كريم الصياد: انغلاق جماعات الإسلام السياسي يمنع دمجها في الحياة السياسية

2940
عدد القراءات

2019-03-12

أجرى الحوار: محمد جبريل


قال الدكتور كريم الصياد، أستاذ الفلسفة الإسلامية بجامعة القاهرة إنّه من غير الممكن حالياً إدماج الإسلام السياسي في تنظيم المجتمع سياسياً؛ بسبب طبيعته الديماغوجية، معيداً ذلك أيضاً إلى أنّ التشريع الإسلامي الذي يعد بمثابة حجر الأساس في برنامج الإسلام السياسي يخلو بدوره من مبدأ الحق الطبيعي ويتجاهل الحقوق المكتسبة.

التعامل البراغماتي مع الدين يلغي الإيمان كتجربة وجودية أصيلة ومأسسة الدين تفرِّغ الإيمان من مضمونه

ورأى الباحث في التراث الإسلامي، في حواره مع "حفريات"، أنّه لا يمكن تصور الدين مجرد أيديولوجيا إصلاحية، أو التعامل معه براغماتياً؛ "إذ يلغي هذا التصور التجربة الإيمانية كتجربة وجودية أصيلة".
وأضاف أنّ ظاهرة الصحوة الإسلامية نتجت عن عوامل متنوعة بعضها شعورية، مثل؛ حاجة العرب إلى نوع من استمرار الإلهام، وبعضها سياسية كإلغاء الخلافة الإسلامية التي كانت تتمتع بسلطة روحية بحتة وكانت مركزاً يحفظ وحدة العقيدة.
وأوضح الصياد أنّ المشاريع العربية كلها يمكن الاستفادة من أخطائها وأوجه العجز فيها، لتجاوزها والتعلم النقدي منها، لافتاً إلى أنّ هذه المشاريع تأثرت بحقبة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إبان الحرب الباردة، وهذا ما أصابها بالأدلجة، منوهاً إلى أنّ هذه المشاريع "أنجزت خطوات مهمة، لكن علينا أن نتخطاها جميعاً".
وهنا نصّ الحوار:
إشكالية العلمانية والدين

العلمانية قضية تشريعية بحتة لا يجوز تحويلها إلى نظرية في المعرفة كما حاول مراد وهبة
منذ ثورة 25 يناير لم تُحسم العديد من القضايا المؤجلة، كالعلاقات الإشكالية بين الدين وكل من السياسة، والحياة الاجتماعية، والحريات الفردية، كيف ترى هذه القضايا؟

لقد فتحت ثورة يناير المجال بالتأكيد لطرح التساؤلات الخاصة بكل تلك القضايا وغيرها، وربما هو المكسب الوحيد المتبقي منها، وهو مكسب مهم، دون شكّ، لكن التغيير الفعلي لن يأتي إلا بعد نضج أجيال الثورة واحتلالها مواقع قيادية تبدأ من قيادة الأسرة إلى قيادة الدولة مروراً بوظائف المعلِّم وأستاذ الجامعة؛ أي إنّه تغيير يحتاج إلى عمل جيل أو اثنين، ومع ذلك علينا ألا نتفاءل أكثر من الحد بهذا الصدد؛ إذ إنّ تلك التساؤلات لم تكن جذرية عادةً إلا على مستوى شريحة رقيقة من الشباب المتعلّم.
كيف تنظر إذاً إلى قضية العلمانية؟ وهل يمكن إقحام المرجعية الدينية على مستوى الاختيارات الاجتماعية للناس دون أن يؤثر ذلك على هوية الدولة الحديثة، والحريات الفردية والجمعية؟
العلمانية، في رأيي، قضية تشريعية بحتة، لا يجوز لنا تحويلها إلى نظرية في المعرفة، كما حاول الفيلسوف المصري مراد وهبة، أو اعتبارها رؤية شاملة للعالم تنطوي على نظرية معينة في القيمة، كما اعتقد الدكتور عبد الوهاب المسيري، وهذا يعني أنّ معالجتها يجب أن تتم على مستوى التشريع، وبرؤية تشريعية لا تغفل أياً من حقوق الإنسان أو المصلحة العامة.

اقرأ أيضاً: بين خاسر أو منتصر: جدال العقل والنقل في التراث الإسلامي
وعلى كل حال؛ من غير الممكن حالياً إدماج الإسلام السياسي بشكل عام في تنظيم المجتمع سياسياً؛ لسببين: أولاً لأنه اتجاه ديماغوجي لا يختلف في عمله عن حملة شعارات القومية والوطنية، ولا يختلف جذرياً عن الخطاب الناصري القومي-الوسطي الديني، الذي حاربه في الماضي. وثانياً: لأنّ قلب نظرية التشريع الإسلامي يخلو من مبدأ الحق الطبيعي، وهذا تقصير من علماء أصول الفقه، الذين لم يتصوروا الحقوق إلا مكتسبة في الغالب، فضاعت عليهم فرصة تأصيل حقوق الإنسان في التشريع الإسلامي، وما لم يتجاوز الإسلام السياسي هذين المأزقين فقد حكم على نفسه بالخروج من العملية السياسية.
الأهم من كلّ ذلك؛ لا يمكن تصور الدين كمجرد أيديولوجيا إصلاحية، ولا يمكن التعامل معه براغماتياً؛ فهذا التصور يلغي التجربة الإيمانية كتجربة وجودية أصيلة، وبشكل عام؛ أيّة محاولة لمأسسة الدين تفرِّغ الإيمان من مضمونه.
تتعدد زوايا النظر إلى "الصحوة الإسلامية" من اعتبارها رد فعل على فشل مشاريع الدولة الوطنية مع هزيمة 1967، أو على الحداثة القمعية أو نتيجة طبيعية للفقر والجهل والانفجار السكاني، كيف تنظر إلى هذه الظاهرة، وإلى ذلك النوع من المعالجات؟
ظاهرة الصحوة الإسلامية أقدم بكثير من هزيمة 67؛ فمشروع ابن تيمية لإحياء السلفية في مواجهة الباطنية، والاعتزال، والفلسفة، ...إلخ؛ هو في جوهره مشروع إحياء إسلامي، صِيغَ أيضاً في وقت أزمة (الحروب الصليبية والمغولية)، كما أنّ مشروع محمد عبده في مصر هو كذلك مشروع إحياء آخَر، لكنني لا أنظر للتاريخ كردود أفعال ميكانيكية نيوتونيّة (فعل=رد فعل)، فأنا أؤمن بالحرية الإنسانية أولاً، وبأنّ التاريخ يتحرك نتيجة قرار واعٍ أكثر منه ردّ فعل طبيعياً، وثانياً: التاريخ، في رأيي، يتحرك بشكل جدلي، ومع ذلك فله أحياناً ردود فعل غير متوقعة، نظراً إلى تعقيد الظاهرة الإنسانية وتشعبها وعشوائيتها مقارنة بظواهر الطبيعة.

اقرأ أيضاً: تعثر مسار تنقية كتب التراث الإسلامي وأزمة المؤسسات الدينية
وبالتالي؛ أؤمن بتنوع في العوامل المنتجة لظاهرة الصحوة، فبعضها عوامل شعورية، مثل حاجة العرب إلى نوع من استمرار الإلهام؛ فالإلهام مادة إدمانية خطيرة، وكذلك عقدة الفردوس الإسلامي المفقود (الخلافة أو الأندلس إلخ)، ومن العوامل الاجتماعية كذلك، إلغاء الخلافة نفسها؛ فبعد أن كانت سلطتها روحية بحتة، وكانت مركزاً يحفظ وحدة العقيدة، تولدت بعد إلغائها عشرات المراكز التي يدعي كل منها خلافة جديدة. 
الآن، وبعد كلّ ما حدث؛ هل ترى التدين المسيس في تراجع؟ وهل يصلح التصوف لسدّ الفراغ الذي تركته حركات الإسلام السياسي؟
الإسلام السياسي، كمأسسة الدين، جزء أساسي من السلطة السياسية في العالم العربي بمعناها الواسع، لذلك لا أستطيع وصفه بالتراجع الحقيقي، فهذا هو الظاهر فقط، وقد يعود وقت الحاجة إلى الساحة إذا دعمه إعلام مناسب.
أما عن التصوّف؛ فأنا أراه حلاً ممكناً لإنجاز إصلاح إسلامي جزئي؛ فهو بخلاف الاعتزال المعاصر، غير نخبوي، ويمكنه الانتشار على المستوى الشعبي متنوع التخصصات ومنخفض التعليم، وهو أقل تسيّساً وتكفيراً للخصوم، لكنّ مشكلة التصوف أنّه يؤسس لسلطة نظرية تعتمد على مصادر معرفية غير قابلة للتداول أو النقد، هي سلطة الشيخ، وكبار الصوفية، إذاً؛ التصوف لا يقل ديماغوجية عن الإسلام السياسي، لكنّه أقل خطراً، وأوسع انتشاراً، لكن إذا خُيرتُ بين الإسلام السياسي وبين التصوف، ولا ثالث لهما، سأختار التصوف.
تجديد الفكر الديني 

مشكلة التصوف أنّه يؤسس لسلطة نظرية تعتمد على مصادر معرفية غير قابلة للتداول أو النقد

لكن هل يمكن التعويل على الأزهر في قضية تجديد الفكر الديني في ظل رؤيته التقليدية للتراث الديني؟
بالتأكيد في الوضع الحالي هذا غير ممكن، نظراً لاحتفاظه بمنظومته الفقهية دون تغيير، والأمل في جيل جديد من الأزهريين المتنورين الذين يقبلون بالحوار والنقد.
الأزهر منغلق على مستوى الرؤية الكلية لكلّ من الدين والشريعة، إذا كنتَ تعني بالدين العقيدة، وفي رأيي؛ إنّ قضية الإصلاح الديني الأساسية تبدأ من نقطتين: حقوق الإنسان، والتجربة الإيمانية الأصيلة، أولاهما تخصّ الشريعة، والثانية العقيدة، وتحتاج كل منهما ليس فقط إلى رؤية كلية بل جذرية، وهذا لا أعتقد أنه قريب المنال حالياً.
لكنك منفتح على الحوار مع الأزهر؛ هل ترمي الوصول إلى صيغة تجديدية ما؟ وهل حوار من هذا النوع ممكن من الأساس؟
نعم، أقترح مثل هذا النوع من الحوارات، على أن يتمّ في إطار أخلاقيات الحوار وقواعده، لكن مدى إمكانية ذلك يتوقف على توافر عناصر مستعدة للحوار من الجانبين، وهناك -فيما أعلم- عناصر لديها هذا الاستعداد، لكن حواراتها لا تزيد حالياً عن مجرد جلسات فردية.
لطالما شدّدت على أنّ الشريعة قامت على الحق المكتسب لا الطبيعي، هل ثمة مخرج محتمل لهذه المعضلة؟
ذكرت في رسالتي للماجستير أنّ "التراث الإسلامي لم يعرف مفهوم الحقّ الطبيعي قط، ومن ثمَّ يتعذر على الثقافة العربية استيعاب منظومة حقوق الإنسان كما نشأت في الغرب".
وصلت إلى هذه النتيجة بالاستقراء؛ أي استقراء مصادر أصول الفقه تاريخياً، من الشافعي إلى اليوم؛ كلّ هذه المصادر، بلا استثناء، أقامت الشريعة على الحق المكتسب لا الطبيعي، أي على الأمر الإلهي لا الحقّ الإنساني، رغم أن نص القرآن الكريم يخالف ذلك التصور، ومع إغفال الحق الطبيعي لا يمكن أن نؤسس حقوق الإنسان الطبيعية، سواء الغربية أو غير الغربية، ليست القضية مساوقة مدى التقدم الذي أحرزته الحضارة الغربية بهذا الشأن؛ ففكرة حقوق الإنسان عالمية وقديمة جداً، تعود إلى الفكر الشرقي القديم، ثم الفلسفة الإغريقية، ثم الفلسفة الهللينستية التي اختلط فيها الشرق بالغرب، ومن الخطأ أن ننسبها إلى الغرب الحديث وحده.
والمخرج الممكن، في رأيي؛ هو إعادة دراسة أصول الفقه في الإسلام بشكل لا يقلد القدماء، ويؤسس مبحث (نظرية الحق)؛ حيث تكون حقوق الإنسان الطبيعية أصلاً لنظريات المقاصد والأهلية والاستخلاف.
لم تترجَم رسالتك للدكتوراه التي أعددتها في ألمانيا، ما هو موضوعها؟ وهل نحن بصدد مشروع فكري جديد؟
رسالتي في الدكتوراه عنوانها الرئيس: "علم وجود تفسير القرآن"، وهي محاولة في استخلاص مناهج التفسير الإسلامية بشكل منهجي أكثر دقة مقارنة بما سبقها، وإعادة فهم هذه المناهج فهماً وجودياً؛ أي في دلالتها على أنماط الوجود الإسلامي؛ فالذات المسلمة، في رأيي، ليست واحدة، وهي تتنوع بقدر تنوع استراتيجيات الفهم ومناهجه، وقد سادت الذات التاريخية في أغلب مراحل التاريخ الإسلامي، وهي ذات تكرارية، تؤسس الحاضر في الماضي، وجودياً، قبل أن يكون ذلك معرفياً، والمعرفة ذاتها، في رأيي، قرار وجودي، وذات أصل وجودي.
لكن، من السابق لأوانه أن نقول إنّنا على أعتاب مشروع جديد، إذا كان المشروع في فهمنا هو مجموعة مصنفات ذات إستراتيجية واحدة، وهدف واحد، فهذا يحتاج إنجازه، قبل ادعائه، إلى أعوام طويلة، لكن يمكن القول إنّني أنجزت عدة خطوات في مشروع نقد التراث الإسلامي، خاصة في رسالتي للماجستير والدكتوراه، وعدة أبحاث أخرى، كما أنّني بصدد محاولة في الفلسفة الوجودية، ومحاولة أخرى في فلسفة الموسيقى.
بين حسن حنفي ونصر أبو زيد
حين علا الصخب حول مذكرات حسن حنفي سارعت لتقديم شهادتك عن علاقته بتلاميذه، ووصفته بأنّه هو المسؤول عن تدهورها، هل كنت ترمي بهذه الخطوة إلى التخلص من "أبوة" حنفي؟

أولاً: أنا لم أسارع، فقد أوضحت في المقال المقصود أنني استجبت بعد ضغط، ولسبب وجيه؛ هو أنّ أكثر من قدموا شهاداتهم لم يعرفوا الدكتور علي مبروك كزميل قسم، ولم يعرفوا حنفي أستاذاً بشكل مباشر، حسن حنفي، في رأيي، أساء إلى كثير من تلاميذه بتقديم نقد أخلاقي لهم، دون الاكتفاء بالأحكام العلمية، ونحن نكبر ونتجاوز الآباء الحقيقيين، فما بالك بالروحيين! لكنّني أكدت، في المقال نفسه، أنّ حنفي أستاذ عن جدارة.
قلت في بحثك "منهج الحفر عند نصر أبو زيد" إنّه "لم يلتزم بما توصل إليه من ضرورة التعامل العلمي للتراث.."، هل يمكن القول إنك تمضي الآن في الطريق الذي عبّده أبو زيد ولم يسر فيه؟
أنا تلميذ لكلّ من استفدت منهم، في مصر وألمانيا، لكنّ أستاذي المباشر والأساسي في مصر هو حسن حنفي، وفي ألمانيا، كلاوديا بيكمان، في مرحلة الدكتوراه، وكما كانت لي ملاحظات نقدية على منهجية نصر كانت لي ملاحظات أخرى على حنفي.

اقرأ أيضاً: نصر حامد أبو زيد غرّد خارج السرب فأزهرت كلماته ومات غريباً
أما محاولة المعالجة العلمية للتراث؛ فنحن نجدها لدى الجابري مثلاً أضعاف ما نجدها عند نصر أبو زيد، ومع ذلك؛ فضرورة تقديم معالجة (علمية) بداهة لا تحتاج إلى أستاذ، فهي مطلوبة مثلاً في الرسائل والأبحاث.
هل مقبول من المفكر أن يتخلى عن انحيازاته الاجتماعية من أجل العلمية؟
في رأيي؛ تغيير الواقع لن يأتي إلا عن طريق العلم والدرس العلمي لكلّ مناحي الحياة، بقطع النظر عن أهدافنا القريبة، وليس ثمة مقدس في هذا الصدد؛ فالمقدس هو الذي لا يمكن التعرض له بالنقد، أما العلم فهو الحقيقة الوحيدة التي تنبني أصلاً على النقد لا التسليم.
اتجه أبوزيد إلى آلية التأويل على أمل إعادة تشكيل التراث، كيف تنظر إلى هذه المحاولة؟
هذه المحاولة قديمة جداً بدأت مع التأويل المجازي الاعتزالي للقرآن الكريم، ونصر أبو زيد يعلن محاولة استئنافها لا اختراعها، ومن الممكن أن يقوم التأويل المجازي بنفي التصور الأسطوري عن الدين، لكن لماذا يعدّ هذا شرطاً للتقدم؟ الكثير من أكبر أساتذة الغرب في كلّ التخصصات متدينون بأديان مفعمة بالخرافات، لكنهم يفرقون بين البحث العلمي وبين الإيمان الديني، والقانون يمنح الباحث هناك حقّ عدم تكفيره أو استبعاده على أساس ديني (في الغالب ليس دائماً).

اقرأ أيضاً: نصر أبو زيد مشتبكاً مع ابن عربي: تصالح العقل والتصوف
والدين الإسلامي يقوم على عدد من الغيبيات التي تدخل في إطار الميتافيزيقا، وبالتالي لا يمكن استبعاد الميتافيزيقا من دائرته استبعاداً كلياً، كما أنّ النفي الوضعي للميتافيزيقا هو، في رأيي، كذلك خرافة لا تقل عن الخرافة التي يحاول مجابهتها، فلا يمكننا أن نبرهن على الغيبيات أو ننكرها موضوعياً.
لكنّ الدرس العلمي للتراث موضوع مختلف؛ إذ يحاول وصف التراث موضوعياً، في حدود الموضوعية الممكنة في العلوم الاجتماعية، ونقده بناء على ذلك، ومن الممكن أن يتم كلّ ذلك مع احتفاظ الباحث بإيمانه الخاص، وليس من العلمية في شيء أن نقوم بتأويل متعسف غير مبرهَن نظرياً لإحدى مواضع الغيبيات في القرآن الكريم، بدعوى أنّ ذلك التأويل أكثر تقدمية؛ فقد يكون القرآن الكريم قد قصد بالفعل معاني تلك الغيبيات كغيبيات، هذا تناول نفعي نقده أبو زيد كثيراً في الوقت الذي قام فيه هو نفسه به، وإذا أردت رأيي؛ فأن ننقد تأويلاً معيناً للقرآن الكريم بدعوى أنّه غير مبرهن نظرياً أكثر جدوى من أن ننقده بدعوى أنّه لا يتماشى مع روح العصر العلمية، لأنّ النقد العلمي الموضوعي المنطلق من أرضية محايدة أقدر على إقناع الخصوم النظريين أنفسهم لا الجمهور فحسب.
التعاطي مع التراث

الإصلاح الديني يبدأ من تأصيل حقوق الإنسان في الشريعة والتجربة الإيمانية في العقيدة
كأنك تقول إنّ اللجوء إلى منهج "الحفر الإيديولوجي" دليل على ضعف التكوين العلمي، ما هي المتطلبات العلمية الضرورية للباحث في التراث الإسلامي إذاً؟

اللجوء إلى هذا المنهج ثمرة مباشرة لأدلجة البحث العلمي، وعدم الإيمان بحقيقة موضوعية من الأصل، وهو متوقف على إرادة الباحث قبل أن يكون نتيجة للضعف العلمي، وهو أكثر سهولة من الدرس العلمي الممنهج؛ فمن المقبول في كثير من الأحيان دون سؤال في الأوساط العلمانية غير المتخصصة أن تتهم الشافعي بالعنصرية أو الأشعري بعقدة قتل الأب، ولكنه محال تقريباً على التحقيق العلمي.

تولدت بعد سقوط الخلافة الإسلامية عشرات المراكز التي يدعي كل منها خلافة جديدة

أما المطلوب للباحث في التراث الإسلامي؛ فهو أن يطلع على وفرة متنوعة من المصادر قبل المراجع، ثم المراجع؛ حيث لا يبني وجهات نظر مسبقة، وأن يدرس المناهج المختلفة لتكوين موقفه المنهجي، وألا يتسرع في الاشتباهات الأيديولوجية كالمذكورة أعلاه، وأن يبدأ البحث من نقطة صِفرية في المعرفة، دون انحيازات مع التراث أو ضده.
في هذا السياق خالفت أبو زيد عندما قال إنّ الشافعي نقطة بداية للأيديولوجيا الوسطية؛ فليس للمعرفة لحظة تأسيس، والشافعي تجلٍّ من تجليات البنية المعرفية التي أنتجته.
ويمكن أن نخرج بنتيجة عدم جدوى حفر أبو زيد الأيديولوجي ببنيوية لاتاريخية، لكن الفارق بين هذا وبين الواقع؛ أنني لا أجعل البنية المعرفية نقطة القاع المبدئية؛ بل أؤمن بتأسيسها الأنطولوجي، وهو ما يساهم في تجاوز المنهج التاريخي، وإلا ظلت هذه البنية المعرفية معلقة في الهواء بلا أصل.
هل تلغي إذاً إمكانية التاريخانية في فهم ونقد العلوم؟ وهل غضّ النظر عن السياق التاريخي والاجتماعي للأنساق الفكرية والذهاب إلى النصوص مباشرة هو الأكثر إنتاجاً وفاعلية؟
لا ألغيها، لكنها غالباً ما تستعمَل لدى الباحثين العرب اليوم بمنطق التقليد، فهي (موضة) منذ أدونيس وحتى علي مبروك، وكان هذا بالمناسبة آخر حوار بيني وبين نصر أبو زيد، ولم يعلق على كلامي.

اقرأ أيضاً: مركزية السياسي في قراءة علي مبروك للتراث
وإضافة إلى كونها موضة؛ فهي كذلك لا تتم غالباً بإحكام علمي منهجي، والكتابات التي نقدتها في هذا الصدد لا تكاد تستعمل فعلاً أيّ مصدر أو مرجع تاريخي واحد! وحتى بالاعتماد على هذه المصادر سيظل الشكّ في المعرفة التاريخية حاضراً وهاجساً، كما أن العوامل التاريخية متداخلة ومتبادلة التأثير مع العوامل النظرية، مما يجعل الاعتقاد في الأصل المادي وحده للمفاهيم والنظريات متهافتاً. فصحيح أنّ للعوامل التاريخية دوراً جوهرياً، لكن دور العوامل العرفية لا يقل أهمية، وهذه العوامل الأخيرة يمكن الوقوف عليها بقدر أكبر من الدقة بكثير من العوامل الأولى.  
أدنْتَ المشاريع العربية بسبب انطلاقها من مهمات سياسية حاضرة ولم تلتزم بالمعايير العلمية في تعاطيها مع التراث، كيف يمكن تقديم أبحاث منزهة عن السياسة؟
لا يوجد بحث نستطيع أن نقول بموضوعية أنه منزّه تماماً عن السياسة، حتى أبحاث الرياضيات والفيزياء؛ لأنّ للعلم تأثيره في المجتمع في النهاية، لكنّ الفكرة يمكن تلخيصها في: أولاً: هل نتخذ العلم طريقاً للتغيير أم اللاعلم؟ ثانياً: هل قدمت تلك المشاريع العربية المعاصرة نفسها كأيديولوجيا أم كأبحاث علمية؟ لقد قدم حنفي نفسه كمؤدلِج (بكسر اللام) للتراث؛ لذلك فإنّ نقده على أساس اللاعلمية غير ممكن، أما من يقدم ما يطلق هو عليه اسم البحث العلمي، دون أن يتسلح بمنهجية علمية، فهذا أرفض تسميته ببحث علمي بطبيعة الحال.
لكن أليس اتخاذك من مدرسة القاهرة (حسن حنفي، نصر أبو زيد، علي مبروك، على الترتيب) نقطة انطلاق لتعميم أحكامك النقدية على كلّ المفكرين العرب مجرد افتراض؟
بالتأكيد، لهذا لم أعمّم الكلام على (كلّ المفكرين العرب)، وإلا فأين؟ لقد نقدت المشروعات العربية المعاصرة تحديداً في بحث "منهج الحفر الإيديولوجي"، وهي التي بدأت بأدونيس، من السبعينيات إلى اليوم، وإشكالية البحث الأساسية على أية حال كانت (نصر أبو زيد) حتى في عنوانه، كما تعرضت في البحث لحنفي ومبروك وأدونيس والجابري، أما تعميم الحكم بهذا النطاق على كلّ الفكر العربي المعاصر، أو كلّ أصحاب المشروعات العربية المعاصرة فخطوة تالية يلزمها الكثير من الإعداد (وقد كتبت هامشاً يوضح ذلك كلّه في البحث).
نقد العقل العربي 

جورج طرابيشي لم يفهم أساس مشروع حسن حنفي لكنه أجاد في نقد الجابري
انطلقت مشروعات تفكيك بنية العقل العربي من مبدأ أنّه مايزال يعاني من استشراء اللاعقل والأيديولوجيا على المعرفة العلمية.. هل يصلح هذا المنطلق أساساً للتفكر في الراهن العربي؟

أعتقد أنّ هناك كذلك أسباباً اجتماعية للتخلف لا يمكن إغفالها، حتى لا ندور في دائرة مغلقة، وإضافة إلى الأسباب الاجتماعية والنظرية هناك كذلك نوع ثالث هو الأسباب الوجودية؛ ما يعني أن معتقداتنا وأهدافنا ورؤيتنا للحياة غير مؤسسة على تجربة فردية أصيلة بما يكفي.
وما الذي يجمع بين المشاريع العربية هذه؟ وما المشروع الذي يمكن البناء عليه فيها؟

كل المشاريع العربية يمكن الاستفادة من أخطائها وأوجه العجز فيها لتجاوزها والتعلم النقدي منها، لا أعتقد في مشروع معين ينبغي استكماله، أعتقد أنّ المشاريع العربية المعاصرة تأثرت بحقبة الاستقطاب الأيديولوجي الحاد إبان الحرب الباردة، وهذا ما أصابها بالأدلجة، لقد أنجزتْ خطوات مهمة، ولكن علينا أن نتخطاها جميعاً. 

الإصلاح الديني يبدأ من تأصيل حقوق الإنسان في الشريعة والتجربة الإيمانية في العقيدة

المشروع الذي أعتقد ضرورة استكماله بالنسبة إليّ؛ هو مشروع عبد الرحمن بدوي، إذا كنتَ تسأل عن المشروعات الفلسفية العربية بنطاقها الواسع، وليس فقط في النصف الثاني من القرن العشرين.
وما تعليقك على النقد الذي وجهه جورج طرابيشي بخصوص حسن حنفي في "المثقفون العرب والتراث"؟
أعتقد أنّ نقد لا يفهَم، أو لا يريد أن يفهَم، أساس مشروع حنفي، لكنّه أجاد في نقد الجابري، رغم أنني أرى أن الجابري، حتى الآن، صاحب أشمل دراسة أبستمولوجية في التراث، لكنها مع ذلك لم تنجُ من الأخطاء والتعميمات وعدم كفاية المصادر، وهذا لا يقلل كثيراً من أهميتها.
بين الموسيقى والفكر

أنت عازف موسيقي، ولك كتابات في التأليف الموسيقي ونقده، هل تعتقد أنّ انشغالاتك الموسيقية وهمومك الفكرية يتكاملان بصورة ما؟
هناك كتابات خفيفة كثيرة في الموسيقى والشعر لكتّاب آخرين، ولها جمهورها، ولكتاباتي كذلك جمهورها، لكن لنلاحظ أنني لا أكتب (عن الموسيقى) أو (مع الموسيقى)؛ بل في النقد الموسيقي وفلسفة الموسيقى، والأخيران مجالان يعتمدان على المنهج والمصطلح والنظرية.

اقرأ أيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
مؤخراً تواً من كتابة مقال بعنوان "فلسفة الموسيقى وموسيقى الفلسفة"؛ فللفلسفة كذلك موسيقاها، الفكرة هي في الزاوية التي يتخذها المرء للنظر إلى هذه المجالات التي قد تبدو منفصلة؛ فأنا أنظر إلى الموسيقى كفن التلاعب بالأبنية النظرية الخالصة المجردة، ونقطة التقائها مع الفلسفة هي التجريد، كما أنّ نقطة التقاء الشعر مع الفلسفة هي إعادة بناء اللغة؛ وأنا أنصح طلاب الفلسفة الجدد بضرورة الاستماع إلى الموسيقى الخالصة وقراءة الشعر.
فؤاد زكريا وصف الموسيقى العربية بـ"الرتابة" وإدوارد سعيد قال عنها إنّها مبنية على تكرار اللحن، ما رأيك فيما ذهبا إليه؟
الموسيقى العربية عالَم مختلف، وهي أكثر ثراء من الكلاسيكية في المقامات والإيقاعات، لو أردنا الإنصاف، كما أنّ هناك موسيقى عربية كلاسيكية؛ كأبي بكر خيرت، وكامل الرمالي، وعزيز الشوان، وغيرهم، وهي لا تقوم على تكرار اللحن؛ بل على الاشتقاق اللحني، ولا أرى أنّ علينا بالضرورة تحويل الموسيقى العربية إلى كلاسيكية؛ لأن المستمع إلى الموسيقى الاشتقاقية يمكنه بسهولة الحصول على المؤلفات الكلاسيكية، والعكس صحيح.

اقرأ أيضاً: كيف تساهم الموسيقى في تجاوز البؤس الدنيوي؟
ما نحتاجه، في رأيي، ليس نوعاً موسيقياً معيناً؛ بل أن نكوّن فكرة أعمق عن الموسيقى نفسها بما هي وجود متميِّز، وبما هي تأويل للعالَم.
كناقد موسيقي أين ترى موقع الموسيقى الكلاسيكية اليوم مع الأشكال الجديدة التي تسيّدت المشهد الفني في العالم كلّه؟
نعم، لقد قلّت رقعة الموسيقى الكلاسيكية كثيراً، ولكن هذا صاحبه تضخم سكاني كبير، كذلك على مستوى العالم، وتنوع في الفنون، واستثمار للموسيقى في السينما وألعاب الفيديو، رغم ذلك؛ يظلّ هناك جمهور للموسيقى الكلاسيكية في كلّ بلاد العالم، لكنّ من يهتمون بهذا النوع من الموسيقى ويملكون قدرة على التجريد؛ هم شريحة قليلة العدد.

اقرأ المزيد...

الوسوم:



عدد القراءات

عاشت مصر في النصف الأول من القرن العشرين عالم دولة تلاوة القرآن الكريم، حيث ما لا تزال أصواتهم السماوية تصدح بالقرآن الكريم حتى اليوم، مع أنّ الأيام اللاحقة لم تُظهر على سطح تلاوة القرآن الكريم أصواتاً أخرى، كالتي كان على قمتها صوتُ الشيخ محمد رفعت؛ قيثارة السماء.
الصوت الذهبي
هو الشيخ محمد رفعت محمود رفعت، محمد رفعت اسم مركب، ومحمود رفعت اسم مركب أيضاً، وعنه قال محمود توفيق الخولي، في كتابه الصادر عن الهيئة المصرية العامة للكتاب: "لقِّب الشيخ الجليل بكثير من الألقاب، منها على سبيل المثال: قيثارة السماء، والصوت الذهبي، والصوت الملائكي، والقيثارة الإلهية، ومزمار من مزامير آل داوود عليه السلام، وصوت من الجنة".

أصبح منزل الشيخ رفعت قبلة لأعلام الفنّ والأدب: أم كلثوم، وعبد الوهاب، وأحمد رامي، وليلى مراد، ونجيب الريحاني

ونشأ الشيخ رفعت، كما يذكر الخولي، بحي المغربلين الشعبي في درب الأغوات بالقاهرة، ومات فيه، "هذا الحي هو الذي أنجب الصوت الذهبي، الصوت الملائكي العذب، نشأ الشيخ مبصراً لمدة عامين، ثم قضى بقية عمره مكفوف البصر".
فبعدما أصيب الشيخ رفعت بالرمد، قرّر أبوه أن يرسله إلى مكتب لتحفيظ القرآن الكريم وتجويده، اسمه مكتب "بشتك" بدرب الجماميز، أمام مسجد فاضل باشا (شارع بورسعيد الآن)، الذي قرأ فيه القرآن الكريم بعد ذلك، وكان قد تعلم ربع القرآن الكريم حفظاً على يد والده، ثم تعلم بقية القرآن الكريم حفظاً وتجويداً على يد الشيخ محمد حميدة في الكُتّاب.
وبعد وفاة والده وهو في سنّ التاسعة، كان قد بدأ الشيخ الصغير يتعلم القرآن الكريم على يد واحد من خيرة الحفّاظ، اسمه الشيخ عبد الفتاح هنيدي.

فيديو يتضمن ابتهالاً نادراً للشيخ محمد رفعت:

لحظة الميلاد

ولد الشيخ محمد رفعت في 9 أيار (مايو) 1882، وكان والده "محمود رفعت" ضابطاً في البوليس، وترقّى من درجة جندي، آنذاك، حتى وصل إلى رتبة ضابط.
أدركت الوفاة والده، مأمور قسم الخليفة في تلك الفترة، فوجد الفتى نفسه عائلاً لأسرته، فلجأ إلى القرآن الكريم يعتصم به ولا يرتزق منه، وأصبح يرتِّل القرآن الكريم كلّ يوم خميس في المسجد المواجه لمكتب فاضل باشا، حتى عُيِّن في سنّ الخامسة عشرة قارئاً للسورة يوم الجمعة، فذاع صيته.

باحث مصري: صوت رفعت كان سبباً للإقبال على شراء أجهزة الراديو، وازدحام المقاهي وبيوت الأعيان بالرواد

في دراسة منشورة للكاتب الصحفي، كمال القاضي، كتب عن الشيخ رفعت: "مقام السيكا كان أقرب المقامات الموسيقية وأنسبها إلى صوته، فمنه ينطلق عادة حيث يرفع بصوته الدرامي الرخيم الأذان، ويبعث في قلوب المستمعين الخشية، ومثلما ارتبط وجدان الشيخ بالموسيقى ارتبط هو أيضاً على المستوى الشخصي بالإعلام من الموسيقيين، فاقترب من سلامة حجازي، وكامل الخلعي، وعبده الحامولي، وسيد درويش، وأخذ عنهم القواعد الموسيقية وأصول الترتيل والتجويد وعلم الأصوات، وبعد الروّاد الأوائل اقترب من رفعت، وسعى إليه جيل آخر نبغ منه: عبد الوهاب والسنباطي، وأبو العلا محمد، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب، وقد كان هو الأقرب على وجه الخصوص من الشيخ محمد رفعت؛ إذ ظلّ يجلس تحت قدميه وهو يقرأ القرآن الكريم، معتبراً نفسه في محراب وأمام قطب كبير، على حدّ قوله واعترافه".

اقرأ أيضاً: المقرئ الشيخ مصطفى إسماعيل: روعة الصوت التي لا تُحتمل
يضيف القاضي: "زادت حيثية القارئ الكبير فاتسعت دائرة صداقاته وعلاقاته، وشملت الملوك والأمراء والرؤساء، ودعي رسمياً إلى العديد من الدول العربية والإسلامية، لإحياء مئات الحفلات والمناسبات الدينية، وقد كان له النصيب الأوفر من الأموال والهدايا، لكنّه أنفق الكثير على فعل الخير وأعمال البرّ والتقوى، ولم يدّخر شيئاً لأيام الضجر والمرض، واستمر يواصل عطاءه بسخاء وكرم، ورفض أن يكون لميكروفون الإذاعة المصرية بديل، فأثيرها هو من يحمل صوته للعالم كلّه، فلا حاجة إذاً لهجرته والسعي لمال أكثر في وطن آخر، أعجمي أو عربي، وهو الزاهد الورع".

عاش ومات زاهداً فقيراً
ويعتبر الكاتب الصحفي والباحث، هيثم أبو زيد، الشيخ محمد رفعت، بأنّه "من أشهر قرّاء القرآن الكريم في القرن العشرين، صاحب الصوت النادر الساحر المذهل، عاش ومات زاهداً فقيراً، لكنه كان أغنى الناس بحنجرته الفريدة، وفنّه الذي لا يبارَى ولا يقلَّد".
وقال في تصريح لـ"حفريات": "في حيّ المغربلين بالدرب الأحمر ولد طفلاً جميلاً تتلألأ عيناه الواسعتان ببريق يخطف الأبصار، فلم يتمّ العامين حتى أصيب بمرض أذهب نور بصره، دون أن ينال من بصيرته".

اقرأ أيضاً: رحيل أحد أهمّ المقرئين في مصر..
يضيف أبو زيد: "أدرك الشيخ رفعت مبكراً أهمية الدراية الموسيقية، فدرس مقامات النغم الشرقي، ثم أخذ ينهل من الموسيقى الغربية، منصتاً لأعمال بيتهوفن وموزارت وفاجنر، ووظف هذه الدراية بصوته المعجز لخدمة آيات القرآن، وإخراجها في أداء راقٍ مؤثّر يخلب الألباب، ويشعر المستمع أنه يحلق في سماوات روحية، وأجواء قدسية".

قصته مع الإذاعة
مثّل عام 1934 محطة مهمّة في حياة الشيخ، فقد أطلقت الحكومة أول إذاعة رسمية مصرية، وكان رفعت أول صوت ينطلق من الإذاعة، مرتلاً قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا﴾، وتعاقدت الإذاعة مع الشيخ رفعت لتلاوة القرآن الكريم مرتين أسبوعياً، مساء الإثنين والجمعة، لمدة 45 دقيقة، مقابل خمسة جنيهات عن كلّ تلاوة.

اقرأ أيضاً: الشيخ علي محمود إذ يجمع في أوتار صوته كل آلات الطرب
ولأنّ الشيخ كان شديد التحفّظ في كلّ ما يخصّ القرآن؛ لم يقبل القراءة للإذاعة إلا بعد أن استفتى كبار علماء الأزهر في هذا الشأن، وأكدوا له أنّ بثّ التلاوة في الإذاعة جائز؛ بل يعد خدمة جليلة للدين وللقرآن.
ويشير أبو زيد إلى أنّ صوت رفعت كان سبباً للإقبال على شراء أجهزة الراديو، وازدحام المقاهي وبيوت الأعيان بالرواد، وعرفت القاهرة، للمرة الأولى، ما تسمى "مقاهي الشيخ رفعت"، التي فرضت على روادها نظاماً صارماً وقت بثّ التلاوة على الهواء، فلم يكن مسموحاً فيها بألعاب الورق أو الطاولة، أو إحداث أيّة ضجة، كما كان عمّالها يتوقفون تماماً عن تلبية رغبات الزبائن.
ويلفت أبو زيد إلى أنّ صوت رفعت وصل عبر الإذاعة إلى آفاق أوسع، وطلبت هيئة الإذاعة البريطانية أن يسجّل تلاوات خاصة بها، واختارت سورة "مريم"، ليتلوها الشيخ في تعاقده الأول مع الهيئة العريقة، التي قدرت أجره عن تلاوة نصف ساعة بخمسين جنيهاً، مع منحه خمسة جنيهات عن كلّ مرة تبثّ فيها التسجيل إلى المستمعين.

اقرأ أيضاً: محمد وردي: فنان إفريقيا الأول ومنشد الثورة والعاطفة
أصبح منزل الشيخ رفعت قبلة لأعلام الفنّ والأدب، ومن بينهم: أم كلثوم، وعبد الوهاب، وأحمد رامي، وليلى مراد، وفتحية أحمد، ونجيب الريحاني، ومحمد التابعي، وفكري أباظة، وبديع خيري، وكان الشيخ يغني لهم عيون الشعر العربي، ومنها قصيدة "أراك عصيّ الدمع"، لأبي فراس الحمداني.
بلغ الشيخ رفعت ذروة المجد، لكنّ المقادير ادّخرت له ابتلاءً عظيماً؛ ففي عام 1942 بدأت معاناته مع مرض "الفواق" أو "الزغطة"، الذي لم يكن إلا سرطاناً أصاب حنجرته الذهبية. قاوم الشيخ المرض، واستمرّ في التلاوة عاماً أو عامين من دون التوهج الذي كان عليه، إلى أن استبد به المرض وحرم الجماهير من صوته الخالد.

عدد القراءات

في السنوات الأخيرة، كثّف حزب الله من أنشطته خارج حدود لبنان. كان تواجده أكثر وضوحا في الشرق الأوسط، في بلدان مثل العراق واليمن وسوريا، حيث يشرف على تدريب الميليشيات المدعومة من إيران. وبالتوازي مع ذلك، ينشط حزب الله في مناطق أخرى من العالم، وذلك عبر خلايا نائمة وجواسيس يتحركون بحرية من أمريكا الجنوبية وآسيا وأوروبا، إلى الولايات المتحدة.

الحديث عن إلقاء القبض على جواسيس تابعين لحزب الله ليس بالأمر الجديد، لكن مع كل قضية جديدة يتم الكشف عن معلومات إضافية حول طريقة عمل الجهاز الاستخباراتي لحزب الله، وتحركات جواسيسه، بما يجعله مصنفا على قائمة التنظيمات الإرهابية في العديد من الدول.

وأحدث القضايا التي يتابعها الأمريكيون والعالم منذ سنة 2017، وعادت للواجهة مؤخرا، هي قضية علي كوراني، بائع الأحذية الذي يحاكم بتهمة التجسس لصالح حزب الله في نيويورك.

ظهر اسم علي كوراني (34 عاما) المولود في لبنان، والحاصل على الجنسية الأمريكية عام 2009، في وسائل الإعلام بعدما ألقى مكتب التحقيقات الفيدرالي القبض عليه.

ووجهت له تهم الإعداد لجرائم إرهابية من خلال القيام بمراقبة عدد من الأهداف المحتملة لحزب الله، بما في ذلك المبنى الفيدرالي في 26 فيدرال بلازا بمانهاتن، ومنشأة تابعة للحرس الوطني. وذكر أن جهوده كانت في إطار التخطيط لشن هجمات إرهابية على هذه المؤسسات.

نظمت جلسات لمحاكمته في محكمة فيدرالية في مانهاتن. وفي 16 مايو 2019،  أصدرت هيئة محلفين في نيويورك أحكاما على جميع التهم الموجهة ضد كوراني، بما في ذلك تهمة مراقبة مقرّات مكتب التحقيقات الفيدرالي والحرس الوطني التابع للجيش الأمريكي ومكاتب الاستخبارات السرية ومخزن سلاح في نيويورك.

وقال جيفري بيرمان، المدعي العام الفيدرالي، “اليوم، أدين كوراني بجرائمه، في محكمة تقع بجوار أحد المواقع التي أراد استهدافها”، في إشارة إلى مبنى جايكوب جافيتس في مانهاتن.

وشملت الأدلة في المحاكمة بيانات استخرجت من كمبيوتر كوراني المحمول وبريده الإلكتروني ومحادثاته على فيسبوك، بالإضافة إلى مواد صودرت من شقته.

تزامن اعتقال كوراني مع اعتقال لبناني آخر يعيش في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو سامر الدبك الذي يشتبه كذلك في انتمائه إلى حزب الله في ميشيغن.

ويقول ماثيو لفيت، مدير برنامج ستاين لمكافحة الإرهاب والاستخبارات بمعهد واشنطن، إن القبض على كوراني والدبك كشف عن معلومات جديدة مقلقة حول مدى انتشار أنشطة حزب الله في الولايات المتحدة وكندا.

استهداف العمق الأمريكي

في التسعينات، قلّلت وكالات الاستخبارات الأمريكية من احتمال هجوم حزب الله على الولايات المتحدة، ما لم تهدده واشنطن مباشرة. وإثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر، بدأت الجهود الأمريكية لمكافحة الإرهاب تؤثر على أنشطة حزب الله.

وبعد مرور عام عن الهجمات على برجي مركز التجارة العالمي، أبلغ مكتب التحقيقات الفيدرالي الكونغرس بأن عناصر حزب الله “كلفوا بمراقبة بعض الأهداف المحتملة في الولايات المتحدة”.

لكن، خلصت تحقيقات مكتب الـ”أف.بي.أي”، إلى أن المهام كانت تهدف إلى التحقق من ولاء بعض الأفراد لحزب الله وإيران. بعد ست سنوات، تم اغتيال عماد مغنية. فاتخذت مهام المراقبة أهدافا أكبر لرغبة حزب الله في الانتقام. ثم تطورت أهداف الحزب بين 2002 و2008.

وعلى مدى السنوات الماضية، أحبطت بعض خطط حزب الله في البيرو وبوليفيا. وكُشفت بعض أنشطة المجموعة المتعلقة بمراقبة بعض مؤسسات الولايات المتحدة وكندا، التي نظمت في إطار الانتقام لموت مغنية. وخلّفت العمليات قلقا من مدى انتشار نفوذ حزب الله.

ويشير ماثيو لفيت، في تحليل نشرته مجلة فورين بوليسي، إلى أن عملية القبض على علي كوراني ومحاكمته دفعت مجتمع الاستخبارات الأمريكي إلى إعادة النظر في تقييمه لحزب الله.

وعند الإعلان عن اعتقال كورناي والدبك، اتهم مدير المركز الوطني الأمريكي لمكافحة الإرهاب، نيكولاس راسموسن، حزب الله بالوقوف وراء مجموعة من الهجمات حول العالم. وأشار راسموسن إلى اعتقال كوراني والدبك قائلا، إن أجهزة المخابرات الأمريكية تعتقد أن حزب الله، المدعوم من إيران، يسعى إلى تطوير القدرة على الضرب في العمق الأمريكي الولايات المتحدة.

ويشير ماثيو ليفت إلى أن كوراني قضّى سبع سنوات كعميل نائم، أين نفّذ بعضا من أنشطته ضمن جماعة الجهاد الإسلامية اللبنانية.

وكان ينتظر تعليماته من شقته في حي برونكس الذي يقع شمال شرق مانهاتن. وشملت مهامه تحديد الإسرائيليين في نيويورك حتى يتمكن حزب الله من استهدافهم والعثور على أفراد يمكنه شراء أسلحة منهم لتخزّنها المجموعة في المنطقة.

وقال النائب العام المساعد للأمن القومي الأمريكي جون ديمرز “أثناء تواجده في الولايات المتحدة، عمل كوراني لصالح حزب الله لمساعدته على إعداد هجمات محتملة ضد الولايات المتحدة في المستقبل”.

ولفت إلى أن بعض الأهداف شملت مطار جون كنيدي ومرافق إنفاذ القانون في مدينة نيويورك، بما في ذلك المبنى الفيدرالي بمانهاتن، بالإضافة إلى مستودع للجيش الأمريكي.

ولم يقتصر عمل كوراني على الداخل الأمريكي بل وصل أيضا إلى الصين، وفق تقرير فورين بوليسي. فقد أرسل حزب الله كوراني إلى الصين لتولي مهمة شراء مواد كيميائية تستخدم لصنع قنابل مثل تلك التي تم اكتشاف استعمالها في تفجيرات في بلغاريا وقبرص وتايلاند.

وأكدت تحقيقات السلطات البلغارية مسؤولية قياديين في حزب الله عن استهداف حافلة سياح إسرائيليين في مطار بورغاس في بلغاريا عام 2012. وأسفر التفجير عن مقتل سبعة أشخاص، من بينهم المفجّر، وخلّف الهجوم 32 جريحا.

بعد ذلك، عثر على مواد كيميائية لصنع القنابل من نفس النوع في تايلاند خلال نفس السنة. وفي قبرص في عامي 2012 و2015، خلال عمليات تفتيش هناك. كما أرسل حزب الله كوراني في مهامّ إلى كندا.

ويقول ليفت إن كوراني وصف نفسه في مقابلات مع عملاء مكتب التحقيقات الفيدرالي بأنه جزء من “خليّة نائمة”.

من هو علي كوراني؟

قالت إحدى المساعدات للمدعي العام الأمريكي، أماندا هول، إن كوراني تلقى تدريبات في معسكرات تابعة لحزب الله منذ أن كان مراهقا يبلغ من العمر 16 عاما.

وأكدت أنه تدرّب على جمع المعلومات الاستخباراتية واستعمال بعض الأسلحة والتعامل مع المحققين. وأضاف المدعون أنه غرس جذوره في حي برونكس استجابة لأوامر تلقاها من حزب الله، بعد أن نجح في الحصول على الجنسية الأمريكية سنة 2009.

وتمكن كوراني من الإقامة قانونيا في الولايات المتحدة بفضل والده. وفي عام 2013، تقدم بطلب للحصول على بطاقة سفر تسمح له بعبور الحدود الأمريكية الكندية أو الولايات المتحدة المكسيكية ببطاقة الهوية الوطنية.

بهذه الطريقة، إذا صادرت السلطات جواز سفره الأمريكي أثناء سفره إلى الخارج، فإنه سيستطيع التسلل إلى الولايات المتحدة عن طريق السفر إلى كندا أو المكسيك بجواز سفره اللبناني وعبوره إلى التراب الأمريكي برا باستخدام بطاقته الشخصية.

وبحسب السيرة الذاتية التي نقلتها مجلة فورين بوليسي، فقد ولد كوراني في لبنان سنة 1984.

وينتمي إلى عائلة معروفة بصلاتها مع حزب الله. وشبّه مكتب التحقيقات الفيدرالي عائلته بـ”عائلة بن لادن” في لبنان. وتمكن من الانضمام إلى معسكر تدريب لمدة 45 يوما، أين تعلَّم إطلاق الرصاص ببندقية إيه كيه- 47 (كلاشنيكوف)، بالإضافة إلى عدد من التكتيكات العسكرية الأساسية.

جنّده حزب الله في صفوف الوحدة المسؤولة عن التجسس والأنشطة خارج لبنان، المعروفة بـ910 سنة 2008، أي قبل شهر من اغتيال أحد کبار قادة حزب الله العسكريين عماد مغنية، بينما تبيّن لاحقا أنها عملية أمريكية إسرائيلية مشتركة.

ويقول ماثيو ليفت إن انتداب كوراني يظهر تطلع حزب الله إلى إعادة بناء شبكاته الدولية، حتى قبل موت مغنّية.

نظم حزب الله تشييعا لعماد مغنية، وصوّر شريط فيديو لهتافات الحشود المطالبة بالانتقام لاغتياله. وهدد الأمين العام للحزب حسن نصرالله إسرائيل حينها بـ”حرب مفتوحة”، مشيرا إلى أن حزب الله مستعد لخوضها. وبعد ذلك بوقت قصير، بدأ نشاط كوراني السري ضمن ذراع حزب الله في الخارج. وقال لمكتب التحقيقات الفيدرالي إن حزب الله أراد الانتقام لموت مغنية.

وفي سنة 2013، قبض على كوراني وبحوزته 190 زوجا من الأحذية بعد أن تخطى إشارة مرور حمراء في كوينز. وبحسب المدعين، كانت الشرطة تراقبه في تلك الفترة بعد أن بدأ قناعه يتهاوى. ومنذ سبتمبر 2016، اتصل مكتب التحقيقات الفيدرالي بكوراني لتنظيم عدّة اجتماعات.

وبعد أن أخذت زوجته أطفالها وانتقلت إلى كندا، تقابل كوراني مع أفراد مكتب التحقيقات الفيدرالي، وقدم لهم معلومات مع بعض الشروط.

القائد المجهول

تقول هول إن كوراني، أراد من مكتب التحقيقات أن يجمعه بأولاده، وأن يمنحه وظيفة عالية الأجر وشقة في بناية ذات حارس.

لكن معلومات كوراني لم تحمل قيمة كافية لمكتب التحقيقات الذي قرر اعتقاله بدلا من ذلك، خاصة بعد ما تأكد لديه أن كوراني حجب عددا من المعلومات الأساسية وحاول استغلال هذه الاجتماعات للحصول على معلومات من المكتب.

وشغلت كندا مكانة هامة في خطط كوراني. وفي سنة 2012، تزوج من مواطنة كندية لبنانية. ولم يكن كوراني مقرّبا من زوجته وأولاده، وأوضح مكتب التحقيقات الفيدرالي أن الغاية من إقامة روابط عائلية في كندا كانت حتى لا يثير الشبهات عند سفره إلى هناك أكثر من مرة، لتنفيذ تعليمات حزب الله.

ومن المعلومات التي أمدّ بها كوراني الـ”أف.بي.أي”، الطرق التي يستخدمها لتمرير رسائل إلى حزب الله، وذكر أن الرسائل تترك في أماكن متفق عليها، لكن دون أن يعرف أفراد حزب الله في نفس العملية بعضهم البعض.

ووفقا لما وصفه كوراني لمكتب التحقيقات الفيدرالي فإن “القاعدة الذهبية” لوحدة 910 هي: “كلما كانت معرفتك أقل كان ذلك أفضل”.

ويشير ماثيو ليفت إلى أن كوراني كان أحد العناصر التي أتقنت عملها في الوحدة 910.

وجاء في اعترافاته أنه كان يتعامل مع رجل يعرفه باسم فادي، كان يرتدي قناعا أثناء اجتماعاتهما.

وكان فادي هو الذي يعطي التعليمات لكوراني وهو الذي حثه على الحصول على الجنسية الأمريكية. ووصف كوراني فادي بأنه “مسؤول عن العملاء في كل من الولايات المتحدة وكندا”، وأكد دوره في هجوم بلغاريا سنة 2012.

وتمثلت إحدى مهام كوراني في جمع معلومات مفصلة عن مطارين دوليين وهما مطار جون كينيدي الدولي في نيويورك ومطار تورونتو بيرسون الدولي. وتبرز سجلات سفره مروره عبر مطار كينيدي 19 مرة، وعبر بيرسون سبع مرات.

وقال كوراني لمكتب التحقيقات الفيدرالي إنه قدم تفاصيل لحزب الله حول الإجراءات الأمنية، والزي الرسمي الذي يرتديه ضبّاط الأمن، وما إذا كانوا مسلّحين. وركز على نقاط الخروج ونقاط التفتيش الأمنية ومواقع الكاميرات والإجراءات المتعلقة بالأمتعة والأسئلة التي تطرح على المسافرين.

وبعيدا عن المراقبة، طلب كوراني بعض المعلومات من موظفي المطار، حيث كان بعضهم يقدمون معلومات لحزب الله بينما لم يتفطن آخرون لذلك. وذكر كوراني كمثال موظف مطار في كندا قدم معلومات عن أمن المطار الكندي عن غير قصد.

كان الاثنان يدخنان معا، أين أجاب موظف المطار على أسئلة كوراني بعفوية. ووفقا لتصريح المدعي العام الأمريكي، فقد كان حزب الله “يفكر في طريقة تمكنه من نقل العملاء والأسلحة والمواد الممنوعة الأخرى عبر المطارات، من لبنان إلى كندا، ومن لبنان إلى الولايات المتحدة”.

ويروي أحد الذين شاركوا في الاستجواب أحداث أحد اللقاءات التي جمعت كوراني مع مكتب التحقيقات الفيدرالي، قائلا إن كوراني “صرح بأنه عضو في الوحدة 910، التي تخضع لسيطرة إيران”.

ووفقا لكوراني، تقدم الوحدة تقاريرها إلى الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله مباشرة، لكن الحرس الثوري الإيراني يشرف على عملياتها.

وتعتبر الوحدة 910 التابعة لحزب الله اللبناني، الذراع الطولى للحزب، وهي المكلفة بعمليات الاغتيالات الخارجية. ويتم اختيار المقاتلين المنتمين إلى هذه الوحدة بعناية فائقة.

وقال كوراني إن “الإجراءات التي من شأنها أن تستهدف حزب الله أو المصالح الإيرانية ستوقظ الخلية أيضا”. وذكر كمثال احتمال اندلاع حرب مباشرة بين إيران والولايات المتحدة.

عن "العرب" اللندنية

عدد القراءات

سوسن الشاعر

تسارُع الأحداث إلى أين سيقود؟ هل سيقود إلى طاولة المفاوضات؟ فأين نحن منها؟ وهل سيقود إلى توجيه ضربة إلى إيران؟ وأين نحن منها؟
مقولة «لا أحد يريد الحرب» الجميع متمسك بها إنما وحدها إيران التي تتصرف باتجاه الحرب، وحتى اللحظة السعودية متمسكة بضبط النفس لأسباب يجب تحديدها حتى لا يساء فهمها.
أولاً، من المؤكد أنها قادرة على أن تشعل الأرض تحت الحوثيين فلا تبقي ولا تَذَر، ولكنها تتجنب قدر استطاعتها إصابة المدنيين فتُحجم عن إنهاء هذا العبث بقوة تدميرية تملكها.
ثانياً، هي تضبط النفس تجاه إيران لأنها تفضّل الضغط على هذا النظام من خلال العقوبات التي تضيّق الخناق عليه، وتلك سياسة حكيمة، فما تستطيع أن تكسبه من دون حرب هو نصر لك ولجميع من حولك.
ماذا عن إيران؟
إيران تعرف أن العقوبات الاقتصادية إن طالت فإنها ستستنزف رصيدها الشعبي أكثر مما ستستنزف أموالها، وما تبقى من احتياطيها وغطائها المالي، لذلك تريد أن تُنهي موضوع التفاوض الآن إنما بشروطها، فأخطر ما تخشاه إيران هي زيادة العقوبات وطول مدتها.
النظام الإيراني قائم على نظرية الحاجة والضرورة الإلهية كعقد بينه وبين شعبه، فإنْ تعرضت إيران لخطر عسكري فسيعمل النظام على جمع والتفاف الشعب حوله في مواجهة هذا الخطر وسيستغلّ العاطفة الدينية بادّعاء المظلومية لتحريض شعبه وأتباعه ضد المصالح الأميركية والخليجية.
ما تقوم به إيران من استفزازات تهدد بها الأمن الدولي والممرات الدولية رسالة تقول من خلالها «إنْ لم أصدّر أنا النفط فلا أحد غيري سيصدّره»، ومن خلاله تستجدي تدخلاً لأطراف ثالثة ورابعة اليوم قبل الغد إن أمكن تدعو فيه إحدى الدول الأوروبية أو روسيا لمؤتمر على شاكلة مؤتمر سوتشي أو مؤتمر استوكهولم تحت عنوان «نزع فتيل التوتر» ليكون بديل لطاولة المفاوضات الثنائية الأميركية الإيرانية.
علناً إيران تنكر ضلوعها في هذه الأعمال، وتدّعي أنه لا علاقة لها بالمقذوف الذي أُطلق على مطار أبها أو بالألغام أو الطوربيدات التي فجّرت ناقلات النفط في الخليج العربي أو في بحر عُمان.
وعلناً تقول إيران إن المفاوضات ستقتصر -إن حدثت- على اتفاقها النووي، ولن تشمل برنامجها الصاروخي ولا مناطق نفوذها.
الدول الأوروبية بدأت تتحدث لأول مرة عن ضرورة وقف البرنامج الصاروخي ونشاط إيران المقلق في المنطقة، ذلك تقدُّم أحرزته الدبلوماسية العربية والدبلوماسية الأميركية قد لا يكون بالدرجة المطلوبة، فالمصالح التجارية الأوروبية الإيرانية ما زالت لها اعتباراتها التي تمنع دولاً مثل ألمانيا وفرنسا من التشدد مع إيران، وهذا يتطلب مجهوداً مضاعَفاً يربط مصالح هذه الدول معنا باستحقاقاتنا الأمنية.
أما أميركا ففرضت 12 شرطاً للتفاوض؛ أوفدت رئيس وزراء اليابان برسالة أثارت حنق خامنئي ورفضها، فإيران لا تريد أن تنفرد أميركا بها دون حلفاء يخلخلون الموقف الأميركي المتصلب.
أخطر ما في الأحداث أن أميركا وجّهت أصابع الاتهام مباشرةً إلى إيران بمسؤوليتها عن التفجيرات التي وقعت على ناقلات النفط عبر جميع مسؤوليها، سواء من الخارجية أو البنتاغون الذي قام بنشر فيديو القارب الإيراني، ووضع ترمب جميع معارضيه من الديمقراطيين أمام تحدٍّ كبير، وهو مؤشر وتقدم مهم في الأحداث.
السؤال هو: إذا استمرت إيران في الاستفزاز والضغط... أين نحن من أي اتجاه ستتجّه إليه الأحداث؟
فإذا اتجهت الأحداث إلى طاولة تفاوضات كيف سنضمن مقعدنا؟ أو كما قال الشيخ عبد الله بن زايد في مؤتمره مع وزير الخارجية الألماني، الأسبوع الماضي، ألا يجب أن تكون هناك محادثات ولا تفاوضات مع إيران إلا بحضورنا.
هذا الاستحقاق يجب أن نعمل على ضمانته وربطه بمصالح الأطراف الأخرى، فصواريخ وألغام وطوربيدات وطائرات إيران المسيّرة موجهة إلينا، ومن الخطأ تكرار ضياع الفرصة مثلما حدث مع إدارة أوباما التي رفضت رفضاً باتاً ضم النشاط الإرهابي في مفاوضاتها. وماذا إذا وجّهت إحدى الدول الأوروبية دعوة لاجتماع يضم الأطراف المعنية بغية التهدئة ونزع الفتيل؟ هذا ما يجب أن نستعدّ له وننسّق مع الموقف الأميركي مسألة قبوله أو رفضه.
يبقى السؤال: هل سينفد صبرنا وصبر إدارة ترمب نتيجة تصاعد الاستفزازات، ونتخذ قراراً بتوجيه ضربة عسكرية؟ وإنْ حدث فأين ستكون؟ هل ستوجه إلى وكلائها، مع الأخذ في الاعتبار أن الدور الأميركي في اليمن مقتصر حتى الآن على مواجهة «القاعدة» لا الحوثيين؟
أم سنصمد ونعتمد على إطالة أمد العقوبات الاقتصادية حتى يجلس حينها الطرف الإيراني صاغراً قابلاً بأكثر الشروط؟ المهم إنْ ذهبنا للتفاوض فيجب ألا نكرر أننا لا نريد الحرب، بل فاوض وأنت ترتدي لباس الحرب حتى لا تخسر أهم أوراقك التفاوضية.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

عدد القراءات

على الرغم من التطور التقني غير المسبوق الذي أحرزته البشرية، إلّا أنّه توازى، وفق ما تفيد دراسات علمية، مع صعود أمراض نفسية وعصبية مستحدثة، تزداد باطراد، في مختلف المجتمعات، بشكل دفع منظمة الصحة العالمية إلى تصنيف الاكتئاب، كأول مسبب للعجز والوفاة عالمياً مقدماً 800 ألف قتيل على مذبح المرض النفسيّ، متفوقاً على السرطان، وغيره من أمراض استطاع البشر هزيمتها، بينما هم عاجزون عن حماية أنفسهم من الاكتئاب أو "الاغتراب" النفسي.

كيف بدأ الاكتئاب؟
على الرغم من بساطة المصطلح الذي نمارسه يومياً بالتعبير عن الحزن، إلّا أنّ الأمر أبعد من ذلك بكثير؛ حيثُ قامت بتعريفه منظمة الصحة العالمية بأنّه: "مرض نفسي شائع يميّزه الشعور الدائم بالحزن وفقدان الاهتمام بالأنشطة التي يتمتع بها الشخص عادةً، وهو يقترن بالعجز عن أداء الأنشطة اليومية لمدة 14 يوماً أو أكثر".

تصنف منظمة الصحة العالمية الاكتئاب كأول مسبب للعجز والوفاة عالمياً

ولحسن الحظ أو لسوئه، لم يخضع الاكتئاب للطب فقط، بل تداخلت عدة علوم معاً لدراسة المرض، بين علم الاجتماع إلى الطب النفسي، وعلم النفس والفلسفة، وعلم السلوك، وعلم الأعصاب، كلها تعمل معاً في تقارب لدراسة الأمر الذي تدق الدول العظمى، على خلفية تفشّيه كوباء عالمي، أجراس الخطر، كان آخرها استحداث بريطانيا وزارة للانتحار، بعد ارتفاع معدلاته بشكل غير مسبوق، وبالانتقال إلى دول العالم الثالث نجد مصر، فعّلت خطاً ساخناً لمرضى الاكتئاب ممن تباغتهم أفكار انتحارية، لتقدم لهم يد المساعدة، لكن لا أحد يستطيع الإجابة لماذا يتصاعد الأمر بتلك الصورة، بالرغم من إتاحة كل أسباب الرفاهية للبشر، وقدرتهم على القضاء على الأمراض المزمنة، والتواصل عبر العالم أجمع بعد أن أصبح قرية واحدة.

اقرأ أيضاً: هل كان ماركس وإنجلس جاهليْن بحقيقة الصراع الاجتماعي في الإسلام؟

عالم الاجتماع البولندي "زيجمونت باومان"

يعزو عالم الاجتماع البولندي "زيجمونت باومان"، في نظريته الشهيرة بـ"نظرية السوائل"، إلى أنّ الحداثة التي فاجأت الإنسان المعاصر، الذي عاش لملايين السنين محتمياً بالطبيعة وبأقرانه من البشر والحيوانات، قد أحدثت عطلاً مفاجئاً في دماغه، فأفقدته جوهر إنسانيته، وأبعدته عن بذرته الأولى وهي الطبيعة التي انطلق منها، أو كما يقول عالم الفيزياء الشهير ستيفن هوكينغ "نحن أبناء النجوم، لذلك فإننا بشكل أو بآخر نرتبط بالطبيعة التي تحدد مسارات حياتنا وتشكل شخصياتنا، بل وبحسب تنوعاتها يتنوع البشر بطباعهم وأنماط سلوكهم، فالطبيعة وحدها تشكلنا، واندماجنا في مجموعات، سواء كانت قبيلة أو أسرة أو قرية مترابطة، هو الذي يكفل للإنسان ظهيراً اجتماعياً يحميه من وطأة الفراغ"، والذي بحسب عالم النفس الألماني، إريك فروم، فإنّ الدماغ البشري يكره الفراغ، ويظل باحثاً عما يملؤه، حتى يصطدم بالأمراض النفسية، التي يكد العلماء بحثاً عن حلول جذرية لها، وبحسب توصيف فروم، فإنّ الاغتراب الذي أحدثته المجتمعات الصناعية، هو أهم أسباب ما يعانيه البشر اليوم، ولعل أول من تبصر وبلوّر الظاهرة قبل تفشيها إلى هذا الحد كان كارل ماركس قبل قرنين من الزمان.

شروق الآلة وغروب الإنسان
في مستهلّ القرن التاسع عشر، دخلت أوروبا بكل قواها عالم الصناعة، الذي قام على كواهل الملايين من عمّال عانوا ظروفاً غاية في القسوة، فبعد أن كان المرض أو الحوادث، أو التهام حيوان مفترس هو سبب الموت البشري، أصبح العمل أحد أهم مسبباته، بينما يطرق البشر بوابة الحضارة من أوسع أبوابها، في ذاك الوقت، يقف الفيلسوف الألماني، كارل ماركس، شاهداً على تلك التحولات وأخذ على عاتقه مهمة التأريخ لها من خلال مخطوطاته الفلسفية العام 1844، ويستعرض ماركس حال الإنسان الذي تشكل في هيئة مدن مكتظة بالسكان، وكلما زاد اكتظاظها زادت مشاعر العزلة والوحدة لقاطنيها، وكان هذا الأمر جلياً في عيون ماركس حيث لازال النظام فتياً وقتذاك، طوّر ماركس نظريته عن الاغتراب للكشف عن النشاط الإنساني الذي يكمن وراء القوى غير الشخصية التي يبدو أنها تسيطر على المجتمع، لقد أظهر أنّه على الرغم من أن جوانب المجتمع الذي نعيش فيه تبدو طبيعية ومستقلة عنا، إلّا أنّها نتاج أعمال بشرية سابقة.

اقرأ أيضاً: علي الشوك: ماركسي "يقدّس" حرية الفرد!

رصد ماركس بعناية فائقة زحف الرأسمالية على نفوس العُمال واختطافها لجوهر الإنسانية

يُقسّم ماركس الإغتراب إلى مرحلتين؛ فهناك المرحلة الإقطاعية التي استغرقت آلاف السنين من حياة الإنسان على الأرض، ولكنها أنشأت اغتراباً أقل، جراء محدودية علاقات الإنسان الطبيعة، فالإقطاع وبالرغم مما ورثه من ثقافة العمل المستمر للفلاحين، لصالح المُلّاك الأرستقراطيين، إلّا أنّها نشأت في حيز ضيق، من تبعية الإنسان للأرض المصدر الرئيسي للعملية الإنتاجية، ومن هنا نشأت حالة محدودة من الاغتراب، والتي ظل فيها الفلاحون يمتلكون قدراً من نتاج عملهم.

رصد ماركس بعناية فائقة زحف الرأسمالية على نفوس العُمال واختطافها لجوهر الإنسانية جمعاء

وبالرغم من علاقات المجتمع الإقطاعي التي تميزّت بالهيمنة والتبعية، إلّا أنّها كذلك كانت علاقات بين الأفراد، وأعاد ماركس توصيفها في رأس المال قائلاً: "العلاقات الاجتماعية بين الأفراد في أداء عملهم تظهر في جميع الأحداث على أنّها علاقاتهم الشخصية المتبادلة، ولا تتنكر تحت شكل العلاقات الاجتماعية بين منتجات العمل"، وهو على العكس تماماً مما قام به النظام الرأسمالي المتشح بثوب الصناعة، حيث أرادت البرجوازية تسليع كل الشيء وجعله قابلاً للبيع والشراء، مقابل المال، والبيع في نظر ماركس هو لب عملية الاغتراب، والتي تحولت لاحقاً إلى تسليع الإنسان ذاته، علاقاته الإنسانية والاجتماعية كما قدّمه كتاب الحُب السائل لزيجمونت باومان، الذي ربط تسليع الحب والعلاقات الأسرية والإنسانية، بالنظام الرأسمالي الذي أدخل كل مادي ومعنوي حيز القوة الشرائية.
الاغتراب.. واحداً ومتعدداً
في كتابه "مفهوم الإنسان عند ماركس"، يعزو الفيلسوف وعالم النفس الألماني"إريك فروم"، الاغتراب إلى عدة مستويات وأنواع، تصب كلها في قالب واحد، هو عزل الإنسان عما ينتجه من ماديات ومعنويات، فالاغتراب باللغة الدينية يتقارب بشيء ما مع اللغة غير الدينية بكونه تخلي الإنسان عن ذاته، وتخليه عن الله داخل ذاته، ومن غير العادل أن نركن إلى تأصيل ماركس فلسفة الاغتراب وحده، بل إنّه بناها على ما قدمه هيجل من إثراء في هذا الجانب، فقد اعتبر هيجل أنّ تاريخ الإنسان هو في ذات الوقت تاريخ اغتراب الإنسانية، واتفق كل من ماركس وهيجل على أنّ الاغتراب إنما يرتكز على التمايز بين الوجود والجوهر، وفي إطار يمكن تلخيصه إنّه ليس ما يجب أن يكونه الإنسان، لذا يجب أن يكون ما هو باستطاعته أن يكونه، وقد تمحور اهتمام ماركس بالاغتراب من خلال العمل، الذي من المفترض أن يبلور عملية تفاعل الإنسان مع ذاته، ومع الطبيعة، إلّا أنّه صار أداة لبؤس الإنسان، ووسيلة لانحسار طاقاته الكامنة، وتعزيز شعوره بالإنفصال عما يقدمه من عمل، فلا يجد الإنسان راحته إلّا أيام العطلة، وهذا من المفترض ألّا يكون.

اقرأ أيضاً: القرامطة سبقوا ماركس وأسسوا أول نظام اشتراكي منتخب

الفيلسوف الألماني إريك فروم

وفي عدة مقالات خطّها ماركس أثناء عمله بالصحافة حول نظرية فائض القيمة، يوضح أنّ اغتراب العامل عن إنتاجه زاد عن أي وقت مضى، وأصبح العامل موجوداً من أجل السلعة، لا أنّ العامل هو من يخلق السلعة، وبالتالي فإنّه يحصل مقابل إنتاجه على أموال يستطيع من خلالها شراء السلعة نفسها، وكأنّها غريبة عنه، ولكنه يظل عاجزاً عن شراء القيمة الإبداعية التي وضعها في سلعته، بل الأمر الأكثر فداحة، كما يرى ماركس، إنّ السلع المنتجة في ازدياد مطرد، بالتوازي مع زيادة الفقر الذي يجنيه العامل مقابل تقديمه لقوة عمل أكثر قيمة مما يتقاضى من راتب، وقد وصف ماركس العلاقة بين العامل والمنتَج بقوله: "يستنفذ العمل في المصنع الجهاز العصبي إلى أقصى حد، فهو يلغي الحركة متعددة الجوانب للعضلات، ويصادر كل ذرة من الحرية، سواء في النشاط البدني أو الفكري، إذ تتلاشى المهارة الخاصة لكل عامل في مصنع غير ذي شأن له به".
هل من وجه آخر؟
إنّ ما قدّمته أطروحة ماركس عن عملية الإنتاج وعلاقتها بالاغتراب، ليس نداءً منه لعدالة التوزيع كما يعتقد البعض حتى من بين صفوف اليسار، إنّما تكمن في تحرير الإنسان نفسه من تلك المنظومة التي تسلبه فرديته، وتصب في صالح المعسكر المعادي له، فالعمل المغرّب بالنسبة له لا يسلب الإنسان موضوع إنتاجيته فحسب، بل وحياته النوعية، وموضوعيته ككائن نوعي، إلى درجة تسلبه من جسده اللاعضوي وهي الطبيعة، ويحول وجود الإنسان مجرد وسيلة للوجود المادي، وحياته النوعية تصبح مجرد وسيلة لاستكمال العمل، بينما يكمن الوجه الآخر لدى ماركس في العمل اللامغرب الذي يعد تجسيداً لانعتاق الإنسانية كلها من سطوة الملكية الخاصة والعبودية، فهي وسيلة لانعتاق العمال الذي بدوره انعتاق للإنسانية، ومحافظة على عملية تطورها.

اقرأ أيضاً: الإسلامويون شيطنوا الماركسية ووصفوا منظّرها بأنه يناصر الرعاع

ما قدمه ماركس يبعد كل البُعد عن طبيعة ما قام به البلاشفة، بعد تأسيسهم للاتحاد السوفييتي

إنّ ما قدمه ماركس كما يري فروم، يبعد كل البُعد عن طبيعة ما قام به البلاشفة، بعد تأسيسهم للاتحاد السوفييتي، الذي لم يعتق العمال، أو يحرر الجموع من عبوديتهم للآلة، فذروة الاغتراب قد تجسّدت حين تمحور الإنسان حول الآت وصار خادماً لها، والتي وصفها ماركس في رأس المال لاحقاً بوثنية السلعة قائلا: "في النظام الرأسمالي تتم كل طرق ترقية الإنتاج الاجتماعي للعمل، على حساب العامل الفرد، وكل وسائل تطوير الإنتاج تتحول بذاتها إلى وسائل للهيمنة على المنتجين واستغلالهم، وهي تشوه العامل بتحويله إلى جزء من إنسان، وتخفضه إلى مستوى ملحق بالآلة، وتقوم بتدمير كل بقية من جمال في عمله عن طريق تحويله إلى كدح مكروه".

اقرأ أيضاً: ما رأي كارل ماركس بأحوال العالم اليوم؟
لقد رصد ماركس بعناية فائقة زحف الرأسمالية على نفوس العُمال واختطافها لجوهر الإنسانية جمعاء وهي لا تزال فتية، ولكن بتعاظم الرأسمالية، فإنّ الاغتراب الذي أنتجته صار أكثر فداحة بتشابك العلاقات الإنتاجية وتعقيداتها، التي جعلت الاكتئاب أو الاغتراب وكلاهما واحد، أول قاتل يلتهم البشر إمّا بالموت، أو بالعجز عن الحياة.

عدد القراءات

شنّت طائرات تحالف دعم الشرعية، اليوم، سلسلة غارات على مواقع وآليات عسكرية ومخازن أسلحة للميليشيات الحوثية في الساحل الغربي لمحافظة حجة اليمنية.

التحالف يشنّ سلسلة غارات على مواقع وآليات عسكرية ومخازن أسلحة للميليشيات الحوثية بحجة

وذكر المركز الإعلامي للمنطقة العسكرية الخامسة، بحسب ما نقلت "العربية"؛ أنّ "الغارات دمرت منصة لإطلاق الصواريخ تابعة للميليشيات في مزارع الجر بمديرية عبس."

ودمّرت عربة محملة بعناصر من الميليشيات، ما أدّى إلى مقتلهم، كما دمرت مخزن للألغام والعبوات الناسفة في منطقة بني حسن شمال مديرية عبس، واستهدفت عربتين عسكريتين في مديرية مستبأ.

وفي محافظة الضالع، أفادت مصادر محلية بأنّ "القوات المشتركة تمكّنت من كسر هجوم للميليشيات، فجر اليوم، في منطقة مريس شمال المحافظة".

في حين سيطرت قوات من اللواء الخامس صاعقة على التباب السود ومنطقة القفلة، غرب مديرية قعطبة، وأسرت عدداً من عناصر الميليشيات.

وذكر بيان للمنطقة العسكرية الخامسة في الجيش اليمني؛ أنّه تمّت استعادة 5 آليات عسكرية كانت تقل منصات صواريخ متحركة ومدافع هوزر وأخرى من عيار 85 و100 و105.

ميليشيا الحوثي تواصل حشد قواتها إلى الريف الجنوبي للحديدة وتستقدم مئات المقاتلين بالدريهمي

كما استعاد الجيش كمية كبيرة من الأسلحة المختلفة، منها: صواريخ مضادة للدروع، ومدفع هاون 120، وذلك في هجوم مباغت على مواقع الحوثيين في جبهة عبس، غرب حجة.

في غضون ذلك، أفشل الجيش اليمني هجوماً شنته مليشيا الحوثي الانقلابية في جبهة قانية بمحافظة البيضاء، والتي تعرف بقلب اليمن.

وقالت وزارة الدفاع اليمنية: إنّ "الجيش اليمني صدّ الهجوم، وألحق بالميليشيا خسائر بشرية ومادية كبيرة، وذلك بعد تقهقر المجاميع المهاجمة تحت ضربات مكثفة للمدفعية الثقيلة".

وفي الجبهات الشمالية لمحافظة الضالع، جنوب البلاد، تواصلت المعارك بين القوات المشتركة من الحزام الأمني والمقاومة الجنوبية والوطنية من جهة وميليشيا الحوثي من جهة، وسط خسائر بشرية ومادية يتكبدها الانقلابيون.

كما شهدت بقية المحاور معارك متقطعة وقصفاً مدفعياً متبادلاً، دكّت خلالها دبابات الجيش مواقع تمركز الميليشيا في محيط الفاخر ومواقع أخرى في جبهة مريس.

الجيش اليمني يصدّ هجوماً شنته مليشيا الحوثي الانقلابية في جبهة قانية بمحافظة البيضاء

وفي سياق الخروقات الحوثية في الحديدة، واصلت ميليشيا الحوثي حشد قواتها إلى الريف الجنوبي للمحافظة، في أعقاب مساعيها الإرهابية المتواصلة الرامية إلى قطع خط إمداد القوات المشتركة، واجتياح القرى المكتظة بالسكان.

وقال بيان لقوات العمالقة بالجيش اليمني: إنّ "ميليشيا الحوثي استقدمت مئات المقاتلين المدججين بمختلف أنواع الأسلحة، ومستعينين بآليات عسكرية ضخمة، إلى مواقعها في المناطق الشرقية لمديرية الدريهمي، في إطار تصعيدها العسكري الواسع".

وحمّل بيان ألوية العمالقة الأمم المتحدة والمجتمع الدولي مسؤولية التصعيد العسكري الذي تقوم به ميليشيا الحوثي، عقب تجاهلها وقف وإدانة عمليات الاستهداف للمدنيين، وقصف المباني السكنية، ما شجع الانقلابيين على ارتكاب المزيد من الخروقات الإنسانية، والتي وصلت إلى أكثر من 5 آلاف انتهاك.