هاني نسيرة: الجماعة لم تستطع أن تتحمل حتى مراجعات بعض أفرادها

هاني نسيرة: الجماعة لم تستطع أن تتحمل حتى مراجعات بعض أفرادها
7848
عدد القراءات

2019-04-03

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الكاتب والخبير السياسي المصري، الدكتور هاني نسيرة إنّ إشكالية جماعات الإسلام السياسي تتمثل في النشأة الأولى لهذه الحركات، "التي لم يتوفر لها تأسيس رصين منذ تأسيسها، فضلاً عن سمات المراوغة التي تميزت بها منذ البدايات".
وأضاف في حواره مع "حفريات" أنّ داخلها صقوراً وحمائم، ومعتدلين ومتشددين، "ثم نرى التجربة تحرف بالمعتدلين في اتجاهات التطرف، ثم تحرف بخطاب الجماعة ككل نحو التطرف".

اقرأ أيضاً: دعاة أم قضاة؟ .. الإخوان المسلمون وجدل الذات والموضوع
مؤكداً أنّ كلّ الأطروحات الجدية والجديدة والمعتدلة كانت على هامش جماعة الإخوان المسلمين التي لم تستطع أن تتحمل حتى مراجعات بعض أفرادها لذا كثرت فيها الانشقاقات.
وشدد نسيرة أنّنا نحتاج إلى مراجعة مسار ومحاولة وضع ملامح، لـ"مستقبل تائه بلا معالم"، وأن نعطي مساحة لمعقولية الاحترام وحقّ الاختلاف وواجب الاعتراف وفقه التعددية، "وهذا لا يقع على عاتق الحكومات فقط؛ بل التيارات المدنية العربية"، بإعادة اكتشاف ما أسماه نهضة ثالثة عربية، نجيب عن أسئلة: كيف لا ننجح؟ ولماذا لم ننجح؟ وكيف ننجح مستقبلاً؟
وهم الاندماج

 

هناك من يرى أنّ انخراط تيارات الإسلام السياسي في المعترك السياسي كفيل بتغييرها وتقبلها تدريجياً لأفكار الدولة المدنية، ما رأيك بهذا الكلام؟
نحن أمام إشكالات النشأة الأولى لهذه الجماعات، التي لم يتوفر لها تأسيس رصين منذ تأسيسها، فضلاً عن سمات المراوغة التي تميزت بها منذ البدايات.
فجماعة الإخوان، التي لديها فقر نظري، ظلت تاريخياً مخلصة لأدبيات المؤسس، حسن البنا، الذي احتوى كلّ شيء، وشمل كلّ شيء، وهو المرجع الوحيد والأساس، والرئيس لكلّ شيء، وأيضاً سيد قطب بدرجة ما، وهو الذي يتم استدعاؤه الآن لدى جناح داخل الجماعة أكثر من المؤسس نفسه.

 

نحن أمام إشكالات النشأة الأولى لهذه الجماعات، التي لم يتوفر لها تأسيس رصين منذ تأسيسها

فهي لكونها جماعة دينية، وفي الوقت نفسه، جماعة سياسية، لن تتطور مع التاريخ، وهي تتصور السلطة مطيّة أو غنيمة، للتسلط دون مشروع متطور ومتكامل ومرن، ودون مساحة لاستيعاب النقد، وتقدير الاختلاف، كما حدث في تجربتهم في عام حكمهم لمصر.
هذا يؤدي إلى أنّهم يستلهمون، لاشعورياً، كلّ التناقضات الموجودة داخل جماعتهم، وكما كان عند حسن البنا نفسه، يؤكد على أنّ هدفه القضاء على الحزبية، في نفس الوقت يقبل التعاون مع الأحزاب، وتحديداً الأحزاب القريبة من السلطة، وفي الوقت نفسه الذي يقولون فيه إنّنا لا نكفّر، كان لديهم أفراد يكفّرون، وأحياناً تكفيريون عينياً، أو أفراد يستحلون الدماء كما كانت عمليات التنظيم الخاص في الأربعينيات.
إشكالية هذه الجماعة، أنّها تصورت أنّ الاتساع يحتوي ويجمع لها قواعد عريضة، لكنّ هذا الاتساع ذاته خلق التناقضات داخلها أيضاً.
نرى هناك داخلها صقوراً وحمائم، ومعتدلين ومتشددين، ثم نرى التجربة تحرف بالمعتدلين في اتجاهات التطرف، ثم تحرف بخطاب الجماعة ككل نحو التطرف، وبدأنا نسمع منهم عن الطائفة الممتنعة، ودفع الصائل، والولاء والبراء.

اقرأ أيضاً: "يثرب الجديدة": الإخوان المسلمون بين منعطفين
ثم إنّ هذه الجماعة لا تفكر في موقفها من عمليات العنف، ولا تفكر في أن العنف عنف، هي تفكر في كيفية الاستفادة من هذه العمليات في نقد النظام، في تبرير العنف نفسه، في عدم تحميل جماعات العنف المسؤولية، كأنّها تحوّر وتوظف كل شيء لغاياتها هي فقط وأيديولوجيتها بلا مرونة.
هذه المرونة تتضح في عدم قدرة هذه الجماعة على الاعتذار؛ فهي لا تستفيد من دروس التاريخ، وقد قالها حسن الهضيبي، العام 1954: "الإخوان لا يعتذرون"، وحتى هذه اللحظة يعاني معهم المجتمع العربي والمسلم، هذه الروح الاستعلائية.
كما أنّ تلك الجماعة ليست لديها قدرة على المراجعة، لأنّ المراجعة أيضاً تحتاج مرونة فكرية، وهذه الصفة معدومة لدى هذه الجماعة.
قيادات جماعة الإخوان قيادات تنظيمية وليست فكرية، فقياداتهم تنظم نفسها من أجل غاية مع فقر نظري، كما أنّ كلّ مرشدي الإخوان ليست لهم علاقة بالعلم الشرعي.

أحقية الرفض

 

طالما أنّ جماعة الإخوان ليست لديها خاصية المراجعة، ألا ترى أنّ الدولة والمجتمع من حقهم رفض عودتها مستقبلاً في الحياة السياسية؟
أنا لا أحبّ المصادرة على التاريخ؛ فالتاريخ يظل دوماً مضماراً مفتوحاً، قد تكون هناك مراجعات، ومدونات مراجعات، لكن قد تكون هناك مراجعات على المراجعات، ولدينا الحالة الليبية نموذجاً.

 

الإخوان يستلهمون لاشعورياً كلّ التناقضات الموجودة داخل جماعتهم

قد تكون هناك مراجعات صادقة، ويتم فيها تطوير الاتجاه السياسي، وهذا حدث في التجربة المغربية؛ فهي بدأت عنيفة وانتهت سياسية، وهناك تطورات مهمة حدثت في مسار النهضة، من الاتجاه الإسلامي للنهضة، ثم تجربة الحكم، ثم الانسحاب، ...إلخ.
إشكالية جماعة الإخوان الأم في مصر؛ أنّ من يقودها دوماً هم الصقور المحافظون، كما أنها تتبني الغاية التي تبرر الوسيلة، فالوسيلة قد تتنوع لكن الغاية واحدة.
وهذه الجماعة لم تستطع أن تتحمل حتى مراجعات بعض أفرادها، ولذا كثرت فيها الانشقاقات بشكل لافت، هي لا تتحمل النقد؛ لأنّ القيادة في الغالب محافظة وتقليدية وعنيفة على المستوى الرمزي أو الخطابي.
أما عن موقف الدولة من قبول مراجعاتها من عدمه، فتظل مسألة مفتوحة، تعود إلى الدولة ذاتها، وتقديراتها الأمنية والسياسية والإستراتيجية.

اقرأ أيضاً: الإشاعات.. هل هي وسيلة الإخوان للتقرب إلى الله تعالى؟
أما عن الجماعة الإسلامية في مصر؛ فقد قام التيار الأعرض فيها بمراجعات حقيقية، لكن بعض أصحاب هذه المراجعات، ومن وقعوا عليها، تراجعوا عن مراجعاتهم، كذلك يمكن التحدث عن عناصر في تنظيمات الجهاد.
وقبولنا لتلك المراجعات من عدمه أيضاً متروك للحظة نفسها، ولآفاقها، فكثيرون قد يتعلمون الدرس وقد لا يتعلمون، هذه مسألة مفتوحة، لكن حسمي هنا أعتقد أنه لن يكون علمياً، والمصادرة على قرار ما في لحظة تاريخية لم نرها بعد، هي مصادرة وسبق، وكلمة "لا بدّ"، هذه ستكون كلمة خطابية تشبه كلمات الإخوان أنفسهم، الذين لا يستطيعون المراجعة ولا المرونة وفعلها في التاريخ.
لكن، لا شكّ، في أنّ الوعي التاريخي مطلوب للجميع، للإخوان وخصومهم في ذات الوقت، فنحن مطالبون أن نكون واعين باللحظة، ونتمرن في التاريخ ونتدرب فيه.

مراجعات جبرية

 

ماذا بالنسبة إلى نجاح تجربة الدولة المصرية مع الجماعة الإسلامية، عندما تمكنت من تحجيمها والأخذ بيديها لمآلات المراجعة؟
تجربة الجماعة الإسلامية لا يمكن إهمالها؛ فقد كانت أكبر جماعة جهادية مسلحة عرفتها مصر، وربما الشرق الأوسط، كجماعة عنيفة مسلحة.
الآن، ثمة أصوات كثيرة تراهن على مراجعات الإخوان، سواء داخل السجون، أو في المهجر، نتيجة سقوط الوعود.

 

مشكلة الجماعة عدم القدرة على الاعتذار فهي لا تستفيد من دروس التاريخ

كثير من الأيديولوجيات تغيرت وتطورت مع سقوط الوعود، فالتجرية أثبتت أن فشل الوعود التي كانت تحملها التجربة، يؤدي إلى تحولات ضخمة في الأيديولوجيا والمشروع، وهذا حدث طوال التجربة العربية في الخمسينيات والستينيات، فالناصريون، اليوم، ليسوا هم الناصريين بالأمس، الذين كانوا يؤمنون بالوحدة الاندماجية، فلم يحرروا فلسطين ولم يقيموا الدولة الوحدوية.
فعندما تسقط الوعود تحاكم التجربة، والمحاكمة هي المراجعة، فهذا وارد، لا شكّ، حتى على مستوى الأفراد، وهذا ما يبرز في السياق المصري والفضاء العربي.
فإذا كان ثمة رهان من جانب الدولة المصرية على تكرار التجربة نفسها، شريطة أن تكون بالكفاءات نفسها، والمقدرة الفكرية نفسها، التي كانت لدي شخصية أمنية، مثل اللواء رأفت، الذي قاد عملية المراجعات في الجماعة الإسلامية، أعتقد أن هذا سيكون شيئاً مهماً وإيجابياً.
ونحن أيضاً لدينا رهان، يدفع إلى ذلك، وهي الأزمات الداخلية التي تضرب جماعة الإخوان، والخلافات الحادة على مستوى التنظيم، وعلى مستوى الرؤية، والصراع الجيلي بين الشباب والقيادات وبين الشباب وبعضهم البعض.

اقرأ أيضاً: ما مصير الإخوان الذين احتجزتهم تركيا لترحيلهم إلى مصر؟
هناك أشياء كثيرة يمكن توظيفها في الرهان على إنهاء الشكل التقليدي لجماعة توفيقية وبراجماتية، قد تميل إلى العنف العملي وتبرره وتمارس العنف النظري والمعنوي، وتتخلى عن قداسة ذاتها، وربما نتكلم عن جماعة غير جماعة المسلمين يوماً ما، في رأيي؛ إنّها جماعة تحتضر، ولم يعد لديها من شرايين الحياة الكثيرة، الوعود التي حملتها التجربة سقطت، التجرية أخسرتها كثير من التعاطف والقبول.

انتهاء عصر المظلوميات

 

 

لكن هذه الجماعة ماتزال تراهن على المظلومية للدفع بالدماء مجدداً في شرايينها، دون أن تضطر للاعتذار والمراجعة؟
لم تعد مقولة المظلومية التي تتعلق بها الجماعة، وترتفع بها وتركب سلمها بنفس القبول السابق، نحن أمامنا فرصة كبيرة، وأيضاً أمام جماعة الإخوان المسلمين مسؤولية في أن تضع نفسها أمام المرآة، حتى لو كانت ترفض كثيراً من الواقع، فهي مسؤولة عن جزء كبير من صناعته، آن الأوان أن تتخلى هذه الجماعة عن تقديس ذاتها ورؤاها، وعن صلابة نظرها وفعلها، للتحرك في التاريخ.

إشكالية جماعة الإخوان الأم في مصر أنّ من يقودها دوماً هم الصقور المحافظون

كم من جماعات في التاريخ طال عمرها قروناً أكثر من الإخوان وانتهت، فالخوارج لم يبق منهم سوى معتدليهم، ودورات حياة الجماعات قد تمتد قروناً وتتنهي، فمن يسمع الآن عن الحشاشين التي ظلت قرناً ونصف القرن، من يسمع الآن عن النجدات أو الأزارقة.
هل مراجعة تلك الجماعات لأفكارها يأتي لأنّ الأفكار باتت عرضة للتغيير فعلاً، أم أنّ تكسّر الأهداف على صخرة الواقع، هو الذي يدفعها لذلك؟
جماعة الإخوان، بما أنها الجماعة الأم الأطول نفساً وتاريخاً في جماعات الإسلام السياسي والجهادي، تعاني من الإشكال البنيوي نفسه الذي عانت منه الجماعات التي انقرضت واندثرت وتراجعت، ألا وهو هشاشة التأسيس.
البنّا كان خطيباً صاحب شعار، لم يأتِ بأيّة مقولة فكرية جديدة، وكلّ ما أتى به في رسالة التعاليم هو منقول عن مقولات رشيد رضا، وكثير مما قاله كان ينقله ويقتطفه، من مصادر متنوعة.
الرجل كان مؤمناً بنظرية التلقي: كيف يجمع العوام حوله، كيف يحدث ما يحدثه شيخ الطريقة الحصافية في جماهيرية، فهذه الجماعة متى يمكن الانشقاق عليها؟
لاحظنا أنّ أوّل انشقاق عقلي وفكري في الإخوان كان مبكراً، وكان بعد أزمة العام 1954، وهذا الانشقاق تزعمه عقلاء الجماعة وكبار نجومها، من أحمد حسن الباقوري وسيد سابق ومحمد الغزالي، ومع الوقت؛ فإنّ العقلاء دائماً يغادرون الانغلاق.

الواقع أم الأفكار؟

 

لو تحدثنا عن الجماعة الإسلامية كنموذج؛ هل ترى أنّ الواقع هو الذي كسرها وليس الإيمان بخطأ الأفكار؟
ليس الواقع وحده، بل الأفكار أيضاً، وأنا أوجه التحية لقيادات الجماعة الإسلامية في أنها بدأت مراجعة هذه المراجعات، ويروى أنّ الشيخ كرم زهدي قال: لو علّمنا رجلاً الفاتحة لكان خيراً لنا، لقد كانت هذه الجماعة على قدر من المسؤولية، حين قبلت الحوار، وراجعت نفسها، وخطأت نفسها، واعتذرت عن أخطائها.

 

كلّ الأطروحات الجدية والجديدة والمعتدلة كانت على هامش جماعة الإخوان المسلمين

أما قيادات الإخوان فهم، للأسف، حتى الآن، ليسوا بهذا المستوى من الشجاعة؛ لقد تصلّبوا عند مقولة العزل، وعند مقولة المظلومية، وحاولوا أن يحيوا بها تعاطفاً جديداً لم يأتهم رغم أنّ هذا في التراث السياسي الإسلامي وارد جداً، فلقد عزل نحو 37 خليفة أموي وعباسي ولم تتحرك الأمة، رغم وجود مبررات منطقية لفكرة التمرد والخروج آنذاك.
الإخوان، للأسف، ليست لديهم الشجاعة التي كانت للجماعة الإسلامية، وهم سيظلون يراهنون على الشعار، هذه أزمتهم الكبرى.
أزمة هذه الجماعة أنّها أسيرة الشعار، وهذا ما يناسب التنظيم والقيادات المحافظة على رأس الهرم.
حتى كلّ الأطروحات الجدية والجديدة والمعتدلة كانت على هامش جماعة الإخوان، وليست من داخلها إلا فيما ندر، وظلت الجماعة تطرد كلّ المحاولات لعقلنتها.
في رأيي؛ إنّ قيادات الجماعة الإسلامية كانت أكثر شجاعة من جماعة الإخوان، وما تزال، ولذلك فعندما يتحدث أحد عن خيرت الشاطر، وهو رجل سجين الآن، لا أحبّ أن أتحدث عنه بسوء، لكن أنا أتحدث من زاوية فكرية وموضوعية، هو كان قيادياً تنظيمياً وليس فكرياً، وحين رأيناه يتكلم لم نجده يتكلم إلا بلغة قائد التنظيم المغترّ بأتباعه، لا المفكر الذي يدرك أبعاد الأمور، ولا الفقيه الذي يدرك أنّ الفتوى هي معرفة الواجب في الوقت، هذه الجماعة لديها مشكلة؛ أنّها أسيرة الشعار من بدايتها إلى نهايتها.

اقرأ أيضاً: تونسيون يطردون قادة حركة النهضة الإخوانية.. فيديو
الإخوان يتخيلون أنهم لو تخلوا عن شعارهم، مثل عودة الشرعية، أنهم سينتهون، هم أسرى كلمة قد لا تكون صحيحة، لكن لا يستطيعون أن يقفزوا القفزة التي صنعها صديقهم أردوغان في تركيا، ولا القفزة التي صنعتها الإسلامية المغربية، أو الجماعة المصرية.
المرجعيات الحقيقية لا تكون إلا فكرية تأسيسية تراجع البنية والوسيلة والغاية والأداء والتجربة.

المخرج من الأزمة

 

نعود إلى سؤال الانحطاط والنهوض؛ ما المخرج من أزماتنا الراهنة؟
يظل الطلب على المشروع النهضوي العربي، العرب ليسوا فقط الجماعات المتطرفة، نحتاج إلى مراجعة مسار ومحاولة وضع ملامح، لمستقبل تائه بلا معالم، وإعادة التمكين لكلّ ما رأيناه حلاً؛ معقولية الاختلاف، معقولية التنوع، دمقرطة الإنسان قبل المكان، كما كان يقول الشيخ زايد، رحمه الله، وهذه من أهم العوامل التي تصدّ العنف والتطرف والميل إليهما، مهم أنّ نشعر كلّ مواطن عربي بمسؤولية حضارية، أن نعطي مساحة لمعقولية الاحترام وحقّ الاختلاف وواجب الاعتراف وفقه التعددية، وهو في نفس الوقت ما نطلبه من المتطرفين، حين ندعوهم إلى التوبة أو المراجعة، أو ندخل معهم في حوار للمناصحة، وهذا لا يقع على عاتق الحكومات فقط؛ بل التيارات المدنية العربية، إعادة اكتشاف ناهضة ثالثة عربية، نحن نحتاج في الربع الأول من القرن الواحد والعشرين إلى طرح سؤال النهضة الثالثة: كيف لا ننجح؟ ولماذا لم ننجح؟ وكيف ننجح مستقبلاً؟

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



محمد عادل زكي: من السذاجة إعادة أزماتنا الحالية لأسباب آنية

2019-12-11

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال الباحث في الاقتصاد السياسي، محمد عادل زكي، إنّه من السطحية إعادة أسباب الاحتجاجات العربية الأخيرة إلى أزمات آنية بحتة، بمعزل عن طبيعتها الهيكلية وكيفية تكونها على الصعيد الاجتماعي عبر حركة التاريخ.

اقرأ أيضاً: اقتصاد الأزمة في لبنان
وأضاف الخبير المصري، في حواره مع "حفريات"، أنّنا ما زلنا نتجنب الإجابة عن سؤال أولي "لماذا، بعد أن خرج الاستعمار الَّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف، لم تزل بلدان العالم العربي متخلّفة؟"، موضحاً أنّه لن يمسي مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي بدون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلف نفسه، "ابتداءً من إعادة النظر في التراكم المعرفي في حقل نظرية التخلف ذاتها".

ليس مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي بدون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلّف نفسه

وأكد، صاحب كتاب " الاقتصاد السياسي للتخلّف"، أنّ أزمة العرب الراهنة ليست ابنة اليوم، وإنما هي نتيجة الإدماج في منظومة الرأسمال كأحد الأجزاء المستعمرة، ثم التابعة، ثم المتخلفة، والتي سلبت، تاريخياً، الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجها، وذهب إلى أنّ المجتمعات العربية حتى تجاوز التخلف يجب أن تؤمن بأنّه لا يرجع إلى اندماجها، بالقدر الكافي، في منظومة الرأسمال العالمي، كما تروج النظرية الرسمية، إنما هو نتيجة لهذا الإدماج.
وشدّد زكي على أنّه "لا يمكن الخروج من تلك الحلقة الجهنمية إلا بحركة تصنيع شاملة تهدف إلى السيطرة على شروط تجديد الإنتاج الاجتماعي، للوصول إلى تنمية مستقلة معتمدة على الذات".
يذكر أنّ محمد عادل زكي من مواليد الإسكندرية العام 1972، وله عدة كتب منشورة في مجال الاقتصاد السياسي مثل: نقد الاقتصاد السياسي، والتبعية مقياس التخلّف، ومبادئ الاقتصاد السياسي (مجلدان)، إضافة إلى العديد من الأبحاث المنشورة في دوريات علمية محكّمة باللغات العربية والفرنسية والإنجليزية

تجاوز التخلف

كتاب " الاقتصاد السياسي للتخلّف"
ما هي الأسباب الاقتصادية الكامنة وراء اندلاع الموجة الثانية من ثورات الربيع العربي في لبنان والعراق والسودان؟

الإجابة الجاهزة والسهلة، والسطحية، ولذا فهي السائدة بطبيعة الحال، هي التي ترجع الموجة المذكورة، وهي بالمناسبة ليست سوى موجة احتجاجية لم ترقَ بعد إلى فكرة الثورة، إلى أزمات آنية بحتة، كارتفاع معدلات البطالة واستشراء التضخم وتراجع الدور الاجتماعي للدولة تاركة الجماهير الغفيرة في مواجهة سافرة مع قوى الرأسمال الدولي وحمى الأرباح.

اقرأ أيضاً: كيف تحاول الإمارات تطوير القدرات السيادية في الأمن والاقتصاد؟
هذه الإجابة، الجاهزة، تستقي سطحيتها من عدم إثارتها التساؤل، الناقد، حول الطبيعة الهيكلية للأزمات الآنية، وكيفية تكونها على الصعيد الاجتماعي عبر حركة التاريخ الملحمية.
وهذا يدفعنا للحديث عن الطبيعة الهيكلية لتلك الأزمات فما هي أسبابها وكيف تؤثر على اقتصاديات تلك الدول؟
الإجابة عن هذه الأسئلة تفترض سبق الإجابة عن سؤال أولي، وغالباً ما لا تتم الإجابة عنه، وهو: لماذا، بعد أن خرج الاستعمار الَّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف، لم تزل بلدان العالم العربي متخلّفة؟

الخبراء الدوليون أثناء مفاوضات قروض العالم الثالث يستخدمون قوانين اقتصادية مبهمة ونماذج بيانية غامضة

هذا السؤال من المعتاد تجاهله من قبل النظرية الرسمية، والانتقال الكوميدي إلى: كيف نخرج من التخلّف بالتكامل؟ وحينئذ نرى سيلاً من الآراء والمقترحات (المدرسية/ الرسمية) الَّتي لا تعرف ما الَّذي تبحث عنه بالتحديد؛ وذلك أيضاً أمر منطقي؛ حينما لا تعرف هذه المقترحات ماهية التخلّف ذاته! على الرغم من أنّ الحديث عن التكامل الاقتصادي يكون عديم المعنى والفائدة معاً إذا لم يقترن بالبحث الموازي في ظاهرة التخلّف الاقتصادي والاجتماعي في بلدان العالم العربي، بوصفها أحد الأجزاء المتخلفة (وغير المتجانسة) من النظام الرأسمالي العالمي المعاصر، من جهة درس ماهية ظاهرة التخلّف ومحدداتها وكيفية تجاوزها التاريخي.
أي؛ لن يمسي مقنعاً الحديث عن تكامل اقتصادي عربي بدون الحديث عن كيفية هيكلية لتجاوز التخلف نفسه، وإنما ابتداءً من إعادة النظر في التراكم المعرفي في حقل نظرية التخلف ذاتها.
وبناءً عليه؛ فإنّ الأزمة ليست ابنة اليوم، وإنما هي نتيجة الإدماج في منظومة الرأسمال كأحد الأجزاء المستعمرة، ثم التابعة، ثم المتخلفة، والتي سلبت، تاريخياً، الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجها.

اقرأ أيضاً: التمدّد التركي في العراق.. هل يقف عند حدود الاقتصاد؟
وكي يمكن تجاوز التخلف يجب أن تؤمن المجتمعات العربية بأنّ تخلفها لا يرجع إلى اندماجها، بالقدر الكافي، في منظومة الرأسمال العالمي، كما تروج النظرية الرسمية، إنما هو نتيجة لهذا الإدماج؛ وبالتالي لا يمكن الخروج من تلك الحلقة الجهنمية إلا بحركة تصنيع شاملة تهدف إلى السيطرة على شروط تجديد الإنتاج الاجتماعي، مع إقامة التناغم والتوزان بين قطاعات الهيكل الاقتصادي، من أجل تنمية مستقلة معتمدة على الذات.

فخ المديونية الدولية

كيف ترى مدى مسؤولية الخبراء العاملين بالمؤسسات الاقتصادية عن تردي أوضاع تلك الاقتصاديات؟
من المعروف أنّ جل بلدان عالمنا وقعت في فخ المديونية الدولية بالتزامن مع اندماجها الأهوج في منظومة الرأسمال الدولي، مساهمة بذلك بحال أو بآخر في إنعاش الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة التي كانت تعاني، ولم تزل في الواقع، من أزمات دورية حادة.

تخلّف مجتمعاتنا لا يرجع إلى عدم اندماجها بالقدر الكافي بمنظومة الرأسمال العالمي بل نتيجة لهذا الإدماج

الوقوع على هذا النحو في فخ المديونية فتح الباب على مصراعيه أمام خبراء الصندوق والبنك الدوليين، وهؤلاء الخبراء يتبنون نظرية تؤمن بالدور الخالق لقوى السوق وترفض تماماً أي دور للدولة في النشاط الاقتصادي.
ومن المعروف كذلك أنّ هؤلاء الخبراء أثناء مفاوضات القروض أو إعادة جدولتها، والتي تتم مع رجال الحكومة، إنما يستخدمون القوانين الاقتصادية المبهمة، والنماذج البيانية الغامضة، والدوال الرياضية المعقدة (وفقاً لأفكار الحديين والنقديين) وهو ما لا يفهمه الكثير من رجال الحكومة، على الأقل الحرس القديم، أما الجيل الجديد من رجال الحكومة فقد تربوا على هذه النظريات التي تجرعوها في جامعات الولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة بعد أن انتقل إليها مركز الثقل الثقافي عقب تهميش أوروبا واختراقها ثقافياً.
وبالتالي؛ فليس متوقعاً، على أقل تقدير فكرياً، من رجال النظام السياسي تقديم أي حلول لأزمات أوطانهم خارج مقترحات أفكار النظرية التي يتبناها صندوق النقد والبنك الدوليين!
الخروج من التبعية

هل تعتقد أنّ ابتلاء العالم الثالث بالتغرب، كما وصفه المفكر جلال آل أحمد، قد أثر سلباً على أداء النخب الاقتصادية المؤثرة؟
أخذاً في الاعتبار الظروف التاريخية التي قادت إلى تشكيل وعي جلال، والقوى الاجتماعية التي كانت متصدرة المشهد السياسي في منتصف الخمسينيات من القرن الماضي، وهي الفترة التي كتب فيها جلال كتابه "وباء الغرب"، فإنّ مذهبه في هذا الشأن لا يختلف عن مذهب ناقدي المركزية الأوروبية، بل يمكن اعتباره من الرعيل الأول الذي تنبه إلى ضرورة نقد، بل ورفض، التبعية الثقافية، بكل ما تحمله كلمة ثقافة من معني.

اقرأ أيضاً: نصرالله: الاقتصادي السيئ
ولا شك في أنّ سيادة الثقافة الغربية، الأمريكية بوجه خاص، وهيمنة النظرية الاقتصادية الرسمية، الخادم الأمين للنظام السياسي، في المعاهد والجامعات قد أدّيا دوراً حاسماً في سبيل إعدام أي محاولة في سبيل التنمية المستقلة المعتمدة على الذات.
كيف ترى أثر تلك التبعية على تنمية بلدان العالم العربي؟ وكيف أسهمت بتردي أوضاع الاقتصادات الوطنية؟
إنّ التبعية، كما أفترضها، هي أن يفقد المجتمع الاستقلالية الاقتصادية؛ يفقد القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي. والمجتمع يفقد الاستقلالية الاقتصادية حينما تتسرب القيمة الزائدة المنتجة داخله، بفضل عرق المنتجين، صوب الأجزاء المتقدمة. وبالتالي يفقد المجتمع القدرة على السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجه الاجتماعي حينما يمسي عاجزاً عن الإنتاج دون أن يعتمد على السوق الرأسمالية العالمية الَّتي تحتكر إنتاج وسائل الإنتاج الَّتي يعتمد عليها المجتمع المتخلف، التابع، في سبيله إلى تجديد إنتاجه السنوي، بل وفي سبيله إلى تحقيق وجوده الإنساني اليومي.

مازلنا نتجاهل الإجابة عن سؤال التخلّف بعد خروج الاستعمار الّذي شوَّه الهيكل الاقتصادي وسبب التخلّف

الأمر الَّذي يجعلنا نسأل سؤالاً واحداً، ومحدداً، هو: ما مقدار اعتمادنا، نحن أبناء الأجزاء المتخلفة، على الرأسمالية العالمية في سبيلنا إلى تجديد إنتاجنا الاجتماعي السنوي، وتحقيق وجودنا الإنساني والاجتماعي اليومي؟ هذا السؤال هو ما اعتبره "سؤال التبعية". وهو السؤال الَّذي لا يمكن، في تصوري، مناقشته إلا ابتداءً من تصور هيكلي.
أما البحث في مفردات الاقتصاد القومي ككل، وفقاً لنظريات البنك الدولي، والمؤسسة التعليمية الرسمية، فنحن في الواقع لا ننكره ولا نرى مبرراً لإهدار نتائجه، وإنما لا نتجاوز به حدوده الَّتي لا ينبغي له أن يتعداها كبحث ينتهج التصورات الحدية ولا يرى الاقتصاد القومي إلا من خلال معدَّلات التضخم، وبيانات البطالة والفقر، ونسب الجوعى والمرضى، وإحصاءات الدخل... إلخ، لأن هذه الدراسات على هذا النحو تنشغل بعمل أبحاث، إنما حدّية/ آنية، في المشكلات الآنية للاقتصاد المعني دون أن تثير الكيفية التاريخية الَّتي شكلت هذا الـ"آن" الَّذي تبحثه!

ما السبيل إذن للخروج من ذلك النفق المظلم الذي دخل فيه العالم العربي؟
أزمة عالمنا العربي، هي أنّه يعاني من تخلف مزمن، هذه الحالة المرضية المزمنة لا يمكن البرء منها إلا من خلال العمل وبكل قوة من أجل السيطرة على الشروط الموضوعية لتجديد إنتاجنا الاجتماعي. وبدون تلك السيطرة سنظل دوماً خاضعين لشروط وقرارات مجحفة تملى علينا وعلى أجيال لم تأت بعد ونتحمل أمامها المسؤولية التاريخية كاملة.

للمشاركة:

عبد القادر الطائيّ: العرب لا يفهمون طبيعة السياسة الأمريكيّة

2019-12-05

أجرى الحوار: خالد بشير


يرى أستاذ العلاقات الدوليّة في جامعة الشرق الأوسط بعمّان، الدكتور عبد القادر الطائيّ؛ أنّ العرب لا يفهمون طبيعة السياسة الأمريكيّة، وأنّ الاهتمام الأمريكيّ تجاه منطقة أو إقليم ما قائم بالأساس على حسابات المصالح، وفي هذا الحوار مع "حفريات" يقدّم الطائيّ تحليلاً للأسس التي تقوم عليها الحسابات الأمريكيّة تجاه منطقة الشرق الأوسط، وعلى أيّ أساس ينشأ ويزداد أو يتراجع اهتمامها بها.

اقرأ أيضاً: ما حلمت به أوروبا من تخريب المعنى يتحقق في أمريكا
حسابات المصالح في المنظور الواقعي الأمريكي تأتي قبل كلّ شيء، هذا ما يوضحه الطائيّ، وفيه يعيد مساءلة وتقييم مقولة الانسحاب والانكفاء الأمريكي من المنطقة، ويشير إلى جوانب أخرى من طبيعة العلاقة الإيرانية الأمريكية لا تظهر عادةً على سطح العلاقة التي يطغى عليها في الفترة الحالية التوتر، ويلفت إلى بعض أسسها والحسابات التي تقوم عليه، مع وقفة على الأسس التي تنطلق منها السياسات الإيرانية والتركية تجاه المنطقة. ويبين الطائيّ أهم العوائق التي تحول دون تحقيق التقارب والتكامل على المستوى العربي. إنه حوار حول تقاطعات السلاح والنفط والاقتصاد في المخططات الإستراتيجيّة إزاء المنطقة.

يذكر أنّ الطائيّ متخصص في العلاقات الدوليّة والإستراتيجية والسياسة الخارجيّة، وله عدة كتب في هذه الاختصاصات، منها: "النظريات الجزئيّة والكليّة في العلاقات الدولية"، و"المدخل إلى دراسة الإستراتيجية"، و"الفكر السياسي والإستراتيجي للولايات المتحدة الأمريكيّة".
هنا نص الحوار:
هل يمكن الحديث عن تراجع وانسحاب وانكفاء أمريكي في المنطقة، مقابل الحديث عن تمدّد صيني اقتصادي، وحضور روسي عسكريّ متزايد؟ وإلى أيّ مدى هذا القول علمي وواقعي أم أنّه مجرد تعبير عن رغبات؟

بدايةً لا بدّ من التطرق إلى سياق دخول الولايات المتحدة الأمريكية وامتداد نفوذها إلى المنطقة، وهنا نشير إلى أنّ دخولها جاء في فترة متأخرة نسبيّاً، إذا ما قارنا ذلك بقوى مثل بريطانيا وفرنسا؛ فبريطانيا مثلاً كانت حاضرة في منطقة الخليج العربي منذ مطلع القرن السابع عشر الميلادي، خلافاً للدخول الأمريكي الذي تأخر إلى القرن العشرين، ودخول الولايات المتحدة الأمريكية لم يكن بالمعنى الاستعماري المتعارف عليه، إنّما كان بالمعنى المصلحيّ النفعيّ، وذلك بالتحديد بعد اكتشاف النفط وازدياد أهميته.

الولايات المتحدة لم تنسحب من المنطقة بمعنى الكلمة، إنما كان هناك انتباه جديد إلى مصالح أخرى أكثر أهميّة

في مرحلة الثلاثينيات؛ دخلت أمريكا في صراع مع بريطانيا، ومن الحجج التي كانت تسوقها هو أنّ بريطانيا كانت تملك حصة كبيرة من نفط الخليج فأين حصّة أمريكا من هذا النفط؟ وبعد دخولها، انحصر النفوذ الأمريكي في السعودية، بينما كانت دول الخليج الأخرى تحت النفوذ البريطانيّ، وهنا نلاحظ أنّ تنامي الدور الأمريكي في منطقة الخليج العربيّ لم يبرز إلّا بعد خروج بريطانيا من الخليج عام 1969.
ازداد الاهتمام العالمي بالنفط في مرحلة السبعينيات، بسبب أسعاره الرخيصة آنذاك، وفي تلك المرحلة تضاعفت أهمية منطقة الخليج العربي، حيث إنّ اعتماد أوروبا على النفط القادم من الخليج العربية كان يقدر بنسبة 65%، فيما وصلت نسبة اعتماد اليابان عليه إلى نحو 80%، وهنا جاء العام المفصليّ، عام 1973م، مع وقوع حرب تشرين لأول (أكتوبر)، وقرار "الأوابك" (منظمة الدول العربية المنتجة للنفط) توظيف سلاح النفط في مواجهة الولايات المتحدة الأمريكية وأوروبا بغرض دفعها باتجاه الضغط على "إسرائيل" للانسحاب من الأراضي المحتلّة عام 1967، وتطبيق القرار "242"، كما جاء في العام ذاته قرار تأميم النفط العراقي، باعتبار أنّ النفط يمثّل ثروة وطنيّة وقوميّة يمكن توظيفها كسلاح في المعركة لخدمة القضايا القوميّة.

اقرأ أيضاً: "البغدادي"... فكرة تدرك أمريكا أنّها لم تمت
كلّ ذلك ضاعف من الاهتمام الدوليّ، الأمريكيّ خاصّة، بمنطقة الخليج العربي، ولفت انتباههم إلى ظهور العامل النفطيّ، إذا ما استثمر من قبل العرب، وهنا أذكر مقالة لكيسنجر، نشرت عام 1975 في مجلة "نيويورك تايمز"، قال فيها ما معناه ينبغي على دول الغرب ألا تسمح بتكرار تجربة العام 1973، وألا يسمحوا للعرب بأن يمسكوا بعنق الغرب الصناعي؛ ويقصد بذلك ألا يسمحوا للعرب باستخدام نفطهم ضدّ الغرب الصناعيّ.

الإعلان عن عدم توفر الوقود "الولايات المتحدة".. إثر القرار العربي بحظر تصدير النفط عام 1973

إذاً، هل يمكن القول إنّ الاهتمام الأمريكي بالمنطقة كان منحصراً بمسألة النفط؟
بالتأكيد لم يكن منحصراً بالنفط، وإن كان النفط يأتي في مقدمة العناصر؛ جانب أساسي من الاهتمام كان متعلقاً بالبعد الإستراتيجي؛ حيث إنّ حضور النفوذ الأمريكي كان ضرورياً لمواجهة الاتحاد السوفييتي، في إطار الصراع الأيديولوجي العالمي بين القطبين، الذي برز على السطح بعد الحرب العالمية الثانية؛ إيران مثلاً كانت تعدّ دولة تماسّ مع الاتحاد السوفييتي، وكان الاتحاد السوفييتي ينظر لها باعتبارها المعبر والمنفذ المحتمل إلى الخليج العربي، وكان من غير الممكن للولايات المتحدة أن تفرط بعلاقاتها الإستراتيجيّة معها.

اقرأ أيضاً: إيران تحتجّ على تدخلات أمريكا بشأن الاحتجاجات
وقد حاول السوفييت استغلال صعود التطلعات القوميّة والاستقلاليّة في المنطقة، وإقامة العلاقات معها لتكون جسراً لنفوذهم، في المقابل كانت الإستراتيجية الأمريكيّة في المنطقة آنذاك ترتكز على ما أسمته "العمودين"، وكان يطلق عليها اسم "إستراتيجيّة العمودين"، ومضمونها التحالف الإستراتيجي مع السعودية وإيران.

القوة العسكرية أصبحت عامل هيبة أكثر مما هي أداة من أدوات التغيير والفعل في السياسة الخارجية

ومع دخول عقد السبعينيات حسمت مسألة صراع النفوذ في المنطقة ضمناً، وأصبحت واحدة من المناطق غير القابلة لتمدّد الاتحاد السوفييتي فيها، وهنا جاء مبدأ الرئيس الأمريكي، جيمي كارتر، إثر التدخل السوفييتي في أفغانستان عام 1979، والذي أشار بشكل واضح إلى أنّ منطقة الخليج العربي خطّ أحمر، وإذا تدخلت أيّة قوة فإنّ الولايات المتحدة ستستخدم كلّ ما لديها من قوة للمواجهة.
ما أُريد قوله هو أنّ الإستراتيجيّة الأمريكيّة تنظر إلى منطقة الخليج العربي من منظورين؛ الأول النفط، والثاني الالتزام بمبدأ حماية الحلفاء، ولكن لكلّ منهما مقتضياته التي تحتّم على الولايات المتحدة التدخّل بالقوّة لحماية مصالحها ومصالح حلفائها، إن اقتضت الضرورة، وأركّز هنا على كلمة "إن اقتضت الضرورة".

جون كينيدي وزوجته في استقبال الشاه محمد رضا وزوجته عام 1962

بالحديث عن العلاقة الأمريكية مع إيران؛ إلى أيّ حدّ اختلفت العلاقة بعد ثورة 1979؟ وهل انتقلت إلى مرحلة القطيعة؟
لا أوافق على توصيف العلاقة بينهما بـ "القطيعة"؛ إذا نظرنا إلى مرحلة الحرب العراقية الإيرانية، خلال الثمانينيات، نجد أنّ الولايات المتحدة الأمريكية كانت تنتظر من الذي سيخرج منتصراً من الحرب، ولم تبدِ انحيازاً لأيّ من الطرفين، لم تقرّر الانحياز إلى الجانب العراقي، وترجيح كفّته بما يؤدي إلى انهيار نظام الحكم في إيران، وذلك عائد إلى أهمية إيران وموقعها الإستراتيجي، آنذاك كانت النظرة ما تزال أنّها قوة لا ينبغي التفريط بها وتركها لصالح عدو أيديولوجي (الاتّحاد السوفييتي) ضمن صراع الحرب الباردة، وهنا جاءت قضية "إيران كونترا"، فضيحة صفقات ومبيعات الأسلحة الأمريكية إلى إيران، إذاً نستنج أنّ إيران لم تخرج من الاهتمام الأمريكي، حتى بعد التغيّر الأيديولوجي، إثر ثورة عام 1979.
لكن، ماذا عن أزمة احتجاز الرهائن داخل السفارة الأمريكيّة في طهران؟ وماذا عن خطاب "الموت لأمريكا" الذي رفعه الخميني بعد الثورة؟
قضية احتجاز الرهائن جاءت في بداية الثورة، وضمن سياق أحداثها الأولى، ولكن هناك تطوّرات لاحقة أخذت بالحسبان المصالح الإستراتيجيّة، وتجاوزت مثل هذه الأزمات، أما عن خطاب الموت لأمريكا؛ فهو ذو طابع دعائيّ وجزء من تسويق الثورة لشعوب المنطقة التي لها معاداة لمواقف أمريكا وأدوارها في المنطقة.

اقرأ أيضاً: هل إيران عنوان التحدي الأبرز لأمريكا؟
مثل هذا الشعار يعني القطيعة، لكن هذا لم يحدث، العلاقات بين البلدين استمرت؛ لأنّها تقوم على مصالح واعتبارات أهمّ، ولننظر هنا إلى الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران، عام 2003، على التعاون بدخول قوات الولايات المتحدة لاحتلال العراق، وتأمين إيران دخول القوّات الأمريكيّة من الجبهة الشرقية، وذلك مقابل السماح لإيران بإعادة إحيائها للبرنامج النووي الإيراني على أن يكون سلميّاً، ولكن طبعاً عندما تطوّر بعد عام 2006، وأصبح عملاً جاداً لإنتاج وامتلاك سلاح نووي، بدأت بوادر الخلاف، وذلك مع ظهور مسألة إمكانيّة تحوّل إيران إلى قوة نوويّة، وهنا جاءت المحادثات السريّة بين طهران وواشنطن، والتي تضمنت عرضاً إيرانياً، مضمونه إمكانيّة إيجاد علاقات وتفاهمات جديدة، وذلك مقابل تخفيف ضغط حزب الله على "إسرائيل"، كما جاء في كتاب "حلف المصالح المشتركة" لمؤلفه "تريتا بارسي"، والذي اعتمد على مصادر استخباريّة موثّقة.

تريتا بارسي مؤلّف كتاب "حلف المصالح المشتركة"

عودةً على سؤال الانسحاب؛ هل نستطيع اعتبار أنّ تغيّر اعتبارات النفط والإستراتيجيا كانت الدافع وراءه؟
لا أرى أنّ الولايات المتحدة انسحبت من المنطقة بمعنى الكلمة، وإنّما كان هناك انتباه والتفات جديد إلى مصالح أخرى أكثر أهميّة، وذلك بعد الاطمئنان بأنّ كلّ القوى في المنطقة باتت موالية وحليفة، وأنّه لا يوجد هناك من يتحدّى الولايات المتحدة ونفوذها في المنطقة، سوى الإعلانات الدعائيّة لإيران في مواجهة "الشيطان الأكبر".
هذا التحوّل في السياسات تجاه المنطقة بدأ منذ عهد الرئيس بوش الابن، واستمرّ في عهدَيْ أوباما ودونالد ترامب، وهو مستند بالأساس إلى التقرير الإستراتيجي للأمن القومي الأمريكي، الصادر عام 2006، والذي أوصى بأن تلتفت الولايات المتحدة إلى مصالحها الحيويّة أيضاً في شرق آسيا، تحديداً الصين، وألّا تتدخل عسكرياً في الصراعات البينيّة في المنطقة العربيّة، وألّا تنزلق مرة ثانية في صراعات عسكريّة، كما حصل في حرب العراق واحتلاله عام 2003، وألّا توظّف كلّ قوّتها في صراعات إقليميّة مماثلة، وأنه ينبغي أن تخرج من منطقة "الشرق الأوسط" بثقلها العسكريّ، مع الاستمرار في دعم حلفائها، لكن دون التورّط عسكريّاً.

اقرأ أيضاً: لماذا يميل مسلمو أمريكا إلى اليسار؟
وعندما جاءت إدارة أوباما، حصلت أزمة جورجيا، مع تدخّل روسيا عسكرياً فيها عام 2008، وكان السؤال المطروح في حينها، ما الذي ستكسبه الولايات المتحدة جراء التدخّل في صراع مثل هذا النوع؟ كانت الإجابة: لا شيء، هذا هو مضمون التوجّه الجديد في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، وهو مدعوم من مراكز بحوث ودراسات: عدم التورّط عسكرياً، وإعادة تعريف وتحديد مفهوم الأمن القومي الأمريكي، ومفهوم المصالح الأكثر حيويّة، والمصالح المهمة، في الفكر الإستراتيجي الأمريكي، بناء عليه؛ صنّفت المصالح إلى مصالح عُليا تعدّ مصالح حيوية، مثل تحدّي الأمن الأمريكي، والمجتمع الأمريكيّ، وتحدي الأراضي الأمريكيّة، وتحدي الاستقلال والسيادة الأمريكيّة، بما في ذلك الهجوم المباشر على القوّات العسكريّة الأمريكيّة المنتشرة حول العالم، وهناك المصالح الأخرى، المهمة أيضاً، لكنّها لا ترتقي إلى مرتبة المصالح الأكثر حيوية.
هل بالإمكان تحديد العوامل التي أدّت لبلورة التوجّه والسياسة الأمريكيّة الجديدة إزاء المنطقة؟
نعم، هناك ثلاثة عوامل أساسيّة: من ناحية تراجع أهمية النفط، بسبب زيادة الإنتاج المحلي من النفط في الولايات المتحدة الأمريكيّة، فلم يعد مصلحة حيوية، وإنما انتقل إلى مرتبة المصلحة المهمة.
والعامل الثاني، تمثّل في بروز الصين كمنافس وقوة اقتصاديّة كبرى، فعلى ضوء مؤشرات النمو الاقتصادي للصين؛ تبيّن أنّها ستصبح قوة اقتصاديّة معادلة أو لنقل مقاربة نسبيّاً للولايات المتحدة، لكن مع بقاء الولايات المتحدة صاحبة الزعامة على صعيد القوة العسكريّة، وإن كان الإدراك ازداد بأنّ القوة العسكرية أصبحت عامل هيبة أكثر مما هي أداة من أدوات التغيير والفعل في السياسة الخارجية، في حين أنّ القوة الاقتصادية حاضرة كقوّة ناعمة ذات فاعليّة أكبر، ويمكن أن تستخدمها الولايات المتحدة لفرض سياساتها وأجنداتها، إذاً؛ هناك مصالح وتحديّات جديدة، كالصين التي تمثل تحدياً كبيراً، وهنا نجد عقوبات ترامب للصين، التي هي عقوبات اقتصاديّة للحدّ من حركة الصين وانتشار نفوذها كقوة اقتصادية.

اقرأ أيضاً: الهجوم على أرامكو: لماذا تخبئ أمريكا النفط في كهوف تحت الأرض؟
قوة الصين جاءت من كونها لم تطرح نفسها كدولة تريد الهيمنة، وإنّما طرحت نفسها كدولة عالم ثالث، تريد المشاركة، وذلك كي تحظى برصيد قبول، على مستوى الشعوب والقيادات، في دول العالم الثالث. كما أنّها لا تمتلك انتشاراً أيديولوجياً، وهي ملتزمة بالجانب الدبلوماسيّ، ولا توجد عندها ميول قويّة للتورّط عسكريّاً في صراعات ونزاعات دول العالم الثالث، كما أنّها ليست طرفاً في الصراع العربيّ الإسرائيليّ، وليس عندها التزام عالميّ كما كان الاتحاد السوفييتيّ، الذي كان حاضراً في كلّ صراع دوليّ وإقليميّ تقريباً.
العامل الثالث: الدافع وراء تبلور هذا التوجّه الجديد، كان اطمئنان واشنطن على المنطقة ودولها، من ناحية الاطمئنان إلى أنّ أيّاً منها لم يَعُد يشكّل تهديداً لنفوذها، بل إنّ دول الخليج والدول العربيّة هي التي في حاجة إليها ومعتمدة عليها؛ حيث أصبحت أيّ دولة عربيّة تشعر بالتعرض لخطر تهرع للولايات المتحدة الأمريكيّة لنجدتها وحمايتها؛ أيّ إنّ معادلة الأمن والاعتماد المتبادل أصبحت معكوسة في بعض جوانبها.

قوات عسكريّة أمريكيّة في كوريا الجنوبيّة

لكن ما يزال هناك تواجد وانتشار عسكري أمريكي في المنطقة، كيف يمكن تفسيره ضمن هذا التوجّه؟
نعم، لم تنسحب أمريكا عسكرياً من المنطقة، هي موجودة في الخليج، وفي العراق، وفي سوريا، لكن لو نظرنا مثلاً لتواجدها في العراق أو سوريا، نجده تواجداً عسكرياً رمزياً، بالقياس مع القوة الكبرى للولايات المتحدة الأمريكية، القوات الأمريكية هنا هي مجرد عصا مرفوعة في وجه كلّ من يشقّ عصا الطاعة، ويلعب بذيله، إن صحّ التعبير، في مواجهة الولايات المتحدة، هو تعبير عن النفوذ أكثر منه أداة لمباشرته.
لكن، فلننظر مثلاً إلى عدم تدخل أمريكا عسكرياّ بعد ضربات أرامكو، في أيلول (سبتمبر) الماضي، طبعاً كانت هناك حالة استغراب ودهشة عند الدول والنخب العربيّة؛ لعدم إقدام الولايات المتحدة على اتخاذ ردّ فوري وسريع حِيال إيران. في الواقع؛ عدم الردّ هو عين الواقعيّة الأمريكيّة، هي لا تريد تعريض مصالحها للخطر؛ التصوّر الإستراتيجي الأمريكي، في تقديري، كان مبنيّاً على افتراض أنّها إذا توجهت بعمل عسكري ضد إيران سوف تنفتح عليها أربع جبهات: الخليج، والعراق، وسوريا، ولبنان. طُرحت فكرة توجيه ضربة، وإن كانت محدودة من ناحية الأهداف، ومن ناحية الأثر، لكنّ الخبراء الإستراتيجيين نصحوا ترامب بعدم التورط عسكريّاً، وبالفعل كان تصريحه صادقاً عندما قال: "تراجعنا في الدقائق العشر الأخيرة"، بعد إسقاط إيران طائرة الاستطلاع الأمريكية، في العشرين من حزيران (يونيو) الماضي.

اقرأ أيضاً: ضرب منشآت النفط السعودية.. النيران تتسع وأمريكا تتهم إيران والعراق ينفي
الشجاعة من المنظور الأمريكي لا تتطلب أن تغامر وتلقي نفسك بالتهلكة؛ واشنطن ترجّح العقلانية في العمل السياسي، الذي يقوم على تجنب الخسائر، هذا ما نجده عند سماع الخطب التي ألقى بها بومبيو وترامب، فهما يؤكدان: "إذا تعرضت مصالحنا"، إنّهم يعنيان: إذا تعرض أيّ جندي أمريكي، أو أي هدف، أو مرفق أمريكيّ، للهجوم، فإنّنا سوف نرد، لا إذا تعرضت مصالح الحلفاء، وهذا هو ما تدركه إيران، التي تلعب بذكاء وتمتلك دبلوماسية عالية، وتحسن استخدام أوراق الضغط.
علينا أن نفهم كيف يفكّر الأمريكيون؛ هم لا يرتبون سياستهم وفق ما نريد ونتمنى، إنما وفق ما يريدون هم، ووفق ما تقتضيه مصالحهم، في الحقيقة هناك عدم كفاية في العقل العربي في تفهّم طبيعة السياسة الأمريكية، الدول العربية تريد من أمريكا أن تستجيب لمصالحها، لكن في الواقع هي تتحرك وفقاً لمصالحها هي. السياسة الواقعية الأمريكية قائمة على المصالح، وهنا يُطرح السؤال: هل من الواقعية أن تغامر الولايات المتحدة دون حسابات؟ ما نفهمه نحن، كعرب، من الواقعيّة؛ أنّه ينبغي على أمريكا أن تستجيب لما نريد، لكن في الواقع هي لا تفعل ذلك، إنّها تعمل في ضوء ما هي تريد.
وبالتأكيد؛ فالانسحاب العسكري من سوريا مدروس، لا تتوقع من الولايات المتحدة أن تنسحب دون أن تحسب لكلّ خطوة حسابها الخاصّ، في تقديري، خير من عبر عن الواقعية في سياسة الولايات المتحدة الأمريكية، هما أوباما وترامب.

ترامب في زيارة للقوّات الأمريكيّة بالعراق في كانون الأول 2018

"الناتو العربي" مقولة تتردّد، هل هو خيار ممكن وواقعيّ؟
إطلاقاً، هو من باب الخيال، قبل الناتو العربي، هناك جامعة الدول العربيّة، وهناك معاهدة الدفاع العربي المشترك، ومعاهدة التعاون الاقتصادي المشترك، ولم يتم تفعيل أيّ منها. نعم، تتردّد فكرة "الناتو العربي" كقول فقط، لكن من الناحية الواقعيّة، في تقديري، هي غير ممكنة؛ هذه المسألة تحتاج إلى التزامات يقتضيها التعاون العسكري، هي بحاجة لتخطيط مشترك، وتغليب المصالح العامة للحلفاء على المصالح الخاصّة، وهو ما يصعب على الدول العربيّة التضحية بها. أيضاً مثل هذا الحلف سيكون في حاجة إلى موافقة ومباركة دوليّين، ثم هناك تساؤلات عدّة: ما هي حدود تحرّك هذا الحلف؟ هل هو متوجّه مثلاً تجاه إيران؟ لا توجد اليوم سياسة عربية موحدة تجاه إيران.
وعموماً؛ لا يوجد في تقاليد السياسة العربيّة ما يجعل المرء متفائلاً حول مسألة "التضامن العربي"، أو تشكيل "ناتو عربي".
بالحديث عن الانسحاب من سوريا، وتزامنه مع عملية "نبع السلام" التركيّة، هذا يقودنا للدور التركيّ في المنطقة، وتوتر العلاقات بين تركيا وأمريكا، هل ترى أنّ التحالف بينهما انتهى؟
الدور التركيّ في المنطقة هو صناعة الجغرافيا؛ جغرافية تركيا كانت تحتّم عليها أن تلعب دور الحاجز في مواجهة روسيا والاتحاد السوفييتي، منذ بروز المسألة الشرقيّة والدور الوظيفيّ لتركيا (وقبلها الدولة العثمانية) هو الحيلولة دون التمدد الروسيّ، وحتى بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، ما يزال الدور الوظيفي في مواجهة روسيا قائماً.

الوجود العسكري الأمريكي الحالي في الشرق الأوسط رمزيّ، وهو مجرد عصا مرفوعة في وجه من يشقّ عصا الطاعة

نعم، هناك خلافات بين واشنطن وأنقرة، هناك توترات، لكن لا ترتقي إلى حالة صراع، وهي ليست كما تصوّر إعلامياً، الإعلام يضخّم الخلافات، لننظر إلى قضية المنطقة الآمنة في سوريا، نجد أنّ الولايات المتحدة لم تعارضها، وذلك عائدٌ إلى أنّها تتفهم القلق التركي من احتمالات قيام الدولة الكرديّة، فيما جاءت ردّة فعل الأكراد باعتبار الموقف الأمريكي خيانة لهم، هم يفكّرون بالعقلية العربيّة ذاتها، يريدون أمريكا حليفاً مطلقاً، أما تركيا فقد فهمت وأدركت السياسة الأمريكية، في الحقيقة؛ إنّ الأتراك لهم خبرة أكبر في السياسة الخارجية.
أما بخصوص تفسير العلاقة المتزايدة مع روسيا، فإنّ تركيا، كما يُقال، تلعب على الحبلين، الروسي والأمريكي، لا يعني ذلك أنّها ستميل إلى جانب إحداهما دون الآخر، هي لن تفرّط بروسيا أو الولايات المتحدة. في الواقع لا وجود لشيء اسمه القطيعة وإنهاء العلاقة في العلاقات الدولية؛ هذه محض نظرية افتراضيّة، دائماً هناك قنوات للتواصل والحوار مهما بلغ الخلاف.
بالحديث عن التمدّد والنفوذ التركي في العالم العربي؛ هل هو مُقبل على مزيد من الصعود أم الانحسار؟
تركيا أدركت، منذ مطلع الألفية، أنّ خياراتها وحظوظها في الساحة العربية أكبر منها في الاتحاد الأوروبي، وهنا تبلور خيار تركيا بالتوجه نحو الدول العربية، ولكن ليس بنفس إسلامي متشدّد، من دعم جماعات وما إلى ذلك؛ إنّ هذا التمدّد والنفوذ مقترن بمدى اعتداله، حيث تكون سياسة قائمة على أساس المصالح المشتركة، العرب الآن يبحثون عن مستثمرين، يبحثون عن قوى إقليمية مساندة لهم، وأعتقد أنّهم يجدون مع تركيا فرصة مناسبة، هذا ما أراه، خيارات وفرص التعاون بين الأتراك والعرب اقتصادية بالأساس، بعيداً عن مقولات واعتبارات أيديولوجية وفكريّة مثل دعم الإسلام السياسي أو العثمانيّة الجديدة.
بالحديث عن التمدّد والنفوذ الإيراني؛ هل ستكون العقوبات الاقتصاديّة الحاليّة على إيران سبباً في انحساره؟
مبدأ تصدير الثورة مبدأ أصيل في النظام الإيراني، منذ مجيئه عام 1979، وهو مستمرّ حتى الوقت الحالي، وقد استفادت إيران واستغلّت المناطق الرخوة والأزمات لنشر وتمديد نفوذها في المنطقة العربيّة، في العراق وسوريا ولبنان واليمن، وهو تمدّد موجود وقائم بالفعل.

اقرأ أيضاً: لماذا تم إخفاء تاريخ مسلمي أمريكا القدماء؟
الآن، هناك انتباه متزايد للدور الإيراني حتى على مستوى الشعوب، وفي الحقيقة هناك نقطة ضعف في هذا النفوذ تكمن في أنّ من يقودونه هم أحزاب وقوى مؤدلجة، لا الشعوب؛ بمعنى أنّ هناك أحزاباً وقوى مرتبطة بإيران، أما على مستوى القواعد الشعبيّة فهناك وعي متزايد، وأخذ يتبلور حول فهم طبيعة الدور الإيراني في المنطقة، وهو دور طائفيّ تفتيتيّ.
العقوبات الاقتصادية موجودة، وقد أثرت فعلاً، ولكن هناك منافذ أخرى لا تستطيع الولايات المتحدة أن تمسك بها، وجديرة بأن تنتبه إليها إذا كانت جادّة في سياسة "الحد الأقصى" من العقوبات، وأهمها العراق، وهنا نتساءل، بنوع من الاستغراب، حول عدم إخضاع الولايات المتحدة البنك المركزي العراقي للمراقبة؟
نعم، إيران تعاني اقتصادياً، وكلّما طال الزمن ضاقت خيارات إيران، وبات الإنفاق الخارجي أكثر إرهاقاً، الآن إيران تراهن على الزمن وتنتظر رحيل ترامب، وهنا نسمع مثلاً التصريحات القوية الأخيرة من طهران التي تترافق مع السير بإجراءات عزل ترامب.

في الختام، وبالحديث عن النظام الإقليمي العربي ومستقبله؛ هل هناك إمكانية لتحقيق تقارب من جديد؟ وما هي فرص استعادة تماسك النظام، أم أنّ العوائق أكبر من ذلك؟
الاتحادات والاتجاه نحو العمل العربي المشترك ضدّ منطق السياسة الأمريكيّة والإسرائيلية؛ قناعتهم أنّه لا يجوز أن يكون هناك تقارب عربي على أي مستوى، نعم هناك نوع من التقاربات بين العواصم أحياناً، ولكن ليس على مستوى اتحاد إستراتيجي، هذه التقاربات تبقى في إطار العلاقات الثنائية، هناك شروط للتعاون الإستراتيجي ينبغي توافرها؛ من التعاون الأمني إلى العسكريّ، وهي غير متوفرة أبداً، بل إنّ آخر قلاع الاتحاد العربي المتمثلة في مجلس التعاون الخليجي باتت في حالة تصدّع.

نقطة الضعف في النفوذ الإيرانيّ تكمن في أنّ من يقودوه هم أحزاب وقوى مؤدلجة لا الشعوب

الحوار حول تعزيز التعاون والعمل المشترك موجود، لكنّه طرح على مستوى المثقفين فقط، الانتقال بهذا الخيار إلى أرض الواقع في حاجة إلى مصداقيّة ذاتية على مستوى القيادات العربيّة؛ إذ أمامها سؤال كبير: هل هي مقتنعة بالتضحية بمصالحها الخاصّة؟ إذاً المسألة في حاجة إلى توفير أرضيّة وقاعدة راسخة لإنجاز هذا المطلب الضخم إستراتيجياً، وفي ظلّ الأوضاع الراهنة، من الانقسامات الداخليّة والبينيّة بين العرب، فضلاً عن الاختراقات الخارجيّة، يبدو لي أنّ الأمور أصعب لإنجاز بنية نظاميّة بصيغة نظام إقليميّ عربيّ؛ ذلك أنّ الأمر، وكما أشرت، يرتبط وثيقاً بمصداقية الإرادات العربيّة القياديّة قبل كلّ شيء، وفي تقديري؛ الفرصة الآن مواتية ومشجعّة لإنجاز هذا الخيار المصيري، لكن متى تتوحد الإرادات لتحقيقه؟

للمشاركة:

يوسف المساتي: شيوخ الموت يوظّفون الجنس لإقناع الشباب بالانتحار

2019-11-30

أجرت الحوار: إلهام الطالبي


قال الباحث في تاريخ الإسلام، يوسف المساتي، إنّ إيمانه بضرورة تحرير الفرد، وتسلّحه بعقل نقدي، جعل منه قادراً على تفكيك خطابات الجماعات المتشددة، حيث تحوّل من شاب سلفي إلى مهاجم للفكر المتطرف، غير مكتفٍ بالكتابة؛ بل يُتابع عن كثب الشباب في ورشات للمسرح والفنون بالأحياء الهامشية للتقرّب منهم والاستماع إليهم.

اقرأ أيضاً: كيف كشفت مواجهة التطرف عيوب جبهة الاعتدال؟
في حواره مع "حفريات" كشف تحوّله من مدافع عن الفكر المتطرف إلى مُدافع عن حرية الفرد ومهاجم لشيوخ الفكر السلفي، وما الذي يجعل من بعض الشباب أكثر قابلية واستجابة للفكر المتشدد؟ وكيف يُوظّف شيوخ الفكر المتطرف ثنائية "الجنس والخطيئة" في إغواء الشباب واستقطابهم؟
وهنا نص الحوار:
لا بدّ من وجود مشروع مجتمعي وفكري يُعيد الاعتبار للعقل النقدي

هل يُمكنك أن تقرّبنا أكثر من تجربتك مع الفكر السلفي؟
في الواقع؛ إنّ تجربتي متعددة الأوجه مع الفكر السلفي، لا أنفي أنّني في مرحلة عمرية معينة كُنت أعتقد أنّ سبب تأخّرنا راجع إلى عدم تطبيقنا لتعاليم الدين الإسلامي، كما تقدمها الأدبيات السلفية، وأنّ هذه القراءة هي الصحيحة والوحيدة للدين، من أجل النهضة والتقدم، وأننا ضحية حرب كبرى لا بدّ من أن نردّ فيها على الأعادي.

كيف انتقلت من مرحلة المتلقي إلى المدافع عن الفكر المتطرف؟

خطورة الفكر السلفي؛ أنّه يمزج بين المرحلتين، ذلك أنّك إذا تلقيته من دون قدرات ومعرفة نقدية، فإنّك في الآن نفسه تصبح مدافعاً عنه، وتتعدّد أشكال الدفاع بتقدمك في الإيمان بمعتقدات الفكر المتطرف، لكنّ الخطير هو حينما تتجاوز مرحلة الدفاع المعنوي أو اللفظي لتصل إلى مرحلة الهجوم على المختلف.
هل عشت صراعاً نفسياً عندما كنت تتبنّى الفكر المتشدّد؟
بالتأكيد، فأنا ابن أسرة مغربية تنتمي لذلك المغرب الجميل البعيد عن التطرف، أسرة عاشت جنباً إلى جنب جوار اليهود والنصارى والمسلمين، ملتزمين وغير ملتزمين، واللادينيين، ولم يكن الالتزام أو الانتماء الديني معياراً، أسرة يخرج بعض أفرادها لتأدية صلاة الجمعة، ويجتمعون لمشاهدة سهرة السبت في التلفاز، في هذا الوسط كانت الأسئلة تغمرني، لأعيش نوعاً من التمزّق الداخلي.

ما الذي ساهم في تحوّلك الفكري وانتقالك من سلفي مدافع عن الفكر المتطرف إلى مدافع عن حرية الفرد ومهاجم لخطاب الجماعات المتطرفة؟

إجمالاً يُمكن استحضار ثلاثة عناصر:

من يمارس الفنون والآداب والعمل المدني لا يمكن أن يظلّ معتنقاً للفكر المتطرف

- الوسط الأسري: وجودي ضمن أسرة بسيطة تمثل الوجه الجميل لتديّن المغاربة، البعيد عن كلّ مظاهر التطرف، والذي يعدّ العيش مشتركاً سمة متأصلة فيه.
- الفنون: في تلك الفترة التي بدأت فيها بالإيمان بالفكر المتطرف، كان من حظّي أنّ إحدى دور الشباب فتحت أبوابها حينها، فمارست المسرح والعمل الجمعوي، وكان لهما دور بارز في تغيير عدد من أفكاري، أنا وعدد كبير من أصدقائي، تغيرت قناعاتنا، فمن يمارس الفنون والآداب والعمل المدني، لا يمكن أن يظلّ معتنقاً للفكر المتطرف الذي يحمل منظومة قيمية معاكسة لكلّ هذا.
- التاريخ: في هذه المرحلة أيضاً بدأت بقراءة بعض مؤلفات الجابري وأركون، وإن كنت أبدي مقاومة في البداية لهما، لكن، وبحكم تخصصي فيما بعد في التاريخ واشتغالي على التاريخ الإسلامي، اكتشفت الفجوة الشاسعة بين ما يروَّج لنا والواقع، ووقفت على عمق التناقضات، شيئاً فشيئاً اتخذت مساراً مخالفاً.

كيف تنظر الآن إلى تلك المرحلة المتطرفة من حياتك؟

الآن، بعد كلّ هذه الأعوام (حوالي 16 عاماً)، أعتقد أنّها كانت مرحلة مهمة؛ لأنّها أتاحت لي فرصة مهمة لفهم كيف يفكر الآخر، ولفهم إستراتيجياتهم.
ما العوامل التي تساهم في تبنّي الشاب للفكر المتطرف؟
ليس من السهل تحديد عوامل التحوّل إلى التطرف، ولكن على العموم يُمكن القول إنّها مسألة يلعب فيها العامل النفسي دوراً مهماً، عادة ما يرتبط الأمر بعدد من الاحتقانات الداخلية، سواء المرتبطة بالفرد أو بالجماعة، والتي يستحيل تفريغها داخلياً. فمثلاً: "الوضعية العامة للمجتمعات الإسلامية المتسمة بالتقهقر والانحطاط؛ حيث أصبحت عالة على البشرية، غير منتجة، وتشرذم الكيانات الوطنية إثر الانهيارات المتتابعة، وسقوط الأحلام الكبرى حيث انهارت دولة الخلافة، تبعها انهيار مشروع الدولة القومية، ثم فشل مشروع الدولة الوطنية، يُضاف لهذا الانهيار الثقافي والقيمي الذي نعيشه، وغياب مشاريع فكرية ومجتمعية حقيقية، وغياب رؤية واضحة للمستقبل الفردي أو الجماعي، وأيضاً الفراغ الوجداني في ظلّ غياب تعليم الفنون وتشجيع المبادرة والإبداع، وتغييب أو قتل العقل النقدي".

اقرأ أيضاً: هل مواجهة التطرف تعني الانحياز إلى المعتدلين؟
في ظلّ هذه الأوضاع تأتي الحركات المتطرفة فتروج لحلم استعادة الماضي المجيد، وتخلق تصورات مثالية لهذا التاريخ وتتم أسطرته ليُصبح نموذجاً لمستقبل منشود، وتروج للعنف كأداة للتعبير عن الوجود، بل وتغييره، أو بتعبير هذه التيارات؛ إحقاق "الحقّ" و"الشرعية".
إنّ التحوّل صوب التطرف هو في عمقه محاولة تحويل مرارات الواقع وانتكاساته إلى أمل منشود.

كيف يُقنع شيوخ الفكر المتطرف الشاب بقتل نفسه وقتل الأبرياء؟

تختلف الأساليب التي يلجأ لها الشيوخ، باختلاف الدوافع والحالات، فهناك من يعتنقون الفكر المتطرف، لكنّهم لا يقدرون على الانتحار، وهناك من لا يجد صعوبة في الأمر، فالمسألة مرتبطة في شقّ منها بدوافع الفرد وإحباطاته وانتكاساته، ووجود قابلية عنده لتنفيذ هذا الفعل الإجرامي، فمن يُمارس أو يتبع الفنون والآداب، أو لديه عقل نقدي يصعب أن يقتل نفسه وآخرين معه، إلا في حالات خاصة.
لكنّ هذا لا يمنع من أنّ الشيوخ طوروا كثيراً من الإستراتيجيات العامة، على رأسها الجنس، قد يبدو هذا الكلام مفاجئاً للكثيرين.
كيف ذلك؟
تنطلق هذه الإستراتيجية من الترويج لخطاب أساسه التحريم والكبت، أو ما سماه الراحل فرج فوده "فقه النكد"، وهو ما يسمح لنا بفهم الحرب الشعواء التي يشنها الفقهاء المتطرفون على الحريات الفردية والفنون؛ لأنّها أداة هدم لما يشيدونه من كبت وقمع للذوات الفردية، وتحويل الإنسان إلى خاضع يحسّ بعقدة الذنب و"الخطيئة".

يقوم الخطاب الفقهي بتحويل المشاكل البيولوجية للشباب من الأرض إلى السماء لتصبح الجنة فضاء لتلبية الإنسان لحاجياته

يخلق هذا الأمر مشاكل عميقة عند الشباب على مستوى تواصلهم مع جسدهم وحاجياتهم البيولوجية والعاطفية، ليقوم الخطاب الفقهي بتحويل الاستيهامات والمشاكل البيولوجية للشباب من الأرض إلى السماء، من الواقع إلى المتعالي، هكذا تصبح الجنة فضاء لتلبية الإنسان لحاجياته، حيث أنهار الخمر واللبن والنساء، مما لا عين رأت ولا أذن سمعت.
هكذا يقوم المتطرف، الانتحاري المفترض، بإسقاط لا شعوري للصور الإيروتيكية التي يحفل بها على الجنان ونعيمه، ويمكن أن نُلاحظ في هذا السياق كيف يطنب شيوخ الموت في وصف الحور العين والاستمتاع بهن، ورسم الخيالات التي يصبح الطريق للوصول إليها هو الانتحار وقتل الناس لغنيمة الشهادة.

ما الذي يجعل بعض الشباب بالمغرب فرائس سهلة للفكر المتطرف؟

غياب منافذ التعبير؛ فالشباب يحتاج إلى أن يُعبّر عن نفسه وعن احتياجاته، وإلى الإحساس بأنّه فاعل وليس مجرد مفعول به، وعندما لا يجد ذلك، وفي ظلّ سيادة ثقافة تقليدية، وقتل العقل النقدي، قتل الحس الجمالي، إضافة إلى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، وما سلف ذكره، فإنّه يصبح فريسة سهلة للفكر المتطرف.
هل بعد نهاية "داعش" سينتهي الفكر المتطرف أم نحن في حاجة ماسة إلى استئصاله من منابعه؟
سأكون متشائماً قليلاً بهذا الخصوص، وأقول إنّ "داعش" ليس النهاية، وإنّ القادم قد يكون أسوأ بكثير، طالما لم نجفّف المنابع الفكرية للفكر المتطرف، فإذا ما تتبعنا مسار الحركات المتطرفة نجد أنّها كانت تتطور بشكل تصاعدي من الجماعات الجهادية التي غزت مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي، وصولاً للقاعدة، وأخيراً داعش والتنظيمات المتطرفة بسوريا والعراق، كانت الوحشية ترتفع، والتقنيات الموظفة تتطور، وبالتالي فالمعركة ضدّ التطرف هي معركة فكرية.
من خلال تجربتك؛ كيف يمكن أن ننقذ الشباب من الفكر المتشدّد؟
لا بدّ من وجود مشروع مجتمعي وفكري، يُعيد الاعتبار للعقل النقدي ويفتح الإنسان على الآفاق الإنسانية الرحبة، ويدعم الاجتهادات الفكرية والمشاريع الإبداعية، وهو أمر لا يُمكن أن يتم دون تعليم مبدع يشجع الفرد على البروز ويطور قدراته المعرفية.
وكي نبلور هذا المشروع المجتمعي؛ لا بدّ من نقاش مفتوح وصريح وجريء أيضاً خارج التمثلات المسبقة بين كلّ الأطراف المكونة للمجتمع، من أجل مجتمعات تخلق الحياة ولا تشجع ثقافة الموت.

للمشاركة:



تكتلات جديدة في البرلمان التونسي لمواجهة حركة النهضة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف رئيس كتلة الإصلاح الوطني المعارضة في البرلمان التونسي، حسونة الناصفي، أنّ هناك لقاءات ومشاورات لتنسيق جهود كتلته، التي تضم 15 نائباً، وكتلة حزب قلب تونس التي تضم 38 نائباً، إضافة إلى حزب المستقبل، الذي يضمّ 9 نواب، لمواجهة مساعي النهضة لتقديم مشاريع قوانين يراها البعض أنّها محاولة لأخونة المجتمع التونسي.

وأشار الناصفي، في مداخلة عبر إذاعة "جوهرة" الخاصة، اليوم، إلى أنّ المرحلة الأولى ستكون في إطار تنسيق الجهود، وذلك لتوحيد العمل البرلماني على غرار ما حصل من التوافق على انتخاب نائبي رئيس البرلمان وإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها من التيارات الإسلامية، كمشروع إنشاء صندوق للزكاة.

مشاورات لتنسيق جهود كتلة الإصلاح الوطني مع حزب قلب تونس وحزب المستقبل لمواجهة النهضة

وأكد حسونة الناصفي؛ أنّه من الممكن أن تتحول هذه التنسيقية المشتركة إلى كتلة برلمانية موحدة، مؤكداً إمكانية انضمام كتل سياسية أخرى لديها الرؤى والمشاريع نفسها.

وأسقط البرلمان التونسي مقترح كتلة حركة النهضة الإسلامية، الذي طالبت فيه بإحداث "صندوق للزكاة" ضمن مشروع موازنة 2020، لجمع التبرعات بمشاركة جمعيات وهيئات دينية تحت غطاء مؤسسات الدولة، في خطوة عدّها التونسيون بمثابة إثقال كاهلهم بضرائب إضافية بمسميات أيديولوجية مراوغة.

المرحلة الأولى ستكون في إطار توحيد العمل البرلماني لإسقاط مشاريع قوانين مقدمة من النهضة وحلفائها

وكان عدد من النواب، على غرار النائب فيصل التبيني، قد طالبوا باستقالة الغنوشي من رئاسة البرلمان، نظراً لعدم قدرته على مواجهة أزمة الخلاف الذي حصل بين نواب الدستور الحر ونواب النهضة، على خلفية الاعتداء اللفظي التي تعرضت له رئيس كتلة الدستور، عبير موسى، من قبل النائبة جميلة الكسيكسي.

ويتزامن الجدل داخل البرلمان مع المصاعب التي يواجهها رئيس الحكومة، الحبيب الجملي، في تشكيل حكومته مع إعلان كلّ من حزبي التيار الديمقراطي وحركة الشعب الانسحاب من المشاورات.

 

 

للمشاركة:

تقرير يكشف دور التحالف القطري التركي في ليبيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

كشف تقرير أمريكي دور التحالف القطري- التركي في العديد من الملفات الإقليمية والدولية، خاصة بما يتعلق بالصراع الليبي الليبي.

وأفاد تقرير مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية، الصادر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الجاري؛ بأنّ ليبيا كانت واحدة من أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها جلياً التحالف القطري-التركي، مشيراً إلى دعم البلدين للميليشيات المتطرفة والإرهابية، وفق "سكاي نيوز".

 

 

وذكر التقرير أّنه "حين بدأ الصراع، عام 2011، أصبحت قطر أول دولة عربية تعترف رسمياً بمتمردي ليبيا، كما أنها أرسلت المئات من قواتها لدعمهم".

مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية الأمريكية: ليبيا كانت أولى ساحات المعارك التي ظهر فيها التحالف القطري-التركي

ويؤكد التقرير كذلك؛ أنّ الدوحة أشرفت على تدريب المقاتلين الليبيين في مناطق مختلفة من البلاد، لافتاً إلى أنّ "الدور القطري كان كبيراً لدرجة أنّ الليبيين في بعض المناطق باتوا يرفعون العلم القطري إلى جانب نظيره الليبي".

وذكرت مؤسسة الدفاع عن الديمقراطية، ومقرها واشنطن؛ أنّ الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً من الأقمار الصناعية، تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة وحتى المقاتلين لدعم الميليشيات الليبية.

وخلص التقرير إلى أنّه "رغم كلّ هذا الدعم والتحالف، إلا أن الدوحة وأنقرة لم تتمكنا من التأثير في أيّ ممثل ليبي كبير".

ويتناغم التقرير مع الاتفاقين اللذين وُقِّعا مؤخراً بين الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومة فائز السرّاج في طرابلس، بخصوص الحدود البحرية والتعاون الأمني، وواجها رفضاً قاطعاً من جانب دول المتوسط، وأهمّها مصر واليونان وقبرص، إضافة إلى دول أوروبية.

التقرير: الجيش الليبي يمتلك أدلة وشهوداً وصوراً تثبت أنّ تركيا متورطة في توفير الأسلحة والذخيرة للميليشيات

ومؤخراً ألمح أردوغان إلى إمكانية إرسال تركيا لقوات عسكرية إلى طرابلس، إذا طلب السرّاج ذلك، فيما كشفت مصادر من الجيش الوطني الليبي أن أيّة سفينة تركية ستقترب من الحدود الليبية ستعدّ هدفاً مشروعاً.

وكان تقرير للأمم المتحدة قد خلص، في آذار (مارس) 2013، إلى أنّ قطر أرسلت أسلحة للقوات المناهضة للرئيس الليبي السابق، معمر القذافي، في عامي 2011 و2012، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة الذي فرضته الأمم المتحدة، كما سلمت الشركات التركية الأسلحة إلى "تحالف فجر ليبيا"، وهو تكتل لميليشيات متشددة.

ويؤكد الجيش الوطني الليبي، في أكثر من مناسبة، أنّه يقاتل جماعات مسلّحة مدعومة من تركيا وقطر، خلال حربه مع ميليشيات متطرفة في العاصمة الليبية طرابلس.

 

 

للمشاركة:

أمريكا تفرض عقوبات جديدة على شركات إيرانية.. هذا ما تفعله

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

فرضت الولايات المتحدة، أمس، عقوبات جديدة على أكبر شركة طيران في إيران وعلى قطاع الشحن الإيراني بتهمة نقل أسلحة من إيران لليمن ونشر أسلحة للدمار الشامل.

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، للصحفيين، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء: إنّ واشنطن استهدفت ثلاثة وكلاء مبيعات عامة لشركة "ماهان إير"؛ بسبب الدور الذي تلعبه شركة الطيران في نشر أسلحة الدمار الشامل.

بدورها، أعلنت وزارة الخزانة الأمريكية؛ أنّه "تمّت أيضاً إضافة شبكة شحن إيرانية لقائمة سوداء بسبب تورطها في تهريب مساعدات فتاكة من إيران لليمن نيابة عن الحرس الثوري الإيراني وفيلق القدس التابع له".

الولايات المتحدة تفرض عقوبات على شركة "ماهان إير" وعدد من وكلاء مبيعاتها لنقلها مساعدات فتاكة لليمن

وتأتي العقوبات الجديدة بعد أيام فقط من تبادل للأسرى مطلع الأسبوع بين الولايات المتحدة وإيران في تعاون نادر منذ تصاعد التوتر بينهما، عقب انسحاب الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، من الاتفاق النووي المبرم مع إيران عام 2015.

من جانبه، أكّد بومبيو، أنّ واشنطن ستواصل "حملة الضغوط القصوى" على إيران، لكنّه عبّر، في الوقت ذاته، عن أمله في أن يؤدي تبادل الأسرى مع إيران إلى مسعى أوسع نطاقاً لإطلاق سراح معتقلين أمريكيين.

أيضاً، قال وزير الدفاع الأمريكي، مارك إسبر، أمس: إنّ "جهود طهران لزعزعة استقرار المنطقة تتفاقم".

وأضاف أمام لجنة القوات المسلحة بمجلس النواب؛ أنّ بلاده تسعى لتعزيز دفاعاتها وتمكين شركائها من مواجهة تهديدات إيران، وتابع إسبر: "سنردّ بقوة حاسمة إذا هاجمت إيران مصالحنا أو قواتنا".

 

للمشاركة:



الهيمنة الإيرانية تنتكس في مواقع نفوذها!

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

هدى الحسيني

عبر وكلائها الإقليميين مثل «حزب الله» في لبنان والميليشيات المتحالفة معها في اليمن والعراق، مدت إيران نفوذها الجيوسياسي في منطقة الشرق الأوسط، لكن اليوم، كثير من هؤلاء الوكلاء يواجهون ما يشبه «المحاكمات» الشعبية في مناطق وجودهم. ولا يمكن أن تأتي الاحتجاجات في وقت أسوأ منه بالنسبة إلى النظام الإيراني، الذي يكافح من أجل القضاء على اندلاع الاضطرابات العنيفة داخل إيران، التي يغذيها الفساد المستشري وتدهور الوضع الاقتصادي.
ظهرت قواسم مشتركة مثيرة للاهتمام داخل عقول المتظاهرين في الدول الثلاث، ترتبط بها الجوانب الأجنبية والمحلية، لكن برز أن الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني سببت تفاقم الحرمان لدى الفقراء والطبقة العاملة في هذه الدول، رغم أن إيران تطلق على ثورتها اسم «ثورة المستضعفين». كل هذا ينذر بأن الجمهورية الإسلامية الإيرانية تواجه لحظة محاسبة قاسية لمكانتها الإقليمية.
تحاول بعض الأبواق الإيرانية، في لبنان بالذات، الإشارة إلى أن ما جرى في سوريا هو درس لأولئك الذين يتوقعون نوعاً من الربيع العربي، على أساس أن العنف والحرب الأهلية أمران ممكنان، مثل الانفتاح والإصلاح وسط الانهيار المنهجي، وإن لم يكن أكثر بالنظر إلى وجود الجماعات شبه العسكرية المسلحة، إضافة إلى مصالحهم التجارية الواسعة، التي ستخسر كل شيء في حالة انهيار النظام في الوقت الحالي.
في إيران اندلعت الاحتجاجات في أغلبية المدن إثر قرار حكومي يخفض دعم الوقود. كان رد الفعل الشعبي شديداً أدى إلى رد فعل دموي من جانب الحكومة، ولتخويف الناس أكثر اعترف التلفزيون الحكومي بأن قوات الأمن تقتل المتظاهرين. الجدير بالذكر أن كثيراً من أعمال العنف الحادة كانت في خوزستان موطن العرب الذين لهم تاريخ طويل من الصدامات مع سلطة الدولة، ما يوضح كيف أن الاضطرابات الاقتصادية الحالية تهدد بتفاقم الانقسامات الطائفية داخل إيران والمنطقة الأوسع. هذه المخاطر لا تقتصر على عرب خوزستان، إنها موجودة لدى الأكراد والآذريين، وربما الأخطر لدى البلوش في الجنوب، وكل هذه الأعراق لهم إخوة، في بعض الحالات متمردون نشطون، على الجانب الآخر من الحدود الإيرانية.
بعد «العصا» لوحت الحكومة الإيرانية «بالجزرة» عبر مساعدات مباشرة طبقت على الفور واستهدفت 70 في المائة من السكان! أرادت الحكومة دعم الركائز الأساسية للنظام (الفقراء). نجح أسلوب العصا والجزرة حتى الآن في قمع الاحتجاجات لكن الهدوء سوف يتلاشى طالما أن الاقتصاد الإيراني يتعرض لأقصى أنواع الضغوط.
أما العراق فإنه لا يزال يعيش موجة احتجاجات عنيفة واسعة النطاق، تغذيها قضايا الخبز والغضب من الفساد الحكومي. ثار العراقيون بعد صبر على نظام الحكم في مرحلة ما بعد الغزو الأميركي. وزع النظام الوظائف العليا على أساس الانتماء الطائفي، وتُلقي الاحتجاجات اللوم عليه في إثراء الزعماء الدينيين والمجموعات شبه العسكرية على حساب الشعب العراقي. ولأن العراق دولة ذات أغلبية شيعية فقد أفاد هذا، النظام الإيراني الذي مارس نفوذاً على السياسة العراقية ورعى وجوداً عسكرياً وصاروخياً وأنشأ مجموعات «الحشد الشعبي» التي يبلغ عدد أعضائها مئات الآلاف، إنها تمثل قوات موازية للقوات المسلحة، تأخذ رواتبها وتُمنح الرتب الرسمية من الدولة العراقية، لكن افتقارها للاندماج في القوات العراقية هو شهادة على ضعف مؤسسات الدولة. ورغم أنها تحت قيادات عراقية الاسم، فإن لإيران التأثير الأكبر على هذه الجماعات. ما مقدار هذا التأثير؟ يقول لي مصدر عراقي معارض، إن هذا سيظهر فقط في حالة وجود خلاف استراتيجي خطير بين بغداد وطهران! العراقيون الغاضبون يعتبرون أن تأثير إيران على العراق مفرط ويضرّ بالبلاد، ولم يتأخر المتظاهرون في إشعال النيران في القنصليات الإيرانية في جنوب العراق حيث المراقد الشيعية.
غرقت حركة الاحتجاجات في العراق في أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الأمن والقوات شبه العسكرية (الحشد الشعبي)، ورغم عدد القتلى الذي فاق الـ400 لم تتوقف الحركة وحققت نجاحاً في 29 من الشهر الماضي بإعلان رئيس الوزراء عادل عبد المهدي عزمه على التنحي «بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة»، وهنا تكمن الخدعة؛ إذ إن اختيار عبد المهدي استغرق ما يقرب من نصف العام، وسيخضع بديله لعملية التثبيت الطويلة والشاقة للغاية من قبل الأحزاب السياسية والرائدة والتي لن تتنازل عن امتيازاتها. لذلك فإن قصة العراق ستكون معقدة ومن غير المرجح أن يحصل المتظاهرون على عملية الإصلاح الشامل الذي يطالبون به في أي وقت قريب. وبالتالي فإن الحرب الأهلية ليست ببعيدة. لكن من ناحية أخرى، ورغم أن التغيير المنهجي في العراق بعيد المنال، ورغم ما قد يحدث على المدى القريب، فإن الموقف الجغرافي السياسي لإيران تآكل بشكل ملموس منذ اندلاع حركة الاحتجاج. قد يقتل عملاؤها كثيرين، لكن ضربة الفأس الأخيرة ستكون على الرأس الإيراني داخل العراق.
أما في لبنان فيريد الشعب إنهاء نظام المحاصصة والمحسوبية على أسس دينية، الذي بني على حساب الحكم الرشيد. وكما في العراق ستخسر إيران من أي إصلاح شامل لأنه يؤذي أهم وكلائها والأكثر موثوقية من قبلها، أي «حزب الله». يتمتع «حزب الله» بتاريخ طويل كوحدة شبه عسكرية وحزب سياسي في لبنان، ولاؤه لإيران، ومع ذلك فإن دخول الحزب إلى المسرح السوري دفع بعض المتظاهرين حتى عدداً كبيراً من الشيعة إلى التشكيك في التزامه بالمشروع الوطني اللبناني. مع قيام الثورة في لبنان التي أسقطت رئيس الوزراء، رغم أن الأمين العام للحزب حسن نصر الله أنذر اللبنانيين بأنه لا إسقاط للحكومة، ولا تغيير للعهد، ولا إصلاحات، قام بتعبئة مؤيديه ووحداته لضرب الثورة ودعم الحصص الطائفية السابقة، فسقط مشروعه بشكل فاضح. استمرت الثورة ورفض الثوار خياره الثاني لرئاسة الحكومة، كما أظهرت سلمية الثورة نوعية بلطجية مؤيدي الحزب ووحداته. يهدد الحزب عبر المقربين منه بأن الثورة هي مؤامرة عليه، وقد تؤدي إلى حدوث اشتباكات في المستقبل بين قواته وقوات الجيش اللبناني، إذا حدث هذا يكون الحزب قد ارتكب غلطة العمر.
القواسم المشتركة بين السياقات الوطنية الثلاثة صارخة. كل حركة تقاتل من أجل نظام سياسي واقتصادي أكثر عدالة وشفاف وغير فاسد، وترفض الطموحات الإقليمية للنظام الإيراني. الديمقراطية لها ثمن، لكن في هذه الدول قد يكون ثمنها أغلى من بقية الدول، لأنها تشكل ضربة قاسمة لأهداف السياسة الخارجية الطويلة المدى لإيران. ستحاول هذه فرض العنف المستمر والاضطرابات وعدم الاستقرار على المدى القصير. لقد وضع المتظاهرون سقفاً عالياً لإصلاح الأنظمة الطائفية الفاسدة. وهذه الأهداف ستعمل على تنشيط الاحتجاجات إلى أبعد من المتوقع. لكن المزيج من مؤسسات الدولة الضعيفة المتعفنة، والقوات شبه العسكرية المدعومة بالسلاح، وسنوات من سوء الإدارة الاقتصادية، وعلى سبيل المثال ديون لبنان المتضخمة، كلها تجعل المطلوب من المتظاهرين المثابرة والاستمرار وعدم التراجع.
ويجب الإيمان حقاً بأن لبنان ينتفض، والعراق ينتفض، وإيران تنتفض أيضاً. وستحتفل شعوب هذه الدول بالولادة الثانية لأوطانها، وهذا حتماً سيحصل، فالتنين يقترب من نهاية عمره!

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

المصالحة مع قطر لم تنضج بعد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

جويس كرم

عامان ونصف على أزمة الرباعية العربية مع قطر. وعلى الرغم من بعض المؤشرات الأخيرة الموحية بحل وشيك، فإن عمق الخلاف واتساع مداه الجيوسياسي والإقليمي يشير إلى أن هذه المصالحة لم تنضج بعد.

توقع كثيرون أن تكون القمة الخليجية هذا الأسبوع منبر المصافحة بين أمير قطر تميم بن حمد والملك السعودي سلمان بن عبد العزيز. إلا أن عدم حضور الأمير وإرسال رئيس وزرائه عبدالله بن ناصر يؤكد أن إطار المصالحة لم يكتمل بعد وأن هناك عراقيل جمة على المستويين الداخلي والإقليمي قد تؤخر حدوثها.

بالنظر إلى المؤشرات التي كادت توصل إلى مصالحة في الرياض هذا الأسبوع، فيمكن اختصارها بثلاث:

أولا، زيارة وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن إلى السعودية في أكتوبر الفائت كانت مفصلا رئيسيا باتجاه الحل. صحيفة "وول ستريت جورنال" التي كشفت عن الزيارة قالت إن الجانب القطري تعهد بوقف الدعم لتنظيم الإخوان المسلمين وأي تنظيمات تابعة له. مصادر مطلعة تقول إن ولي العهد السعودي استقبل وزير الخارجية القطري على العشاء في تلك الزيارة.

ثانيا، الضغط الأميركي في الفترة الأخيرة لإيجاد حل أو على الأقل رفع بعض وسائل المقاطعة التي وضعتها الرباعية (السعودية، الإمارات، مصر والبحرين) في العام 2017. وهذا ما توجته اجتماعات دفاعية في الرياض وواشنطن تحت مظلة مجلس التعاون الخليجي، وخطوات مثل المشاركة من قبل البحرين والسعودية والإمارات في كأس الخليج الذي استضافته قطر قبل أيام.

ثالثا، العوامل الاقتصادية وتطلع معظم الأطراف إلى رفع الإجراءات التي تمنع التسهيلات الاقتصادية والاستثمارات. هذا الدافع تعززه المقاربة الأميركية وتذمر كبار الشركات في الولايات المتحدة من كلفة القطيعة على الحركة المصرفية والبحرية والجوية لهذه الشركات في الخليج.

في الوقت نفسه، اصطدم هذا المناخ الإيجابي تجاه المصالحة بعدة عوامل على أرض الواقع أدت إلى عرقلته حتى اليوم؛ ومن أبرزها:

أولا، انتظار دول الرباعية خطوات ملموسة حول وقف قطر لدعم تنظيم الإخوان وفروعه وليس فقط تعهدات. فحتى حين قدمت قطر تعهدات خطية لمجلس التعاون في الماضي، نكثت بها على أرض الواقع. من هنا، لا يكفي تعهد وزير خارجيتها، وهناك ترقب من الدول المقاطعة لخطوات محددة في هذا المجال.

ثانيا، زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان إلى الدوحة بعد أسبوعين من زيارة وزير الخارجية القطري للسعودية، وضعت أنقرة في صلب هذه المعادلة. فالوجود العسكري التركي في قطر ما زال مرفوضا من دول المقاطعة، وما من مؤشر بأن إردوغان في صدد الانسحاب لا بل هو يبدي استعدادا لاستنساخ هذه الاستراتيجية في ليبيا.

ثالثا، هناك وجهات نظر مختلفة داخل الرباعية ومطالب تتمايز بين دولة وأخرى رغم الالتقاء على الإطار الأوسع. من هذا المنطلق قد يكون هناك حاجة إلى مفاوضات متعددة الأطراف وليس فقط سعودية ـ قطرية لإنجاح مساعي إنهاء الأزمة.

رابعا، رغم الهدنة الإعلامية القصيرة، ما زال التشنج في الخطاب الإعلامي بين قطر والرباعية يطبع الموقف بسبب التباعد الجيوسياسي والإقليمي المستمر في أكثر من ملف.

خامسا، العلاقة الإيرانية ـ القطرية، التي شهدت تقاربا منذ الأزمة الخليجية، مصدر قلق لدول الرباعية والولايات المتحدة. وهذا سيتطلب التزامات من الدوحة للبقاء ضمن المظلة الخليجية من دون أن يعني مقاطعتها لطهران.

هذه المعطيات ترجئ المصالحة مع قطر اليوم وترجح خطوات تدريجية قبل حل شامل للأزمة. إنما أي مصالحة كاملة ستستوجب خطوات ملموسة وليس فقط تعهدات، وعليها أن تنال موافقة كل الدول المقاطعة بمن فيها مصر. الى حين اتمام ذلك، ستضغط الولايات المتحدة لاتخاذ تسهيلات في القطاع المصرفي أو لرفع الحظر الجوي والبحري تخفف العبء على شركاتها وتفسح المجال لخطوات أكبر.

عن "الحرة"

للمشاركة:

عام على اتفاق ستوكهولم.. تعنت حوثي يفاقم معاناة اليمنيين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-12-12

يدخل اتفاق ستوكهولم بشأن الأزمة اليمنية، اليوم الخميس، عامه الثاني، وسط مماطلات حوثية عرقلت تنفيذ غالبية بنوده التي كانت ستُسهم في تخفيف معاناة اليمنيين، وخصوصا سكان مدينة الحديدة غربي البلاد.

وفي 12 ديسمبر/كانون الأول من العام الماضي، رعت الأمم المتحدة مشاورات سلام بين الحكومة اليمنية ومليشيا الحوثي، أثمرت توقيع ما عُرف بـ"اتفاق ستوكهولم" في السويد.

ونص الاتفاق على عدة تفاهمات؛ أبرزها وقف إطلاق النار في مدينة الحديدة الساحلية، فضلا عن تبادل الأسرى والمعتقلين والمخفيين قسريا، وفك الحصار الحوثي على مدينة تعز، جنوب غربي البلاد.

وطيلة عام كامل، لم يحقق اتفاق ستوكهولم سوى اختراقات طفيفة في جانب تخفيف التصعيد العسكري بالحديدة.

ومن المقرر أن يقدم المبعوث الأممي مارتن جريفيث، مساء الخميس، إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي بشأن اتفاق ستوكهولم، وما تحقق منه والمؤشرات القادمة بشأن ملف الحديدة.

مسرحية هزلية
كان "ملف مدينة الحديدة" هو القضية الأبرز في اتفاق ستوكهولم؛ حيث نص على هدنة إنسانية تبدأ منذ 18 ديسمبر/ كانون الأول 2018، فضلا عن فتح الممرات الإنسانية والسماح بمرور قوافل الإغاثة.

كما أكدت بنود الاتفاق انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة الـ3 خلال 14 يوما، ثم من مدينة الحديدة إلى أطرافها في غضون 21 يوما.

ومنذ تلك الفترة، واصلت مليشيا الحوثي مراوغاتها للتنصل من اتفاق الحديدة، عبر تنفيذ انسحاب وهمي أحادي الجانب من موانئ الحديدة.

وارتكزت الخدعة الحوثية على استبدال عناصر المليشيا المدعومة من إيران بقوات موالية لها، في خطوة رفضتها الحكومة اليمنية ووصفتها بـ"المسرحية الهزلية".

مراوغات الحوثيين لم تتوقف عند خدعة الحديدة، بل واصلت المليشيا حفر الخنادق وزراعة الألغام في محيط ميناء الحديدة والشوارع المؤدية إليه، بالتوازي مع تحويل الأحياء السكنية إلى ثكنات عسكرية.

وفيما توقفت الضربات الجوية للتحالف العربي بشكل كامل منذ عام على مواقع الحوثيين في مدينة الحديدة، واصلت المليشيا الانقلابية إطلاق الصواريخ والطائرات المسيرة على مواقع القوات المشتركة.

وكانت آخرها الهجمات الإرهابية المزدوجة بأكثر من 5 صواريخ باليستية و13 طائرة مسيرة على مدينة المخا في الساحل الغربي لليمن.

وفي الشق الاقتصادي لملف الحديدة، كان من المفترض أن تقوم المليشيا الحوثية بالانسحاب من ميناء الحديدة وتسليم إدارته للأمم المتحدة من أجل توريد إيراداته المهولة إلى البنك المركزي في عدن حتى يتسنى للحكومة اليمنية صرف مرتبات جميع موظفي الدولة.

إلا أن المليشيا رفضت التخلي عن موارد ميناء الحديدة التي تستغلها في شراء السلاح، وهو ما أدى إلى حرمان مئات الآلاف من مرتباتهم ومفاقمة الأوضاع الإنسانية.

أزمة الأسرى

منذ توقيع اتفاق ستوكهولم، عقدت لجنة الأسرى والمعتقلين المشتركة عدة اجتماعات في العاصمة الأردنية عمّان، لكنها لم تخرج بنتائج إيجابية جراء استمرار التعنت الحوثي في الملف الإنساني المفتاحي لبناء الثقة بين الأطراف.

وطالبت الحكومة اليمنية بالبدء بصفقة تبادلية كاملة يتم بموجبها إطلاق جميع الأسرى من الجانبين دفعة واحدة، لكن المليشيا الحوثية اشترطت أن يتم إطلاق 50% فقط، بهدف الاحتفاظ بما تبقى واستخدامهم كورقة للابتزاز السياسي.

وفيما وافقت الحكومة على تبادل 50% من القوائم الخاصة بالأسرى والمخفيين قسريا، وعلى رأسهم 10 صحفيين وعدد من الناشطين والأكاديميين الذين تم اعتقالهم دون وجود أي تهمة، ماطلت المليشيا الحوثية في هذا الجانب، ورفضت تنفيذ تعهداتها حتى الآن.

وخلال الأسابيع الثلاثة الماضية، حاولت مليشيا الحوثي امتصاص الضغط الأممي، وقامت بإطلاق 290 أسيرا فقط من معتقلاتها في صنعاء.

فيما أكد مراقبون أن جميع المفرج عنهم مواطنون عاديون قامت المليشيا الانقلابية باختطافهم من منازلهم وحواجز التفتيش على مداخل المدن.

وتواصل المليشيا الحوثية اختطاف أكثر من 4 آلاف معتقل ومخفي قسريا في سجونها بصنعاء وذمار وإب والحديدة.

ملف تعز
وبالتوازي مع تعنتها في جميع الملفات واصلت مليشيا الحوثي فرض حصارها الخانق على مدينة تعز للعام الرابع على التوالي، رغم الالتزامات التي قطعتها في اتفاق ستوكهولم.

وضرب الحوثيون عرض الحائط بالالتزامات المترتبة عليهم بناء على الاتفاق، ليرفضوا كل الدعوات الأممية والدولية بتسهيل مرور المدنيين.

وتفرض المليشيا الحوثية حصارا على سكان تعز من جميع المنافذ الرئيسية الشرقية والغربية والشمالية.

كما تمنع دخول الإغاثات والمواد الغذائية، كعقاب جماعي للمدنيين القاطنين في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية.

وكان من المفترض، أن تقوم المليشيا الحوثية بفتح أحد الممرات الرئيسية للمدينة وهو الذي يربط مدينة تعز بالعاصمة صنعاء، لكنها واصلت مماطلتها، وقرنت ذلك باستئناف الرحلات الجوية من مطار صنعاء الدولي.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية