هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟

الفن

هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟


25/03/2019

احتفت العديد من الكتابات الأوروبية المهتمة بدراسة التاريخ الإسلامي بالفنان العربي، زرياب، وأسندوا إليه الفضل في نهضة أوروبا في عصورها الظلامية، وبين معارك السياسية، وأحبال الفتن القبلية، نشأ زرياب في بدايات العصر العباسي الذهبي، فحفظ الشعر وأنشده، وعشق الموسيقى فمنحها روحه وعقله، وبألحانه نهضت الأندلس وعاشت أزهى عصورها الفنية والفكرية، ودانت له الموسيقى العربية بالكثير.
في بلاط العباسيين
في بداية العصر العباسي الذهبي، الذي بدأ على يد الخليفة العباسي الثاني، أبو جعفر المنصور، كانت الحركة الثقافية والفنية في أوج نشاطها، خاصة بعد تأسيس بيت الحكمة في بغداد، بينما كان مجتمع البصرة، أشبه بقلعة ثقافية يرتادها الفنانون والشعراء والكتاب، من بين هؤلاء، نشأ أبو إسحاق الموصلي؛ الموسيقي الموهوب، وفنان البلاط الرسمي في عصر المنصور وأولاده، وإذ يعتلي الخليفة المهدي، ابن المنصور، يولد في مدينة الموصل فتى أسود اللون، أبو الحسن علي بن نافع، عام 175 من الهجرة النبوية، والذي سيلقب فيما بعد "الزرياب"، حتى يكاد الجميع أن ينسى اسمه الحقيقي، وقد رجحت العديد من المصادر التاريخية، أنّ الفتى قد اختطفه الجنود، وأخذه أبو أسحاق الموصلي عبداً له، وأهداه للمهدي، ليصبح أحد مواليه..

في بداية العصر العباسي الذهبي كانت الحركة الثقافية والفنية في أوج نشاطها
ونظراً إلى ذكاء الطفل وفطتنه؛ فقد حفظ آلاف الأبيات من الشعر العربي، وتعلم التاريخ والكيمياء، ودرس علم النبات والفلك، وتجلت موهبته في الموسيقى، إضافة إلى عذوبة صوته، ثم أتقن زرياب العزف على آلة العود، وتعلم الموسيقى الشرقية، من أستاذه الموصلي الفارسي، ونشأت بينهما علاقة صداقة ستتحول فيما بعد إلى قطيعة أبدية، فبعد أن يتولى هارون الرشيد بن المهدي الخلافة، يأمر الموصلي أن يسمعه صوتاً جديداً في مجالس الغناء التي اشتهر بعقدها في القصر، فيأتيه بزرياب الذي أعجب به الخليفة أشد الإعجاب، وأمر الموصلي برعايته وتنميه موهبته، وهو ما سيوقع الشقاق بين الأستاذ والتلميذ، وسيغير مجرى حياة زرياب، بل والفنّ الإسلامي بأكمله.

موزارت وسالييري الدولة الإسلامية
في القصة التاريخية المشهورة حول علاقة كلٍّ من الموسيقي الألماني أماديوس موزارت، والإيطالي أنطونيو سالييري، والتي جسدها المخرج التشيكي الراحل، ميلوش فورمان، في فيلمه "أماديوس"؛ حيث وقعت الغيرة في قلب سالييري من موزارت، الذي كان ملهماً وموهوباً منذ صغره بالموسيقى، وحاك ضدّه المؤامرات، التي أودت بحياته شاباً، بيد أنّ موزارت استطاع تخليد اسمه في تاريخ الموسيقى العالمية، دون أن يذكر العالم اليوم الكثير عن سالييري، في تلك القصة تشابه كبير بين ما حدث مع زرياب والموصلي؛ فبعد إعجاب الخليفة به، وتبنيه لموهبته، بدأت الضغينة التي لم يستطع أبو إسحاق تحملها أكثر، فأمر زرياب بالرحيل عن بغداد، وإلّا سوف يقتله، وما أكثر مؤامرات القتل التي كانت تحاك داخل قصر الخلافة في ذلك الوقت، ولم يجد زرياب مفراً من الرحيل فذهب إلى سوريا، ومكث بها قليلاً، راحلاً إلى إفريقيا، حيث عاش في بلاط أمير القيروان، الأغالبيّ، في تونس.

يعود الفضل  لزرياب في تعليم الأندلسيين الكثير من فنون التجميل والنظافة الشخصية وهندام المظهر وتصفيف الشعر

وفي خضم الصراع السياسي الذي نشأ بين الأمويين في الأندلس الناشئة آنذاك، وبين العباسيين في بغداد، تنافست الدولتان على النهضة الفكرية أشدّ التنافس، وكانت تلك المنافسة لصالح زرياب؛ حيث أرسل الخليفة الحكم بن هشام، حاكم قرطبة آنذاك، في طلب زرياب، لما وصله عنه من حسن السيرة، والإشادة بموهبته وذكائه، فشدّ زرياب الرحال إلى الأندلس عبر جبال المغرب العربي، ولما وصل إلى قرطبة، عام 822م، بلغه نبأ وفاة الخليفة، فتسرّب اليأس إلى قلبه، إلّا أنّ الخليفة الجديد، عبد الرحمن الأوسط، وعده بتنفيذ أمر والده، واستقبله استقبالاً حافلاً هو ومن معه، وأمر له بعطية مالية ذكرت بعض المصادر أنّها بلغت 200 دينار ذهبي، وكانت آنذاك مبلغاً ضخماً، وقد أعجب عبد الرحمن الأوسط بفنّ زرياب، ربما كان هذا اللقاء الأمثل، بين حاكم مطلع عاشق للثقافة والفنّ، وفنان موهوب يبحث عن متنفس ليفيض إبداعه.

عاشت الخلافة الأموية الناشئة في الأندلس أزمات سياسية واجتماعية طاحنة

التزاوج بين الفنّ والسياسة
عاشت الخلافة الأموية الناشئة في الأندلس أزمات سياسية واجتماعية طاحنة، من أجل تثبيت دعائم حكمها، زادت فيها رغبة المنافسة للعباسيين في بغداد، وتأسيس مجتمع أقوى يملك مقومات الإبداع الحضاري والفكري والثقافي، أكثر من المشارقة، وقد عزز تواجد زرياب في تلك الفترة، من هذا الإبداع؛ حيث تمتعت فترة حكم عبد الرحمن الأوسط بالكثير من الاستقرار الاجتماعي، الذي ساعد على الالتفات إلى الفنون والفكر والثقافة، بالتوازي كان في بغداد الخليفة المأمون بن الرشيد، الذي اهتمّ أيضاً بالعلوم والثقافة، لكنّ الفتن بين الطوائف الإسلامية، وخروج العديد من الثورات ضدّ حكمه أضعفت الخلافة العباسية في ذلك الوقت، التي بدأ انحدارها الحقيقي بعد تولي أخيه المعتصم زمام الحكم، وفي كتابه "الأدب الأندلسي من الفتح إلى السقوط"، يتطرق الدكتور الراحل، أحمد هيكل، العميد السابق لكلية دار العلوم، جامعة القاهرة، ووزير الثقافة سابقاً، إلى فترة حكم عبد الرحمن الأوسط في الأندلس، وما تبعها من نهضة حضارية، لا مثيل لها في الأندلس، وسماها "العصر الأندلسي الذهبي"، وقد أورد أنّ أول أسبابها كان قدوم زرياب، والتزاوج الذي أحدثه الفنّ بالسياسة آنذاك.

أضاف زرياب وترين جديدين للعود ذي الثلاثة أوتار، واستخدام ريشة النسر في العزف عليه، ما أنتج مقامات ونغمات جديدة

استطاع عبد الرحمن الأوسط، خلال فترة حكمه، التي تميزت بالهيبة من سلطة قرطبة، القضاء على الفتن القبلية التي نشبت بين العرب المضرية والعرب اليمانية، وأن يحدّ من تأثير الثورات المحلية التي اندلعت في بعض الأقاليم، كانت أشهرها الثورة التي أشعلها المولدون في طليطلة المغربية، وصعود بعض الطوائف المسيحية المتعصبة، مثل حركة الاستشهاد، التي استهدفت طرد المسلمين من قرطبة، إلّا أنّ الخلافة استطاعت فرض سطوتها والتغلب على تلك القلاقل السياسية، مما أتاح الفرصة للالتفات إلى النهضة الاجتماعية، التي أسس دعائمها زرياب، فكونه موسيقياً موهوباً استطاع إشاعة حبّ الموسيقى والغناء في نفوس أهل قرطبة، واستطاع إدخال الموسيقى إلى إنشاد الموشحات الأندلسية التي كانت فنّاً وليداً آنذاك، لكنّ إدخال الموسيقى عليه منحه بصمة أندلسية خالصة، استطاع زرياب تنقيحها من أيّة أهواء مشرقية، خاصة في ظلّ تواجد العديد من الموسيقيين من بغداد، الذين قدموا بثقافة المشرق دون أيّة مراعاة لطبيعة المجتمع الذين يمارسون فيه فنّهم، إلّا أنّ زرياب وضع بصمته على الفنّ الأندلسي، والتي ما تزال حاضرة إلى يومنا هذا.
فنّ الإتيكيت
في الوقت الذي كانت فيه أوروبا تغطّ بين براثن المرض والحروب البدائية، كانت الأندلس تعيش أزهى عصورها، على كافة الأصعدة؛ فقد تردّد كثيراً في كتب التراث، اشتهار الأندلسيين بالذوق والأناقة في الملبس، وتنظيم الطعام، والفضل في ذلك يرجع لزرياب، الذي علّمهم الكثير من فنون التجميل والنظافة الشخصية وهندام المظهر، بدأ بتعليمهم تصفيف الشعر وربطه لأعلى حتى تظهر الجبهة والعنق، وكذلك علمهم لبس الأبيض والألوان الناصعة الخفيفة في فصل الصيف، حتى لا يزيد العرق، ويسبّب رائحة كريهة، ولبس الأسود في الشتاء، والفراء وجلود الحيوانات، كي يكون لكلّ فصل من فصول العام ملبسه الذي يناسب حالة الجو.

اقرأ آيضاً: مواجهة عبر الموسيقى بين التشدد والاعتدال
ونظراً إلى كونه دارساً لعلوم الكيمياء والنبات، فقد عُدّ أول من قدم مستخلصاً من الأعشاب والنباتات العطرية، لإزالة رائحة العرق، ومسحوقاً آخر لتنظيف الأسنان، فكانت آثاره الإبداعية واضحة على جموع الناس، وأثره يظهر في حياتهم اليومية، ما جعلهم يبدون إعجابهم بذوقه وفطنته وتأثيره في تفاصيلهم الفردية، ولم يتوقف زرياب عند هذا؛ بل امتدّ أثره إلى فنّ الطعام، فعلّم الناس تقسيم الطعام إلى وجبات ثلاث، والتي نعرفها اليوم، كما قدم إليهم فنّ الأكل، ليبدأوا بالمقبلات، دخولاً إلى الأطباق الرئيسية المكونة من اللحم والخبز، ثم يختتموا  بالفواكه والمكسرات؛ بل ابتكر وصفات جديدة من الطعام تناسب فصول السنة، ومستقاه من نباتات الأرض.

أوتار العود
أما على صعيد الموسيقى؛ فالفضل الأول يعود لزرياب في إضافته وترين جديدين للعود ذي الثلاثة أوتار، ليصبح كما نعهده اليوم بخمسة أوتار، واستخدام ريشة النسر في العزف عليه، وهو ما أنتج مقامات ونغمات جديدة على المستمعين، كما يعود الفضل له في تأسيس أول مؤسسة أكاديمية في التاريخ لتعليم الموسيقى في قرطبة، والتي ذاع صيتها، وجاءت الوفود إليه من المشرق والمغرب، ووضع لوائح واختبارات علمية للمتقدمين، ما يزال العمل بها سارياً إلى يومنا هذا، وفي كتابه "التاريخ الثقافي للأندلس"، اختص الباحث الإنجليزي، جون جيل، زرياب بـفصل كامل في كتابه بعنوان "طائر بغداد الأسود... المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول"، واصفاً حركته الموسيقية في الأندلس بـ "ثورة التحديث التي بنى عليها كلّ من الشرق والغرب الإرث الفني اللاحق لحركة الفنّ في الأندلس"، وتطرق لدوره في الحياة العامة للمجتمع آنذاك؛ حيث أدخل الشطرنج، وعلمهم إيّاه، وكانت تلك الأمور في ذلك العصر من المبهرات التي نال بها زرياب إعجاب المجتمع وحظي بتأييد الخليفة.

اقرأ أيضاً: موسيقى الراي من مقاومة الاحتلال وتطرف الإسلامويين إلى التمرد على الجسد
في أواخر عصر عبد الرحمن الأوسط، وبعد تولي ابنه محمد ثم حفيده عبد الله الحكم، بدأت الدولة مرحلة ضعفها، في ظلّ تكالب العديد من القوى السياسية المناوئة للحكم الإسلامي وقتها، وبعد وفاة عبد الرحمن، الذي كان مولعاً بالفنّ والثقافة، واستيراد كلّ جديد في هذا الإطار التنويري للمجتمع، كما أورد التلمساني في كتابه "نفح الطيب"؛ فقد بدأ الأفول للنجم الأندلسي الساطع، وزاد الأفول بعد موت المحرك الفعلي لتلك النهضة، فبعد 32عاماً عاشها زرياب في رحاب الأندلس، وافته المنية عام 857، وبموته بدأت موجة من الركاكة الفنية، التي تواكبت مع الإخفاق السياسي، في أواخر حكم أسرة عبد الرحمن الأوسط.



انشر مقالك

لإرسال مقال للنشر في حفريات اضغط هنا سياسة استقبال المساهمات
الصفحة الرئيسية