بعد اختراق مهرجان "يورو فيجن": القراصنة الفلسطينيون يتوعدون إسرائيل بالمزيد

7410
عدد القراءات

2019-05-19

بعد اختراق مهرجان "يورو فيجن" الأسبوع الماضي، ما زال القراصنة الفلسطينيون يتوعدون الاحتلال بهجمات سيبرانية متعددة ذات دقة عالية وآثار فادحة. فقد أحدثت المقاومة الفلسطينية نوعاً جديداً من الحروب، وباتت تشكل تهديداً مركزياً لإسرائيل خلال القرن 21؛ بدخولها في معركة جديدة لا تستخدم فيها القذائف والهجمات المسلحة، من خلال اقتحامها عالم الفضاء الإلكتروني، واستخدام ما يعرف بـ "حرب السايبر"، ومهاجمة العشرات من المواقع الحكومية والإستراتيجية الإسرائيلية، لإلحاق خسائر فادحة في أنظمتها الرقمية، والتي لم تتوقعها أجهزة الاستخبارات الصهيونية.

اقرأ أيضاً: مسيحيّو فلسطين اعتصموا بالثورة والمقاومة وأناروا العالم بحضورهم
وتعرضت دولة الاحتلال الإسرائيلي، في نيسان (أبريل) 2013، لأضخم هجوم إلكتروني، اخترقت به مجموعة من الهاكرز الفلسطينيون، وقراصنة متعاطفون مع القضية الفلسطينية، العشرات من المواقع الأمنية والحكومية الحساسة، كان من أبرزها: مهاجمة موقع جهاز الموساد الإسرائيلي، ووزارة الحرب الإسرائيلية، وسوق الأوراق المالية، وموقع رئاسة الوزراء الصهيونية، ومواقع أخرى عديدة، وأدّى إلى إغلاقها لساعات متواصلة، وبُثّت عليها رسائل داعمة للقضية الفلسطينية، وشعارات تندد بالسياسة الإسرائيلية العنصرية التي تنفذها ضدّ السكان الفلسطينيين.
 هذا النوع من الحروب الإلكترونية غير التقليدية، تصعب مواجهتها والقضاء عليها بسهولة

حرب عالمية ثالثة
أستاذ هندسة الإلكترونيات وعلوم الحاسوب، لؤي سالم، يقول لـ "حفريات": إنّ "الاحتلال الإسرائيلي أمام حرب عالمية ثالثة تخوضها المقاومة الفلسطينية ومجموعة من القراصنة حول العالم، والذين لا يمتلكون سوى قدرة عالية على التفكير، مستخدمين الفيروسات والبرمجيات المتقدمة، في ظلّ الإمكانيات الضئيلة التي تعمل بها المقاومة الفلسطينية، مقارنة بالتكنولوجيا والتقنيات الإسرائيلية المتقدمة، إلا أنّها استطاعت إحداث اختراقات فعلية، وأدّت إلى خسائر معنوية وأمنية غير مسبوقة لدى الاحتلال".

خبير برمجيات لـ"حفريات": الاحتلال الإسرائيلي أمام حرب عالمية ثالثة تخوضها المقاومة الفلسطينية ومجموعة من القراصنة حول العالم

ويشير إلى أنّ "الحروب التقليدية، التي يستخدم بها الرصاص والصواريخ، يمكن حسمها بالقضاء على الخصم، لكنّ هذا النوع من الحروب الإلكترونية غير التقليدية، تصعب مواجهتها والقضاء عليها بسهولة، وهي عمليات منظمة، وغير عشوائية، وتعتمد أحدث البرامج للدخول إلى الأنظمة الإلكترونية، واختراقها، وسرقتها، وهو الأمر الذي يثير الذعر لدى دولة الاحتلال من تعرضها لهجوم إلكتروني، يؤدي إلى شلل تامّ في مواقعها الإستراتيجية والأمنية، ولن تستطيع السيطرة عليه سريعاً، لاحتواء حرب السايبر على وسائل متطورة غاية في التطور والتعقيد".

وأكد سالم أنّ الهجمات الإلكترونية تؤرق الاحتلال الإسرائيلي، في ظل "اعتماد المؤسسات الحكومية، والمرافق المختلفة في إسرائيل؛ كالكهرباء والماء، والقطاع المصرفي، والأقمار الاصطناعية، والتقنيات الحربية، على شبكة الإنترنت؛ حيث يساهم الاعتماد على التقنيات المتقدمة في الكيان الصهيوني في نمو اقتصادها، وقد بلغ حجم استثمار دولة الاحتلال في الشبكة العنكبوتية أكثر من 90 مليار شيكل، خلال عام 2015، وهو ما يعادل 9% من الناتج المحلي الصهيوني".

اقرأ أيضاً: مثقفون مصريون: المقاومة سبيل الفلسطينيين الوحيد إلى الحرية
ولفت إلى أنّ "الاحتلال الإسرائيلي يخشى من قيام المقاومة الفلسطينية من تنفيذ هجمات إلكترونية جديدة، قد يستمر تأثيرها لفترات طويلة، رغم أنّ إسرائيل من الدول المتطورة في الصناعات الإلكترونية والرقمية، منذ تسعينيات القرن الماضي، وأنّه كلّما زاد اعتماد دولة إسرائيل على توظيف التكنولوجيا داخل مؤسساتها، تتنامى فرص تعرضها للهجمات الإلكترونية، أو ما يعرف بالحرب الباردة، وبالتالي؛ تكبيدها خسائر مالية باهظة".

اقرأ أيضاً: هكذا يحيي الفلسطينيون ذكرى نكبتهم الـ 71

واستدرك سالم بأنّ "الحكومة الإسرائيلية قامت، خلال العام 2015، بإنشاء هيئة السايبر الوطنية لمواجهة محاولات اختراق المقاومة الفلسطينية لمواقعها وحصولها على معلومات سرية عن الدولة العبرية؛ لإدراك إسرائيل مدى مخاطر الفضاء الإلكتروني في التأثير عليها، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، إضافة إلى قيام الاحتلال بتجنيد جيش من المقاتلين التقنيين لحماية مراكز المعلومات الصهيونية، وتمّ إنشاء عدة وحدات أمنية، منها وحدة "مستيفان"، وهي المسؤولة عن الهجمات الإلكترونية التي يقوم بها الاحتلال، ووحدة "8200"؛ وهي من أكبر الأجهزة الأمنية السرية في إسرائيل، التي تقوم بالقرصنة الإلكترونية حول العالم".

اقرأ أيضاً: لاجئون فلسطينيون في ذكرى النكبة يقاومون النسيان بسلاح الأمل

وتوقع سالم أنّ يؤثر التطور التكنولوجي المتواصل لدى المقاومة الفلسطينية، سلباً في إسرائيل، "وسيؤدي بدوره إلى زيادة الهجمات ضدّها، كمّاً نوعاً، وبالتالي ستكتوي إسرائيل بنيران التكنولوجيا والخبرات التقنية، التي استغرقت أعواماً عديدة في تطويرها، دون السيطرة المطلقة على الهجمات الفلسطينية، الأمر الذي سيدفعها إلى اللجوء للخبرات الخارجية، للتصدي لأيّة هجمات إلكترونية مفاجئة تقع ضدها".

أصبحت تعرف بأنّها مجال قتال جديد، وذلك لتأثيرها على الأعداء ومحاربتهم عبر الفضاء الإلكتروني

اختراق مواقع إسرائيلية مهمّة
الكاتب والمختص بالشأن الإسرائيلي، عدنان عبيات، يعتقد أنّ "المقاومة الفلسطينية تلجأ إلى مهاجمة الاحتلال الإسرائيلي لوجود ثغرات وفجوات كبيرة بين الاحتياطات الدفاعية عن البنية التحتية الأمنية، وبين الدفاع عن البنى المدنية، وهو ما يدفع المقاومة للتركيز على هذه الجوانب في محاربة الكيان الصهيوني عبر الفضاء الإلكتروني، لإلحاق الأضرار الجسيمة فيها، وتعطيل عمل مرافق الدولة الصهيونية؛ كالكهرباء، والبنوك، والطائرات بدون طيار، وغيرها، باعتبارها خاصرتها الضعيفة، والتي قد يتسلل إليها المقاومون، والتأثير عليها، وتعطيلها عن العمل".

هآرتس: الجيش الإسرائيلي رصد في الآونة الأخيرة محاولات من قبل المقاومة الفلسطينية للحصول على معلومات سرية من جنود الجيش

ويعدد عبيات لـ "حفريات" مزايا الهجمات الإلكترونية "حتى أصبحت تعرف بأنّها مجال قتال جديد، وذلك لتأثيرها على الأعداء ومحاربتهم عبر الفضاء الإلكتروني، أينما تواجدوا، على اليابسة والماء، وفي الفضاء، والذين يبعدون ألاف الكيلومترات، وقد أثبتت المقاومة الفلسطينية قدرتها على اختراق مواقع إلكترونية إسرائيلية حساسة، والسيطرة على بثّ قنوات إسرائيلية والتحكّم فيها، واختراق حسابات وأرقام هواتف مئات الجنود الإسرائيليين، وشكّل ذلك مرحلة جديدة من استخدام الهجمات الإلكترونية في مجال القتال، دون إلحاق خسائر بشرية بالمهاجمين".

ويرى أنّ المقاومة الفلسطينية استطاعت تطوير قدراتها التقنية، مع التطور التكنولوجي، "وهو ما تدركه إسرائيل جيداً؛ من أنّ المعركة القادمة هي حرب العقل للعقل، وبات لدى الجيش الإسرائيلي مخاوف كبيرة من قدرة المقاومة على اختراق قواعد أمنية وعسكرية حساسة، والوصول إلى حسابات عدد من الجنود الإسرائيليين، كما حصل سابقاً، والذين دأبوا على تزويد المقاومة بمعلومات وصور سرية عن بعض المواقع العسكرية، وهو ما دفع جيش الاحتلال إلى إعطاء توجيهاته لجنوده بمتابعة حساباتهم على مواقع التواصل الاجتماعي، والتأكد من الأشخاص، لتجنّب وقوعهم في فخّ الحسابات المزيفة، والتي قد يقف وراءها سايبر فلسطينيون".

 الحرب الإلكترونية هي معركة إضافية بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية

إسرائيل الحلقة الأضعف
ويشير إلى أنّ الحرب الإلكترونية هي معركة إضافية بين الاحتلال الإسرائيلي والمقاومة الفلسطينية، مؤكداً أنّ القدرات التقنية والتكنولوجية بين الجانبين، هي التي ستحدد مَن يمكنه الوصول إلى المعلومات التي من شأنها إحداث خسائر فادحة بالآخر. وقال إنّ "الاحتلال هو الحلقة الأضعف في هذه المواجهة، والتي لا تقل أهمية عن المواجهة العسكرية؛ لاعتماد مصالحه الأمنية والعسكرية والاقتصادية والتعليمية والقضائية على الشبكة العنكبوتية، وقد اعترف روني بكار، المسؤول الإسرائيلي في عالم السايبر، بأنّ "دولة إسرائيل لا تمتلك القوة اللازمة لمواجهة أيّ هجوم إلكتروني من قبل المقاومة الفلسطينية، ولا يوجد أمامها سوى الجلوس ومشاهدة الحرب التي تدور بين القراصنة"، بحسب وصفه.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تهديد السلطة الفلسطينية بالخروج من بروتوكول باريس؟

وبيّن عبيات أنّ الاحتلال الإسرائيلي يسعى جاهداً لمحاولة القضاء على القدرات التكنولوجية للمقاومة الفلسطينية، "وهو ما ظهر جلياً خلال التصعيد الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة، وقصف وتدمير الاحتلال لعدد من المباني السكنية، بحجة أنّها مراكز سايبر تتبع للمقاومة الفلسطينية، والمسؤولة عن إسقاط الطائرات الإسرائيلية بدون طيار". لكن ما يغيب عن إسرائيل، في نظر عبيات أنّ الحرب الإلكترونية "لا تحتاج إلى مبانٍ وبنية تحتية للقيام بها؛ حيث يستطيع الهاكرز القيام بعملية الاختراق في ظروف وأماكن لا يتوقعها الاحتلال، كما تستطيع المقاومة الاستعانة بمناصرين لها في عدة دول عربية وأوروبية، للقيام بتلك العمليات، وما يصدر عن الاحتلال ليس سوى حرب نفسية وإعلامية، تجنباً لأيّة هبة أو انتفاضة يقوم بها الرأي العام الإسرائيلي ضدّ الحكومة الصهيونية".
جرى افتتاحه، في 14 أيار (مايو) الجاري

اختراق مهرجان "يورو فيجن"

الأسبوع الماضي شهد قيام مجموعة من الهاكرز باختراق موقع "كان" الإسرائيلي، خلال البثّ الأول والمباشر لموقع مهرجان الأغنية الأوروبية "يورو فيجين"، والذي جرى افتتاحه، في 14 أيار (مايو) الجاري، وتمّ نشر رسائل تهديد بقصف مكان إقامة المهرجان داخل إسرائيل، وتمكّن الهاكرز من بثّ تحذير صادر عن جيش الاحتلال الإسرائيلي، يحذر فيه من هجوم صاروخي على مكان المسابقة، ويدعو للتوجه إلى الملاجئ، وفق صحيفة "يديعوت أحرنوت" الإسرائيلية.
وهذا ليس الحدث الأول من هذا النوع وبهذا الحجم والدقة؛ فقد كشف جهاز الأمن العام الإسرائيلي "الشاباك"، في كانون الثاني (يناير) 2017؛ اخترق خلية تابعة لحماس المئات من أجهزة الاتصالات الخلوية لجنود بالجيش الإسرائيلي، والتنصت على مكالماتهم ورسائلهم، وقرصنة معلومات سرية، بحسب الإذاعة الإسرائيلية العامة.

اقرأ أيضاً: ألا تستحق الثورة الفلسطينية تخليدها في متحف؟

وبعد أيام على الهجوم، كشفت صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، أنّ قيادة الجيش الإسرائيلي رصدت في الآونة الأخيرة محاولات من قبل المقاومة الفلسطينية، للحصول على معلومات سرية من جنود الجيش، عبر شبكات التواصل الاجتماعي.

ووفق الصحيفة؛ فقد أفادت مصادر عسكرية إسرائيلية بأنه جرى "ضبط عشرات الأسماء المستعارة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لفتيات هنّ بالأصل عناصر تتبع للمقاومة، واستطعن التحدث مع العشرات من الجنود النظاميين والاحتياطيين، وحصلن على معلومات سرية، وتمكّنّ من اختراق هواتفهم الخلوية، بفيروسات وبرمجيات خطيرة".

اقرأ المزيد...
الوسوم:



المشهد السياسي الإسرائيلي يزداد تعقيداً: من يشكل الحكومة المقبلة؟

2019-09-19

يزداد المشهد السياسي الإسرائيلي تعقيداً، في أعقاب إجراء جولتَين انتخابيتَين خلال عام واحد، كانت آخرها أول من أمس، سعياً لتشكيل حكومة إسرائيلية ائتلافية، بعد أن أظهرت نتائج صناديق الاقتراع؛ أنّ زعيم حزب "الليكود"، بنيامين نتنياهو، وزعيم حزب "أزرق أبيض"، بيني غانتس، لن يتمكّنا من تشكيل حكومة إسرائيلية لعدم تأمين حصولهم على 61 مقعداً، كشرط للدخول إلى الكنيست الإسرائيلي.

اقرأ أيضاً: هل يحرق نتنياهو إسرائيل إذا خسر الانتخابات؟
والحزبان في حاجة إلى أصوات حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي يتزعمه إفيغدور ليبرمان، الذي حصل على 8 مقاعد فقط، والذي يسعى إلى تمرير قانون التجنيد للمتدينين، كشرط للدخول في أيّة حكومة مقبلة، والذي يرفضه نتنياهو، وأدّى إلى فشله في تشكيل حكومة إسرائيلية في الانتخابات السابقة، في نيسان (أبريل) الماضي، ما يهدّد عرش الأخير، الذي يتربّع على سدّة الحكم في إسرائيل منذ 10 أعوام.

عبد الستار قاسم: نتنياهو لن ينسحب من الحياة السياسية فهو متشبّث بها ويرى نفسه البطل القومي الذي يحافظ على إسرائيل

وبغضّ النظر عن تركيبة حكومة نتنياهو، رئيس حزب الليكود؛ فإنّ نتائج الانتخابات الإسرائيلية، جاءت مغايرة لتوقعاته، ويرى محللون سياسيون أنّ نتنياهو فشل في الانتخابات، ويعيش أزمة سياسية قد تغيّبه عن المشهد في إسرائيل، وتلقي به في السجن، بعد تهم الفساد التي وجِّهت إليه، إضافة إلى إثارة غضب شريحة واسعة من الجمهور الإسرائيلي، حول سياساته التي ستقود دولة إسرائيل إلى الانهيار التام.

ورأى رئيس تحرير صحيفة "هآرتس"، ألوف بن؛ أنّ "نتنياهو تلقى ضربة قوية من الإسرائيليين؛ لأنّه لم يحظَ بأغلبية صلبة لاستمرار حكمه وتخليصه من لوائح اتهام". وتابع: "لقد قامر نتنياهو عندما حلَّ الكنيست، في نهاية أيار (مايو) الماضي، وفشل رهانه. ومنذ أن تركه أفيغدور ليبرمان، تقلصت قاعدته الانتخابية، واستمر هذا التقلص إلى هذه الانتخابات".

زعيم حزب "أزرق أبيض" بيني غانتس

أزمة سياسية كبيرة

بدورها، قالت عضو الكنيست الإسرائيلي عن القائمة العربية المشتركة، عايدة توما سليمان، لـ "حفريات" إنّ "بنيامين نتنياهو يعيش أزمة سياسية كبيرة، وهناك استياء عارم من قبل المواطنين الإسرائيليين للمغامرات السياسية التي يخوضها والمقامرة بمصير المواطنين الإسرائيليين، وهو يقود الدولة الإسرائيلية نحو تدهور تامّ، حتى بات الجمهور الإسرائيلي يدرك أنّ هذه السياسات غير المسؤولة، من شأنها أن تؤدي إلى مواجهة أمام الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة بشكل عام".

اقرأ أيضاً: هل ثمة جدوى من المقاطعة العربية للانتخابات الإسرائيلية؟

وترى أنّ نتنياهو "أنهى طريقه السياسي، فهناك محاكم تنتظره، وصدرت بحقه لوائح اتهام تتعلق بالفساد المالي، وهي أمور أصبحت تقلق المواطنين الإسرائيليين".

وبسؤالها عن إمكانية إجراء انتخابات إسرائيلية ثالثة، في حال فشلَ زعيما حزبَي "أبيض أزرق" و"الليكود"، في تشكيل حكومة جديدة، قالت سليمان: "لا أحد من الأحزاب الإسرائيلية يرغب بمثل هذا الخيار كون الجمهور الإسرائيلي بدأ يشعر بالملل والإحباط الكبيرَين، وهم يرفضون فكرة إجراء انتخابات جديدة، ولن يخاطروا بمثل هذه المجازفة، وقد أعلن بيني غانتس، زعيم حزب "أزرق أبيض"، أنّه مستعد للذهاب لحكومة وحدة قومية حتى تتلاشى إعادة الانتخابات".

 إفيغدور ليبرمان زعيم حزب "إسرائيل بيتنا"

انسحاب نتنياهو من الحياة السياسية

وتتوقع عضو الكنيست الإسرائيلي عن القائمة العربية المشتركة أن ينسحب نتنياهو "بهدوء من الحياة السياسية، في حال وصوله إلى طريق مسدود، وهو يخوض حرباً شعواء للمحافظة على مكانته وسلطته، وفي حال إصراره على موقفه الحالي، فلن يجد إلا مصيراً واحداً على كافة الأحوال وهو دخوله السجن؛ لذلك نجد أنّ نتنياهو يحاول أن يؤزم المشهد السياسي للوصول إلى صفقة معينة للتنازل عن الحكم مقابل عدم دخوله السجن".

اقرأ أيضاً: هل ستواصل إسرائيل هجماتها على مواقع إيران وحزب الله؟

وتبيّن سليمان؛ أنّ "القائمة العربية المشتركة وليدة عام 2015، وواجهت نظام حكم فاشي لتمرير نتنياهو خططه لتهميش هذه القائمة، ونزع الشرعية عن التمثيل السياسي للجماهير العربية، بالتالي؛ أعتقد أنّ ما أثبتته الانتخابات هذه المرة أنّه لا يمكن تجاوز الفلسطينيين في إسرائيل، أو قيادتهم السياسية؛ لأنّهم هم الذين حسموا المعركة في انتخابات الكنيست الثانية والعشرين".

وعن السيناريوهات المتاحة حالياً أمام تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، تقول سليمان: "نتنياهو، من دون ليبرمان، لا يستطيع تشكيل حكومة إسرائيلية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى غانتس، وفي حال فشل ذلك لا يوجد بديل سوى أن يتمَّ التوجّه إلى حكومة وحدة وطنية تضمّ الليكود وكاحول لافان (أزرق أبيض)، والتي يصرّ فيها زعيم الأخير أن يكون الليكود دون وجود نتنياهو في الحزب".

عضو الكنيست الإسرائيلي عن القائمة العربية المشتركة عايدة توما سليمان

فشل نتنياهو
من جهته، يعزو الباحث والمختص بالشأن الإسرائيلي، نظير مجلي، فشل نتنياهو في الانتخابات الإسرائيلية؛ إلى "الغضب الحقيقي في الشارع الإسرائيلي ضدّ سياساته، فالناخبون يشعرون بأنّ هذه السياسة تأخذ منحى خطيراً في داخل إسرائيل، نتيجة تهم الفساد التي يتعرض لها، وهروبه من لوائح الاتهام التي وجهت له، وهو أمر لا يقبله الناخب الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية

ويضيف مجلي، لـ "حفريات": "اليمين الإسرائيلي تلقى ضربة كبيرة، لكن لا يمكن وصفها بالقاضية؛ حيث دخل حزب الليكود الانتخابات على أمل الحصول على 39 مقعداً، داخل الكنيست الإسرائيلي، لكنّه خرج من المعركة بـ 31 مقعداً فقط، ولولا دعم الرئيس الأمريكي، ترامب، المتواصل لنتنياهو، لما حصل على كلّ هذه الأصوات، وكان من الممكن بقوة أن يسقط في هذه الانتخابات".

أحزاب إسرائيلية كبيرة

وتابع: "الأحزاب الإسرائيلية الصغيرة باتت تختفي من المشهد السياسي، لعدم مقدرتها على منافسة الأحزاب التقليدية؛ ونجد أنّ الجمهور الإسرائيلي قد قضى على حزب كبير، وهو حزب العمل، الذي قاد الحركة الصهيونية منذ 110 أعوام، وهو الذي أسّس أركان الدولة الإسرائيلية، إلا أنّ الحزب الآن مكلَّف بالحصول على 6 مقاعد فقط، وهي رسالة تفيد بأنّ المواطنين الإسرائيليين يريدون أحزاباً كبيرة تستطيع أن تقودهم إلى برّ الأمان، وتخدم مصالحهم، وتعيد الثقة للحركة الصهيونية المبنية على الديمقراطية والعدالة الاجتماعية، وبعض القيم التي بدأت تندثر في المجتمع الإسرائيلي بفعل سياسية اليمين الصهيوني المتطرف".

اقرأ أيضاً: هل يسعى الحشد الشعبي لتوريط العراق مع إسرائيل لإرضاء طهران؟

وعن إمكانية قيام حزب "أزرق أبيض" بتشكيل حكومة إسرائيلية جديدة، أوضح مجلي: "باستطاعة الحزب الجديد ذلك، رغم أنه لم يمضِ على تأسيسه ثمانية أشهر، ما يعدّ ظاهرة فريدة بمنافسته على السلطة خلال هذه الفترة القصيرة، في حال قام رئيس دولة إسرائيل بتكليف غانتس بتشكيل الحكومة، ومن الممكن أن تنضمَ إليه الأحزاب الدينية، والتي لم تبدِ رغبتها بالانضمام لحزب الليكود، والتي تضمّ 16 مقعداً، مع حزبَي "العمل" و"إسرائيل بيتنا"، فعندها سينجح حزب "أزرق أبيض" بالحصول على غالبية مقاعد الكنيست، وتشكيل حكومة إسرائيلية".

الأحزاب الإسرائيلية الصغيرة باتت تختفي من المشهد السياسي

سيناريوهات تشكيل الحكومة الإسرائيلية

ويرى مجلي؛ أنّ "الخطوة القادمة التي قد تتخذها القائمة العربية، والتي حصلت على 13 مقعداً في الانتخابات، إذا أرادت الدخول في الحكومة الإسرائيلية المقبلة؛ هي إجراء مفاوضات مع بيني غانتس، زعيم حزب "أزرق أبيض"، بعد أن يتعهّد الأخير بالسير في اتجاه سلمي، ينهي الاحتلال ومعاناة الشعب الفلسطيني، وأن تمارس حكومته المساواة، وتطبق ذلك عملياً؛ من خلال الموافقة على إنشاء مدن جديدة للعرب في إسرائيل، ووقف مصادرة الأراضي، وإيقاف قانون القومية العنصري، ودون ذلك لا يمكن للقائمة العربية الدخول في حكومة لا تحقق هذه المطالب".

اقرأ أيضاً: "لا حصانة لإيران" مقابل "لا أمان لإسرائيل"؟

ويبين مجلي: "السيناريوهات أمام تشكيل الحكومة الإسرائيلية القادمة تقوم على عدة فرضيات، هي: إما أن يكلَّف غانتس بتشكيل الحكومة، أو أن يقوم نتنياهو بتشكيل حكومة يمين متطرف، وسيقوم حزب "الليكود" بإجراء مفاوضات مع حزب "إسرائيل بيتنا"، الذي يقوده إفيغدور ليبرمان، ومع حزب "العمل"، وسوف يتم الاقتراح عليهم بتولّي عدد من الحقائب الوزارية، وإذا لم ينجح نتنياهو بذلك سيتم الذهاب إلى حكومة وحدة مع بيني غانتس، وهو ليس بالأمر السهل، في ظلّ تعهّد الأخير بعدم الدخول في حكومة مع نتنياهو، بالتالي؛ فإنّ احتمالية الدخول إلى انتخابات ثالثة واردة، وقد ينتهي عهد نتنياهو السياسي؛ لأنّ الجمهور الإسرائيلي لا يرغب بالدخول في انتخابات جديدة".

عدم استقرار الحكومة الإسرائيلية

ويرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح الوطنية، عبد الستار قاسم، في حديثه لـ "حفريات"؛ أنّ "نتائج الانتخابات الإسرائيلية تؤكد، منذ ما يزيد على 40 عاماً، أنّه لا يوجد حزب في إسرائيل يستطيع أن يحسم الانتخابات وحده، إنّما يتطلب ذلك إجراء تحالفات مستمرة بين هذه الأحزاب، وهو ما يؤدي إلى عدم استقرار الحكومة الإسرائيلية، والتي تعدّ ضمن أكثر الحكومات غير المستقرة في العالم؛ بسبب وجود تحالفات بها أحزاب صغيرة تتحكم في الساحة الإسرائيلية، وبالتالي فإنّ أغلب الصهاينة يصبون في اتجاه اليمين المتطرف".

نظير مجلي: الخطوة التي قد تتخذها القائمة العربية إذا أرادت الدخول في الحكومة هي التفاوض مع زعيم حزب "أزرق أبيض"

ويعتقد أنّ نتنياهو لن ينسحب من الحياة السياسية، "فهو متشبّث بها، ويرى نفسه البطل القومي الذي يحافظ على الكيان الإسرائيلي ووجوده، في ظلّ رفضه الدخول في حكومة وحدة وطنية ليكون المسيطر على القرار داخل إسرائيل، ومحاولة إرضاء اليهود المتدينين لكسب أصواتهم، إلا أنّ نفاقه السياسي لهم لن يؤتي ثماره، وبقي نتنياهو بوزنه كما هو، دون أن يشهد ثمار أعماله".

وعن إمكانية قيام القائمة العربية المشتركة بحسم تشكيل الحكومة الإسرائيلية المقبلة، يقول قاسم: "الصهاينة، رغم المقاعد الجيدة التي حصلت عليها القائمة العربية، والتي من شأنها أن تؤثّر في تشكيل أية حكومة إسرائيلية جديدة، إلا أنّهم يرفضون أن يتحكم العرب في تشكيل الحكومة الإسرائيلية، لإمكانية أن تحجب هذه القائمة الثقة عن رئيس الوزراء، بالتالي؛ إسقاط الحكومة الصهيونية، وفي ظلّ الوضع الحالي القائم، أعتقد أنّ الأحزاب الإسرائيلية الكبيرة ستتجه نحو تشكيل حكومة وحدة وطنية للخروج من هذا المأزق".

للمشاركة:

هل سيكون "ردع إيران" في إطار دولي مشترك أم عبر ضربة انفرادية؟

2019-09-19

حتى بعد الإعلان السعودي الرسمي بأنّ الهجمات الأخيرة التي أصابت منشأتين نفطيتين في أرامكو هي هجمات بأسلحة إيرانية، فإنّ الأرجح أنّ الرياض تتريث في إصدار قرار نهائي، إلى أن تتبلور خطة دولية جماعية للرد على مصدر تلك الهجمات.

جويس كرم: السعودية تذهب باتجاه حصد دعم عسكري وسياسي لتقوية دفاعاتها الجوية وتحصين حقولها النفطية

وقال وزير الخارجية الأمريكي، مايك بومبيو، أمس، إنّ بلاده تعمل مع شركائها الدوليين من أجل تشكيل تحالف لـ "ردع" إيران. وكما يؤكد محللون، فإنّ "الورقة الأصعب هي في إعادة إنتاج قوة الردع في الخليج، ومحاسبة إيران؛ فالخيارات محدودة وبعضها قد يجازف في إشعال حرب إقليمية"، وفق ما كتبت المحللة اللبنانية جويس كرم في الموقع الإلكتروني لقناة "الحرة".
وأوردت كرم خيارين للرد وهما: الأول وهو ما قامت به الولايات المتحدة في العام 1987 باستهداف إيران مباشرة حين استهدفت واشنطن البحرية الإيرانية يومها. وهذا قد يتم بضربة صاروخية على المصدر الذي انطلق منه اعتداء بقيق وخريص، أو على حقل نفطي إيراني لا يوقع ضحايا إنما يزيد من الضرر على الاقتصاد الإيراني. والمعضلة في هذا الخيار هو في أنّ إيران 1987 ليست إيران 2019، وهي تملك قدرات ميليشياوية إقليمية، وصواريخ على نسق الصواريخ الروسية ومنشآت نووية وقد تختار الدخول في حرب إقليمية شاملة.

اقرأ أيضاً: في كل أزمة فتشوا عن إيران
أما الخيار الثاني، فهو الأكثر ترجيحاً، بحسب كرم، يكون في نهج بعيد المدى يرد على إيران دولياً واستخباراتياً واقتصادياً، وهو الاتجاه الذي يبدو أنّ السعودية تمضي به اليوم. فاستدعاء الخبراء الدوليين هو الخطوة الأولى بعد كشف مصدر الأسلحة، والتنسيق مع الولايات المتحدة نحو تحرك في مجلس الأمن الدولي. والأرجح أنّ الأمم المتحدة المشلولة أصلاً لن تعطي الضوء الأخضر لأي قرار فاعل ضد إيران، إنما قد تنجح السعودية في استنباط دعم دولي ومزيد من العقوبات ضد إيران.
وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو

استعداد أوروبي
وكانت وزارة الدفاع السعودية، كشفت في مؤتمر صحفي أمس، عن أدلة تثبت تورط إيران في الهجمات على حد وصفها. وذكرت الوزارة أن الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقت وأصابت منشآت أرامكو هي أسلحة إيرانية الصنع.
وقال المتحدث العسكري باسم وزارة الدفاع السعودية، العقيد الركن تركي المالكي، في مؤتمر صحافي في الرياض عرضت فيه بقايا صواريخ وطائرات مسيرة "الهجوم انطلق من الشمال (...) وبدعم من إيران من دون أدنى شك".

محلل سياسي: الخيار العسكري لا يبدو محبذاً بالتعامل مع هجمات أرامكو فالمصلحة السياسية لترامب لا تنسجم مع حرب جديدة

وأضاف، كما نقلت وكالة الأنباء الفرنسية عنه: "نواصل تحقيقاتنا لتحديد الموقع الدقيق الذي انطلقت منه الطائرات المسيرة والصواريخ"، مشيراً إلى أنّ المهاجمين استخدموا 18 طائرة مسيّرة و7 صواريخ من طراز "كروز"، وفيما أفاد مسؤول أمريكي بأنّ واشنطن مقتنعة بأنّ العملية انطلقت من إيران، لم يحدد المالكي إيران كمصدر لانطلاق الصواريخ والطائرات.
وفي مؤشر إلى استعداد أوروبي إلى هذا المسار، أعلن مكتب رئيس الوزراء البريطاني، بوريس جونسون، أنّ الأخير بحث مع الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، أمس، ضرورة توصل المجتمع الدولي إلى "رد دبلوماسي موحد"، إثر الهجمات الإرهابية على منشآت نفطية في السعودية. كما لفت السفير البريطاني لدى دولة الكويت، مايكل دافنبورت، في تصريح صحافي، أوردته جريدة "الأنباء" الكويتية، إلى أنّ التهديدات الأخيرة بالطائرات المسيرة أمر يقلق بريطانيا، داعياً إلى تحرك جماعي وعمل مشترك لمكافحة تلك التهديدات. من جانبه أعلن الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، السعي إلى إرسال خبراء فرنسيين إلى السعودية للمشاركة في التحقيقات الجارية هناك.

محلل: سابقة تستدعي عدم الإفلات من القصاص
وقالت جويس كرم إنّ السعودية ليست على عجلة من أمرها في الرد، وهي تذهب باتجاه حصد دعم عسكري وسياسي لتقوية دفاعاتها الجوية وتحصين حقولها النفطية. والرد الاستخباراتي السري قد يكون الخيار الأمضى في هذه الحالة؛ خصوصاً إذا ما أتى على شكل هجوم إلكتروني (cyber) يشل الحركة النفطية الإيرانية مثلاً، أو يخترق مصانع الصواريخ.

محلل سياسي: العقوبات الاقتصادية الأمريكية مؤلمة جداً لإيران لكنها تفتقر إلى التسويق الجيّد للرأي العام

وتقول مجموعة سوفان الاستشارية الأمريكية إنّ الطائرات المسيّرة المسلّحة أصبحت متوافرة ولذا فإنّ التهديد الذي تتعرض له البنية التحتية الحيوية يتزايد بشكل غير متناسب، وفق "رويترز".
ومع أنّ الاعتداء السافر على منشأتي أرامكو، حسب وصف المحلل السياسي الدكتور حسن منيمنة، في حديث مع "إذاعة مونت كارلو الدولية"، يُعدّ سابقة عبر الاعتداء على شريك لأمريكا وعلى الاقتصاد العالمي، فإنّ الخيار العسكري لا يبدو خياراً محبذاً في التعامل مع هجمات أرامكو؛ فالمزاج الأمريكي اليوم، برأي منيمنة، لا يذهب مع مسألة الخيار العسكري أو عملية عسكرية خارجية، كما أنّ المصلحة السياسية للرئيس ترامب لا تنسجم مع حرب جديدة، وكذلك فإنّ الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة في مواجهتها لإيران في سياق الحرب الاقتصادية المفتوحة قد تتعرقل في حال انتقلت المواجهة إلى عسكرية.

اقرأ أيضاً: بعد "أرامكو"... ما هو عقاب إيران؟ محدود أم تحالف كبير؟
ويستدرك منمينة بأنّ ترك هذه السابقة الإيرانية من دون عقاب سيحفز إيران على مزيد من التصعيد، ولذا فإنّ هناك ضرورة للموازنة بين تجنّب العمل العسكري الأمريكي وبين ضرورة العقاب أو الاقتصاص في إطار عمل دولي مشترك، وليس في إطار خطوة انفرادية أمريكية. ويلفت منيمنة إلى أنّ تصعيد العقوبات الأمريكية على إيران هو ما دفع الأخيرة إلى التصعيد العسكري في أرامكو، ما يعني أنّ العقوبات الاقتصادية الأمريكية مؤلمة جداً لإيران، لكنها، برأي منيمنة تفتقر إلى التسويق الجيّد للرأي العام.

للمشاركة:

الجاسوس إيلي كوهين: إسرائيل تفشل في مواجهة "الهجّان"

2019-09-19

بثّت شبكة "نتفليكس"، الشهر الماضي، مسلسلاً بعنوان الجاسوس "the spy"، تناول قصّة "إيلي كوهين"؛ الشاب اليهودي المصري المولد، الذي دفع به جهاز المخابرات الإسرائيلي "الموساد"  بهدف اختراق النخبة العسكرية والسياسية السورية الحاكمة، بين عامَي 1961 و1965.

الاستخبارات الإسرائيلية رأت في كوهين مشروع جاسوس جيد فتمّ إعداده كي يعمل في مصر لكنّ عدِّلت الخطة فذهب إلى دمشق

من خلال مشاهدة المسلسل القصير، الذي لم يزد عدد حلقاته عن ستّ حلقات، يظهر تأثّر جدعون راف، المؤلِّف والمخرج الإسرائيلي، بالمسلسل المصري "رأفت الهجّان"؛ الذي أُنتج في ثمانينيات القرن الماضي، وأحدث ضجّة عالمية، ولاقى شهرة في العديد من الدول العربية، وغيرها.
إلا أنّ محاكاة "راف" خرجت مشوّهة، فنياً ودرامياً، فلم يصل مستوى مسلسله إلى "رأفت الهجّان"؛ لا من ناحية التعاطف مع شخصية البطل، والالتصاق به، أو من جهة تشابك الأدوار، والبناء الدرامي المحكم، مع أنّ هناك هوّة زمنية بين العملين، كانت تسمح لــ "راف" باستخدام التطور الهائل في الإخراج التلفزيوني، والمونتاج، وطرائق السيناريو، وكتابة النصّ.

 

عقدة السفارديم
يبدأ المسلسل عام 1961؛ حيث يظهر "إيلي" كموظف حسابات عادي في أحد المتاجر في تل أبيب، لا يشعر بقيمته، ولا باهتمام المجتمع الإسرائيلي بذاته، فقدّم نفسه مرات للعمل في المخابرات الإسرائيلية، إلا أنّها لم تكن متحمّسة لتوظيفه.

محمد حسنين هيكل أكد أنّ أحد ضباط الاستخبارات المصرية كشف كوهين الذي كان تحت المراقبة قبل خروجه من مصر

يشير المسلسل، على نحو سريع وغير واضح، في سياق حديث يدور بين إيلي وزوجته اليهودية، نادية، العراقية الأصل، إلى تبرّم الزوج من عدم إدراك المجتمع الإسرائيلي، لدوره النضالي السابق، كعربي يهودي في مصر في منتصف الخمسينيات.
لم يظهر المسلسل الدوافع الحقيقية، لمخاطرة كوهين، الذي كان يعاني كغيره من اليهود الشرقيين "السفارديم" من نظرة اليهود الغربيين "الأشكنازيم" لهم، باعتبارهم مواطنين من الدرجة الثانية، فرغب بقوة في إثبات ذاته، وتحقيق مكانة تليق بمهاراته في الدولة العبرية، على الأقل أن يصبح سفيراً لدولته، أو رئيساً لها، لكن تمّت التضحية به في النهاية، من قبل القادة السياسيين، مقابل ضربة توجَّه إلى الجيش السوري، وهو ما أشارت إليه زوجته فيما بعد لوسائل الإعلام الغربية.
كوهين المصري
كان من الطبيعي أن يبدأ المؤلف قصة "كوهين" منذ أن كان شاباً في مصر، لا أن يبدأ قصته منذ تجنيده للعمل في سوريا، عام 1961، إلا أنّه لم يفعل، مع أنّ قصة إيلي في مصر تستحق إلقاء الضوء عليها؛ إذ إنّها تعدّ في عرف المجتمع الصهيوني، نضالاً يستحق الشكر والتقدير، إلا أنّ ذلك كان سيلقي الضوء أيضاً على خطأ ارتكبه "الموساد"، بما أنّه اختار شخصاً له ملف لدى الاستخبارات المصرية، كونه سقط في قضية تجسس وإرهاب قبل ذلك، كما أنّ ذلك كان سيظهر "إيلي" على أنّه شخص فشل مرتين، واحدة في الخمسينيات في مصر، والأخرى في سوريا، وهو ما حاول المؤلّف والمخرج عدم تسليط الضوء عليه.

اقرأ أيضاً: علي كوراني.. جاسوس زرعه حزب الله في مانهاتن الأمريكية
في الإسكندرية ولد كوهين، عام 1924، وسط عائلة غذّت فيه روح التطرف والتمرّد على المجتمع، والميل نحو تحقيق حلم الدولة الصهيونية، فانضم إلى منظمة "الشباب اليهودي الصهيوني".
وبعد انتهاء حرب 1948، شعر بالفخر تجاه الكيان الوليد، وأخذ يدعو مع غيره من أعضاء المنظمة لهجرة اليهود المصريين إلى فلسطين.
عام 1949؛ هاجر أبواه وثلاثة من أشقائه إلى "إسرائيل"، بينما بقي هو في الإسكندرية، لاستكمال نشاطه السري؛ حيث عمل تحت قيادة، إبراهام دار، الذي أطلق على نفسه "جون دارلينج"؛ وهو أحد كبار الجواسيس الإسرائيليين، الذي وصل إلى مصر ليباشر دوره في التجسّس، ومساعدة اليهود على الهجرة وتجنيد العملاء.

 

شكل "دارلينج" شبكة للاستخبارات الإسرائيلية بمصر، نفّذت سلسلة من التفجيرات استهدفت المنشآت الأمريكية في القاهرة والإسكندرية، بغية توتير العلاقة بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية.
ألقي القبض على أفراد الشبكة، عام 1954، في حادثة عرفت حينها بفضيحة "لا فون"، وبعد انتهاء التحقيق، تمكّن إيلي كوهين من إقناع المحققين ببراءة صفحته، إلى أن خرج من مصر عام 1955؛ حيث التحق هناك بالوحدة رقم 131 بجهاز الموساد، ثم أعيد إلى مصر، لكنّه كان تحت عيون الاستخبارات المصرية التي لم تنسَ ماضيه، فاعتقلته مع بدء العدوان الثلاثي على مصر، في تشرين الأول (أكتوبر) 1956.
كوهين الإسرائيلي
بعد الإفراج عنه، هاجر إلى "إسرائيل"، عام 1957، حيث استقر به المقام محاسباً في بعض الشركات وانقطعت صلته بالموساد لفترة من الوقت.
لم يكن من المنطقي، إذاً، أن يتمّ تجنيد "كوهين" للعمل كجاسوس، بإمكانه تقمّص شخصية عربية مسلمة، يكون بإمكانها التوغّل في مستويات عالية من السلطة.

 

اقرأ أيضاً: تعرّف إلى أول جاسوس بريطاني أعدمه "داعش"
لكنّ الاستحبارات الإسرائيلية رأت في كوهين مشروع جاسوس جيد، فتمّ إعداده في البداية كي يعمل في مصر، لكنّ الخطة ما لبثت أن عدِّلت، ورأى الموساد أنّ أنسب مجال لنشاطه التجسسي؛ دمشق.
بدأ إعداده كي يقوم بدوره الجديد، ولم تكن هناك صعوبة في تدريبه على التكلم باللهجة السورية؛ لأنّه كان يجيد العربية بحكم نشأته في الإسكندرية؛ حيث كان طالباً في جامعة الملك فاروق.
المسلسل برّر اختيار "كوهين" للمهمة؛ بأنّ مدير الموساد، ورئيس الأركان، يستعجلان إرسال جاسوس إلى دمشق، التي لا يعرفون ما يجري فيها، فبدلاً من إعطاء ضابط الاستخبارات المسؤول فرصة عامين لإنجاز المهمة، اختصرت في 6 أشهر فقط، وهو ما أراد المؤلف أن يدسّه في العمل، حتى يلقي بلوم غير مباشر على من كان السبب في الاستعجال، الذي جاءت عواقبه وخيمة.

 

تعاطف غير كافٍ
في مشهد بين كوهين وضابطه المسؤول، يسأله الأخير: هل أنت على استعداد لأن تتخلى عن زوجتك؟ هل أنت على استعداد لأن تضحّي بنفسك من أجل "إسرائيل"؟ فيجيب "كوهين" بعد تردّد: نعم.
لم يلهب المشهد الروح الوطنية، كما تفعل الدراما العربية في مثل هذه المواقف، ولم يستطع المؤلف أن يقنع المشاهد بأنّ سبب إرسال كوهين إلى دمشق هو إيقاف الاعتداءات التي كان يقوم بها الجيش السوري ضدّ المستوطنين اليهود بالقرب من الحدود، فسجل الجمعية العامة للأمم المتحدة مليء باعتداءات الجيش الإسرائيلي وطيرانه على سوريا والدول العربية المجاورة.
إلا أنّ إظهار المسلسل أنّ الحكم في الدولة بسوريا في ذلك الوقت كان لمن يستطيع احتلال مبنى الإذاعة، يقترب من الحقيقة ومن الواقع البائس التي كانت تحياه الأمة العربية في ذلك الوقت، بينما كانت إسرائيل تتمتع بنظام ديمقراطي يكفل لها الاستقرار والقوة في مواجهة أعدائها العرب.

اقرأ أيضاً: بالتفاصيل.. قصّة الجاسوس العراقي الذي اخترق داعش
فعل الموساد كما فعلت الاستخبارات المصرية مع رأفت الهجان، لكن بعد 7 أعوام من تجنيد "الهجّان"، إلا أنّ سيناريو الاستخبارات المصرية كان أكثر إحكاماً ودقة.
أرسل الموساد "كوهين" إلى الأرجنتين؛ باعتباره سورياً مسلماً يحمل اسم، كامل أمين ثابت، هاجر وعائلته إلى الإسكندرية، ثم سافر عمه إلى الأرجنتين، عام 1946، حيث لحق به كامل وعائلته، عام 1947، وفي عام 1952، توفَّي والده في الأرجنتين بالسكتة القلبية كما توفّيَت والدته بعد ستة أشهر، وبقي كامل وحده هناك يعمل في تجارة الأقمشة.
قبلها كان كوهين قد تدرّب على كيفية استخدام أجهزة الإرسال والاستقبال اللاسلكي، والكتابة بالحبر السرّي، كما راح يدرس في الوقت نفسه كلّ أخبار سوريا، ويحفظ أسماء رجالها السياسيين، والبارزين في عالم الاقتصاد والتجارة، مع تعلّمه للقرآن الكريم وتعاليم الدين الإسلامي.
الجاسوس الإسرائيلي إيلي كوهين

ثابت في الأرجنتين
في 3 شباط (فبراير) 1961، غادر كوهين إسرائيل إلى زيوريخ، ومنها حجز تذكرة سفر إلى العاصمة التشيلية، سانتياغو، باسم كامل أمين ثابت، لكنّه تخلف في "بوينس إيرس"؛ حيث كانت هناك تسهيلات معدَّة سلفاً كي يدخل الأرجنتين دون تدقيق في شخصيته الجديدة.

اقرأ أيضاً: "لا حصانة لإيران" مقابل "لا أمان لإسرائيل"؟
وفي الأرجنتين؛ حاول المؤلف أن يدخل بعض مشاهد الإثارة المفتعلة، التي لم تثبت صحتها، مثل التخطيط للتقرب من الجنرال أمين الحافظ، الذي لم يكن رئيساً لسوريا وقتها، لكنّه كان من المرشحين لذلك، وكيف اقتحم كوهين مكتبه ليصور مستندات خطيرة تخصّ السياسة العسكرية السورية، واستطاع كوهين بمعاونة عميلة للموساد قتل أحد أفراد طاقم الحراسة للأمين، والذي اكتشف أمر كوهين مبكراً، وإخفاء الجثة قبل أن يخبر أحداً.
وبمساعدة بعض العملاء تمّ تعيين كوهين في شركة للنقل، وظلّ لمدة تقترب من العام يبني وجوده في العاصمة الأرجنتينية، كرجل أعمال سوري ناجح، فكوَّن لنفسه هوية لا يرقى إليها الشكّ، واكتسب وضعاً متميزاً لدى الجالية العربية في الأرجنتين، باعتباره رجلاً وطنياً شديد الحماسة لبلده.
تشويه العرب
لا ينسى المسلسل، في كلّ حلقة من حلقاته، أن يفتعل مشاهد مشوَّهة للعرب، على الطريقة الهوليودية، فيظهر زوجة أمين الحافظ وهي تتحرش بكوهين، على مرأى ومسمع من زوجها، وهي المبالغة التي يعرف كلّ عربي أنّه لا يمكن تمريرها.
وفي محاولة دخول كوهين إلى سوريا عبر الأراضي اللبنانية، محملاً بأجهزة تنصت، يستطيع كوهين، تمرير حقائبه بعد أن كادت تفتَّش، وذلك بعد أن منح ضابط الجمارك ساعته باهظة الثمن.

اقرأ أيضاً: هل زرعت إسرائيل عميلاً في صفوف حزب الله؟
وفي الشهور الأولى تمكّن كوهين، أو كامل، من إقامة شبكة واسعة من العلاقات المهمة مع ضباط الجيش والمسؤولين الأمنيين وقيادات حزب البعث السوري، عن طريق حفلات جماعية، كما يظهر في بعض مشاهد المسلسل.
وفي أيلول (سبتمبر) 1962؛ صحبه أحد أصدقائه في جولة داخل التحصينات الدفاعية بمرتفعات الجولان، فتمكّن من تصوير جميع التحصينات بواسطة آلة تصوير دقيقة مثبتة في ساعة يده أنتجتها الاستخبارات الإسرائيلية والأمريكية.
وفي عام 1964، زوّد كوهين قادته في تل أبيب بتفاصيل وافية للخطط الدفاعية السورية في منطقة القنيطرة، وفي تقرير آخر، أبلغهم بوصول صفقة دبابات روسية من طراز "ت-54" وأماكن توزيعها، وكذلك تفاصيل الخطة السورية التي أعدت بمعرفة الخبراء الروس لاجتياح الجزء الشمالي من "إسرائيل" في حالة نشوب الحرب، وازداد نجاح كوهين، خاصّة مع إغداقه الهدايا على مسؤولي حزب البعث السوري.
أكذوبة الرجل الخارق
لم يأتِ المسلسل بجديد في كلّ هذه الأمور، التي كتبت عنها الصحف العربية، إلا أنّه أظهر قادة الجيش السوري وضباطه، على أنّهم غارقون في الفساد، كما أظهر كوهين كـ "سوبر مان" استطاع أن يخترق التحصينات العسكرية السورية في الجولان حتى وصل إلى السلك الشائك، ليخبر مزارعاً إسرائيلياً بأنّ عليه التوجّه إلى قائد الكتيبة، ليخبره بأنّ هناك هجوماً وشيكاً من قبل الجيش السوري بعد ربع ساعة، وهو ما أدّى إلى أسر المجموعة السورية المهاجمة.

اقرأ أيضاً: هل تستطيع إسرائيل إيقاف العمليات الفردية في الضفة الغربية والقدس؟
وبعد أن رُشِّح كوهين لتولي منصب نائب وزير الدفاع السوري، بحسب المسلسل، ذهب بنفسه إلى "إسرائيل" ليقابل ليفي أشكول، ومعه نخبة من قادة الموساد، ليخبره بأنّ محمد بن لادن استجلب ماكينات ضخّ مياه لتوضع عند بحيرة طبريا، حتى تمنع الماء عن إسرائيل، فعندها يقرّر القادة الأمنيون أنّهم سيقومون بقصف تلك الماكينات، حتى لو تعرض كوهين للشكّ من أجل مصلحة "إسرائيل".
عام 1965، بعد 4 أعوام من العمل في دمشق، تمّ كشف كوهين، وهناك عدد من الروايات المتناقضة التي تتحدث عن ذلك، أما المسلسل فقد تبنى رواية الحكومة السورية في ذلك الوقت.
السقوط المدوي
سقط كوهين، اليهودي ذو الأصول المصرية، بينما لم يسقط "الهجّان"، المسلم المصري، وإن حاول المؤلف اعتبار سقوط كوهين وإعدامه مشهداً يستحق الاحترام، مع أنّ المجتمع العبري يحبّ النصر والنجاح أكثر من البطولة والتضحية.
هناك روايات عديدة في قضية سقوط كوهين، إلا أنّ المسلسل انحاز لرواية الحكومة السورية؛ فعندما كانت تمرّ أمام بيت كوهين سيارة رصد الاتصالات الخارجية التابعة للأمن السوري، وعندما ضبطت رسالة وجِّهت من المبنى الذي يسكن فيه، حوصر المبنى على الفور، وقام رجال الأمن بالتحقيق مع السكان، ولم يجدوا أحداً مشبوهاً فيه، ولم يجدوا من يشكّون فيه في المبنى، إلا أنّهم عادوا واعتقلوه بعد مراقبة البثّ الصادر من الشقة.
اكتشفه محمد وداد بشير، وهو مسؤول الإشارة في الجيش، الذي كان يعلم أنّ السفارات تبثّ وفق تردّدات محددة، واكتشف وجود بثّ غير مماثل لهذه التردّدات، فداهم سفارة أو سفارَتين، بعد الإذن بذلك، ثمّ رصدوا الإشارة مجدداً، وحددوا المكان بدقة وداهموا البيت، وقبضوا عليه متلبساً، وحاول أن يتناول السمّ، لكنّهم أمسكوه قبل ذلك.

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستعين بالخنازير لمعالجة جنودها المصابين بأمراض نفسية وعقلية
هناك رواية أخرى تقول: إنّه كان يسكن قرب مقرّ السفارة الهندية بدمشق، وإنّ العاملين بالاتصالات الهندية، رصدوا إشارات لاسلكية تشوش على إشارات السفارة، وتمّ إبلاغ الجهات المختصة بسوريا، التي تأكّدت من وجود رسائل تصدر من مبنى قرب السفارة، وتمّ رصد المصدر، وبالمراقبة تمّ تحديد وقت الإرسال الأسبوعي للمداهمة وتمّ القبض عليه متلبساً.
لكنّ كثيراً من المحللين يرون أنّه من الصعب تصديق هذه الرواية؛ مبررين ذلك بأنّ العثور على شقة في العاصمة دمشق بجهاز رصد الموجات بالإمكانيات المتواجدة في ستينيات القرن الماضي، شبه مستحيل.
 الجاسوس المصري رفعت الجمال (رأفت الهجّان)

الهجّان يسقِط كوهين
وكانت رواية مصرية زعمت أنّ الجاسوس المصري رفعت الجمال (رأفت الهجّان) تعرّف إلى كوهين عندما رآه بملابس مدنية وسط مجموعة من الضباط السوريين، من ضمنهم الفريق (آنذاك) أمين الحافظ، في إحدى الصور، أثناء زيارتهم لبعض المواقع في الجبهة السورية، ليتذكّر الجمّال أنّه كان مسجوناً معه في مصر، فسارع بإبلاغ السلطات المصرية، التي بدورها أبلغت القيادة السورية بأمر الجاسوس.
أما الكاتب الصحفي المصري الراحل، محمد حسنين هيكل، فقد صاغ رواية أخرى، زعم من خلالها أنّ أحد ضباط الاستخبارات المصرية هو من كشف كوهين، الذي كان تحت المراقبة لنشاطه الصهيوني قبل خروجه من مصر في نهاية عام 1956، بعد رصده ضمن المحيطين بأمين الحافظ، في صور وصلت القاهرة خلال تفقده مواقع عسكرية بالجبهة السورية.

اقرأ أيضاً: هل ثمة جدوى من المقاطعة العربية للانتخابات الإسرائيلية؟
الرئيس السوري الأسبق، أمين الحافظ، نفى الرواية المصرية عدة مرات، آخرها في حواره المسجل بالعاصمة العراقية بغداد، في شهر تشرين الثاني (نوفمبر) من العام 2001، ببرنامج "شاهد على العصر"، والذي أوضح فيه أنّ الكاتب والإعلامي العربي، عبد الهادي البكار، ذكر في كتابه "أسرار سياسية عربية"؛ أنّه من اخترع الرواية المصرية حول اكتشاف رأفت الهجان لجاسوسية كوهين؛ إذ قال البكّار في كتابه: "أنا وغسان كنفاني، الكاتب والصحفي الفلسطيني، لفقنا حكاية زيارة كوهين للجبهة السورية لحرمان نظام البيطار، رئيس الوزراء السوري حينها، من شرف اكتشافه".
لكن في عام 2004، نشر الصحفي الإسرائيلي، يوسي ميلمان، مقالَين (بالعبرية والإنجليزية)، في صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية، ذكر فيهما أنّ الرواية المصرية باتت الأصدق، بعد مقابلة السيدة فالتراود بيتون، أرملة الجمّال، بصحيفة "كايرو تايمز"، التي أكّدت فيها المعلومات المتداولة حول كشف الجمّال لكوهين بالرواية المصرية.
وما دعم الرواية المصرية أكثر؛ تكذيب نادية كوهين، أرملة الجاسوس الإسرائيلي، الروايات السورية الخاصة برصد موجات الإرسال، في مقابلتها مع صحيفة "إسرائيل اليوم" العبرية، في نيسان (أبريل) 2018، موضحة أنّها ليست حقيقية، وأنّه لم يتم كشفه بمحض الصدفة؛ إذ كشفت قول زوجها لها في زيارته الأخيرة أنّه صار تحت المراقبة في سوريا، وأنّه على الأرجح تمّ الإيقاع به، ولذلك فإنّ لقاءه الأخير بها كان وداعياً.

للمشاركة:



ميليشيات الحوثي الإرهابية تواصل جرائمها في حيس

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

تواصل ميليشيات الحوثي الإرهابية جرائمها في محافظة الحديدة والمدن المحطية بها، مستغلة كافة إمكاناتها الحربية من مقذوفات وأسلحة وألغام وقناصة؛ حيث استهدفت الميليشيات الإرهابية، أمس، تجمّعات سكنية شمال مديرية حيس، جنوب الحديدة، غرب اليمن، مستخدمة الأسلحة القناصة المتوسطة والخفيفة.

الميليشيات الإرهابية فتحت نيران أسلحتها القناصة صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان في حيس

وأفادت مصادر محلية في حيس، نقلت عنهم صحيفة "المشهد" اليمنية؛ أنّ الميليشيات فتحت نيران أسلحتها القناصة من مناطق تمركزها شمال المديرية صوب الأحياء السكنية المكتظة بالسكان .

وأضافت المصادر: "عمليات القنص متواصلة منذ ساعات ظهيرة أمس حتى اللحظة، بشكل مكثَّف ومستمر" .

وكانت الميليشيات الحوثية قد ارتكبت مجازر مروعة بحقّ السكان في حيس، قبل أيام، سقط إثرها شهداء وجرحى من الأطفال، ودمِّرت عدد من المنازل وسط المدينة.

وفي سياق آخر؛ ذكر مصدر محلي بمحافظة حجة، أنّ ميليشيا الحوثي شيّعت، أمس، قائدها الميداني بجبهة حرض، المدعو حسن محمد فايد الحاتمي.

ميليشيا الحوثي تشيّع قائدها الميداني بجبهة حرض، الإرهابي المدعو حسن محمد فايد الحاتمي

وأشار المصدر إلى أنّ "الحاتمي لقي مصرعه على أيدي قوات الجيش اليمني بالمنطقة العسكرية الخامسة، أثناء صدّ هجوم الميليشيا، الأحد الماضي، على محيط مدينة حرض".

ويعدّ الصريع الحاتمي، شقيق إبراهيم محمد الحاتمي، مشرف الميليشيات بمديرية أفلح اليمن، وكلاهما متورطان في عمليات الاعتقال، وملاحقة أبناء المديرية، وفي جرائم أخرى كثيرة.

 

 

للمشاركة:

المنتدى العربي يحذّر من الاستثمار في تركيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

حذّر اقتصاديون سعوديون من مخاطر الاستثمار في تركيا؛ بسبب عدم الاستقرار الاقتصادي، وضعف الثقة في القضاء.

وقال رئيس مجلس الغرف التجارية السعودية، الدكتور سامي العبيدي: إنّ "الاستثمار الناجح يتطلب استقلال القضاء واستقرار الوضع الاقتصادي، وإذا نظرنا إلى تركيا نجدها في المرتبة 116 عالمياً في استقرار الاقتصاد، وفي المرتبة 111 في استقلال القضاء، وبالتأكيد هذا مؤثر سلبي لضمان أيّ استثمار أو تعامل تجاري"، وفق ما أوردت صحيفة "الاقتصادية".

اقتصاديون يؤكدون أنّ الاستثمار في تركيا غير آمن لعدم الاستقرار الاقتصادي وضعف القضاء

العبيدي أوضح، خلال انعقاد المنتدى العربي الأول بعنوان: "دور الإعلام في التوعية بمخاطر الاستثمار الخارجي – تركيا نموذجاً"، في العاصمة السعودية، الرياض، أنّ "أغلب الاستثمارات في تركيا لأفراد وليست استثمارات شركات"، محذراً من الاستثمارات فيها، سواء عقارات أو غيرها؛ إذ لا توجد حماية لحقوق المستثمرين، ومؤكداً أنّ القطاع الخاص السعودي واعٍ لهذا الأمر.

بدوره، رأى مستشار الاستثمار الدولي وخبير التنمية الاقتصادي، الدكتور يسري الشرقاوي؛ أنّ "تركيا لا تمتلك مقومات الاستثمار والاستقرار الاقتصادي"، مبيناً أنّ "80% من حجم استثمارات السعوديين في تركيا يعود لأفراد".

وأفاد بأنّ "تركيا تعيش أزمة اقتصادية حادة، بسبب السياسات التي انتهجها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وذلك ما انعكس سلباً على الليرة التركية، التي انهارت أمام الدولار الذي بلغ نحو 5.7 ليرة".

من جهته، دعا رئيس لجنة المكاتب الاستشارية في غرفة الرياض، المهندس خالد العثمان؛ إلى موقف خليجي لتجنّب هذه المخاطر الاستثمارية، منوّهاً إلى أنّ الاستقرار السياسي في تركيا لم يعد موجوداً، وبسببه أصبح الاستثمار خطراً في ظلّ عدم الاستقرار.

كما ذكر العثمان بقضايا النصب العقاري، التي تعرض لها مواطنون كويتيون في تركيا.

يذكر أنّ كثيراً من المواطنين تعرضوا لعمليات نصب واحتيال من شركات عقارية، وعند لجوئهم للقضاء؛ تبيّن أنّ المحتالين يتملصون من مسؤولياتهم عبر منافذ قانونية لا تنصف المستثمرين الأجانب.

 

للمشاركة:

صالح يوجه بمنع نقل المتظاهرين إلى العاصمة الجزائرية.. هذه مبرراته

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

أعلن رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أحمد قايد صالح، أمس؛ أنّه أعطى تعليمات للقوى الأمنية "للتصدي" للحافلات والعربات التي تقلّ متظاهرين من خارج العاصمة، أيام الجمعة، وتوقيفها، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها.

وقال قايد صالح، خلال تفقد قوات عسكرية في تمنراست: "لاحظنا ميدانياً؛ أنّ هناك أطرافاً من أذناب العصابة ذات النوايا السيئة تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير، المتمثل في خلق كلّ عوامل التشويش على راحة المواطنين، من خلال الزجّ الأسبوعي بعدد من المواطنين يتمّ جلبهم من مختلف ولايات الوطن إلى العاصمة"، وفق "فرانس برس".

صالح: هناك أطراف تعمل على جعل حرية التنقل ذريعة لتبرير سلوكها الخطير والتشويش على راحة المواطنين

وأشار إلى أنّ الهدف من ذلك "تضخيم الأعداد البشرية في الساحات العامة التي ترفع شعارات مغرضة وغير بريئة"، معتبراً أنّ "الغرض الحقيقي هو تغليط الرأي العام الوطني بهذه الأساليب المخادعة لتجعل من نفسها أبواقاً ناطقة، كذباً وبهتاناً، باسم الشعب الجزائري".

وأضاف: "عليه، أسديت تعليمات إلى الدرك الوطني، بغرض التصدي الصارم لهذه التصرفات، من خلال التطبيق الحرفي للقوانين السارية المفعول، بما في ذلك توقيف العربات والحافلات المستعملة لهذه الأغراض، وحجزها، وفرض غرامات مالية على أصحابها".

ويأتي هذا الإعلان بعد مرور ثلاثة أيام على تحديد الرئيس الجزائري المؤقت، عبد القادر بن صالح، 12 كانون الأول (ديسمبر)، موعداً للانتخابات الرئاسية.

ويرفض المحتجون إجراء الانتخابات في ظلّ الحكومة الحالية، مطالبين بتفكيك النظام الموروث من عشرين عاماً من حكم بوتفليقة.

ويجتاح المتظاهرون شوارع العاصمة الجزائرية، كلّ يوم جمعة، منذ ثلاثين أسبوعاً، للمطالبة برحيل كلّ أركان النظام، بعد أن نجحوا في حمل الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على الاستقالة.

 

 

 

للمشاركة:



هجمات 11 أيلول وتاريخ الحرب الباردة.. إعادة تشكيل العالم

2019-09-19

ترجمة: محمد الدخاخني


تمرّ الذّكرى السّنويّة لهجمات 11 أيلول (سبتمبر) بما يُشبه مرحلة انتقاليّة. فلم تعد الجروح طازجة بعد 18 عاماً، لكن هذا اليوم الرّهيب لم يُكرَّس بعد في الماضي التّاريخيّ السّحيق. وهذا يجعل الوقت مناسباً لتقييم ما حُقِّق في مكافحة الإرهاب العالميّ، وما يجب عمله.

زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين وليس أمريكا

ولا أستطيع التّفكير في أيّ شخص أفضل لمناقشة هذا الأمر من فيليب زيليكو. وقد كان لزيليكو، وهو الآن أستاذ للحوكمة في مركز ميلر بجامعة فرجينيا، تاريخه المهنيّ الطّويل داخل الحكومة، وترقّى إلى منصب مستشار في وزارة الخارجيّة في عهد الرّئيس جورج دبليو بوش. لكنّه اشتُهِر بدوره مديراً تنفيذيّاً لـ "لجنة 9/11 الفيدراليّة"، ومن هنا كان المؤلِّف الرّئيس لتقرير الّلجنة حول الهجمات. (وإذا لم تكن قد قرأته بعد، فإنّه يجب عليك ذلك: فالتّقرير لا يقدّم فحصاً شاملاً لما حدث من أخطاء فحسب، وإنّما يأخذ شكل روايات عالم الجاسوسيّة المثيرة).
هذا الأسبوع، سيصدر لزيليكو، وزميلة قديمة له من أيّام وجوده داخل الحكومة، وزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس، كتاب جديد بعنوان "لبناء عالم أفضل: خيارات لإنهاء الحرب الباردة وخلق كومنولث عالميّ". إنّه عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ عام 1991، وهو موضوع يأتي في الوقت المناسب، بشكل خاصّ في ضوء جهود الصّين وروسيا، و، للأسف، أمريكا دونالد ترامب لهزّ هذا العالم في أسسه. وفي ما يلي نصٌّ معدٌّل لمحادثةٍ أجريناها هذا الأسبوع:

توبين هارشو: قبل أن نعود إلى دروس الماضي البعيد، لنبدأ بذكرى هذا الحدث الحزين. من بين التّوصيات الواردة في تقرير 9/11، هل يمكنك تسمية توصية واحدة أُحرِز فيها تقدّم جيّد؟
فيليب زيليكو: لقد جعلنا من الأصعب بكثيرٍ على الجماعات الإسلامويّة المتطرّفة أن تتشكّل وتعمل بأمانٍ داخل الولايات المتّحدة. وكان مختطِفو طائرات 9/11 قد حصلوا على تدريبهم ونُظِّموا هنا، وهذا يبدو الآن أقلّ احتمالاً. لسوء الحظّ، تحوّل الخطر إلى القتلة المسلّحين الّذين يستهدفون حشوداً بأكملها، وكثيرٌ منهم من القوميّين البيض.

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر: كيف انتهز ترامب آلام الأمريكيين لتعزيز الكراهية؟!
هارشو: هل يرجع التّقدّم في مواجهة الإرهابيّين الإسلامويّين إلى حدّ كبير إلى قانون باتريوت وغيره من تدابير الأمن والمراقبة الوطنيّة؟
زيليكو: لا، ليس هذا فحسب. فقد طوّرنا الكثير من القدرات لحماية البلاد داخليّاً على نحو لا يتحدّد بالضّرورة في التّشريعات. ففي مكتب التّحقيقات الفيدراليّ وفي مختلف الوكالات البلديّة - وانظر إلى الطّريقة الّتي غيّرت بها إدارة شرطة نيويورك المسار الّذي تعمل به في مجال مكافحة الإرهاب منذ أحداث 9/11 - هناك قصّة كبيرة. وبشكل عام، ثمّة وعي أكبر بالخطر، ممّا أدّى إلى تحسين القدرات بطرق عديدة. وأفضل الدّفاعات تأتي في شكل دفاعات ذات طبقات لا تقوم فيها طبقة واحدة بكلّ العمل.

زيليكو: أحد أسباب عملي مع كونداليزا رايس أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه ونتشارك بتفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر

هارشو: لا يزال الإرهابيّون ينشطون في الخارج. على سبيل المثال، يركّز الكثير من النّقاش الخاصّ بالانسحاب من أفغانستان على ما إذا كانت ستُصبِح ملاذاً آمناً للإرهابيّين. فهل تؤمن بنظريّة الملاذ الآمن؟
زيليكو: ساعدت "لجنة 9/11" في ترسيخ نظريّة الملاذ الآمن. فقد جادلنا أنّه إذا تركتَ المُلتجأ يتطوّر إلى نقطةٍ معيّنة، فيمكن للعدوّ حينها بناء قدرات قد تكون خطيرة للغاية. إذاً، تعود المشكلة إلى سؤال أين نرسم الخطّ، فيما يتعلّق بما يحتاج إليه الأمريكيّون وكيف عليهم فعل ذلك. يشعر النّاس بالقلق من أنّنا إذا انسحبنا بالكامل من أفغانستان، فسوف ينزلق البلد إلى حرب أهليّة وقد يصبح ملاذاً آمناً للجماعات الإسلامويّة. لكنّني أستطيع أن أستخدم الحجّة نفسها، ليس فقط بشأن أفغانستان، ولكن أيضاً اليمن وليبيا وسوريا والصّومال وغيرها. وإذا كان هذا سيُجبرنا على الحفاظ على قوّات أمريكيّة كبيرة في كافّة تلك البلدان وأكثر، وعلى أخذ أحد الجوانب في الحروب الأهليّة في كافّة تلك البلدان، فتلك وصفة مستحيلة.

 فيليب زيليكو
هارشو: يعني هذا القيام بالكثير من الأشياء.
زيليكو: هذه التّدابير العسكريّة لا تُعدّ أفضل الطّرق لجعل هذه الدّول أكثر مقاوَمة. إنّ الأمر ينطوي على الكثير من الجهود السّياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة الصّعبة الّتي تحتاج الولايات المتّحدة أيضاً إلى الانخراط فيها بشكل بنّاء، ولكن، بشكل أساسيّ، لا يملك النّاس الصّبر أو الاهتمام لفهم أو متابعة هذه الجهود.
هارشو: بالعودة إلى 9/11 وكتابك الجديد مع رايس، "لبناء عالم أفضل"، يتّضح أنّني قد نسيت أنّه في اليوم التّالي للهجمات، أجرى بوش محادثة هاتفيّة مطوّلة مع الرّئيس الرّوسيّ، فلاديمير بوتين، من أجل التّأسيس لشراكة ما. وقد انحرف ذلك إلى علاقة قوامها القسوة اليوم. فهل هناك أيّ فرصة لحل مشكلاتنا مع روسيا؟

اقرأ أيضاً: مع ذكرى 11 سبتمبر.. أزمات تكبر وترامب لا يكترث
زيليكو: في كتابنا هذا، جادلنا بأنّ القطيعة مع روسيا لم تحدث بشكل حاسم حتّى منتصف العقد الأول من القرن العشرين. وبدلاً من التّعامل مع الأمر باعتباره قصّة نذالة روسيّة، فإنّنا نتعاطى معه على أنّه مأساة حزينة ومعقّدة إلى حدّ ما. لكن منذ منتصف العقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين، صاغ بوتين سياسته ونظامه حول فكرة العدوّ الأمريكيّ والخطر الّذي تمثّله المجتمعات الحرّة، وليس هذا الخطر بالسّياسيّ أو العسكريّ فقط، وإنّما هو ثقافيّ أيضاً، حيث يصوِّر بوتين المجتمعات الحرّة على أنّها منحطّة ثقافيّاً. وحتّى لو خضتّ بعض النقاشات الجيّدة مع بوتين حول السّياسة، فلن تكون قادراً على عكس الطّريقة الّتي بنى بها عقله من أجل الحصول على السّلطة العليا.

الكتاب الجديد عمل مطعّم بالسّياسة والنّوادر الخاصّة بمحاولة إعادة تشكيل العالم بعد انهيار الاتّحاد السّوفيتيّ

هارشو: إنّ توسّع حلف شمال الأطلسيّ من بين شكاوى بوتين الكبرى بشأن علاقته بالولايات المتّحدة والغرب. وهناك الكثير من العاملين في مؤسّسة السّياسة الخارجيّة اليوم ينظرون إلى ذلك باعتباره خطأً اقتُرِف في الماضي. فما شعورك حين تنظر إلى الماضي؟
زيليكو: يقدّم كتابنا مناقشة متوازنة لما حدث بالضّبط، ومتى ولماذا اتُّخِذت القرارات الرّئيسة. وأنا لم أكن مؤيّداً كبيراً لتوسّع حلف شمال الأطلسيّ في أوائل التّسعينيّات. واعتقدتّ بشكل أساسيّ أنّنا نحتاج إلى التّركيز على مشكلات أخرى أكثر إلحاحاً، مثل الحروب في البلقان. لكن النّظريّة القائلة بأنّ توسّع الحلف هو سبب هذه القطيعة عن روسيا خاطئة إلى حدّ كبير. لقد كان مصدر توتّر، ولكن ربّما أسوأ مصدر للتوتّر في التّسعينيّات بأكملها هو الحرب على كوسوفو في عامي 1998 و1999، والّتي مزّقت العلاقة مع بوريس يلتسين وخلّفت الكثير من المشاعر الملتهبة عندما وصل بوتين إلى السّلطة.

زيليكو ووزيرة الخارجيّة السّابقة كوندوليزا رايس
والأسباب الحاسمة الّتي أدت إلى القطيعة مع روسيا وقعت خلال العقد الأول من القرن العشرين. فقد أصبح بوتين يعتقد أنّ الغرب بشكل عام يتبنّى أجندة للحرّيّة يحاول فيها تكرار ثورات عام 1989 - والّتي كان قد عاشها بوتين شخصيّاً في ألمانيا الشّرقيّة - في أوروبا الشّرقيّة. لذلك، في تلك المرحلة، أصبح توسّع المؤسّسات الغربيّة شرقاً مصدر قلق روسيّ أساسيّ، خاصّة رغبة أوكرانيا في الانضمام إلى الغرب. ولم يقتصر الأمر فقط على حلف شمال الأطلسيّ - وقد حُظِرت عضويّة أوكرانيا في الحلف عام 2008 على يد الأعضاء الآخرين، خاصّة ألمانيا. الأهم من ذلك هو توسّع الاتّحاد الأوروبيّ. ومن جانبه، اعتقد بوتين أنّ هذه التّحرّكات تأتي بمثابة مراحل لإحداث ثورة حرّيّات في روسيا. وكان ردّ فعله قويّ للغاية، وهو ما تضمّن بدء الحرب ضدّ أوكرانيا عام 2014.
هارشو: كيف نتعامل معه اليوم؟

اقرأ أيضاً: 11 سبتمبر والحرب على الإرهاب: أبرز المحطات والأحداث
زيليكو: أعتقد أنّ العديد من الأمريكيّين لا يقدّرون أنّ العقوبات الرّئيسة على روسيا الآن تُطوَّر وتُفرَض من قِبل الأوروبيّين، وليس الولايات المتّحدة. وتريد روسيا علاقات اقتصاديّة مع أوروبا أكثر بكثير ممّا تريدها مع الولايات المتّحدة. إنّ الأوروبيّين يُدافِعون عن هذه العقوبات لأنّهم بالطّبع قلقون كثيراً من أيّ انهيار قد يلحق بالأمن الأوروبيّ - إنّهم يهتمّون بالوضع، بصراحة، أكثر بكثير ممّا تهتمّ الحكومة الأمريكيّة الحالية.
هارشو: لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض هؤلاء القادة الأوروبيّين، وانتقدهم علناً ووتّر العلاقات. فهل يمكن إصلاح هذه الجسور على يد إدارة أخرى، أم أنّ هناك من الأضرار ما هو دائم؟
زيليكو: هناك بعض الأضرار الدّائمة. وقد أصبح لدى الأوروبيّين الآن شعور أعمق وأكثر مأساويّة بما هو ممكن، ليس فقط مع الولايات المتّحدة، ولكن داخل قارّتهم وبلدانهم. كان هذا أحد أسباب قيامنا بتأليف كتابنا الجديد عن الطّريقة الّتي أُنشئ بها العالم الحديث في بداية التّسعينيّات. فالشّعوب على جانبي المحيط الأطلسيّ - وفي آسيا، بالفعل - تشكّك الآن في هذا النّظام برمّته. لذا، إذا كان لابُدّ من إعادة اختراع هذا النّظام، فقد اعتقدنا [في كتابنا] أنّه من الضّروريّ فهم كيف ولماذا اختُرِع كومنولث الأُمم الحرّة في المقام الأوّل.

اقرأ أيضاً: بوبي فيشر: عبقري الشطرنج الأمريكي الذي فرح بهجمات 11 سبتمبر
إذاً، تكمن إحدى القضايا الحاسمة بشأن المستقبل، ببساطة، في طرح السّؤال التّالي: هل يريد الأمريكيّون تأسيس شراكات مع أوروبا من أجل القيام بعمل مشترك؟ هل يريد الأوروبيّون تأسيس شراكات مع الأميركيّين من أجل القيام بعمل مشترك؟ أعتقد أنّه بالنّسبة إلى معظم الأوروبيّين ومعظم الأمريكيّين، فإنّ الإجابة عن هذين السّؤالين هي نعم. السّؤال التّالي: هل يمكن للأوروبيّين والأمريكيّين إيجاد القادة الّذين بمستطاعهم صياغة تلك الشّراكات وإكسابها طابعاً عمليّاً؟ الأمر بحاجة إلى مبادئ وشراكات وأبعاد عمليّة، ويجب أن تجتمع كلّ هذه الأشياء من خلال بعض القادة.

لقد تصرّف ترامب بشكل رهيب مع بعض القادة الأوروبيّين
هارشو: المستشارة الألمانيّة، أنجيلا ميركل، في آخر حياتها السّياسيّة. ويبدو أنّ الرّئيس الفرنسيّ، إيمانويل ماكرون، يحاول الاستيلاء على عباءة القيادة الأوروبيّة. فهل هناك أشخاص آخرون يمكنهم فعل ما تَصِفه؟
زيليكو: من الصّعب التّكهّن بمن سيكون بين قادة أوروبا خلال سنتين أو ثلاث أو خمس سنوات من الآن. وإذا كان هناك أيّ شيء مطمئن، فسأخبرك أنّه في منتصف الثّمانينيّات، لم يكن يعتقد أحد أنّه لدى المستشار الألمانيّ، هيلموت كول، رؤية عظيمة لمستقبل أوروبا. لقد بدا وكأنّه مُحافِظ برجوازيّ حكيم ومستقرّ.
هارشو: في بعض الأحيان يتعلّق الأمر برمّته بالظّروف، أليس كذلك؟
زيليكو: صحيح. في بعض الأحيان، يجتمع مزيج الظّروف والأشخاص والمبادئ. لم يكن كول هو الوحيد الّذي فعل ذلك، ولم يكن فقط الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا ميتران، ولا الرّئيس جورج دبليو بوش فحسب. لقد كانوا، كما يُقال، براغماتيّين راديكاليّين.
هارشو: هذا مصطلح عظيم.
زيليكو: لقد كانوا أشخاصاً حَذِري المزاج، لكن نظراً لطابعهم العمليّ الكثيف، كانوا على استعداد للقيادة وتحويل موقف ألمانيا بأسرع طريقة ممكنة، وتحويل حلف شمال الأطلسيّ، والمؤسّسات الماليّة والتّجاريّة الدّوليّة، والأمم المتحدة - كلّ ذلك لأنّ هذا بدا عمليّاً في ظلّ هذه الظّروف.
هارشو: دعنا نذهب إلى الصّين. هل تؤمن بـ "مصيدة ثيوسيديدز" - فكرة أنّ الولايات المتّحدة والصّين مُقدّر لهما الذّهاب إلى الحرب؟
زيليكو: لا أؤمن بذلك. هل هناك خطر صراعٍ مع الصّين الصّاعدة؟ بالطّبع. لكنّنا لسنا متّجهين إلى الحرب. وتقريباً، قراءتي للتّاريخ ليست حتميّة تماماً. ولا أعتقد أنّ الصّينيّين أنفسهم قد اكتشفوا أين سيكونون وأين يريدون أن يكونوا بعد خمسة أو عشرة أعوام من الآن. إنّهم يواجهون الكثير من الصّعوبات في تحقيق المراحل التّالية من النّموّ الاقتصاديّ. كما يقتربون من ذروتهم السّكّانيّة الآن، ومن ثمّ سيتقلّص تعداد سكّانهم ويتقدّم في العمر بسرعة.

اقرأ أيضاً: ما الذي تخبرنا به صور أحداث 11 سبتمبر؟
إنّ الوضع مع الصّين أسوأ ممّا كان عليه قبل خمسة أعوام. ويرجع هذا إلى التّطوّرات الّتي حصلت على جانبي المحيط الهادئ، وطريقة حكم الصّين. لكنّنا نؤكّد في كتابنا الجديد أنّنا لا نعتبر المواجهة الحربيّة حتميّة. ولا نعتقد أنّ نداءات التّشبيه بالحرب الباردة مفيدة للغاية في المساعدة على حلّ مشكلات السّياسة. المفارقة هي أنّ الصّينيّين هم الّذين يدّعون الآن أنّهم يريدون أن يكونوا قادة العالم وبُناة المؤسّسات العالميّة، في حين أنّ الولايات المتّحدة تبتعد عن تلك المؤسّسات.

زيليكو متحدثاً عن كوندوليزا رايس: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً
هارشو: إنّنا نسير في "شراكة عبر المحيط الهادئ" فيما يقومون ببناء مبادرة "الحزام والطّريق".
زيليكو: إنّهم من يحاولون تقديم قيادة عالميّة وشراكات عالميّة. وبالرّغم من أنّنا نحاول المواجهة عن طريق بعض الحجج الخاصّة بالعالم الهنديّ-الباسيفيكيّ، فإنّك إذا تحدّثت إلى قادة في أستراليا أو الهند أو اليابان، أعتقد أنّهم سيقدّمون في السّرّ بعض النّصائح المختلفة للولايات المتّحدة حول أفضل السّبل للتّنافس خلال هذه الأوقات الصّعبة.
هارشو: هل تعتقد أنّ شبكة الحلفاء العالميّة تحاول فقط انتظار رحيل ترامب عن الرّئاسة؟

اقرأ أيضاً: في ذكرى هجمات 11 سبتمبر.. أين وصلت الحرب على الإرهاب؟
زيليكو: هذا يعتمد على من تتحدّث في هذه البلدان، لأنّهم منقسمون ومشتّتون، أيضاً - مثلاً، يعتقد بعض السّياسيّين الأستراليّين أنّ ترامب رائع. لكنّني أعتقد بشكل عام أنّهم يجدون أنفسهم عالقين في نقاش محتدم. ما يريدونه هو أن تحدّد الولايات المتّحدة كيفيّة القيادة البنّاءة في هذه الشّراكات. ثمّ تسأل نفسك: شراكات لفعل أيّ شيء؟ هل نرغب في نظام اقتصاديّ عالميّ مفتوح؟ ليس من الواضح في الوقت الحالي أنّنا نرغب في ذلك - لكن جميع شركائنا الآسيويّين تقريباً يريدون نظاماً كهذا. حسنٌ، إذا كنا نريد نظاماً اقتصاديّاً مفتوحاً، فسيتعيّن علينا بناء ذلك من خلال الشّراكات، وليس بالاعتماد على أنفسنا فقط. إذا كنّا نريد الحصول على أمنٍ سيبرانيّ وإنترنت يخدم مصالحنا وفق قواعد القرن الواحد والعشرين ولا يخلق تقسيمات رقميّة جديدة، فسوف نحتاج إلى شركاءٍ في بناء هذا العالم أيضاً.
هارشو: بالحديث عن الشّراكات، دعنا ننهي بالشّراكة مع كوندوليزا رايس. هل يمكنك التّحدّث قليلاً عن هذا التّعاون؟

اقرأ أيضاً: كم مليوناً قتلت الولايات المتحدة في الحروب التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر؟
زيليكو: لحسن الحظّ، يعرف أحدنا الآخر منذ أكثر من 30 عاماً - كلّ منّا يعرف ماهية نقاط القوّة والضّعف لدى الآخر، وما الأدوار الّتي يمكن أن يلعبها كلّ منّا على أفضل وجه. على سبيل المثال: هي تقرأ الرّوسيّة، أمّا أنا فلا؛ أستطيع أن أقرأ الألمانيّة، أمّا هي فلا تستطيع ذلك. هناك بعض الموضوعات الّتي تتطلّع إليّ لأخذ زمام المبادرة في الكتابة حولها. ثمّ هناك موضوعات أخرى أرغب أن تقوم هي بكتابة مسوداتها الأولى. وبعد ذلك يقدّم كلّ منّا مساهمته، ونتداول مسوداتنا. لكن أحد الأسباب الّتي جعلتنا نعمل معاً في الحكومة هو أنّنا غالباً ما نفكّر بشكل متشابه، ونتشارك في تفسير مشابه تماماً للتّاريخ المعاصر.


المصدر: توبين هارشو، بلومبرغ

للمشاركة:

حزب العدالة والتنمية التركي يصفّي نفسه بنفسه

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

كشفت الأرقام الرسمية في تركيا عن استقالة نحو مليون عضو من حزب العدالة والتنمية الحاكم منذ العام الماضي، وهو ما يؤكد توقعات رئيس الوزراء التركي الأسبق أحمد داود أوغلو الذي استقال مؤخرا من الحزب بأن “العدالة والتنمية يتجه نحو تصفية نفسه بنفسه”.

وشرعت استقالة أوغلو أحد أبرز مؤسسي العدالة والتنمية الأبواب على مصراعيها نحو تفكك الحزب، الأمر الذي كان متوقعا بعد الخسارة المذلة التي مني بها خلال الانتخابات المحلية في محافظات إسطنبول وأنقرة وإزمير التي فازت بها المعارضة.

ويتساءل مراقبون سياسيون إذا كان المنشقون في السابق يعملون انقلابا ويستولون على الحكم، فإن المنشقين عن أردوغان يتخذون طريقا مغايرة بسحب جمهور الحزب وخزانه الانتخابي، وهي صيغة أخطر لكونها تواجه الرئيس التركي بأسلوبه، عبر اعتماد نتائج الانتخابات كورقة ضغط وفرض للأمر الواقع.

واستنادا إلى موجة الانشقاقات، فإن حظوظ أردوغان وحزب العدالة ستكون محدودة في أي انتخابات مستقبلية، ولن تمكن الرئيس التركي من النفوذ المطلق الذي يحرص على تثبيته الآن، وربما تنجح في قلب المعادلة بخلق تحالف أوسع يطيح به.

وتعكس الاستقالات انفجار الغضب المتراكم داخل حزب العدالة والتنمية على سياسات الرئيس رجب طيب أردوغان الاستبدادية وعلى تخريب الدبلوماسية عبر خصومات مجانية مع الحلفاء والشركاء.

وزادت سياسات أردوغان التي توصف بالفاشلة لاسيما تلك المتعلقة بالوضع الاقتصادي من حدة نفور قيادات من الحزب وقواعده التي لم تنطل عليها تبريراته بوجود “مؤامرة خارجية لتدمير اقتصاد تركيا”.

وبينت أحدث الأرقام التي نشرتها محكمة النقض التركية مطلع سبتمبر الحالي أن 844.391 شخصا قد استقالوا من حزب العدالة والتنمية منذ أغسطس 2018، ليبقى عدد الأعضاء 9.87 مليون شخص.

واستقال ما يقارب 56 ألفا من هؤلاء في الفترة ما بين الأول من يوليو والسادس من سبتمبر. وبالنظر إلى موجة الاستقالات التي حدثت منذ استقالة داود أوغلو في الثالث عشر من سبتمبر، من المرجح أن يكون هذا الرقم أعلى بكثير عند الإحصاء في المرة القادمة.

وأثرت تلك الاستقالات على شعبية الحزب التي تراجعت بشكل خطير خلال الأشهر القليلة الماضية. وانحدر التأييد الشعبي للعدالة والتنمية من 42 بالمئة وهي النسبة التي حققها في الانتخابات التشريعية التي جرت يونيو الماضي، إلى 30.6 بالمئة حسب استطلاع للرأي أجرته مؤسسة أو.آر.سي البحثية المرتبطة بالحزب.

ومن المتوقع أن يلتحق المستقيلون من الحزب بحزبين جديدين ما زالا في طور التأسيس؛ الأول يعمل أحمد داود أوغلو على إنشائه، والثاني يستعد وزير الاقتصاد السابق علي باباجان لإطلاقه بالتحالف مع الرئيس السابق عبدالله غول، الذي كان أحد المؤسسين البارزين للعدالة والتنمية مع أردوغان.

ويتهم أردوغان بالعمل على تهميش القيادات المهمة داخل الحزب التي لم تكن تبدي له الولاء ولا تذعن لأوامره وإملاءاته وخاصة أحمد داود أوغلو وعبدالله غول وعلي باباجان، وهو ما فتح له الطريق لإرساء نظام دكتاتوري داخل الحزب.

وتتواتر الأنباء عن عزم 80 نائبا من العدالة والتنمية الاستقالة من الحزب وهو ما يهدد بفقدانه للأغلبية داخل البرلمان المتكون من 600 مقعد، وبالتالي عجزه عن إقرار القوانين.

وتثير أزمة الاستقالات والانشقاقات داخل العدالة والتنمية تساؤلات مراقبين للشأن السياسي التركي وما إذا كانت خارطة التحالفات السياسية والحزبية ستتغير على ضوء هذه التطورات.

ولا يستبعد هؤلاء المراقبون أن يتحول الحزبان الجديدان بقيادة أحمد داود أوغلو وعلي باباجان في صورة تحالفهما مع حزب الشعوب الديمقراطي، الذي لعب دورا كبيرا في فوز المعارضة بالبلديات الكبرى، إلى منافس قوي للحزب الحاكم.

وبحسب أحدث استطلاعات للرأي فإن هناك حوالي نسبة 12 بالمئة تعلن تأييدها لحزب باباجان المرتقب، وحوالي 9 بالمئة لحزب أحمد داود أوغلو الذي من المفترض أن ينطلق بدوره قريبا، وهاتان النسبتان تؤثّران على نسبة التأييد للعدالة والتنمية، وهما تعتمدان بشكل رئيسي على قاعدته الشعبية.

وكان أردوغان خاض الانتخابات البرلمانية والمحلية الأخيرة متحالفا مع حزب الحركة القومية اليميني المتطرف، وتمكن تحالفهما من الحصول على الأغلبية النيابية، في حين خسر سبع بلديات كبرى، بينها إسطنبول وأنقرة وإزمير.

وأثارت رغبة أردوغان في السيطرة على قرار الحزب استياء عميقا من القيادات المحلية إلى القيادات التنفيذية العليا، وازدادت حدة الاستياء عقب الهجوم العنيف الذي شنه على المنشقين من الحزب في يوليو الماضي، حيث وصفهم بالخونة وتوعدهم بدفع ثمن “تمزيق الأمة”.

ويستبعد محللون أن تدفع الهزائم السياسية والانتخابية والانشقاقات التي مني بها أردوغان وحزب العدالة والتنمية إلى تغيير الرئيس التركي منهجه في الحكم، وتلطيف تعامله مع المعارضة وتجاوز الانقسامات السياسية داخل حزبه.

ولا ترى الكاتبة في صحيفة فايننشال تايمز لورا باتيل أن أردوغان يمكن أن يتخذ منهجا توافقيا بعد ستة أشهر من الانتخابات المحلية التي مُني فيها حزبه بخسائر موجعة في إسطنبول وأنقرة وغيرهما من المدن الكبيرة.

ويؤيد كثيرون ما ذهبت إليه باتيل باعتبار أسلوب العناد الذي يتميز به أردوغان، إذ سبق له أن علق على استعداد باباجان لإطلاق حزبه بالقول “يقولون إن بعضهم يؤسسون حزبا، لا تضعوهم في بالكم، فكم شاهدنا من انشقوا عنا وأسسوا أحزابا، ولم يعد لهم ذكر حاليا، لأن من يقوم بمثل هذه الخيانات حتما يدفع الثمن غاليا”.

عن "العرب" اللندنية

للمشاركة:

بركان في وجه إخوان تونس.. استقالات وانشقاقات وملفات فساد

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-19

بركان يعصف بالبيت الداخلي لتنظيم الإخوان في تونس، إثر هزيمة مرشحها عبدالفتاح مورو في الانتخابات الرئاسية المبكرة، حيث انطلقت سلسلة استقالات ومساءلات داخلية تهيئ لانفجارات بالمستقبل.

وقدم رئيس مكتب الغنوشي زبير الشهودي رسالة إلى الشعب التونسي أعلن فيها استقالته من الحزب، داعيا خلالها رئيس الحركة إلى اعتزال السياسة.

الشهودي، الذي مثل أمين سر الحركة والناطق الرسمي باسمها طيلة عامي 2012 و2013، اتهم صهر الغنوشي "رفيق عبدالسلام" بالفئة الفاسدة والمفسدة، مشيرا إلى وجود دكتاتورية يمارسها رئيس إخوان تونس من خلال هيمنة عائلته.

الكاتب المختص في الجماعات الإسلامية بسام حمدي، قال في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن الاستقالات التي ضربت حركة النهضة هي نتيجة وجود اعتراض كبير على الأسلوب الذي يعتمده زعيمها راشد الغنوشي والقرارات التي يتخذها بشأن البلاد.

وحمل قواعد الإخوان الهزيمة المدوية لمرشحهم عبدالفتاح مورو إلى رئيس الحركة، الذي فشل في لعبته السياسية تجاه تونس.

الاستقالات تبين أن قيادات من الحركة لم تعد تنضبط للتسيير الذي يقوم به راشد الغنوشي رفقة صهره رفيق عبدالسلام، حيث أعلن بعض منهم عن دعمهم للمرشح للجولة الثانية في الانتخابات الرئاسية قيس سعيد دون انتظار الموقف الرسمي للحركة.

وبيّن بسام حمدي في هذا السياق أن الحركة الإخوانية في تونس هي أسيرة ملفات داخلية مرتبطة بالتهرب المالي والضريبي والاستفادة من مواقع الحكم طيلة 8 سنوات.

عائلة الغنوشي ثراء غير مبرر
تصريحات القيادات الإخوانية المناقضة لسياسة راشد الغنوشي التي تعددت في الفترة الأخيرة، اعتبرها عديد من المراقبين انحدارا في شعبية الإخوان وانكشافا لوجههم الحقيقي.

وعبر عن هذه الصراعات الداخلية للإخوان بشكل مكثف وزير الفلاحة التونسي الأسبق وعضو حركة النهضة محمد بن سالم، في تصريحات إعلامية سابقة وذلك بالقول "الغنوشي يكذب ويحاول توظيف أبنائه في المواقع المتقدمة للدولة".

اتهام الغنوشي بالكذب والتزييف هو السمة البارزة في الفترة الأخيرة لزعيم متورط في بناء جهاز سري في تونس، ومنخرط في التخطيط للاغتيالات السياسية وانتشار الإرهاب منذ عام 2011.

وأكد الباحث في العلوم السياسية مروان عرايبية، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، أن "الثراء الفاحش لعائلة الغنوشي خاصة ابنه معاذ وصهره رفيق عبدالسلام جاء نتيجة عمليات تبييض أموال خطيرة واختلاسات جعلت من أنصار الحركة بحالة غضب في ظل أقلية تعيش الثراء وغالبية تعاني ضنك الحياة".

وتابع عرايبية "البنك المركزي التونسي مطالب بالتحقيق في التمويلات التي تتلقاها حركة النهضة الإخوانية الجدية، والتي ستكشف مدى تورطها والعناصر التابعة لها في الإرهاب من خلال أموال خارجية مشبوهة".

وقدر حسب رأيه الأموال التي أدخلتها حركة النهضة لتونس لحسابها الخاص منذ سنة 2011 بـ"4 مليارات دولار، مؤكدا أنها "متأتية بالخصوص من تركيا وغيرها عبر وسائل غير قانونية".

التفتت المحتوم
هزيمة عبدالفتاح مورو فتحت أبواب المساءلة أمام قيادات الإخوان وحجم الأموال التي تم ضخها، وجعلت الكثير من المحافظين في تونس يشككون في مصداقية الإخوان، حسب المراقبين.

ويقول أستاذ العلوم الاجتماعية محمد الحفصي، في تصريحات لـ"العين الإخبارية"، إن "الغطاء الإخواني أصبح مكشوفا، وإن مسار التفتت هو قدر محتوم"، حسب تقديره.

وشهد إخوان تونس استقالات منذ شهر يونيو/حزيران الماضي، حيث انشق منها المكلف بالعلاقات الخارجية لحركة النهضة محمد غراد والمستشار الخاص لراشد الغنوشي لطفي زيتون.

وأكدت مصادر في تصريحات لـ"العين الإخبارية" أن "المرحلة المقبلة ستعرف فيها الحركة استقالات أخرى، خاصة مع بروز دعوات ضد الغنوشي بالاستقالة واعتزال السياسة وكشف حساباته البنكية المتفرعة في بعض الدول".

وأوضحت أن "البحث عن نتائج أفضل لحركة النهضة في الانتخابات التشريعية هو مجرد أضغاث أحلام يريد حقنها الغنوشي لأنصاره كمسكن للسكوت عن جرائمه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية