التحصيل المدرسي: ما شكل المنهاج الذي نريد؟

ذوقان عبيدات's picture
أكاديمي وتربوي أردني
2530
عدد القراءات

2019-05-16

كان الاهتمام بالتحصيل المدرسي يأتي في الدرجة الأولى بالنسبة للمربين، بالرغم من اختلافهم على معنى التحصيل، فهل هو زيادة تعلّم الطلبة وزيادة درجاتهم في الاختبارات؟ أم زيادة مهاراتهم ونضجهم مما لا يقاس عادة في المدارس؟ بعيداً عن هذا الاختلاف، فإنّ تحسين تحصيل الطلبة يعني كل ما سبق، أو ما تتفق عليه أهداف كل مدرسة.

اقرأ أيضاً: منهاج الكبار الأربعة والشراكة الوطنية.. ما الذي نريده من المدرسة؟
وتفاوتت آراء المربين والباحثين في حصر العوامل المؤثرة في التحصيل الدراسي، ولكن مجمل الدراسات يشير إلى 
العوامل الآتية:
- القيادة المهنية

مسألة زيادة الوقت المخصص للتعلم تبدو مستحيلة لأن الطالب حالياً ينفق 30 ساعة أسبوعياً في المدرسة

- التوقعات العالية بين المدرسة ومعلميها وطلابها.
- المناخ المدرسي المحفز والآمن.
- المتابعة المستمرة.
- مشاركة الأهل والمجتمع.
- الثقافة المجتمعية.
- حقوق الطلبة.
- إستراتيجيات التخطيط والتدريس.
- المنهاج المدرسي القابل للتنفيذ.
- الإصدار على تحقيق الإنجاز.
- توافر الوقت الكافي للتعلم.

اقرأ أيضاً: هل يمكن أن تصبح "السندويشات التربوية" بديلاً للكتاب المدرسي؟
وتفاوتت الدراسات في ترتيب الأولويات أو أكثر
العوامل تأثيراً، ولكن إحدى الدراسات (مارزانو) رتبت هذه العوامل وحصرتها بخمسة هي:
1. منهاج مضمون قابل للتنفيذ.
2. أهداف واضحة، ومتابعة لتحقيقها.
3. شراكة الأهل والمجتمع.
4. البيئة المدرسية المحفزة والآمنة.
5. تآزر العاملين: قيادة، معلمين، أهالي.
وسنتحدث عن هذه العوامل بالتفصيل:
أولاً: المنهاج المطلوب
ويقصد به:

1. المنهاج الذي يوفر فرص تعلم متكافئة لجميع الطلبة.
2. المنهاج الذي يوفر الوقت الكافي لتنفيذه.

اقرأ أيضاً: متطلبات الإصلاح.. ما الذي ساهم بتفوق بعض الأنظمة التعليمية؟

فما هو المنهاج القابل للتنفيذ والذي يحقق هذين الشرطين؟

إنّ المؤسسة الرسمية عادة، ما تضع المنهاج، وفق معايير وأهداف معينة، وهذا المنهاج يحدد أهداف التعلم ومعايير تحقيق الأهداف، وإستراتيجيات تحقيق الأهداف، سواء بالتعاون مع المدرسة أو بالاستقلال عنها، أو حين تكلف المدرسة بوضعه كاملاً ضمن المعايير والأهداف المرسومة.

هل هذا المنهاج المقصود أو الرسمي هو ما ينفذ فعلاً في المدارس؟ وهل نحن متأكدون من أنّ المعلمين ينفذون هذا المنهاج ويحققون معاييره؟

اقرأ أيضاً: جدلية التعليم .. لماذا يتعثر الإصلاح التربوي؟

لا أحد يستطيع الجزم بالإجابة بنعم؛ لأن هناك معيقات عديدة مثل؛ مؤهلات المعلم ومهاراته، الوقت المتاح للمتعلم، مستوى الطلبة، العقبات الإدارية واللوجستية مثل؛ نقص المختبرات والأدوات والأجهزة.

ولهذا يتحدث المربون عن منهاج آخر غير المنهاج المدرسي، والذي اصطلح على تسميته بالمنهاج المنفذ فعلاً، وهذا المنهاج غالباً ما يكون أقل من المنهاج الرسمي المدرسي؛ فالمعلمون يحذفون بعض الأجزاء من المنهاج الرسمي نتيجة لعوامل متعددة، مثل؛ الصعوبة، وعدم حاجة الطلبة، أو حتى بسبب نقص في مهاراتهم أو تحت ضغط الوقت.....الخ، فما يصل إلى الطلبة هو منهاج يقل بصورة واضحة عن المنهاج الرسمي.

اقرأ أيضاً: المدرسة والبيت: علاقات جدلية.. فكيف نحقق المعادلة الصعبة؟

طبعاً لا أحد ينكر أنّ المعلمين قد يضيفون إلى المنهاج الرسمي، كثيراً من اتجاهاتهم وتحيزاتهم سواء كانت سلبية أو إيجابية، وهذا ما اصطلح على تسميته المنهاج الخفيّ. لذلك يعرف المنهاج المنفذ بأنه: "ما يقوم المعلمون بنقله إلى الطلبة" بما في ذلك المنهاج الرسمي والمنهاج الخفي، لذلك فإننا نعتبر أنّ المنهاج المنفذ هو أكثر أهمية من المنهاج المقصود رسمياً.

هل ما يقدمه المعلمون من محتوى المنهاج وأهدافه يصل إلى الطلبة؟

يحاول المعلمون الإجابة عن السؤال من خلال امتحانات دورية يقدمونها لقياس ما تحقق من المنهاج عبر قياسهم لتحصيل الطلبة، وتتفاوت النتائج بين الطلبة من متفوق وجيد ومتوسط وضعيف، وترتفع نسبة رضى المدرسة والمجتمع عن النتائج بمقدار ارتفاع مستوى الطلبة الذين يحصلون على درجات عليا، وغالباً ما تكون نتائج الطلبة أقل بكثير مما قدمته لهم المدرسة ومعلموها. لذلك، يمكننا التحدث عن نوع ثالث من المنهاج، هو ما يتعلمه الطلبة أو ما يصل إلى الطلبة مما قدمه المعلمون، وقد يسمى بالمنهاج الواقعي أو الحقيقي أو العملي أو المكتسب.

اقرأ أيضاً: أسس بناء المقررات الدراسية.. كيف نصنع منهاجاً؟

ما خصائص هذا المنهاج؟ وما علاقته بكل من المنهاج الرسمي والمنهاج المنفذ من المدرسة؟

يعرف التعلم الحقيقي بأنه ما يبقى مع المتعلم، حين ينسى تفاصيل ما تعلمه وهذا يعني أنّ المنهاج الواقعي هو الأكثر أهمية، وهو ما يتعلمه الطلبة. ولكن الأكثر أهمية هو ما يبقى معهم بعد مغادرة المدرسة، وهو المنهاج المفيد.

إذن المنهاج المنفذ يصطدم بعقبات وتحديات مثل؛ مستوى تقبل الطلبة، ومستوى أداء المعلمين، و ظروف بيئية ونفسية عديدة. لذا فإنّ المنهاج الواقعي أقل بكثير من المنهاج المنفذ، وما يبقى مع الطلبة من المنهاج المفيد هو أقل بكثير مما اكتسبه في المدرسة.

إنّ مثل هذه الأمور تقود إلى استنتاج مفاده أنّ من الضروري تقليص الفجوات بين كل مستوى من مستويات المناهج.

ثانياً: الوقت المخصص للمنهاج

من البديهي القول، بأنّ لا قيمة لمنهاج لا ينفذ ولا يصل إلى الطلبة -كل الطلبة- فالمشكلة الجديدة هي الوقت الكافي و إمكان وصول المنهاج إلى كل الطلبة بحيث تحقق مقولة: الفرص المتكافئة والاهتمام بجميع الطلبة.

فما الوقت المخصص؟ وما كفايته؟

تخصص الأنظمة التربوية عادة 9 أشهر للسنة المدرسية، تتخللها أيام الإجازات. حيث تتراوح السنة الدراسية عالمياً بين 180 يوماً، تقل أو تزيد بأيام قليلة جداً. فإذا كان عدد الحصص الدراسية بمعدل ست حصص أسبوعياً فإنّ الطالب يقضي معدل 5.6 ساعة يومياً في المدرسة فما كفاية هذا الوقت؟ وهل كله وقت تعلم؟

بالتأكيد لا! فهناك وقت موزع بين:

- استراحات وكسل بعض المعلمين
- تنقلات بين الصفوف
- ضبط الصف وإدارته.

هذه العوامل، تقلل من وقت التعلم، بحيث تقدّر الدراسات أنّ وقت التعلم الحقيقي يعادل 70% تقريباً من الوقت المخصص، فهل هذا الوقت كاف لتحقيق أهداف التعلم ونتاجاته؟ إذا كانت الإجابة لا وهي كذلك، إذن نحن أمام "مشكلة الوقت" فما الحل؟

اقرأ أيضاً: منهاج عربي: هل هذا ممكن؟

إنّ مسألة زيادة الوقت المخصص للتعلم، تبدو مستحيلة؛ لأن الطالب حالياً ينفق 30 ساعة أسبوعياً في المدرسة، ومعدل 8 ساعات أسبوعياً لأنشطة مدرسية من واجبات منزلية وغيرها، وساعتين للتنقل إلى المدرسة ذهاباً وإياباً، ومجموع هذه الساعات 40 ساعة أسبوعياً. وهذا يتناقض مع حقوق الطلبة كبشر في الراحة والمتعة والعلاقات والتواصل.

كما يتناقض مع عدد ساعات العمل الممكنة، حيث لا يعمل الإنسان مدة تزيد عن أربعين ساعة أسبوعياً، ومع ذلك ما نزال نسأل لماذا يكره الطلبة مدارسهم؟

يعرف التعلم الحقيقي بأنّه ما يبقى مع المتعلّم حين ينسى تفاصيل ما تعلّمه فالمنهاج الواقعي هو الأكثر أهمية

إذن لا زيادة ممكنة في وقت التعلم، وهذا يذكر بقصة أحد اليونانيين الكرماء الذي كان يتجول في مدينة للبحث عن زائر أو سائح لا مكان له للنوم، فيدعوه إلى منزله. حيث لديه غرفة ضيافة فيها سرير حديدي، وكان يهتم بأن يكون الضيف بطول السرير، فإذا زاد عنه يقص ساقي الضيف، وإذا نقص طوله يفك مفاصله ليجعله بطول السرير، وفي الحالتين لا يسلم إلاّ من كان صدفة بطول السرير، نصحه أحد أصدقائه: اشترِ سريراً يمكن أن تتحكم بطوله زيادة ونقصاً، فبدلاً من أن تغير الضيف وتكيفه حسب السرير، غير السرير، وكيفه حسب الضيف.

هكذا هو المنهاج: مقاس واحد، نريد أن نلبسه لجميع الطلبة مهما اختلفت مقاساتهم، إذن بدلاً من زيادة الوقت علينا تقديم منهاج رشيق يناسب الوقت. وهذا ما لم يفعله أي نظام تربوي حتى الآن، وذلك بسبب ضغوط من أنصار المادة الدراسية. ففي دراسات واستطلاعات عديدة قدم المعلمون والمربون حلولاً بائسة لمسألة تحسن تحصيل الطلبة، حيث طالب كل مختص بمادة دراسية، بزيادة عدد الحصص المقررة لمادته، فمعلمو التربية الإسلامية واللغات والعلوم وغيرهم يرون الحل في زيادة عدد الحصص، وهذا ما لا يمكن تطبيقه. إذن ما الحل؟

ثالثاً: حلول مقترحة

إذا كان وقت الطالب لا يسمح بزيادة عدد الحصص وأيام الدراسة، فإنني أقترح البحث عن حلول في حجم المنهاج ومحتواه، فمن حيث الحجم يمكن تقليل عدد الموضوعات من خلال:

اقرأ أيضاً: نحو منهاج يُخرج تعليم اللغة العربية من جمود التقليد

1. تحديد المفاهيم الحياتية الرئيسية ونشرها عبر جميع المواد، بحيث لا تكون موضوعات تنقل المنهاج. فالديمقراطية مثلاً أو التفكير أو الحقوق لا داعي لإبرازها في مادة التربية الوطنية بل يمكن إدماجها مع تمرينات وتدريبات ونصوص لغوية في كتب اللغة العربية والرياضيات والفنون والاجتماعيات، بحيث لا تضيف حجماً ولا موضوعات.

2. اشتراك المعلمين في تحديد النتاجات التي يمكنهم تحقيقها في الوقت المتاح، وعدم الضغط عليهم في إنهاء المنهاج حيث لا يمكن ذلك.

3. تقليل عدد النتاجات المطلوبة، وحذف التفاصيل والمعلومات التي يمكن للطلبة الوصول إليها من مصادر خارج المدرسة.

4. التسامح في اختيار بعض المواد بحيث لا يحتاج الطالب مواد دراسية لا يرغب بها ولا تفيد حياته.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الأساطير المُؤسّسة للسرديّة الجهادية

2019-08-21

في ذهنية كلّ جهادي تقع عملية شحن عقائدي متدرجة وكثيفة، تفسّر لنا كلّ هذا الإقبال على الموت، لا يمكن أن نفهم عملية "الانتحار" التي هي في عُرفهم "شهادة"، عبر ركوب السيارات المفخخة، أو ارتداء الأحزمة الناسفة، أو غيرها من ضروب الانتحار، من أجل عقيدة "الجماعة"، إلا بالبحث عن الأصول المولّدة للعنف ذاتها وحوافزها.
هذه المقالة تكشف ما أسميه "الأساطير المؤسسة للسرديّة الجهادية".

البحث في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة يعيد إلى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية أو ربّما إلى ما قبلها

السؤال الأساسي الذي تدور حوله المقالة: هو البحث عن المحفزات الأساسية للفعل الجهادي، الذي هو فعل يتراكم زمنياً ومضمونياً عن طريق مجموعة أوهام أو أساطير، تتحول في ذهنية الجهادي إلى حقائق مطلقة، ومنها نفهم كلّ هذا الإقبال على الموت، وكلّ هذا البحث الغريب عن "الشهادة".
الأمر لا يتعلق بمجرد وُعود أُخروية بجنّة "عرضها السموات والأرض"، وبـ "حور عين"، فقط على أهمية الوعد الأخروي، ولكنّها ترتبط بتأثيث سياقي تعبوي لذهنية الجهادي وإقناعه بأن يُقاتل، أو أن يُفجّر نفسه من أجل "نصرة الأمة" و"غلبة الإسلام" على ما دونه.

سأحاول التطرق إلى الموضوع من خلال خُلاصات دراساتي العديدة، وكتابيَّ حول الظاهرة الجهادية: الأول كان تحت عنوان "تحت راية العقاب: سلفيون جهاديون تونسيون"، الذي صدر عام 2015، والثاني كان تحت عنوان "كنتُ في الرقّة: هارب من الدولة الإسلامية" الذي صدر عام 2017.

اقرأ أيضاً: عودة الجهاديين الفرنسيين: هل ينتصر القانون أم الرأي العام؟
كلا الكتابين يتبعان مسارات وقصص الجهاديين، من خلال هذه المسارات سنحاول البحث عن تشكّل هذه الأوهام والأساطير، التي تحوّلت إلى يقينيات، والتي أسّست للسرديّة الجهادية.
طبعاً يحتاج استعمال مصطلح "الجهادية" في التعاطي مع الظاهرة إلى تبريرات وحُجج تفسّر سبب الاعتماد عليه دون غيره من المصطلحات التي تُوَصّفُ الظاهرة. الأمر في نظري يتطلب نقاشاً طويلاً، ربما ليس هنا مجاله، ولكن يستلزم تحديدات لا بدّ منها.
إشكالية المصطلح
بداية؛ من المهم القول إنّنا أمام ظاهرة معقدة ومركبة، وهو ما أدّى إلى اختلاف اصطلاحي حقيقي، حول إطلاق مصطلح يكون جامعاً وشاملاً لها؛ نحن أمام تعدّد اصطلاحي في تسمية الظاهرة؛ فنحن نسميها إرهاباً، والأكيد أنّها كذلك، ونحن نسمّيها أصولية، وهي بالتأكيد كذلك، مع إقرارنا بأنّ ليس كلّ الأصوليات مُؤدية الى العنف؛ فهناك جماعات أصولية كثيرة في العالم، دينية وعرقية، لا تستعمل العنف.
من المهم التحديد أنّه عندما يتعلق الأمر بمفهوم العنف؛ فإنّنا نعني هنا العنف المادي المسلح دون غيره؛ لأنّ مفهوم العنف بحدّ ذاته واسع ويحتمل تأويلات عدّة، فهناك العنف المعنوي، كما هناك العنف اللفظي والعنف الرمزي، وغيرهما من أشكال العنف.

لا يمكن فهم الشحن العقائدي، والإقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية

فضلاً عن تسميات الإرهاب، الأصولية، هناك من يطلق على الظاهرة التطرف العنيف، وهي التسمية التي أصبحت تُطلق على الظاهرة من قبل المنظمات الدولية؛ كالأمم المتحدة، ومنظمة اليونسكو، وغيرهما من منظمات المجتمع المدني.
كما يطلق على الظاهرة أيضاً مصطلح راديكالية، ويطلق عليها تاريخياً أيضاً، اختصاراً، الإسلامية "islamisme"، وفاعلوها "les islamistes".
لكلّ هذه الاصطلاحات سياقاتها ومنازل استعمالاتها؛ ففي الإعلام نجنحُ إلى استعمال مصطلح الإرهاب كمصطلح يُعبّر عن الظاهرة، تُشرّع المعاني السلبية لهذا المصطلح للانخراط في "الحرب" على الظاهرة، باعتبارها تُهدّد الدولة والسلم الاجتماعي معاً.
رغم أنّنا نتحدث في هذه المقالة على الإرهاب بشكل مخصوص، وهو إرهاب الجماعات الإسلامية، فإنّه من المهم القول إنّ مصطلح الإرهاب، وعلى الأقل نظرياً لا يرتبط بدين معين، فبعض الجماعات الدينية الأخرى من غير الإسلامية، استعملت العنف في مراحل دينية سابقة ولاحقة من التاريخ، كما أنّ هناك دولاً، ولمصالحها الاقتصادية والسياسية، تستعمل واستعملت الإرهاب، وهو الذي دُرج على استعماله من قبل الباحثين والمفكرين "بإرهاب الدول".
من بين هذه المصطلحات المُتعدّدة للظاهرة نفسها، والتي يمكن أن نحدّدها هنا، وهي استعمال العنف من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: ماذا يحمل تنامي دور النساء في صفوف حركة الشباب الجهادية؟
أميل لاستعمال مصطلح "الجهادية" أو التنظيمات الجهادية في تُوصيف هذه الجماعات، وذلك لعدّة أسباب، من بينها: أنّ "المصطلح أقرب للتوصيف الواقعي فنحن أمام تنظيمات تتخذ من مقولة "الجهاد" عنواناً رئيساً لأعمالها العنيفة؛ بل إنّ مقولة الجهاد هي مقولة رئيسة ومركزية في أدبيات هذه الجماعات.
تاريخ الجماعات الإسلامية هو تاريخ مستمرّ لاستعمال هذا المصطلح، يمكن أن نُعدّد تاريخ منظمات عديدة استعانت بالمصطلح كعنوان رئيس في تسمياتها من قبيل "قاعدة الجهاد" التي أسّسها أسامة بن لادن، عام 1988، وتنظيم "التوحيد والجهاد" الذي أسّسه أبو مصعب الزرقاوي، عام 2003، ثمّ حوّله فيما بعد إلى تنظيم "قاعدة الجهاد ببلاد الرافدين".
تحوّل مصطلح الجهاد عبر الزمن لعنوان جامع لتسميات العشرات من التنظيمات الجهادية الأخرى في العالم.

اقرأ أيضاً: شجرة الجهاد: التاريخ العائليّ للتنظيمات المتطرفة في مصر
لا يتعلق الأمر بتسميات المنظمات والجماعات فقط؛ بل في أنّه يمثل المفهوم المركزي الذي يتخذه مُنظرو هذه الجماعات في أعمالهم وكتاباتهم، من قبيل أبي محمد المقدسي، عبر كتاباته المتعددة، ومنبره "التوحيد والجهاد"، مروراً بأبي مصعب السوري، وأبي قتادة الفلسطيني، وكتابه "الجهاد والاجتهاد"، وانتهاءً بمنظري تنظيم الدولة الإسلامية، أو داعش، من قبيل: أبي بكر ناجي، وتركي البنعلي، وغيرهما.
طبعاً هناك تحفّظ من قبل البعض على إضفاء الشرعية على أفعال هذه المنظمات في حالة استعمال مصطلح الجهاد أو الجهادية، الأمر نفسه ينطبق على استعمال مصطلحات من قبيل "الدولة الإسلامية" مثلاً، أو "الحركات الإسلامية" التي تطلقها هذه الجماعات على نفسها، وهي اعتراضات -في نظري- عاطفية أكثر منها تستند إلى فهم لجوهر الظاهرة وطبيعتها.

اقرأ أيضاً: من هو الجهادي الفرنسي؟ .. هذه الدراسة تجيبك
يطول الحديث في الحقيقة حول إشكالية المصطلح على أهميتها، وسأكتفي بأنّ العديد من المختصين في مراكز الأبحاث في أوروبا والولايات المتحدة، تستعمل مصطلح الجهادية كمصطلح تعدّه الأقرب إلى العلمية في التعبير عن الظاهرة.

في المنهج والتبريرات المُخاتلة

أهمية التدقيق في المسألة الاصطلاحية تتنزل في إطار الفهم الأكثر علمية للظاهرة، بعيداً عن التفسيرات والتبريرات العاطفية، وفي هذا السياق؛ يجنح العديد من الباحثين من ذوي النزعة التبريرية الاعتذارية، وأحياناً من خلفيات سياسية، إلى القول: إنّ الأمر لا علاقة له "بالجهاد" كمصطلح ثقافي وحضاري، بالتالي؛ يَرُدُّون أصول العنف الجهادي إلى أسباب اقتصادية، من قبيل الفقر، أو اجتماعية؛ من قبيل التهميش والحُقْرة، أو سياسية؛ من قبيل القمع.
في هذا الباب بالذات تتنزل أهمية هذا المبحث، أي "السرديّة الجهادية"، وأصولها، والبحث عن حوافزها؛ هل يتعلق الأمر بمجرد دوافع اقتصادية واجتماعية وسياسة على أهميتها، أم أنّ الأمر يتعلق بأسباب أخرى أكثر عمقاً؟
في مبحث النظر في الأصول المولّدة للعنف الجهادي هناك تفسيرات متعدّدة تخضع لفهم جزئي للظاهرة أحياناً، ولمنطق إيجاد المُبرّرات السياسية لها أحياناً أخرى؛ نحن هنا أمام مدارس متعدّدة لتفسير الظاهرة بقيت نتائجها محدودة وجزئيّة في فهمها، بالتالي لم تستطع الحدّ من انتشارها وتواصلها عبر الزمن.

اقرأ أيضاً: جهاد الطلب.. هل أصّل الفقهاء لصناعة الأعداء؟
لا تزعم هذه المقالة تقديم فهم مكتمل للظاهرة، ولا إيجاد الترياق المناسب لوقف انتشارها، ولكنّها محاولة لفهم أكثر عمقاً للآليات الداخلية التي تحركها.
في هذا المبحث بالذات؛ أعتقد أنّ هناك قاعدة تحليلية في موضوع الجهادية لا يمكن التغافل عنها، أو التقليل منها لفهمها، هذه القاعدة التحليلية نصّها: أنّه: لا يمكن فهم الظاهرة الجهادية إلا في شموليتها؛ أي أنّنا لا يمكن أن نفهم الظاهرة الجهادية دون الأخذ بعين الاعتبار بكافة أشكالها وتمظهراتها في العديد من البلدان، فالاقتصار على تمظهراتها في بلد واحد، كتونس مثلاً، أو مصر، أو السعودية، أو غيرها من البلدان، يُوقع في الخطأ وعدم الإدراك الحقيقي لطبيعتها.
فالذين يستندون على التفسير الاجتماعي – الاقتصادي؛ أي الفقر والتهميش، كسبب رئيسي لولادة وانتشار الظاهرة في تونس على سبيل المثال، سيجدون أنّ المثال السعودي أو الجزراوي، أي الجهاديين القادمين من الجزيرة العربية، يُقلّل من أهمية تحليلهم وفهمم للظاهرة، وربما ينسف كلّ الحُجج التي تقول إنّ الفقر والتهميش كعوامل اقتصادية واجتماعية هي السبب في انتشارها.

اقرأ أيضاً: هل يمكن تحويل جهادي إلى مكافح للتطرف
فالجزراوية؛ الذين انضمّوا بالآلاف للتنظيمات المتطرفة، يتمتعون في غالبيتهم بمكانة اقتصادية واجتماعية متميزة في بلدانهم، ولم يكن التهميش أو الفقر دافعاً لانضمامهم لهذه الجماعات.
فضلاً عن التفسير الاقتصادي – الاجتماعي؛ هناك تفسير سياسي- ديني، يقول إنّ القمع السياسي والتضييق الديني يؤديان إلى تفريخ التنظيمات المتطرفة وإقبال الشباب على هذه الجماعات، وانضمامهم إليها.
ينسف مثال الجهاديين القادمين من أوروبا وأمريكا، والدول الغربية عموماً، هذا التفسير؛ فالآلاف من الأوروبيين الذين انضموا إلى تنظيم داعش أو القاعدة من قبل جاؤوا من بلدان تتمتع بحريّات دينية واسعة، وديمقراطيات عريقة، بالتالي؛ فإنّ القول إنّ القمع السياسي والديني مصدر أساسي لولادة الظاهرة له محدوديته؛ بل لا معنى له في هذه الحالة.
إذا طُبّق تفسير القمع السياسي والديني كسبب لنشوء الظاهرة أو نموها، في بلدان من قبيل فرنسا أو بريطانيا أو ألمانيا؛ فإننا نعجز عن فهم كيفية انضمام شباب هذه الدول بالآلاف لتنظيم داعش، على سبيل المثال. 
عملية المقارنة بين تمظهرات الظاهرة في العديد من البلدان وحدها قادرة على كشف المحركات الداخلية للظاهرة، الأمر يتعلق بالبحث عمّا يمكن أن نسمّيه العامل المشترك الجامع، أو البصمة المكرّرة بين جميع الجماعات الجهادية بصرف النظر عن اختلافات سياقاتها وتاريخها وبيئاتها.

اقرأ أيضاً: محنة ابن حنبل.. مع "السَّلفيات الجهادية"
مسارات الجهاديين واختلاف انتماءاتهم، الاجتماعية والجغرافية واللّسانية والإثنية، تمكّننا من نتيجة لا يرقى إليها أيّ شكّ؛ هي أنّ العامل الثقافي – العقائدي يُعدّ أكثر العوامل شمولية في تفسير الظاهرة، هذا العامل نجده في كلّ أمثلة التنظيمات الجهادية، مهما تفرقت جغرافياتها، واختلفت أصولها الإثنية أو اللغوية.
نحن هنا أولاً أمام تفسير ثقافي – عقائدي، مبني على شحن عقائدي مستمدّ من قراءة مهيمنة للنصوص الدينية، وثانياً: أمام تفسير ثقافي- عقائدي ينبني على استغلال السياق السياسي والاجتماعي والتاريخي، الذي أنتج الحركات الإسلامية بشكل عام، والحركات الجهادية بشكل خاص.

اقرأ أيضاً: داردو سكافينو: الجهاديون ليسوا حفنة من الحمقى
في هذا الإطار؛ من المهم القول إنّ الحجج التحفيزية والتجيشية ذاتها التي استعملتها حركة الإسلام السياسي، ممثلة في تنظيم الإخوان المسلمين، والتي تخلّت عنها في بلدان عدّة لظروف مختلفة، تستعملها الحركات الجهادية اليوم.
نحن هنا أمام قضية الأصول الأولى، أمام الحاضنة الفكرية والأيديولوجية نفسها.
في تاريخ حركات الإسلام السياسي؛ تبدو كتابات سيد قطب النصوص التي تعود إليها كلّ الحركات الإسلامية، إخوانية كانت أو سلفية جهادية، على اعتبارها "الأصل المشترك".
ليس من مهمة هذه المقالة البحث في جديّة حركات الإسلام السياسي، ممثلة في تفرعات الإخوان المسلمين في العالم، في تبني قيم الديمقراطية والمزاوجة بينها وبين الإسلام، وليس من مهامها إثبات أو التشكيك في سلمية الحركات الإسلامية التي تُدرج نفسها في "اللعبة الديمقراطية"؛ فهذا مبحث آخر يطول الحديث فيه.
من المؤكَّد أنّ المقولات المحركة للحركات الجهادية، اليوم، هي المقولات ذاتها التي أنتجها وكرّسها الإسلام السياسي في بداياته، يكفي أن نشير إلى أنّ شعارات "الإسلام هو الحلّ"، أو "الإسلام دين ودولة"؛ هي شعارات إخوانية؛ هذه الشعارات هي، وبامتياز، في قلب المشروع الجهادي اليوم.

اقرأ أيضاً: لنكن صرحاء... أين الخلل في البنية العقلية الجهادية المعاصرة؟
ربّما تخلت بعض الأحزاب الإخوانية، لأسباب عدّة، على هذا الشعارات في العديد من البلدان، ولكنّها ما تزال تمثل القلب النابض لكلّ المشروع الشعبوي والتعبوي الإخواني، الأمر ينطبق على مطلب "الدولة الإسلامية"؛ الذي هو مطلب إخواني بامتياز، يكفي هنا الرجوع إلى أدبيات حسن البنا وسيد قطب، وكل مُنظّري حركات الإسلام السياسي؛ لفهم مركزيّة هذا المطلب في أدبياتهم.
هذا المطلب هو اليوم جوهر ومُرتجى وحلم التنظيمات الجهادية، وقد رأينا آثاره في إعلان أبي بكر البغدادي تأسيس هذه الدولة قبل أن تنهار بعد حوالي خمسة أعوام من إنشائها.

في الأساطير المؤسسة
شكّلت شعارات مثل "الإسلام هو الحل" و"الإسلام دين ودولة"، وشعارات أخرى، المحتوى المضموني للتفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية؛ هذا التفسير بُني في رأيي على أربع أساطير مؤسِّسة، شكّلت على الدوام العوامل المحفزة لعملية الشحن العقائدي والتعبئة التي تأسس عليها مشروع الإسلام السياسي، والتي تمثّل العمود الفقريّ لكلّ عملية التجييش الجهادي اليوم، هذه الأساطير تباعاً هي:

١– أسطورة المَظْلُوميّة

نحن أمام حافز مُؤسّس للظاهرة الجهادية خاصة، والإسلام السياسي عامة، في تنظيرات قادة الحركات الجهادية؛ إنّ العالم العربي والإسلامي يعيش مَظلمة مستمرة، هي مظلومية في الماضي والحاضر والمستقبل.
إذا بحثنا في الجذور التاريخية لمقولة المَظْلُوميّة؛ فإنّنا ربما نعود إلى هزيمة الأندلس والحروب الصليبية، أو ربّما نعود إلى ما قبلها؛ أي إلى هزائم وغزوات واجتياحات أخرى عاشها العالم الإسلامي.
المظلومية تشكّلت تاريخياً، واستفاد منها الإسلام السياسي، كما استفادت منها العديد من الحركات السياسية الأخرى، ولكنّها بلغت عند أصحاب الطرح الجهادي ذروتها، يطول تعداد المظلوميات، ولكنّنا سنقتصر في تحليلنا على مظلوميات تاريخ الحركة الجهادية المعاصرة.

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي يحذّر من نوع جديد من الجهاد..
في هذا السياق؛ سوف نعثر على خمس مظلوميات أساسية، كانت حافزاً لهجرة الآلاف من الشباب المسلم، للقتال إلى جانب التنظيمات الجهادية: 
أ– مظلومية القضية الفلسطينية: شكّلت على الدوام منبعاً لكلّ التجييش السياسي، بَنت عليها الحركات اليسارية القومية شرعيتها في الستينيات والسبعينيات، ليقع افتكاك هذه المظلومية بصفة حصرية اليوم، من قبل حركات الإسلام السياسي في المنطقة (حماس، الجهاد الإسلامي، حزب الله).
ب– مظلومية الغزو السوفييتي لأفغانستان (1979)، وبداية هجرة الشباب العربي للقتال هناك، كانت الحرب الأفغانية حافزاً مضافاً للمظلومية الفلسطينية، ونشأ مع هذه المظلومية الجيل الأول من الجهاديين: الأفغان العرب، جيل خاص، كانت أولى معاركه في الجزائر إبان العشرية السوداء.  
ج- الاحتلال الأمريكي للعراق: بعد عقدين تقريباً من المظلومية الأفغانية؛ تأسست مظلومية جديدة، هي المظلومية العراقية، ونشأ معها الجيل الثاني من الجهاديين.
د– المظلومية السورية: مع انطلاق "الثورة السورية"، بلغت التنظيمات الجهادية فورتها التاريخية، وهاجر الشباب بالآلاف إلى "أرض الشام" للجهاد، ونشأ فيها الجيل الثالث من الجهاديين.
ج– مظلومية الاستعمار: فضلاً عن هذه المظلوميات الأربع التي ذكرتها سابقاً، تتغذى الجهادية من مظلوميات أخرى عديدة، غير أنّ مظلومية الاستعمار القديم والجديد، تشكّل أبرز المظلوميات التي تستعملها الحركات الجهادية للتعبئة والتجنيد عن طريق استعمال قضية نهب استغلال الثروات الوطنية كمحفز وعامل لكراهية "الآخر". 

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
من المهم التنويه في سياق الحديث عن القضايا الآنفة الذكر؛ إلى أنّنا لا نتحدث عن "عدالة" هذه القضايا، أو شرعيتها السياسية أو الإنسانية، بقدر ما نتحدث عن توظيفها في عملية التعبئة والتجييش الجهادي. 
وقد تتخذ المظلومية أشكالاً أخرى محلية لا ترتبط بالضرورة بالعدو الخارجي؛ بل بالعدو الداخلي (الحُكام والسلطات)، من قبيل منع السلطات والحكّام من "تطبيق شرع الله"، أو "الزجّ بالشباب المسلم في السجون"؛ بسبب تديّنه، وهي مظلومية كثيراً ما استعملتها حركات الإسلام السياسي عامة، والحركة الجهادية خاصة، في تونس ومصر، على سبيل المثال.

٢– أسطورة الخلاص الإسلامي
محور هذه الأسطورة؛ مقولة "الإسلام هو الحلّ"، صحيح أنّ هذا الشعار هو شعار إخواني بالأساس، وبه استقطبت الحركات الإخوانية، وعلى امتداد أكثر من نصف قرن، أتباعها، وعبّأتهم، وحرّضتهم، غير أنّ هذا الشعار اتّخذ صبغته القصوى ونسخته النقيّة مع الحركات الجهادية.
محتوى هذه الفكرة؛ أنّه "لا يصلح حال هذه الأمة إلا بما صلح أولها"، كما يقول الحديث، ولا يمكن أن يتم ذلك إلا بتحكيم الإسلام شريعة ومنهج حياة؛ عن طريق اعتماد "الحاكمية" على مصطلح المُنظر الإسلامي الهندي "أبي الأعلى المودودي".

اقرأ أيضاً: فيلسوف فرنسي يحلل لماذا يقدم الشباب أنفسهم طواعية إلى التنظيمات الجهادية
تعد الحركات الجهادية بأنّ "خلاص البشرية"، وفق عبارة سيد قطب، وهنا نعود إلى ما عدّه المنظّر الأول، أو المُعلم للحركات الجهادية العربية في العالم، لا يأتي إلا بتحكيم الإسلام، إذا تخلّت الحركات الإخوانية في بعض الأقطار، وربّما مرحلياً، عن هذا الشعار؛ فإنّه تحوّل في منهج الحركات الجهادية إلى أحد الحوافز الأساسية للتجنيد.
فكرة الخلاص فكرة مركزية في الأدبيات الإسلامية، وهي لا تتعلق فقط بإعطاء أمل للحركة الإسلامية و"للأمة الإسلامية"، للنهوض والتقدم؛ أنّها أكثر من ذلك هي خلاص للعالم أجمع، هذه الفكرة نجدها منذ الأسطر الأولى لمقدمة "معالم في الطريق"؛ حيث يقول سيد قطب: "تقف البشرية اليوم على حافة الهاوية، لا بسبب التهديد بالفناء المعلق على رأسها، فهذا عرض للمرض، وليس المرض، ولكن بسبب إفلاسها في عالم القيم"، وينتهي قطب إلى تقديم الترياق: "والإسلام (وحده)؛ هو الذي يملك تلك القيم وهذا المنهج" (ص 3 و4، مقدمة "معالم في الطريق"، مكتبة الشروق، الطبعة السادسة، 1989).
خَلاص العالم في السردية الجهادية لن يأتي إلا عن طريق حلّ وحيد؛ هو "تطبيق الإسلام"، غير أنّ تطبيق هذه المقولة واعتمادها لا يتم إلا بمقولة أخرى، لا تقل عنها خطورة، وهي أسطورة الفرقة الناجية.

٣- أسطورة الفرقة الناجية
عندما يَقتنع الشاب الجهادي بأنّ أمّته مظلومة ومهدَّدة، وأنّ لا سبيل لإزاحة الظلم عنها إلا بتحكيم الشريعة، وبالتالي الاقتناع الكامل بأسطورة "الخلاص الإسلامي" كحلّ، تقوم التعبئة العقائدية بإقناعه بفكرة جوهرية أخرى؛ هي أنّ هذا الخلاص الإسلامي لا يمكن تحقيقه إلا بصفوة الصفوة من المسلمين، أو الطلائعيين الحاملين للمشروع الإسلامي، وهذا لا يتأتى إلا بغرس فكرة أساسية، وأسطورة لا تقل أهمية عن الأسطورتين الآنفتين، وهي أسطورة "الفرقة الناجية"؛ التي تحمل رسالة الإسلام وتوصلها ليس فقط للمسلمين، في نقاوتها وطهارتها، ولكن للعالم بأكمله!

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
ربّما يطول الحديث في البحث عن جذور فكرة "الفرقة الناجية"، لكنّها فكرة مُتأصلة في المخيال الإسلامي، قديماً وحديثاً، فيشعر "الإخواني" بأنّه انضمّ فعلياً إلى "الفرقة الناجية" عندما تقع تزكيته وينضمّ إلى "نظام الأسرة" الذي حدّد هرميته تنظيم الإخوان المسلمين في مصر، كما يشعر الجهادي بأنّه انضمّ فعلياً إلى "الفرقة الناجية"؛ عندما يتمّ ضمّه إلى "جلسة سرية" تضمّ الإخوة المُقتنعين "بالمنهج" الجهادي.
طبعاً فكرة "الفرقة الناجية" نجدها في تيارات إسلامية أخرى، من قبيل الجماعات الصوفية وجماعة الدعوة والتبليغ، وغيرها من الجماعات، ولكن هَمّنا هو البحث في هذه المقولة كمحرك أساسي لفعل التكفير والقتل، الذي هو سمة التيارات الجهادية.

ما العمل أمام هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية، وفي مناهجنا التربوية؟

على هذه المقولة "الفرقة الناجية"، وما يستتبعها من فقه "نواقض الإسلام" تنصّب التيارات الجهادية نفسها كممثل وحيد لله، وبالتالي شرعية القتل باسمه.
طبعاً تُبنى مقولة "الفرقة الناجية" على الحديث النبوي المشهور، الذي يقول: "ألا إنّ من قبلكم من أهل الكتاب افترقوا على اثنتين وسبعين ملة، وهذه الملّة ستفترق على ثلاث وسبعين، اثنتان وسبعون في النار، وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (حديث رواه أبو داود والحاكم، وصحّحه ابن تيمية في مجموع الفتاوى والشاطبي في الاعتصام).
طبعاً يختلف الفقهاء في رواية الحديث، وألفاظه تزيد وتنقص، وصحته وضعفه كذلك، وهذا مبحث آخر، لكنّ الأهمّ أنّه كان نصّاً أساسياً في عملية شَرْعَنة الإقصاء والتكفير التي تعتمدها الجماعات الجهادية.
الاعتماد على هذه المقولة أدّى إلى عملية تكفير لا نهاية لها بين الجماعات الجهادية طوال الخمسين عاماً الأخيرة؛ فقد كفّرت الجماعة الإسلامية المسلحة، في التسعينيات، مقاتلي الجيش الإسلامي للإنقاذ في الجزائر، وانتهى الجهاز الأمني لتنظيم الدولة الإسلامية إلى تكفير وتصفية أعضاء جماعة "الحازمية"، أتباع أحمد ابن عمر الحازمي، في فترة ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام.
طبعاً لن نتحدث في هذا السياق عن أثر مقولة "الفرقة الناجية" في تكفير الجماعات الجهادية في أحيان كثيرة لعموم المسلمين، وبشكل مستمر للحُكَّام، وتكفير الجماعات والطوائف الإسلامية الأخرى؛ فهذا الأمر لا يحتاج إلى أدلة أو براهين كثيرة.

اقرأ أيضاً: الجهاديات.. هكذا تغير دور المرأة في صفوف التنظيمات المتطرفة
مقولة "الفرقة الناجية"، واقتناع الجهادي بها تؤدي به آليّاً إلى "الخروج" والانعزال، وربما كانت جماعة "التكفير والهجرة"، التي نشأت في مصر، في أواسط الستينيات، مثالاً جيداً للانعزالية والخروج على المجتمع، التي تأسّست على شعور أعضاء الجماعة بأنّهم يمثلون "الفرقة الناجية" المنصورة، التي وكّلها الله بتنفيذ تعاليمه وتحقيق مُراده في الأرض.
أسطورة اعتقاد الجهادي الراسخ بأنّه ينتمي إلى "الفرقة الناجية" تُعدّ مرحلة متقدمة جداً من التعبئة الجهادية؛ فعندما يصل الشاب إلى هذا الاعتقاد، فإنّه يكون قد اندمج فعلياً في "الجماعة" المنصورة في ذهنيته، وقطع بشكل كامل مع "المجتمع الجاهلي"، الذي كان ينتمي إليه، هذه المرحلة المُتقدمة في ذهنية الجهادي تتراكم مع سيطرة مقولة أخرى، أو أسطورة أخرى، لا تقل عنها أهمية، وهي مقولة انتصار "الإسلام ونهاية العالم". 
٤- أسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم
عندما يصل الجهادي إلى مرحلة انتمائه إلى الفرقة الناجية، يُعبَّأ عقائدياً بمقولة "انتصار الإسلام وسيادته على العالم"، الأمر يتعلق بحتمية إلهية في ذهنية كلّ جهادي، النصر هنا هو وعد الله، ولا يخلف الله وعده، والتاريخ الإيماني يقول للجهادي: إنّ العالم لا يمكن أن ينتهي إلا بانتصار المسلمين وسيادتهم على البشرية، وإنّه سيكون جندياً في هذا الانتصار الكبير، وستذهب أشلاؤه قرباناً لهذا الوعد. بُنيت أسطورة انتصار الإسلام ونهاية العالم في الذهنية الجهادية على العديد من التفسيرات للآيات القرآنية، والكثير من الأحاديث النبوية، من قبيل الحديث الشهير الذي يقول: "لا تقوم الساعة حتّى ينزل الروم بالأعماق، أو بدابق، فيخرج إليهم جيش من المدينة من خيار أهل الأرض...".
من المعلوم أنّ تنظيم الدولة داعش وظّف هذا الحديث توظيفاً منقطع النظير، واستغل وجود قرية دابق في سوريا، التي سيطر عليها في مرحلة معينة، للترويج لمعركة انتصار الإسلام ونهاية العالم، واستقدام حوالي 27 ألفاً من المقاتلين الأجانب للمشاركة في معركة نهاية العالم التي لم تَتمْ! كما اتّخذ تنظيم داعش من تسمية "دابق" عنواناً لمجلته الإعلامية، كما اتّخذ من تسمية "أعماق" شعاراً لوكالته الإخبارية التي كانت تنقل نشاطات ومعارك التنظيم على مواقع التواصل الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "جهاد النساء" .. لماذا اخترن داعش؟
تحفل الأدبيات الجهادية بكلّ المؤيدات النصّية التي تنبئ بأسطورة انتصار الإسلام في نهاية العالم، ويجد الجهاديون في علامات اقتراب الساعة ومعركتها النهائية ما يشبع نهمهم في هذه المعركة، التي سيكون اليهود أحد أطرافها الرئيسة، لا نعدم في المدونة النصية ما يشير إلى الأصول التاريخية للكراهية ضدّ اليهود والمعركة ضدّهم كعلامة لهذا النصر القادم؛ من قبيل الحديث الذي يتوعد بالانتصار النهائي عليهم والذي يقول: "لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا اليهود، حتى يقول الحجر وراءه اليهودي: يا مسلم، هذا يهودي ورائي فاقتله" (رواه مسلم).

بمثل هذه الأحاديث، وغيرها، تشكّلت الذهنية الجهادية عبر الزمن متوعّدة بالانتصار النهائي للإسلام ونهاية العالم.
تربّت أجيال متعاقبة من الجهاديين، طوال الخمسين عاماً الأخيرة، على هذه الأسطورة التي كانت أحد أبرز مقولات الشحن العقائدي، والتي دفعت بالمئات من الشباب الجهادي إلى الموت في "الغزوات" والعمليات الانتحارية.
ختاماً، وعبر هذه الأساطير المؤسّسة، وبها نفهم الذهنية الجهادية، وهي بمثابة "يقينيات" لا يرقى الشكّ بالنسبة إلى الذين تبنوا "المنهج" من الشباب العربي والإسلامي.
لا يمكن فهم كلّ هذا الشحن العقائدي، وكلّ هذا الإقبال على الموت والانتحار، دون الأخذ بعين الاعتبار بكلّ هذه الأساطير المؤسسة للسردية الجهادية.
نحن أمام مقولات ويقينيات في ذهنية الجهاديين تُدرجُ في هذا التفسير الثقافي – العقائدي للظاهرة الجهادية.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
ما العمل أمام مثل هذه الأساطير أو اليقينيات في ذهنية الجهاديين، والتي نجدها منتشرة في نصوصنا الدينية، وفي مناهجنا التربوية، وفي مدارسنا، وفي أسرنا، وحتى في بعض وسائل إعلامنا التي تزعم أنّها تحارب الإرهاب؟!
طبعاً؛ ليس من مهام هذه المقالة إيجاد الترياق المناسب من أجل تفكيك هذه الأساطير ودحضها، فهذا عمل يتجاوز المجهود المتواضع للكاتب في تفسير الظاهرة، إلى مجهود آخر يتعلق بكلّ النظام السياسي والثقافي والتربوي الذي يريد مكافحة التطرف العنيف أو الظاهرة الجهادية.
يكفي هذه المقالة شرفاً أنّها من ضمن محاولات الإشارة إلى "أصول الشرّ"، وحوافز العنف وما يعتقد الكاتب أنّها "أساطير"، بمعنى أوهام، تحوّلت إلى يقينيات في ذهنية الجهاديين. 
كلمة أخيرة مهمة في هذا الإطار: إنّ حصر هذه الأساطير وتحديدها باعتبارها أصولاً أربعة للفعل الجهادي، لا يعني عدم وجود أساطير أخرى، غير أنّ حضور هذه الأساطير الآنفة الذكر في الذهنية الجهادية أمر لا غنى عنه في فهم وتفسير كلّ هذا العنف باسم الله ونصوصه، أساطير تفسر لنا كلّ ظلام النفق الطويل الذي دخلناه منذ حوالي نصف قرن. 

• هذه المقالة تنشر بالتزامن مع موقع "صواب"

للمشاركة:

الضحية

2019-08-21

كيف يعيش هؤلاء المتطرفون بين ظهرانينا ونحن نعشقهم؟ كيف نصفهم بالخلق والهدوء وفجأة يتحولون؟ وكيف بعدها يقتُلون ويقتَلون؟ إنّها أسئلة منطقية يجيب عنها بكل وضوح عبد الرحمن الغرابلي (٢١ عاماً)، من محافظة بورسعيد، الطالب في السنة الأخيرة بكلية الإعلام جامعة القاهرة، الذي اكتشف زملاؤه وأصدقاؤه فجأة أنّه التحق بتنظيم داعش، الذي أطلق على نفسه (ولاية سيناء).

كان عبد الرحمن الغرابلي ضحية مجموعه من القتلة والمحرضين ومعدومي الإنسانية الذين دفعوه كي يذهب إلى سيناء

قالوا عنه أشياء كثيرة، نقلوها في وسائل التواصل الاجتماعي، من أنّه محبوب للغاية، هادئ الطباع، مرح الوجه، وطيب القلب، وأنّه كان نموذجاً مختلفاً تماماً في تصوراته ودوافعه؛ فقد نشأ بعيداً عن فكرة (الفسططة)، أي فسطاط الإيمان والكفر، كما كان بعيداً عن التطرف؛ بسبب الفقر والاقتصاد والظروف الاجتماعية، فهو من أسرة ميسورة الحال، ورغم ذلك قرر الوثوب إلى مكان بعيد هناك في سيناء ليلتحق بداعش!
بالمعنى الأدق؛ كان الغرابلي طالباً مجتهداً، ليس عنيفاً ولا انطوائياً، وظروف أسرته المادية مستقرة تماماً وميسورة الحال، وهذا معناه أنّه غير محتاج لأموال، ولم يتسبّب الفقر في تحولاته الفكرية.
المحرقة
قرر الشاب، الذي يدرس الإعلام، المشاركة في ثورة يناير على نظام الرئيس الأسبق، حسني مبارك، وعام 2012 لم ينتخب مرسي في الجولة الأولى، ووفق أصدقائه؛ فإنّه قاطع جولة الإعادة! لأنّه لم يكن إخوانياً في البداية، وكان يلعن سياسة الجماعة على صفحته بالفيسبوك، ويقول إنّهم كانوا يلهثون إلى البرلمان، ويفعلون الكثير، فيكذبون ويختلقون الإشاعات، ثم يعودون بعد ذلك ليتبرؤوا من أفعالهم، طالما حققوا أهدافهم، إنّهم كسياسيّ دخل للسياسة من أوسع أبوابها وبأكبر معانيها؛ من مداهنة الحكام، ثم اللعب بها من أجل الوصول للسلطة.

اقرأ أيضاً: لماذا تستمر عمليات تنظيم داعش في سيناء؟
في النهاية؛ تحدّث رفاقه الإخوان عن الدعوة والمواجهة، ووضعوا هذه المعادلة حتى وجد نفسه بين أحضانهم، وكان كالضائع الذي يبحث عن الحلم لكنّه كلّما اقترب منه ضاع الحلم.
يقول الصحفي أحمد سلطان، الذي كان زميله في كلية الإعلام: إنّ الغرابلي كان شاعراً وأديباً، وكان يستعد لأن يكون صحفياً مميزاً، قرر أن يعمل صحفياً متدرباً، وذهب ليغطي فعاليات اعتصام ميدان رابعة، وكانت هذه هي بداية تحولاته الحقيقية، الكلمات التي كان يسمعها من فوق المنصة، والعلاقات التي بدأت تتشابك، ثم الفضّ، الذي قتل فيه أمامه بعض رفقائه، وهنا قرّر الرحيل.

اقرأ أيضاً: الفكر يتحدى الإرهاب في سيناء عبر سفارات المعرفة
فرار قيادات الإخوان، وبقاء القواعد التي لا تملك اتخاذ القرار، كان أشبه بمصيدة وآخر طوق للنجاة، فلم يملك الغرابلي المراهق، بقلبه الطفل، خطوات فضّ الاعتصام التي كانت بالقوة.
عاد إلى مدينته بورسعيد، وأخذ يراقب ما يجري؛ الإخوان وأعداؤهم من الأهالي كانوا في هذه اللحظات يتبادلون رشق بعضهم بالحجارة، وإطلاق ما يبدو أنّها شماريخ أو ألعاب نارية، والشرطة بدأت بالتحرك باتجاه الشارع، لكنّها وقفت من بعيد وسط إطلاق كثيف لقنابل الغاز، والمدرعات والمجنزرات اخترقت السواتر والحواجز التي صنعها أعضاء الجماعة.

اقرأ أيضاً: سيناء بعد "الإخوان"
شاهد الغرابلي أحد المواطنين يريد الصعود إلى مقر الإخوان، لكنّهم أطلقوا عليه الرصاص فوقع من الدور الثاني مضرجاً بدمائه، الجماهير تحمست وأشعلت النيران، فبدأ في الركض وولّد الغضب في صدره موجات متلاحقة من السكون توحّدت معه وسرقته من الزمن، فقرّر مواجهة أعداء الجماعة، وعقب أن انتهى هذا اليوم أبلغ عنه بعض جيرانه، فقرّر الهروب خوفاً من الملاحقة الأمنية.
صورة الشاب قبل التحاقه بداعش، وصورته، وهو في سيناء مختلفة تماماً، حينما تنظر إلى كلتا الصورتين، وتقرأ حكايات أصحابه عن شخصيته، لا بدّ من أن تتعجب من حجم التحول الذي حدث له.
يشارك عبد الرحمن الغرابلي عقب التحاقه بتنظيم داعش، بتفجير فندق "سويس إن"، ويقتل قضاة العريش، في تشرين الثاني (نوفمبر) ٢٠١٥، وشارك معه في هذه العملية صديقه خريج إعلام الأزهر، فهما شيء واحد، وكان حجم ونوع التحول الذي حصل لهما متشابهاً إلى حدّ كبير.

اقرأ أيضاً: رؤوس الإرهاب التي لا تقطع في سيناء
يرى القيادي السابق، ناجح إبراهيم، في تصريح لـ"حفريات"؛ إنّ اعتصام رابعة سيظلّ نقطة سوداء تتجمع بسببها جماعات التكفير، ففكرة الانتقام والثأر، وأنّ الشباب هم المحرقة، ومواجهة الحكومة لإفساح الطريق للدعوة كلّها، نبتت في هذا الاعتصام، وما أعقبه من فضّ بالقوة.
ويعتقد إبراهيم بأنه كي نفهم طبيعة النماذج الجديدة من أعضاء الأجنحة العسكرية لجماعات الإسلام السياسي، علينا أن نفهم ما جرى من تحولات بعد 25 كانون الثاني (يناير) وحتى الآن، عند قطاع كبير من الشباب، وحجم متطلباتهم، وحجم الصورة التي تصلهم عن علاقة النظام السياسي بالشعب، وشكل المواجهات التي تحدث مع تيارات الإسلام السياسي على العموم، وهذا كلّه خلق دوافع عند كثير من الشباب، جعلتهم يكفرون بالحلّ السلمى، وجعلت شباباً مثل عبد الرحمن الغرابلي، كانوا يحلمون بمصر أحلى، ووجدوا من شرح وفسّر وأوضح وقال لهم إنّ الوطن لن يعود إلا بالسلاح والقوة لتغيير الواقع المؤسف.
الذهاب للموت
أعوام طويلة فصلت ما بين الغرابلي، طالب الإعلام الذي نعته أصحابه بالتديّن والأخلاق، والمخطِّط والقاتل المحترف.
تمّ تكليفه بقيادة لجنة الإعلام للتنظيم الداعشي بسيناء، وكان الغرابلي يذهب بنفسه ليصور عمليات القتل والذبح التي يقوم بها التنظيم، لكنّه ذات مرة، وهو في طريقه لعملية إرهابية، تمّ قصف الخلية بالكامل، ومات من فوره، وفي يده كاميرته التي كان يستخدمها في التصوير.

لم يكن عبد الرحمن وحده فقط هو الصحفي الذي تحوّل من القلم إلى حمل السلاح والقتل

لم يكن عبد الرحمن وحده فقط هو الصحفي الذي تحوّل من القلم إلى حمل السلاح والقتل، فقد سبقه علي خاطر، وعلي سعد، ومصطفى البرماوي، وغيرهم، وفي الأسابيع الماضية، حين تمّ القبض على عدد من الخلايا، ومنهم خلية كبرى بالقاهرة وضواحيها، وتم التحقيق معهم، أجمعوا على أنّ تحريض قيادات الخارج، ووصف النظام المصري بالانقلابي العميل، الذي يبيع أرضه لليهود، هو السبب في كفرهم بالعمل السلمي، واتجاههم للعمل المسلح.
كان عبد الرحمن الغرابلي ضحية مجموعه من القتلة والمحرضين ومعدومي الإنسانية، الذين دفعوه كي يذهب إلى سيناء، ومثل هؤلاء الشباب الذين كانوا متفوقين علمياً، ومتدينين بطبعهم، ولا انطوائيين، وظروف أسرهم المادية مستقرة تماماً، وميسوري الحال، كانوا ضحية للمحرّضين والسلطة والأجهزة، والمؤسسات الدينية، والإعلام، وكلّ المجتمع، ولم يكن الفقر والجهل، اللذان يستخدمان لإبعادنا عن الأسباب الحقيقية، ضمن أسبابهم.

للمشاركة:

أحداث الزاوية الحمراء.. عندما رقص الإخوان على أطلال المذبحة

2019-08-20

قامت الإستراتيجية التي اتّبعها الرئيس الراحل، أنور السادات، في جزء كبير منها، على استدعاء جماعة الإخوان المسلمين، وإعادة موضعتها في المجال العام، في ظلّ رغبته في استئصال سياسات عبد الناصر، وتوجهاته ذات الطابع الاشتراكي، وهو ما يلزمه بالضرورة، في ظنّه، صعود تيار يميني، مثل جماعة الإخوان، يُفضل الولايات المتحدة على الاتحاد السوفييتي (المُلحد)، ولا يرى غضاضة في انتهاج خطط الاقتصاد الرأسمالي/ الريعي، ويمارس باسم الدين نوعاً من التوجيه الاجتماعي، الذي يصبّ في صالح سياسات النظام الجديدة، وهو ما استغلّته الجماعة جيداً في نشر أفكارها، وتوسيع قاعدتها الشعبيّة، ودفع السادات ثمنه فادحاً فيما بعد.

اقرأ أيضاً: العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين
مع صعود الإخوان بصورة عامة، بعد أعوام من المنع والحظر، وفي ظلّ صراع سياسي حادّ أربك المشهد السياسي، بات واضحاً أنّ الأمور انفلتت بشكل كامل، وقد خرجت من عباءة التنظيم عدة تشكيلات جهاديّة، كانت الجماعة الإسلامية أبرز تجليّاتها، وفي ظلّ أجواء مفعمة بخطاب الاستقطاب الديني الحادّ، كانت الحالة الطائفيّة هي الحلقة الأضعف، والأكثر عرضة للانفجار، في ظلّ توتر العلاقة إلى حدّ غير مسبوق بين رأس النظام، وبطريرك الأقباط البابا شنودة، مع الشعور القبطي العام بالاضطهاد.
تراخيص الكنائس بداية تقليدية للنزاع
وفق تقرير النيابة العامة؛ بدأت مقدمات الحادث قبل خمسة أيام من وقوعه، ففي يوم 12 حزيران (يونيو) 1981، تقدمت إدارة أحد المصانع التابعة للمؤسسة المصرية العامة للدواجن، بالزاوية الحمراء، ببلاغ يفيد بحدوث تعدٍّ من مواطن قبطي، يدعى كامل مرزوق سمعان، على قطعة أرض مملوكة للمصنع، معدّة لإقامة مصلى للعاملين به، وفي اليوم التالي؛ صدر قرار من حيّ شمال القاهرة، بتمكين المصنع من قطعة الأرض، وهو ما خلق شعوراً عاماً بعدم الارتياح لدى الأقباط، نظراً لسرعة البتّ في النزاع، في حين سادت حالة من الشماتة والاحتفاء بين عدد من المتشددين بالمنطقة الشعبية، خاصة أنّ كامل سمعان كان ينوي إقامة كنيسة، على قطعة الأرض التي ادّعى ملكيتها، لكنّه لم يحصل على التراخيص اللازمة.

مع صعود الإخوان بعد أعوام من المنع خرجت من عباءة التنظيم عدة تشكيلات جهاديّة كانت الجماعة الإسلامية أبرز تجليّاتها

مع تزايد وتيرة الاحتقان، وفي ليلة حزينة من مساء يوم السابع عشر من حزيران (يونيو) 1981، شهدت منطقة الزاوية الحمراء مشهداً جنونياً من مشاهد العنف الطائفي، وسمعت أصوات طلقات نارية متتالية، وسادت موجة من التعدي على منازل الأقباط وحرقها، وقام ملثمون بالسطو المسلح على محلات الذهب المملوكة لهم، كما ذُبح القمص مكسميوس جرجس بدم بارد، وسحلت جثته في الطرقات، وقُتل كامل مرزوق سمعان، وعشرات آخرين من الأقباط، كما سقط عدد من المسلمين قدرتهم تقارير بسبعة قتلى، في معارك جانبية، استمرت حتى الصباح بالأزقة والطرقات المحيطة، قبل أن تتمكن قوات الشرطة من إحكام سيطرتها على الحي الشعبي.
كان المشهد شديد الغرابة، وقد عكس حالة من التربص بين الطرفين، إلّا أنّ فارق العدد حسم المعركة لصالح الجانب المسلم، وقد أجّج حمل الأقباط للسلاح مشاعرهم الدينية، في ظلّ حالة الشحن الطائفي التي مارستها التيارات الأصولية، التي استباحت المجال العام وفرضت سيطرتها عليه، بعد أن فتح لها النظام الأبواب على مصراعيها، على رأس تلك التيارات؛ جماعة الإخوان، التي صعّدت من خطابها الطائفي في أعقاب الحادث، وحاولت توظيفه لفرض المزيد من الأسلمة على قضايا المجتمع.
الإخوان وممارسة التحريض على الأقباط
في العدد (63) من مجلة الدعوة، تموز (يوليو) 1981، التي تصدرها جماعة الإخوان المسلمين، جاء تقرير على صفحتين، تحت عنوان "حقائق نقدمها للمسؤولين حول أحداث الزاوية الحمراء"، والتقرير في مُجمله يكشف نزعة طائفية متعصبة، لا تخطئها العين، تتفق والبنية الذهنية المتأصله في العقل الجمعي الذي يحرك الإخوان ومن يتبعهم.

مع تزايد وتيرة الاحتقان وفي مساء 17 حزيران 1981 شهدت منطقة الزاوية الحمراء مشهداً جنونياً من العنف الطائفي

يقول التقرير عن أسباب الحادث: "بدأت الأحداث يوم الأربعاء 17 حزيران (يونيو) 1981، عقب صلاة المغرب، أمام مسجد النصر؛ حيث كان المسلمون يصلّون، وتفاجؤوا بكرة قدم تصيب المصلين داخل المسجد، والتي كان يلعب بها بعض الشباب النصراني، وعندما خرج المصلون يعتبون عليهم، كان ردّهم فيه سوء أدب واستفزاز، مما دفع أحد المصلين إلى تحذير إخوانه من الاستدراج وطلب منهم الانصراف، ولكن قبل أن ينصرف المسلمون؛ إذ بوابل من الرصاص ينطلق من البناية المواجهة للمسجد، فأصابت رصاصة مقتلاً من واحد من المصلين، فحدث هرج ومرج، فانتشر الخبر في كلّ الحي، فكانت هناك ردود أفعال من بعض المسلمين ضدّ المسيحيين".
يمارس التقرير حالة من المظلومية الساذجة، وفق نظرية مستحيلة، تفترض أنّ المسلم أصبح مضطهداً في وطنه، من أقلية، تستهين بشعائره الدينية، وتنكر عليه حقّ الاعتراض على ذلك؛ بل وتقتله بدم بارد على أبواب المسجد! ويواصل التقرير المريب السردية الإخوانية في إصرار على التحريض، وسكب الزيت على النار المشتعلة، فيقول: "عقب صلاة العشاء وعند خروج المصلين من مسجد النذير، الذي يبعد خمسمئة متر تقريباً عن مسجد النصر، أطلق النصراني كامل سمعان وأولاده الرصاص على المسلمين، داخل المسجد وخارجه، من مسدساتهم الأتوماتيكية، واستمروا في إطلاق الرصاص حتى الثانية صباح يوم الخميس، ولم يتوقف إطلاق الرصاص حتى تمّ القبض عليهم، كما أطلق نصارى آخرون الرصاص على المسلمين، في منطقة الجنينة، وعزبة أبو ليلة".

اقرأ أيضاً: بشهادة "القاعدة".. العنف خرج من رحم "الإخوان"
وهكذا، بدأ الأقباط في ممارسة خطتهم الإجرامية بالمرور على المساجد، واستهداف مَن فيها من مسلمين عُزل، وفي غيبة من أجهزة الدولة، التي تركتهم يمارسون نوعاً من التطهير العرقي في الزاوية الحمراء! وعليه؛ سقط المزيد من الضحايا، يقول التقرير: "سقط من المسلمين حتى صباح يوم الخميس أكثر من ستين شخصاً، ما بين قتيل وجريح، ولم يصب، حتى صباح الخميس، أيّ نصراني بأذى، علماً بأنّ كلّ الإصابات التي حدثت للمسلمين كانت بالرصاص"، وهو ما يتنافى مع تأكيد وزير الداخلية اللاحق، اللواء حسن أبو باشا، أنّ عدد القتلى في حادثة الزاوية الحمراء من الأقباط بلغ أكثر من 81 شخصاً.

اقرأ أيضاً: مراجعات الصحوة والعنف... قراءة مغايرة
كما أكّد شهود عيان أنّه في حوالي الساعة التاسعة مساءً، شاهدوا أطفالاً وصبية يجرون، وبعضهم يهتف بهتافات عدائيّة ضدّ المسيحيين، وقام ملثمون يحملون سيوفاً باقتحام محلات الصاغة، كما أكّد السادات نفسه، في خطابه الأخير، أنّ هناك بيانات ومنشورات للتحريض ضدّ الأقباط، وزّعت فور اشتعال الموقف! وأنّ إمام مسجد النور بالعباسية جمع نحو 1500 من أنصاره، عازماً التوجه بهم إلى الزاوية الحمراء، لولا تدخل وزير الداخلية ليثنيه عن ذلك، كما خرجت مجموعات أخرى من أحياء الشرابية وحلوان للانتقام من الأقباط.

تقرير الإخوان يصر على استخدام كلمة (نصارى) بكل ما تحمله من دلالات دينية

من الملاحَظ؛ أنّ تقرير الإخوان يستخدم نوعاً من التمييز الديني الصارخ، مع الإصرار على استخدام كلمة (نصارى) بكل ما تحمله من دلالات دينية، وما بين مسلم ونصراني تنكأ الجماعة جرحاً دامياً بإصرار، يعكس عدم قدرتها على معالجة الفتنة بنوع من المسؤولية؛ لأنّها (أي الفتنة)، خرجت ببساطة من تحت عباءتها.
يواصل التقرير مزيداً من التحريض، بادعاء روايات كاذبة، لا يستسيغها المنطق، فيقول: "يروي المصابون أنّ مواقف الأطباء النصارى منهم في المستشفيات التي نقلوا إليها، كانت مواقف غير إنسانية؛ حيث رفض طبيب التخدير في مستشفى أحمد ماهر تخدير أحد المصابين، لإجراء عملية جراحية سريعة، وأجرى الطبيب المسلم العملية الجراحية من دون بنج! كما رفض طبيب آخر التدخل لإيقاف نزيف أحد المصابين، وأهمله حتى تقيّح الجرح، ولما نُقل المصاب إلى مستشفى آخر، قرّر الأطباء عدم إمكانية إنقاذه لفوات الوقت".

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
ولا ندري كيف ومتى تحوّل الأطباء الأقباط، إلى مراكز قوى في المستشفيات الحكومية، ليمارسوا أعمالاً تندرج تحت مسمى الجريمة العلنيّة، والتحدي الفجّ للأغلبية المسلمة من أطباء ومرضى، دون وازع من ضمير، أو خوف من عقاب؟
في موقع الآخر؛ تحاول الجماعة غسل أيديها من تبعات الجريمة، وإلقاء اللوم على الجانب القبطي وحده، مؤكدة أنّ "أحداث الزاوية الحمراء جاءت نتيجة لسياسة اتبعها البطريرك شنودة".
وإذا كانت أحداث الزاوية الحمراء قد كشفت هذا الفشل الذريع لسياسات الرئيس السادات، الذي أراد الاستناد إلى الشرعية الدينية، كشرعية نهائيّة وناجزة للحكم، ضارباً بعرض الحائط الأسس المركزية لمفهوم الدولة ككيان اعتباري، يقوم على المساواة في الحقوق والواجبات دون تمييز، فإنّها في الوقت ذاته أماطت اللثام عن انتهازية جماعة الإخوان المسلمين، والمدى الذي يمكن لخطابها العنصري أن يذهب إليه، في تأجيج الطائفية، وممارسة الكذب والتدليس دون حدود.

للمشاركة:



موقع إلكتروني يقدم إرشادات لصنع المتفجرات.. تفاصيل

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داهمت الشرطة الألمانية، أمس، منازل، في 9 ولايات، للقائمين على منصة إلكترونية تستخدم على نطاق واسع لتبادل المعلومات حول صناعة المتفجرات والمخدرات.

الشرطة الألمانية تداهم منازل القائمين على الموقع الذي أنشئ عام 2006 وتقبض على مستخدميه   

وأغلقت الشرطة الألمانية المنصة الإلكترونية المجانية، التي حملت اسم "إكسبلوسيفس.نت"، "لتعليم تصنيع المتفجرات".

 وصرّح رئيس إدارة الشرطة في مدينة غوتينغن الألمانية، أوفه لورينغ، أمس، في تصريح نقلته "دويتشه فيله"؛ بأنّ الشرطة ضبطت الخادم والعديد من وسائط البيانات واعتقلت القائمين عليها وداهمت منازل عدد من المستخدمين للمنصة داخل ألمانيا وخارجها.

 وأوضح لورينغ؛ أنّ المنصة تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات.

يأتي ذلك في إطار حملة كبيرة بدأتها الشرطة الألمانية، أمس، في 9 ولايات ألمانية لمكافحة الجرائم عبر الإنترنت، وطالت الحملة أيضاً ليتوانيا وكرواتيا.

وشارك نحو ألف من عناصر الشرطة في الحملة التي تهدف إلى مكافحة الجرائم الحاسوبية وجرائم الإنترنت.

وبحسب البيانات؛ تولّت رئاسة شرطة غوتينغن والمركز الرئيسي لمكافحة جرائم الإنترنت، والحاسوب التابع للادعاء العام في غوتينغن، تنسيق وإدارة "الإجراءات الشرطية الشاملة".

المنصة الإلكترونية تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات وتجارة المخدرات

بدورها، أوضحت الشرطة؛ أنّها ضبطت خلال الحملة متفجرات ومخدرات، بعد مداهمتها مساكن 22 ألمانياً مشتبهاً بهم، تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 55 عاماً.

وتعمل المنصة، منذ عام 2006، ووصل عدد أعضائها، العام الماضي، إلى نحو 360 عضواً فعالاً، ولا تتوافر أيّة دلائل على وجود دافع سياسي وراء إنشاء هذه المنصة إلى الآن، وقال لورينغ: "ليس هناك خلفية سياسية، ولم نتثبت منها"، مرجحاً أن يكون إنشاؤها جاء بدافع تنافسي: "فقد نظّمت مسابقات جرى اللعب عليها".

وتابع لورينغ؛ "لا توجد هناك أدلة على أنّ الأسلحة أو المتفجرات التي تضمنت المنصة إرشادات لتصنيعها كان من المنتظر استخدامها ضدّ أشخاص، ولا نستطيع أن نستبعد هذا أيضاً".

وحدثت المداهمات في ولايات: بادن- فورتمبرغ، وبافاريا، وبرلين، وهيسن، وسكسونيا السفلى، وشمال الراين فيستفاليا، وراينلاند بفالتس، وشلزفيغ هولشتاين، وتورينغن، وكانت التحقيقات بدأت قبل عام، تحديداً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

 

للمشاركة:

أردوغان يعطّل الديمقراطية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

اعتقلت قوات الأمن التركية 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات شهدتها مدينة إسطنبول، رفضاً لقرار وزارة الداخلية الخاص بعزل رؤساء 3 بلديات "كردية" منتخبين؛ بزعم دعمهم لحزب العمال الكردستاني.

ووفق ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام التركية، فجر اليوم، فقد استخدمت قوات الشرطة التركية القوة المفرطة لتفريق المسيرة الاحتجاجية في منطقة "قاضي كوي"، بالجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، وفق ما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" المعارضة.

الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات رافضة لقرار عزل رؤساء بلديات منتخبين

كما شهدت ولايات ماردين، ووان، وديار بكر، التي أقيل رؤساء بلدياتها، احتجاجات، أمس، قامت الشرطة بفضها أيضًا، وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنّه تمّ حظر الدخول والخروج من وإلى ديار بكر.

 وفي تصريحات لوسائل الإعلام؛ قالت النائبة البرلمانية عن الحزب الكردي، فلك ناس أوجا، أنّها أصيبت خلال مشاركتها بوقفة ديار بكر احتجاجية في ساقها جرّاء ضربة من هراوات الشرطة اقتضت نقلها للمستشفى لتلقي العلاج.

وذكرت كذلك؛ أنّ نائبة أخرى عن الحزب ذاته، تدعى عائشة آجار، أصيبت في رأسها، وتعرضت للإغماء ليتم نقلها إلى المستشفى.

هذا وقد عزلت السلطات التركية، أول من أمس، رؤساء 3 بلديات (أكراد) منتخبين من مناصبهم، واستبدلتهم بـ "وصاة" معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.

أردوغان نفّذ تهديدات سابقة بعزل وحبس رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية

وأعلنت وزارة الداخلية التركية عزل رؤساء بلديات: ديار بكر (عدنان سلجوق مزراقلي)، وماردين (أحمد ترك)، ووان (بديعة أوزغوكتشه أرطان)، بدعوى "انتمائهم لتنظيم إرهابي" في إشارة لحزب العمال الكردستاني.

وزعمت الداخلية التركية؛ أنّها اتخذت هذا الإجراء كتدبير مؤقت بموجب قانون البلديات رقم 5393 من المادة رقم 127 من الدستور، لحين انتهاء التحقيقات بحقهم، وأنّ لديها أدلة تثبت إدانتهم.

بدورها؛ أكدت وسائل إعلام تركية سابقاً أنّ قرار عزل الرؤساء المنتخبين جاء تنفيذاً لتهديد سابق لـ "أردوغان"، بـ "عزل وحبس" الأكراد الفائزين برؤساء البلديات، بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية.

إلى ذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ بأنّ تعيين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصاة على بلديات دياربكر وماردين وفان، بمثابة تعطيل لديمقراطية الإدارات المحلية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش": تعيين أردوغان وصاة على البلديات هو بمثابة تعطيل للديمقراطية وإلغاء للانتخابات

وأوضحت المنظمة، في تصريح نقلته وكالة "رويترز"؛ أنّ هذا الإجراء انتهاك للانتخابات، داعية السلطات التركية إلى إعادة رؤساء البلديات إلى مناصبه، مؤكّدة أنّ "تعيين الوصاة يعني انتهاك تركيا لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

من جانبه، ذكر المدير التنسيقي للمنظمة في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أنّ حكومة أردوغان ألغت فعلياً الانتخابات المحلية، التي أقيمت في شهر آذار (مارس) الماضي، في المدن الكردية، شرق وجنوب شرق تركيا.

 

 

للمشاركة:

ألمانيا: انطلاق أكبر مؤتمر للأديان في العالم.. هذه محاوره

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

افتتح الرئيس الألماني رسمياً، أمس، النسخة العاشرة من المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام"، الذي يشارك فيه نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم.

مؤتمر "أديان من أجل السلام" يعقد بمشاركة نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم

ودعا الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، خلال حفل الافتتاح، أمس، بمدينة لينداو بجنوب ألمانيا إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

وقال شتاينماير: إنّ "الأديان، بوصفها داعماً قويّ التأثير، ومرناً بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها، ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى البشر"، مضيفاً أنّه يمكن أيضاً "إساءة استغلال الإيمان والدين كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية".

ويعدّ هذا المؤتمر أكبر مؤتمر للأديان في العالم، وهو تابع لمنظمة "أديان من أجل السلام".

المؤتمر يركز على دور المرأة وعلى ضرورة مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمنافشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، ومن المقرر أن تشارك إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، في ندوة عن العنف ضدّ المرأة خلال فعاليات المؤتمر، يوم غد.

 

للمشاركة:



50 عاماً على حريق الأقصى.. سياسات إسرائيل تزيد نيرانه اشتعالاً

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داوود عبدالرؤوف

رغم مرور 50 عاماً على الحريق الذي أضرمه المتطرف الأسترالي، مايكل روهان، في المسجد الأقصى فإن النيران لم تتوقف بل أصبحت أكثر اشتعالاً مع تصاعد وتيرة المخاطر المهددة للأقصى جراء السياسات المتطرفة للاحتلال الإسرائيلي.

فالاقتحامات اليومية التي يقوم بها مستوطنون إسرائيليون للمسجد تزامناً مع تصاعد الدعوات لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، إضافة إلى المحاولات الإسرائيلية لتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد باتت وقودا يشعل حريقا في الأقصى لم ينطفئ منذ خمسة عقود.‎

وباتت الانتهاكات الإسرائيلية والتغيرات الديموغرافية تستهدف كل وجود عربي إسلامي في القدس من أجل تهويدها، ما يزيد من قلق المسلمين على مصير مقدساتهم يوما بعد يوم.

ففي مثل هذا اليوم، 21 آب/أغسطس من العام 1969، أقدم المتطرف روهان على إشعال النار عمدا في المصلى القبلي في المسجد، فأتت النيران على أجزاء واسعة من واجهته بما فيها منبر نور الدين زنكي المعروف باسم منبر "صلاح الدين" ومحراب المسجد وسقفه وسجاده.

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يستذكر تلك الحادثة بتفاصيلها المحزنة قائلاً لـ"العين الإخبارية": "بعد أن عطلت سلطات الاحتلال وصول فرق الإطفاء، هرع الناس من كل الأعمار للمساهمة في إخماد الحريق، فكانوا ينقلون المياه إلى مكان الحريق وأعينهم تفيض بالدمع".

وتظهر صور نادرة لتلك الحادثة فلسطينيين وهم يستخدمون السلالم للوصول إلى سطح المسجد، مشكلين سلسلة بشرية لنقل المياه من آبار المسجد.

وقالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في بيان: "دمر الحريق أكثر من ربع المسجد الأقصى وما فيه من فسيفساء أثرية ورسوم نادرة على أسقفه الخشبية وسجاده الفارسي".

وأوضحت أنه "في مقدمة ما دمره الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي، هذا المنبر الذي صنعه الشهيد نور الدين زنكي رحمه الله، وأحضره القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس عام 583هـ/1187م من يد الصليبيين، ووضعه في المسجد الأقصى ليظل شاهداً حياً على أن القدس مدينة عربية إسلامية، وستظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها".

ونجحت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، على مدى سنوات طويلة، في ترميم ما تسبب به الحريق رغم المعوقات الإسرائيلية.

وما زالت بعض الأجزاء المحروقة المتبقية من منبر "صلاح الدين" موجودة في متحف المسجد، وقد تم في العام 2007 إعادة تركيب منبر مطابق للمنبر الأصلي بكافة مواصفاته وتفاصيله.

ولكن وإن كان المسجد تعافى من آثار الحريق إلا أن التهديدات الإسرائيلية له لا تتوقف بل تزداد خطورة.

الشيخ عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أشار إلى خطورة الاقتحامات المتصاعدة والخطيرة للمسجد، والدعوات العلنية لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا وصولا إلى مزاعم مسؤولين إسرائيليين بأنه لا يوجد "وضع قائم" في المسجد الأقصى.

والوضع القائم هو الوضع الذي ساد في المسجد منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في العام 1967، وتنحصر المسؤولية عليه بيد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس باعتباره مسجدا للمسلمين وحدهم.

كما لفت الخطيب، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى الملاحقة اليومية من قبل سلطات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية بالاعتقال والإبعاد عن المسجد لفترة تتفاوت ما بين أسابيع إلى عدة أشهر، إضافة إلى محاولة إيجاد موطئ قدم للاحتلال في المسجد من خلال التدخل في شؤون دائرة الأوقاف ومنعها من محاولة القيام بعملها فيه.

وفي بيان لها تزامنا مع ذكرى الحريق، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس: "بعد مرور خمسين عاماً على الحريق المشؤوم تزداد المخاطر التي تتهدد الأقصى بنياناً وإنشاءً".

وأضافت: "الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى المبارك وجدرانه تهدد مبناه وسائر منشآته، والأنفاق التي تحفرها السلطات الإسرائيلية في البلدة القديمة من مدينة القدس هددت وتهدد المدارس الأثرية التاريخية الإسلامية".

وأوضحت أن "البؤر الاستيطانية التي تزرعها سلطات الاحتلال في مختلف أرجاء المدينة المقدسة تهدد الوجود العربي الإسلامي في القدس، إنهم يستعملون كل الوسائل الإجرامية في سبيل إخراج أهل القدس من مدينتهم؛ فتزوير الوثائق يتم في أروقة المحاكم ومكاتب المحامين بدعم من سلطات الاحتلال، وأعمال البلطجة تتم في وضح النهار وتستهدف المجاورين للحرم القدسي قبل غيرهم".

محافظ القدس، عدنان غيث، قال، في بيان، إن المدينة ومقدساتها ، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى المبارك باتت تمر بتحديات خطيرة للغاية وأوقات عصيبة والدعوات اليمينية المتطرفة لاقتحامه وتقسيمه في تزايد إن لم يكن بسط السيطرة عليه، ومسلسل التهويد ماض على قدم وساق وبدعم مطلق من أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وحذر من أن"الاعتداء على المسجد الأقصى ما هو إلا مؤشر لحرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطال نيرانها الجميع دون استثناء".

بدوره، حذر المجلس الوطني الفلسطيني من أن مدينة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وأهلها الصامدين وعقاراتها ومنازلها وإرثها التاريخي والثقافي والديني لا تزال حتى اللحظة تتعرض لعدوان إسرائيلي ممنهج بهدف تفريغها من سكانها الفلسطينيين وصولا لتهويدها".

فيما قالت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس (أهلية)، في بيان، إن "مساحة المسجد الأقصى المبارك، كما هو معلوم، مئة وأربعة وأربعون دونماً (الدونم الواحد ألف متر مربع) فيشمل المسجد القبلي الأمامي، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وكذلك المساطب واللواوين والأروقة والممرات والآبار والبوابات الخارجية وكل ما يحيط بالأقصى من الأسوار والجدران الخارجية بما في ذلك حائط البراق".

وأضافت أن "هذا المسجد المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار رباني إلهي من الله عزّوجل، وهو يمثل جزءاً من إيمان ما يقارب ملياري مسلم في العالم"مشددة على أن "لا علاقة لغير المسلمين بهذا المسجد لا سابقاً ولا لاحقاً، كما لا نقر ولا نعترف بأي حق لليهود فيه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الميليشيات وعوامل الخطر في الشرق الأوسط

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

سالم الكتبي

لم تبالغ دولة الإمارات حين اعتبرت أن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض معمل الغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية "خطراً جسيماً على امدادات الطاقة للعالم أجمع"، فالشواهد جميعها تؤكد أن هذا الاعتداء يمثل تطوراً غير مسبوق في مستوى الخطر الناجم عن انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة في دول عدة بالشرق الأوسط.

من ينظر إلى الخارطة يجد ببساطة أن الميليشيات التي تعمل وفق أجندت أجنبية تقف وراء الفوضى والاضطرابات في جميع الدول التي تعاني الصراع، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، فالميليشيات باتت الفيروس الذي ينخر في جسد متهالك وتسبب ليس فقط في انهيار الدول ولكن أيضاً في نشوب موجات هجرة ونزوح ولجوء لملايين السكان ممن لا يعرف حتى الآن مصيرهم ويشكلون ضغوطاً على اقتصادات الكثير من دول العالم.

الواضح الآن الميليشيات باتت تسعى لأن تحل محل الدولة الوطنية في بعض دول المنطقة، ومن يتشكك في هذا الاستنتاج عليه أن يراجع الخطابات الأخيرة لحسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني، وتهديداته بشن حروب والانضمام إلى قوى إقليمية مثل إيران في حال تعرضت الأخيرة لضربات عسكرية أجنبية، وهي تهديدات تغيب فيها الدولة اللبنانية بشكل تام، ويتحدث قائد ميليشيا من دون أن يأخذ بالاعتبار أن هذه الميليشيا تنتمي لدولة يفترض أن تتحكم فيها ويرجع إليها قبل أن يتدخل في شأن من شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!

الحال ذاته يحدث في اليمن، حيث تتصرف ميليشيات "أنصار الله" وكأنها دولة داخل الدولة اليمنية وتعتدي على دولة أخرى من دون أن تنظر لعواقب هذا التصرف ولا تأثيراته على الدولة اليمنية، ولا تكتفي باعتداء على المملكة العربية السعودية الشقيقة بل اتجهت في الحادث الأخير إلى الاعتداء على منشأة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي، وكأنها تنفذ نصاً ما يملي عليها من املاءات وتعليمات تصدر من قادة الحرس الثوري الإيراني.

الرابط الأساسي بين هذه الميليشيات التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، الذي يتخذ من هذه الميليشيات أذرع عسكرية طائفية تعمل بالوكالة لمصلحة أجندته التوسعية من دون أي اعتبار ليس فقط لسيادة الدول العربية التي تنتمي إليها هذه الميليشيات، ولكن أيضاً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، حتى بات الشرق الأوسط نموذجاً في التهديد والتحديات الهائلة التي تواجه الدولة الوطنية في العالم أجمع، وكأن هذه المنطقة ابتليت بالميليشيات كي يصبح الحديث عن السيادة الوطنية لبعض الدول في منطقتنا نوع من العبث والاستهزاء بالقوانين والمواثيق الدولية.

المؤكد أن حركة "أنصار الله" لم تكن تجرؤ على القيام بهذا الاعتداء لولا توافر عوامل وظروف معينة أولها حالة التراخي والصمت الدولي وردود الفعل الباهتة في مواجهة الاعتداءات المتوالية التي شنتها هذه الميليشيات بالصواريخ والطائرات المسيرّة من دون طيار على المنشآت المدنية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، وثاني هذه العوامل الصمت الدولي على ممارسات النظام الإيراني الذي يهدد ليل نهار باستخدام الأذرع الطائفية في تهديد الأمن والاستقرار وإشعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط من دون حسيب أو رقيب حتى أنه لم تصدر إدانة واحدة ولا تصريح عابر من مسؤول أممي يحذر نظام الملالي من العبث بالأمن والاستقرار الإقليمي!

يدرك النظام الإيراني أن توظيف الحوثيين في صراعه مع العالم ورقة ضغط مهمة من أجل فك طوق الحصار والعزلة الدولية وتفادي شبح الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الاقتصادية الاميركية، وان استهداف المنشآت النفطية في المملكة الشقيقة ورقة ضغط مهمة ليست ضد الرياض فقط بل ضد القوى الدولية جميعها، ولكن للأسف لا تجد هذه الممارسات من رادع سوى مزيد من التنازلات والخضوع للبلطجة وانتهاك القوانين الدولية.

إن حالة الصمت والترقب الدولية على ما يحدث في منطقتنا لا يعني بالضرورة الحفاظ على الحد الأدني من الهدوء بل يمكن أن يشعل هذا الصمت حرباً مستعرة وصراعاً عسكرياً تطال تأثيراته الاقتصاد العالمي، الذي يئن بالفعل تحت وطأة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، لذا فإن استمرار الصمت العالمي ينذر بكارثة استراتيجية في ظل جهل هذه الميليشيات وقادتها بعواقب تصرفاتها المجنونة وخضوعها التام للأوامر والتعليمات الصادرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يغامر بإشعال صراع يحرق الجميع لهيبه طالما أن النظام الإيراني يرزح تحت وقع العقوبات الأميركية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية