"معركة الإسلام والرأسمالية": هكذا قدم سيد قطب حلوله الاقتصادية

منى يسري's picture
صحافية وكاتبة مصرية
6766
عدد القراءات

2019-03-27

مثّلت هزيمة حرب فلسطين، العام 1948، نقطة محورية في العمل السياسي لجماعة الإخوان المسلمين، الفتيّة في ذلك الوقت، وبعد انتهاء تلك الفترة الحرجة المليئة بالصراعات، بداية من سقوط الخلافة العثمانية في تركيا العام 1924، بعد الحرب العالمية الأولى، التي تبعتها أزمة الكساد العالمي العام 1929، مروراً بالحرب العالمية الثانية، التي آذنت باحتلال الأراضي الفلسطينية، فوقفت الجماعة آنذاك موقف المتحير من اتخاذ مواقف واضحة من كل تلك القضايا.

مواقف سيد قطب الحدية عكست فكر الجماعة بشكل أكثر تجلياً من مراوغات المرشد الأول

اتسم رأس الجماعة؛ حسن البنا، بالمراوغة من إبداء مواقف واضحة من أكثر القضايا الشائكة، وعلى رأسها: الإمبريالية، والرأسمالية العالمية، إلّا أنّ سيد قطب، أحد أعلام منظري الإسلام السياسي، كان أكثر راديكالية من البنّا، باتخاذه مواقف معلنة من قضايا بعينها، إمّا مهاجماً أو مؤيداً، فمواقفه الحدية قد عكست فكر الجماعة بشكل أكثر تجلياً من مراوغات المرشد الأول، وهو ما عكسته أكثر كتبه تطرفاً؛ "معالم في الطريق"، الذي مثّل فيصلاً بينه وبين الشعب المصري، الذي كفّره قطب علناً، وأمر الجماعة بتقويم كفره.
ويأتي كتاب "معركة الإسلام والرأسمالية" كتوضيح آخر من قطب من مواقفه البيّنة تجاه الأنظمة الاقتصادية التي تواجدت على الساحة العالمية آنذاك، فها هو قد أعلن الحرب على الرأسمالية الغربية بثوبها الأمريكي، وعلى الشيوعية التي حمد مطالبها بالعدالة الاجتماعية، وهاجمها بعد دعمها لقيام دولة الكيان الصهيوني.
 كتاب "معركة الإسلام والرأسمالية"

أسطورة الخلاص
يعزو قطب في مستهل صرخاته الرنانة في الفصول الأولى من الكتاب، الظروف الاقتصادية الطاحنة واتساع الفجوة بين الطبقات في مصر، إلى الجنوح تحت معسكر الغرب الرأسمالي الاستعماري، ويدين تطلعاتهم إلى مجتمع اشتراكي ينادي بالعدالة، إلى اغترابهم عن الإسلام الذي يضمن لهم العدالة الاجتماعية، مرصعة بالغذاء الروحي وحرية الفكر، والشعور الإنساني بالحياة، الذي تضمنه مظلة الإسلام، التي لا تحرمهم في ذات الوقت من الملكية الفردية التي تحاربها الشيوعية كحربها للأديان.

يأتي كتاب "معركة الإسلام والرأسمالية" كتوضيح آخر من قطب من مواقفه البينة تجاه الأنظمة الاقتصادية السائدة آنذاك

يحاول قطب استعراض أسباب الأزمات بشكل أكثر وضوحاً من رسائل البنا، بما مكّنه من أن يعكس وبقوة، أيّ فكر اجتماعي ترنو إليه الجماعة، في تحليله لأزمة الطبقات في مصر؛ فهو يذمّ النهج الرأسمالي، وحلوله الإصلاحية، بذات الوقت الذي يؤكد فيه على حق الناس في الملكية الفردية، بما تسمح به الشريعة، ويعزو شروط الملكية إلى دلائل وأقوال تاريخية مأخوذة عن السلف، من منظور اقتصاد بدائي، دونما الأخذ بمعطيات العصر، أو اشتباك مع الظروف العالمية الذي طرح فيها نصه، المكتوب بمنتصف القرن العشرين، وهي إحدى أحرج المراحل في التاريخ الحديث.

اقرأ أيضاً: سيد قطب والكتاب القادياني المُرضع
وفي مقاربة يتجلى فيها الجانب الأيديولوجي أكثر من الموضوعي، يصوّب قطب ازدراءه للنظام الرأسمالي، الذي راكم الثروات في أيدي قلة قليلة من الإقطاعيين المصريين، وترك السواد الأعظم من الفلاحين والعمال، قابعين في غياهب الفقر وبراثن المرض، ونحو الشيوعية التي امتدح دعوتها للعدالة، ورفض انقضاضها على الملكية الفردية، بدعوى أنّ الإسلام قد وفّق بين النظامين، دون هدم منظومة رأس المال، كونه ليس العدو للاقتصاد الإسلامي؛ بل هو الضمانة لقوة اجتماعية تصوب الحاكم عند ارتكابه خطأ، وتحجب رأسمالية الدولة التي فيها خراب الأمم، كما صوّرها في النموذج السوفييتي.
اقتصاديات حسن الظنّ
بنمط خطاب الإسلام السياسي المعهود، المرصع بآيات قرآنية كريمة يدرجها الكاتب دونما موضعها، وأحاديث نبوية شريفة تأوّل لمنح التحليل قداسة دينية، يعزز سيد قطب دعمه لاقتصاديات الإسلام بحسن النوايا، فالمبدأ الأصلي في الإسلام، كما يشرحه الكاتب، مسبوق بحسن الظنّ في الفطرة البشرية المُحبة للخير، المبتعدة عن اكتناز المال وحبسه، إضافةً لنفورها من الثراء الفاحش؛ لذلك أقرّ الإسلام حرية الملكية الفردية التي تمنح قوة للأفراد تنعكس على الجماعة، وستأبى النفس ذات الطبيعة الخيرة، اكتناز المال، وتراكم الثروات.

بنمط خطاب الإسلام السياسي المعهود يعزز سيد قطب دعمه لاقتصاديات الإسلام بحسن النوايا

هنا يقع قطب في مأزق التناقض، فبينما يستهل كتابه بالهجوم على الإمبراطوريات الغربية، التي سلبت المستعمرات، على امتدادها، مواردها الاقتصادية، وكدّست الثروات لمواطنيها، وبقي سكان العالم الثالث أسرى الفقر والجهل والمرض، يفترض حسن النية في أبناء المجتمع الذين يملكون حرية الملكية الفردية، دونما ضمانات تعزز آلية توزيع عادل للثروات، ويضع شرطاً فضفاضاً لتلك الملكية، وهو كسبها بالطرق التي سمح بها الإسلام، غير أنّ ما استلهمه قطب من التراث كان مرتبطاً بعصر بدايات ظهور الإسلام، في أرض الحجاز ذات الاقتصادي البدائي، القائم على التجارة وليس الإنتاج، وهو ما قامت عليه الجزيرة العربية، ومصادر كسبها لقرون، فلم يكن من اقتصاديات زراعية أو صناعية، او اقتصاديات المعرفة التي كدّست ثروات الكوكب بأسرِه في أيدي قلة من البشر.

اقرأ أيضاً: لماذا وكيف انبهر سيد قطب بالمودودي؟
ثم يستشهد على ذلك بواقعة الإخاء بين الأنصار والمهاجرين، وكيف منح الأنصار نصف ما يملكونه للمهاجرين، مدللاً على تلك الواقعة، ذات السياق التاريخي، ولحظة الحراك الاجتماعي، بأنّها الأصل الذي فطر الناس عليه، ويرتكن في تطبيقه إلى فريضة الزكاة، ومآلاتها المنقذة للمجتمع من مغبة الفقر والإفقار، فهنا تناقض آخر يكمن في دعواه، بوجود أصحاب للثروات، يمنحون عطاءات، وليست حقوقاً للفقراء، وهو قناع الرأسمالية التي تعزز الملكية الفردية، وتوجب على أصحاب رؤس الأموال تقديم منح مجتمعية، لا تمس ثرواتهم بينما تمنح فتات المال، كمهدئات لعملية احتدام الصراع الطبقي، وكي لا يثور الفقراء ويهدموا كلّ ما كدّسه أصحاب رؤوس الأموال؛ لذا فإنّ بقايا المال الذي تقدمه منظومة الزكاة، هو محاكاة للنظام الرأسمالي، الذي استطال في مهاجمته عبر كتاب كامل.

فقاعة أعداء الإسلام
يستمر سيد قطب، عبر أكثر من نصف الكتاب، مسترسلاً في مقارنات بين النظام الإسلامي، والتي طرحها بثوب رأسمالي بعد شرعنته بالأحاديث والآيات القرآنية، ثم يحلّل أزمة الأمة الإسلامية باعتبارها قومية قائمة على الدين وحده، رغم تعدّد بقاعها واختلاف لغاتها، وثقافات شعوبها، وتباين مواردها، منحياً هذه الاختلافات جانباً، لاختزال الصراع الطبقي في العداء للإسلام، وهو الوهم المتوارث لدى تيار الإٍسلام السياسي، حتى وقتنا الراهن، موجهاً أصابع الاتهام نحو الشيوعيين العرب، بأنهم آمنوا بالشيوعية ليس حبّاً فيها، ولا إيماناً منهم بالعدالة الاجتماعية، وإنما عداءً للإسلام، ومكيدة من الكتلة الشرقية التي تآمرت على الحكومات الإسلامية الموجودة في بعض البقاع، وأخذت سلبياتها لتشوه حكم الشريعة في أهلها.

اقرأ أيضاً: "أشواك" سيد قطب.. هل تصنع المرأة متطرفاً؟
لم تنجُ طائفة اجتماعية في مصر من اتهامات قطب بالفجور والعداء للإسلام، ومطالبه باجتثاث كلّ من يختلف مع فكره، حتى رجال الدين، نعتهم بـ"المرتزقة"، والعمل لصالح الحكم الفاسد غير الإسلامي، ومنظمات المجتمع المدني التي وصفها بـ"المواخير المكتظة بالساقطين والساقطات"، مبشراً بالحكم الإسلامي الذي سيجتث تلك الجذور الفاسدة من منابعها، وأنّه سوف يطهّر أرض الإسلام من أذناب الفاجرين والفاجرات، مبرراً أنّ الخوف الذي يبديه الناس من حكم الإسلام لا يأتي سوى من الآثام والموبقات.
صيحات متعالية
يختتم قطب أطروحته بالاستنفار العام لجموع المصريين، مطالباً الجموع المتضررة من سياسات الرأسمالية، الرافضة لكفر الشيوعية، بالكشف عن نفسها، وتكوين كتلة ثالثة، إسلامية الهوية والهوى، معتزة بدينها، فالإسلام كما يرى، دين استعلاء، يمكن الجموع الملتفة حول لوائه من الوقوف نداً بندّ أمام القوى الخارجية، التي تتعامل مع الأمة الإسلامية معاملة التابع الذليل مستجدي النعمة، ويربأ الكاتب بأبناء الإسلام طلب الغيث من الأحزاب أو البرلمانات؛ فهي، من وجهة نظره، ليست سوى تكتلات تُصنع من قوى الرأسمالية، فالأحزاب والبرلمانيون ينفقون الأموال الطائلة، سعياً وراء ربح الانتخابات والتمكن من الكراسي، واقعاً في تناقض آخر، وهو أنّ تلك الأفعال انتهجتها جماعته، فأصبحت تروج لنفسها بالمال لربح الانتخابات البرلمانية والرئاسية، كتناقض إخواني آخر يبرز التضاد بين النظرية والتطبيق.

يربأ الكاتب بأبناء الإسلام طلب الغيث من الأحزاب أو البرلمانات باعتبارها ليست سوى تكتلات من صنع الرأسمالية

ولم تسلم الصحافة من اتهاماته أيضاً، بالفجور والزندقة، واصفاً الصحفيين بدعاة "الانحلال والتعري"؛ فالصحافة، كما يراها قطب، بشقيها؛ النظامي والمعارض، ليست سوى مفسدة جديدة، تكرس دعائم الحكم الرأسمالي من قبل النظام، أو تنتظر الخلاص الشيوعي على يد "بابا ستالين"، كما يلقّبه.
وترنو دعوات قطب الجماهيرية، بكل اتهاماتها، التي لم يسلم منها سوى أبناء جماعة الإخوان المسلمين، إلى اعتبار المجتمع كلّه، بلا استثناء، كافراً جاهلياً، يحتاج إلى تقويم، تضع خطته الجماعة، وتطبقه الجماهير الفقيرة المتعطشة للعدالة التي ستمهد الطريق أمام خلفاء الله تعالى على الأرض، كما يصف أبناء الجماعة في مقدمة الكتاب، من حكم الشعب بالشريعة، بعد أن يهدم كامل المؤسسات التي تقوم عليها الدول الحديثة، مستبدلاً إياها بالصوت الواحد، المرتدي لثوب الإسلام، على منهاج اجتماعي واقتصادي يعتنق مذهب حسن النوايا.

اقرأ المزيد...

الوسوم: