البابا شنودة الثالث كما لم يخبرك به الخطاب الإسلاموي في مصر

البابا شنودة الثالث كما لم يخبرك به الخطاب الإسلاموي في مصر
10688
عدد القراءات

2018-02-20

نظير جيد، الشاب النحيف الذي كان يقضي جلّ وقت فراغه في قراءة التاريخ الإسلامي، وبزوغ الإسلام السياسي في المنطقة، فضلاً عن قراءة دواوين الشعر العربي الذي أتقنه، الرجل الذي صيَّره القدر في المنصب البابوي، زعيماً للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في مصر، طوال 40 عاماً حاسمة، شهدت فيها البلاد حروباً، وثورة، وانفتاحاً اقتصادياً، وتطبيعاً للعلاقات مع إسرائيل، وأجيالاً جديدة تعيد قراءة وتعريف علاقة الدولة بالدين.

سنّ البابا قانوناً ظلّ راسخاً في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهو رفض الذهاب للأراضي الفلسطينية المقدّسة طالما تقبع تحت الاحتلال

طوال الـ40 عاماً، عرف نظير جيد، الذي صار فيما بعد البابا شنودة الثالث، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، بعدّة وجوه، فكلّ الفرقاء السياسيين في مصر عرفوه بوجه من وجوهه؛ فقطاع عريض من الإسلاميين رأوا في البابا "مؤجِّج الفتن"، "كاره الأغلبية المسلمة في البلاد"، والمطالب دائماً بحقوق مبالغ فيها للأقباط، مستعيناً على ذلك بالتدخلات الأجنبية، وقد روّج العديد من الإسلاميين لذلك دوماً، ولم تكن النظرة غير المسكوت عنها للدولة المصرية لتختلف عن ذلك، فرغم محاولة إظهار الاحتفاء الإعلامي بالرجل، مع بداية كلّ عام، التي تتزامن مع أعياد الأقباط، إلّا أنّ ما أظهرته، بعد ذلك، شهادات رجال مقرَّبين من السلطة آنذاك، تؤكّد أنّ نظرة السلطة في مجملها للرجل، كانت أقرب إلى تصويره في هيئة الرجل الذي يضغط على النظام دوماً، باصطحابه جهاز "غسل الكلى" خاصته، والتوجّه إلى العزلة، من أجل تحقيق مطالب للأقباط، وفي الوجه الأخير، كان البعض من شباب الأقباط في مصر ينظر إلى الرجل، في نهاية حياته، وبالتزامن مع "أحداث ماسبيرو"؛ التي أعقبت ثورة يناير 2011، وراح ضحيتها العديد من الشباب الأقباط، في صورة الرجل الذي لم يستطع أخذ حقّ القتلى من النظام الحاكم آنذاك.

 صيَّره القدر في المنصب البابوي، زعيماً للطائفة المسيحية الأرثوذكسية في مصر

إصلاح الكنيسة

إنّ هذه الصور وغيرها، التي تشكّلت عند مختلف الأطياف في المجتمع المصري؛ بإيجابياتها وسلبياتها، وبغضّ النظر عن مدى صحّتها من عدمها، كلّها اتسمت بالاختزالية، وبتركيز الصورة على جانب واحد من جوانب الرجل، وربما لا يعرف كثيرون أنّ الرجل الذكي الفصيح، قليل الكلام، الذي بدا عبر الأيام هادئاً، ربما بالنسبة إلى البعض، أكثر مما ينبغي، كان في شبابه مدير تحرير جريدة يظهر على غلافها المسيح وهو يحمل السوط! تعبيراً عن أنّ الوقت قد حان لإحداث الإصلاح الكنسي المنشود للأقباط، وهو شاعر حزب الكتلة الوفدية، الذي كان يكتب قصائد الهجاء في مصطفى النحاس باشا، ويأتي البوليس السرّي إلى منزله ليداهمه، وهو الرّجل الذي ظلّ راهباً في الصحراء لأعوام، جسده هناك، وعقله في كيفية إصلاح الكنيسة المصرية، كما ارتأى هو حينها شكل الإصلاح، والأهم من ذلك كلّه؛ أنّه رجل الدين الذي رفض التطبيع مع إسرائيل طوال حياته، في الوقت الذي هرع فيه رجال السياسة والاقتصاد إلى تل أبيب، لجني أرباح ما بعد التطبيع.

كان يقضي جلّ وقت فراغه في قراءة التاريخ الإسلامي، فضلاً عن قراءة دواوين الشعر العربي الذي أتقنه

رفض التطبيع

إنّ النظر إلى البابا شنودة الثالث، من زاوية رفض التطبيع، وهي الزاوية الأكثر إهمالاً بين كلّ الأطياف، وحتى إن ذكرت، كانت عادةً ما تذكر عرضاً دون تركيز الضوء عليها، بوصفها عموداً راسخاً رسخّه البابا المتنيح - المتوفّى باللغة الكنسية - بين المسيحية المصرية الأرثوذكسية، والقضية العربية الأكثر أهمية، بشكل يصعب على أيّ خلف له تغييره بسهولة.       

سعى البابا شنودة الثالث كثيراً، في لقاءاته بالمسؤولين الغربيين، بطرافته المعتادة، إلى تفنيد فكرة "شعب الله المختار"

ربّما لا يعرف كثيرون أنّ البابا شنودة، كان قد حاضر في نقابة الصحافيين بمصر، في حزيران (يونيو) عام 1966؛ أي قبل النكسة بعام بالتمام، محاضرة بعنوان "إسرائيل في نظر المسيحية"، وهي المحاضرة التي طبِعت وترجِمت بمختلف اللغات، لتوزّع على السفارات المصرية في مختلف أنحاء العالم. كانت هذه هي المرة الأولى التي تنتشر فيها عبارة الرجل التي اشتهرت كثيراً فيما بعد: "إنّ اليهود استولوا على فلسطين بوعد من بلفور، وليس بوعد من الله"، حيث فنّد الرجل، وهو ما سيفعله مراراً بعد ذلك، الأساطير الدينية لدولة إسرائيل، التي كان قطاع من المسيحيين في العالم يرى في قيامها أساساً من أسس الإيمان.

سعى البابا شنودة الثالث كثيراً، في لقاءاته بالمسؤولين الغربيين، بطرافته المعتادة، إلى تفنيد فكرة "شعب الله المختار"، مؤكداً أنّهم لو كانوا كذلك، فسيصبح هو والمسيحيون من هؤلاء المسؤولين، خارج نطاق دائرة هذا الشعب المختار من الله؛ لأنّهم مسيحيون.  

 رفض الرجل أن يذهب مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات آواخر السبعينيات إلى إسرائيل لإعلان السلام

لكن تظلّ أهم النقاط الفاصلة في علاقة البابا شنودة الثالث بملف التطبيع مع إسرائيل، هو ما حدث في أواخر سبعينيات القرن الماضي؛ حين رفض الرجل أن يذهب مع الرئيس المصري الراحل أنور السادات إلى إسرائيل لإعلان السلام، مؤكّداً حينها أنّ المسيحيين لن يذهبوا إلى أراضيهم المقدسة بفلسطين إلّا بصحبة إخوانهم من المسلمين، وليس عبر الكيان الصهيوني، وبذلك سنّ البابا قانوناً ظلّ راسخاً في الكنيسة المصرية الأرثوذكسية، وهو رفض الذهاب إلى الأراضي المقدّسة طالما تقبع تحت الاحتلال.

توالت الحوادث الطائفية ضدّ الأقباط في مصر جعلت البابا يتّخذ مواقف من النظام رفض خلالها مقابلة المسؤولين بالدولة

بعد حادثة الرفض هذه، توالت الأزمات بين البابا والرئيس السادات، وتوالت أيضاً الحوادث الطائفية ضدّ الأقباط في مصر، ما جعل الرجل يتّخذ مواقف حدّية من النظام، رفض خلالها مقابلة المسؤولين الرسميين في الدولة، ووصل الأمر حدّ تحديد إقامته من قبل النظام الساداتي، في وادي النطرون، وتوالت بعد ذلك التجاذبات بين البابا، الذي مكث على كرسيه الباباوي 40 عاماً، وبين السلطة والإسلاميين، وفي طيات كلّ ذلك، بقي موقف الرجل من إسرائيل ومن قضايا أمته العربية منسياً، ولا يذكر إلا عرضاً في المناسبات، رغم ما لهذا الموقف من تأثير كبير على مصر.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



جريدة "الكرمل" إذ تكشف تواطؤ العثمانيين مع الصهيونية في فلسطين

2020-01-21

في استذكار رائد مناهضة الصهيونية والاحتلال العثماني، شيخ الصحافة الفلسطينية، نجيب نصار  (1865-1948)، تقفز إلى الأذهان جريدة "الكرمل" التي أسَّسَها نصار في حيفا عام 1908، واهتمت بالقضايا السياسية والاجتماعية، مع التشديد على قضايا حماية الأرض من السمامرة اليهود.
ورغم دعم نجيب نصّار السلطات العثمانية في البداية، لكنه سرعان ما ندد بهم وقارعهم بسبب قمعهم للقوميين العرب، وتواطؤهم مع الأنشطة الصهيونية. في إثر ذلك أغلقت السلطات العثمانية "الكرمل" في الأعوام 1913/1914، ثم جددت الجريدة نشاطها في فترة الانتداب البريطاني بين الأعوام 1920-1940.

فضح خيانة العثمانيين
حاول نجيب نصار لفت انتباه العثمانيين إلى خطورة الحركة الصهيونية على فلسطين، لذلك خصص 50 نسخة من كل عدد لجريدة الكرمل ليرسلها إلى السلطان والصدر الأعظم وولاة الشام ومتصرف القدس، وإلى جميع الجرائد التركية والعربية، حتى باتت جريدة الكرمل المصدر الأساسي لكل الصحف عن تطورات الأوضاع في فلسطين.

بسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى

حملت جريدة الكرمل على عاتقها مهمة فضح تخاذل العثمانيين عن مواجهة الأنشطة الصهيونية في فلسطين، كما يذكر موقع "عثمانلي" وامتازت الجريدة بجدية التصدي للصحف العميلة والأقلام المأجورة والولاة العثمانيين الذين فرطوا في أراضي فلسطين، حتى إنّ نجيب نصار جعل شعار صحيفته "أيها العرب بيعوا كل شيء باستثناء الأرض، ولا تشتروا من اليهود إلا الأرض".
وتحت عنوان "استعمار أم استدرار" كتب نجيب نصار مقالة هاجم فيها صمت العثمانيين عن النشاط الصهيوني في فلسطين، وحذر من العواقب الوخيمة المترتبة على الهجرة اليهودية وعلى بيع الأراضي للمهاجرين، وأكد أنّ تخاذل العثمانيين سينتهي بكارثة تحل بعرب فلسطين، والتي ستكون مماثلة لما حل بالعرب في الأندلس.

اقرأ أيضاً: الزحف البطيء.. كيف بدأ المشروع الصهيوني الاستيطاني في العهد العثماني؟

وفي أيار (مايو)1911 شن نجيب نصار حملة صحفية شرسة على الصدر الأعظم الاتحادي، الذي أصدر قرارات صريحة إلى والي القدس يأمره بتسهيل بيع الأراضي إلى اليهود المهاجرين، كما نشرت الكرمل مقالات عن معنى الصهيونية وأهدافها السياسية، ولما غضت حكومة الاتحاد والترقي الطرف عن تحذيرات الكرمل، أطلقت الصحيفة مبادرة لتوحيد جهود الصحف القومية العربية لمواجهة الخطر الصهيوني، ونجحت المبادرة في توجيه الجرائد إلى فضح خيانة العثمانيين لفلسطين.

اقرأ أيضاً: هكذا استفادت الحركة الصهيونية من تحولات قوانين الأراضي العثمانية
ونظراً لإدراك نجيب نصار لجسامة الخطر الصهيوني، ورغبة منه في تعريف أبناء شعبه بهذا الخطر، ترجم مادة الصهيونية من دائرة المعارف اليهودية من العبرية إلى العربية، وخصص 16 عدداً من الكرمل لنشرها، ثم جمعها في كتاب تحت عنوان "الصهيونية: تاريخها، غرضها، أهميتها"، والذي نشر في عام 1911.
وفي 7 تموز (يوليو) 1914 نشرت الكرمل بيان "المنظمة الوطنية في القدس"، والذي طالب بالضغط على الدولة العثمانية لحظر بيع الأراضي العربية لليهود، وتطوير الصناعة المحلية ومقاطعة الصناعات الصهيونية، ودعا الأهالي لمقاومة دعوات بيع الأراضي لليهود بكل وسيلة، وطالب بطرد السماسرة خارج البلاد".

سماسرة فلسطين
جريدة الكرمل تميزت بقدرتها على الاطلاع على كواليس صفقات بيع أراضي فلسطين لليهود، وفضحت كل الوزراء والولاة العثمانيين المتورطين في صفقات السمسرة، وحذرت الأهالي من رهن أراضيهم لدى الشركة الأنجلو – فلسطينية؛ لأنها الوكيل الرسمي للمنظمات الصهيونية.

اقرأ أيضاً: منطق الفرس والعثمانيين
وفي أيار (مايو) 1909 نشرت الكرمل خبراً عن مشاجرات وقعت بين المزارعين اليهود بمستوطنة "الشجرة" وأهالي قريتي كفركنا والرينة، بعد أن اعتدى المستوطنون بالضرب على 8 فلاحين عرب، واعتبر ذلك نتيجة التساهل مع الصهيونية، ولكن مندوب شركة الاستيطان اليهودي "ايكا" قدم احتجاجاً لدى حكومة الاتحاد والترقي، واعتبر هذا الخبر معادياً للدور الاقتصادي الذي يقوم به اليهود بفلسطين، ولذلك صدر أمر بإغلاق جريدة الكرمل لمدة شهرين.
ونتيجة للحملات الصحفية التي شنتها الكرمل ضد الصهيونية، فقد تقدم النواب العرب بمجلس المبعوثان (البرلمان العثماني) بطلب إحاطة حول حقيقة الصفقات التي فضحتها جريدة الكرمل، واستطاع النواب أخذ تعهد على طلعت باشا وزير الداخلية بحكومة الاتحاد والترقي بأن "لا يسمح لليهود بامتلاك أراض في فلسطين، وعدم السماح بهجرات يهودية جديدة".

اقرأ أيضاً: فرق تَسُد.. كيف مزق العثمانيون بلاد العرب

وفي أواخر عام 1910 اهتمت جريدة الكرمل بالأراضي المدورة؛ أي الأراضي التي تنازل عنها أصحابها للسلطان عبد الحميد الثاني تخلصاً من الضرائب، والتي آلت ملكيتها للخزانة العثمانية بعد خلع عبد الحميد عام 1909، لكن الحركة الصهيونية استغلت نفوذ نجيب إبراهيم الأصفر مساعد والي بيروت وكلفته باستئجار هذه الأراضي لصالحها لمدة 99 عاماً، وقد شملت تلك الأراضي مساحات شاسعة من أراضي حيفا ويافا والقدس وطبريا وغزة والخليل، لكن جريدة الكرمل فضحت جريمة نجيب الأصفر، وأشارت إلى أنّ شركة بلجيكية صهيونية هي المستأجر الحقيقي في تلك الصفقة، وبفضل جريدة الكرمل فشل نجيب الأصفر في عقد الصفقة.
وجنّدت حكومة الاتحاد والترقي المناصرة للمشروع اليهودي عدة صحفيين للرد على جريدة الكرمل داخل فلسطين وخارجها، ومولت "متري الحلاج" لإصدار جريدة "جراب الكردي"، والتي اتهمت نجيب نصار بمعاداة العثمانيين، كما نفت أطماع اليهود في إقامة دولة على أرض فلسطين، وأكدت أنّ المهاجرين اليهود يسعون من أجل تحصيل الأرزاق، بل ادعت أنّ المدن الفلسطينية ستشهد حالة الرواج الاقتصادي بعد إنشاء المستوطنات.

مؤامرة التطبيع
مهدي بك تولى حكم القدس في 15 حزيران (يونيو) 1912، والذي عرف بترحيبه بحركة الاستيطان اليهودي، وبعد أسبوع من توليه مهام منصبه زار مستوطنة "ريشون لتسيون"، وألقى خطبة في جموع المستوطنين اليهود جاء فيها: "لقد سمعتم بأنه يوجد أناس يشيعون أن لليهود مطامع سياسية في فلسطين، وهذا ليس بصحيح".
وأكد: "لأننا نحن الأتراك أكثر الناس معرفة بمقاصد اليهود في هذه البلاد، وهي ليست سياسية بل دينية؛ لأنّ هذه البلاد هي أرض آبائهم وأجدادهم". وتابع مهدي بك: "الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان، ولم تنفك عن الترحيب بهم في كل وقت اضطهدوا فيه".

العثماني مهدي بك تولى حكم القدس وأكد أنّ الحكومة تسعى جاهدة للتقرب من الشعب اليهودي في كل آن وزمان

في ختام خطبته نصح مهدي بك المستوطنين اليهود بإنشاء بلدية وشرطة حراسة تكون على صلة بدوائر السلطة في يافا والقدس لتهب السلطة لنجدتهم عند كل خطر.
جريدة الكرمل انفردت بنشر أخبار زيارة مهدي بك حكم القدس إلى مستوطنة ريشون لتسيون، وعلقت على خطبة الوالي بقولها: "إنّ متصرف القدس يجهل أو يتجاهل المقاصد الاستعمارية للصهيونية"، ورأى نجيب نصار أنّ "بقاء مهدي بك في منصبه بعد خطابه المخزي إنما يدل على رضى حكومة إسطنبول عن أعمال الجمعية الصهيونية، والتي تسعى إلى تأليف قومية صهيونية في البلاد السورية".
جريدة "النصير" العثمانية التابعة لإسطنبول روجت لضرورة التفاهم بين العرب والصهاينة في شباط (فبراير) 1913، لكنّ جريدة الكرمل ردت بقولها: "على ماذا يتفقون؟ أعلى بيع البلاد؟ الصهيونيون يريدون تملك أراضي فلسطين العربية، ألا يكفي ما عندنا من الخونة الذين يدعون الزعامة وهم سماسرة أدنياء النفوس، يمدون أيديهم بكل ذلٍّ ليقبضوا ثمن وطنهم دريهمات معدودة".

الصهيونية: ملخص تاريخها
في كتابه "الصهيونية: ملخص تاريخها، غايتها وامتدادها حتى سنة ١٩٠٥"، كشف نجيب نصار مطامع الصهيونية وتحالفاتها مع العثمانيين. ولفت إلى أنه في الوقت الذي كانت فيه الصهيونية تنفذ مخططاتها في فلسطين والأراضي العربية بحرص وإصرار شديدين، كانت الحكومات العثمانية تغضُّ الطرف، وتقلل من أهمية التحركات اليهودية التي لم تفتر منذ أواخر القرن التاسع عشر.

اقرأ أيضاً: أردوغان و"العثمانية الجديدة".. كيف أخفق المشروع التركي في الإقليم؟
وتؤكّد المؤرّخة الفلسطينيّة خيريّة قاسميّة، في دراسة عن نصّار، نُشرت في مجلّة "شؤون فلسطينيّة" عام 1973، أنّ الصحافة العربيّة الّتي واكبت ثورة 1908  احتلت دوراً مهمّاً في تنبيه الأذهان نحو الخطر الصهيونيّ. و"كانت الصهيونيّة الشاغل الأوّل للصحافة الفلسطينيّة، ولم تعمل فقط على التنبيه للخطر الصهيونيّ وطرق مواجهته، بل إلى نقل القضيّة إلى خارج حدود فلسطين".
وبسبب آراء نجيب نصار المناوئة للسلطات العثمانية، لاحقته السلطات العسكرية التركية خلال الحرب العالمية الأولى فاختفى بعض الوقت، ثم سلّم نفسه فسيق إلى سجن الديوان العرفي بدمشق عام 1918 وبقي فيه إلى أن حكم المجلس العرفي ببراءته فعاد إلى فلسطين، وإلى صحيفة الكرمل يناضل فيها وبها، كما تذكر "الموسوعة الفلسطينية"، حتى وفاته في 12/3/1948 في الناصرة التي نقل إليها إثر اشتداد المرض عليه.

للمشاركة:

30 ألف وثيقة تغطي تاريخ فلسطين والقدس خلال 400 عام

2020-01-14

أدرك الباحثون والعلماء أهمية التوثيق في خدمة القضايا العادلة، ومقاومة النسيان بالمعرفة العلمية القائمة على الحقائق، لا على الافتراضات والزعم. وقد كان هذا دأب المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة الذي وثق تاريخ مدينة القدس وآثارها وكل ما يتصل بها عبر العصور، وأودع ذلك في الكتاب الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية"؛ حيثُ تضمنت هذه الموسوعة أكثر من (٣٠) ألف وثيقة ورسم وصورة وطابع وختم وخريطة غير منشورة من قبل، تُغطي كامل تاريخ فلسطين والقُدس خلال (٤٠٠) عام.

غوشة: اجتهدتُّ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها بالإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم

وتضمنت الموسوعة مُجلدات ومعلومات ووثائق وخرائط تنشر لأول مرة، كون هذه الموسوعة التي تتألف من (٧٠٠٠) صفحة؛ تعدُّ أكبر عمل وثائقي مُصوّر عن فلسطين في العالم.
ويسعى غوشة، الذي دخل موسوعة غينيس كأصغر مؤرخ في العالم، إلى جعل القدس في الضمير الإنساني، حيث يقول في مقابلة صحفية مع جريدة "الخليج" أعمل على أن أدخل القدس "إلى قلب كل بيت عربي لكي لا ننسى مدينة كلما تذكرها العرب تذكروا ماضيهم، وكلما نسوها نسوا حاضرهم ومستقبلهم، وأحاول أيضاً أن أوثق لهذه المدينة العتيقة المظلومة الجريحة، كي تبقى حية لا تغيب عن البال لأنها أمست اليوم مدينة ذكريات ولم تأخذ حقها من الوعي والاهتمام والإعلام".

المؤرخ الفلسطيني د. محمد هاشم غوشة
وفاز غوشة، مؤخراً، بجائزة الملك فيصل العالمية للدراسات الإسلامية للعام 2020 في السعودية، تقديراً لجهوده التي بذلها للمحافظة على تراث القدس، ولغزارة أعماله حول تاريخ القدس وآثارها عبر العصور، ومن أبرزها موسوعة فلسطين باللغة الإنجليزية، التي تشكل مادة القدس حيزاً كبيراً منها، وتنوع إنتاجه العلمي ليغطي موضوعات إسلامية مختلفة عن القدس.

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى قرية فلسطينية في النقب هدمتها إسرائيل 163 مرة
وتضمّنت الموسوعة نحو ثلاثة آلاف وثيقة عثمانية لعائلات فلسطينية، و1200 حجة وقف لعائلات أخرى تثبت أنّ من يملك الأرض هم الفلسطينيون، في حين احتوت ثمانية مجلدات من الموسوعة على 12 ألف رسمة لمؤرخين أوروبيين خلال زيارتهم فلسطين.

كتاب بنحو نصف متر
وفي سبيل المحافظة على ميراث القدس، أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. ويعد الكتاب، كما قال غوشة، "أفخم وأضخم عمل مصور نشر عن قبة الصخرة، وقد كان مهماً جداً بالنسبة لي أن يرى النور على نحو يليق بهذا المكان المقدس، لأنها أجمل وأقدم الآثار الإسلامية التي خلدها التاريخ، حتى نذكر لأولادنا وللجميع أن لقبة الصخرة كتاباً يوثق تاريخها بشكل متكامل من ناحية معمارية وفوتوغرافية". وقال "قمت بتصوير المبنى بشكل كامل بطريقة علمية ومنهجية بحيث كانت الصور دقيقة جداً، وما يميز هذا الكتاب أنّ الصور التي أخذت لقبة الصخرة تغطي المبنى كاملاً دون أن أغفل أية جزئية من المبنى، كما تغطي الصور جميع الزخارف الإسلامية التي تزين المبنى".

أصدر غوشة كتاباً عن قبة الصخرة المشرفة عام 2012. وبلغ الكتاب نحو نصف متر ويضم 850 صورة

ويبلغ الكتاب نحو نصف متر. وعن ذلك يقول المؤلف "رأيت أن يخرج الكتاب ويرى النور على نحو يليق بقبة الصخرة، والكتاب يحتوي على صور طولها متران، إضافة إلى صورة تعتبر الأولى من نوعها تجمع قبة الصخرة والمسجد الأقصى المسقوف مع بعضهما، فقد قمت بالتصوير من داخل الأقصى، كما أنّ حجم نصف صفحة يظهر الرسوم الزخرفية بشكل واضح ودقيق، والكتاب يضم 850 صورة وعشرات الرسوم المعمارية، بالإضافة إلى توثيق تاريخي كامل، ولا سمح الله إذا جرى أي تخريب أو حرق أو أي أضرار لقبة السخرة والمسجد الأقصى من الممكن أن يعاد ترميمها استناداً إلى هذا الكتاب ".
وبيّن الدكتور غوشة بأنّه انتقلَ لإنجازِ عمله الضخم "القدس في الموسوعة الفلسطينية" بين أوروبا وأفريقيا وآسيا، باحثاً في الوثائق والمعلومات بهدف إضافة شيء جديد عن القدس وفلسطين في الفترة العُثمانية بحيث ضمّنها كتباً ومصادر ووثائق تاريخية أصلية من أمهات المصادر التي جاءت من الأرشيف والسجلات العثمانية، حيث تم التحقق من تفاصيلها ومعلوماتها بشكل تفصيلي دقيق.

تتألف من 7000 صفحة
الموسوعة تبدأ بالمُجلد الأول الذي تضمن وثائق تاريخية تنشر لأول مرة حول تاريخ فلسطين بطريقة جديدة، لخدمة القدس في نقوش أثرية وخرائط، ووثائق للقدس وأرضها ووقفيات عائلاتها، كما تم الاطلاع على مصادر ضمت الغزاة والسلاطين والمشاهير، وثورة عائلة الجيوسي في القرن السابع عشر وصوراً لعائلة درويش المقدسية وخريطة لعكا قُبيل غزو نابليون لها وهزيمته على أسوارها، والسلطان مراد الرابع، وصوراً لأعضاء مجلس "المبعوثان" العثماني من المقدسيين ومدينتي نابلس وعكا، وزيارة الإمبراطور وليام الثاني للقدس، وصوراً لإنشاء السكة الحديدية الفلسطينية والتي كانت حدثاً متفرداً؛ إذ لم يكن هُنالكَ قطار في باريس، وصوراً للزلزال الذي ضرب القدس، وصُوراً لدقائق الحياة الاقتصادية وأوجُهها في فلسطين في العهد العثماني كأسعار البضائع والسلع المتنوعة.
أطلس فلسطين عام 1865
وركزت الموسوعة في مُجلدها الثاني على خريطة فلسطين والقدس خلال القرون الخامس عشر وحتى السابع عشر، مُحتوية وثائق من المَتاحف الأوروبية حول خريطة فلسطين والتغلغل الأوروبي ثم الحركة الصهيونية ثم توثيق فلسطين و(تشارلز ولسون) وأطلس فلسطين عام 1865، فيما احتوى مُجلدان آخران على الوقفيات في فلسطين وقضايا الطابو، لحوالي (500) عائلة فلسطينية تؤكد مُلكيتها لأراضي فلسطين خلال الفترة من القرن الخامس عشر وحتى التاسع عشر في مُدن الرملة ويافا والخليل والقدس، وغيرها من مدن وقرى فلسطين.

اقرأ أيضاً: "أهلاً بكم في دولة هاني عامر": هكذا يهزأ الفلسطينيون من إسرائيل
فلسطين، كما يؤكد غوشة، كيان موجود منذ الأزل ولهذا الشعب قضيتة المُثبتة عبر الوثائق مُنتقلاً إلى جزء تضمن ثمانية مجلدات عالجت دراسات المستشرقين في فلسطين منذ (1516- 1778) منذُ حملة نابليون، فالحكم المصري، والتنظيمات العُثمانية، ثم حقبة السلطان عبد الحميد الثاني، لافتاً إلى ضعف الإنتاج التوثيقي للعرب والمسلمين في هذه الحقبة الزمنية والتي سبقهم إليها الأوروبيون، منوهاً إلى صدور كتاب عن فلسطين في العام 1589، مقارناً بذات الوقت كيف تناول المستشرقون فلسطين وكيفَ درسوها ووثقوها أرضاً وشجراً وطيراً وإنساناً مما يدُل على قيمتها ومكانتها وثرائها، فيما كان الجهد العربي ضعيفاً وغير كافٍ، مُوضحاً أنّ تاريخ فلسطين تاريخٌ عريق تم توثيقه بشكل علني وعبر الكثير من الوثائق التي تناولت مُدن نابلس وحيفا والقدس وعكا و(أحمد باشا الجزار) وكنيسة القيامة والمسجد الإبراهيمي في الخليل.
المكتبات والمخطوطات في القدس
مُجلّد آخر في الموسوعة يتحدث حول المكتبات والمخطوطات والمعارف بيّن من خلاله المؤلف أنّ الاهتمام بالعِلم والمِعرفة كان من أولى أولويات المقدسيين، استعرض فيه عدداً من الصور والمخطوطات وأرفف ووقفيات المكتبات الفلسطينية، لافتاً إلى أمثلة منها كوقفية عائلة الدويك ومخطوطات عائلة الحُسيني ووفقية الكُلية الصلاحية والمكتبة الخالدية لعائلة الخالدي المقدسية.
وضمت الموسوعة مُجلداً احتوى صوراً للمُدن والقرى والخِرَب الفلسطينية وتفاصيلها كمدُنِ يافا وعكا وغزه وطبريا والّلد وجنين، وبيت عور.

اقرأ أيضاً: هل توارت البرجوازية الفلسطينية عن المشهد الوطني بعد النكبة؟
وعن الإسلام في فلسطين ضمنت الموسوعة صوراً تاريخية للجامع الأبيض، والجامع العُمري، وجامع الجزار، والمسجد الأقصى المبارك، الذي يحظى بقدسية عالية من كافة زواياه وتفاصيله، ابتداء من باب السلسلة لشوارع القدس القديمة، والكنائس وانتقالاً إلى كنيسة القيامة ورحابها وكنيسة المهد وكنائس القدس كافة، وجبل الكرمل ودير الكرمليين.
  غوشة خصص في موسوعته مجلداً "لبوسطة فلسطين وبريدها ورسائلها" خلال الفترة 1834- 1918 احتوت صوراً للرسائل والأختام والتلغراف في مدن القدس وطبريا ونابلس، مما يُدللُ على أنّ أهل فلسطين كانوا متعلمين وليسوا أمُيّين، كما استعرضَ التراث الفلسطيني واللباس التقليدي الفلسطيني.

برية فلسطين
كما تناول غوشة في مُجلّدٍ آخر "برية فلسطين" من خلال ما رصده من رسومات وصور المستشرقين الذين درسوا نباتات وزهور وحيوانات فلسطين، وزواحفها وقوارضها وحشراتها وأشجارها وأسماك طبريا ويافا، وطيور القدس.
  وختم غوشه موسوعتة بمُجلد حزينٍ تناولَ فيه (فلسطين في الحرب العُظمى) مُنذُ 1914-1918 والتي هُزِمَ فيها الجيش العثماني ودارت رحاها في مُدن القُدس وغزة وغيرها من المُدن، حيثُ خاض الجنود والقادة العثمانيون معركة طاحنة واستقبلهم جمال باشا الشقيري الأنصاري، وجاءت المدفعية الهندية والبريطانية ثم سقطت القدس واستسلم العثمانيون إلى أن أعلن عزت باشا استسلامهم وسقوط القدس.

د. مهند مبيضين: غوشة مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، اعتكف بين الكتب والمراجع والمخطوطات ليثبت عروبة فلسطين

وحول الأرشفة الإلكترونية أكد غوشة: "لقد اجتهدتُ بتوثيق الموسوعة ورقياً بهدف إدخال ثقافة القراءة إلى الجيل الجديد، وتعمدتُ كتابتها باللغة الإنجليزية لنتمكنَ من مخاطبة العالم وليس العرب وحسب؛ لأنّ القدس موجودة في الوجدان العربي ولكننا بحاجة لتعريف الغرب بفلسطين سيّما بأنهم هم من حفروا اسمها بأقلامهم حين درسها المستشرقون، ودأبوا على دراسة كل شيء فيها عبر مُستكشفاتهم، للاستيلاء على الأرض، ولتوضيح نصوص توراتية، ونحن لم نتعاطَ مع العمل الأكاديمي بمهنية".
أما عن القدس وقيمتها التاريخية والإنسانية، فقال غوشة: "فلسطين دون القدس لا تكون، فالقدس مدينة روحانية عقائدية متُجذرة ليست ككل المدن، فالقدس منبع الجمال والإبداع وهي التي كُرِّمت في جميع الديانات وهي ثاني القبلتين وثالث الحرمين الشريفين وهي القبلة الأولى وهي من جمعت الأنبياء جميعاً".
الباحث د. مهند مبيضين وصف غوشة بأنّه "مؤرخ مقاوم من أجل عروبة القدس وهويتها، يتمتع بالاخلاق والتواضع ويمنح من يأتيه ما يحتاج من وثائق موجودة عنده. اعتكف محمد هاشم غوشة بين الكتب والمراجع والمخطوطات سنوات مديدة ليرصد ويوثق تفاصيل تثبت عروبة فلسطين، سارداً إياها في أكبر موسوعة كتبت باللغة الإنجليزية، ليضعها بين يدي عالم لا يحترم إلا الوثائق والشواهد، وقد وصلت موسوعته إلى مختلف مكتبات العالم".

للمشاركة:

"سفر برلك": من صحراء مدينة مكة إلى محطة الحجاز في دمشق

2020-01-05

تشير عبارة "سفر برلك"، التي تعني النفير العام أو التأهب للحرب، إلى "الفرمان" الذي أصدره السلطان العثماني محمد رشاد، بتاريخ 3 آب (أغسطس)  1914، ودعا فيه الرجال الذين يبلغون من العمر بين 15 و45 عاماً، من العثمانيين/ الأتراك أو العرب، إلى الالتحاق بالخدمة العسكرية الإجبارية، وكان ذلك قبل ثلاثة أشهر تقريباً من قيام الحرب العالمية الأولى، في 28 تموز (يوليو) 1914، استعداداً من الدولة العثمانية للوقوف إلى جانب ألمانيا في الحرب، وشكّلت تلك المرحلة أيضاً بداية انهيار الدولة العثمانية، وسقوطها عام 1923.

في رواية "سفر برلك"، للروائي السعودي مقبول العلوي، الصادرة عن دار الساقي في بيروت، عام 2019، والتي دخلت القائمة الطويلة لترشيحات جائزة "البوكر" العربية 2020 مؤخراً؛ لا يمكن أيضاً النظر إلى هذه المرحلة، التاريخية والمفصلية والحساسة، على أنّها مسرح مغرٍ لبناء عمل روائي، يمزج يين التاريخ والخيال، رغم أنّ هذا المزج هو أساس الرواية، لكنّه ليس الهدف، وهذا ما قد يستنتجه قارئ الرواية؛ إذ إنّ قصة بطل الرواية "ذيب"، هذا الفتى الذي يبلغ من العمر 16 عاماً، الذي اختُطف من صحراء مدينة مكة من قبل عصابة قطاع طرق، وبيع في سوق العبيد في المدينة المنورة، هي محور الرواية، و"ذيب" هو راويها العليم.

"سفر برلك" رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق

ولعلَّ الروائي لو لِعبَ دور الراوي العليم، الذي يروي قصة "ذيب" بدلاً منه، لفقدت الرواية بعض ألقها.
"ذيب"، بوصفه صوتاً روائياً وراوياً لقصته، جعل الحكاية (البناء السردي المتخيل للرواية) تفرض الفترة الزمنية/ التاريخية نفسها، وأحداثها المؤرخة في كتب التاريخ، على الحكايات الشخصية لأبطالها.
صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ، وإذا كان الأخير يبدأ من سؤال: "ماذا حدث؟" فالأديب والعمل الروائي عموماً، يطرحان سؤالاً مختلفاً، وهو: "كيف حدث؟".

غلاف الرواية
سؤال "كيف حدث ذلك؟"، هو سؤال روائي بامتياز، يُتيح للتفاصيل الصغيرة أن تحرك الجمود والمخفي في الأحداث الكبيرة، وهذا ما يميز رواية "سفر برلك".
فلولا اختطاف "ذيب" من قبل قطاع طرق في صحراء مدينة مكة واقتياده للمدينة المنورة لبيعه في سوق العبيد، لما تقاطع مصيره الشخصي بمصير مدينة بأكملها؛ حين أطبق الأمير العثماني، فخري باشا، الحصار على المدينة المنورة، وارتكب المجازر بحقّ أهلها، وهجّرهم منها، عبر خطفهم من شوارع المدينة، وزجّهم بالقطار المتجه إلى دمشق.

صحيح أنّ الأحداث الكبرى، كالحروب والاحتلال والثورات، قد تغيّر مصائر الناس، لكنّ سؤال الروائي يختلف عن سؤال المؤرخ

كما أنّ رحلة "ذيب" من مكة إلى المدينة المنورة، ثم توقّفه في مدينة تبوك، ووصوله أخيراً إلى مدينة دمشق، لا تعكس فقط تقاطع الشخصي في العام، بل تطرح الرواية هنا وجهة نظر، أو ربما حكمة ما؛ هي أنّه ليس من الضروري أن يحدّد حدث تاريخي كبير مصير فرد ما، فالحوار الذي يجري بين "ذيب" والوجيه عبد الرحمن المدني، الرجل الذي اشتراه من قاطع الطريق الذي اختطفه، يعكس ذلك؛ إذ يقول الوجيه لذيب: "لا أريدُ عبداً في بيتي ولا جارية، فكلُّ مَن في هذا المنزل هُم بمكانة أبنائي، وأتعاملُ معهم بهذا المفهوم (...)، لقد دفعتُ فيكَ ذلك الثمن الباهظ من الجنيهات الذهبيَّة لأنَّني شعرتُ أنك لست من العبيد، عندما رأيتك للمرَّة الأولى في دكّة حوش العبيد معروضاً للبيع، شعرت أنّ وراءك حكاية ما، فلا سيماء وجهك، ولا هدوؤك، يدلّان على أنَّك عبد!" يقول هنا ذيب: "ثم وصفني بكلمة هي أقرب إلى الصواب، ولا أعرفُ كيف لم تخطر لي على بالٍ من قبل، فقد قال عنِّي: " أنتَ ضحية ظروفٍ ما صعبة"".
إذاً هذه "الظروف الصعبة" قد تحدّد مصيرنا، لا بل من الممكن أن تغيّرها بشكل جذري، ومن الممكن أن تُكتب لنا النجاة من هذه المصائر.

اقرأ أيضاً: سفر برلك.. كيف عبر الوجدان الشعبي العربي عن استبداد الأتراك؟
لا يمكن أيضاً تجاهل الأسلوب الذي كُتبت فيه الرواية، فالأسلوب لعب دوراً في عملية سرد مكثفة، بعيداً عن الإسهاب؛ إذ يبدو واضحاً إدراك الروائي، مقبول العلوي، لحساسية التعامل مع لغة السّرد داخل الرواية، فالراوي وبطل الرواية فتى يبلغ من العمر 16 عاماً، وأحداثها تدور في مرحلة تاريخية مفصلية، تجاور ظرفه ورحلته والمحن التي تعرض لها، بمرحلة عمرية انتقالية أيضاً، من الطفولة إلى الرجولة، وهذا يشير إليه الروائي على لسان بطله، ذيب، عندما يمرُّ بأول علاقة جنسية مع مرجانة، الفتاة التي تخدم في بيت الوجيه عبد الرحمن المدني، إذ يقول: "لم يجمعني فراشٌ من قبل بأيّ امرأة، ليست لي دراية بالنساء، ولم ألمسْ امرأةً في سابق سنوات عمري، كنت سعيداً وخائفاً ومرتبكاً في الوقت نفسه، ولا أعرف ماذا سأفعل حيال هذا الأمر (...) فقد أحسستُ بجلدي القديم يتقشَّر من فوق جسدي (...)، وحينئذ أدركتُ أنَّني قدْ خرجتُ من إهاب الطفولة إلى الرجولة المكتملة، رغم أنَّ سنِّي لم تتجاوز السادسة عشر".

الروائي السعودي مقبول العلوي
يشعر القارئ بأنّ اللغة المستخدمة عبارة عن طبقات من الأصوات متداخلة في بعضها، صحيح أنّ الراوي فتى يافع في مقتبل العمر، لكن إذا عدنا لفكرة المصير الشخصي/ الفردي، فإنّ تفوّق ذيب في الكتابة والقراءة قد لعب دوراً في نجاته من مصير أسوأ؛ إذ يعود الفضل في تعلّمه إلى خاله، مانع، الذي أصرّ على أن يعلّم ذيب في طفولته القراءة والكتابة وتلاوة القرآن، إضافة إلى شغف الاطّلاع الذي يتمتع فيه ذيب، والذي كان السبب في وجوده وعمله مع الوجيه عبد الرحمن المدني، الشغوف بقراءة المخطوطات، ونسخها من المكتبة الكبيرة في المدينة؛ مكتبة "عارف حكمت".

اقرأ أيضاً: هل يصحو أردوغان من أحلام العثمانية الجديدة؟
يقول ذيب أثناء وجوده في هذه المكتبة: "قضيتُ بعض الوقت في المكتبة؛ قرأت صفحات من بعض الكتب لزيادة معرفتي وتطوير ذاتي، فالمعرفة سلاحٌ يجعلك على استعدادٍ كافٍ لمجابهة الجهل، كما قال لي أحدُ شيوخي في حلقة من حلقات التعليم في الحرم المكيّ".
رواية "سفر برلك"؛ عن رحلة شاب قذفته رمال صحراء مكة إلى المدينة المنورة، ليجد نفسه لاحقاً في محطة الحجاز في دمشق، إنّها رحلة حياة ذيب، الذي كان شاهداً على العبودية والاستعباد والتهجير، وضحايا الظروف الصعبة.

للمشاركة:



اللبنانيون يرفضون حكومة دياب..

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وقعت، أمس، مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة، والقوى الأمنية، في ساحة رياض الصلح، وسط بيروت، أثناء محاولة عدد من المتظاهرين الدخول إلى السراي الحكومي.

وأصيب في المواجهات 20 شخصاً، على الأقل، في صفوف الجانبين تمّت معالجة 18 منهم ميدانياً، وفق ما كشف الأمين العام للصليب الأحمر اللبناني، جورج كتانة، لوكالة "فرانس برس".

وحاول متظاهرون تجمّعوا قرب مقر رئاسة الحكومة إزالة الأسلاك الشائكة وسياج حديدي وإزاحة المكعبات الإسمنتية، كما رشق المحتجون بالحجارة والمفرقعات النارية قوات مكافحة الشغب التي ردّت باستخدام خراطيم المياه وقنابل الغاز المسيل للدموع،  وتمكّن عناصر مكافحة الشغب من تفريق المتظاهرين الذين كانوا قد تخطّوا تقريباً كلّ العوائق الموضوعة أمام مدخل مقر رئاسة الحكومة.

مواجهات بين المتظاهرين المعترضين على الحكومة اللبنانية الجديدة والقوى الأمنية أمام مقرّ رئاسة الحكومة

وعبّر عدد من المتظاهرين، خلال مشاركتهم في احتجاجات أمس، عن رفضهم لحكومة دياب، مؤكدين أنّها ليست الحكومة التي طالبوا بها، وأنّها "ليست حكومة إنقاذ من اختصاصيين بعيدة عن المحاصصة"، مضيفين: "بعد مئة يوم، وكأنّ الشعب لم يقل شيئاً، نرفع صوتنا ضدّهم، لكنّهم يقومون بما يناسبهم".

 وكتبت وزيرة العدل، ماري كلود نجم، في تغريدة: "مُدانٌ ومرفوض هذا العنف، وتدمير أرزاق الناس وسط بيروت، الحراك قام لغاية نبيلة وليس لتخريب المدينة على حساب أهلها وتجّارها".

يذكر أنّ المظاهرات الاحتجاجية في لبنان، بدأت في 17 تشرين الأول (أكتوبر) الماضي، وسط بيروت، عقب قرار اتخذته الحكومة بفرض ضريبة على تطبيق "واتس أب"، وسرعان ما انتقلت المظاهرات لتعم كافة المناطق اللبنانية.

ويواجه لبنان انهياراً اقتصادياً مع شحّ في السيولة وارتفاع مستمر في أسعار المواد الأساسية، وفرض المصارف إجراءات مشددة على العمليات النقدية وسحب الدولار، حتى تحولت فروع البنوك إلى مسرح يومي للإشكالات بين مودعين يطالبون بأموالهم وموظفين ينفذون القيود المفروضة.

 

 

للمشاركة:

الأردن: توجيه تهمة الإرهاب لثلاثة أشخاص.. ماذا فعلوا؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

وجهت محكمة أمن الدولة الأردنية، اليوم، تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي والترويج لأفكاره، بحقّ ثلاثة أشخاص.

وذكر القضاء الأردني، وفق ما نقلت صحف محلية؛ أنّ اثنين من المتهمين الثلاثة نفذوا عملية طعن ثلاثة سياح أجانب وثلاثة أردنيين في مدينة جرش الأثرية، في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي.

وكشفت التحقيقات؛ أنّ المتهمين نفذوا عمليتهم الإرهابية انتقاماً لمقتل زعيم تنظيم "داعش" الإرهابي، أبو بكر البغدادي، بتوجيه مع أحد الإرهابيين الذي قدّم لهم فتوى بجواز قتل السياح.

محكمة أمن الدولة توجه تهمة ارتكاب أعمال إرهابية ومحاولة الالتحاق بداعش والترويج لأفكاره بحقّ ثلاثة أشخاص

وتتلخص وقائع القضية، وفق لائحة الاتهام، في أنّ المتهم الأول من حملة الفكر التكفيري (داعش)، وهو صديق للمتهم الثاني، حيث باشر المتهم الأول بعرض فكره الإرهابي على المتهم الثاني واقتنع الأخير بهذا الفكر .

ثمّ خطط المتهمان للالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، وتواصلا مع شخص يدعى "أبو زينة" من تنظيم داعش.

ثم اتفقا مع المتهم الثالث على الترويج لتنظيم داعش، بعد أن اجتمعوا داخل مزرعة يعمل بها المتهم الثالث، وأثناء محاولة المتهم الأول الالتحاق بتنظيم داعش الإرهابي، عرض عليه المدعو "أبو زينة" من داعش أن ينفذ عملية إرهابية، وأعطاه فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب، لتكون العملية انتقاماً لمقتل زعيم التنظيم "أبو بكر البغدادي".

الإرهابيون حصلوا على فتوى بجواز الاعتداء على السياح الأجانب لتكون العملية انتقاماً لمقتل البغدادي

وفكروا في البداية بتنفيذ عملية ضدّ كنيسة في منطقة دبين، ثم اتفقوا أن يتولى المتهم الأول تنفيذ العملية بالاعتداء على السياح الأجانب في جرش.

وكان الناطق الإعلامي باسم مديرية الأمن العام في الأردن، عامر السرطاوي، قد أوضح أنّ المصابين هم ثلاثة سياح ومرشد سياحي ورجل أمن أصيب اثناء محاولة القبض على المهاجم.

 

للمشاركة:

الحوثيون يستغلون المنابر

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

 لا تتوانى ميليشيات الحوثي الإرهابية عن استخدام أية وسيلة كانت لترفد قواتها بعناصر جدد يحاربون إلى جانبها، في ضوء الخسائر البشرية والمادية الفادحة التي تكبدتها خلال المعارك الأخيرة.

هذه المرة حاولت الميليشيات استغلال الدين بتحويل منابر الجمعة إلى وسيلة للتحريض والتجنيد؛ حيث عمد خطباء الميليشيات الحوثية في العاصمة، صنعاء، الأول من أمس، إلى الدعوة لتجنيد المزيد من المقاتلين، وإن كانوا أطفالاً، للزجّ بهم في جبهات القتال.

وأكّد مصلون في عدد من المساجد، في العاصمة صنعاء، نقلت عنهم صحيفة "الشرق الأوسط"؛ أنّ "خطب مساجد الحوثيين بمعظم مناطق العاصمة صنعاء، أمس، تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي ودعوة اليمنيين للهبة والقتال بجبهة نهم والموت في سبيل مشروعها الظلامي الكهنوتي".

خطباء الميليشيات الحوثية في صنعاء يدعون لتجنيد المزيد من المقاتلين حتى إن كانوا أطفالاً

والاحظ المصلون أنّ جلّ خطب الميليشيات، أمس، على منابر المساجد كانت متشابهة بشكل كبير في استنجادها للمواطنين، وطلب الدعم والمساندة والإنقاذ منهم لمقاتليها، الذين تلقوا ضربات موجعة بمختلف الجبهات على أيدي قوات الجيش الوطني.

وبحسب المصلين؛ فإنّ خطباء الميليشيات دعوا مرتادي المساجد إلى "النفير والهبة الشعبية والدفع بأبنائهم إلى جبهات القتال والجهاد دفاعاً عن العرض والدين".

في سياق متصل، كشف مصدر بمكتب الأوقاف والإرشاد، بالعاصمة صنعاء، أنّ المسؤولين الحوثيين في وزارة الأوقاف ومكتبها في الأمانة الخاضِعَين لسيطرتها، استدعوا، الخميس الماضي، عدداً من الخطباء والمرشدين لإعطائهم أوامر وتعليمات لحثّ المواطنين والسكان في خطبهم ودعوتهم إلى رفد جبهات الحوثيين بالمقاتلين، خصوصاً جبهة نهم، الواقعة شرق العاصمة صنعاء".

وقال المصدر بمكتب الأوقاف، الذي طلب عدم الكشف عن هويته، خشية انتقام الميليشيات؛ إنّ قيادة الجماعة طلبت من خطبائها الطائفيين أن يعملوا على تخويف جموع المصلين، وتحذيرهم من على المنابر، من خطورة اجتياح نهم ودخول صنعاء من قبل قوات الشرعية.

خطب مساجد الحوثيين بصنعاء تمحورت حول التحريض على القتل والعنف والشحن الطائفي

بدورهم، أكّد سكان محليون بصنعاء لـ "الشرق الأوسط"، تركيز غالبية خطباء الجماعة في خطبتَي الجمعة بصنعاء، على بثّ خطاب الكراهية وتحريض الناس ليتحركوا إلى الجبهات، وإلحاق أبنائهم بالجهاد والقتال ضدّ من وصفوهم بـ "المنافقين والتكفيريين"، و"المرتزقة والغزاة".

من جانبهم، تحدّث مواطنون، يقطنون بالقرب من مساجد بصنعاء، عن مغادرة مصلين كُثر لعدد من المساجد فوز تحريض خطباء الجماعة الناس على الانضمام لجبهاتها القتالية العبثية.

ورأى المواطنون، أنّ العزوف الجماعي للمصلين عن مساجد الميليشيات جاء عقب موجة من الغضب الشديدة التي اجتاحتهم فور سماعهم خطب الميليشيات المتكررة المحرضة على العنف والقتل ونشر المذهبية والطائفية، التي سعت وتسعى الميليشيات منذ انقلابها لزرعها في أفكار المواطنين بصنعاء وبقية مناطق سيطرتها.

يذكر أنّ الميليشيات الحوثية تحكم قبضتها وسيطرتها حالياً على غالبية المساجد في العاصمة، وذلك بعد اعتقالها للمئات من الدعاة والأئمة والخطباء والمرشدين والزجّ بهم في السجون، واستبدالهم بخطباء موالين لها طائفياً.

وفي الوقت الذي وجهت فيه الميليشيات من خلال خطبائها الطائفيين، دعوات مكثفة من على منابر المساجد لجموع المواطنين بصنعاء للدفع بهم للانضمام لصفوفها والقتال بجبهاتها، دقت الميليشيات الانقلابية، أواخر الأسبوع الماضي، ناقوس الخطر، وجابت سياراتها شوارع وأحياء صنعاء بهتافات مختلفة عبر مكبرات الصوت، تدعو اليمنيين للنفير العام والهبة الشعبية لإنقاذ ميليشياتها في جبهة نهم.

مستشفيات العاصمة استقبلت على مدى الأيام الخمسة الماضية المئات من القتلى والجرحى الحوثيين

وذكرت المصادر المحلية؛ أنّ ميليشيات الموت أفردت دوريات مسلحة مهمتها جمع الشباب والأطفال من المارة في شوارع وأحياء وحارات صنعاء ونقلهم قسراً، بعد خداعهم والتغرير بهم، للقتال إلى جانب عناصرها.

وفي سياق متصل؛ كشفت مصادر طبية في صنعاء لـ "الشرق الأوسط"؛ أنّ "مستشفيات العاصمة استقبلت، على مدى الأيام الخمسة ماضية، المئات من القتلى والجرحى التابعين للميليشيات، الذين سقطوا إثر المواجهات المستمرة على امتداد خطوط التماس في جبهة نهم، البوابة الشرقية للعاصمة صنعاء".

في المقابل، أكّد شهود عيان في أحياء متفرقة بصنعاء، أنّ الميليشيات الحوثية شيعت، خلال اليومين الماضيين فقط، أكثر من 60 عنصراً من قتلاها الذين لقوا حتفهم خلال المعارك الدائرة في جبهة نهم.

وتتكبد الجماعة الحوثية في جبهة نهم خسائر بشرية كبيرة، في ظلّ استمرارها في التحشيد والدفع بعناصرها، ومن تجنّدهم من الأطفال وطلبة المدارس، للقتال في محارق خاسرة ومحسومة سلفاً.

 

للمشاركة:



حالة مرضية في العراق

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

خيرالله خيرالله

يُعاني عدد لا بأس به من السياسيين العراقيين من حالة مرضية. يعود ذلك الى الرغبة في استرضاء ايران في وقت يعرف هؤلاء ان نظام "الجمهورية الإسلامية" يعاني من ازمة عميقة، بل ازمة مصيرية، كشفتها عملية اغتيال قاسم سليماني قائد "فيلق القدس" في "الحرس الثوري" الايراني. ادّت هذه الحالة المرضية في العراق الى ردود فعل غير طبيعية ردّا على تصفية الولايات المتحدة لسليماني بعيد مغادرته مطار بغداد مع أبو مهدي المهندس نائب قائد "الحشد الشعبي" مطلع هذه السنة. كانت البداية طلب مجلس النوّاب العراقي، في غياب معظم النوّاب السنّة وكل النواب الاكراد، انسحاب القوات الاميركية من العراق.

كلام عراقي كثير قيل منذ تخلّص الاميركيين من سليماني، بما في ذلك ما صدر عن رجل الدين الشيعي مقتدى الصدر الذي يريد التخلّص من القواعد الاميركية من دون الإشارة الى الوجود الايراني في العراق، وهو وجود اقلّ ما يمكن ان يوصف به انّه طاغ. لم يتردد مقتدى الصدر، الذي عاد الى تحت الجناح الايراني قبل اشهر قليلة وشوهد في مجلس "المرشد" علي خامنئي الى جانب قاسم سليماني، في التهديد والوعيد للاميركيين قبل ان يدعو الى تظاهرة "مليونية" في بغداد لا يبدو انّها ستقدّم او تأخر. قبل كل شيء، لم تكن التظاهرة "مليونية". فضلا عن ذلك، بدأ مقتدى الصدر نفسه يعدّل من لهجة خطابه
بدعوته الى مجرد "غلق القواعد الأميركية الموجودة على الأراضي العراقية" مؤكدا ان "الهدف والمطلب الأساسي هما جدولة خروج قوات الاحتلال فعليا وبشكل منظور على الأرض". قام مقتدى الصدر بنقلة نوعية تؤكّد انّه ليس سوى ضحيّة أخرى للحالة المرضية التي يعاني منها قسم كبير من الطبقة السياسية العراقية.

متى يعود أي سياسي عراقي، من السياسيين الحاليين، الى نفسه، يدرك في العمق انّ الدبابة الاميركية هي التي عادت به الى بغداد وان المشروع الايراني ليس سوى مشروع ذي افق مسدود في المدى الطويل. لكن ما العمل عندما يكون هذا السياسي او ذاك مضطرا الى ان يأخذ في الاعتبار انّ عليه مراعاة ايران الى ابعد حدود بعدما اكتشف ان لديها القدرة على منع أي شخص لا يعجبها من الوصول الى موقع رئيس الوزراء، كما حصل مع حيدر العبادي او مع اياد علّاوي، كما لديها ما يكفي من النفوذ لاقالة ضابط كبير مثل عبدالوهاب الساعدي لعب دورا مهمّا في الانتصار على "داعش" في الموصل وفي كلّ معركة.

من حسن الحظ انّه لا يزال في العراق عدد من السياسيين القادرين على التمتع بحدّ ادنى من الاستقلالية مع امتلاك لبعض من ذاكرة ايضا. لا شكّ ان الاكراد يمثلون نوعا من الاستثناء العراقي هذه الايّام على الرغم من ان اميركا خذلتهم بعد الاستفتاء على الاستقلال في الخامس والعشرين من أيلول – سبتمبر 2017. لم تقدم واشنطن على أي خطوة من اجل مساعدة مسعود بارزاني في ترجمة نتائج الاستفتاء، التي جاءت لمصلحة الاستقلال، على ارض الواقع. امتلك مسعود بارزاني ما يكفي من الحكمة وقدّم استقالته معترفا بفشله في تحقيق الحلم الكردي القديم. تعاطى مع الواقع ورضخ له. استوعب ان الدعوة الى استفتاء في ظروف معيّنة لم يكن خطوة في الاتجاه الصحيح على الرغم من ان نسبة مؤيدي الاستقلال في إقليم كردستان بلغت 92 في المئة.

ما يؤكد ان اكراد العراق متصالحون الى حدّ كبير مع الواقع ومع الحقائق العراقية تصرّف برهم صالح رئيس الجمهورية في مؤتمر دافوس. التقى برهم صالح الرئيس دونالد ترامب وتعاطى معه بصفة كونه رئيس الدولة الأكبر في العالم. لهذه الدولة فضل على كلّ سياسي حالي في العراق. لم يتجاهل الاكراد انّه لولا الجيش الاميركي لكان العراق لا يزال تحت حكم صدّام حسين وذلك بغض النظر عن ايّ مقارنة بين عراق ما قبل 2003 وعراق الآن. وهي مقارنة لمصلحة صدّام. اجتمع رئيس الجمهورية العراقية الكردي مع الرئيس الاميركي مع علمه المسبق انّ ايران ستعترض على ذلك وستستخدم ازلامها لشنّ حملة تهويل عليه. رأى برهم صالح اين مصلحة العراق وذلك على الرغم انّه لا يعتبر من السياسيين المعادين لإيران.

ما يؤكّد أيضا وايضا ان الاكراد يتعاطون مع الواقع العراقي كان موقف الرئيس الحالي لإقليم كردستان نيجرفان بارزاني في دافوس. ففي جلسة حوارية في اطار المنتدى الاقتصادي العالمي قال نيجرفان: "عندما يتعلق الامر بما يحصل في العراق فإننا نتحدث عن جيل تراوح أعمار المنتمين اليه بين 15 و23 عاما، أي أن هؤلاء لم يعايشوا فترة صدام حسين أو أميركا بل يسعون الى حياة أفضل مقارنة ببقية الشعوب". وأضاف: "المتظاهرون غير راضين عن أداء الطبقة السياسية وقد أوصلوا رسالتهم عبر الاحتجاجات. نستغرب ان هناك من يلقي كل اللوم على الخارج، فإذا افترضنا أن 70 في المئة متأثرون بأطراف خارجية، فإن هنالك 30 في المئة يتظاهرون بدوافع تلقائية، لذا لا بد أن نشعر بالمسؤولية ونراجع أنفسنا". وشدد على أن "الأكراد جزء من العراق ولا نستطيع النأي بأنفسنا عما يحصل لذلك نعمل على تهدئة الأوضاع ولدينا تواصل مع بغداد من اجل تحقيق هذا الغرض". وعن وجود القوات الأميركية في العراق، قال نيجرفان بارزاني، إن "القوات الأميركية موجودة بناء على طلب الحكومة للمساعدة في التصدي لداعش ومهماتها واضحة ومحددة. نرى أن قرار البرلمان العراقي غير صائب وصدر بغياب الأكراد والسنة، فالعراق لا يزال بحاجة الى الدعم الأميركي لأن خطر داعش لا يزال قائما". خلص الى التأكيد مجدّدا أن "المشكلة تكمن في عدم وجود شيء اسمه الولاء للعراق، في حين يجب أن يكون العراق جامعا لكل المكونات".

يوجد منطقان عراقيان لا يمكن ان يكون هناك قاسم مشترك بينهما، اقلّه في الوقت الحاضر، وذلك في انتظار ما ستؤول اليه الامور في ايران. هناك منطق لا علاقة له بالمنطق مثل منطق مقتدى الصدر وآخر متصالح مع الواقع اسمه المنطق الكردي. ارتكب الاكراد في الماضي أخطاء كثيرة. الظاهر انّهم استفادوا من هذه الأخطاء. استفادوا من ان الشعارات لا تطعم خبزا. انّهم على العكس من معظم قادة الأحزاب الشيعية من نوع مقتدى الصدر يعرفون ان مصلحة كلّ عراقي في المحافظة على العراق وان الخطر الأكبر هو ذلك الذي تمثّله ايران وليس الولايات المتحدة التي راهنت رهانا خاطئا على ان في الإمكان إقامة نظام ديمقراطي في العراق... وهي تدفع حاليا ثمن هذا الرهان!

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

إيران: طريق العودة للواقعية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-26

حسن فحص

لا يمكن ان يكون الحديث الذي ادلى به وزير الخارجية الايرانية محمد جواد  ظريف مع وسيلة اعلام المانية نقلته محطة "أي بي سي نيوز" حول استعداد بلاده للحوار مع الولايات المتحدة الامريكية على الرغم من عملية الاغتيال التي قامت بها لقائد قوة القدس في حرس الثورة الجنرال قاسم سليماني، موقفاً نابعاً من رغبة ظريف في هذا الحوار، لكنه يعبر عن وجود توجه لدى النظام للعودة الى الحوار، الا انه يريد حواراً متكافئاً تقوم قبله واشنطن بالغاء العقوبات الاقتصادية التي فرضتها على ايران والعودة عن قرار الانسحاب من الاتفاق النووي. وهي شروط لا يبدو حتى الان أنها تحظى بموافقة واشنطن التي تصر على حوار من دون شروط، ومن دون التطرق الى ورقة العقوبات الاقتصادية التي تعتقد بانها الاداة الاكثر فعالية في خنق النظام الايراني واجباره على الجلوس الى طاولة والتفاوض على شروط جديدة في الملفين النووي والصاروخي والنفوذ الاقليمي غرب آسيا.

الحديث الذي امتنعت وسائل الاعلام الايرانية بمختلف انواعها عن نقله او التعامل معه، يأتي مؤشراً على رغبة لدى النظام الايراني بتجاوز مرحلة التصعيد التي شهدتها المنطقة بين طهران وواشنطن بعد عملية الاغتيال الامريكية والرد الايراني على قاعدتي الحرير في اربيل وعين الاسد في الانبار. وان طهران تريد الاكتفاء بالحد الذي وصفته " بالصفعة" التي وجهتها للقوات الامريكية، والانتقال الى توظيف خسارتها باغتيال سليماني في البعد السياسي ان كان في محاولة جر واشنطن لتقديم تنازلات والعودة الى طاولة المفاوضات او من خلال ترك الامر للانشطة التي من المفترض ان تتولاها القوى الحليفة لها "الوكلاء" في المنطقة في اطار ما رسمه المرشد الاعلى وقيادة حرس الثورة بدعوة الشعوب لانهاء الوجود الامريكي في منطقة غرب آسيا.

ولم تتوقف اشارات التهدئة التي تصدر عن رئيس الدبلوماسية الايرانية تجاه دول المنطقة، خصوصا باتجاه الدول الخليجية وتحديدا العربية السعودية، والحديث عن مفاوضات مباشرة قريبا بين الطرفين، والتي من المفترض انها لن تقتصر على الازمة اليمينية وتفعيل الحل السياسي في هذا البلد، بل ستشمل ازمات المنطقة كافة، ان كان في العراق او سوريا او لبنان، خصوصا وان النظام الايراني لا يرغب في الذهاب بعيدا في المواجهة العسكرية مع واشنطن، وان ما تركه من مهمات على عاتق حلفائه "الوكلاء" في مناطق النزاع والتماس المباشر مع القوات الامريكية يمكن التحكم به ومساراته اما تصعيدا لممارسة الضغط لتسهيل وتسريع التفاوض، واما نحو التهدئة وكبح جماح هذه القوى وعدم الانتقال الى مواجهة وحرب عصابات مفتوحة قد يكون من الصعب التحكم بمآلاتها.

العودة الايرانية للحديث عن التفاوض ومع واشنطن بالتحديد، من غير المستبعد ان يكون مجرد خطأ او مناورة من ظريف بعيدا عن التفاهم مع قيادة النظام بجناحيها السياسي والعسكري، وهي لا تتناقض مع التصعيد الذي جاء في كلام ظريف امام البرلمان الايراني تجاه الترويكا الاوروبية ولغة التشدد التي سيطرت على مواقفه، بل تصب في اطار تعزيز الرغبة الايرانية بالتوصل الى تفاهمات مع واشنطن بعد ادراك العجز الاوروبي عن اتخاذ خطوات تخفف من حدة الضغوط الامريكية.

والانتقال الى لغة التفاوض في ظل استمرار سيل التصريحات والتهديدات الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية (حرس الثورة) ضد القوات الامريكية في منطقة غرب آسيا، قد لا تعني ان طهران في صدد الاستمرار بالتصعيد المفتوح كما توحي هذه المواقف، بل قد تعني الاستعداد للانتقال الى التهدئة وتوظيف التطورات لفتح مسار يؤسس لمرحلة جديدة من العلاقة بين الطرفين، انطلاقا من ان التأخير في تثمير هذه التطورات قد يرتد سلبا ويعقد الامور ويأخذها الى مستويات تكون فيها السلبية أعلى من الايجابية.

فبالاضافة الى الرد الذي قامت به طهران ضد  قاعدة عين الاسد الامريكية واختيار الطرفين السكوت عن الخسائر البشرية، يشكل مؤشرا واضحا عن نية الطرفين في عدم تجاوز حافة الهاوية، والاحتفاظ بخطوط العودة الى التهدئة والتفاوض، ولعل ما شهدته الساحة العراقية من خطوات قامت بها القوى والاحزاب وفصائل الحشد الشعبي من الامساك بخيوط العملية السياسية في الحكومة والبرلمان والدفع باتجاه اصدار قرار يطالب القوات الامريكية الخروج من هذا البلد، الى جانب ما حققته على خط توحيد صفوف الاحزاب الموالية لها وتنظيم التظاهرة "المليونية" التي شكلت نقلة نوعية في العلاقة بين طهران السيد مقتدى  الصدر زعيم التيار الصدري، ما يعني انها ستكون بحاجة الى فتح المجال امام مساعي التهدئة على الساحة العراقية من اجل تثمير هذه الخطوات في العملية السياسية واختيار رئيس جديد للوزراء، لا يشكل قطيعة تامة مع واشنطن بل يساهم في التهدئة بحيث لا يخرج كلا الطرفين خاسرا في العراق.

والى جانب الموضوع العراقي، فان طهران ايضا تريد توظيف ما حققه حليفها حزب الله على الساحة اللبنانية ونجاحه بتشكيل حكومة جديدة يبدو انه سيبذل كل طاقته وجهوده من اجل  توفير الاجواء لنجاحها من خلال تسهيل عملها واتصالاتها الدولية والعربية، وقد بدأ مسار التهدئة هذا منذ استقالة الرئيس سعد الحريري من رئاسة الوزراء اذ لم تشهد خطابات الامين العام لحزب الله ان كان حول الازمة اللبنانية او في ما يتعلق باغتيال سليماني واحداث العراق مواقف تصعيدية ضد الدول الخليجية وتحديدا السعودية.

تشابك الملفات التي تواجهها ايران في المنطقة وما فيها من تعقيدات، قد تسمح للحكومة الايرانية برئاسة حسن روحاني بتوظيف الوضع المتشعب والتحديات التي يفرضها على المؤسسة العسكرية ان يقوم بخطوة الى الامام تخدم رؤيته في الامساك بزمام المبادرة على قاعدة تقاسم الادوار بينه وما يعنيه من انفتاح على المجتمع الدولي وتفكيك ازمة العقوبات مع واشنطن، وبين النظام المشغول في احكام قبضته على الساحة الداخلية وليس آخرها الانتخابات البرلمانية المرتقبة.

عن "المدن"

للمشاركة:

هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

مدني قصري's picture
كاتب ومترجم جزائري
2020-01-26

ترجمة: مدني قصري


هل خسرت الولايات المتحدة خمسة آلاف جندي وأهدرت تريليون دولار منذ عام 2003 في العراق، لتسليم هذا البلد في النهاية إلى إيران؟ السؤال ملحّ ومطروح بحدة في الوقت الحالي؛ لأنّ الغارة الأمريكية في 3 كانون الثاني (يناير) الجاري التي قتل فيها الجنرال قاسم سليماني في بغداد، قد حرمت الشبكات القوية الموالية لإيران في العراق من هذا الرجل، ولكن دون تعطيل أو تفكيك نظامها. كما أنّ إدارة ترامب أتاحت لإيران ومؤيديها، محل النزاع والرفض منذ أسابيع من قبل السكان المحليين، إمكانية تعبئة القومية العراقية التي تستنكر بشدة الهيمنة الإيرانية ضد "الشيطان الأكبر" الأمريكي، وضده وحده. ومع ذلك، لم يكن من الممكن حدوث مثل هذه الكارثة دون ستة عشر عاماً من سياسة الولايات المتحدة الهرطقية الخاطئة في العراق، والتي لا تزال إيران تستمد منها أكبر فائدة.

اقرأ أيضاً: سعي أمريكي لإعادة التموضع ورسم قواعد الاشتباك في العراق وسوريا.. كيف؟
خلص بوش إيران من عدوّين لدودين من خلال القضاء على نظام طالبان ثم الإطاحة بصدام حسين

فتح بوش العراق أمام إيران
في "حربه العالمية على الإرهاب"، لم يفهم جورج دبليو بوش أنّه من خلال القضاء على نظام طالبان في أفغانستان في عام 2001، ثم الإطاحة بصدام حسين بعد ذلك بعامين، أنّه خلص جمهورية إيران الإسلامية من عدوّين لدُودين يرابطان على حدودها. يقوم الحرس الثوري، الذي تم تشكيله لمقاومة العدوان العراقي على إيران عام 1980، بتطوير شبكاته في مجال الأطلال التي خلفها الغزو والاحتلال الأمريكي في العراق. فالحرس الثوري يستثمر منهجياً الفراغ الذي فتحته واشنطن عام 2003، بحل الجيش العراقي، وطرد أعضاء حزب البعث والعنف ضد المسلحين السنّة. علاوة على ذلك، فإنّ الأحزاب الموالية لإيران هي المستفيد الأكبر من المؤسسة في عام 2005، تحت رعاية الولايات المتحدة، لنظام ذي نمط طائفي، حيث تتمتع أقوى الميليشيات ذات الجذور الطائفية بكل الامتيازات. فضد هذا النظام الظالم والفاسد، الذي تفرضه واشنطن لصالح إيران، انفجر الاحتجاج العراقي منذ تشرين الثاني (أكتوبر) الماضي.

حماية الميليشيات الموالية لإيران من قبل أوباما
من خلال عزمه على تسوية الإرث الكارثي لسلفه في العراق، ساهم باراك أوباما من حيث لا يدري، في تفاقم دواليب سياسة بلاده الموالية لإيران. وعلى هذا النحو عزّز موقف رئيس الوزراء نوري المالكي، وهو متعصب شيعي، مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيران (حيث عاش لفترة طويلة في المنفى)، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية في عام 2011. حراس الثورة، بعد نسج شبكتهم في عراق ما بعد صدام، يحتلون الآن المجال السياسي العسكري الذي انسحبت منه الولايات المتحدة. بالإضافة إلى ذلك، يرسخ المالكي ويعمق التمييز ضد المجتمع السنّي، وهو ما سمح لتنظيم القاعدة، على الرغم من هزيمته عسكرياً، بأن يتجدّد في شكل "داعش"، الملقب خطأً باسم "الدولة الإسلامية". أدى تشتت الجيش العراقي وفراره أمام "داعش" في الموصل، عام 2014، كرد فعل، إلى ظهور الميليشيات الشيعية المعروفة باسم "الحشد الشعبي". يشرف الحرس الثوري على أكثر مكوناته فعالية، ويربطه عضوياً بإيران. في كفاحهم ضد الجهاديين، يتمتعون بغطاء جوي من الولايات المتحدة، مما يسمح لهم بتوسيع أراضيهم ونفوذهم، تحت سلطة الجنرال سليماني. وتتيح المعركة ضد "داعش" أخيراً أمام طهران إمكانية التنسيق بين عمل مؤيديها على المسرحين العراقي والسوري؛ حيث لعبت الميليشيات الموالية لإيران القادمة من العراق، دوراً متزايد الأهمية، لا سيما في معركة حلب.

تنكّر ترامب للشعب العراقي
لذلك ورث دونالد ترامب سياسة عراقية "خارج الأرض"؛ حيث تتدخل الولايات المتحدة عن طريق الجو، لتتحكم في عدد من المحاور التي تقلع منها طائراتها، في حين أنّ إيران قد قامت بترسيخ قنوات متعددة، وأدوات ضغط كثيرة في بغداد وبقية البلاد. بدأ التحذير الأول في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017: استفتاء استقلال الأكراد العراقيين، الحلفاء التاريخيين للولايات المتحدة، أدى إلى هجوم من قبل الميليشيات الموالية لإيران التي استولت على كركوك ومواردها النفطية الهائلة. أُجبِر الأكرادُ العراقيون أخيراً على التخلّي عن حلمهم الانفصالي، من أجل التفاوض، بشروط حددتها طهران إلى حد كبير، على رفع العقوبات المفروضة عليهم من قبل السلطة المركزية. كان من الممكن أن تكون الانتفاضة الديمقراطية التي أثارت العراق منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 2019 فرصة حقيقية للولايات المتحدة لإعادة الاتصال أخيراً بالواقع الشعبي في ذلك البلد. إنّ ضراوة إدانة قبضة إيران الخانقة هي بالفعل السمة الغالبة لهذه الموجة من الاحتجاجات، بما في ذلك في جنوب البلاد الذي تقطنه أغلبية شيعية (هكذا أصبحت القنصليات الإيرانية في مدينتي كربلاء والنجف المقدستين الشيعيتين، هدفاً لهذا الغضب الوطني).

عزّز أوباما موقف رئيس الوزراء نوري المالكي وهو مرتبط ارتباطاً وثيقاً بإيرا، من منظور انسحاب الكتيبة الأمريكية عام 2011

لكن سرعان ما ظهر ترامب عاجزاً عن اعتبار العراق مجالاً آخر غير مجال المناورة ضد إيران. قرارُه، ردّاً على مقتل أمريكي متعاقد من الباطن في كركوك، بتفجير منشآت الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قد سارع بالهجوم على السفارة الأمريكية في بغداد، فانتقمت واشنطن من خلال تصفية سليماني، الذي كان بالأمس محمياً من القوات الجوية الأمريكية. يُنظر إلى هذه الغارة غير المسبوقة من قبل النظام الإيراني وملاحِقه العربية كإعلان حرب حقيقي، مع الإغراء بالرد على واشنطن خارج العراق. إنّ مثل هذا التصعيد ما كان يمكن أن يحدث في أسوأ ظروف الاحتجاج الشعبي في العراق ومحاولته تخفيف الخناق الإيراني المفروض على البلاد. أما بالنسبة لرئيس الوزراء العراقي، فقد شارك في بغداد يوم 4 كانون الثاني (يناير) في تكريم سليماني، على خلفية من شعارات الميليشيات الموالية لإيران، وعلى خلفية الشعارات المعادية لأمريكا. في اليوم التالي، صوت البرلمان العراقي بالإجماع من بين 170 نائباً حاضرين (من أصل 328)، مؤيداً للانسحاب الفوري لخمسة آلاف جندي أمريكي ما زالوا موجودين في العراق، في إطار القتال ضد "داعش".
الولايات المتحدة لن تلوم إلا نفسها في النهاية، في ظل ثلاث إدارات متعاقبة؛ لأنها قذفت بالشرق الأوسط إلى حافة الهاوية. لكن النساء والرجال في العراق، وربما بقية المنطقة، هم الذين يدفعون الثمن وسيدفعون المزيد من الثمن.


مصدر الترجمة عن الفرنسية:
lemonde.fr

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية