسلاميين المشاركين في العمل السياسي بعد اندلاع الأحداث، وفوز الأحزاب الإسلامية في انتخابات ما بعد 2011، لمعاينة المعالم الكبرى لأداء الإسلاميين المنخرطين في العمل السياسي والحكومي، بالصيغة التي عاينوها في عدة نماذج، نذكر منها ما جرى في المغرب وتونس وفرنسا.
واتضح في المغرب، أنّ أداء حزب "العدالة والتنمية" كان متواضعاً، مقارنة بالآمال التي عُلّقت عليه قبل اندلاع أحداث "الربيع العربي"، بل ساهمت مواقف الحزب ومعه حركة "التوحيد والإصلاح" الإخوانية، الموالية له في المجال الدعوي، في تسليط الضوء على النسخة المغربية لخطاب العلمانية، التي تؤكد ضرورة إبقاء تدبير الشأن الديني للمؤسسة الملكية، متمثلة في مؤسسة "إمارة المؤمنين"، مع إبعاد الفرقاء الإسلاميين والحداثيين عن المسألة، أو من خلال مساهمتهما النسبية في حدود مُسطرة سلفاً.

اقرأ أيضاً: سعيد ناشيد: حكومة العدالة والتنمية أصدرت أسوأ القرارات وأشدها إيلاماً
أمّا في تونس، فقد وصلت تعقيدات الأمر حدّ إعلان قيادات حركة النهضة الإسلامية ضرورة التفكير في إحداث قطيعة نظرية بين العمل الدعوي والعمل السياسي، على أمل ترجمة هذه القطيعة على أرض الواقع لاحقاً، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ الحديث عن الفصل بين العمل الدعوي والعمل السياسي عند الحركات الإسلامية المنخرطة في العمل السياسي، ليس واقعاً لا يرتفع، وإنما لا يتجاوز في الغالب مقام إعلان نوايا، كما أشرنا إلى ذلك مراراً، وعاينا هذه المعضلة بشكل ميداني وصريح في التجربة المغربية وتجارب أخرى في المنطقة العربية.

اقرأ أيضاً: هل ينتمي حزب العدالة والتنمية المغربي لتنظيم الإخوان المسلمين؟
وفي فرنسا، وبسبب التحولات التي مرّ بها الخطاب الإسلامي الحركي في المنطقة العربية برمّتها، اضطرت القيادات الإسلامية الحركية، والمجسدة في تنظيم حمل اسم "اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا"، وهو الفرع الفرنسي للتنظيم الدولي للإخوان المسلمين، لتغيير الاسم إلى "اتحاد مسلمي فرنسا"، بمقتضى القلاقل السياسية والأمنية والثقافية والدينية التي أصبحت تثيرها الحركات الإسلامية في الساحة الفرنسية.
التيار السلفي والتيار الصوفي
بالموازاة مع التحولات والمراجعات التي ميّزت أداء المؤسسات الدينية والحركات الإسلامية، عاينا المعطى نفسه مع التيار السلفي والصوفي؛ ففيما يتعلّق بالتيار السلفي، يمكن الوقوف عند دلالات صدور كتاب يحمل عنوان؛ "ما بعد السلفية: قراءة نقدية للخطاب السلفي المعاصر"، لأحمد سالم وعمرو بسيوني، والصادر عام 2015، بكل الإيحاءات الدالة لهذا العنوان، حيث عايشنا مباشرة بعد كانون الثاني (يناير) 2011 تحولات في أداء المشروع السلفي بالمنطقة العربية، لم تكن متوقعة قبل هذا التاريخ، أقلها وأبرزها في آن؛ إعلان سلفية الإسكندرية في مصر تأسيس حزب النور والمشاركة في الاستحقاقات الانتخابية.

لا يمكن للفاعل الديني أنّ يكون بعيداً أو غير معني بالتحولات والمستجدات المجتمعية التي تهم القيم والهوية والتدين

كما تناولت مجموعة من الأعمال البحثية هذه المسألة، نذكر منها عملين على الخصوص؛ كتاب "السلفيون والربيع العربي" لمحمد أبو رمان، الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية عام 2013، وكتاب "صناعة السلفية: الإصلاح الإسلامي في القرن العشرين"، لهنري لوزيير، الذي ترجمه إلى اللغة العربية أسامة عباس وعمر بسيوني، وصدر عن دار النديم ودار روافد، عام 2018.
أمّا فيما يتعلق بالخطاب الصوفي، والذي سلطّت المؤسسات البحثية العربية والغربية الضوء عليه، مباشرة بعد اعتداءات نيويورك وواشنطن، في سياق البحث عن نماذج بديلة للخطاب الديني، بهدف مساعدة شعوب المنطقة على تجاوز المشاريع الدينية الحركية، التي أساءت إليها ولغيرها من الشعوب، ومثال ذلك ما نعاينه في الساحة الأوروبية في ظل تغذية بعض أسباب ظاهرة الإسلاموفوبيا.
ولم يسلم الخطاب الصوفي من موجة المراجعات أو التحولات، ومن ذلك الحديث عن ظاهرة "ما بعد الطُرقية"؛ أي تبني العمل الصوفي بشكل فردي، بعيداً عن العمل المؤسساتي.

اقرأ أيضاً: بن كيران يلبس عباءة المعارض لدعم حظوظ العدالة والتنمية في الانتخابات القادمة
بالنتيجة، يمكن الجزم بأنّ الخطاب الديني في المنطقة العربية، سواء تعلق الأمر بخطاب المؤسسات الدينية أو الحركات الإسلامية أو التيارات السلفية أو الطرق الصوفية، مرّ بتحولات نظرية؛ بدأت أولى معالمها في سياق الإكراهات التي أصابت المنطقة بشكل صادم ومباشر، على هامش التفاعل السياسي والأمني والإستراتيجي مع تداعيات أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، في مرحلة أولى، وتداعيات أحداث "الربيع العربي" في مرحلة ثانية، وبالتالي، لا يمكن للفاعل الديني أن يكون بعيداً أو غير معني بهذه التحولات، خاصة مع وجود عدة مستجدات مجتمعية موازية تهم القيم والهوية والتدين، وتفرض على الفاعل الديني الانكباب النظري والميداني، نذكر منها؛ ظواهر الإلحاد ومد العلمنة والحريات الفردية وتسليع الخطاب الديني ومستجدات أخرى قائمة وقادمة.

اقرأ أيضاً: "العدالة والتنمية" المغربي.. هل حانت نهاية الحزب الإسلامي في الحكم؟
وساهمت ظاهرة "الصراع على الإسلام"، وفق تعبير رضوان السيد في أحد أعماله المرجعية عام 2014، في تعقيد المشهد، حيث إنّها لا زالت مفتوحة ولم تتوقف، لأسباب عدة؛ أهمها إصرار المشروع الإسلامي الحركي على تغذية الصراع، بما يُخول لنا التعامل مع هذه الجزئية الدقيقة، باعتبارها اختباراً حقيقياً وصريحاً لطبيعة ومآل تلك المراجعات، خاصة المراجعات التي يدّعي المشروع الإسلامي الحركي انخراطه بها، على اعتبار أنّ مراجعات المؤسسات الدينية متوقعة ومطلوبة.

لا زال الانتقال نحو محطة مراجعات حقيقية في عقر المؤسسة الدينية بعيد المنال ولن يتم بين ليلة وضحاها

ولا يخرج خطاب وأداء المؤسسات الدينية، في نهاية المطاف، عن ثلاثية الوعظ والتوجيه والإرشاد، والأمر نفسه مع مراجعات الطرق الصوفية؛ لأنّ هذه الطرق لا تدّعي الوصاية على الدين، وتدافع بالكاد عن جلسات الذكر؛ الفردي والجماعي، مع الابتعاد عن قلاقل العمل السياسي، وتحديداً العمل القتالي، فيما يختلف الأمر عند أغلب الحركات الإسلامية في الساحة، بمقتضى تورّط هذا المشروع في قلاقل لا حصر لها، رغم ترويج خطاب "المراجعات".
من الصعب إحصاء طبيعة التحديات النظرية والعملية التي تواجه الفاعل الديني العربي، ممّا يفرض على هذا الفاعل، سواء في المؤسسة الدينية أو الطرق الصوفية أو الحركات الإسلامية، الوعي بتلك التحديات أولاً، قبل التفكير في الاشتغال عليها، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ بعض نتائج هذا الاشتغال تتطلب الانخراط في مراجعات حقيقية ونوعية، مع أنّ خطاب العديد من هؤلاء لا زال يعمل بنفس الأفق الإبستيمي (المعرفي) الذي كان سائداً من قبل، كأنّ شيئاً لم يتغير في المنطقة التي تعاني الويلات الإستراتيجية والمفتوحة، وفي مقدمة هؤلاء؛ الفاعل الإسلامي الحركي؛ حيث تزكي ذلك أفعاله وأقواله في الساحة، خاصة رموز المشروع داخل وخارج المنطقة.

للمشاركة:

الحداثيون والتراثيون.. هل الجميع بريء من مشكلاتنا؟

أحمد سالم's picture
كاتب وأكاديمي مصري
2020-02-19

من ضمن ما قاله شيخ الأزهر أحمد الطيب في حواره مع رئيس جامعة القاهرة الدكتور محمد عثمان الخشت، في ختام مؤتمر الأزهر العالمي للتجديد في الفكر الإسلامي في 28 كانون الثاني (يناير) الماضي، أنّ جامعاتنا بكل ما فيها لم يسهم منتجها في صناعة إطار سيارة، وأن ترامب وإسرائيل يأخذون القرارات فيما يتعلق بنا مع غياب القيادات العربية، كاشفاً عن إخفاق السلطة الزمنية.

اقرأ أيضاً: هل عارض الفقهاء اختطاف السياسة للدين؟
ثم قال إنّ التراث الذي تتكلمون عنه هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس والأخرى في الصين، بما يعني أنّه يقول للسلطة الزمنية انشغلوا بإخفاقاتكم، فليس التراث هو المشكلة، والسؤال: هل حققت المؤسسة الدينية - الأزهر والأوقاف - نجاحاً في أداء رسالتها الروحية؟ وما مدى مسؤولية التراث عن تدهور أو انحطاط حضور الإسلام حضارياً في العالم؟ وما هي مسؤولية التراث عن العنف وبعض مشكلاتنا الراهنة؟

مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاده بأن ما يقوم به مطلق اليقين والصواب

إذا كان فضيلة الإمام قد تحدث عن إخفاق السلطة الزمنية، فهل قام الإمام بدور فعّال كصاحب سلطة روحية على مدار أكثر من عشرة أعوام؟ الواقع أنّه قد اعترف بإخفاقه حين كان رئيساً لجامعة الأزهر في إحداث تغيير حقيقي بالجامعة، كما وضح للعيان إخفاقه أيضاً وهو على رأس المؤسسة الدينية في عدم تطوير مستوى الدعوة الدينية، ومستوى الخطاب الموجّه لجمهور الشعب المصري، فحين نبحث عن أسباب بعض الظواهر الاجتماعية الجديدة في المجتمع المصري مثل ظاهرة الإلحاد، وانتحار بعض الشباب، وانتشار العنف في الحياة اليومية للمجتمع المصري، واستشهاد أبنائنا من الجيش والشرطة على حدود البلاد علي يد الجماعات الإرهابية، فإننا نشير إلى أنّ أحد أسبابها إخفاق المؤسسة الدينية عن أداء دورها كواحد من جملة الأسباب التي تقف خلف هذه الظواهر، فالكل في الإخفاق سواء ولا ينبغي أن نتنصل من المسؤولية التاريخية.
  وأما ما ورد من كلامه بأنّ التراث هو الذي جعل المسلمين يضعون قدماً في الأندلس وأخرى في الصين، فهذا كلام يحتاج إلى مراجعة؛ لأنّ ذلك يعود إلى الإسلام -كدين وفكرة وقيمة- في بكورته الأولى، وما كان له من مقدرة على الحشد هو الذي فعل هذا في القرنين؛ الأول والثاني الهجريين، وأسهم التجار والصوفية المسلمون في نشر الإسلام في أقصى شرق آسيا وأواسط إفريقيا عبر الفكرة الدينية الحاملة لقيم التسامح والعدل.

اقرأ أيضاً: التراث كان يحكم حتى الحملة الفرنسية.. فما الذي حدث؟
ومن جانب آخر فإنّ الفتح الإسلامي -في جانب منه- كان نتاجاً لضعف الدولة الرومانية الشرقية، والدولة الفارسية، وأنّ الدولة الإسلامية حينما تعرضت للضعف غزاها الصليبيون والتتار، وذبح المسلمون وطردوا من الأندلس، وحين عاودها الضعف في العصر العثماني عجزت عن فتح أسوار فيينا واقتطع الأوروبيون أجزاء منها، ومع مزيد من الضعف استطاعت إنجلترا وفرنسا تقاسم أراضيها في الحقبة الإمبريالية الحديثة، ولم يمنعهم لا الدين ولا التراث عن هزيمة المسلمين، ومن ثم فإنّ الحضارة الإسلامية بدولتها ونظم حكمها قد حكمتها دورات الحضارة من النمو والازدهار والانهيار شأنها شأن كل الحضارات في العالم كما قرر ذلك ابن خلدون في "مقدمته".

كل فصيل من حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته

وأما تراث المسلمين الكتابي المدون -الذي تحدث عنه الإمام الطيب- فلم يبدأ تدوينه إلا في نهاية القرن الثاني وأوائل القرن الثالث الهجريين؛ أي بعد ترسيم معظم أرجاء الخلافة الإسلامية، كانت تشكلات التراث وفقاً لتطور حركة الاجتماع الإسلامي الزمنية، صعوداً وهبوطاً، تسامحاً وتشدداً، فتخلق المذهب الحنبلي وفقاً للخلاف بين أحمد بن حنبل والمعتزلة إبان عصر المأمون والمعتصم والمتوكل، وتخلق تراث ابن تيمية في سياق تدهور وانحطاط العالم الإسلامي إبان الغزوين على العالم الإسلامي فحمل مذهبه الكثير من التشدد، والسعي إلى تعزيز تراث استعلاء الجماعة المسلمة على بقية أهل الكتاب، وأصّل علم العقائد -في مرحلة التدهور- لميراث الصراع والإقصاء والتكفير المتبادل بين المذاهب الإسلامية، فترك هذا ميراثاً من الكراهية والاستبعاد بين المسلمين بعضهم بعضاً، وبين المسلمين وأهل الكتاب؛ حيث رسخ تراث فقه أهل الذمة لتمايز واستعلاء الجماعة المسلمة على أصحاب الأديان الكتابية، وكل ذلك تم تخلقه وفقاً لتطور حركة الاجتماع في التاريخ، بما يعني تاريخية هذا التراث الذي هو في مجمله إنتاج بشري للعقل المسلم في التاريخ.

اقرأ أيضاً: حوار الطيب والخشت.. أي إصلاح ديني نريد؟
وحين نتحدث عن تجليات العنف الذي يحدث في العالم باسم الإسلام الآن، ونقول هل ثمة مسؤولية تاريخية لهذا التراث عما يدور من عنف وكراهية للآخر؟ الإجابة نعم، وذلك لأنّ مَن يمارس العنف باسم الإسلام يكون بناء على اعتقاد لديه بأنّ ما يقوم به مطلق اليقين والصواب، وأنّ الجنة في انتظاره، وهم يستندون إلى تراث فقهي وديني قديم رسخ له الإمام أحمد بن تيمية وغيره.
وحين ننظر لممارسات حركات الإسلام السياسي التي اختطفت الإسلام نرى أنّ كل فصيل يحاول أن يخصخص الدين لصالحه وفقاً لرؤيته هو، فالجميع يفعل ذلك استناداً لتفسيرات تراثية قد انتقاها لخدمة توجهه سواء كان توجهاً دعوياً أو عنيفاً، وما الأحداث الطائفية، واستهداف الكنائس في مصر بين فترة وأخرى إلا نتاج الإيمان بفقه أهل الذمة الذي رسخ لاستعلاء المسلم على الكتابي، والنظر إلى الآخر المغاير لي في الدين على أنّه كافر وضال، وما أحداث القتل وسفك دماء المسلمين – من قتل المصلين في العريش إبان صلاة الجمعة، وقتل أبنائنا من الشرطة والجيش في مشهد مستمر- إلا نتاج حركات منحت نفسها التمايز على المجتمع الذي وصمته بالجاهلية والكفر، ويسعون في تغييره بكل الوسائل التي يملكونها، وذلك باستدعاء الموروثات القديمة – التاريخية – ليكون لها حاكمية على الحاضر بكل تطوراته، فالأزمة في اتخاذ الخلف من تراث السلف الذرائع والمبررات لممارستهم الحاضرة، وتجاهلهم أنّ الزمن قد تغير، وبأنّ الأمة المسلمة التي كانت منتصرة أصبحت الآن مهزومة ومنكسرة ومفككة، ونحن بحاجة إلى قراءة جديدة بفكر ديني جديد وفقاً لظروفنا الحالية.

نحن في حاجة ماسّة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد

وإذا كنا نؤمن أنّ التراث ابن زمنه وتاريخه ومجتمعه، فإنّ الأزمة الآن ليست في التراث بحد ذاته بل في استقالة العقل لدى علماء عجزوا عن الاجتهاد في الفكر الديني في زمانهم الحاضر بكل تعقيداته وتشابكاته وظروفه المستجدة ومخاطره المستمرة، فإذا بهم يتجهون إلى الاعتصام بالتراث القديم لمواجهة واقعهم المهزوم، معتقدين أنّ التمسك بالتراث والتاريخ المجيد هو سبيلهم القويم للنجاة من ذلك الواقع المهزوم، فإذا بنا نكتشف أنّ الواقع يزداد انهزاماً وتفككاً كل يوم.
إنّ الحوار بين الإمام الطيب والدكتور الخشت هو مواجهة بين تيارين، تيار يرى أنّ التجديد لا بد أن ينطلق من الأصول التقليدية القديمة؛ لأنها الأعمدة الثابتة، وهو تيار الشيخ، وتيار آخر يرى أنّ التجديد لا بد أن يأتي من الخارج باستخدام أدوات العصر من علوم إنسانية وفلسفة، وهو تيار الدكتور الخشت.

اقرأ أيضاً: هل الحاجة ملحّة إلى تجديد العلوم الإسلامية؟
والتيار الأول يخشى أن يكون التجديد طريقاً لتبديد الأصول والتفريط فيها فلذلك يعض عليها بالنواجذ، في حين أنّ التيار الثاني يرى أنّ الأصول في علوم الدين في حاجة إلى نظرة عصرية جديدة، والتيار الأول يتهم الثاني بأنّه يريد أن يفكك حضور الدين في المجتمع، ويحصر سيطرتهم على المجال العام الاجتماعي، والتيار الثاني يتهم الأول بأنّ نظرته مهما اجتهدت فهي جامدة؛ لأنها لا تراعي تطور حركة التاريخ والمجتمع، وفي ظل هذه النظرة المتبادلة من الشك والريبة لا ينظر أي من الطرفين إلى ما في موقف الآخر من إيجابية؛ لأنّ كلاً منهما يدين الثاني ويغمض عينيه عما في موقف الآخر من إيجابيات.

اقرأ أيضاً: هل نتنصّل من مسؤوليتنا باسم القضاء والقدر؟‎
ومن ثم فإننا في حاجة ماسة إلى مزيد من الحوار بين الأصوليين والحداثيين حول مسألة التجديد، حوار يكون هدفه مصلحة الوطن والمجتمع، فنحن جميعاً نقطن في سفينة الوطن التي حين يصيبها العطب فالكل مهدد بلا استثناء، وليس فصيلاً واحداً، فهل ثمة آذان صاغية لأهمية الاستمرار على مائدة حوار واحدة؟
أتمنى أنّ ينصت الجميع لمصلحة الوطن، وضرورة رعاية مصالح العباد التي هي هدف أساسي للإسلام كدين، وبدون ذلك وفي ظل المخاطر التي تحيط بمصر من جهاتها الأربع، وفي ظل ضعف تماسك البناء الاجتماعي لها فإنّ سفينة الوطن قد تتعرض للانهيار والتفكك، فهل لنا من سبيل إلى المحافظة على ما تبقى لنا منها، وذلك بالحفاظ على تماسك البنيان الاجتماعي الداخلي لكي نملك القوة في مواجهة المخاطر الخارجية التي تحيط بنا من كل الجهات من مشاكل المياه ومواجهة حركات العنف والمطامع الخارجية.

للمشاركة:

لماذا نتعلّق بالزمن الجميل؟!

2020-02-18

رغم ارتفاع معدّل الأعمار، وتحسّن الخدمات الصحّية والتعليم، وتقدّم وسائل المواصلات والاتّصال، إلّا أنّ كثيراً من اللّقاءات في الوطن العربي، تختم بهذه العبارة الخالدة: "سقى الله تلك الأيام"! ولو جرّبنا القيام بمقاربة لمواصفات (تلك الأيّام)، لما وجدنا صعوبة في القطع بأنّها كانت (أيّاماً صعبة جداً) على كل المستويات، فردياً وجمعياً، ومع ذلك فإنّ أكثرنا ما زال متعلّقاً بها إلى حدّ بعيد.

 

 

من المنظور العقلاني البحت، يُعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد لسلطة الماضي، ومن شأنه أن يجمّد حركة الحاضر وأن يغتال استحقاقات المستقبل. ومن المنظور النفسي يُعدّ أبرز أشكال النكوص العاطفي للتهرّب من مواجهة تحدّيات الواقع. ومن المنظور الاقتصادي-السياسي يمثل تعبيراً عن انعدام الرغبة في تطوير علاقات وأدوات الإنتاج. ومن المنظور الثقافي يجسّد الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة، الذاتية والجمعية.

من المنظور العقلاني يعدّ هذا التعلّق أبرز أنماط الانشداد للماضي ومن شأنه تجميد حركة الحاضر واغتيال استحقاقات المستقبل

ومع ضرورة التذكير بأنّ التوق إلى الزمن الجميل أو الرغبة في استعادة الفردوس المفقود، لا يقتصر على المجتمع العربي فقط، بل هو يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف، فإنّ من الضروري أيضاً التذكير بحقيقة أنّ ثنائية (المجتمع/ التقدم) ترتبط بعلاقة عكسية مع التعلّق بالزّمن الجميل؛ فكلما قاوم المجتمع هذا التعلّق تقدّم، وكلّما استنام له تأخّر! ولا تلغي صحة هذا الاستنباط القاسي حقيقة أنّ المجتمعات المتقدّمة تتألّم وتعاني كثيراً جرّاء هذا التجاوز لسطوة الحنين، كما لا تلغيها حقيقة أنّ هذه المجتمعات لا تدّخر وسعاً للتخفيف من حدّة هذا الألم عبر استعادة الماضي بأدوات الحاضر أو لصالح المستقبل، كما نلاحظ مثلاً في المدوّنة السينمائية الغربية بوجه عام والأمريكية بوجه خاص، سواء من خلال العودة إلى زمن الجذور وإعادة استقرائه من منظور راهن أو من خلال العودة إلى الزمن البدائي بإطلاق وإعادة تأثيثه بأسئلة وهواجس ماثلة ومستجدّة.

اقرأ أيضاً: الجزائر وفرنسا وتركيا: آلام الماضي وأطماع المستقبل
تضم قائمة الزمن الجميل في الوطن العربي العديد من المفردات التي تنطوي أحياناً على كثير من المفارقات؛ فعلى الصعيد السياسي الذي يمتد من أوائل الثلاثينيات حتى أواخر السبعينيات، يميل المعارضون إلى تمجيد حالة المدّ القومي واليساري وتصاعد الحركات الثورية لكنهم يغفلون حقيقة تغلغل الحركة الصهيونية في فلسطين ونجاحها في الاستيلاء عليها كاملة ما بين عامي 1948-1967! كما يغفلون حقيقة تنامي ظاهرة الانقلابات العسكرية ومصادرة مظاهر الحياة الديمقراطية وتسويغ القمع السياسي باسم معركة التحرير، ما يلقي ظلالاً كثيفة من التساؤلات عن الأدوار الحقيقية للعديد من الزعماء السياسيين الذي يقدّمون عادة على أنّهم رموز الزمن السياسي الجميل، وفي طليعتهم طبعاً الرئيس المصري جمال عبد الناصر!

من المنظور الثقافي يجسّد التعلق بالماضي الحنين الرومانسي إلى الطفولة القريبة والبعيدة؛ الذاتية والجمعية

أما على الصعيد الاقتصادي المعاشي، فلا نستطيع أن نمنع أنفسنا من الاندهاش جرّاء واقع الفقر المدقع الذي عاشه آباؤنا وأجدادنا، وهو الواقع المسؤول – على الأرجح- عن تدني مستوى الأعمار سابقاً؛ فنمط الغذاء كان موسمياً وغير ثابت ويخلو من التوازن. صحيح أننا يمكن أن نقع على تطبيقات متفرّقة لمفهوم الاقتصاد المنزلي أو الاكتفاء الذاتي أو ترشيد الاستهلاك، لكن الصورة العامة تملي ضرورة الشعور بالشفقة على تلك الأجيال التي قلّما اختبرت تناول اللحوم بانتظام، ودعك مما يرويه 99% من العرب المعاصرين عن إقطاعيات آبائهم وأجدادهم؛ لأن هذه (السردية) ما كانت لتنتشر على هذا النحو، لولا واقع الهجرة إلى المدينة التي حطّمت الذاكرة الحقيقية للريف والبادية وأنشأت ذاكرة هجينة برعاية السوبرماركت والمول! علماً بأنني أغفلت عامداً الإشارة إلى تدني الخدمات الصحية؛ لأنّ (مطهّر الأولاد) و(الدّاية) كانا يمثّلان في كل بادية وقرية ومخيم ومدينة وزارة الصحة المسؤولة عن كل الأمراض والأدوية!

اقرأ أيضاً: يحيى القيسي: طغيان تقديس الماضي أسهم في أزمة الفكر الإسلامي

وأما على صعيد المواصلات والاتّصالات فحدّث ولا حرج؛ كانت رحلة الحج تستغرق شهوراً، وكان الانتقال من مدينة إلى مدينة أخرى تبعد عشرين كيلومتراً فقط يُعدّ سفراً حقيقياً، وكان (المكتوب) يستغرق أسابيع حتى يصل، وكان الهاتف حكراً على عِلْية القوم. ولو قيّض لأي من أجدادنا أن يقوم من قبره ويشهد ما نشهده الآن من ثورة في عالم المواصلات والاتصالات لأغمي عليه فوراً؛ فمن كان يتخيّل أننا بكبسة زر نستطيع التواصل فوراً بالحرف والصوت والصورة مع أي مكان في العالم، إلى درجة اهتزاز مفهومي الزمن والمسافة في أذهاننا وتحوّلهما إلى مجرّد لفظين افتراضيين ينتميان إلى حقبة بعيدة.

التوق للزمن الجميل لا يقتصر على المجتمع العربي بل يشمل كل المجتمعات البشرية بتفاوت ملحوظ في الكم والكيف

رغم كل هذه الوقائع والمعطيات الموضوعية التي يصعب دحضها، فسوف يظل أكثرنا يهفو إلى ما مضى بطريقته الخاصّة وبلغته الخاصّة – ولا أُعفي كاتب هذا المقال من الإصابة بهذا الافتتان- لأسباب ذاتية وجمعية؛ فمعظمنا ما زال يتوق للعودة إلى رحم الطفولة والحي والبدايات الأولى، ومعظمنا ما زال مسكوناً بزمن الأبيض والأسود في الصور والأفلام والملابس والرسائل المعطّرة وأغاني عبد الحليم حافظ وفيروز، ومعظمنا ما زال معتقلاً في روائح الخبز البيتي والقهوة المطحونة في المنزل، ولأن أبناءَنا وأحفادنا سوف يستحضرون زمننا المتوحش هذا ويختمون كلامهم عنه بالعبارة نفسها: "سقى الله تلك الأيّام"!

للمشاركة:



بهذه الطريقة يواجه المرشد الإيراني عزوف الشباب عن الانتخابات

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

اتخذ المرشد الإيراني، علي خامنئي، خطوة استباقية من الضغط لضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية، المقررة هذا الأسبوع، بوصفها "واجباً دينياً" على الإيرانيين، مشهراً الورقة الدينية لمواجهة عزوف المواطنين عن الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات المقررة، الجمعة المقبلة.

 وقال خامنئي أمام حشد من أنصاره، أمس، وفق ما نقلت "رويترز": "التصويت ليس فقط مسؤولية ثورية ووطنية، بل هو أيضاً واجب ديني".

وقال خامنئي: "الانتخابات وسيلة لتقوية البلاد، ووجود برلمان ضعيف ستكون له تبعات طويلة الأمد، وجود برلمان ضعيف سيؤثر سلباً على حربنا مع الأعداء".

وتابع المرشد الإيراني: "الانتخابات ستحيّد النيات الأمريكية السيئة، ستثبت الانتخابات مجدداً أنّ الشعب إلى جانب النظام".

خامنئي يحاول ضمان مشاركة الإيرانيين في الانتخابات التشريعية بوصفها "واجباً دينياً"

ورفض "مجلس صيانة الدستور"، المسؤول عن مراجعة طلبات الراغبين في الترشح، تأهل 6850 من المعتدلين، مما صبّ في صالح المحافظين الذين يتمتعون غالباً بأفضلية في عدد المرشحين خلال الانتخابات الإيرانية، ولم يسمح لنحو ثلث النواب الحاليين بالترشح مجدداً، وبينهم نواب بارزون.

وتجري الانتخابات البرلمانية بإيران، في 21 شباط (فبراير) الجاري، وتأتي الانتخابات هذا العام في توقيت سيئ للإصلاحيين والمعتدلين الذين يواجهون سخطاً شعبياً بعد تعثر الوعود التي تعهد بها الرئيس الإيراني، حسن روحاني، في انتخابات الرئاسة 2017.

ومن المرجح أن يهيمن المحافظون، وهم التيار الأقرب للمرشد الإيراني مقارنة بالتيار المنافس، على المجلس المؤلف من 290 مقعداً؛ بسبب العدد الكبير من راغبي الترشح الذين رفض مجلس صيانة الدستور طلباتهم، ويحقّ لنحو 58 مليوناً التصويت من بين 83 مليوناً هم عدد سكان إيران.

 

للمشاركة:

مؤتمر دولي في بروكسل يدين أردوغان وسياساته.. البيان الختامي

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

دان التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب التدخل التركي في شرق المتوسط، وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخّل التركي العسكري المباشر في ليبيا، مندداً بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، مع الحكومة التركية، معتبراً أنّ هاتين الاتفاقيتَين تهددان الاستقرار في المتوسط، ويمكن أن تحولا ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

وأضاف المشاركون في المؤتمر، الذي استضافه البرلمان الأوروبي في بروكسل أمس، تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، أنّ سياسة الخارجية التركية التي يقودها الرئيس رجب طيب أردوغان غير واضحة، وقد تضع أنقرة في مخاطر جمّة؛ بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، لافتين إلى أنّ سياسة أردوغان كانت سبباً رئيساً في خسارة ثقة الأوروبيين منذ أعوام.

التجمّع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب يدين التدخل التركي في شرق المتوسط وفي ليبيا

وقال المشاركون في كلمات منفصلة: "أردوغان وقّع اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس، التي تسيطر عليها جماعة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية"، لافتين إلى أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابيين في ليبيا أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق.

وندّد المشاركون في المؤتمر، الذي عقد بمشاركة أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي، بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية، كداعش والنصرة وجماعة الإخوان المسلمين، المصنفة أيضاً في الكثير من الدول كجماعة إرهابية، وذلك على الملأ، عبر الدعم اللوجستي والعسكري وكذلك السياسي في المحافل الدولية.

متسائلين: كيف لأوروبا أن تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي ضمن سياساته العثمانية التوسعية التي يطبقها يومياً؟ ولافتين إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة لم تستخدم منذ الحقبة النازية، أو حتى خلالها.

تالياً نصّ البيان الصحفي الكامل الذي صدر عن المؤتمر في بروكسل:

مؤتمر بروكسيل يحذّر من خطر التدخل التركي في المتوسط:

  • وزير الخارجية التركية الأسبق يشار ياكيش: "سياسات أردوغان قد تحوّل ليبيا إلى سوريا جديدة".
  • كوستاس مافريديس: "أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية لم تستخدم منذ الحقبة النازية".
  • نيازي كيزيليورك: "أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية".
  • ماغنوس نوريل: "أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي أكثر مما كانت عليه في سوريا والعراق".
  • جان فالير بالداكينو: "تركيا تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين في المتوسط".

الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير) ٢٠٢٠

تحت إطار التجمع الأوروبي لمكافحة التطرف والإرهاب استضاف البرلمان الأوروبي في بروكسل، يوم الثلاثاء ١٨ شباط (فبراير)٢٠٢٠، مؤتمراً أوروبياً تحت عنوان "التدخل التركي في المتوسط: الأسباب، الأهداف والمخاطر"، وقد تحدث في هذا المؤتمر عدد من النواب والسياسيين والخبراء يمثلون مختلف التوجهات السياسية من عدة دول أوروبية ومتوسطية، وهم: معالي يشار ياكيش (وزير الخارجية التركية الأسبق)، ود. كوستاس مافريديس (النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان)، البروفيسور نيازي كيزيليورك (النائب في البرلمان الأوروبي من قبرص)، إضافة إلى الدكتور ماغنوس نوريل (الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى)، وجان فالير بالداكينو (رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس).

وضمّ هذا المؤتمر أكثر من 80 شخصية وجمعية من ٢٢ دولة، بينهم 15 دبلوماسياً، يمثلون عشرة بلدان أوروبية ومتوسطية، وقد ركزت الكلمات على شقّين أساسيين، هما: التدخل التركي في شرق المتوسط وبالتحديد مسألة التنقيب عن الغاز قبالة السواحل القبرصية، والتدخل التركي العسكري المباشر في ليبيا؛ حيث ندّد عدد من المشاركين بتوقيع حكومة الوفاق الليبية، بقيادة فايز السراج، مع الحكومة التركية اتفاقية رسم حدود مائية وأخرى عسكرية، معتبرين أنّ هاتين الاتفاقيَّتين تهدّدان الاستقرار في المتوسط، كما عبروا عن خشيتهم من التدخل التركي في المتوسط مما له تداعيات إقليمية وعالمية، ومن تحويل ليبيا إلى سوريا جديدة في فترة وجيزة.

بداية قدم وزير الخارجية التركية الأسبق، يشار ياكيش، عرضاً تاريخياً مفصلاً للحدود الجغرافية البحرية في المتوسط، ورأى أنّ طول الحدود البحرية التي يبلغ 1700 كلم مع اليونان وباقي دول المتوسط هو أحد الأسباب التي دفعت بالرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، لتوقيع الاتفاق مع الحكومة الليبية.

التنديد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين

ياكيش رأى أنّ لتركيا مطالبات بتقسيم الحدود البحرية وحرية الوصول إلى ثرواته، وهذا هو الهدف الذي يسعى من خلاله أردوغان إلى الحصول على حقّ قانوني بخصوص الحدود البحرية، بالتالي؛ تمّ التوقيع على اتفاق أحادي مع ليبيا لترسيم الحدود البحرية دون التشاور مع باقي دول المتوسط، وزير الخارجية التركي الأسبق، قال إنّ أردوغان وقع أيضاً اتفاقية تعاون عسكري مع حكومة طرابلس لكنّ مشكلة هذه الحكومة، على حدّ تعبيره، أنّها مسيطر عليها من قبل حركة الإخوان المسلمين وميليشيات مرتبطة بمنظمات إرهابية. مؤكداً أنّ عمق المشكلة أنّ السياسة المتبعة من قبل حكومة أردوغان "تجعلنا نطرح تساؤلات عن الأخطار التي تحدق بتركيا من خلال انغماسها في ليبيا".

يشار ياكيش حذّر من أنّ ليبيا قد تتحول إلى سوريا جديدة بسبب ثرواتها البترولية، خاصة أنّ تركيا في هذا المشهد ليس لديها أيّة سياسة واضحة المعالم للخروج من هذه الأزمة، ومن أنّ السياسة الخارجية التركية غير الواضحة من قبل أردوغان قد تضع تركيا في مخاطر جمة، بسبب هذا التمدّد نحو ليبيا، وفي الختام؛ رأى ياكيش أنّ السلطة تفسد في إشارة إلى الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، "الذي خسر ثقة الأوروبيين منذ أعوام"، على حدّ قوله.

من جهته، تحدّث الدكتور كوستاس مافريديس، النائب في البرلمان الأوروبي عن قبرص ورئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان عن "الموت الإستراتيجي"، وهو عنوان كتاب لمفكر تركي، أحد المنظرين الذين يجلّهم أردوغان ويحاول تطبيق نظريته فيما خصّ السياسة الخارجية عبر إعادة إحياء السياسة العثمانية التوسعية.

 د. مافيرديس رأى أنّ هذا النموذج هو بسيط جداً بالنسبة إلى أردوغان؛ حيث إنّ البرلمان التركي يدعمه ويصوّت له بقوانين هدفها حماية الشعوب التي لها أصول عثمانية في المنطقة، كما حصل مع المسلمين في قبرص.

مضيفاً أنّ هذه هي السياسة التي يطبقها أردوغان بحذافيرها في العالم الإسلامي منذ عدة أعوام، وهي تضعه في مواجهة مباشرة مع باقي دول المنطقة، بالتالي؛ فإنّ هذه السياسة التوسعية هي جوهر المشكلة عبر هذه السياسات الهجومية التي لا تراعي القوانين الدولية.

رئيس اللجنة السياسية للمتوسط في البرلمان الأوروبي ندّد بسياسات الرئيس التركي أردوغان ونظامه، الذي يدعم منظمات إرهابية كداعش والنصرة والإخوان المسلمين، وذلك على الملأ عبر الدعم اللوجستي والعسكري، وكذلك السياسي في المحافل الدولية، وسأل مافريديس كيف لأوروبا أنّ تقبل بما يفعله أردوغان من سياسات تطهير عرقي وعمليات قتل جماعي وهذه السياسات العثمانية، التوسعية التي يطبقها يومياً.

مشيراً إلى أنّ أردوغان يستخدم خطابات ومصطلحات عدوانية ومستنكرة، لم تستخدم منذ وحتى خلال الحقبة النازية، الدكتور كوستاس مافريديس شدّد على أنّ الاتفاقات التي وقعها أردوغان مع ليبيا، لا تتطابق مع قوانين الأمم المتحدة أو القوانين الأوروبية، لأنّ تركيا لا تعترف بقبرص وهي بلد عضو في الأمم المتحدة وعضو في الاتحاد الأوروبي. وختم حديثه بالقول؛ إنّ سياسات أردوغان تهدّد استقرار المتوسط، مؤكداً أنّ لا دور لتركيا في ليبيا، بالتالي؛ فإنّ تدخّلها هناك سيحول ليبيا إلى سوريا أخرى.

أما د. نيازي كيزيليورك، النائب في البرلمان الأوروبي، عن قبرص فوضع التدخل التركي في ليبيا في خانة الصراع على مصادر الطاقة، ورأى أنّ أردوغان يتسبّب بعزلة تركيا عبر سياساته التوسعية، وأضاف أنّ لقبرص الحق الكامل في استثمار مواردها من الطاقة ضمن حدودها البحرية لكن تركيا ترفض أن تعترف بهذه السيادة وبهذا الحق.

د. كيزيليورك تساءل في هذا الإطار عن سبب رفض أردوغان للتفاوض مع دول المنطقة للتوصل إلى اتفاق يرضي جميع الأطراف، ويسمح بتوزيع الثروات من الطاقة ضمن القوانين المعمول بها دولياً.

النائب القبرصي أكّد أنّ رفض اردوغان لإجراء مثل هذه المفاوضات يحرم حتى القبارصة من الشطرين بهذه الثروات، محذراً من خطر التمادي في هذه السياسات على منطقة المتوسط، ومشيراً إلى فشل السياسة الخارجية التركية.

في المقابل؛ تحدّث الدكتور ماغنوس نوريل، الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى، عن السياسة الخارجية التركية لنظام أردوغان، ورأى أنّ "التدخّل التركي في ليبيا يجسد مرحلة ما بعد سياسة صفر المشاكل، وهي مرحلة مليئة بالمشاكل، وصفها بالسياسة التوسعية التي تهدّد الأمن والاستقرار.

الدكتور نوريل رأى أنّ "هذه الخيارات التوسعية باتت تشكل عبأ على تركيا، وخلقت لها مشاكل مع دول المنطقة كإيران ومصر. كما شدّد الباحث في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى على ضرورة تدخل أوروبا لمنع تصدير السلاح إلى ليبيا، وخصوصاً السلاح القادم من تركيا؛ لأنّه يتسبب بزعزعة الأمن والاستقرار في المنطقة، ويشكل خطراً على بلدان المتوسط لقرب نظام أردوغان من الميلشيات المرتبطة بالإخوان المسلمين، بالتالي المجموعات الإرهابية.

وختم الدكتور نوريل بالتحذير من خطر الإسلام السياسي، الذي ما يزال يتمدّد في شمال أفريقيا، على الرغم من سقوط ما يعرف بخلافة داعش، معتبراً أنّ أردوغان نجح في تجميع أعداد كبيرة من الإرهابين في ليبيا والمغرب العربي، أكثر مما كانوا عليه سابقاً في سوريا والعراق، ومؤكداً أنّ تركيا، وبلا شك، تستخدم المهاجرين لابتزاز وتهويل الأوروبيين.

جان فالير بالداكينو، رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس، تحدث أيضاً عن السياسة التوسعية لتركيا في ليبيا، وركّز على مدى خطرها على الحرب التي تخوضها فرنسا على الإرهاب في أفريقيا، ومالي تحديداً.

ورأى جان؛ أنّ لتركيا أطماع في مصادر الطاقة في منطقة المتوسط، ضاربة عرض الحائط بالقوانين والأعراف الدولية، متمثلة في سياسة هجومية توسعية تستخدم الإسلام السياسي والقومية العثمانية لتبرير تدخلها في البلدان المجاورة.

رئيس دائرة البحث والتحليل الجيوسياسي في باريس تأسف لعدم تعامل أوروبا بحزم مع حكومة أردوغان، خاصة في ملف النازحين وتسلل الإرهابيين إلى أوروبا من سوريا، بالتالي تحول هذا الملف إلى مصدر ابتزاز استغله أردوغان في تعامله مع أوروبا، مؤكداً أنّ أوروبا لديها مشكلة كبيرة مع تركيا، بسبب دعمها للإسلاميين بشكل واضح وصريح، وأنّ طموحات أردوغان هي وراء التوتر في المتوسط.

 

للمشاركة:

ماكرون يعلن استغناء فرنسا عن الأئمة الأتراك..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أمس؛ أنّه سيفرض قيوداً على إيفاد دول أجنبية أئمة ومعلمين إلى فرنسا، وذلك بهدف القضاء على ما وصفه بخطر "الشقاق".

وقال ماكرون إنّه سينهي بالتدريج بنظام ترسل بموجبه تركيا أئمة إلى فرنسا للوعظ في مساجدها، بحسب ما نقلت "الأناضول."

وأضاف، في مؤتمر صحفي بمدينة مولوز بشرق فرنسا: "إنهاء هذا النظام في غاية الأهمية لكبح النفوذ الأجنبي، والتأكد من احترام الجميع لقوانين الجمهورية"، مؤكداً أنّ "دولاً أجنبية  توفد 300 إمام إلى فرنسا سنوياً، وعام 2020 سيكون آخر عام يستقبل مثل هذه الأعداد."

ماكرون يعلن أنّه سينهي نظاماً ترسل بموجبه تركيا أئمة إلى فرنسا للوعظ في مساجدها

وشدّد على أنّ حكومته طلبت من الهيئة التي تمثل الإسلام في فرنسا إيجاد سبل لتدريب الأئمة على الأراضي الفرنسية، والتأكد من أنهم يستطيعون التحدث بالفرنسية، ومن عدم نشرهم أفكاراً متشددة.

وذكر ماكرون في المؤتمر؛ أنّ "جزءاً من المجتمع يريد أن يطور مشروعاً سياسياً جديداً باسم الإسلام"، لافتاً إلى أنّه لا توجد مشكلة بخصوص العلمانية بالبلاد، غير أنّه شدّد على ضرورة عدم استخدامها كوسيلة من أجل "حرب" ستعلن حيال دين ما.

وتابع قائلاً: "أعداؤنا هم أصحاب الأفكار الانفصالية، وغيرهم ممن يريدون ترك الجمهورية الفرنسية، ومن لا يتبعون القوانين، والرغبة في انقطاع صلتك بفرنسا باسم دين ما، أمر غير مقبول، فهذا أمر تتعين محاربته".

وأشار ماكرون إلى أنهم يعتزمون تأسيس 80 مركزاً تدريبياً في إطار الجهود التي تبذلها بلاده لمكافحة تصرفات الإسلاميين، مشدداً على أنّ المشكلة ليست في المسلمين الفرنسيين.

وأوضح أنّ هناك 47 حياً بباريس سيخضعون للمراقبة المشددة، في إطار جهود بلاده من أجل التصدي للتطرف.

ماكرون: طلبنا من الهيئة التي تمثل الإسلام إيجاد سبل لتدريب الأئمة على الأراضي الفرنسية

وأبرمت فرنسا اتفاقات مع تسع دول، منها الجزائر والمغرب وتونس وتركيا، تتيح لحكومات تلك الدول إيفاد معلمين إلى المدارس الفرنسية لتدريس اللغات للطلاب القادمين من هذه البلدان.

وتعرضت فرنسا لهجمات كبرى من قبل متشددين إسلاميين في الأعوام الأخيرة

ومن المعلوم أنّ ماكرون كان يتحاشى من قبل الخوض في قضايا متعلقة بالجالية المسلمة في فرنسا، وهي الأكبر في أوروبا، ويصبّ تركيزه على الإصلاحات الاقتصادية.

للمشاركة:



تركيا ومراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

علي الدين هلال
المتابع لحركة السياسة التركية داخليا وخارجيا، لا بد أن يتضح له أنها تعبر عن رؤية للمستقبل كما يتصوره الرئيس أردوغان، وأنها رؤية تخالف الأسس التي قامت عليها دولة تركيا الحديثة وأسسها كمال أتاتورك، وأنها تسعى لاستعادة حلم الإمبراطورية العثمانية أو ما يسمى باسم "العثمانية الجديدة"، وهي مجموعة من الأفكار التي تزاوج بين المبادئ التي قامت عليها تركيا الحديثة والتقاليد الإمبراطورية العثمانية.

من أهم مظاهر هذا التفكير الدعوة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، والمعاهدات الدولية التي تم توقيعها وقتذاك والتي مثلت الأساس القانوني لنشأة الجمهورية التركية، بحجة أنها ترتيبات مجحفة بحق الأتراك. ولكي نفهم ذلك، نتذكر أن الحرب العالمية الأولى 1914-1918 دارت بين طرفين؛ الأول تحالف كان أبرز دوله المملكة المتحدة وإيرلندا وفرنسا وإيطاليا وروسيا، والثاني تحالف بين ألمانيا والإمبراطورية النمساوية المجرية والإمبراطورية العثمانية.

وانتهت الحرب بانتصار الطرف الأول وفرض شروطه على الدول المهزومة، ووضع الأسس للعلاقات بين الدول وإقامة منظمة عصبة الأمم. كان من هذه الشروط، استقلال بعض الولايات والأقاليم التي كانت خاضعة لهذه الدول أو وضعها تحت نظام الانتداب، وفقا لميثاق عصبة الأمم.

وبالنسبة للإمبراطورية العثمانية اتخذت هذه الترتيبات عدة أشكال. كان أولها معاهدة سيفر الموقعة في أغسطس/آب 1920، والتي بمقتضاها قُسمت أقاليم الإمبراطورية، ومنح الاستقلال للقوميات غير التركية وفرض النفوذ الغربي عليها، ومثل ذلك صدمة مروعة للأتراك وبالذات فيما يخص الحدود مع اليونان فشنوا حربا ضدها خلال الفترة 1922-1923.

وانتهت بانتصار القوات التركية، ودعوة الحلفاء إلى مؤتمر دولي في مدينة لوزان السويسرية 1923، ورأس الوفد التركي عصمت أنونو (1884-1973) أحد أبرز الساسة الأتراك الذي أصبح الرئيس الثاني للجمهورية بعد وفاة أتاتورك عام 1938. واستمرت جلسات المؤتمر لمدة ثلاثة شهور، وفي نهايته تم التوقيع على معاهدة لوزان الثانية، التي أنشئت دولة تركيا الحديثة في حدودها الراهنة.

تتكون هذه المعاهدة من 143 مادة موزعة على 17 وثيقة بين اتفاقية وميثاق وملحق، وتناولت ترتيبات الصلح بين الدول أطراف المعاهدة وإعادة العلاقات الدبلوماسية بين تركيا الحديثة والحلفاء، وفقا لقواعد القانون الدولي.

ونصت المعاهدة على رسم حدود الدولة التركية مع اليونان وبلغاريا وأصبحت أرمينيا الجمهورية دولة مستقلة، وحلت النزاعات الإقليمية بينها والدول الأوروبية الأخرى. وبالنسبة للمنطقة العربية فقد أنهت أي صلة سياسية أو قانونية مع قبرص وليبيا ومصر والسودان والعراق وبلاد الشام التي ضمت سوريا ولبنان وفلسطين والأردن، ووضعت قواعد لتنظيم التجارة والإقامة والقضاء، فنصت على ضرورة التزام الدولة التركية الجديدة بحماية حقوق جميع مواطنيها والمساواة أمام القانون بغض النظر عن الأصل والقومية واللون والدين،

وبعدم وضع أي قيود على اختيار أي لغة يختارونها، وأنهت العمل بنظام الامتيازات الأجنبية الذي تمتعت به الدول الأوروبية، ووضعت القواعد الخاصة بتقسيط الديون العثمانية وقواعد المرور في المضائق المائية التركية واعتبارها ممرات دولية لا يجوز لتركيا تحصيل رسوم مرور من السفن العابرة فيها. وقد نصت المعاهدة أيضا على حماية حقوق الأقلية المسيحية الأرثوذكسية اليونانية بتركيا والأقلية المسلمة باليونان.

تحدث أردوغان في هذا الأمر أكثر من مرة وعبر عن رغبته في مراجعة آثار هذه الاتفاقية واستعادة الحقوق التي اغتصبتها الدول المنتصرة في الحرب الأولى، فقال إن خصوم تركيا أجبروها على توقيع معاهدة سيفر 1920 وتوقيع معاهدة لوزان 1923، وترتب على ذلك تنازل تركيا عن جزر تابعة لها في بحر إيجة، ووصف معاهدة سيف بأنها الشوكة الأولى في الظهر العثماني، لأنها أجبرتها على التنازل عن مساحات شاسعة من الأراضي التي كانت واقعة تحت نفوذها.

وحسب اعتقاده، فإنه بعد مرور قرن من توقيع الاتفاقية ونشأة الدولة التركية الحديثة، فإنه يجوز إعادة النظر في هذه الترتيبات؛ ومنها مثلا فرض رسوم على السفن المارة في مضيق البسفور، والتفكير في حفر قناة تربط بين البحرين الأسود ومرمرة التي كانت تحظرها معاهدة لوزان. وهو اعتقاد لا يوجد له أساس في المعاهدة.

وتبقى قضية ولاية الموصل، التي تدعي تركيا وجود علاقة خاصة معها، وذلك بسبب خضوعها للإدارة العثمانية لمدة 4 قرون من عام 1534 إلى عام 1918، ولوجود أعداد كبيرة من التركمان الذين ينتسبون لأصول تركية ويعيشون فيها. والحقيقة أن وضع "الموصل" تعرض لتغيرات تستحق التسجيل، ففي اتفاقية "سايكس بيكو" بين بريطانيا وفرنسا في عام 1916، كانت الموصل ضمن منطقة النفوذ الفرنسي. وفي نوفمبر/تشرين الثاني 1918، احتلت القوات البريطانية الموصل، وألحقتها بأراضي العراق التي احتلتها خلال سنوات الحرب.

وأثار ذلك غضب فرنسا، وحدثت مقايضة بين الدولتين، فتخلت فرنسا عن الموصل مقابل لواء الإسكندرونة شمال غربي سوريا. رفضت تركيا هذه الإجراءات مؤكدة حقها في الموصل مدعية أن قواتها انسحبت منها طواعية. فقامت عصبة الأمم ببحث الموضوع ومحاولة الوصول إلى تسوية مرضية للطرفين، ولكنها لم تنجح فاتخذت قرارا في 1925 بتبعية الموصل إلى العراق. لم تقبل تركيا بالقرار، وبدأت مفاوضات تركيا بريطانية انتهت بتوقيع اتفاقية أنقرة التي وقعت عليها أيضا المملكة العراقية في مايو/أيار 1926.

أقرت الاتفاقية بتبعية الولاية للعراق وتنازل تركيا عن ادعاءاتها فيها، وترسيم الحدود بين البلدين. وإثر ذلك اعترفت تركيا بالعراق في مارس/آذار 1927. نصت الاتفاقية أيضا على حصول تركيا على 10% من عائدات نفط الولاية لمدة 25 سنة، وأعطت تركيا حق التدخل العسكري في الموصل وشمالي العراق لحماية الأقلية التركمانية إذا تعرضت لاعتداء أو تهددت وحدة الدولة العراقية.

ورغم ما يبدو أن معاهدة أنقرة قد أنهت الوضع القانوني لولاية الموصل، فإن ذلك غير صحيح فقد كانت هناك معارضة في البرلمان أثناء عرضها للموافقة عليه، ووقتها قال كمال أتاتورك إن تركيا سوف تعمل على استعادة الموصل في الوقت المناسب، أي عندما نكون أقوياء.

وتحدث الرئيس تورجوت اوزال الذي حكم تركيا خلال الفترة من 1989 إلى 1993 عن ضرورة إقامة حكم ذاتي للأقلية التركمانية في العراق. وطالب الرئيس سليمان ديميريل في عام 1995، بضرورة تعديل الحدود بين البلدين لأسباب تتعلق بالأمن التركي، وأن الموصل ما زالت مرتبطة بتركيا. وفي 2003، صرح وزير الخارجية عبد الله جل – الذي أصبح رئيسا للجمهورية فيما بعد- بأن تركيا سوف تحصل على حقوقها من النفط بالأساليب القانونية.

تعتبر تركيا اليوم أن هذه الاتفاقية أقرت بالعلاقة الخاصة بينها والموصل، وأن ما يحدث فيها يرتبط بالأمن التركي، وكان من تجليات ذلك أن أردوغان صرح في سبتمبر/أيلول 2016، بأن العراق يحتاج إلى عمل عسكري مشابه لعملية "درع الفرات" التي نفذتها تركيا في سوريا، وطلبت الحكومة التركية من العراق المشاركة في معركة تحرير الموصل من سيطرة "داعش".

وتشير كل هذه التصريحات إلى أن النخبة السياسية الحاكمة في تركيا تعتقد أن اتفاقية أنقرة تم فرضها على الجمهورية التركية الوليدة وهي في مرحلة ضعف وفي حاجة لمساعدة الدول الغربية، وأنها اتفاقية غير عادلة ومن الضروري تعديلها، وأن من حقهم التدخل في شمال العراق إذا تعرض الأمن القومي التركي لتهديدات نابعة من هذه المنطقة، وأن الاتفاقية تقوم على أساس أن هناك "وحدة العراق"، وأنه إذا تعرضت هذه الوحدة للتهديد فإن الاتفاقية تكون قد فقدت أساسها وأصبحت ملغاة.

من الواضح أن أردوغان يشعر أن لديه "فائض قوة" يتيح له الفرصة لمراجعة ترتيبات ما بعد الحرب العالمية الأولى، إن لم يكن من الناحية القانونية فمن خلال خلق واقع جديد على الأرض.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

بالفيديو.. "لعبة أب سوري وابنته" تلفت الأنظار من جديد لمعاناة أطفال إدلب

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

انتشر مقطع مصور لأب سوري وهو يحاول مساعدة طفلته على التكيف مع الغارات الجوية المتواصلة بتحويل الأمر إلى لعبة.

وأعاد الفيديو، الذي تم تداوله بشكل واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، قضية معاناة الاطفال السوريين إلى دائرة الضوء خاصة في ظل تحذيرات من ارتفاع قياسي لأعداد النازحين من إدلب وتدهور أوضاعهم.

عن "بي بي سي"

للمشاركة:

رقصة أردوغان الأخيرة: هل تكتب إدلب نهاية الدور التركي في الإقليم؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-19

حامد أوغلو

يبدو أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بات الزعيم الوحيد الذي استطاع التعامل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وتحقيق أكبر مكاسب للدور الروسي في المنطقة ومصالحها عبر تركيا، حيث عاد الحديث عن طبيعة العلاقات التركية الروسية مرة أخرى للواجهة بعد مقتل جنود أتراك خلال الأسبوعين الماضيين على يد القوات السورية الموالية لبشار الأسد، مما أشعل نار الخلافات بين بوتين وأردوغان بعد أن بقيت رمادا لعدة سنوات عقب إسقاط تركيا طائرة حربية روسية على الأراضي السورية في عام 2015، كانت ستفضي لاشتباك عسكري بين موسكو وأنقرة وقطعت العلاقات الدبلوماسية والعسكرية والسياسية لمدة 6 أشهر إلا أن أردوغان عاد معتذرا لبوتين عن إسقاط الطائرة وبسبب المواقف الروسية الرافضة للانقلاب الفاشل المزعوم الذي وقع في 2016 مما اعتبره أردوغان موقفا مشرفا لروسيا في ظل تخاذل الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي من وجهة نظر أردوغان.

أولا: إدلب ورقة أردوغان الأخيرة:

(أ) تركيا استمرار التنازلات:

لم يعد خفيا على أحد أن تركيا خرجت بخفي حنين من سوريا بل خرجت مطأطأة الرأس أمام النفوذ الروسي والإيراني، فهما سيطرتا على سوريا بالكامل ولعبت مؤتمرات خفض التصعيد دورًا رئيسا في إنهاء النفوذ الروسي رويدّا رويدّا، بل يمكن القول إن تركيا قدمت أوراق نفوذها في سوريا أمام طاولة بوتين ورقة تلو الأخرى.

(أ): عقب اغتيال السفير الروسي في تركيا في ديسمبر 2017، بدأت تركيا برفع غطاء الدعم عن حلب، مما سهل إسقاطها لصالح النظام السوري. ومن هنا كانت البداية، ثم أتت الغوطة الشرقية، وأيضا درعا ومدن أخرى فرطت فيها المعارضة السورية المسلحة المدعمة من تركيا.

(ب): حصلت تركيا على المقابل من خلال طي صفحة اغتيال السفير الروسي بالكامل وتعزيز قدراتها الدفاعية مع روسيا عبر شراء منظومة s 400 رغم الرفض الأمريكي والأوروبي لهذه الصفقة التى تهدد دول الناتو والتي تنتمي لها تركيا.

(ج): لاحقا استطاعت تركيا التفاهم مع روسيا من أجل إرسال قوات تركية إلى ليبيا في يناير الفائت، من بينها المقاتلون السوريون الأكثر تشددا في مقابل التفاهم حول إدلب من خلال فصل المعارضة المتطرفة عن المعارضة المعتدلة والذي يبدو أمرًا صعبا لتركيا؛ لأن إدلب أصبحت آخر معقل للمعارضة السورية.

(د): روسيا تعلم جيدا أن تركيا في حاجة إليها بسبب توتر علاقتها مع الغرب خلال الفترة الماضية وخاصة بعد الانقلاب الفاشل المزعوم في 2016 بسبب تحول تركيا لدولة ديكتاتورية خالصة، بعد أن فقدت كل المعايير الأوروبية لدخول الاتحاد الأوروبي ووقعت في براثن الدب الروسي وبشكل محكم.
(ب): أردوغان وسقوط ورقة التوت

لم تنجح يوما منذ اندلاع الأزمة السورية في 2011 سياسات التصعيد التركية ورفع السقف والشعارات الرنانة والتي في النهاية تبقى أقوالا لا أفعالا. فأردوغان تعهد بإسقاط النظام السوري والصلاة في المسجد الأموي وعجز عن فعل ذلك في النهاية، بل تاجر بالأزمة السورية في كافة المحافل الدولية لتعظيم مكاسبه السياسية في الداخل والخارج. وهذا لم يؤدِّ إلى شيء بل زاد من ماساة الشعب السوري وإطالة عمر نظام الأسد.
1- تركيا بدأت تدرك أن روسيا عازمة على إسقاط إدلب لصالح النظام السوري مهما كان الزمن، وتبدو أن زيارة بوتين الأخيرة إلى سوريا في يناير الماضي أكبر دلالة على ذلك. موسكو وعدت الأسد بإعادة كل سوريا تحت سيطرته بالكامل، ويبدو أن النظام السوري عازم على ذلك رغم أن سيطرته على إدلب لن تجلب له النفع في ظل تدهور الاقتصاد السوري، ولكنها معركة هامة للنظام لترميم صورته أمام أنصاره. لذلك سارعت تركيا بتسليح المعارضة المسلحة في سوريا (جبهة النصرة المصنفة منظمة إرهابية) في مخالفة لاتفاق سويتشي الذي مهد لحلحلة الأزمة السورية برعاية روسيا وإيران وتركيا.

2- تركيا اليوم أصبحت في عجز عن مواجهة ضربات النظام السوري والمحتمي بورقة الدعم الروسي. وتركيا بعد انتهاء الصراع السوري بشكل كامل سلحت في النهاية ما تبقى من قوات معارضة بمنظومات دفاع جوي ليس من أجل عيون السوريين بل من أجل حماية نقاط المراقبة التركية في إدلب لا أكثر ولا أقل. وإن إسقاط طائرات النظام السوري هو بمثابة نصر معنوي للمعارضة التركية المسلحة والتى طالبت بهذه المنظومات من عام 2013 مع ضربات النظام السوري ضد المدنيين ولم يحصلوا على هذا التسليح إلا من أجل حماية الجنود الأتراك فقط وليس المدنيين السوريين.

3- تركيا تعلم أن الأسد سيستولي على إدلب آجلا أو عاجلا، ولكن تريد تخفيف وطأة الخبر على مؤيدي الدور التركي في المنطقة. وكان مستشار أمير قطر عزمي بشارة في لقاء مع قناة الجزيرة القطرية قال صراحة إن إدلب ستسقط ولا تضحكوا على السوريين في إدلب، وسوريا تحديدا في ظل انحسار الدور التركي في المنطقة منذ عام 2013 بعد رحيل نظام الإخوان المسلمين في مصر، ثم رحيل نظام البشير في السودان، والتدخل الروسي في سوريا الذي جمد الدور التركي.

ثانيا: تركيا أردوغان ألعوبة بين روسيا والغرب

منذ عام 2016 وسياسات تركيا جميعها تخدم الدور الروسي في المنطقة. بمعنى آخر أن تركيا في المربع الروسي منذ الانقلاب الفاشل المزعوم الذي روج له أردوغان، واستطاع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين تحجيم شعبوية أردوغان في التعامل مع موسكو، واستطاع تقليل اللغة العنترية الاستعراضية التى تعود على اتباعها مع الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي، مما جعل أنقرة حذرة دائما في التعامل مع موسكو وأصبح صوتها أعلى من أنقرة في ملفات مكافحة الإرهاب وملفات سوريا وليبيا وأوكرانيا وغاز المتوسط. ودلالة ذلك:

1- أجبرت موسكو أنقرة على التخلي عن الجماعات المتطرفة في الشمال السوري في مقابل السماح لتركيا في التوسع في محاربة الوجود الكردي.

2- استطاعت روسيا معرفة حجم مشاركة أعداد المقاتلين القوقازيين من خلال تركيا وأماكن تواجدهم وانتشارهم على الأراضي السورية. وهذا الأمر يعزز من حماية الأمن القومي الروسي الذي عانى من الإرهاب في التسعنيات خاصة في الشيشان.

3- تركيا اليوم بعد أن أصبحت في الحضن الروسي عاجزة عن الخروج منه والعودة للمحور الأمريكي، خاصة أن إدارة ترامب تغض الطرف عن انتهاكات حقوق الإنسان الواسعة في تركيا، والتى طالت حركة الخدمة وأمثالها من المنظمات غير الحكومية طوال السنوات الماضية، ولكن اتفاق سويتشي واتفاق خفض التصعيد ورغبة الدولة العميقة في تركيا في تعزيز علاقتها بالروس يكبل يد أردوغان في الانقلاب على روسيا مرة أخرى كما فعل في عام 2015 عقب إسقاط الطائرة الروسية على يد تركيا.

4- استدارة استراتيجية من قبل حلف الناتو ضد تركيا باتباع سياسة النأي بالنفس في ملف إدلب والخلاف الروسي التركي في هذا الأمر لأن الاتحاد الأوروبي استبعد تماما من اتفاقات خفض التصعيد. بمعنى آخر أن تصريحات الناتو نحو تركيا في أزمة أدلب هي تصريحات دبلوماسية لغسل يدها من خطايا أردوغان في سوريا وعليه الاعتماد على ذاته في مواجهة بوتين.

5- رفضت روسيا وبشكل مباشر اتفاق ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا المثير للجدل، والذي يهدد استقرار الإقليم في منطقة شرق المتوسط.

ثالثا: مستقبل الخلاف الروسي التركي:

على الرغم من فشل جولات التفاوض والتنسيق بين روسيا وتركيا بشأن تسوية ملف إدلب والعودة لمخرجات سوتشي للتسوية والتوقف عن الاتهامات المتبادلة بانتهاك هذا الاتفاق، إلا أنه يبدو أن الأزمة السورية أصبحت مرتبطة تماما بالأزمة الليبية، بل أصبح هناك حبل سري بين الأزمتين نسجته تركيا أردوغان كونها أصبحت دولة ضامنة لحكومات الوفاق في المحافل الدولية. أنقرة أصبحت دولة صانعة للأزمات الدولية بسبب طموحها في إرساء دورها في الإقليم أصبح مرفوضا من شعوب حكومات المنطقة. وقد يكون الخلاف حول ليبيا بداية لطلاق سياسي بين موسكو وأنقرة؛ لأنه سيكون فشلا في تقاسم النفوذ بينهما مما يعزز فرص الاتحاد الأوروبي ومصر والإمارات والسعودية في الأزمة الليبية.

(أ‌): أولا الخلاف حول إدلب

1- بقاء الوضع في إدلب كما هو لا رابح لا خاسر ولا مزيد من تقدم النظام السوري في المدينة. وهذا ما تريده تركيا بشكل فوري، وما صرح به وزير الدفاع التركي خلوصي أكار أنه يريد وقف تقدم النظام السوري والحفاظ على نقاط الجيش التركي في المنطقة دون أن تتعرض لأذى.

2- روسيا مازالت عند موقفها أن إدلب يجب أن تخضع للنظام السوري، كما وعد بوتين الأسد في زياراته الأخيرة لسوريا، كما ذكرنا، بل إن روسيا تريد أن تكون عرابة لمصالحة بين دمشق وأنقرة في التنسيق الأمني والمخابراتي. وتجلى ذلك بالفعل في اجتماعات بدأت بالفعل من أكتوبر الماضي. بدأت مثل هذه الاجتماعات من أجل تقريب وجهات النظر.

(ب‌) ثانيا حول ليبيا:

1- في رأيي أن الخلاف بين روسيا وتركيا انتقل من سوريا إلى ليبيا، لذا بدأت الخلافات تدب بين الطرفين بعد الفشل في إقناع أطراف الصراع الليبي في وقف إطلاق النار ديسمبر الماضي، مما جعل الأزمة تبتعد عن الدورين الروسي والتركي وظهرت الخلافات إلي العلن بسبب اتهام تركيا بدعم حفتر على حساب الحكومة الشرعية وإرسال ميليشيات “فاجنر” الروسية. وردت تركيا بالمثل بإرسال مرتزقة سوريين يقودهم شركة صادات التركية وهي شركة أمنية خاصة وأصبحت ذراع تركيا الباطش، بهدف ترسيخ أمر واقع جديد في ليبيا التى مازالت جرحا غائرا. وأنقرة عقب مؤتمر برلين حول ليبيا معزولة ومنبوذة متهمة بدعم الإرهاب ولن يكون لديها اليد العليا في مستقبل ليبيا.

2- الضغط التركي على روسيا في سوريا بهدف السماح لتركيا بلعب دور أكبر في ليبيا، خاصة أنها تشعر أنها ستخرج خالية الوفاض من ليبيا، كما حدث في لها في سوريا. ولكن واقع الحال أن تركيا هي من حشرت أنفها في هذا الملف بهدف حماية ودعم جماعة الإخوان المسلمين التى تدير حكومة طرابلس. وواقع الحال أن مصر والإمارات لهما دور أكبر في ليبيا وروسيا في تنسيق أكبر معهم عن أنقرة. وهذا ما يثير غضب أنقرة؛ لأن اتفاق ترسيم الحدود بين تركيا وليبيا رفض من كافة القوى الدولية والإقليمية.

(ج) العلاقات التركية الروسية:

مازالت العلاقات التجارية والاقتصادية في أقوى مراحلها وهذا ما يجعل الطلاق في الملفات السياسية أمرا صعبا في ظل نجاح بوتين في ربط تركيا باتفاقات متعددة الجوانب يصعب على حكومة العدالة والتنمية التحلل منها، بل إن تركيا أصبحت مخلبًا في يد روسيا لضرب الأمن القومي الأوروبي ويؤثر سلبا على مستقبل التوازنات بين أوروبا وروسيا.

1- لا شك أن تركيا تسعى للعودة للمربع الغربي وتقليل تحالفاتها مع الدب الروسي. ويبدو هذا أمرا صعبا للغاية كما ذكرنا في ظل حكم أردوغان إلا في حالة رحيل حزب العدالة التنمية عن السلطة في ظل وجود انشقاقات كبرى تهدد العدالة والتنمية وحديث أحزاب عدة عن ضرورة العودة للمربع الغربي.

2- استمرار التنسيق الروسي التركي في ملفات عدة وإقدام تركيا أردوغان على شراء مزيد من الأسلحة الروسية، مما يعزز علاقتها مع موسكو في تحدٍّ واضح للغرب، مما قد يؤثر سلبا على شعبية الحزب بسبب تخبط السياسة الخارجية للبلاد، وأن مزاج المواطن التركي يميل للغرب والانضمام إلى الاتحاد الاوروبي.

عن "زمان" التركية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية