فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة".. تحفة فنية عن أدب السجون

فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة".. تحفة فنية عن أدب السجون
6314
عدد القراءات

2019-02-11

الهدف من السجن في الجرائم الجنائية؛ هو أن يكون عقاباً وفي الوقت نفسه هو إصلاح وتهذيب، أما بالنسبة إلى المعتقلين السياسيين؛ ففي الأغلب يكون أداة للتخلص منهم أو لدفعهم إلى الجنون، ومن أجل ذلك تُفرض عليهم أقصى حدود العزلة والتعذيب النفسي، وقد ظهر هذا الهدف في مضمون فيلم "ليلة طولها اثنتا عشرة سنة" 2018، للمخرج ألفارو بريشنر من أوروغواي، الذي عُرض في مهرجان القاهرة السينمائي الدولي في دورته الأربعين، ونال استحسان الجمهور وحاز فيه جائزة أحسن فيلم، كما ترشّح الفيلم لجوائز في مهرجانات أخرى، ونال منها جائزة أحسن فيلم في مهرجاني "كان" و"برلين".

اقرأ أيضاً: فيلم "كتاب أخضر": صورتنا في مرآة العنصرية
يضع الفيلم المشاهد أمام سؤال ضمنيّ: إلى أيّ مدى يمكن لعقل وجسد السجين أن يتحمل؟ وهل يمكنه مواصلة الحياة بعد تجاوزه لمحنة السجن لسنوات طويلة؟
بوستر الفيلم

جحيم المعتقلات
ظهر الاحتفاء بالفيلم ومخرجه من قبل الجمهور الذي ظلّ يصفق طويلاً بعد انتهاء العرض، الفيلم تحفة فنية تضاف إلى إبداعات أدب السجون، لكن هذه المرة بناء على قصة حقيقية، وليست متخيلة، كما هو حال فيلم "الخلاص من شاوشانك" 1994، وعشرات الأفلام المماثلة عن حياة السجون والمعتقلات، ويختلف هذا الفيلم من حيث المعالجة بتصويره لأدقّ تفاصيل معاناة السجناء ووسائل تعذيبهم النفسية، وتحديداً في تركيزه على العزلة التي فُرضت عليهم، وكيف تمكنوا من الصمود وابتكار وسائل للبقاء وللتواصل إلى أن أُطلق سراحهم بعد اثني عشر عاماً قضوها في جحيم المعتقلات.

يضع الفيلم المشاهد أمام سؤال ضمنيّ: إلى أيّ مدى يمكن لعقل وجسد السجين المظلوم أن يتحمل؟

يُذكّر هذا الفيلم، من حيث الموضوع، بأفلام أخرى عن قصص حقيقية لسجناء سياسيين، مثل: فيلم "باسم الأب" 1993 (In The Name of the Father)، الذي يحكي قصة الإيرلندي جيري كونلن (دانييل داي لويس)، وانتقاله إلى لندن هرباً من الفقر لكنّ السلطات البريطانية تلقي القبض عليه وتلفق له تهمة التفجيرات الإرهابية التي أودت بحياة العديد من المدنيين، ويذكّرنا كذلك بفيلم (Some Mother's Son 1996)، أو فيلم (Hunger 2008)، وتدور أحداثهما حول إضراب سجناء من الجيش الإيرلندي عن الطعام في أحد السجون البريطانية ومعاملتهم كمجرمين بدلاً من كونهم أسرى حرب، كما يعيد إلى الذهن أيضاً الأفلام التي صَورت تجربة نيلسون مانديلا في السجن طيلة سبعة وعشرين عاماً، والأهم أنه يُذكر بالواقع العربي وبالمعتقلين السياسيين الذين دفعوا حياتهم ثمناً من أجل حرية لم تُنل حتى اللحظة.
تدور الأحداث ما بين عامي 1973 و1985

رسائل الفيلم
يبدأ الفيلم في ليلة خريفية باقتحام زنزانات أحد السجون واعتقال ثلاثة سجناء في عملية عسكرية سرية، ويستمر إخفاء السجناء قسراً عن ذويهم لفترة طويلة، وبعد هذا المشهد يتنقل السرد ما بين السجون العديدة التي نُقل إليها الثلاثة، مع ومضات قليلة عن حياتهم السابقة قبل السجن، وهم بصحبة أُسرهم، مع زوجاتهم أو مع أطفالهم، ومع كلّ نقلة بين الجحيم والنعيم، الظلام والنور، يتضح التباين بين العالمين: عالم السجون بكادراته القاتمة والعالم الخارجي بألوانه الطبيعية المبهجة، ولا تخلو بعض المشاهد من مواقف ساخرة تدعو للابتسام تارة وللضحك تارة أخرى، لتكون أشبه بواحة تنعش الجمهور الذي ستغلبه عبراته في بعض المشاهد.

الفيلم تحفة فنية تضاف إلى إبداعات أدب السجون لكن هذه المرة بناء على قصة حقيقية

من تلك المشاهد الساخرة؛ مشهد أحد السجناء وهو واقف ومقيد من يده إلى أعلى المرحاض، ويطلب الإذن بفك قيده ليتمكن من الجلوس على كرسي المرحاض، وقضاء حاجته بشكل طبيعي، ولأنّ العسكر لا يعرفون سوى السمع والطاعة، ولا يستطيعون حلّ مشكلة بسيطة كهذه، يتم رفع طلب السجين بداية من جندي الحراسة إلى الضباط الأعلى رتبة، وبلقطة من أعلى نرى الحمام وقد ازدحم بكل قادة المعتقل.

اقرأ أيضاً: فيلم "أولاد الفقراء".. عندما بشّر يوسف وهبي بثورة البسطاء
تدور أحداث الفيلم في الفترة الممتدة ما بين 1973 إلى 1985، وهي السنوات التي استولى فيها الجيش على الحكم في الأوروجواي، فعطَّل بذلك الحياة السياسية والحكم المدني الديمقراطي.
والفيلم بتناوله لهذه المرحلة، من خلال المعتقل، يسجل شهادة على الجحيم الذي يرافق حكم العسكر، وهو بهذا المعنى ليس فيلماً عن الأوروجواي فقط، أو عن حالة بعينها، لكنه فيلم عن وضع إنساني في ظلّ القمع الذي يمارسه الحكم الاستبدادي.
فيلم عن وضع إنساني في ظلّ القمع الذي يمارسه الحكم الاستبدادي

من المعتقل إلى كرسي الرئاسة
يحكي الفيلم تجربة ثلاثة سجناء سياسيين من أصل اثني عشر، والسبب في التركيز على ثلاثة فقط؛ هو أنهم تمكنوا من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي بعد تجربة السجن المريرة، وكان من بين المعتقلين، خوسيه موخيكا، الذي أصبح بعد خروجه من المعتقل عضواً في مجلس الشيوخ ووزيراً، ثم رئيساً للأوروجواي، للفترة بين 2010 و2015.

ترشّح الفيلم لجوائز في عدة مهرجانات ونال منها جائزة أحسن فيلم في مهرجاني كان وبرلين

يعرف الكثيرون الرئيس موخيكا؛ بسبب سياسياته التقشفية وحياته المتواضعة، ووُصف بأنه "أفقر رئيس في العالم"، بسبب أسلوب حياته التقشفي وتبرعه بنحو تسعين في المئة من راتبه الشهري، الذي يساوي 12.000 دولار أمريكي للجمعيات الخيرية والشركات الناشئة، "كان موخيكا يقتني سيارة فولكس فاجن، صنعت العام 1987، ويقيم في مزرعة بسيطة في منزل زوجته لوسيا بالقرب من العاصمة الأوروغوانية مونتفيدو، كما أنّه لم يكن ينتفع بالحراسة المشددة كبقية رؤساء العالم، وقد فتح أبواب قصره الرئاسي في 2014 للمشردين، "عندما تمتلئ مراكز إيواء المشردين في العاصمة"، لكن هذا الفيلم يسلط الضوء على اثنتي عشرة سنة من حياته وحياة رفاقه في السجن، وهي فترة يجهلها المشاهد العربي.
 تمكنوا من مواصلة حياتهم بشكل طبيعي بعد تجربة السجن المريرة

لا بدّ لليل أن ينجلي
من حيث العنوان؛ يختزل الفيلم ذلك الجحيم في ليلة طولها اثنتا عشرة سنة، واختيار الليل في عنوان الفيلم فيه دلالة على الظلام الذي فُرض عليهم إلى درجة إغلاق النافذة الوحيدة في كلّ زنزانة، لكنّ ذلك الظلام تحوّل مع الزمن إلى صديق، كما تقول كلمات أغنية "صوت الصمت" التي استعان بها المخرج، بعد إعادة توزيعها، كخلفية موسيقية تربط بين بعض المَشاهد لتُعبِّر عن حالة السجناء وصمودهم ومقاومتهم، وتنتهي تلك الليلة الطويلة بنهار مشرق يخرج فيه المعتقلون الثلاثة إلى ساحة آخر معتقَل قبل الإفراج عنهم، وهو ما يظهر على بوستر الفيلم في دلالة تحمل مفارقة بين الليل الظاهر في عنوان الفيلم، والنهار المشرق، كما يظهر في البوستر، وفي آخر مشاهد الفيلم، ولا تخلو هذه المفارقة من رسالة ضمنية للمتلقي تحمل الأمل بعد الألم.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أغاني المهرجانات: ماذا لو كانت "بنت الجيران" لا تتحدث عن الحشيش؟

منى يسري's picture
صحافية وكاتبة مصرية
2020-02-24

"الخلاعة والدلاعة مذهبي، من زمان أهوى صفاها والنبي"، أثارت هذه الكلمات التي غنّتها كوكب الشرق، أم كلثوم، عام 1926، وقدّمتها شركة "أوديون" في أسطوانات، غضب الشعب المصري المحافظ، بعد أن استقبل الموهبة الجديدة التي ستصبح سيدة الأغنية العربية، بقصيدة "أراكَ عصيّ الدمع"، فتمّ سحب الأسطوانات من الأسواق، وتصحيح الكلمات من الخلاعة والدلاعة إلى الخفافة واللطافة، إرضاءً لذوق الشارع المصري، وتراجعاً عمّا سمّته النخب المثقفة آنذاك "الإسفاف".

بنت الجيران التي انتفض لها الشعب
حالياً، تشتعل مواقع التواصل الاجتماعي في مصر، بسبب قرار نقيب الموسيقيين، الفنان هاني شاكر، منع أغاني المهرجانات، ومنع حضورها في الأعراس والحفلات العامة في الفنادق، أو أيّ تواجد فعلي في الشارع.
وفي تصعيد خطير؛ أعلنت نقابة المهن الموسيقية في مصر أنّها تواصلت مع إدارتَي موقعَي "يوتيوب" و"ساوندكلاود"، لحذف أغاني المهرجانات من الإنترنت، في خطوة أسموها "محاربة الإسفاف والفنّ الهابط".

اقرأ أيضاً: أغاني المهرجانات: هل هي "أخطر" من فيروس كورونا في مصر أم "فن" قائم بذاته؟
أما الأغنية التي أثارت الجدل، فهي "بنت الجيران"، التي غناها كلّ من حسن شاكوش وعمر كمال، ونشرت على القناة الرسمية لحسن شاكوش على موقع يوتيوب، والتي اقترب عدد مشتركيها من مليونين، بتاريخ الخامس من كانون الأول (ديسمبر) 2019، وفي أقل من شهرين، بلغت مشاهدات الأغنية أرقاماً غير مسبوقة وصلت 100 مليون مشاهدة، قبل أن تنفجر الأزمة في وجه الشابين، بعد أن تمّ استدعاؤهما لحفل عيد الحب، الذي أقيم بستاد القاهرة الدولي، وفي مقطع يقول فيه حسن شاكوش: "تسيبيني أكره حياتي وسنيني أتوه ومش هلاقيني وأشرب خمور وحشيش"، وهو ما استفز العديد من الناس، بزعم أنّ قدسية ستاد القاهرة تمّ تدنيسها بجملة "خمور وحشيش".

وعلى صعيد آخر؛ تساءل آخرون: "أيّة قدسية يحملها ستاد كرة قدم حتى تدنَّس بجملة "خمور وحشيش"، وهي أشياء يفعلها معظم المصريين ولكن سرّاً؟"، هذا الانقسام إزاء قرار النقابة بمنع هؤلاء الشباب من ممارسة الغناء، جعل المطربين اللذين أثارا الجدل يظهران في بثّ مباشر عبر صفحتهما على الفيسبوك، ويتوجهان بالاعتذار للشعب المصري عن الجملة التي تتعارض مع قيم الأسرة، موضحين أنّهما قد غيّرا تلك الجملة إلى "من غيرك مش هعيش"، لكنَّ الخطأ كان من قبل الفنّي الذي قام بتشغيل الأغنية، إذ اختار النسخة القديمة، بدلاً من تلك التي أعدّاها للحفل خصيصاً، وتوجه الشابان للشعب المصري بالاعتذار، وطلبا الدعم منعاً لقطع مسيرتهما الفنيّة، وسبل عيشهما، ولم تمضِ سوى بضعة أيام على تلك الأزمة، حتى ارتفعت نسب مشاهدة الأغنية على يوتيوب من 100 مليون إلى 117 مليون، بينما صار الحديث عن تلك الأزمة هو حديث الفضائيات المصرية والعربية، بل وشبكة الإذاعة البريطانية "بي بي سي"، التي خصصت حلقات من برنامجها "نقطة حوار" للحديث عن الأزمة، لتصنع هذه الأزمة للأغنية وصاحبَيها شهرة إضافية خارج نطاق الإنترنت والشارع المصري.
هل نحن على أعتاب ثورة موسيقية؟
انقسمت آراء الشارع المصري، وبرزت تجليات ذلك الانقسام من خلال مواقع التواصل الاجتماعي، التي حملت آراء متطرفة في الاتجاهين؛ فالفريق الأول يؤيد قرار المنع، ويرى أنّه أفضل الطرق لمحاربة ذاك النوع من الفنّ الهابط والإسفاف، بحسب وصفهم، وهذا الفريق حاول إلصاق كافة الأمراض الاجتماعية بالمهرجانات، التي رأى أصحابه فيها دعوات للفساد والبلطجة والمخدرات..، بينما يقف الفريق الآخر متعاطفاً بشدة مع ما يقدمه هؤلاء الشباب، بصفتهم المعبرين عن أكثر الطبقات الاجتماعية تهميشاً.

لطالما كانت الأغاني المصرية تمتلك مساحة من الخلاعة والكلام الخارج عن المألوف، مثل أغاني ليلة الحنّة

وبحسب الكاتب والباحث ورئيس تحرير قناة "القاهرة والناس"، الدكتور ياسر ثابت، في حديثه مع "حفريات" فإنّ "الانقسام القائم، هو ما بين معارضٍ لفرض الوصاية أو الحجر على اختيارات الناس وأذواقهم، وهو فريق يرى في معظمه أنّ أغاني (المهرجانات) ستنتصر؛ لأنّها تتحدث عن مشكلات الناس، على خلفية نغمة موسيقية متكررة، وفريق آخر يحذر مما يراه لغة متردية وإسفافاً في تلك الأغاني، له مخاطره على المجتمع وثقافته العامة، فضلاً عن أنّه يجعل العملة الرديئة تطرد العملة الجيدة في عالم الغناء".

ويستطرد قائلاً: "وهناك فريقٌ ثالث، وأنا منهم، يطالب باحتضان مطربي المهرجانات وتعليم من لديه موهبة منهم، ووضع ضوابط على كلمات أغانيهم، وفي الوقت نفسه حثّ المنتجين على تشجيع المواهب الشابة، وعلى مستوى النجاح اللحظي؛ فإنّه لا يمكن إنكار ذيوع أغاني (المهرجانات) وانتشارها في الحفلات والمناسبات العامة أو حتى على مستوى الرواج في صفوف الجمهور من مختلف الطبقات، حتى إنّنا بتنا نجد رقصات شعبية صممت خصيصـاً لمصاحبة مثل هذه الأغاني، غير أنّ رهان البقاء يظل متواضعاً، في الوقت الذي تبقى فيه الأغنية الشعبية غراماً خاصّاً بالنسبة إلى كثيرين".

اقرأ أيضاً: نقابة الموسيقيين المصريين تصدر قراراً يمنع المهرجانات.. هل يشمل محمد رمضان؟
وبدأ هذا اللون من الغناء بالظهور عام 2007 في مدينة الإسكندرية، مع فرقة الدخلاوية، المكونة من فيلو وتوني ومحمود ناصر، حيث كان مهرجان الدخلاوية أول مهرجان يظهر في مصر، تلته عدة مهرجانات أخرى للفرقة نفسها، ثم ظهرت فرق متنوعة في جميع أنحاء الجمهورية، وأول مهرجان صدر في القاهرة كان مهرجان السلام، لأحمد فيجو وعلاء فيفتي، ثم دخلت بعد ذلك شركات الإنتاج المصرية في صناعة المهرجانات وحققت نجاحاً كبيراً.

الرواج والانتشار
ظهرت بعد ذلك موسيقى المهرجانات في الكثير من الإعلانات التجارية على شاشة التلفزيون، وتطورت صناعتها، واستغل الممثل محمد رمضان (الذي شمله قرار المنع من الغناء)، إعجاب الجمهور بهذا النوع من الأغاني؛ فغنّى مهرجان "أنا أصلاً جن"، من فيلم "قلب الأسد"، وساهمت هذه الأغنية في الترويج لهذا النوع من الموسيقى، كما جذبت جمهور المعجبين لدخول الفيلم، وبالتالي استُخدِمت الأغنية للترويج للفيلم الذي حقق إيرادات عالية بالفعل، وعليه انتشرت هذه الأغاني في أوساط الشباب من الطبقات العمالية وتحت المتوسطة في المناطق الشعبية، ووسائل المواصلات، وحفلات الزفاف الشعبية، غير أنّها اجتذبت جمهوراً أكبر من المستمعين من طبقات أخرى عبر مواقع الإنترنت بوجه خاص، خلال العقد الثاني من الألفية الثالثة، وربما جاز القول إنّ أبناء الطبقة الوسطى، حتى المثقفين منهم، أصبحوا يسمعون أغاني المهرجانات الشعبية بشغف كبير؛ إذ إنّ كثيرين منهم يرون أنّها أكثر بهجة من الأغاني الأخرى، بالتالي، تعد تعبيراً عن حالات الفرح والبهجة أو الشعور بالطاقة الإيجابية في مواجهة صعوبات الحياة اليومية.

هشام أصلان لـ"حفريات": لا يجب التعامل بهذا التعالي مع أغاني المهرجانات التي يحبها الملايين ومن جميع الطبقات الاجتماعية

وفي هذا السياق، أوضح الكاتب والصحفي الثقافي هشام أصلان، أنّ من حق أي شخص أن يقدم ما يريد ويعتبره فناً، كتابة أو غناء أو رسماً. وقال لـ"حفريات": "لا يجب أبداً التعامل بهذا التعالي مع لون فني يحبه الملايين ومن جميع الطبقات الاجتماعية، هذا أمر غير مبرر. أغاني المهرجانات هي لون موسيقي يتطور، ونجاحه يرتبط بقدرته على التعبير بجدارة عن البيئة التي خرج منها، وهذه مسألة لا تعني أبداً أنه مقتصر على أبناء الطبقات البسيطة، بل على العكس تماماً.
وأضاف أصلان "أتذكر، كلما حدث هذا الجدال، موسيقى الراي التي وصلت إلى المستمع المصري بداية التسعينيات مع الشاب خالد وأحببنا موسيقاها، بينما لم نفهم تقريباً ما تقوله كلماتها، ذلك رغم أننا لسنا أبناء البيئة التي تعبر عنها موسيقى الراي، وعن نفسي أحب أغاني المهرجانات في حالات مزاجية معينة، كما أحب الاستماع إلى أم كلثوم أو فيروز أو عمرو دياب أو حتى بتهوفن في حالات مزاجية أخرى".

وكان للكاتب والمترجم المصري، أحمد عبد اللطيف، رأي مطابق؛ إذ عبّر عن رفضه لمنع أغاني المهرجانات، ووصفها بالفنّ البديع، حتى إن كان هناك من لم يتقبّل الأمر بعد، وأضاف في حديثه مع "حفريات": "موسيقى المهرجانات خطوة جديدة على طريق الموسيقى المصرية، لا تقل أهميّة عن الخطوة التي قام بها حميد الشاعري، مع جيل الثمانينيات والتسعينيات، وما صنعه محمد فوزي ومحمد عبد الوهاب وسيد درويش".
وأعرب عن اعتقاده بأنّ "ما يُغضب الناس هو وجود بعض الألفاظ التي لا يتقبّل الناس ظهورها في الفضاء العام، أما عن قصة المنع فهو أمر شبه مستحيل؛ لأنّ الإنترنت عالم مفتوح للجميع، لن يستطيع النقيب أن يسيطر عليه مهما فعل، فالفنان هاني شاكر انفصل عن الفنّ والشارع من زمن، سواء على مستوى الموسيقى أو الأغاني، وأعتقد أنّ الفترة القادمة ستحمل تغييراً يكون أكثر تهذيباً لكلمات أغاني المهرجانات، لأنّ أصحابها الآن بصدد مقابلة جمهور أكبر من أبناء الأحياء الشعبية والعمال. وفي رأيي؛ هذه الأغاني وهؤلاء الفنانون، هم أبناء مصر، وفنّهم يناسب شريحة عريضة من المجتمع المصري، لا نستطيع تجاهل ذوقها أو التحقير منه".

اقرأ أيضاً: ما هي أبرز ردود فعل الفنانين على قرار منع المهرجانات في مصر؟

وأردف عبد اللطيف: "لطالما كانت الأغاني المصرية تمتلك مساحة من الخلاعة والكلام الخارج عن المألوف، مثل أغاني ليلة الحنّة، وهي تراث فلاحي مصري، وكان المجتمع يتعامل معها بأريحية، أما الرفض الحالي فسببه، في رأيي، أنّ معظم أصحابه يحبون العيش في المساحات الآمنة، وعدم مواجهة الحقيقة، وهذا من حقهم، لكن ما أرفضه هو فرض الوصاية الفنية على الغالبية العظمى من الشعب، كما أنّ هذا الرفض العنيف هو رفض طبقي بالأساس؛ لأنّ هؤلاء المطربين هم من أكثر فئات المجتمع تهميشاً، ومن أكثر المناطق فقراً، لذلك فإنّ النظرة إليهم لا تخلو من استعلاء".
وتساءل: "مَن هؤلاء الصعاليك الذين سيختطفون جمهورنا؟ ولا يجوز أن ينظر للفنّ بهذا الشكل الطبقي، وأن يتحول إلى عائد اقتصادي ومنافسة مادية على الحفلات ومشاهدات اليوتيوب، وأعتقد أنّ الجدل القائم سيقضي قريباً على تلك النظرة المليئة بالاستعلاء".

للمشاركة:

فيلم "الباباوان": رحلة بين الشك واليقين في أروقة الفاتيكان

2020-02-17

تدور أحداث فيلم الباباوان (The Two Popes) حول المرحلة التي تلت وفاة البابا "يوحنا بولس الثاني"، عام 2005؛ إذ تجري الكنيسة عملية انتخابات، حيث تجتمع الكرادلة من كلّ أنحاء العالم، لاختيار بابا جديد لها، وتحتدم المنافسة بين الكاردينال الألماني، جوزيف راتزنغر(البابا بينديكت السادس عشر لاحقاً)، والكاردينال الأرجنتيني خورخي ماريو بيرجوليو (البابا فرنسيس حالياً)، وليفوز بالنهاية راتزنغر، الرجل الذي يُعبّر عن النزعة اليمينية والمحافظة داخل الكنيسة، مقابل خسارة بيرجوليو الذي يدعو للتغيير والإصلاح من داخل الكنيسة الكاثوليكية.

اقرأ أيضاً: هكذا كشف فيلم "تقوى" الفساد المستشري في التنظيمات الإسلامية التركية
بورجوليو (الممثل جوناثان برايس)، القادم من مدينة بيونس آيرس، لم يكن يطمح لمنصب البابا، لكنّه بالمقابل لم يكن راضياً عن نتائج الانتخابات، يقول لكاردينال، زميل له: "صوتت الكنيسة لتبقي الإصلاحات المتأخرة متأخرة"، وعندما يسأله زميله: ماذا ستفعل الآن؟ يجيبه بأنّه سيعود للأرجنتين، ويخطط لتقاعده.

بوستر الفيلم
في عام 2012؛ تكون الكنيسة قد غرقت بالفضائح المسربة عن فساد في مصرف الفاتيكان، والتحرش الجنسي بالأطفال، ويتزامن ذلك بطلب البابا بينديكت السادس عشر (الممثل أنطوني هوبكنز) للكاردينال خورخي بورجوليو من الأرجنتين، لمقابلته في إيطاليا.
بورجوليو يظنّ أنّ سبب طلب الزيارة هو الردّ على أكثر من رسالة بريدية أرسلها للفاتيكان، يطلب فيها الاستقالة من منصبه، لكن ما إن يقابل البابا حتى يكتشف أنّ استقالته مرفوضة، والأسباب التي نفهمها في بداية الفيلم؛ أنّ استقالة بورجوليو سيفهمها الرأي العام باعتبارها احتجاجاً على سياسة الكنيسة، بسبب الفضائح التي عصفت في أروقتها مؤخراً.

هل يكون فيلم "الباباوان" عبارة عن بروباغندا "ناعمة"، تحمل نزعة تطهيرية لصورة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان؟

لم يبتعد نصّ سيناريو الفيلم عن شرطه المسرحي كثيراً؛ إذ إنّ كاتب السيناريو، أنطوني مكارتين، اقتبس نصّ السيناريو من مسرحيته ("The Pope " 2017)؛ لذلك شكَّلَ الحوار الثنائي بين البابا بينديكت السادس عشر، والكاردينال خورخي بورجوليو، حجر الأساس في الفيلم الذي حاول المخرج توظيفه بصرياً عبر ربط الحوار بسيرة حياة الكاردينال بورجوليو في شبابه على طريقة "الفلاش باك"، ورغم أنّ هذه الحيلة فيها مجازفة ما، ربما، من ناحية دخول مسار مختلف عن مسار الحدث الرئيس الذي هو الأزمة التي تمرّ بها الكنيسة، إلا أنّنا من الممكن أن نراها مقبولة، بحسب سياق الاختلاف الجذري بين البابا بينديكت وبورجوليو، لفهم رحلة الشك واليقين عند رجل دين مسيحي، وأسباب مواقفه الإصلاحية ضدّ المواقف المحافظة والسلبية لبينديكت والكنيسة الكاثوليكية في عهده، والذي سيكون بالنهاية خليفة البابا بينديكت السادس عشر.

يبدأ البابا بينديكت بانتقاد الكاردينال بورجوليو منذ بداية حوارهما معاً؛ إذ يقول البابا لبورجوليو: "أظنّ أنك تقدّم القربان المقدس علناً إلى أشخاص لا تحقّ لهم المناولة للمطلقين مثلاً"، ليجيب بورجوليو: "أعتقد أنّ القربان ليس مكافأة للطاهرين، إنّه طعام للجائعين"، بعدها يقول البابا: "إذاً، المهم ما نؤمن به، وليس ما علَّمته الكنيسة لمئات السنين"، ليردّ بورجوليو: "لا.. "مرقس" الإصحاح الثاني، العدد 17 "جئت لأدعو خطاة" كما علَّمت الكنيسة لآلاف السنين، ليتحدث بعدها البابا بينديكت عن ضرورة وضع حدود، وتشييد جدران، فيقول بورجوليو في النهاية: "الرحمة هي الديناميت الذي يهدم الجدران".

اقرأ أيضاً: فيلم "طفيلي": هل تهدّد الفوارق الاجتماعية مصير العالم؟
شيئاً فشيئاً، تتكشف لنا شخصية أخرى للبابا بينديكت السادس عشر، فرغم اختلاف الآراء بينه وبين الكاردينال بورجوليو، إلا أنّ البابا يبدأ في الحديث عن نفسه، وعن شبابه، لنكتشف أنّ البابا يحبّ العزف على البيانو، ولديه أسطوانة موسيقية من تأليفه، كما أنّه كان يسمع فرقة "البيتلز" في شبابه، كما أنّه، إلى الآن، يتابع برامج فكاهية على شاشة التلفزيون.
تأتي لحظة الكشف عن السبب الذي دعا فيها البابا، الكاردينال بورجوليو، لزيارته، وهو أنّ البابا يرغب بالتخلي عن منصبه والاستقالة من البابوية، بشرط ألّا يقدم بورجوليو استقالته، وأن يكون هو خليفته.

اقرأ أيضاً: 20 فيلماً ينبغي أن تكون على قائمة مشاهداتكم عام 2020
يصاب الكاردينال بورجوليو بصدمة؛ إذ يصرّ على أنّه ليس الشخص المناسب لمنصب البابا، لكن عند إلحاح البابا عليه، وبأنّه لن يتراجع عن قراره، يصارح بورجوليو البابا بأنّ له ماضياً لا يعرف عنه شيئاً، وأنّه ماضٍ غير مشرف؛ إذ يعترف بورجوليو بأنّه؛ إلى الآن يشعر بتأنيب الضمير لوقوفه مع الدكتاتورية العسكرية في الأرجنتين، وكان السبب بتعذيب أصدقائه المقربين في تلك الفترة، وما يزال الإحساس بالعار يلاحقه حتى هذه اللحظة.
كما أنّ البابا بينديكت، بدوره، يقرّر الاعتراف للكاردينال بخطاياه، التي لا يعرف المشاهد ما هي؛ إذ إنّ المخرج يصور لنا الاعتراف من غير أن نسمع ما يعترف به البابا للكاردينال.

 فيلم "الباباوان" للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس
فيلم "الباباوان" ينتمي لتلك النوعية من الأفلام، التي تطرح وجهات نظر في قضايا كبيرة؛ دينية أو سياسية أو اجتماعية، لن يحلها عمل فني في النهاية، إنما يلقي الضوء على جانب من جوانبها؛ لذلك لم يكن نصّ الفيلم يمضي في مسار واحد، إنما كانت هناك مسارات تتقاطع وتلتقي فيما بينها.

يختم المخرج البرازيلي الفيلم بجلوس الباباوين بينديكيت السادس عشر وفرنسيس يتابعان مباراة كرة قدم بين الأرجنتين وألمانيا

لا يمكن القول إنّ الفيلم هو سيرة ذاتية لخورخي بورجوليو فقط، ولا هو بالمناظرة الفكرية بين بابا وكاردينال، ولا هو إلقاء الضوء على كواليس ما يجري بالكنيسة الكاثوليكية، إنما هو اجتماع كلّ ذلك؛ صدف و"أقدار"، وتجربتان حياتيتان، سينتج عنهما اختلافات جذرية، ظاهرها يُصورّ على أنّه صراع بين قوى الخير وقوى الشرّ داخل أروقة الكنيسة، لكنّ الحوار والنقاش الطويل بين الرجلين سيفكّك للمشاهد ثنائية الخير والشرّ بصورتها الحادة والثابتة.
يختم المخرج الفيلم بجلوس الباباوين بينديكيت السادس عشر وفرنسيس يتابعان مباراة كرة قدم بين الأرجنتين وألمانيا.
خاتمة تشير ربما لنهاية الخلافات بين الرجلين، أو ربما لتقول للمشاهد؛ حتى رجال الدين الذين تدور حولهم هالة من القداسة يخطئون، ولهم حياة تشبه حياة الناس العاديين. 
يضع فيلم "الباباوان"، للمخرج البرازيلي فرناندو ميريليس، المشاهد في حيرة من أمره؛ هل يستسلم لمتعة مشاهدة عمل سينمائي مختلف من حيث الطرح والأسلوب ورشاقة أداء بطلي الفيلم؛ (أنطوني هوبكنز وجوناثان برايس)، أم يشكّك في أن يكون الفيلم عبارة عن بروباغندا "ناعمة"، تحمل نزعة تطهيرية لصورة الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان؟

للمشاركة:

التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

غسان مفاضلة's picture
كاتب وتشكيلي أردني
2020-02-13

لم تكن طريقة الموت المأساوية التي باغتت حياة التشكيلي السوري، لؤي كيالي (1934- 1978)، أثناء نومه، سوى التمثيل الأشدّ رمزيةً واختزالاً للاضطرابات النفسية التي تناوبت على أعوامه الأخيرة بالعزلة والاكتئاب، وهو التمثيل الأخير الذي خطف حياته بفعل حريق متسلّل، ليطويَ معه سيرة الرائي مع الجمال المخضّب بالأحزان.

عشرة أعوام تقريباً فصلت مأساة احتراق الفنان، الذي احتفى محرك "غوغل" مؤخراً، بعيد ميلاده الـ 86

عشرة أعوام تقريباً فصلت مأساة احتراق الفنان، الذي احتفى محرك "غوغل" مؤخراً، بعيد ميلاده الـ 86، عن إقدامه على حرق "أو تمزيق" لوحات معرضه "في سبيل القضية"، الذي تزامن مع هزيمة حزيران 1967، لتبدأ معها، أو بسببها، انتكاساته النفسية. ورغم الأزمات النفسية المتكررة التي اعتزل بسببها التدريس والرسم "بين الحريقين"؛ فإنّ إنجازاته في الأعوام العشرة الأخيرة من حياته المضطربة، شكّلت منعطفاً مفصلياً في خياراته وتحولاته الفنية التي جعلت منه أحد أعلام الحداثة التشكيلية في مشهدها العربي المعاصر.

لؤي كيالي (1934- 1978)
وسواء كانت حادثة موته احتراقاً في منزله بمسقط رأسه في مدينة حلب، جراء سقوط لفافة تبغ على فراشه، عندما داهمه النوم بفعل المهدئات النفسية، حادثة عرضية، أم كانت انتحاراً، بحسب من اعتبروها نتاج معاناته وعزلته، وأحياناً نتاج "تشكيكه بجدوى الفنّ في بعض المفترقات"؛ فإنّ حادثة إحراقه لأرشيفه الصحفي، ولوحات معرضه "أو تمزيقها"، لم تكن عرضيةً أبداً؛ كانت أشبه ما تكون بصرخةٍ مكتومةٍ استدرجته إلى طريق الحريق الأخير؛ حريقٌ فاجعٌ وجارحٌ.

التجريح الذي طال معرضه "في سبيل القضية" كان ظاهرياً؛ بسبب التحوّل الذي طال موضوعاته المعروفة بقسماتها التعبيرية والجمالية، وانتقالها إلى موضوعات أخرى غير مألوفة عن الفنان، تتعلّق بالقضايا الوطنية والقومية، لكنّ باطن التجريح عند الذين هاجموه من النقّاد والفنانين الذين رأوا أنّ تحوّله الفني كان "تحولاً انتهازياً"، لم يخرج عن كونه "ثرثرة عابرة" حول منبت الفنان الأرستقراطي الذي صار "فناناً ملتزماً".

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لم يكن تعامله مع مظاهر المأساة الفلسطينية، منقطعاً عن سياق محطاته التعبيرية السابقة، والتي وشّحت وجوه الناس وعادياتهم اليومية بحزنها الشفيف؛ إنّه الحزن نفسه الذي أطلّ من خلاله على المأساة الفلسطينية "مأساة اللاجئين النازحين عن الأرض المحتلة، مأساة ضخمة، حاولت قدر استطاعتي توظيف إمكاناتي لتغطية أبعادها في اللوحة"؛ يقول عن لوحات معرضه الذي أقيم حينها، في المركز الثقافي العربي بدمشق، ليطوف، بعد ذلك، على عدد من المحافظات السورية، وتضمّن المعرض نحو ثلاثين لوحة صوّرت مأساة الشعب الفلسطيني.

لم يكن تعامله مع مظاهر المأساة الفلسطينية، منقطعاً عن سياق محطاته التعبيرية السابقة
الضجة التي أثيرت حول معرضه، ورأت أنّ تأثّره بالقضايا الوطنية والقومية "تأثر زائف"، خاصة من فنان اشتهر، بحسبهم، برسم الوجوه النسائية المفعمة بأسباب الحياة والجمال، ورسم "البورتريهات" ليشتريها الأثرياء؛ هي ما دفعته إلى إتلاف لوحات معرضه، ليدخل بعدها في أزمات نفسية لازمته حتى رحيله.

ظلّت حالات الاكتئاب تتناوب كيالي إلى أن قرّر بيع منزله في حلب، ومغادرة سوريا، عام 1977، للعيش في روما

موته التراجيدي لم يكن سبباً في تسليط الضوء، بأثر رجعي، على موهبته الفنية المبكّرة، والكشف عن فرادة منجزه في مشواره المعذّب والقصير؛ ففي عام 1952، وهو في سنّ الثامنة عشر، أقام معرضه الأول في مدرسته الثانوية بحلب، قبل أن ينتسب الى كلية الحقوق بجامعة دمشق، التي انقطع عنها لدراسة الفنون في روما، عام 1956، وبعد مرور أكثر من ستة عقود على معرضه الأول، عُرضت إحدى لوحاته التي تصوّر جنوداً سوريين وسط المعركة، في مزاد "كريستيز" العالمي، في دبي عام 2014.
في الأعوام الخمسة الأولى، بعد عودته من إيطاليا، حقّق الفنان شهرة محملة بمنجزه اللافت في الوسط التشكيلي بدمشق؛ كانت لوحات ابن الطبقة الثرية، الوسيم المرهف والمزاجي، تباع منذ تخرجه من أكاديمية الفنون الجميلة في روما، عام 1961، بأسعار هي الأعلى في مشهدها السوري، وحظيت على الدوام بتقدير مجايليه من الفنانين والنقاد، وفي مقدمتهم فاتح المدرّس، الذي شاركه في بينالي "فينيسيا" عام 1960، أما معرضه في صالة "لافونتانيلا" في روما، عام 1959، حينما كان طالباً في أكاديميتها، فقد شكّل نافذة الوسط الفني الإيطالي للتعرّف إلى صاحب التعبيرية الناعمة التي تؤاخي بين الحزن والجمال.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
هل كانت موهبته وبزوغه الفني المبكّرين، وحساسيته المفرطة تجاه إكراهات الحياة وعذابات الإنسان، سبباً في توتراته النفسية وصراعاتها؟! ربما، لكنّها في جميع حالاتها، المكتومة والصارخة، لم تكن لتحدّ من إنجازاته التي شكّلت إضافةً مبكرةً للحداثة التشكيلية في أفقها العربي المعاصر.

موته التراجيدي لم يكن سبباً في تسليط الضوء، بأثر رجعي، على موهبته الفنية المبكّرة
الفنان الذي بدأت رحلته الإبداعية المبكرة مع الموضوعات المحببة لعشاق الفنّ الأثرياء، وجد نفسه بعد منتصف ستينيات القرن الماضي مأخوذاً بهموم الناس البسطاء والهامشيين، ومنحازاً للقضايا الوطنية والقومية؛ لم تكن تعنيه مسايرة رغبة المقتنين والأثرياء ممن اعتادوا موضوعاته الفنية، وألِفوا قسماتها التعبيرية، كلّ ما كان يعنيه، هو الإنصات إلى صدى صوته الداخلي، وهو يمور بالقلق والاضطراب، الصدى الذي خلع على تعبيراته الواقعية المعجونة بالعزلة والتوجّس، وشاحاً منسوجاً من الحزن والجمال. 

اقرأ أيضاً: ست نساء يرصدن انفعالات الوجوه في معرض تشكيلي بعمّان
بعد أن تفاقمت أزمته النفسية، عام 1969، انقطع عن الحياة العامة ليلوذ بعزلته البيتية في مدينة حلب، ذهب مع أهله للعلاج في بيروت، وما إن تحسّنت حالته، مطلع سبعينيات القرن الماضي، حتى عاد للتدريس مرة أخرى في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، ثم ما لبثت الأزمة الثانية التي شفي منها أن عاودته مرة ثانية، واستمرت تداعيات أزمته النفسية حتى قيام حرب تشرين، عام 1973، ليستعيد بعدها تمالكه النفسي، ويعود لمزاولة الرسم بإيقاع جديد من حيث التقنية والتكوين؛ فجعل من الخشب المضغوط مفردة تعبيرية شفيفة، لها مذاق موضوعاته وملمسها، فيما راحت مساحاته اللونية، ضمن بنيتها التكوينية الرشيقة، بالتمدّد والاتساع  والاستقرار.

اقرأ أيضاً: التشكيلي عصام طنطاوي: مسافر زاده الخيال
ظلّت حالات الاكتئاب تتناوبه بوتائر مختلفة، إلى أن قرّر بيع منزله في حلب، ومغادرة سوريا، عام 1977، للعيش في روما، التي سبق أن شكّل علاقات واسعة ووثيقة مع مثقفيها وفنانيها، غير أنّه ما لبث أن عاد إلى حلب، عام 1978، بعد أن اكتشف أنّ المناخ الثقافي والفني الذي عرفه سابقاً في حاضرة الفنّ والجمال، لم يعد له وجود.
لكنه عاد بأزمة نفسية أكثر ضراوة من سابقاتها، لجأ معها إلى المهدئات التي فتحت الطريق أمام النار، لاختطاف "الرائي" من نومه الأخير.

للمشاركة:



وفاة الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

غيّب الموت الرئيس المصري الأسبق، محمد حسني مبارك، اليوم الثلاثاء، عن عمر يناهز 91 عاماً، وفق ما أعلن التلفزيون المصري.

وتدهورت صحة الرئيس الأسبق على مدار الأيام القليلة الماضية، حيث نقل إلى العناية الحثيثة، حسبما ذكر نجله علاء.

وأكدت أسرة مبارك،  نبأ وفاته، وذكرت مصادر مقربة منها، لـ "العربية نت"؛ أنّه سيتم تشييع الجثمان من مسجد المشير طنطاوي بالتجمع الخامس شرق القاهرة.

وبدأ مقربون من علاء مبارك، نجل الرئيس الأسبق، في نشر برقيات العزاء على مواقع التواصل الاجتماعي.

وكان علاء مبارك، النجل الأكبر للرئيس المصري الأسبق، قد أعلن منذ عدة أيام أنّ والده يتواجد حالياً داخل غرفة العناية المركزة في إحدى المستشفيات، نتيجة إصابته بوعكة صحية.

صحة مبارك تدهورت على مدار الأيام القليلة الماضية حيث نقل إلى العناية الحثيثة

وتنحى مبارك عن حكم مصر، في شباط (فبراير) 2011، على خلفية احتجاجات شعبية ضدّ حكمه.

وكانت محكمة النقض المصرية قد أصدرت، في 2 آذار (مارس) الماضي، حكماً نهائياً ببراءة الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك، من قضية قتل المتظاهرين عام 2011، وصدر الحكم بعد مثول مبارك أمام المحكمة في أكاديمية الشرطة بالقاهرة الجديدة مرات عديدة.

وأمضى الرئيس المصري الأسبق قرابة ثلاثين عاماً في حكم مصر، وحفلت حياته بكثير من الأحداث.

ولد مبارك في الرابع من أيار (مايو) 1928 في قرية كفر المصيلحة في محافظة المنوفية، بمنطقة الدلتا شمال القاهرة.

وعقب انتهائه من تعليمه الثانوي التحق بالكلية الحربية في مصر حصل على البكالوريوس في العلوم العسكرية، عام 1948، وعلى درجة البكالوريوس في العلوم الجوية، عام 1950، من الكلية الجوية.

وتدرج في سلم القيادة العسكرية؛ فعيّن، عام 1964، قائداً لإحدى القواعد الجوية غرب القاهرة.

وتلقى دراسات عليا في أكاديمية "فرونز" العسكرية في الاتحاد السوفييتي السابق.

وفي تشرين الثاني (نوفمبر) عام 1967؛ عُيّن مديراً للكلية الجوية في إطار حملة تجديد لقيادات القوات المسلحة المصرية، عقب هزيمة حزيران (يونيو) 1967.

ثم أصبح رئيساً لأركان حرب القوات الجوية المصرية، وهو المنصب الذي ظلّ يشغله حتى تعيينه قائداً للقوات الجوية ونائباً لوزير الدفاع، عام 1972.

وعام 1973؛ اشترك في التخطيط لحرب 6 تشرين الأول (أكتوبر)؛ حيث بدأ الهجوم المصري على القوات الإسرائيلية التي كانت تحتل شبه جزيرة سيناء بغارات جوية مكثفة ساعدت في دعم عبور القوات المصرية لقناة السويس واقتحام خط بارليف ما كان له أثر كبير في تحويل مبارك إلى بطل قومي، وتمّت ترقيته في العام التالي للحرب إلى رتبة فريق، ثم اختاره الرئيس المصري الأسبق، أنور السادات، نائباً له، عام 1975.

وقد اغتيل الرئيس السادات خلال عرض عسكري، في السادس من تشرين الأول (أكتوبر) 1981، وكان مبارك جالساً إلى جواره، خلال العرض العسكري، حين تعرضت المنصة الرئيسة للهجوم الذي قتل فيه السادات بينما نجا مبارك.

وفي 14 تشرين الأول (أكتوبر) 1981؛ أدّى محمد حسني مبارك اليمين الدستورية كرئيس للبلاد.

وأعيد انتخابه رئيساً للبلاد في استفتاءات شعبية، كان المرشح الأوحد فيها في أعوام 1987 و1993و1999؛ حيث إنّ الدستور المصري يحدد فترة الرئاسة بستة أعوام دون حدّ أقصى.

وعام 2005؛ أقدم مبارك على تعديل دستوري جعل انتخاب الرئيس بالاقتراع السرّي المباشر، وفتح باب الترشيح لقيادات الأحزاب، وأعيد انتخابه بتفوق كاسح على منافسيه، إلى أن تمّت الإطاحة به عام 2011.

 

 

 

للمشاركة:

اعتراف جديد لأردوغان..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

اعترف الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بمقتل جنديين تركيين في ليبيا؛ حيث أرسلت أنقرة جنوداً لدعم ميليشيات السراج في حربها ضدّ الجيش الليبي.

وقال أردوغان، في مؤتمر صحفي في أنقرة، وفق ما أوردت وكالة "رويترز": "سقط قتيلان هناك في ليبيا"، ولم يحدّد الرئيس التركي متى قتل الجنديان ومن الجهة التي قتلتهما.

وكانت المعارضة التركية قد اتهمت أردوغان بإخفاء معلومات حول قتلى الجيش التركي في ليبيا.

أردوغان يعترف بمقتل جنديين تركيين في ليبيا دون الإفصاح عن معلومات إضافية حولهما

وتشير تقديرات الجيش الليبي، وتقارير إعلامية، إلى سقوط عدد أكبر من الجنود الأتراك يقدر بـ 16 عنصراً من الجيش التركي، وسط أنباء عن مقتل قائدهم الميداني.

وتنخرط تركيا في دعم حكومة السراج والمليشيات المسلحة التابعة له بالمال والسلاح، رغم قرار مجلس الأمن الدولي بحظر توريد السلاح إلى ليبيا، منذ 2011.

ومنذ بدء عملية "طوفان الكرامة"، التي أطلقها الجيش الليبي، في نيسان (أبريل) الماضي، لتحرير طرابلس من التنظيمات الإرهابية والمليشيات المسلحة، أسقطت القوات المسلحة أكثر من 30 طائرة تركية مسيرة تابعة للمليشيات.

وكان أردوغان قد اعترف قبل أيام بسقوط قتلى من جيشه في ليبيا؛ حيث يحارب إلى جانب ميليشيات السراج التي تبسط سيطرتها على طرابلس، وسط استنكار دولي ورفض إقليمي.

هذا ونقلت وسائل إعلام تركية، أمس؛ أنّ العقيد السابق بالجيش التركي، أوكان ألتناي، الذي تقاعد بعد انقلاب 15 تموز (يوليو) 2016، قتل في ميناء طرابلس، وتمّ دفنه في مسقط رأسه، في ظلّ تعتيم كبير.

 

 

للمشاركة:

هل تشهد أستراليا عمليات إرهابية قريباً؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

توقّع مايك بورجيس، المدير العام لمنظمة الاستخبارات الأمنية الأسترالية، اليوم، استمرار التهديدات الإرهابية في البلاد، قائلاً: "تهديد الإرهاب في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً بشكل غير مقبول في المستقبل القريب".

وأوضح مايك بورجيس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الألمانية؛ أنّ "الإرهاب المتطرف ما يزال يشكل مصدر القلق الرئيس للأجهزة الأمنية في البلاد".

وأشار إلى أنّ هناك "تهديداً حقيقياً" من الجماعات اليمينية المتطرفة، مثل النازيين الجدد في البلاد، مؤكداً أنّ "التهديد اليميني المتطرف في أستراليا حقيقي ويتزايد".

وكشف أنّ اليمين المتطرف محط أنظار الأجهزة الأمنية منذ فترة، لكنّه وقع تحت تركيز مكثف بعد هجوم كرايستشيرش، الإرهابي الذي استهدف مصلين في مسجدين بنيوزيلندا العام الماضي.

الاستخبارات الأمنية الأسترالية: التهديد الإرهابي في الداخل أمر محتمل وسيظلّ مرتفعاً في المستقبل القريب

ومن جانبه، قال رئيس الوزراء، سكوت موريسون، للصحفيين، الثلاثاء: "الإرهاب والتطرف يأتيان بالعديد من الأشكال والألوان المختلفة ومن المهم أن تحافظ جميع جهودنا على سلامة الأستراليين".

بدوره، أكد وزير الشؤون الداخلية، بيتر دوتون، أنّ الحكومة ستتعامل مع من يريدون "إلحاق الأذى بالأستراليين؛ سواء كانوا في أقصى اليمين أو أقصى اليسار أو بينهما".

وأصدرت الشرطة الفيدرالية الأسترالية مؤخراً مذكرات اعتقال بحق 42 رجلاً وامرأة، سبق أن سافروا إلى سوريا، لدعم تنظيم داعش الإرهابي أو خوض القتال إلى جانبه.

وبحسب صحيفة "الغارديان" البريطانية؛ فقد أكّد متحدث باسم الشرطة الأسترالية أنّ التحقيقات الجنائية جارية مع جميع الأستراليين المشتبه بسفرهم إلى منطقة النزاع في سوريا.

 

 

للمشاركة:



أردوغان والبحث الدائم عن "الأمان"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

محمد حسن الحربي

في التاريخ البشري المعاصر، توجد فئة محدودة من السياسيين، أينما ذهبوا أخفقوا في مساعيهم، وخلّفوا لشعوبهم خيبات صادمة تدوم لأجيال، ويعدُّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان أحدهم بامتياز. فبعيداً عن الهوى، واعتماداً لوقائع على الأرض، وفي ضوء تحليلات متخصصين في الشأن، يصل المراقب بموضوعية إلى نتيجة بأن الرجل مصرٌّ على المضي في سياسته الخارجية المتخبّطة. فما أن يعلن عن إبرام اتفاق، سواء كان لتصدير الأجبان والأقمشة، أو تصدير المقاتلين المرتزقة لرسم خرائط البحار، أو لإنجاح هروبه من حلفاء الأمس، إلى آخرين جدد أقل ذكاءً منهم، بحثاً عن تنوّع في مصادر الطاقة.. ما أن يُعلن عن أيٍ من تلك الاتفاقات، طبعاً عبر خطاب جماهيري، تحريضي وحربي اللهجة، إلا وطلّت الأزمات برأسها تباعاً لتتدحرج ككرة الثلج وتسد منافس شعب مخنوق في الأساس بتهمة (فتح الله غولن) الأزليّة التي لا تنقضي.
آخر الأزمات، التوتر التركي مع المغرب، إذ هددت الرباط بالانسحاب من اتفاقية التبادل الحر بين البلدين، بسبب الخسائر الفادحة التي تكبدها الاقتصاد المغربي، قدّرها مولاي حفيظ العلمي، وزير الصناعة والتجارة والاقتصاد، بملياري دولار. من بين الأسباب المباشرة لها، التفاف تركيا على الاتفاقية وإغراق الأسواق المحلية بمنتجاتها، وتعثير إجراءات دخول المنتجات المغربية إلى الأسواق التركية. وكان دائماً هدف تركيا من الاتفاقية هو (التجارة الآمنة). والجزائر، البلد الجار، لم تنج هي الأخرى من أردوغان الذي غادرها بعد زيارة، ليخلّف فيها استياءً عاماً، إذ أطلق وابلاً من التصريحات النارية تجاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وظّف فيها معلومات مغلوطة (= إحصائيات) استنبطها خطأً في الجزائر، مما دفع الأخيرة إلى استنكار محتوى التصريحات والمعلومات المغلوطة الواردة فيها، والزج باسمها بطريقة خارجة على الأعراف الدبلوماسية.
وفي السياسة كما الاقتصاد، هدف أردوغان إلى تحقيق (الحدود الآمنة) فما كان يدفعه في الملف السوري هو عاملان معلنان، الأول (الحدود الآمنة) التي يرى أنها شريط حدودي خالٍ من الكرد السوريين. والثاني اللاجئون السوريون المقدّرين بـ(3.6) مليون لاجئ يبتز بهم أوروبا. إن شعار (الحدود الآمنة) الذي رفعه أردوغان، هدفه المضمّر كان احتلالاً لموقع جيوسياسي في أرض سورية، إضافة إلى توافره على سلة خيرات زراعية، وأيدٍ عاملة فنية، وورقة ضغط سياسي في أية مفاوضات مقبلة. المقياس ذاته حينما يريد المرء تطبيقه على إدلب، يكتشف كان شعار (الحدود الآمنة) كاذباً، فإدلب لا كُرد فيها بل هي خزان يعج بالمتطرفين من كل الدنيا. وأدلب كانت فخاً رتّبه بحنكة الرئيس فلاديمير بوتين لأردوغان في أستانة ثم سوتشي، وما الصرخات التي تُسمع اليوم لأردوغان ووزرائه كنتيجة لأدلب، سوى انعكاس لحقيقة المأزق في الحفرة التي دفعَ إليها جيشه. أما في ليبيا التي ذهب إليها بشعار مختلف (رسم خرائط البحار) بين ضفتي المتوسط، وكان يحمل مضمّراً هو (الطاقة الآمنة). فاللجوء إلى تعويم «حكومة الوفاق»، غايته كانت استثماراً استباقياً في اقتصاد ما بعد الحرب، فعين الرئيس أردوغان على النفط الليبي الذي سيخلصه من الأسر الأبدي للحليفين الروسي والإيراني في مجال الطاقة.
من يريد معرفة سبب تخبط أردوغان في السياسة الخارجية، ودخوله في مناظرات مقلقة فيما يخص العالم، عليه معرفة معاناته الداخلية ومشكلاته، فالمعارضة النشطة يمثلها اليوم حزبان، الأول أنشأه رئيس الوزراء السابق أحمد داود أوغلو، والثاني يقوده وزير المالية والاقتصاد السابق باباجان بدعم مباشر من عبد الله غُول، رئيس الوزراء الأسبق. والاقتصاد التركي يعاني من ضعف الأداء، فنسبة النمو تراجعت إلى 2% في السنوات الأخيرة، في مقابل 9% في السنوات السابقة، وبالتالي فالمطلوب العاجل تحقيق نسبة 4% لضمان مستوى معيشة المواطنين، في مواجهة ضغوط الزيادة السكانية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:

ما الذي يجمع الإخوان وكتائب حزب الله في العراق

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-25

عبدالجليل معالي

استقبل الأمين العام للحزب الإسلامي العراقي، رشيد العزاوي، الأحد، وفدا من المكتب السياسي لكتائب حزب الله في العراق. وبحث الجانبان العلاقات الثنائية، وتطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية، وملف تشكيل الحكومة المؤقتة، والاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين، والتعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة. وأكد الطرفان على ضرورة تحديد موعد للانتخابات المبكرة، وأهمية تحشيد كافة الجهود لتوفير الظروف المناسبة لإنجاحها.

يذكرُ أن رشيد العزاوي هو صديق مقرب للإيرانيين وعاش في إيران جزءا كبيرا من حياته. قدمت له كتائب حزب الله تهنئة متأخرة على تسلمه مسؤولية قيادة الحزب الذي سبق له أن توفي سياسيا. وقد يبدو لقاء الحزبين، متصلا في الظاهر ببحث صعوبات ومعوقات تشكيل حكومة محمد توفيق علاوي، (وهذا أمر موجود في اللقاء) إلا أنه في العمق يخفي إشارات سياسية وأيديولوجية أكثر خطورة من معلن الاجتماع.

اجتماع قيادات الحزب الإسلامي السني، سليل  الإخوان المسلمين، مع وفد من كتائب حزب الله،  أحد أكبر الفصائل الشيعية المسلحة في العراق والذي يتبع أيديولوجيا نظام ولاية الفقيه في إيران، يمكن أن يقرأ  بوصفه حالة “تجاوز” للطائفية السياسية في العراق، وهي مظهر سياسي استشرى منذ مفصل أبريل 2003، إلا أن ربط اللقاء بالتوقيت السياسي الذي جرى فيه، يسمح باستخراج جملة مضامين سياسية وأيديولوجية لا تمتّ بصلة لما يمكن أن يُعدّ تجاوزا للطائفية.

وقد وصفت مصادر سياسية عراقية اللقاء بأنه استعراضي ولا أهمية له. فلا الحزب الإسلامي ولا الكتائب قوة سياسية مؤثرة في تشكيل الحكومة، والطرفان لا أهمية سياسية لهما. لكن ذلك لا يحول دون القول إن الأحزاب الإسلامية، الشيعية والسنية، في العراق استشعرت خطرا مدنيا قادما يمكن أن يهدد مصالحها وهيمنتها على السلطة، ويمكن أن يهدد تبعا لذلك إيران. على ذلك سارعت هذه القوى إلى إعلان وحدتها في وجه التعبيرات المدنية التي تعالت أصواتها في ساحات الاحتجاج.

ففي مواجهة الخطاب المدني، تلجأ الأحزاب الدينية إلى الاتحاد، ولا ترى ضيرا في تجاوز اختلافاتها المذهبية والأيديولوجية، والهدف المشترك هو تأبيد البقاء في السلطة ومنع النقيض السياسي من فرض مقولاته السياسية.

دأبت أحزاب الإسلام السياسي، في أكثر من قطر عربي إسلامي، وخاصة في العراق على تجاوز ما يفرقها فكريا ومذهبيا، من أجل التصدي لـ“خطر مشترك”، والخطر الماثل اليوم كامن في إصرار الاحتجاجات ومرابطتها على شعاراتها المدنية، الرافضة لحكم الأحزاب الدينية، والمعبرة عن وكالة سياسية لإيران، وهنا بالتحديد كان توجس الأحزاب الدينية مزدوجا، إذ قرأت الاحتجاجات على أنها تهديد مزدوج على بقائها في السلطة بما تعنيه من منافع سياسية ومادية، وأيضا على ارتباطها بإيران التي تمثل القاعدة السياسية والأيديولوجية لوجودها السياسي.

وفي لقاء الحزب الإسلامي مع كتائب حزب الله، بعد آخر متصل بالراهن العراقي، وله أيضا دلالات تضفي على الاجتماع المزيد من الأهمية. إذ لا يمكن إغفال ما صدر إعلاميا عن اللقاء من كونه بحث “تطورات الوضع السياسي على الساحة العراقية وملف تشكيل الحكومة المؤقتة”، ولو أنه ادعى “الاستجابة المطلوبة لمطالب المتظاهرين” و“التعاون من أجل عودة المهجرين إلى المناطق المحررة” والمحور الأخير يرادُ له أن يشير إلى أنه من بنات أفكار الحزب الإسلامي الذي يزعمُ الذود عن مطالب المكون السني، والذي كان في صدارة المتضررين من الحملة على تنظيم داعش الإرهابي وما صاحبها من تنكيل بالعرب السنة في العراق.

وفي التاريخ العراقي القريب صفحات كثيرة دالة على “براغماتية” الحزب الإسلامي، الذي كان من أول الأحزاب العراقية التي رحبت بالاحتلال الأميركي وشارك في العملية السياسية المترتبة عن ما بعد مفصل أبريل 2003، حيث تم اختيار محسن عبدالحميد، الأمين العام للحزب وقتذاك، عضوا لمجلس الحكم العراقي الذي أسسه بول بريمر، ثم تقلد منصب رئيس المجلس ابتداء من شهر مارس 2004.

ففي حاضر الحزب الإسلامي وماضيه ما يعبر عن ذلك النزوع نحو إدارة الظهر للانتماء الوطني، والاستعاضة عنه بالانتصار للانتماء المذهبي والديني، سواء كان انتماء لجماعة الإخوان المسلمين أو الانتماء لمنظومة الإسلام السياسي بشكل عام. وهذا ما يبرر التقاءه مع كتائب حزب الله، وهو تجمع يضم كتائب لواء أبي الفضل العباس وكتائب كربلاء وكتائب السجاد وكتائب زيد بن علي، أعلنت توحدها تحت اسم “حزب الله العراقي” في العام 2006.

على أن الالتقاء التكتيكي الذي حصل الأحد، حول مفردات سياسية راهنة عنوانها الأساسي أزمة الحكومة، لا يخفي التقاء أيديولويجا عنوانه الأبرز المزيد من تكريس مقولات “الإسلام هو الحل” والإيغال في الذهاب بالعراق نحو الدولة الدينية أو على الأقل تجنب كل تهديد لهذا الملـمح الديني الذي تبتغيه هذه الأحزاب الإسلامية للعراق.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

الفنان محمد نصر الله: المخيم علّم ألواني الحب والحرية

2020-02-25

أجرت الحوار: رشا سلامة


قلّما تكون فلسطين حاضرة في نتاج مبدع ما، بشكل كامل غير منقوص البتة، كما يحدث لدى الفنان التشكيلي، محمد نصر الله؛ إذ لا تكاد الذاكرة تحصر له عملاً واحداً لا يستحضر فيه فلسطين، بدءاً من الألوان التي تحاكي الجغرافيا الفلسطينية، مروراً بمحطات القضية الفلسطينية تاريخياً، وليس انتهاءً بأسماء معارضه وحديثه هو نفسه عن نتاجه.

اقرأ أيضاً: التشكيلي السوري لؤي كيالي: الرائي الذي اختطفته النيران

حياة نصر الله، المولود عام 1963، في مخيم الوحدات في الأردن، لأبوين هُجّرا من قريتهما المقدسية "البريج"، مرتبطة كذلك، بتفاصيلها كلّها بالقضية الفلسطينية؛ إذ لا تكاد عبارة واحدة لنصر الله، أو لفتة، أو موقف تواصل اجتماعي يخلو من ذِكر فلسطين.

كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين

يقول محمد نصر الله إنّه تمرّد على قيود الوظيفة ولم يحتمل محدّداتها، كما أطلق لنفسه العنان، طوال الأعوام الماضية، للخروج عن دوائر المألوف والمتوقَع، فأقام معرضه الثاني "أناشيد التراب 2" بينما كانت حرب الخليج تقرع طبولها، رغم تحذيرات كثيرين له من أنّ الوقت غير مواتٍ لهذا، كذلك هو محمد نصر الله، الذي لم يدرس الفنّ التشكيلي ضمن قوالب معلّبة، ولا تتلمذ على يد أستاذ بعينه، ولم يُحسب على مدرسة محدّدة، تماماً كما أراد طوال حياته.

كان لـ "حفريات" هذا الحوار مع الفنان التشكيلي، محمد نصر الله، الذي درسَ الفنون في معهد الفنون الجميلة، كما حصل على دبلوم فيها من المركز الثقافي الإسباني في عمّان، والذي يعكف على مشروع جديد، عنوانه الأبرز فلسطين، كما هو دأبه دوماً.

- بعد مرور هذه الأعوام، التي أمضاها محمد نصر الله بين المخيم والفنّ الذي ما برح المخيم؛ هل ثمة شعور باليأس من طول المسافة؟ تبدو الدرب طويلة جداً نحو التحرير، وتحديداً على ضوء المعطيات الأخيرة، هل تعِب نصر الله؟

أدين بكلّ شيء للألوان والمخيم؛ ذلك أنّه علّمني الحب والحرية، رغم عتمة هذا الكون المليء بالهموم والأحزان، ولم أتعب يوماً؛ بل بقيت طفل المخيم الصغير الذي لم يبلغ سنّ الرشد بعد؛ أحبو على عتبات بيوت المخيم وأتعلّم كلّ يوم.
مخيم الوحدات كان أكبر من قصة، وأكبر من رواية، لقد حمّلني المخيم بتجارب كثيرة منذ طفولتي، وهي التجارب التي ما أزال أتتلمذ على يدها حتى هذه اللحظة.

اقرأ أيضاً: تشكيلي أردني يرسم "فاكهة الجنة" ويحتفي بموائد الطبيعة الصامتة
لطالما كنت في المخيم أمشي وأنا أسمع جوقة موسيقية صامتة حولي، وهي الجوقة التي لم تتوقف في يوم عن الغناء للحبيبة الغائبة فلسطين.
لم أتعب، ولم يتراجع أملي يوماً ما في أنّ الحرية قريبة جداً، هكذا تبشّر اللوحة.

-  تبدو الحرية منظومة متكاملة لدى محمد نصر الله؛ إذ لم تقف عند حدود فلسطين، بل لطالما كان أحد المبدعين الذين لم يرضوا بتكبيل ذاتهم بقيود وظيفية؛ إلى أيّ مدى وجدت هذا قراراً مريحاً صائباً أو صعباً؟

لا أحتمل الحياة الوظيفية، بكلّ قيودها الزمنية؛ لأنّها مقتل للمبدع؛ لهذا تركتها مع بداية الانتفاضة الفلسطينية الأولى، وأخذت قراراً بأن أتفرّغ للفنّ، وما يزال هذا القرار معمولاً به لديّ حتى اللحظة.
الفنّ متنفسي الوحيد في هذا العالم، ولست حزيناً؛ لأنني وجدته سبيلاً لنفسي، ووجدته ملاذاً من هموم الدنيا كلها، وميداناً واسعاً أترافع فيه عن فلسطين وأتحدث فيه عن حياة المخيم، لم أخسر شيئاً، على العكس، ربحت لوناً لأتنفس منه وأطلّ على العالم كيفما أريد.

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم

لطالما وضعت نصب عينيّ أني أريد حياة تشبهني، لا حياة على مقاسات الآخرين ورغباتهم وتوقعاتهم، وكان لي هذا.
وقد تمرّدت على القوانين والمتوقع منذ زمن طويل، لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة في الفنّ التشكيلي، بل أطلقت العنان لذاتي، وحتى حين قرعت حرب الخليج طبولها، وكنت بصدد إقامة معرضي الثاني "أناشيد التراب 2" نصحني من حولي بالتريّث؛ لأنّ الوقت غير مواتٍ، لكني لم أستمع لهم، بل اعتقدت أنّ الحرب لن تحول دون تذوّقنا للجمال والاحتفاء به.
ذات مرة، كنت قد حضّرت لمعرض جديد ثلاثين لوحة، لكني بمجرد أن اهتديت لما يعبّر عني أكثر في لون اللوحة وملمسها، نسيت الثلاثين لوحة وانطلقت لتجربة جديدة مع اللون والتشكيل، لطالما أردت أن أكون هكذا: حراً من أيّ قيد قد يكبّلني، إن كان لا بدّ من قيود، فليرسمها الفنّ، لا الإنسان؛ ذلك أنّ الفنّ لا يمنح العالم إلا جمالاً، أنت هكذا كمن يضع العهدة في اليد الأمينة.

-  يرى كثيرون أنّ الإفراط في الغموض والرمزية في اللوحة، كما في باقي ضروب الفنون، قد يفضي لقلة إقبال الجمهور على الفنّ التشكيلي والإبداع عموماً؛ ما رأيك؟

اللوحة التي لا تفيض حرية فاشلة إنسانياً، على مستوى الفنّ وعلى مستوى الرؤية في أيّة بقعة من بقاع العالم.
ولهذا السبب، ليست لديّ مشكلة مع الجمهور بكافة فئاته؛ فحضوره لم يقلّ منذ انطلاقة تجربتي؛ لأنني أرسم ما يحدث داخلي، وأنقل قضايا شعبي والناس، رغم الرمزية.

اقرأ أيضاً: آدم حنين.. فنان تشكيلي يحول منزله إلى متحف
لهذا، لا بدّ من الحرية، ولا بدّ من ترك هامش حرية كبير للفنان، فليترك الكلّ متسعاً للفنان حتى يعبر عما يجول بداخله بالطريقة التي يراها صائبة فنياً وإنسانياً وإبداعياً، لكلّ تجربة تفاصيلها السرية، بدءاً من اللون؛ لهذا حين أرسم يحملني اللون بعيداً، ومنه أبدأ كلّ مرة مشروعي الفني، وأدخل في تفاصيل العمل وأجوائه ولا أفكر البتة فيما يتوقعه الآخرون وما يريدونه.

- الفنان التشكيلي محمد نصر الله هو شقيق الشاعر والروائي الفلسطيني إبراهيم نصر الله؛ هل ثمّة تعاون قد نشهده بينكما، يتجاوز حدود أغلفة روايات إبراهيم الممهورة عادة باسمك؟ ويحيلنا هذا لسؤال حول جديدك الذي تعكف عليه.

ربما يحدث هذا يوماً، فالذي يجمعنا كثير؛ فلسطين ومخيم الوحدات والانحياز للحرية والجمال، لقد عبّر كلّ منا عن مفاصل كثيرة في القضية الفلسطينية، كلّ بأدواته؛ إبراهيم بالكلمة وأنا باللون، وأحسب أنّ كلّ واحد منا عبّر بما يراه مناسباً وقوياً وممثلاً له ولما يشعر به.

لم أتلقّ الفنّ على يد أستاذ بعينه؛ لذا لست متأثراً بأحد، ولم أُدرِج ذاتي تحت تصنيف أيّة مدرسة فنية

أؤمن بأنّ للوحة خصوصيتها، وأنّها حتى حين تترجم ما قالته قصيدة، فإنّ عليها منح القصيدة مزيداً من الألوان والأطياف والتفسيرات والمعاني.
ما أعكف عليه هو مشروع فني جديد، يعدّ استمراراً لما بدأت به منذ تفتحت عيني على الفنون، ومنذ لامس المخيم وعيي؛ ما أزال أتعلم وأجرّب وأختبر كلّ شيء بمتعة ودهشة، كما لو أنّها المرة الأولى، وستكون القضية الفلسطينية وما رافقها وحفلت به من تجارب إنسانية غنية هي زادي في هذه الرحلة الطويلة والممتعة، بقدر ما تبعث على الحزن والأسى في مرات؛ ذلك أنّني أتمنى لو كانت فلسطين حرة وخلّدنا هذه الحرية في اللوحات، عوضاً عن كلّ هذا الإرث الذي ما وسمه شيء بقدر الألم؛ لذلك أسعى في مشروعي الجديد إلى إكمال ما بدأته منذ أعوام، تاركاً للون والإحساس العنان ليقوداني حيثما يريدان، وحتى الإطار الزمني الذي تفرغ فيه هذه اللوحات متروك للشعور.
حين أشعر بأنني عبّرت عن كلّ ما يعتمل في داخلي، في هذه الفترة، أكون قد فرغت.

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية