رحلة الجنرال حميدتي من تجارة الإبل إلى نائب لرئيس المجلس العسكري الانتقالي بالسودان

36154
عدد القراءات

2019-04-18

ما لم يكن يتوقعه أحد؛ هذا الدور المهم الذي لعبته قوات الدعم السريع، المثيرة للجدل، في الانتفاضة السودانية الأخيرة، التي أطاحت بالبشير والكثير من الرؤوس الكبيرة، عن المشهد السياسي في السودان، بعد أن ظلوا فاعلين فيه لـ30 عاماً.

اقرأ أيضاً: السودان يدفع ثمن أسلمته على يد الترابي-البشير
ورغم أّنّ البشير وحزبه كانوا يعقدون الأمل على مساندة هذه القوات لهم؛ بل كانوا يثقون بأنّها لن تتورّع في الفتك بالمتظاهرين السلميين، متى طلبوا منها ذلك، إلا أنّ قائدها، الفريق أول محمد حمدان دقلو، الشهير بـ(حميدتي)، قطع الطريق أمامهم بقوله: إنّه "لن يطلق طلقة واحدة تجاه المُعتصمين السلميين، وإنّ مهمة بندقيته تتلخص في الحفاظ على أمن البلاد واستقرارها من التفلتات الأمنية الداخلية والعدوان الخارجي".

ربما موقفه هذا هو ما جعله يعود مجدداً كفاعل في المشهد الأمني والسياسي السوداني، عقب الإطاحة بالإسلاميين من السلطة؛ حيث سُمي نائباً لرئيس المجلس العسكري الانتقالي، الفريق أول عبدالفتاح البرهان، بعد أن اعتذر عن الانضمام لمجلس سلفه الفريق عوض بن عوف.
حميدتي والبشير

من هو حميدتي؟
لم يكن لأحد أن يتخيل أنّ هذا الصبي "النحيل" الذي لم يحظَ إلّا بقدر يسير من التعليم، بالكاد يسمح له بفكّ شفرات الحروف، فقد غادر مقاعد الدراسة مبكراً وهو في الخامسة عشرة من عمره، أن يلعب يوماً ما دوراً مهماً في صناعة مصير السودان وتشكيل مستقبله.

بعد أن ثار الشعب في وجه البشير و"الإخوان" حتى انقلب حميدتي عليهم والتزم الحياد في البداية ثم جانب الثوار

شهد عام 1973 ميلاد محمد حمدان دلقو، في مدينة كُتُم شمال غرب السودان، بإقليم دارفور، لكنّه ما إن بلغ العاشرة حتى وضعته الأقدار أمام مجاعة ضارية (1983)، بسبب الجفاف الشديد الذي اجتاح أجزاء كبيرة من السودان حينئذٍ، خاصة منطقة شمال دارفور، فغادر مكان ميلاده إلى جنوب دارفور برفقة أسرته التي استقرت حول مدينة (الضِعين)، معقل قبيلته (الرزيقات).

لم تمضِ غير 5 أعوام على نزوحه، حتى ترك الدراسة واتجه إلى العمل في تجارة الإبل، وهو ما يزال يافعاً بعد؛ وظلّ على هذا المنوال، متنقلاً خلف قطعان الإبل، داخل السودان وخارجه، خاصة تشاد ونيجيريا وليبيا، لا يحلم بشيء عدا أن يصبح رقماً يشار إليه بين تجار الإبل.

اقرأ أيضاً: من ثكنات العسكر إلى العزل.. محطات في حياة عمر البشير

لكنّ أمراً ما حدث له، عام 2002، غيّر طموحاته وقلب حياته رأساً على عقب، فقد قتل قطاع طرق أحد إخوته؛ بينما كان متوجهاً إلى ليبيا برّاً، على رأس قطيع من الإبل، لبيعه هناك، فقرر الانتقام وأخذ ثأر أخيه، ولم يجد سبيلاً إلى ذلك إلا بالانضمام إلى ميليشيا الجنجويد، بزعامة الشيخ موسى هلال، التي تحولت حينها إلى جزء من قوات حرس الحدود.

أثارت قوات الدعم السريع، التي يقودها حميدتي، الكثير من الجدل

من تاجر إلى محارب وزعيم

انضم حميدتي إلى حرس الحدود، عام 2003، وكان عمره 28 عاماً، وأظهر قدرات فاقت شيخه (هلال) على حشد المقاتلين وإقناعهم بالانضمام إلى حرس الحدود، فصار في فترة وجيزة رقماً لا يُمكن تجاوزه، خاصة بعد أن خاضت قواته معارك عديدة ضدّ المتمردين في إقليم دارفور المضطرب، خلال الأعوام (2013–2016)، فخطف الأضواء من الزعيم التقليدي للميليشيات القبلية المحاربة، بعد أن وضع تحت إمرته عشرات الآلاف من المقاتلين الذين لم يتلقوا تدريباً عسكرياً نظامياً، ويدينون بالولاء المُطلق له.

حميدتي والبشير

إلى ذلك الوقت لم يلتقِ حميدتي، ولم يرَ، الرئيس السابق عمر البشير، وكانا يتواصلان عبر وسطاء، لكنّ البشير كان يتابع انتصارات الرجل العسكرية، ويدعمه بالمال والسلاح، من أجل القضاء على الحركات الدارفورية المسلحة، إلى أن قرّر مقابلته، وهذا ما أكّده (حميدتي) في مقابلة تلفزيونية سابقة، حين قال: "كان أول لقاء لي بالرئيس، عام 2006، وسألني عن مطالبي، فكانت ثلاثة فقط: أن أشارك مشاركة حقيقية في السلطة، وأن تُمنح لجنودي رتباً عسكرية، وأن تعمل الحكومة على تنمية دارفور، فأقسم لي البشير بأنه سيحقق كلّ مطالبي".
عام 2017؛ وصف عمر البشير، في لقاء جماهيري حاشد في دارفور، قوات حميدتي قائلاً: "ليس هنالك رئيس في العالم لديه مثل قوات الدعم السريع، ومثل قائدها الذي طلبنا منه جلب 5 آلاف شاب مقاتل خلال أسبوعين، فجاء بـ6 آلاف، خلال أسبوع واحد". 
قوات الدعم السريع

أثارت قوات الدعم السريع، التي يقودها حميدتي، الكثير من الجدل، وتعرضت لانتقادات واتهامات كثيرة، من الداخل والخارج، بارتكاب فظائع وجرائم حرب وترويع للمواطنين الآمنين في حربها ضد الحركات المسلحة، الأمر الذي ظلّ قائدها ينفيه مراراً وتكراراً.
ونتيجة لتلك الانتقادات؛ قرّرت حكومة البشير، تقنينها على أن تحتفظ بخصوصيتها، فألحقت في نهاية العام 2017 بجهاز الأمن، ووضعت تحت إمرة الجيش بعد ذلك، وتمت ترقية زعيمها في فترة وجيزة من عميد إلى لواء، ثم إلى فريق، رغم أنه لم يتخرج في الكلية الحربية أو أيّة كليات عسكرية أخرى.

اقرأ أيضاً: ماذا تبقى للسودانيين بعد عزل البشير وابن عوف؟
ومع التراجع النسبي للنزع المسلح في دارفور، أُسندت إلى قوات الدعم السريع مهام جديدة، أهمها الحدّ من موجات الهجرة غير الشرعية على الحدود السودانية، بدعم وتمويل من الاتحاد الأوروبي، والمشاركة في حرب اليمن ضمن وحدات الجيش السوداني.

كان البشير يتابع انتصارات حميدتي العسكرية ويدعمه بالمال والسلاح

انقلابه على أبيه الروحي

استطاع حميدتي، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2017، القبض على  زعيمه السابق موسى هلال، الذي تمرّد على الحكومة، بعد أن كان حليفها الموثوق، بعد أن خاض معه معركة ضارية في منطقة مستريحة بشمال دارفور؛ حيث تمكّنت قوات حميدتي، وخلال ساعات قليلة من فرض سيطرتها الكاملة على معقل (هلال) واعتقاله هو وأبناؤه الثلاثة، حبيب وفتحي وعبدالباسط، بجانب شقيقه عمر هلال، وشقيق زوجته آدم رمضان، وقائد قواته محمد برمة يوسف، ووصف النائب البرلماني السابق، عيسى مصطفى، ما حدث في مستريحة بالمجزرة، فيما  تقدمت النائبة البرلمانية السابقة، سهام حسب الله، بمسألة مستعجلة لوزير الدفاع حينها، ورئيس المجلس العسكري الانتقالي السابق، الفريق عوض بن عوف، حول الأحداث التي أدّت إلى مقتل الكثير من المدنيين، بحسب قولها. 

الثورة وقوات الدعم السريع

هذه الحادثة رفعت من رصيد حميدتي، وجعلته مهاب الجانب، قوياً يخشى جانبه؛ حيث تقول تقارير متطابقة: إنّ قوام قواته يصل إلى ما يربو عن 40 ألف جندي مقاتل، عزّز الرئيس المعزول عمر البشير، من نفوذها كي يتجنب حدوث أيّ انقلاب ضدّه، حتى أصبحت موازية للقوات المسلحة السودانية. 

اقرأ أيضاً: بعد البشير.. هل يتوقف تهريب الأسلحة التركية

لكن، ما إن هبّ الشعب السوداني في وجه البشير والإخوان المسلمين، حتى انقلب حميدتي عليهم، والتزم الحياد في بداية الأمر، ثم جانب الثوار لاحقاً.

وكان حميدتي قد نشر بياناً على الصفحة الرسمية لقوات الدعم السريع على فيسبوك، السبت الماضي، عقب إعلان عبدالفتاح البرهان رئيساً للمجلس العسكري؛ بأنّه لن يشارك في المجلس إلى حين الاستجابة لمتطلبات الشعب والشروع في تنفيذها، لكنه لاحقاً قبل المشاركة نائباً للبرهان.

اقرأ المزيد...

الوسوم: