لماذا يهاب العرب والمسلمون الفلسفة؟

لماذا يهاب العرب والمسلمون الفلسفة؟


12/02/2019

يمرّ الفكر الفلسفي في العالم العربي، عموماً، بمحنة كبرى، ليست بالطبع وليدة اللحظة، أو حديثة النشأة، لكنّها ممتدّة الجذور، وموغلَة في القدم؛ منذ بداية معرفة العرب والمسلمين بالتراث الفلسفي اليوناني، فلسفة ومنطقاً، بفعل الترجمة التي ازدهرت في عصر الخليفة المأمون (ت 218هـ)؛ الذي شجّع ترجمة تراث اليونان إلى العربية؛ ليبدأ الصراع والاحتكاك بين الثقافتين؛ اليونانية والعربية، أو بين المصطلحين؛ الأنا والآخر، أو بين المنهجين، المختلفين تمام الاختلاف؛ منهج النص، ومنهج العقل.

لم يكن مسار الفكر الفلسفي في المحيط العربي الإسلامي مساراً شائكاً فحسب؛ بل كان مثقَلاً بالذهنية الانغلاقية

ولم يكن مسار الفكر الفلسفي في المحيط العربي الإسلامي مساراً شائكاً فحسب؛ بل كان مساراً شاهداً على الواقع العربي/ الإسلامي المأزوم، المثقَل بالذهنية الانغلاقية القائمة على مبدأي: التسليم والانقياد، وهما المبدآن، أو الآفتان اللتان جابهتهما الدعوة الإسلامية منذ التأسيس الأول لها في مكة، وكان عماد تلك المجابهة؛ هو النصّ القرآني (النص المؤسِّس)، فنطقت آياته بما يدل على أنّ التسليم والانقياد الأعمى وتقليد السابقين دون نظر وتدبر وتفكر، كلّ ذلك مذموم؛ لأنه ينفي العقل، والإرادة الإنسانية، والحرية الشخصية.
محنة الفلسفة هي محنة العقل نفسه
إن محنة الفلسفة في العالم العربي، إنّما هي محنة العقل نفسه، من بداية انعدام الثقة بأحكامه، انتهاءً بتهميشه وذمّه والافتئات على حقّه في البحث والاستقصاء والنظر، ووجوب استخدامه على نطاق واسع رحب، بدلاً من محاصرته وتهميشه وجعْله تابعاً للنصّ، من أجل ذلك كانت المواجهة الحامية بين العقلاء والنصيين، على امتداد حقب التاريخ؛ لأنّ الفلسفة، ببساطة، تعني النقد، والحوار، ونسبية المعرفة، وقبول الآخَر، والإيمان بتعدد الآراء، وحرية تداولها، وإن تكن صادمة غير مألوفة، ودون ذلك لا ينهض مجتمع من المجتمعات، ولا تُحلّ مشكلة من المشكلات؛ لذلك صدَق الفيلسوف الفرنسي الشهير، رينيه ديكارت (ت 1650)، عندما قال، في مقدمة كتابه "مبادئ الفلسفة": "إنما تُقاس حضارة الأمم وثقافتها بمقدار شيوع التفلسُف فيها؛ لذلك فإنّ أجلّ نعمة ينعم الله بها على بلد من البلاد هي أن يمنحه فلاسفة حقيقيين"، فالفلاسفة هم طلائع التعقُّل، ومعلّمو الحرية، ورُسل السعادة العقلية.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تدريس الفلسفة بالسعودية؟

لا جدال في أنّ الفلسفة تمثّل وجهة نظر عقلية حرّة إزاء المشكلات التي تواجه الإنسان على مستوى واقعه اليومي المعيش، وعلى مستوى حياته كلّها بتفاصيلها المختلِفة المتعددة؛ بل على مستوى الكون كلّه، حتى إنها صارت، حالياً، تقدم حلولاً على مستوى الحياة الإنسانية، بثرائها وتنوعها، فكأنها صارت طباً، أو طريقة للتداوي، بخلاف الإسعاد وإثارة الدهشة وتنوير الأذهان، وتكوين رؤية كونية تساعد الإنسان على اكتشاف عوالمه الخاصة، وتغيير وجهات نظره تجاه الحياة كلّها، لتنشأ علاقة تفاعلية، ذات صيرورة دائمة، بين الإنسان والكون الذي يعيش فيه، علاقة قائمة على نسبية المعرفة، وإيجابية التعاطي مع الواقع المعيش؛ لأنّ الفلسفة، باختصار، تسعى إلى تحقيق قدر عظيم من التسامح والسعادة والخير للإنسان.

جذور محنة الفلسفة في المحيط الإسلامي

تاريخياً؛ ارتبطت الفلسفة بالحكمة، والمعرفة، والنقد، وإثارة التساؤلات، لكنّها في المحيط العربي/ الإسلامي تعيش محنة قوية، محنة ممتدة في التاريخ، منذ تعرّض الفكر الاعتزالي إلى التقوقع والانكسار، بعد أن ظلّ لأكثر من ثلاثين عاماً أيديولوجية رسمية في عهود الخلفاء العباسيين: المأمون والمعتصم والواثق، بعد ضربة في مقتل تلقّاها إبان تحالف الخليفة العباسي العاشر، المتوكل، مع النصيين ذوي الرؤية الرجعية المحافِظة، وكذلك ارتبطت المحنة تاريخياً بهجوم الفقيه المتفلسف، أبي حامد الغزالي (ت 1111م) في كتابه "تهافت الفلاسفة" على الفلسفة والفلاسفة، اليونانيين والعرب؛ إذ دان احتكاك وتفاعل الفلاسفة المسلمين مع الفكر اليوناني، متمثلاً في فلسفات سقراط وأفلاطون وأرسطو؛ بل بلغ الأمر حدّ تكفيرهم وتهافُت أطروحاتهم، ورغم أنّ فيلسوفاً عربياً، هو ابن رشد، قد انتصب للردّ عليه في كتابه "تهافت التهافت"، مفنّداً أقواله، مدللاً على تهافتها هي لا تهافت الفلاسفة، بيْد أن ابن رشد قد نال هو الآخر ضربة شديدة في آخر حياته، تمثّلت في تكفيره، وإحراق كتبه، ونفيه إلى بلدة  (إليُسانة) التي لا يقطنها سوى اليهود؛ تشهيراً به وتهويناً من شأنه، انتهى بوفاته عام 1198م، عصر الفلسفة الإسلامية، ويتراجع النظر العقلي في المحيط الإسلامي، الذي يرزح تحت نِير سطوة أشياخ الدين وفقهائه أعداء الفكر الفلسفي!

واقع الفلسفة، الآن، في مناهج التعليم العربية
      
ذات مرة، سأل ميشيل دي مونتين (ت 1592)، أحد أكثر الكتاب الفرنسيين تأثيراً في عصر النهضة الفرنسي، فقال: "بما أنّ الفلسفة هي الفنّ الذي يعلمنا كيف نعيش، وبما أن الأطفال يحتاجون إلى تعلمها، بقدر ما نحتاج نحن إلى ذلك في أيّ عمر من حياتنا، فلماذا لا نعلمهم إياها؟"، ولعلّ هذا التساؤل الذي مرّ عليه بضعة قرون، يصلح الآن تماماً في تلك اللحظة الراهنة، خصوصاً في مجتمعاتنا العربية، ذات المستويات التعليمية الدنيا، بالقياس إلى المجتمعات الغربية، بل بالقياس إلى مجتمعات ودول بعض البلاد الشرقية أو الآسيوية؛ كالهند وسنغافورة وتايلاند وماليزيا، الأمر الذي يحيلنا إلى الإشارة إلى واقع تدريس الفلسفة، كمادة أصيلة لتعليم الطلاب حبّ المعرفة، والنقد، وإعمال العقل، والإيمان بنسبية المعرفة الإنسانية واحترام الآخر، في عالمنا العربي من المحيط إلى الخليج، دون أن نتغافل عن وجود مأساة أخرى تتعلق بمنع تدريس الفلسفة في بعض الدول العربية، فضلاً عن تكفير أعلامها، ونعتهم بنعوت باطلة، هذا من جهة.

حتى الدول التي تسمح بتدريس الفلسفة تقرّر مناهج وبرامج دراسية ومقررات لا تكاد تمتّ إلى الفلسفة بصلة

ومن جهة أخرى؛ فإنّ الدول الأخرى التي تسمح بتدريسها، سواء في مرحلة الشهادة الثانوية، أو في المرحلة الجامعية التخصصية، إنما تقرّر مناهج وبرامج دراسية ومقررات لا تكاد تمتّ إلى الفلسفة بصلة؛ فهي مناهج ومقررات لا تقدّم ولا تعلّم الطلاب أطروحات فلسفية حقيقية، تعزّز قيَم التسامح والتفكير وإعمال العقل والنقد واحترام الآراء كافة؛ لذلك لم يكن غريباً أن تتوغل الأصولية الدينية، ويسيطر اللاعقل في عالمنا العربي، بل لم يكن غريباً أن تصير طائفة من النخبة الأكاديمية في عالمنا العربي نحو التسلُّف والتقليد، واجترار آراء السابقين، والاهتمام بشخصيات حاربت الفكر العقلي، وناصبت الفلسفة والفلاسفة العداء، من أجل ذلك كان طبيعياً ألا نرى في محيطنا العربي فلاسفة ذوي وجهات نظر شمولية، تتناول العلوم المختلِفة، والأفكار ذات الصيرورة والديناميكية، كما هي الحال لدى الغرب!



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية