نادر الحمامي: حركة النّهضة التونسية لا تؤمن بالديمقراطية

عيسى جابلي's picture
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
13072
عدد القراءات

2019-04-17

أجرى الحوار: عيسى جابلي


قال الباحث التونسي نادر الحمامي إنّ حركة النهضة لا تؤمن بالديمقراطية؛ لأنّها ليست مجرد شكليات بقدر ما هي "إيمان عميق بقيم المواطنة الحقّ على أساس الحقوق والحرّيّات الجماعيّة والفرديّة دون قيد انتماء أو شرط هويّة".

اقرأ أيضاً: مؤتمر نداء تونس يقطع نهائياً مع النهضة وفروع الإسلام السياسي

وأضاف، في حواره مع "حفريات"، أنّ الحركة لا تؤمن بالاختلاف بمفهومه الحقيقي وإنما "تسيجه بشروط هووية ضيقة تفقده أهميته الحقيقية، بما أنّها محكومة بأدبيات قديمة من قبيل مبدأ الحاكمية الذي نظّر له زعيمها راشد الغنوشي في مؤلفاته ولم يعلن بعد مراجعاتها".
وأوضح الحمامي أنّ حركة النهضة ترفض المساواة بين المرأة والرجل من باب الحسابات السياسية وتداعيات موقفها في الانتخابات، وقرارها "يحاول إرضاء القاعدة الانتخابيّة في قسمه الأوّل والجهات السياسيّة التي كانت الحركة متحالفة معها سابقاً وتحرص اليوم على عدم التصادم معها ما أمكن".

اقرأ أيضاً: قرارات جديدة لحزب نداء تونس.. ما علاقة حركة "النهضة" الإخوانية؟
وأكد الباحث التونسي أنّ نتائج الانتخابات لا تعكس واقع التونسيين الحقيقي ولا تعبر عن توجهاتهم الأيديولوجية، بقدر ما تحددها عوامل أخرى منها العزوف عن التصويت، لفشل القوى السياسية التقدمية والحداثية وتشتتها.
ونادر الحمامي يحمل شهادة الدكتوراه في اللغة والآداب العربيّة، كليّة الآداب والفنون والإنسانيّات بمنوبة، صدر له عدة دراسات وكتب منها كتاب "الطبري وخصومه من أهل السنّة" وكتاب "إسلام الفقهاء".
وهنا نص الحوار:
حركة النهضة والديمقراطية

 نتائج الانتخابات لا تعكس واقع التونسيين الحقيقي
في آخر تصريح له قال زعيم حركة النهضة إنّ "أكثر حزب ديمقراطي في تونس هو النهضة"، ما رأيك؟

له ولغيره طبعاً أن يعلن أنّ حزبه ديمقراطي بل أن يعتبره أكثر الأحزاب ديمقراطيّة إمّا انطلاقاً من اقتناع لديه، أو تصوّر أو تسويق سياسيّ في ظلّ مناخ سياسي تونسيّ تكاد تشترك فيه كلّ الأطياف والأحزاب السياسيّة في الشعارات نفسها من قبيل الديمقراطيّة والحريّة، وما يسمّى الوسطيّة والاعتدال ومصلحة الوطن والدفاع عن المجتمع.. إلى غير ذلك من اللافتات التي غدت مشتركة إلى الحدّ الذي أفقد الأحزاب السياسيّة كلّ هويّة "إيديولوجيّة" بالمعنى الإيجابي والمعرفي للكلمة.

نتائج الانتخابات لا تمثّل فعلاً المجتمع التونسي وتوجّهاته الأيديولوجيّة أو السياسيّة

ولكن من جهة أخرى من حقّنا باعتبارنا متابعين مناقشة هذا التصريح بمطابقته بالواقع والمواقف. وأقدّر أنّ النقطة الأساسيّة في هذا النقاش تنطلق بالمقصود بالديمقراطيّة، هل هي مجرّد "شكليّات" واجتماعات صوريّة توهم بالقرارات الجماعيّة والاستماع إلى الآراء والمرور إلى التصويت أم أنّ ديمقراطيّة اليوم تختلف عن ذلك كثيراً؟

أعتقد أنّ الديمقراطيّة شيء آخر، أرى أنّ حركة النهضة لا تؤمن بها فعليّاً. الديمقراطيّة أيضاً إيمان عميق بقيم المواطنة الحقّ على أساس الحقوق والحرّيّات الجماعيّة والفرديّة دون قيد انتماء أو شرط هويّة، ولا أرى أنّ مواقف هذا الحزب من هذه المسائل الجوهريّة تجعل منه ديمقراطيّاً بفعل الاحتراز على الأقلّ أو رفض الكثير من الحريّات التي تنادي بها أطراف حقوقيّة ومكوّنات من المجتمع المدني التونسي، وأقصد هنا بالخصوص الحريّات الفرديّة التي ترفضها حركة النهضة استناداً إلى مرجعيّة دينيّة تسوّق اجتماعيّاً أنّها مرجعيّتها في عملها السياسي.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يكشف عن مرشح النهضة للانتخابات الرئاسية
من ناحية أخرى هل تمّ التخلّي بوضوح عن الأدبيّات التي نشرها في كتبه من قبيل ما ورد في كتاب "الحريّات العامّة في الدولة الإسلاميّة" حول تعدّد الأحزاب مثلاً، وقد جاء فيه إنّ الأحزاب وعلى الرغم من تعدّدها "هي كلّها في الحقيقة حزب واحد هو حزبُ الله" بكلّ ما يحمله مثل هذا القول من استبطان وغيره كثير في هذا الكتاب، لمبدأ الحاكميّة وتأسيس خفيّ لأحزاب دينيّة يساهم في بناء دولة ثيوقراطيّة، وهو تأسيس سيكون معلناً في مواضع أخرى من قبيل قوله "إنّ حاكميّة الله سبحانه وسيادته في حياة الإنسان قد نطق بها الوحي كتاباً وسنّة، فمنه استمدّت الشريعة، فشريعة الله حاكمة على ما سواها".
هل تمّ الإعلان الصريح والواضح عن التراجع عن مثل هذه الأفكار وما شابهها؟ أنا، على الأقلّ، لم أعلم بهذا التراجع الضروريّ إلى حدّ الآن.

الاختلاف المسيّج

من يطرح نفسه من باب الاختلاف والتعدّد لا يجب أن يحدّد شروطهما
تطرح "النهضة" نفسها من باب الاختلاف والتعدّد في السّاحة السياسية، وكل من يحتج على نشاطها تصفه بـ"الاستئصالي"، ألا يمكن القبول بنشاط الإسلام السياسي من باب القبول بالديمقراطية؟

هناك قسم من هذا السؤال أجبت عنه في السؤال الأوّل ولكن دعني أقل إنّ من يطرح نفسه من باب الاختلاف والتعدّد لا يجب أن يحدّد شروطهما، بمعنى لا يمكنك أن تطلب منّي أن أكون مختلفاً عنك، ولكن تسيّج لي حدود اختلافي معك وتضع شروطاً دينيّة أو هوويّة غير قيم المواطنة والحريّة المطلقة والقوانين الوضعيّة التي تضعها مؤسّسات الدولة لتنظيم الحياة المجتمعيّة.

المحسوبون على اليسار مشتّتون بطريقة غريبة لا تجد لها تفسيراً غير النرجسيّة والزعامتيّة والعجز عن التواصل المجتمعي

وأعتقد أنّ حركة النهضة إلى اليوم تقول إنّها تؤمن بالاختلاف والتعدّد ولكنّهما مشروطان بالهويّة، وعلى هذا الأساس ترفض مقترحات كثيرة نحو مزيد من الحريّات بحجة الهويّة الإسلاميّة، لنلاحظ مثلاً موقفها من المساواة في الإرث المستند إلى ما يعتبر من "الثوابت الدينيّة".
وعلينا أيضاً أن نلاحظ لجوء بعض قادتها والكثيرين من المتعاطفين معها الدائم إلى الفصل الأوّل من الدستور التونسي للنظر من خلاله إلى كلّ ما يتعلّق بالحريّات، وهو فصل يوجّه نحو فهم مخصوص مفاده أنّ "تونس دولة الإسلام دينها"، وبالتالي ينبغي أن تكون تشريعاتها مطابقة لهذا الفهم، مع وجود فهم آخر منذ العام 1959 يعيد عبارة الإسلام في الفصل إلى تونس باعتبارها شعباً أغلبه مسلم وليس إلى الدولة وتشريعاتها.
أمّا مسألة الاستئصال هذه فهي في تقديري تمتح من تاريخ المظلوميّة الذي لعبت عليه الحركة عاطفيّاً، وخاصّة خلال العام 2011 وكان له أثر واضح في نتائج الانتخابات آنذاك. إنّ قضيّة الاستئصال هذه غير ممكنة واقعيّاً ولا يمكن أن تُقبل إلاّ بكثير من السذاجة فقد أثبت الواقع استحالتها وأعتقد أن مدّة صلاحيّتها قد انقضت اليوم.

معارضة المساواة

 تاريخ المظلوميّة لعبت عليه الحركة عاطفيّاً، وخاصّة خلال العام 2011
أعلنت حركة النهضة أنّها ستصوت ضد مقترح قانون المساواة في البرلمان، لماذا اتخذت هذا الموقف برأيك؟

بداية أقول إنّه في نظري الموقف من المساواة التامّة بين المواطنين في الحقوق والواجبات دون أيّ اعتبارات أخرى غير المواطنة هو الفيصل بين الأطراف المؤمنة بالمواطنة الحقّ وغير المؤمنين بها.
في صيف 2018 صدر بيان رسميّ عن حركة النهضة قسمه الأوّل يعيد الحجج المعارضة للمساواة التي تتبّناها كلّ الجهات المحافظة، جاء في هذا البيان الذي أصدره مجلس الشورى التمسّك بنظام المواريث كما جاء في ما يعتبر نصوص الفرائض والمواريث قطعيّة الدلالة قطعيّة الثبوت، وكما أقرّتها مجلّة الأحوال الشخصيّة لعام 1956.

اقرأ أيضاً: حركة النهضة تتذرع بـ"المولد النبوي" لتأجيل الانتخابات الرئاسية
وأكّد البيان أنّ تغيير نظام المواريث بالإضافة إلى معارضته للنصوص فإنّه يهدّد الأسرة وتماسك المجتمع، واللافت للنظر أنّ القسم الثاني من البيان يؤكّد استعداد الحركة للتعامل الإيجابي مع كل ما من شأنه دعم حقوق المرأة بما لا يتنافى مع "النصوص القطعيّة"، والاستعداد الدائم للتفاعل الإيجابي مع المبادرة الرئاسيّة المتعلّقة بالمساواة.
وأرى أنّ هذا البيان يحاول إرضاء القاعدة الانتخابيّة في قسمه الأوّل والجهات السياسيّة التي كانت الحركة متحالفة معها سابقاً وتحرص اليوم على عدم التصادم معها ما أمكن، ولذلك أقدّر أنّ المعارضة للمساواة أو الاستعداد للحديث فيها ومناقشاتها لا تنطلق من رفض جذريّ أو استعداد تلقائيّ بل من الحسابات السياسيّة وتداعيات الموقف في المستوى الانتخابي.
الإسلام السياسي والحداثة

 

 

إذن ما جدية ادعائها بأنّها حركة حداثية، وفق تصريح رفيق عبد السلام وغيره؟
هو لم يقل ذلك تماماً، هو تحدّث في موقف نشره على صفحة الفيسبوك عمّا أسماه "حداثة إسلاميّة عميقة" وهذا القول في حدّ ذاته دالّ؛ لأنّه ينخرط بامتياز ضمن تيّار كامل يضفي صفة "الإسلاميّة" على كلّ شيء بكلّ بساطة كالحديث عن ديمقراطيّة إسلاميّة، وليبراليّة إسلاميّة، والآن عن حداثة إسلاميّة، وفي تقديري أنّ هذه الاعتبارات لا تعدو أن تكون تنويعات على مقولة "الأسلمة" التي عرفت انطلاقتها الحقيقية مع إسماعيل فاروقي وكتابه عن "أسلمة المعرفة" أحد مؤسّسي المعهد العالمي للفكر الإسلامي الذي قام على فكرة أنّ تخلّف المسلمين الحضاري لا مخرج منه إلاّ بتأصيل الفكر الحديث في المنظومة الإسلامية، وهذا المعهد الذي تأسّس في الولايات المتّحدة تزامن إنشاؤه مع بداية الثمانينيات التي تعتبر فترة مهمّة في تاريخ الإسلام السياسي السنّي الذي تحوّل في ذلك الوقت من المهادنة السياسية إلى الاحتجاج والمعارضة السياسيّة أسوة بما وقع في إيران العام 1979. هذا القول إذن لا ينبغي أن يفهم إلاّ في سياق عامّ وضمن تيّار كبير ينتمي إلى الإسلام السياسي ويخدمه من باب ما يظهر علماً ومعرفة وانسجاماً مع التقدّم والحداثة. 
نتائج الانتخابات وواقع التونسيين

 

العزوف بدوره نتيجة عن فشل القوى السياسيّة التقدّميّة والحداثيّة اجتماعيّاً
برأيك، كيف يمكن مواجهة الإسلام السياسي والحد من تغوّله في الساحة السياسية، في تونس خصوصاً، وفي العالم العربي عموماً؟

بداية أنا لا أميل إلى استعمال عبارة "تغوّل" التي استعملت في إطار سياسوي صرف ودخلت المعجم السياسي التونسي لغايات انتخابيّة صرفة في سياق مخصوص. المسألة مرتبطة بسيطرة أملتها نتائج الانتخابات سواء في 2011 أو 2014 في تونس، ولئن أقرّ أغلب المراقبين بديمقراطيّة تلك الانتخابات فإنّ ذلك لا يمنع من القول بأنّ نتائجها لا تمثّل فعلاً المجتمع التونسي وتوجّهاته الإيديولوجيّة أو السياسيّة خاصّة بالنسبة إلى انتخابات 2014 فما حدّد النتائج هو العزوف عن الانتخابات بالأساس أكثر من قوّة حركة النهضة اجتماعيّاً وانتشار ما تتبنّاه من أفكار أو رؤى، والعزوف بدوره نتيجة عن فشل القوى السياسيّة التقدّميّة والحداثيّة اجتماعيّاً وتشتّتها ودخولها في معارك أكاد أقول وهميّة في ما بينها.

اقرأ أيضاً: تونسيون يطردون قادة حركة النهضة الإخوانية.. فيديو
لا أدلّ على ذلك من أنّ القوى التقدّميّة، حزبيّة كانت أو أنّها تنتمي إلى المجتمع المدني والجمعيّات، قد فرضت تغييراً على مواقف "النهضة" في العديد من المناسبات كلّما توحّدت على موقف وبرز ذلك أثناء مناقشة الدستور مثلاً حين كانت "النهضة" تريد تضمين الشريعة مصدراً للتشريع، أو دسترة المجلس الإسلامي الأعلى، أو العودة إلى نظام الأحباس (الأوقاف)، أو كسر وحدة التعليم المدني التونسي وإدخال تعليم مواز يوصف بأنّه شرعيّ. فالواضح من خلال هذه الأمثلة وغيرها، أنّه حين ينبذ التقدميّون خلافاتهم الجزئيّة وأحياناً الشخصيّة والنرجسيّة فإنّهم يمنعون المشاريع التي تهدّد مدنيّة الدولة أو تحاول الالتفاف عليها.
بالنسبة إلى باقي الدول الإسلاميّة فإنّ الأمر مختلف، ولا أقول هنا إنّ تونس تمثّل استثناء، ولكن لها خصوصيّات أهمّها قوّة المجتمع المدني، ووضعيّة المرأة، ورهان دولة الاستقلال على التعليم، والانفتاح على أوروبّا منذ القرن التاسع عشر إلى غير ذلك من العوامل التاريخيّة، هذا بالإضافة إلى أنّ التديّن في تونس هو تديّن ثقافيّ والأعراف فيه وما تعوّد عليه المجتمع أقوى بكثير ممّا تدعو إليه تيّارات الإسلام السياسي.
لماذا يتغلغل الإسلام السياسي في بيئة تونسية توصف بأنها "حداثية ومنفتحة رسخت فيها أسس الدولة والقانون"؟
إنّ ما يظهر أنّه تغلغلٌ تكذّبه الإحصائيّات العلميّة التي تمّ إنجازها في تقرير الحالة الدينيّة في تونس بين عامي 2011 و2015 وأصدرته مؤسّسة "مؤمنون بلا حدود"، فالواضح تماماً إذا ما قرئت مواقف التونسيّين اجتماعيّاً وبصورة دقيقة أنّها مواقف غير ثابتة، وهي متحوّلة وفق الظرفيّة وتابعة للتوجيه الإعلامي وللأوضاع السياسيّة المحليّة والخارجيّة، ولم نلمس من خلال التقرير أنّ التونسيين في العموم الغالب يعتبرون أنّ السياسة تقوم على الدين بصورة صلبة وعقائديّة كما هو الأمر بالنسبة إلى دعاة الإسلام السياسي.

اقرأ أيضاً: تقسيم التونسيين.. النعرات الجهوية مفتاح حركة النهضة لحملتها الانتخابية
ولكن هذا في الوقت نفسه ليس مبنيّاً على ما توصف به البيئة التونسيّة من أنّها حداثيّة ومنفتحة، فهذا غير صحيح أيضاً، فهذه البيئة تقليديّة وليست محافظة، ونحن كثيراً ما نخلط بين المحافظة والتقليد في حين أنّهما مختلفان. فالمجتمع التونسي لا يتمسّك بالماضي تمسّكاً مرضيّاً فيصبح محافظاً، فالواقع أثبت أنّ بمقدوره أن يُدَخْلِنَ قيماً وتصبح من طبيعة المجتمع وتغدو بمثابة العرف على الرغم أنّها ليس لها مستند تراثي.  
هل من بديل للإسلام السياسي؟

 

 

ونحن على أبواب انتخابات تشرين الأول (أكتوبر) القادم، هل يمكن طرح بديل يساري حداثي قادر على منافسة الإسلام السياسي؟
على الرغم من أنّي لست من أهل السياسة بالمعنى التقني للكلمة، فإنّ نتائج الانتخابات بالنسبة إليّ باعتباري مواطناً مهمّة طبعاً، وهي نتائج في تقديري تحدّدها في المقام الأوّل نسبة المشاركة، وكلّ الخوف أن تكون ضعيفة جدّاً إزاء الأداء السياسي من كلّ الفاعلين طيلة الأعوام الأخيرة.
لا أعرف فعلاً إن كان البحث عمّا يسمّى بديلاً يساريّاً هو الحلّ لمنافسة الإسلام السياسي، ولكن الواقع السياسي اليوم يقول إنّ ذلك ليس هو الحلّ الحقيقي، فالمحسوبون على اليسار مشاكلهم كثيرة ومشتّتون بطريقة غريبة لا تجد لها تفسيراً غير النرجسيّة والزعامتيّة والعجز عن التواصل الحقيقي مع المجتمع، وهناك مشكل آخر يتلخّص في ما يمكن تسميته بافتقاد استراتيجيّة خطاب تقوم على الوضوح والانسجام دون سقوط في مسايرة المجتمع، أو توهّم القول ما يريده المجتمع استرضاء له ممّا يجعله غير قادر على تقديم برامج حقيقيّة عوض حصر خطابه في معارضة الخصم أو مهاجمته فهذا لا يخدم إلاّ من يهاجمه.

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



مختار نوح: مرسي كان يرغب في إجراء مراجعات قبل وفاته والشاطر رفض

2019-07-15

أجرى الحوار: سامح فايز


قال المحامي والقيادي السابق في جماعة الإخوان المسلمين، مختار نوح: إنّ الرئيس المعزول، الراحل محمد مرسي، كان يرغب في إجراء مراجعات للموقف السياسي للجماعة قبل وفاته، غير أنّ خيرت الشاطر رفض تلك المسألة، وطلبت الجماعة من مرسي عدم الخوض في مسألة المراجعات.

الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة لا علاقة لها بظروف إلهية وذلك يكون استثماراً فالجماعة قابلة للاستثمار

وأضاف نوح: "لا يوجد أمل لعودة الجماعة مرة أخرى للمشهد العام، بعد أن كشفت عن وجهها المتطرف، وسيطرة التنظيم الخاص، ومقاتلة الشعب"، لافتاً إلى أنّ الإخوان عادت في مرات سابقة للحياة بعد حظرها من الأنظمة الحاكمة؛ بسبب رغبة الحكام في استثمار الجماعة، إلا أنّ تلك المسألة غير قابلة للحدوث الآن.
وأشار نوح، في حوار مع "حـفريات"، إلى أنّ النظام الخاص يسيطر على الجماعة بالكامل، منذ عام 1995، بعد تولّي مصطفى مشهور مكتب الإرشاد، منوهاً إلى أنّ أوّل ما فعله النظام الخاص؛ إقصاء غير المنتمين له من الجماعة بالكامل.
هنا نصّ الحوار:

خيرت الشاطر
على مدار تاريخ جماعة الإخوان تمّ حلّها وحظرها أكثر من مرة، وكانت تعود في كلّ مرة أقوى من السابق، تلك المسألة تطرح سؤالاً عن هل هناك إمكانية لعودة الجماعة للمشهد من جديد؟

جماعة الإخوان لا تعود أبداً إلا بعون من السلطة، لا علاقة لها بظروف إلهية، وذلك يكون استثماراً، فالجماعة قابلة للاستثمار، أنا أذكر مرتين لرجوعها، الأولى، كانت أيام السادات، وكان المفترض عقلاً بعد أن قتل السادات، وانتماء خالد الإسلامبولي لجماعة الإخوان مسبقاً، أن يكون هناك حذر في الاستثمار؛ أي أن يكون استثماراً محسوباً، لكن حسني مبارك أجرى الصفقة بطريقة أخرى، طريقة خدعنا فيها جميعاً، حتى أنا خدعت فيها في بداية الأمر، فقد أعلن أنه لن يقابل عمر التلمساني، لكنه سار في أربع خطوات، الخطوة الأولى: ترك ملف التفاوض مع الإخوان للأمن، الخطوة الثانية: التفاوض بالطريق العملي، بمعنى، إذا تعدى الإخوان الحدود المتفق عليها يقاومهم بالقبض الرمزي؛ أي القبض المعلومة نهايته.

اقرأ أيضاً: تهديدات بالقتل لقيادي بحماس بعد قطع راتبه لانتقاده الإخوان
الخطوة الثالثة: أن يكون الحوار سياسياً في الدرجة الأولى، لا يشمل الدعوة، ولا سلامة غاية الإخوان، ولا غيرها، فقط سياسي بالدرجة الأولى.
الخطوة الرابعة: أن يقدم الإخوان له ما يريد.
وبالتالي؛ عادت جماعة الإخوان، مرة أخرى، بقبلة الحياة، لكن في تلك المرة، السلطة لا تستطيع إعطاء الإخوان قبلة الحياة، فالتنظيم السرّي كشف عن وجهه، وأنّه المسيطر على الجماعة، وقاتل، وقَتل، وأعلن الجهاد المسلح، وأصبحت المسألة مستحيلة على عودة الإخوان، ومستحيل على أيّ حاكم أن يتحمّل مسؤولية عودتهم.
استخدام العنف

 

في جميع المرات التي تمّ فيها حظر الجماعة كان التنظيم السرّي موجوداً، ورغم ذلك عادت الجماعة، فالتنظيم لم يكن غائباً في الحقبة الملكية، ولم يكن غائباً فترة الزعيم الراحل جمال عبد الناصر.
استخدام العنف في مواجهة الشعب غير استخدامه في مواجهة اليهود، غير استخدامه في مواجهة أشخاص، مثلاً في حادثة قتل الخازندار نجد الكاتب الصحفي والروائي، إحسان عبد القدوس، في روايته "في بيتنا رجل"، يصوّر الإرهابي على أنّه بطل، فيمحي من ذاكرة الناس أنّ الإرهابي قام بفعل القتل، لكن يجعلهم يعيشون قصة حبّ خالدة مع زبيدة ثروت، فتنسيهم زبيدة قصة رئيس الوزراء الذي قُتل، وعمر الشريف له سحره، هنا نرى كيف تستخدم القصص والأدب والسينما، أنا أعتقد أنه خطأ كبير لإحسان عبد القدوس، وقد أبلغته برأيي هذا، وأبلغت محمد عبد القدوس.

 

اقرأ أيضاً: الإخوان في قطر: تيار سياسي أم أكثر من ذلك؟
الآن أيضاً: هناك بعض الأعمال في السينما تناولت جماعة الإخوان باعتبارها فصيلاً سياسياً، وأننا جميعاً نعيش في مركب واحد، ونواجه عدوّاً واحداً؛ هل معنى ذلك أنّ خطأ فيلم "في بيتنا رجل" تكرّر؟
الأفكار المرتبطة بزمن سياسي وواضح، وفيها عنصر المجاملة، لا نعتبرها في الفنّ علامة، مثل: فيلم "الهجامة"، للفنانة ليلى علوي، وهشام سليم، وهو فيلم يظهر الثورة ضدّ السادات بصورة سلبية، فانتفاضة الخبز، عام 77، أظهروها بأنّها ثورة حرامية وغير شريفة، علماً بأنّها كانت ثورة حقيقية ومنظمة.
حوار الجماعة مع الغرب
جماعة الإخوان كانت تجري تفاهمات مع جهات أجنبية وسفارات أوروبية، وهي مسألة ساهمت كثيراً في عودتها للمشهد العام أكثر من مرة بدعم من تلك الجهات؛ ما تعقيبك على هذه المسألة؟

وأنا في السجن، عرّفني أحد الصحفيين، البارزين الآن، على سعد الدين إبراهيم، وكنت أنا بالذات محظوراً من الحديث مع أيّ شخص داخل السجن، وكنت أتعرّض للحبس الانفرادي إذا تحدّثت مع أيّ سجين، لكنّ سعد الدين إبراهيم تواصل معي رغم ذلك، وبعد قليل من الحوار طلب تحديد لقاءات مع الإخوان، وعندما علم الإخوان بذلك اكتفوا بأنني أوصلتهم به، ثم استبعدوني من جلسات الحوار، لكن بعد خروجنا من السجن علمت أنّ سعد الدين إبراهيم ينظّم حفلاً كبيراً للحوار بين الإخوان والسفراء الأوروبيين، وتمّت دعوتي للحوار، لكنّني رفضت المشاركة.

اقرأ أيضاً: علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي
المرة الثانية التي عرفت فيها بشكل مباشر أنّ الجماعة تجري لقاءات مع جهات أجنبية؛ كانت عندما قابلت زكريا عزمي، رئيس ديوان رئيس الجمهورية في عهد حسني مبارك، وأخبرني بأنّ الإخوان تخطّوا الحدود، ويجرون اتصالات بالخارج، وعندما أوصلت الرسالة لخيرت الشاطر استهتر بها، فقد كان لا يحب أن يتفاهم أحد غيره مع النظام، فرفض الرسالة تماماً، فتمّ القبض بعدها على 23 شخصاً من قيادات الإخوان.
لكن في عهد المرشد محمد حامد أبو النصر جاء في وثائق ويكليكس؛ أنّ السفارة الأمريكية حاولت مقابلته والحوار معه، لكنّه طلب منهم بشكل مباشر استئذان وزارة الداخلية المصرية والحصول على موافقتها لإجراء أيّ حوار؛ ما سبب تغيّر شكل الحوار في عهد أبو النصر عن عهد مشهور؟
في ظلّ غياب التنظيم الخاص أيام التلمساني وأبو النصر، كان من الممكن طلب استئذان الداخلية، لكن في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب، وذلك عن طريق حماس، وغياب التنظيم الخاص في تلك الفترة كان بسبب استبعاد المرشد عمر التلمساني لرجالات التنظيم، لذلك يكره أعضاء التنظيم الخاص عمر التلمساني جداً، حتى أنّهم لم يكتبوا عنه نهائياً ضمن أدبياتهم عن القيادات الإخوانية؛ فالتنظيم الخاص بدأ يتحكم في التنظيم بعد ولاية محمد حامد أبو النصر؛ بسبب صعود نفوذ مصطفى مشهور، الذي بدأ في الاستعانة برجال التنظيم الخاص، مثل: محمود عزت، وخيرت الشاطر، اللذين استبعدهما عمر التلمساني سابقاً من أي دور داخل الجماعة، خاصة بوجود قضية رقم 122 لسنة 1983 حينها، اسمها "قضية التنظيم الخاص"، وعندها اجتمع عمر التلمساني بمجموعة من القانونيين وكنت أحدهم، وعندما اجتمعنا طلب الاطلاع على أوراق القضية دون أن يعرف أحد، واستطعت عام 1990 الحصول على نسخة من القضية، واكتشفت أنه تمّ حفظها، رغم أنّ نيابة أمن الدولة لم تكن تحفظ أيّة قضايا للإخوان، وتلك القضية كان المتهم الأول فيها خيرت الشاطر، والثاني محمود عزت، ورغم ذلك لم يقبض عليهما!

سيطرة التنظيم الخاص

مختار نوح مع المرشد مصطفى مشهور
لماذا تغيرت سياسة الجماعة في إجراء حوارات مع جهات أجنبية، بعد سيطرة التنظيم الخاص على مجريات الجماعة؟

التنظيم السري يؤمن بالميكافيلية، أو الغاية تبرر الوسيلة، أما الإخوان العاديّون فيرفضون ذلك، هؤلاء الذين انضموا وقت عمر التلمساني، وشكلوا معه مكتب الإرشاد، وكانوا يرفضون التنظيم الخاص، والعمل المسلّح؛ فالصراع كان دائراً بين الجناحَين، حتى استقرت جماعة الإخوان على العنف المسلّح والتنظيم الخاص، عام 1995، التفاهمات قبل ذلك كانت ضدّ مبدأ الغاية تبرر الوسيلة، وكانت علنيّة؛ فنجد أنّ عمر التلمساني يتحدث مع السادات في العلن، وأنّ السادات يحذّره من التنظيم الخاص في العلن أيضاً، فيخبره التلمساني بأنّه لن يضمّ للجماعة أيّ فرد من التنظيم الخاص في العلن، فلا توجد سرّية؛ لذلك هو مكروه من رجال التنظيم الخاص، لكن مع تولّي مصطفى مشهور لمكتب الإرشاد، ظهرت على السطح من جديد مبادئ سيد قطب، ومبادئ سرية التنظيم وعلنية الدعوة، ومسألة أننا نعيش في مجتمع جاهلي تحوّلت لسلوك عملي، فلا نخرج المال لشخص جاهلي؛ بل نعطيها لشخص مسلم، ورغم ذلك، كانت تأتيني، وأنا في الجماعة، بعض القضايا للتحقيق فيها، وجدتها تتضمن سرقات وانحرافات كثيرة داخل الإخوان، وشكاوى أخلاقية كثيرة، لكن لا أستطيع نشر تلك التحقيقات الآن لأنني تكتّمت عليها، مسألة واحدة فقط نشرتها، كانت لها علاقة بالتحقيق مع محامٍ شابّ يعمل في مكتبي للمحاماة.

اقرأ أيضاً: لماذا تحاصر ألمانيا جماعة الإخوان؟!
كان حكم الجماعة في المطلق للتنظيم الخاص، وهم الذين ذهبوا بالجماعة إلى التسليح؛ إذا كانت توجد رغبة في تجميع السلميين حول محمود عزت؛ فهو نوع من الاختفاء مرة أخرى حول الشعارات المضللة، إنما يحيى موسى، المسؤول عن الخلية النوعية التي قتلت النائب العام هشام بركات، ما كان له أن يخرج عن طوع محمود عزت قيد أنملة.

 

سيطر التنظيم الخاص على مجريات الجماعة، عام 1995، مع تولّي مصطفى مشهور، وفي تلك الفترة تقريباً ظهرت على السطح الجبهة الإسلامية العالمية لمحاربة اليهود والأمريكيين، التي أصبحت تنظيم القاعدة بعد ذلك؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة بين سيطرة النظام الخاص ونشأة تنظيم القاعدة؟
كان ملاحظاً أنّ الإخوان في مصر لم يتعاطفوا مع الإخوان الذين ضربوا في أفغانستان، لم يتعاطفوا معهم التعاطف المطلوب، ولم يكن هناك إمداد بالمال أو السلاح، وأعتقد أنّهم عندما وجدوا كفّة نظام القاعدة وأسامة بن لادن هي الراجحة، لم يرغبوا بمعاداتها، فالقضية لم تكن قضية سوفييت، أو دفاع عن الإسلام، لكنّها كانت قضية رجاء أمريكي ويجب تحقيقه، فكان السمع والطاعة الكاملان من مبارك لأمريكا، وبدء تسفير المجاهدين لأفغانستان بشكل منظم.
العمل تحت الأرض
أقصد؛ هل نستطيع أن نقول إنّ هناك علاقة مباشرة بين صعود النظام الخاص وظهور القاعدة على سطح المشهد العام؟
طبعاً، فالأفكار هي هي، والكتب هي هي، على العكس؛ تنظيم القاعدة الآن أكثر اعتدالاً، على عكس داعش، أيمن الظواهري في الماضي أصدر كتاب "الحصاد المرّ"، هاجم من خلاله جماعة الإخوان لدخولهم البرلمان، لكن تفكيره في تلك الفترة كان قاصراً، فالعمل تحت الأرض يختلف تماماً عن العمل فوق الأرض، وذلك تمّ بالطبع بعد سيطرة التنظيم الخاص، الذي كان من ضمن أهدافه طرد غير المنتمين له داخل الجماعة، فتجد أنّه بعد سيطرة التنظيم الخاص خرج عبد المنعم أبو الفتوح، وعبد الستار المليجي، ومحمد عبد اللطيف، وأبو العلا ماضي، ومختار نوح، وأكثر من 80 قيادة، وكان أجرأ من خرج في تلك الفترة عبد الستار المليجي؛ الذي كتب كتاباً عن التنظيم الخاص، وقرأناه ونحن ما نزال أعضاء داخل الجماعة، ووصل الرقم لأكثر من 600 إخواني، ولا أتحدث هنا عن الآلاف الذين خرجوا من الجماعة بعد أحداث "الربيع العربي"، كانون الثاني (يناير) 2011.
هناك وثائق مسربة من مخابرات أوروبية تشير إلى وجود دعم غير مباشر لجماعة الإخوان في المنطقة العربية؛ ما تعليقك على ذلك؟
إذا دخلت إسرائيل على حماس الآن، ودكّتها تماماً؛ هل سيعقّب أحد على ذلك؟ لن يعقّب أحد، ولا حماس نفسها، ذلك يطرح سؤالاً مهماً؛ لماذا لا تدكّ إسرائيل حماس وتنهي تلك الأزمة نهائياً؟ تلك هي نظرية مبارك والإخوان، فأنا مستفيد منها، حماس هي التي قلبت نظام القوى في فلسطين، وأصبحت هناك دولتان، فيصل الأمر؛ أنني أموّل حماس حتى تعيش، وأضربها من الجانب الآخر عند اللزوم، وأدعم التعاطف مع قضية فلسطين، وذلك يثبتها أكثر على حدود مصر، ويسبب ذلك قلقاً شديداً لمصر، فحماس تبني أنفاقاً تسهّل دخول السلاح إلى مصر.

 

في وجود التنظيم الخاص أصبحت العلاقة مفتوحة مع أمريكا والغرب وذلك عن طريق حركة حماس

ثالثاً: ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية.
رابعاً: تعلي من راية عدم النصر؛ فهي سلمية أكثر من السلطة الفلسطينية، وهي التي تقاوم تنظيمات السلفية الجهادية والمتطرفين في غزة، وهي التي توجه بنادقها ناحية مصر لا إسرائيل.
هكذا كانت خطة مبارك في تعامله مع الإخوان؛ فهو يدعم وجود الإخوان؛ لأنّهم مسألة مهمة جداً لتحقيق رغبة أمريكا، أو لمواجهة إيران عند اللزوم، أو مواجهة العراق عند اللزوم الآخر؛ لذلك تلاحظ أنّ إخوان الكويت انفصلوا عن إخوان مصر تماماً، بعد حرب العراق؛ لأنّ إخوان مصر لم ينبسوا ببنت شفة عن حرب الكويت، بينما مبارك تحدّث، فارتفعت أسهمه وانخفضت أسهم الإخوان.
لذلك؛ أريد التأكيد على مسألة الدعم غير المباشر لجماعة الإخوان من قبل بعض الجهات، التي تجد في وجود الإخوان وبقاء الجماعة مصلحة لها.
انتفاضة مرسي

 ساهمت حماس في انقسام السلطة الفلسطينية
وفاة محمد مرسي ربما أعطت الأمل للبعض في أنّه ستكون هناك إمكانية للتفاهم مع النظام، على اعتبار أنّ الجماعة كانت ترفض التفاهم إلا إذا عاد مرسي للحكم؛ هل تتفق مع تلك الرؤية؟

على العكس؛ مرسي هو من أراد عمل مراجعات في الموقف السياسي قبل وفاته، لكنّ خيرت الشاطر رفض، مرسي في النهاية بدأ مراجعة نفسه بصوت عالٍ، على غير عادته، وبدأ بطرح السؤال حول أسباب الصدام، وقال: لماذا لم نقف عند حدّ معيّن بعد أن تمّ القبض عليّ؟ هنا نكون نحن الأبطال، ونحن المظلومين، ونحن من في السجون، وبدأ في قول إنّ المسألة السياسية لم تحسَب بشكل صحيح، وطلب الإخوان من مرسي أن يتوقف عن قول ذلك، وعرفت من مصادري داخل الجماعة تفاصيل تلك الأزمة، وكان واضحاً أنّ الخلاف في تلك المسألة وصل إلى قمته.

للمشاركة:

علاء النادي: أثبتت التجارب أن الإخوان يسيرون عكس التطور التاريخي

2019-07-09

أجرى الحوار: صلاح الدين حسن


قال الباحث في شؤون الجماعات الإسلامية، علاء النادي، إنّ الإرث التاريخي والشعور بأنّ الجماعة الأم للإخوان المسلمين في مصر تعني الجذر والأساس، لعبا دوراً مهماً في تغذية مسارات جمودها وتحجرها، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي، وأنّ تكوين الجماعة لن يسعفها في المراجعة، ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك.

اقرأ أيضاً: السرّ المخبوء: السادات وعبد الناصر والإخوان.. من المسؤول عن البعث الثاني للجماعة؟
ولفت النادي إلى أنّ ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة، نافياً بعض الفرضيات الغربية بأنّ وجود الإخوان يمتص التوجهات العنفية لداعش وأخواتها، بدليل أنّ "تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة".

وهنا نصّ الحوار:

جمود الجماعة الأم

رسم الإخوان بأدائهم صورة باهتة في الوعي الجمعي ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك
لماذا تبدو جماعة الإخوان الأم في مصر أكثر جموداً عند مقارنتها بأفرع الجماعة الأخرى في دول مثل تونس والمغرب؟

لعب الإرث التاريخي، والشعور بأنّ الجماعة في مصر تعني الجذر والأساس، دوراً مهماً في تغذية مسارات الجمود والتحجر في مصر.
لقد ظلّ الإخوان في مصر مسكونين بوعي دفين، مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية التي مرت بها الجماعة، رغم أنّ الجماعة لم تدرس موضوعياً؛ هل نجحت فعلاً في التعاطي الناجع مع تلك التحديات، أم أنّها تجاوزتها بتأثيرات سلبية عميقة في مسارات الوعي والأفكار؟

ظلّ إخوان مصر مسكونين بوعي دفين مفاده أنّهم الأكثر خبرة وقدرة على تجاوز العقبات والتحديات التاريخية

تملّك إخوان مصر شعور بأنّهم المسؤولون عن حماية الجماعة ونقاء صورتها، وإثبات صوابية وصدقية خياراتها، وأنّ أيّ اجتهاد يحمل في طياته احتمالية دفع تكلفة من صورة الجماعة الرمزية، قد ينسحب على كلّ الإخوان في مختلف أماكن تواجدهم، عكس التنظيمات القُطرية التي يمكن للإخوان دوماً نسب نجاحاتهم للحركة، إذا كانت إيجابية، والتهوين من تأثيراتها بداعي الخصوصية والنزعة القُطرية في الحالات السلبية.
بعض التنظيمات القُطرية للإخوان تمتعت برحابة في تناول الأفكار الأكثر مرونة، وتداولها داخل محاضن التربية والتكوين لديها، عكس إخوان مصر الذين ظلوا على تشبث بقوالب نمطية متحجرة في التثقيف والتنشئة.
هذا الأمر يكون مع الوقت حالة جمعية مواتية لإمكانية التطور والقدرة على المرونة أو حالة ارتدادية متصلبة تنحاز دوماً للحدية والتقليد والقوالب النمطية المألوفة.
ما سرّ عدم إدراك هذه الجماعة لأخطائها، ومن ثم عدم الاعتراف بها، ومحاولة مراجعاتها وتصحيحها؟
امتلك إخوان مصر قيادات، وصفت دائماً بالتاريخية، اتّسمت في الغالب بالتقدم في العمر، ورسم صورة ذهنية حولها أقرب إلى الصورة الأبوية، التي تعطي لمواقفها وقراراتها وأفكارها ما يشبه الحصانة، ضدّ النقد وعدم المسّ بها في إطار التقييم؛ تلك الحالة لم تكن موجودة في بعض حالات التكوينات الأخرى، مما جعل السياسات والمواقف والأفكار خاضعة بصورة أكبر لإمكانيات التعاطي والنقد والتجاوز، دونما شعور بالعبء في ذلك، وهو عبء أخلاقي ثقيل لدى التنظيمات الإسلامية بشكل عام.

اقرأ أيضاً: الإخوان واستهداف أجيال بالتعليم الموجّه
إنّ أساسيات الجماعة في الجذر التكويني ضمّت عناصر تكبح التطور والتهيئة لأجواء الانفتاح، وقد ظلّت تلك العناصر، وإلى الآن، المكون الأساس في التنشئة؛ عبر مراحل الجماعة المختلفة، من اللافت أن تجد ما كان يستهلكه الإخوان في العشرينيات؛ هو ما يستهلكونه الآن في مجال الأفكار وبرامج التكوين، دونما إحساس بأنّ تلك الحالة الماضوية لا يمكن أن تكافئ تطورات الواقع ومستجدات الحياة المتلاحقة.
أخطاء جديدة قديمة

عوض تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم اجترّ الإخوان ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية
هل ترى أنّ الجماعة ضمن الظروف الحالية ماتزال قادرة على التجنيد والاستقطاب؟

جماعة الإخوان، بشكلها التاريخي، لا يمكن أن تعود، لقد أثبتت كل التجارب والمحكات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء، والسير عكس خطى التطور التاريخي، وافتقاد كلّ مقومات التطور والتجديد، والحديث عن كونها جماعة ربانية كلام بلاغي، وليس شرعياً بالمناسبة، فلا توجد هناك عصمة أو قدسية لجماعة أو تنظيم؛ فهي بالأخير اجتهاد بشري تجري عليه أحكام السنن الكونية.

اقرأ أيضاً: "قسم الوحدات".. محاولات الإخوان اختراق المؤسسة العسكرية
وبالمناسبة؛ إنّ رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات، فلم يفز الإخوان في الاستحقاقات بنسب كاسحة، كما أنّ قطاعات ممن أيدوهم انطلقوا من رهانات حياتية، وليس كما يتوهم الإخوان؛ قناعات قيمية ثابتة بهم، لقد رسم الإخوان، بأدائهم، صورة باهتة في الوعي الجمعي، ولن يكون بمقدور الجماعة أن تتجاوز ذلك.
عدم الاعتراف بالفشل

رهان الإخوان على أنّهم اختيار الشعوب تضمن مبالغات فلم يفوزوا يوماً باستحقاقات انتخابية بنسب كاسحة
بعد أحداث 30 يونيو؛ ظهر خطاب أشبه بالجماعات الجهادية داخل أجنحة إخوانية، هل تعتقد أنّ مثل هذه الخطابات كان مفاجئاً؟

الأكثر تأكيداً لفرضية أنّ جماعة الإخوان لا يمكنها العودة لمسارها التاريخي بلا قطيعة، أنّ الجماعة ما تزال تطرح أفكاراً حول صوابية مواقفها، وأنّها لم تفشل في مجال رسم الخطط والأفكار والقدرة على إثبات أنّها كيان سياسي قادر على إدارة دولة معاصرة. فعوضاً عن أن تصدر عن الإخوان تقييمات نقدية صارمة لتجربتهم، اجترّوا ذات الأساليب والمنهجيات القائمة على النزعة التبريرية، واتهام الواقع المحيط والتذرع بمقولات إطلاقية قدرية ليس مجالها الواقع الحياتي ودنيا الناس.

أثبتت كل التجارب والمحكّات أنّ الجماعة وصلت إلى مرحلة من الضمور والانكفاء والسير عكس خطى التطور التاريخي

هذا يعود بالأساس إلى أنّ تكوينات التأسيس المعرفي لم تكن تحسم بإطلاق حول نبذ العنف والتطرف، بغضّ النظر عن السياق التاريخي، وظرف الجماعة السياسي، والغريب أنّ الإخوان لطالما انتقدوا الجماعة الإسلامية في العقود السابقة حول أفكارهم عن العنف، والمعروف أنّ تلك الأفكار نشأت جراء صراع سياسي احتدم بين الجماعة والنظام في ذلك الوقت.
إنّ إدانة العنف والتطرف قيمياً لا يمكن أن يرتبط بالظرفية التاريخية، وبالمناسبة لقد كتبت دراسة، منذ أكثر من 15 عاماً، حول الإخوان والتعددية، وطالبت ساعتها الإخوان بأن يحسموا مواقفهم الفكرية حول القبول بالأبعاد القيمية بأفكار التعددية والديمقراطية، والتخلي عن الكلمة السالبة لكلّ ذلك؛ عندما كان يذيل الإخوان موقفهم من تلك القضايا بكلمة ولكن، والتي كانت تنسف عملياً كل ما كان يسبقها من كلام عام ظاهره الإيجابية والقبول.

 

 

هل ترى أنّه، مع الوقت، يمكن لجماعة الإخوان أن تراجع نفسها مراجعات تاريخية علنية أمام مجتمعها وأعضائها؟
تاريخياً؛ الإخوان تجاوزهم النسق التاريخي وتكوين الجماعة لن يسعفها في ذلك ومحكّاتها التاريخية تؤكد أنّها غير قادرة، أو راغبة في ذلك، لا توجد داخل الجماعة قيادة أو كتلة تاريخية تمتلك تلك المؤهلات، ومن يتصدر المشهد في الجماعة قيادات تاريخية عتيقة لا تمتلك من الشرعية سوى ما يرسم حول صلابتها في المحن وثباتها، وما إلى ذلك من مقولات، دون أي رصيد من قدرات في مجال الأفكار وإدارة الشأن العام.

اقرأ أيضاً: منشق عن الجماعة يفك أسرار صلات اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا والإخوان
أيّ تطور تاريخي يعني أنّ الإخوان سيكتبون في السطر الأول أنّ الجماعة، بشكلها التاريخي وأفكارها، قد انتهت وهذا ما لا يستطيع الإخوان قوله أو تصوره.
ما رأيك ببعض الطروحات الغربية عن أنّ الإخوان يمكنهم امتصاص الحالة العنفوية الإسلامية؛ وأنّ اختفاءهم من المشهد السياسي سيتبعه تغوّل "داعش" وأخواتها؟
هذه المقولة غير صحيحة؛ لأنّها من زاوية تربط أيّ انسداد سياسي محتمل بغياب الإخوان فقط، دون غيرهم، وهذا ليس صائباً، كما أنّ تيارات العنف تواجدت تاريخياً، والإخوان موجودون على الساحة، وفي بعض الأحيان؛ وهم في ظلّ تمتع بحالة من مشروعية التواجد، كما أنّ الكتل التصويتية التي حصل عليها الإخوان لا تؤشر إلى حصولهم على أغلبية كبيرة تهدّد تماسك الكيانية الاجتماعية، كما أنّ ربط العنف السياسي المحتمل بالحالة الإسلامية فقط غير صحيح، وهو ما يقلل عملياً من مقولة حصر العنف في الأفكار الإسلامية، وأهمية تواجد الإخوان ككابح يقلل من فرص ظهوره.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّل الإخوان إلى منظمات حقوق الإنسان؟
العنف والتطرف سياقان معقدان أكبر من حصرهما في تلك المقولات البسيطة، وتجاوزهما يحتاج إلى نظرة أكثر وعياً من هذا، كما أنّ ذلك يفترض ضمناً أنّ خطاب الإخوان متأسس بشكل مركزي حول قضايا الديمقراطية والتعددية والحريات، ومركزية تلك المقولات وحاكميتها للنسق الفكري للإخوان، وهذا غير موجود بالطبع.
كما أنّ التجارب أثبتت أنّ ما يحرك قناعات قطاعات عريضة ويحدد سلوكها واختياراتها وقناعاتها السياسية؛ هو ما يمسّ الشأن الحياتي ومعاش الناس، وليست مقولات قيمية، على أهميتها وجاذبيتها، وعدم الجدال حول شرعيتها الأخلاقية، حتى تلك المرتبطة بالشريعة الإسلامية وأحكامها.

للمشاركة:

إبراهيم عبدالمجيد: حتى نشعر بوجودنا يجب أن نكون مختلفين

2019-06-30

أجرى الحوار: سامح فايز


قال الكاتب والروائي المصري، إبراهيم عبدالمجيد، إنّه ليس صاحب مشروع معين، وإنّه يكتب ما يخطر على باله من حكايات، مشيراً في حواره مع "حفريات" إلى أنّ مَن ألهموه أناس سعداء بالخيال لا الحقيقة، "فالحقيقة أنهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن لم يمتلكوا المكان إلا روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً".

عبدالمجيد: لستُ صاحب مشروع فما أتذكره أكتبه سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله

وأضاف عبدالمجيد أنّ معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، "فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية".
وأوضح صاحب رواية "البلدة الأخرى" أنّ ثيمة الاغتراب أساسية في معظم أعماله أو في أحد شخصياته، على الأقل، وقد تلبستها تلك الحالة، "نحن زائلون والمكان الذي نعيش فيه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا".
وهنا نصّ الحوار:
الخروج من عالم الواقع

"ما وراء الكتابة"

أغلب أبطالك يعيشون حالة من الاغتراب النفسي.. لماذا تعدّ هذه الفكرة محورية في أعمالك؟

في السبعينيات؛ كنت مع الماركسيين، وكنت مجنداً في أحد الأحزاب الشيوعية، إلى جانب أنّ دراستي للفلسفة حبّبت إليّ الفلسفة الوجودية، وذلك الحبّ لم يأتِ لمجرد أنني قرأت في الفلسفة، ولكن لأنني بالفعل كنت أعيش تلك الحياة، في حيّ كرموز.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر
ورغم أنّ ذلك الحي هو أصل الإسكندرية، لكنه كان يضمّ غرباء كثيرين، والعديد من الشركات، والتي أغلق أغلبها في عصر الانفتاح، مثل: النسيج، والزيت الصابون، والملح والصودا، وكانت هناك ترعة المحمودية أيضاً، وكانت تسير في تلك الترعة سفن من أسوان والإسكندرية، تحمل بضائع إلى البلاد التي تمرّ بها، وكانت آخر تلك البلاد الإسكندرية، ثم يتم شحن السفن مرة أخرى في عودتها إلى أسوان، كما جاء في فيلمَي: "صراع في النيل"، و"دماء على النيل".

عبدالمجيد: المكان هو البطل في جميع رواياتي ربما في رواية أو روايتين كان الزمان هو الأساس

كنا نلعب بـ "الكرة الشراب" أمام ترعة المحمودية في المساء، وأحياناً نجالس المراكبية، ونستمع إلى حكاياتهم، التي في أغلبها أساطير، جميعها عن عروسة البحر، والثأر، عن ذلك الشخص الذي قتل ثم ظهر مرة أخرى في الصعيد، جميعها حكايات أسطورية.
عندما كبرت بعض الشيء، أدركت أنّها حكايات تهوّن عليهم طريق السفر الطويل، فأدخلوني إلى عالم الغرابة باكراً.
أيضاً، كانت هناك قطارات السكة الحديد، التي تروح وتغدو وجميعها حكايات، وكانت هناك الاحتفالات بالموالد التي يشارك فيها المسلمون والمسيحيون معاً، وكان داخل تلك الاحتفالات جو أسطوري وخرافي.
ذلك الجو دفعني للحياة في عالم غير الواقع الذي أعيشه، وأصبح هو الواقع، ووضعني في منطقة بين السماء والأرض، إلى جانب دراستي للوجودية، وأدركت كيف أنّ هؤلاء الناس، رغم سعادتهم، فإنهم سعداء بالخيال، وليس الحقيقة، فالحقيقة أنّهم فقراء جداً، ومساكين جداً، فهم غرباء حتى وإن امتلكوا المكان، فهم يمتلكون المكان روحياً، لكن مادياً لا يملكون شيئاً.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد
أضع إلى جانب ذلك قراءتي المبكرة للأساطير اليونانية، والتي جاءت نتيجة دخول السينمات، فكنا ونحن أطفال عندما نشاهد تلك الأفلام نخرج للبحث عن الإلياذة والأوديسة لقراءتها، إضافة إلى التطورات السياسية التي حدثت في مصر والتي كانت عكس ما هو منتظر.
ماذا تقصد بالتطورات السياسية التي حدثت وفي أيّ العقود تحديداً؟
جيلنا التحق بالتعليم الأساسي بعد ثورة يوليو 1952، مدارسنا كانت تعيش على النظام الملكي؛ لأنّ المدرسين تعلموا أيضاً في هذا النظام، وكانت مدارسنا تنظّم رحلة كل يوم جمعة للسينما، وكانت هناك جماعة للرحلات، وجماعة للشعر، وأخرى للموسيقى، وجماعة للتمثيل، وكان عدد الطلاب في الفصل لا يتجاوز 20 طالباً، وهناك حصص قراءة حرة كل أسبوع، وتلك كانت بداية محبتي للأدب، فالمدارس كانت جميلة جداً، وكنا سعداء، وفي الوقت نفسه كنّا نسمع عن مشروعات عبدالناصر، الذي يبني مدرسة كل ستة أيام، ثم جاءت النكسة، عام 1967، عكس كل الخيال، فأحبطت، وزادت من الاغتراب، وكانت ليلة كئيبة جداً.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة
في ليلة أخرى عندما كنا في منظمة الشباب في الجمرك، اجتمعنا للاستماع لخطاب تنحي عبدالناصر، وبمجرد أن انتهى طلب منا أمين منظمة حي الجمرك ألّا نغضب من هذا القرار، فسببناه وهرولنا إلى الشارع، فوجدنا الشوارع قد امتلأت جنباتها بالناس، يطالبون بعدم تنحي ناصر.
وكنت أسير بينهم أبكي، وقررت أن أعود إلى عملي في الترسانة البحرية، وقابلني الناس جماعات، وأنا ذاهب وحدي إلى العمل، وهناك لم أجد أحداً، فالجميع كان في المنشية، فجلست وحدي حتى الصباح، والدنيا ظلام، وكان أسود ظلام رأيته في حياتي، كأنّه لم يكن هناك قبله أرض ولا بشر، برزخ من الظلام، وأحسست أنه غُرِّر بنا، وجاء الاغتراب من هنا.

سطوة الاغتراب

"طيور العنبر"
الاغتراب حضر بقوة في عملك "البلدة الأخرى" العام 1991، و"هنا القاهرة" المنشور العام 2014، لماذا يستمر معك هذا الشعور طوال تلك الأعوام؟

المسألة أصبحت في روحي، حتى لو لم تجد عالم الرواية بالكامل وقد امتلأ بذلك، فسوف تجد شخصية من الشخصيات وقد تلبستها تلك الحالة، مثل رواية "لا أحد ينام في الإسكندرية"، هناك ذلك الشخص في القطار الذي كان يحمل أمانات الناس ويقوم بتوصيلها بين المحطات، وكان يطلق عليه (أبونيه)، ثم وجدوه يوماً ما جالساً في القطار الذاهب للصحراء، فسألوه: هل هناك من يرسل أمانات إلى الصحراء، فيقول لهم: لا، فيكرّرون السؤال: فهل يرسل أحدهم شيئاً من الصحراء، فقال: لا، فسألوه: إذاً، لماذا تجلس في القطار؟ فقال لهم: وأين أذهب؟!

عبدالمجيد: معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين فنحن غير موجودين في الأصل

هذا هو الاغتراب، فالعادة أهلكت الروح واستولت على الشخص، أيضاً ذلك الشخص في الرواية نفسها، الجالس في مكتب بريد العلمين، لإرسال واستقبال "التليغرافات"، فعندما وجد أنّه ما من أحد يرسل شيئاً، بدأ في إرسال التليغرافات لنفسه، فالاغتراب هنا، وإن لم يكن موجوداً في الرواية كعمل متكامل، لكنه ظهر في بعض شخصيات العمل، لأنني أدركت أنّ الإنسان زائل، وأنّ ذلك المكتب الذي نجلس عليه الآن سوف يعيش عمراً أكثر من أعمارنا، إلى جانب أن معظم ما نفعله مجرد أشياء لإرضاء الآخرين، فنحن غير موجودين في الأصل، وحتى نشعر بذلك الوجود يجب أن نقوم بأفعال غير طبيعية.
وعندما سافرت إلى السعودية ظهرت حالة الاغتراب تلك بشكل أكبر، فالمكان متّسع جداً، والأفراد قليلون جداً، والجميع يفكر في النقود، لكن الروح غائبة!
المكان في رواية إبراهيم عبدالمجيد له دور حيوي وكأنه أحد أبطال العمل، لماذا؟
المكان هو البطل في جميع رواياتي، ربما في رواية أو في روايتين كان الزمان هو الأساس، مثل "أداجيو"، والسبب في ذلك أنني عندما كنت في الرابعة عشرة من عمري، كنت قد أدركت أنني أهوى الكتابة، وكنت كلما قرأت رواية قلّدتها في عوالمها.
حتى حدث أن حضرت ندوة للأستاذ محمد مندور في الإسكندرية، وكانت عن المذاهب الأدبية، وظلّ يتحدث عن الكلاسيكية، والسريالية، والرومانسية، والمذاهب الفنية والأدبية، والتي لم أكن أعرفها، فقلت لنفسي: "ما الذي أفعله؟!"، مجرد تقليد لروايات موجودة بالفعل!
وحدث أن توقفت عن الكتابة نتيجة لذلك لثلاثة أعوام، وبدأت القراءة في تاريخ الفنون، والنقد الأدبي، وتاريخ الأداب، وتاريخ المذاهب الأدبية، وهي المسألة التي فادتني جداً؛ فوجدت أنّ مسألة المكان موضوع رئيس في النقاش.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز
فمثلاً: في الرواية الواقعية المكان مستقل، فنجد نجيب محفوظ في الثلاثية كمثال يصف المكان بدقة حتى نراه، لكن بعيداً عن مشاعر الناس، أما في الرواية الرومانتيكية؛ المكان بحسب مشاعر الناس، فإذا كانوا مبتهجين فالمكان حلو، وإذا كانوا تعيسين فالمكان تبعاً لذلك سيئ، أما الواقعية الجديدة في أوروبا، في الستينيات، قالت: إنّ المكان مستقل، الإنسان ثانوي فيه، فالرواية كلها تجدها عن الأشياء، وعندما فكرت في تلك المسألة ارتأيت أنّ المكان في منطقة بين بين؛ بمعنى أنّ المكان صانع الشخصية.
"قطط العام الفائت"

كيف جاءتك تلك الفكرة؟
جاءني ذلك التفكير من هؤلاء الذين قابلتهم وذكرتهم في حديثي معك؛ فالذي يغني في الصحراء يدفعه إلى ذلك اتساع المكان، أما إذا كان في مكان ضيّق فلن يغني، ولكن سيحتاج إلى كسر الأبواب والنوافذ التي تقيده، وعامل القطار الذي تدور حكاياته حول الجنيات، دفعه لذلك المكان، فالمكان هنا أصبح صانع الشخصيات.
من يقرأ أعمالك الأدبية يشعر كأنه يشاهد فيلماً سينمائياً، ويتخيل المشهد ويتفاعل معه، كأنّ السينما تنافس الأدب داخلك؟
حدث ذلك بالتربية، ولم تكن إرادة؛ ففي بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس، أما القراءة فقد عرفتها وأنا في الصف الرابع الابتدائي، لكن قبل ذلك كانت السينما، مثلاً: عندما كنت في الرابعة من عمري وجدت باب الحضانة التي ألحقتني بها العائلة مفتوحاً، وكانت تسمى قديماً الروضة، فخرجت من المكان ومشيت، فوجدت أمامي سينما، اسمها "سينما النيل"، فدخل الناس فدخلت معهم، وشاهدت أول أفلامي، وأحببت السينما بشدة.

عبدالمجيد: في بدايات حياتي كانت السينما هي الأساس أما القراءة فقد عرفتها وأنا في مرحلة لاحقة

كانت أمي تصحبني إلى الروضة في الصباح الباكر، وتأتي لاصطحابي في الواحدة ظهراً، وعندما تتركني وترحل أخرج متجهاً إلى السينما، حتى حدث في يوم أن حضرت أمي لاصطحابي مبكراً عن موعدها فلم تجدني، فذهبوا إلى قسم شرطة كرموز لتحرير محضر بفقداني، وكان القسم بجوار سينما النيل، وعندموا خرجوا من القسم شاهدوني أمام السينما، وعندما قصصت عليهم الحكاية قال أبي إنّه سوف يجعلني أشاهد السينما مرة كل أسبوع، شريطة ألا أترك الروضة مرة أخرى.
في مراحل عمرية أكبر كنت عندما أشاهد الفيلم أبحث عن اسم الرواية المقتبس عنها؛ ثم أقتنيها لأقرأها، هنا كنت أقرأ الروايات التي أشاهد فيلمها، فأصبحت السينما شيئاً ملتحماً بجسدي، وأدركت أنّ الصورة أهم مسألة في الأدب، وأنك ككاتب بدلاً من الإكثار من الكتابة لوصف صورة معينة فمن الأفضل أن تكتبها في جملة واحدة، فالمهم الصورة، لا الحكي.
إلهامات الإسكندرية

 "الإسكندرية في غيمة"

هل ثلاثيتك عن الإسكندرية رغبة في إعادة رسم ملامح إسكندرية الكوزموبوليتان (متعددة الثقافات) بعد مسخها؟
كان هدفاً، لكنه جاء متأخراً؛ فأنا لا أكتب مذكرات يومية كمثال، لكن أعتمد على النسيان، كما كتبت في البلدة الأخرى عن ذلك قائلاً: "ما يضيع منك، ليس لديك رغبة فيه"، فإن نسيت لا أهتم بها، وإذا ألحّت أكتبها في رواية.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟
إلى جانب ذلك؛ أنا لست صاحب مشروع، فما أتذكره أكتبه، سواء له علاقة أو ليس له علاقة بما قبله؛ الحرب العالمية الثانية عاشها أبي وأمي، وكانت حكاياتهما دائماً عنها، أذكر مرة أنّ أبي أحضر شيئاً حادّاً قطع به شيئاً في إصبعه ليخرجه من تحت الجلد، وعندما سألته قال إنها شظايا حرب، ثم وضعها في كوب كذكرى، ثم قال إنّ جرح إصبعه سوف يلتئم، ثم أخذ يحكي كيف أنّ لغماً انفجر بجواره، وأنّ العرب عالجوه من الإصابة، ثم استمر الحكي عن تفاصيل معركة العلمين التي عاشها، وبدأت أمي هي الأخرى في الحكي، هنا تمّ شحني بالحرب العالمية الثانية، ورغبت في الكتابة عنها.
ومتى بدأت في سرد ثلاثيتك على صفحات كتاب؟
في العام 1990؛ كنت مسافراً للإسكندرية، أنا وأبنائي، وفي طريق العلمين وقفنا، وبدأت في سرد ما قصّه عليّ أبي على أبنائي، وهنا بدأت فكرة الرواية تراودني عن نفسي، ثم حدث بعد أن كتبتها، ومن قراءتي للصحف في تلك الفترة، أن اكتشفت أننا كنا نعيش في عالم آخر غير الذي نعيشه الآن.

عبدالمجيد: العادة أهلكت الروح واستولت على الشخص حتى أصبح يعيش حالة اغتراب مستمرة

كنت تجد خبراً عن مسابقة ملكة جمال البلاد، أو عن اجتماع ملاك اتحادات العمارات لانتخاب رئيس الحي، فهو ليس معيناً كما الآن، لذلك لم تكن لتجد قديماً بناءً مخالفاً، تجد مثلاً تنازل مواطن إسكندري عن قضية رفعها على المحافظ الذي صدمته سيارته، وعندما تتمّ إقالة المسؤول من منصبه يتنازل المواطن عن القضية، لأنّه رفعها على المحافظ لصفته، وليس لشخصه؛ وتجد الخبر الذي يخصّ ذلك المواطن العادي في الصفحة الأولى من جريدة "الأهرام"، وبدأت أسأل نفسي: أين ذلك المجتمع؟ هنا قررت أن أسجله مكتوباً.
وبعد أن أنهيت رواية "لا أحد ينام"، قررت أن أكتب رواية أخرى، عن أول مرحلة تخلصت فيها مصر من ذلك المعنى العالمي الذي كانت تتسم به، فمصر دائماً كانت ملجأ لكلّ الناس من كلّ العالم.
أول مرحلة كانت في الخمسينيات، خصوصاً مع العدوان الثلاثي، وخروج اليهود من مصر بشكل كبير، والفرنسيين والإنجليز، هنا كتبت رواية "طيور العنبر"، ثم حدث التحوّل في السبعينيات صوب الوهابية، فأصبحت لا عالمية ولا مصرية، فكتبت رواية "الإسكندرية في غيمة".

للمشاركة:



هذا ما وصلت إليه مفاوضات السودان..

2019-07-16

أعلن المجلس العسكري الانتقالي في السودان الوثيقة الدستورية المشتركة، والمزمع مناقشتها اليوم، مع قوى إعلان الحرية والتغيير التي تمّ تقديمها للأطراف لدراستها.

وقال المجلس: إنّ "الوثيقة الدستورية المشتركة تمّ إعدادها بواسطة لجنة قانونية مشتركة، تضمّ ثلاثة أعضاء من كلّ طرف"، وفق وكالة الأنباء الرسمية.

المجلس العسكري الانتقالي يوقع اليوم قوى إعلان الحرية والتغيير الوثيقة الدستورية المشتركة

ومن المنتظر أن يعقد اجتماع مباشر بين المجلس العسكري الانتقالي، اليوم، بالخرطوم، بعد تأجيله بناءً على طلب قوى إعلان الحرية والتغيير مهلة 48 ساعة، لإكمال مشاوراتها الداخلية حول وثيقة الإعلان الدستوري.

وتجري جولة التفاوض، التي ينتظر أن تكون حاسمة، وسط حضور دولي وإقليمي لافت؛ حيث استبق المبعوث الأمريكي الخاص للسودان، دونالد بوث، جولة الغد بلقاءات أمس، شملت رئيس المجلس العسكري، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وينتظر أن تمتد إلى قوى الحرية والتغيير لدفع العملية السلمية.

وأثار تأجيل انعقاد جلسة التفاوض بين المجلس العسكري والحرية والتغيير للتوقيع على وثيقة الإعلان الدستوري، مرتين متتاليتين، مخاوف البعض من العودة إلى المربع الأول، لكنّ تحليلات الخبراء جاءت عكس ذلك؛ حيث أكّدت أنّ عملية التسوية سوف تسير بشكل جيد.

أثارت عودة خدمة الإنترنت على الهواتف المحمولة في السودان صدمة كبيرة لدى الملايين؛ حيث تمّ تداول عدة مقاطع فيديو وصور تظهر "تعاملاً وحشياً" لمسلحين بملابس عسكرية مع المتظاهرين، خلال فضّ اعتصام الخرطوم، في مطلع حزيران (يونيو)، بحسب ما نقلت "فرانس برس".

وجدّدت المقاطع والصور الغضب تجاه المجلس العسكري الحاكم في السودان، خاصة أنّه مع عودة الإنترنت على الهواتف المحمولة، أصبح تداول أشرطة الفيديو أكثر سرعة وانتشاراً.

وكان السودانيون يعتصمون قرب المقر العام للقيادة العامة للجيش، منذ السادس من نيسان (أبريل)، للمطالبة بتغيير النظام السياسي.

فيديوهات وصور لمسلحين بملابس عسكرية يعتدون على متظاهرين يجدد غضب السودانيين

وبعدما أطاح الجيش، في 11 نيسان (أبريل)، بالرئيس عمر البشير، الذي حكم البلاد على مدى ثلاثين عاماً، رفض آلاف المحتجين فضّ الاعتصام، مطالبين بنقل السلطة إلى المدنيين، فيما يتولى مجلس عسكري الحكم منذ الإطاحة بالبشير.

ويذكر أنّ خدمة الإنترنت قطعت في السودان إثر فضّ مسلحين يرتدون زياً عسكرياً الاعتصام، في عملية أسفرت عن مقتل أكثر من مئة متظاهر، وإصابة مئات آخرين بجروح، ويتّهم المحتجون ومنظمات حقوقية قوات الدعم السريع بالهجوم على اعتصام المحتجين.

 

 

للمشاركة:

في ظلّ تعنّت إيران.. هل تنقذ أوروبا الاتفاق النووي؟‎

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

قال المتحدث باسم منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، بهروز كمالوندي، أمس؛ إنّ "طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي الذي أبرمته مع القوى العالمية، إذا لم تفِ الدول الأوروبية بالتزاماتها".

منظمة الطاقة الذرية الإيرانية: طهران ستعود إلى وضع ما قبل الاتفاق النووي

وتقول إيران: إنّ على الدول الأوروبية بذل المزيد لضمان حصولها على المزايا الاقتصادية التي كان يفترض أن تنالها، مقابل فرض قيود على برنامجها النووي، بموجب الاتفاق الذي انسحبت منه واشنطن، العام الماضي.

ونقلت وكالة الأنباء الإيرانية الرسمية "إرنا"، عن كمالوندي قوله: "سنقلص التزاماتنا بموجب الاتفاق النووي حتى يفي باقي الموقِّعين بتعهداتهم".

من جهته، أكّد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، عباس موسوي؛ أنّ بلاده "ستبقى ملتزمة بالاتفاق النووي المبرَم مع القوى الدولية عام 2015، بالقدر نفسه الذي سيلتزم به باقي الموقّعين عليه".

وأضاف موسوي أيضاً، وفق ما ذكرته وكالة "تسنيم" للأنباء؛ أنّ "إيران تتوقع من أوروبا اتخاذ خطوات عملية لتنفيذ الاتفاق".

في المقابل؛ قالت مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، فيدريكا موغيريني: إنّ "الأطراف الباقية في اتفاق إيران النووي لا تعدّ مخالفات طهران للاتفاق انتهاكات كبيرة، ولم تشر إلى أيّة نية لتفعيل آلية فضّ النزاع بالاتفاق".

موغريني: الاتفاق النووي مع إيران ليس في وضع جيد لكنّه ما يزال حياً

وأضافت في مؤتمر صحفي، بعد اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "في الوقت الحالي، لم يشر أيّ من أطراف الاتفاق إلى أنّه ينوي تفعيل هذا البند، وهو ما يعني أنّ لا أحد منهم يعدّ في الوقت الحالي، وفي ظلّ البيانات الحالية التي تلقيناها، سيما من الوكالة الدولية للطاقة الذرية؛ أنّ المخالفات انتهاكات كبيرة"، وفق ما نقلت "سي إن إن".

وأعلنت أنّ "الاتفاق النووي مع إيران، ليس في وضع جيّد، لكنّه ما يزال حياً، ولا يمكن تحديد إن كان في ساعاته الأخيرة".

بدوره، أكّد وزير الخارجية البريطاني، جيريمي هنت، أنّ الوقت ما يزال متاحاً لإنقاذ الاتفاق النووي الإيراني، مضيفاً إلى أنّ بلاده لا تتفق مع الولايات المتحدة، وهي أقرب حلفائها، في طريقة تعاملها مع الأزمة الإيرانية.

وقال هنت للصحفيين، أمس، لدى وصوله إلى اجتماع وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في بروكسل: "ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية، لكن هناك فرصة ضئيلة لإبقاء الاتفاق على قيد الحياة".

وزير الخارجية البريطاني: ما يزال أمام إيران عام على الأقل لإنتاج قنبلة نووية

وفي السياق نفسه؛ قال وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لو دريان، اليوم: "يجب على أوروبا أن تظلّ موحّدة في محاولة الحفاظ على الاتفاق النووي الإيراني"، مضيفاً أنّ "على طهران العدول عن قرارها بعدم الالتزام ببنود في الاتفاق".

وأوضح لو دريان للصحفيين في بروكسل: "يجب على الأوروبيين الحفاظ على وحدتهم في هذه المسألة".

وأضاف أنّ "قرار إيران بتقليص التزامها بالاتفاق، الذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي، بمثابة "ردّ فعل سيّئ على قرار سيّئ".

 

للمشاركة:

التحالف يصدّ هجوماً إرهابياً جديداً للحوثيين

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-16

أسقطت قوات تحالف دعم الشرعية في اليمن، أمس، طائرتيْن مسيّرتيْن أطلقهما الحوثيون من صنعاء باتجاه مدينة خميس مشيط السعودية.

التحالف العربي يسقط طائرتين مسيّرتين أطلقهما الحوثيون باتجاه خميس مشيط

وقال المتحدث الرسمي باسم التحالف، العقيد الركن تركي المالكي: "تمكّنت قواتنا، مساء اليوم، من اعتراض وإسقاط طائرتيْن من دون طيّار (مسيّرتين)، أطلقتهما الميليشيا الحوثية الإرهابية المدعومة من إيران من صنعاء باتجاه الأعيان المدنية والمدنيين بمدينة خميس مشيط"، وفق ما نقلت وكالة الأنباء "واس".

وأضاف: "عملية الاعتراض والإسقاط للطائرتين المعاديتيْن نتج عنها سقوط الشظايا والأجزاء بأحد الأحياء السكنية، مما نتج عنه تضرّر أحد المباني السكنية بأضرار طفيفة، وبعض المركبات، دون وجود خسائر بالأرواح".

وبيّن العقيد المالكي؛ أنّ "محاولات الميليشيا الحوثية الإرهابية، المدعومة من إيران، بتعمّد استهداف المدنيين، تعبّر عن إفلاس الميليشيا الإرهابية، ونهجها اللاأخلاقي في مثل هذه الأعمال الإرهابية"، مشيراً إلى أنّ "هذه الهجمات الإرهابية والعدائية المتكررة ممنهجة لاستهداف المدنيين، في مخالفة واضحة وصريحة للقانون الدولي الإنساني، وهو ما يعدّ جريمة حرب."

تضرّر مبنى سكني ومركبات بحي سكني في المدينة إثر سقوط شظايا الطائرات المسيَّرة

وأكّد استمرار قيادة القوات المشتركة للتحالف بتنفيذ الإجراءات الرادعة ضدّ هذه الميليشيا الإرهابية، وتحييد القدرات الحوثية، وبكلّ صرامة، وبما يتوافق مع القانون الدولي الإنساني وقواعده العرفية.

 

للمشاركة:



نجيب محفوظ يعود لـ"أولاد حارته"

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

فتحية الدخاخني

يطل الأديب العالمي نجيب محفوظ مجدداً على "أولاد حارته" عبر متحف يوثق مسيرته الأدبية بمبنى تكية محمد بك أبو الذهب في حي الأزهر بقلب القاهرة الفاطمية التي ألهمت «أديب نوبل»، عشرات القصص الإبداعية خلدتها أعمال سينمائية مختلفة.

واختارت وزارتا الآثار والثقافة مبنى تكية أبو الذهب لإنشاء متحف محفوظ لقربها من المنزل الذي ولد فيه بحي الجمالية.

بعد نحو 13 عاماً على قرار إنشائه، افتتح الدكتور خالد العناني وزير الآثار المصري، والدكتورة إيناس عبد الدايم وزيرة الثقافة المصرية، نيابة عن الدكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء، متحف الأديب العالمي نجيب محفوظ، بمبنى تكية أبو الذهب بحي الأزهر، بقلب القاهرة التاريخية، الذي يوثق مسيرة حياة الأديب العالمي الحاصل على جائزة نوبل في الآداب.

وقالت الدكتورة عبد الدايم إن «افتتاح متحف ومركز إبداع نجيب محفوظ يعد حدثاً عالمياً مهماً، لأن الأديب الراحل أحد الحاصلين على جائزة نوبل في الآداب»، مشيرة إلى أن «نجيب محفوظ يعد أيقونة مصرية خالدة لفن الرواية».

ويأتي افتتاح المتحف نتيجة للتعاون المشترك بين وزارتي الآثار والثقافة، حيث نفذته وزارة الثقافة في مبنى تكية أبو الذهب الأثري. وأوضح الدكتور جمال مصطفى، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية بوزارة الآثار، أن «اللجنة الدائمة للآثار الإسلامية والقبطية وافقت عام 2017 على الطلب المقدم من وزارة الثقافة لاستغلال مبنى التكية كمتحف لنجيب محفوظ، في إطار خطة استغلال المواقع الأثرية في أنشطة ثقافية»، مشيراً إلى أن «اختيار مبنى تكية أبو الذهب يرجع لقربها من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، كما أنه يقع وسط منطقة القاهرة التاريخية، التي استوحى منها محفوظ أغلب شخصيات وأماكن رواياته».

وقال العناني لـ«الشرق الأوسط» إن «الوزارة وضعت خطة لإعادة استغلال 12 موقعاً أثرياً في أنشطة ثقافية، على غرار متحف محفوظ، إذ يجري حالياً دراسة هذه الخطة، وإعدادها بشكل متكامل».

ويقع المتحف وسط حارة شعبية من تلك الحارات التي أبدع أديب نوبل في تصويرها، ليستقر الأديب العالمي صاحب رواية «أولاد حارتنا» مرة أخرى بين أولاد حارته، ولكن المكان يحتاج إلى إعادة تطوير وتنسيق، وهو أمر بدأته محافظة القاهرة، وجهاز التنسيق الحضاري، بجدارية لمحفوظ، تغطي واجهة سوق شعبية أمام مدخل المتحف. وأكد الدكتور فتحي عبد الوهاب، رئيس صندوق التنمية الثقافية، لـ«الشرق الأوسط» «وجود خطة متكاملة لتطوير المنطقة المحيطة بالمتحف».

ولتجهيز المتحف، انتهت وزارة الآثار من أعمال ترميم وصيانة مجموعة محمد بك أبو الذهب، التي تضم السبيل والمسجد والتكية وحوض الدواب، وذلك ضمن مشروع ترميم وتطوير المباني الأثرية بالقاهرة التاريخية.

ويتكون المتحف من طابقين، يتوسط الطابق الأرضي منهما صحن به صورة لمحفوظ، تحيط به مجموعة من الأبواب باللون الأزرق، وهو اللون الذي تم الاتفاق عليه مع وزارة الآثار ليكون مميزاً للمتحف، ويضم الطابق الأرضي مجموعة قاعات للدراسة والندوات والاطلاع، بينما يحكي الطابق الثاني سيرة حياة نجيب محفوظ، من خلال مجموعة من القاعات تضم الأوسمة والنياشين التي حصل عليها، بينها قاعة خاصة لجائزة نوبل، ومكتبة نقدية تضم الدراسات النقدية عن محفوظ، وأخرى لأعماله بمختلف الطبعات العربية والإنجليزية، وقاعات أخرى تضم بعض متعلقاته الشخصية، أهدتها للمتحف أسرة الأديب الراحل، لعل أهمها مكتبته الشخصية التي تضم كتباً تحمل إهداءً لمحفوظ من مؤلفيها، وبعض الأوراق التي كتبها محفوظ بخط يده في الفترة التي كان يتدرب فيها على الكتابة في أعقاب محاولة اغتياله.

ومحفوظ هو أول مصري يحصل على جائزة نوبل في الآداب، وقد بدأ رحلته مع الكتابة في الأربعينات من القرن الماضي، وبرع في تجسيد الحارة المصرية في «الثلاثية»، وأثارت روايته «أولاد حارتنا» كثيراً من الجدل بسبب تفسير بعض الرموز الدينية بها، حتى تم منعها من النشر في مصر، وكانت واحدة من أربع روايات حصل بموجبها على نوبل للآداب عام 1988، كما كانت سبباً في محاولة اغتياله عام 1995، وتم نقل عدد من رواياته للتلفزيون والسينما.

وتعود فكرة إنشاء المتحف إلى الفترة التالية لوفاة محفوظ، في 30 أغسطس (آب) 2006، حيث طالب المثقفون بإنشاء متحف لنجيب محفوظ لتخليد ذكراه، ليصدر فاروق حسني، وزير الثقافة المصري في ذلك الوقت، قراراً وزارياً عام 2006، يحمل رقم 804، بتخصيص تكية أبو الذهب لإقامة متحف لنجيب محفوظ، وذلك لقرب التكية من المنزل الذي ولد فيه محفوظ بحي الجمالية، وهي المنطقة التي استوحى منها محفوظ معظم شخصيات رواياته، وكتب عن كثير من الأماكن بها. وتعرض المشروع لكثير من فترات التوقف بسبب الأوضاع السياسية في أعقاب ثورة 25 يناير (كانون الثاني)2011، وغيرها من الأسباب، ليبدأ التنفيذ الفعلي في عام 2016. وبلغت تكلفة إنشاء المتحف نحو 15 مليون جنيه.

وتكية أبو الذهب أنشأها الأمير الكبير محمد بك أبو الذهب، وتوجد في منطقة الأزهر، وأنشأت عام 1774.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

مساعدات سعودية إماراتية لإنقاذ الموسم الزراعي بالسودان

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

تنطلق سفينة محملة بما يزيد على 50 ألف طن من المغذيات الزراعية «اليوريا» واحتياجات المزارعين، من ميناء الجبيل الصناعي بالسعودية إلى ميناء بورتسودان بالخرطوم، بشكل عاجل، لإنقاذ الموسم الزراعي في السودان.

وحسب وكالة الانباء السعودية "واس"، فقد اكد مصدر مسؤول أن هذا الدعم جاء بتوجيه مباشر من قيادتي الإمارات والسعودية استمرارا للمواقف الأخوية والمستمرة لمساندة شعب السودان الشقيق في أزمته الحالية، ولتخفيف العبء عن المزارعين من أبناء السودان، نظرا لكون الزراعة تمثل مصدر دخل رئيسياً لعدد كبير من أهل السودان.

وأوضح المصدر أن هذه المساعدات جاءت امتدادا للدعم المالي البالغ 3 مليارات دولار والذي قدمته السعودية والإمارات، منها 500 مليون دولار كوديعة في بنك السودان المركزي، لدعم الاقتصاد وتخفيف الضغوط على الجنيه السوداني.

وأضاف أن الدعم المباشر للشعب السوداني الذي تقدمه المملكة والإمارات ينطلق من عمق العلاقات بين شعبي الدولتين والشعب السوداني والمصير المشترك الذي يربطهم، واستنادا إلى تاريخ طويل من العلاقات الاستراتيجية والأخوية التي تربط بين شعوب الدول الثلاث في النواحي كافة.

وكانت مصادر اعلامية افادت بوجود خلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في السودان، وذلك عقب إعلان الوسيط الأفريقي، محمد الحسن ولد لبات، تأجيل مراسم توقيع الإعلان الدستوري بين الطرفين. ووفق المصادر فإن الخلافات بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير تتعلق بتبعية وإعادة تشكيل الأجهزة الأمنية، هذا إلى جانب نسب توزيع أعضاء المجلس التشريعي. كذلك ترفض قوى الحرية والتغيير توفير حصانة لأعضاء المجلس السيادي.

فيما أفادت مصادر «سكاي نيوز عربية»، أمس، بأن قوى التغيير طلبت من الوسيط الإفريقي تأجيل الاجتماع ليوم غد الثلاثاء، وذلك لمزيد من التشاور في ما بينها حول المسودة، أكد المتحدث باسم المجلس العسكري الفريق ركن شمس الدين الكباشي عدم تلقي المجلس أي إخطار من الوسيط الإفريقي بشأن تأجيل الاجتماع.

في غضون ذلك، طالب المجلس العسكري الانتقالي السوداني القضاء السوداني بإلغاء قراره بإعادة خدمة الإنترنت في البلاد، وإصدار أوامره بوقف الخدمة على الفور، وذلك بعد أيام من أمر صادر عن محكمة الخرطوم الجزئية بإعادة الخدمة للمشتركين، لحين البت في الدعوى القضائية، حيث ألغت بذلك قرار المجلس العسكري الانتقالي الذي قطع خدمة الإنترنت باعتبارها «مهددة للأمن القومي».

وأمرت محكمة الخرطوم الجزئية شركات الاتصالات السودانية الثلاثاء الماضي، بإعادة خدمة الإنترنت لمشتركيها، لحين البت في الدعوى القضائية المرفوعة من قبل «الجمعية السودانية لحماية المستهلك».

وقال الأمين لجمعية حماية المستهلك د. ياسر ميرغني لـ«الشرق الأوسط» أمس، إن شخصاً اسمه «حيدر أحمد عبد الله»، تقدم بطلب للمحكمة بإلغاء قرارها بإعادة خدمة الإنترنت للبلاد، باعتباره مستشاراً قانونياً لرئاسة الجمهورية.

عن "إيلاف"

للمشاركة:

الشعبويات العربية الجديدة

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-15

السيد ولد أباه

في تونس تفيد استطلاعات الرأي حول الانتخابات الرئاسية المقررة في أكتوبر القادم أن المركز الأول في التوقعات يحتله رجل الأعمال المثير للجدل نبيل القروي، مالك قناة «نسمة» الخاصة، بينما يحتل المركز الثاني مدرس القانون الدستوري المغمور «قيس سعيد»، في حين تراجعت إلى حد بعيد حظوظ كل الزعامات السياسية المعروفة بما فيها رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان يعتبر الوريث الطبيعي للرئيس الحالي الباجي قايد السبسي.
بعض المعلقين التونسيين ذهب إلى أن استطلاعات الرأي الأخيرة تبين أن «الشعبوية الإسلامية» التي تمثلها حركة «النهضة» تراجعت لصالح أنماط جديدة من الشعبوية تستخدم الشعارات الاجتماعية الأكثر رواجاً، وتتبنى المطالب التعجيزية للشارع.
في السودان حالة شعبوية مماثلة تبرز لدى بعض قوى «الحرية والتغيير» من أقصى اليسار ومن التنظيمات القومية الراديكالية الرافضة لمنطق التوازنات الواقعية، وفي الجزائر هناك الظاهرة نفسها التي قد تعرقل مسار التحول وفق الضوابط الدستورية.
من الواضح إذن تنامي النزعات الشعبوية في الشارع العربي على غرار السيناريو الذي حدث في أوروبا وأميركا الجنوبية، بما يعني تراجع تنظيمات الإسلام السياسي التي استفادت سابقاً من انهيار الأحزاب السياسية التقليدية.
المشكل الذي تطرحه النزعات الشعبوية العربية الجديدة، كما هو حال التيارات الشعبوية إجمالا، هو عدم إدراك الفرق الجوهري بين ثلاثة معاني مختلفة لمفهوم الشعب: المفهوم السياسي الذي يعني الكتلة المندمجة في إطار هوية روحية مشتركة، والمفهوم الاجتماعي الموضوعي الذي يحيل إلى التنوع الطبقي والفئوي بين قوى متصادمة من حيث المواقع والمصالح، والمفهوم الانتخابي الذي يتحدد وفق الموازين الكمية المؤقتة.
فالحركات الشعبوية عموماً تتفق في تحميل الموازين الانتخابية دلالة الهوية الروحية العميقة للأمة بالقفز على اعتبارات التعددية الاجتماعية والتنوع السياسي، بما يعني تمويه الرهانات المجتمعية الحقيقية التي هي الموضوع السياسي الفعلي.
وبالرجوع إلى التحديدات التي بلورها الفيلسوف «جرار براس»، يتبين أن المفهوم الحداثي للشعب يعود في مرجعيته العميقة للتقليد اليوناني الروماني الذي ميز بين المفهوم النخبوي للشعب الذي تعبر عنه مقولة populis التي تشمل المواطنين المشاركين في نظام الدولة، والمفهوم الاجتماعي الذي تعبر عنه مقولة plebs أي عموم الناس من الطبقات السفلى التي لا مكان لها في دائرة التشاور والقرار، والمفهوم العرقي النسبي الذي تحيل إليه مقولة ethnos أي المجموعة التي تتقاسم الأصول والثقافة والتقاليد الخصوصية.
وفي القرن السابع عشر، برزت لدى فلاسفة الحداثة مقولة «الجمهور» multitude التي تعني الكتلة الحية من الفرديات الحرة المستقلة قبل حالة الانتظام السياسي في شكل الدولة التعاقدية (الشعب من حيث هو أمة).
لقد لاحظ المفكر المغربي عبد الله العروي أن الدولة الإسلامية التقليدية لا مكان فيها للعامة، من حيث هي جسم سياسي، بل هي مسألة سلطان وخاصة، فالعامة مصدر خطر دائم يتهدد النظام العام واستمرار السلطة والحكم، في حين أن الخاصة هي عماد المجتمع ومركز القرار. وإذا كان البعض يربط بين هذه الملاحظة وهشاشة القاعدة السياسية للدولة العربية، فإن هذه الحقيقة لا تنفي أن المجتمع السياسي العربي الوسيط كان أقوى من الدولة وأكثر تماسكاً، وإن لم يعرف من التركيبة التي يتحدث عنها «براس» سوى العامة (أو الدهماء) التي تحيل إلى شبح الفتنة أو مقولة الشعب التي تعني في المعجم الوسيط القبيلة الكبيرة.
وقد يكون مفهوم الأمة في ما وراء دلالته الدينية الضيقة (جماعة الدعوة أو جماعة الاعتقاد) هو الأقرب لمفهوم الشعب في دلالته الحديثة، لما يربط بينهما من فكرة الائتلاف المؤسس على نواميس جامعة: الشريعة في التقليد الإسلامي والقانون المدني في التقليد الحديث.
بيد أن ما يميز الأمة في التجربة التاريخية الإسلامية عن الأمة بالمفهوم الحديث ليس الطبيعة الدينية للولاء والانتماء، فقد كانت الدولة الإمبراطورية الإسلامية في الغالب متعددة النسيج الديني، كما أنها طورت أشكالا متعددة من الرابطة السياسية تدخل في باب المواطنة بالمعنى الراهن، إلى حد أن المستشرق المعروف ماسينيون اعتبر أن الدلالة الوحيدة للأمة في السياق الإسلامي هي إرادة العيش المشترك وليس الهوية الدينية أو العصبية. إن الفارق الأساسي بين الدلالتين هو أن المفهوم الحديث للشعب أو الأمة يقوم على نفي الطابع التعددي الاختلافي في الجماعة (أي الجمهور)، في حين أن الحقل السياسي في نظام الاجتماع السياسي في الإسلام الوسيط لم يقوض أو يذوب حركية المجتمع الأهلي.
ومن هنا نخلص إلى أن الخطر الذي تمثله الشعبويات في نسختيها، الإسلامية المؤدلجة واليسارية الراديكالية، هي تأجيج الفتنة داخل مجتمعات هشة لم تستطع فيها الدولة بعد عقود من الاستقلال تأمين الجسم الاجتماعي وبناء هوية وطنية متماسكة وصلبة، في حين أن الجماعة التي كانت في السابق محور توازن وتماسك هذه المجتمعات تحللت وانهارت بانهيار التقليد الوسيط نفسه.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية