باحث تونسي يكشف كيف شكّل "الإخوان" مخزوناً للجماعات المتطرفة

باحث تونسي يكشف كيف شكّل "الإخوان" مخزوناً للجماعات المتطرفة
6580
عدد القراءات

2019-05-20

يشتغل الباحث التونسي، عبيد خليفي، على القواسم المشتركة بين الظاهرة الجهادية والظاهرة الإخوانية، في كتابه الصادر حديثاً في تونس "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية" (في 560 صفحة).

اقرأ أيضاً: تقرير أمريكي يحذّر من نوع جديد من الجهاد..
وتوجزالجملة الآتية الخيط الناظم لعنوان الكتاب، والذي يُحيل إلى تفاعل المشروع الإسلامي الحركي بشكل عام مع الجهاد؛ حيث رأى المؤلف أنّ تعاليم الإخوان المسلمين، منذ حسن البنا، كانت قد طرحت الجهاد شرطاً من شروط الإيمان، وركناً من أركان الإسلام، وأنّ الجهاد يكون صبراً ساعة الدعوة، ويكون قتالاً ساعة التحرك العملي، وعليه الجماعة لم تكن قادرة على إقناع قواعدها وشبابها بأنّ مرحلة الدعوة والصبر على الأذى ستطول أكثر مما مضى؛ بل إنّ سيد قطب نفسه، كان همزة الوصل بين جماعة الإخوان المسلمين والحركات الجهادية من بعده؛ لذلك فإنّ انجرار الإسلام السياسي للعنف كان مرتبطاً بثغرات داخلية في التنظيم وضغوطات خارجية من النظام القائم.

كتاب "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة" عمل يكاد يقترب من الأعمال المحسوبة على الدراسات الاستشرافية

وما كان لحسن البنا أن يُسيطر على جناح تربى على فرق الجوالة والتدريب الحربي وتكوين عقائدي محوره فكرة الجهاد بصورة مطلقة، مع شحن عاطفي وأسطوري لبطولات المسلمين من زمن الحقبة النبوية.
ويضيف المؤلف في المدخل العام للكتاب؛ أنّ المشروع الجهادي بشكل عام واقع في مثلث مرعب ضاغط: النفط والسلاح والتبعية، وفجأة صار الذين كانوا جهاديين يحظون بالاحترام والتقدير في التسعينيات من القرن الماضي، إرهابيين؛ لأنّ المصالح تبدلت والمشروع تضخم بذاته، ولم يعد يبحث عن حليف سوى مقاتليه، محذراً القارئ من أنّه لا ينتمي إلى مروجي أطروحة المؤامرة المطلقة في تفسير الظاهرة الجهادية، باعتبارها مقولة تورث الكسل الفكري بإسناد مشاكلنا للآخر الغربي.

غلاف الكتاب

أنثروبولوجيا الظاهرة الجهادية
كان المؤلف صريحاً في الدعوة إلى أهمية الاشتغال البحثي على النظر في مفهوم الجهاد في الممارسة الثقافية الأنثروبولوجية في المجال العربي الإسلامي؛ بل رآه بمثابة الطريق لفهم المأزق الذي تعيشه الحركات الإسلامية المعاصرة، مطالباً أيضاً بالانطلاق من الحقبة النبوية، وما تلاها من تجربة الصحابة الكرام، وبالتالي عدم الاقتصار على قراءات تفاعل العقل الإسلامي مع مفهوم الجهاد، ابتداءً من أولى محطات الإسلاموية، سواء مع تأسيس جماعة الإخوان المسلمين، عام 1928، أو مع المحطات الإسلاموية اللاحقة (تنظيرات المودودي، سيد قطب، عبد الله عزام، وأسماء غيرهم).
وخلص المؤلف إلى مجموعة من النتائج، نذكر منها ثلاثاً على الأقل:
1ــ يوجد الدافع العقائدي لأولى الفتوحات أو الغزوات في الحقبة النبوية؛ في كون الدعوة موجهة للناس كافة، وما الاكتفاء بالمجال المكي والمدني إلا تقزيم لدعوة تريد أن تبعث الحياة في الإرث الإبراهيمي التوحيدي، ونسخ عقائد الشرك والتحريف اليهودي المسيحي.
2ــ بعد فتح مكة، وقدوم الوفود لأداء البيعة، اكتظت المدينة بالمقاتلين، وتتحدث المصادر عن عشرة آلاف مقاتل، تُضاف إليها القبائل والأعراب، وصار هذا الحشد يمثل ضغطاً على المدينة من الناحية الاقتصادية والاجتماعية.
3- كان سيف الدعوة المحمدية يطمح لإخراج المجال العربي من مفهوم التبعية للإمبراطوريتين، الساسانية والبيزنطية، فكان يحمل طموحاً لإجبار هاتين القوتين على احترام سيادة المجال الحجازي الناشئ.

اقرأ أيضاً: هل حقاً أنّ "الإرهاب ولد في المغرب" وماذا عن "مجرّة الجهاديين"؟
وتفاعلاً للعقل الإسلامي الحركي مع هذه المفاتيح؛ رأى المؤلف أنّ الحركات الإسلامية المعاصرة ستقرأ آيات الجهاد، دون تمييز بين الظاهرة النبوية التاريخية المحفوظة بالوحي، والظاهرة الإسلامية اللاتاريخية المحاطة بالاجتهاد البشري الصرف.
كما خلُصَ أيضاً إلى أنّ "سيف الدعوة النبوية كان ليناً؛ لأنّ المواجهة كانت بين أبناء العشيرة الواحدة وأبناء العمومة، فغلبت الرحمة والرأفة في القتال وفدية الأسرى، باستثناء ثلة من الصحابة الشباب الذين تسلحوا بروح ثورية دينية، مارست قطيعة مع إرث الماضي في العقيدة ورابطة الدم، فكان سيفهم شديداً على المشركين" (ص 112)، مطالباً بالتعامل النظري مع المرحلة النبوية في شقها "الحربي الإسلامي" بمزيد من الحذر المعرفي؛ لأنّها جاءت في "سياق حضاري حكم المنطقة في صراع المصالح الإقليمية والتوازنات الدولية خلال القرنين السادس والسابع للميلاد، ولن تحتفظ الأنا العربية المسلمة من تاريخ الفتوحات سوى بصورة النصر الديني والفعل الجهادي الخلاب والمجد والوفاء للأبطال والقادة العسكريين الفاتحين" (ص 130).

اقرأ أيضاً: لماذا يهاجم الجهاديون الصوفيين؟
أما المنعطف التاريخي؛ الذي ما نزال نؤدي ثمنه اليوم، والمرتبط بتفاعل العقل الإسلامي الجماعي مع مفهوم الجهاد، فيرى المؤلف أنّه مرتبط بحادث اغتيال الصحابي عثمان بن عفان، رضي الله عنه، لأنّه كان "عملاً جماعياً أدخل الأمة الإسلامية في دوامة من القتل والدم، لن تتوقف طيلة أربعة عشر قرناً، وربما كان هذا الاغتيال الأكثر تأثيراً في مسار الأمة الإسلامية؛ فمنه تأسست "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين"، وهو عنوان كتاب أبي الحسن الأشعري، ولم يعد "دم المسلم على المسلم حرام" مثلما أوصى الحديث النبوي الصريح؛ لأنّ الحقائق صارت نسبية، وكلّ طرف يعتقد أنه يملك العقيدة الإسلامية الصحيحة، ومن خالفه خرج وكفر ويحقّ قتله واغتياله" ‎‎‎(ص 134).

اقرأ أيضاً: فرانسوا بورجات: جماعات الإسلام السياسي نمطية ..والاختلالات السياسية فاقمت الجهادية
لقد كان هذا الاغتيال صدمة للضمير الإسلامي، لكنّه كان كسراً لحاجز القداسة التي تُمنح للخليفة في الجمع بين سلطة دينية وسلطة مدنية، كما كانت واقعة الجمل سيفاً حاسماً للارتباك الإسلامي لتأسيس الشرعية السياسة للحاكم، منذ حادثة السقيفة، في اختيار الخليفة الأول، وما كانت واقعة صفين (37 هـ) إلا إحياءً للصراع العرقي الشامي الذي لم تستطع الدولة الإسلامية محوه باسم الرابطة الدينية الإيمانية (ص 142).‎

سيف الجماعة والتنظيم
اشتغل المؤلف على ثلاثة مفاهيم أساسية في المشروع الإسلامي الحركي، سواء كان دعوياً أو سياسياً أو قتالياً، أو قل جهادياً، وإن لم يُفصل المؤلف قط في هذا التدقيق النظري؛ لأنّه عمل من عنوان الكتاب على الاشتغال بالتحديد على التطبيقات السياسية والجهادية للمشروع الإسلامي الحركي.

اقرأ أيضاً: حماس تنتهج أسلوب "بتكوين الجهاد"
ومعلوم أنّ أهم هذه المفاهيم، وهي التوحيد والحاكمية والجماعة، كانت مركزية لفكر أبي الأعلى المودودي، والذي لم يبتكر هذه المصطلحات المركزية بقدر ما قام باستنباطها من الفكر الإسلامي في بنيته النظرية، وراح يمارس عملاً تأويلياً أخرج المصطلحات من سياقها الديني إلى سياق سياسي حركي، سينتج دستوراً إسلامياً مدوناً بعد عشرين عاماً على كتابه "الجهاد في سبيل الله".

وقد رأى المؤلف؛ أنّ "هذا الدستور لم يكن سوى قراءة سطحية للممارسة النبوية في بساطتها، ولتجربة الخلافة الراشدة ورؤية مثالية مقدسة، وهو دستور يستند إلى مفاهيم مرجعية وقع تداولها في السياق الإسلامي، ليقع إشباعها برؤية معاصرة، فالتوحيد الذي كان في السياق الإسلامي لحظة إيمانية عقائدية، صار عند المودودي فهماً كونياً للخلق البشري" (ص 217).

اقرأ أيضاً: ولاية جديدة لداعش.. أين هي؟ ومن يقف وراءها؟
لقد كانت أفكار أبي الأعلى المودودي اللبنة الأولى لبروز الإسلام الشعبي الحركي السياسي بديلاً عن الإسلام النخبوي الفكري العالِم؛ حيث نزع البُعد الفلسفي عن المفاهيم الإسلامية، ليمارس معها نوعاً من الإشباع التطبيقي في حشد الناس وتعبئتهم نحو بديل إسلامي نشيط، غير أنّ خلاصات أفكاره أنتجت تصوراً خطيراً في ما يتعلق بمفهوم الجماعة الإسلامية؛ فهي الجماعة التي تمتلك الحقيقة المطلقة، وهي الجماعة الموكول لها تغيير العالم عبر إخضاع بقية الجماعات، هي جماعة تمتلك اليقين ومن عاداها من جماعات وشعوب هي على ضلالة وجهل وزيغ، ومهمة الجماعة الإسلامية هي نشر الدعوة والتبليغ والقتال بالسيف (ص 218 و219).

أدبيات جماعة الإخوان المسلمين كوّنت أجيالاً من الشباب بمرجعية الجهاد مدفوعة من إطار الدعوة إلى إطار المواجهة

واضح أنّ استحضار هذه الثنائية في العمل الإسلامي الحركي، تساعد الباحث في قراءة معالم أداء المشروع الإسلامي الحركي في إحداث "الفوضى الخلاقة" التي اصطلح عليها إعلامياً بأحداث "الربيع العربي"، ابتداءً من كانون الثاني (يناير) 2011؛ حيث عاينا ما يُشبه توزيع الأدوار بين الشقّ الدعوي والشقّ السياسي، والشقّ القتالي للمشروع.
كان سيد قطب علامة فارقة في تاريخ الإسلام السياسي؛ حين مكّن هذا المشروع من أدوات التحليل والفهم والتأويل، فلئن ظلّ مفهوم الجهاد عند حسن البنا مفهوماً غائماً، فإنّ دور سيد قطب أنّه بوّب الجهاد في سياق مشروع ثوري، لتغيير الواقع واستعادة الماضي بحد السيف وقوة العنف، كما تلخصه شهادة صادرة عن زينب الغزالي، أوردها المؤلف في الكتاب، وجاء فيها: إنّه "بتعليمات من سيد قطب، وبإذن من الهضيبي، قررنا أن تستمر مدة التربية والتكوين والإعداد ثلاثة عشر عاماً، عمر الدعوة في مكة، على أنّ قاعدة الأمة الإسلامية الآن هم الإخوان، الملتزمون بشريعة الله وأحكامه، فنحن ملزمون بإقامة كلّ الأوامر والنواهي الواردة في الكتاب، والطاعة واجبة علينا لإمامنا المبايع، على أنّ إقامة الحدود مؤجلة، مع اعتقادنا بها، والذود عنها، حتى تقوم الدولة، ولذلك وجب الجهاد على الجماعة المسلمة، حتى يعود جميع المسلمين إلى الإسلام". وإنّ صمت الهضيبي، المرشد الثاني للإخوان من جهة، وتشجيعه لتداول أفكار سيد قطب، بـظلال القرآن ومعالمه، من جهة أخرى، كان حافزاً لكثير من الشباب المقهور اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً على اختزال المشروع القطبي في ثلاث مقولات:
أولاً: سبب تخلف المسلمين في ترك الشريعة وعدم تحكيمها في شؤون البشرية، ثانياً: تكفير الطغاة وأعوانهم وتكفير المجتمع الذي رضي بحكمهم، ثالثاً: لا بدّ من تشكيل جماعة مجاهدة تستعيد تجربة الإسلام التأسيسي" (ص 281)، وبَدَهي أنّ هذه المقولات سوف تصبح النموذج الأصلي العملي لكلّ الحركات الإسلامية، وإن تفاوت بين ما يسمى بالجانب الدعوي والجانب السياسي لهذه الحركات.

الجيل الثاني من الظاهرة الجهادية

توقف المؤلف أيضاً عند مفهوم الجهاد لدى الحركات الجهادية، التي نشأت من رحم مشروع سيد قطب، اشتغل المؤلف على ثلاثة نماذج لحركات جهادية، خلّف زعماؤها نصوصاً في مفهوم الجهاد، وخلقت نوعاً من التراكم في التجربة الجهادية الإسلامية: كانت التجربة الأولى مع "جماعة التحرير الإسلامي"، بقيادة صالح سرية، وكانت التجربة الثانية مع "جماعة المسلمين"، بقيادة شكري مصطفى، وأخيراً، تأتي "جماعة الجهاد" المصري، بقيادة محمد عبد السلام فرج؛ إنها ثلاثة نصوص وثلاث جماعات، عبّرت عن حالة تفكيك للمشروع القطبي، وفي الوقت نفسه كانت تجليات تأسيسية لمشروع جهادي يرسم ملامح المستقبل.

اقرأ أيضاً: تحولات "داعش" ما بعد الهزيمة
اتضح أنّ الثابت بين هذه التنظيمات هو إدخال المجتمع الإسلامي في دوامة التكفير والمواجهة لمرجعية عقائدية تأويلية، أما في علاقة الإسلام السياسي بالإسلام الجهادي؛ فإنّ هامش اللقاء كان قريباً جداً، فجماعة الإخوان المسلمين مثلث مخزوناً للجماعات الجهادية بقصد أو دون قصد.
ورُبَّ معترض على أنّ أدبيات جماعة الإخوان المسلمين ترفض العنف أسلوباً للتغيير، وتسعى إلى المشاركة السياسية، إلا أنّها، بحسب المؤلف، "كوّنت أجيالاً من الشباب بمرجعية الجهاد، وهذه الأجيال التي عانت ويلات التعذيب والسجون، كانت مدفوعة إلى الخروج من إطار الدعوة والجهاد السياسي إلى إطار المواجهة والجهاد الحربي"، مضيفاً: "هذه الجماعات برزت نتيجة حتمية لظروف داخلية وأخرى موضوعية خارجية، فالصحوة الإسلامية في وجهها الحركي أحيت مفهوم الجهاد دون مراعاة لتاريخية المفهوم وممارسته في التجربة الإسلامية التأسيسية النبوية، وراحت تستعيد المفهوم بمحفزاته الفقهية الكلاسيكية؛ لأنّه الحقيقة المطلقة التي لا يمكن مراجعتها أو نقدها، فجعلت العنف يدخل في باب المقدس الديني كحق مطلق، وعلى المؤمن أن يمارسه شعيرة واجبة ليكتمل الإيمان؛ بل إنّ الجهاد صار مرادفاً للوجه العملي للإيمان بوحدانية الله وحكمه في الأرض"(ص 331).

المهووسون بنظرية المؤامرة يعتقدون أنها من تخطيط الاستخبارات الغربية" لصناعة الظاهرة "الداعشية"

مآزق الفصل بين الإخوان والجهاديين
توقف المؤلف عند وثيقة "جهادية" شهيرة، تحمل عنوان "إدارة التوحش"، التي حرّرها أبو بكر ناجي، معتبراً أنّ "المهووسين بنظرية المؤامرة يعتقدون أنها من تخطيط الاستخبارات الغربية" لصناعة الظاهرة "الداعشية"، ولكنّه يميل إلى الاعتقاد أنّها "تأليف جماعي لقادة تنظيم "القاعدة" بتحرير فردي، وبدا ذلك جلياً في أسلوب الكتابة وتعابيرها وتكرارها، وهي وثيقة منهجية بامتياز في هيكلتها، فهي تختزل تصوّراً جاء عند أبي مصعب السوري، قبل تطويرها فنياً وحركياً" (ص 456).

اقرأ أيضاً: هل تعود جماعة الإخوان من جديد للمشهد العام؟
من المهم التوقف عند أبر ما انتهى إليه الكتاب؛ حيث يرى عبيد خليفي مجموعة من الخلاصات، نذكر منها نقطتين أساسيتين:
ــ ليست الظاهرة "الداعشية" ظاهرة غريبة في سياق الحركات الجهادية العالمية؛ بل ثمرة مسار تطور متراكم بدأ مع دم سيد قطب ليفوح في نصوص صالح سرية وشكري مصطفى وعبد السلام فرج وعبود الزمر، في وثائق الغضب الإسلامي في التسعينيات، وحمل لواء تنظيم الجهاد المصري في عشرية المواجهة والدم وإحياء "الفريضة الغائبة"، قبل أن يرتحلوا وينفروا نحو أفغانستان، إبان الغزو السوفييتي، عام 1979، في تجربة "الأفغان العرب"، حيث التنظير والتنظيم" (ص 501).
ــ كان صعود الظاهرة "الداعشية"، ونموها، رهين ثلاثة شروط: منظومة فقهية مغلقة لا تعرف الإصلاح الديني؛ لأنّ أنظمة الحكم التقليدية رفضته وتصدت له. ومنظومة تعليمية قائمة على الوثوقية والتلقين وتخريج المطرودين والمعطلين، ليكونوا مخزوناً بشرياً قابلاً للاستقطاب. ومنظومة تنموية اقتصادية واجتماعية فاشلة همّشت فئات وجهات لعقود طويلة، فكانت أرضاً خصبة للجريمة والمخدرات والتطرف (ص 502).

اقرأ أيضاً: بشهادة "القاعدة".. العنف خرج من رحم "الإخوان"
كما رأى خليفي؛ أنّه من الصعب الفصل بين الإسلام السياسي والإسلام الجهادي؛ بل إنّ المؤلف يذهب إلى أنّه لا سبيل إلى ذلك، فكلاهما يصدر عن معين واحد، وكلاهما يتبنى مفهوم الجهاد وسيلة للتغيير، وربما كان الاختلاف في التكتيك، فمن كان مستعجلاً أو غاضباً، بلغة راشد الغنوشي، زعيم الإسلام السياسي في تونس، سيتبنى السلاح بصورة وحشية لإرغام الآخر، من وجهة نظره. وما كان للصحوة الإسلامية أن تكتسح المجال الشعبي لو كانت الدولة الوطنية نججت في إمكانية الخروج بالمجتمعات من سياق التخلف إلى سياق التقدم، وتقديم رؤية علمية نقدية للعمق الديني والحضاري والسياسي، وفي المقابل، كانت الصحوة الإسلامية الحركية أكثر سحراً وجاذبية لعنفوان الشباب (ص 510).

من الصعب الفصل بين الإسلام السياسي والإسلام الجهادي

مآلات الظاهرة الجهادية
في غفلة منا نشأت الظاهرة الجهادية، ونمت، حتى صارت تأسيساً قائماً بذاته، وما بين الدهشة والتعجب غابت الدروس والبحوث العلمية التي تحاول فهم الظاهرة وتفهمها، في بنيتها وجذورها وتراكمها.
وبعيداً عن الانطباعية والسذاجة العلمية في التعامل مع الظاهرة، يُجدد المؤلف الدعوة إلى الاشتغال البحثي الرصين على "نصوص فقه الجهاد في الموروث الديني معالجتها بمقولة تاريخية التنزيل والتلفظ" (ص 511)، مضيفاً: "بقدر الإنجاز المعرفي الذي خلفته الصحوة الإسلامية الفكرية على أيدي رواد الإصلاح الديني؛ من مدونات علمية، ومؤلفات فكرية، خلّفت الصحوة الإسلامية الجهادية مدونة جهادية ضخمة، حبرها رواد الفكر الجهادي، والمفارقة أنّ مدونة الصحوة الفكرية صارت حكراً على الباحثين والمختصين، فكانت معرفة النخبة العالمة، بينما كانت المدونة الجهادية أكثر جماهيرية وشعبية لما تتميز به من الاختزال والاختصار، وسرعة الوصول إليها عبر الشبكة العنكبوتية، في ظلّ حالة ما بعد الحداثة التي تفرض الثقافة الإلكترونية" (ص 523).

اقرأ أيضاً: ليبيا تصنّف تنظيم الإخوان المسلمين
كتاب "الجهاد لدى الحركات الإسلامية المعاصرة: من جماعة الإخوان المسلمين إلى تنظيم الدولة الإسلامية"، عمل يكاد يقترب من الأعمال المحسوبة على الدراسات الاستشرافية؛ لأنّ مؤلفه اجتهد في الجمع بين التوثيق والتركيب والتحليل مع قليل استشراف، وهذا أمر ليس هيناً عندما يتعلق الأمر بتناول ظاهرة مجتمعية حارقة، تتشابك فيها مجموعة من المحددات الدينية والسياسية والاجتماعية والثقافية، وغيرها، من قبيل الظاهرة الجهادية.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



"الخلافة وسلطة الأمة": لماذا غابت تفاصيلها في النصوص الشرعية؟

2020-01-13

تحتلّ قضية الخلافة الإسلامية ركناً أساسياً في مشروع التيارات الإسلامية، وقد تجسّدت الفكرة بالفعل في الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش)؛ حيث أعلن أبو بكر البغدادي نفسه خليفة على تلك الدويلة، في 29 حزيران (يونيو) 2014، وسرعان ما بايعته أغلب الجماعات الجهادية المتطرفة.

اقرأ أيضاً: هل كانت الدولة العثمانية فردوس الخلافة المفقود؟
ارتكب تنظيم داعش من الجرائم ما لا حصر له، من تنكيل واغتصاب واضطهاد للأقليات الخاضعة لسيطرته، كما فعل مع الأقلية الأزيدية، وسرعان ما انهارت تلك الدويلة، وإن توقعت سيناريوهاتٌ عودتَها مجدداً، فحلم الخلافة الإسلامية الطوباوي لم يغب عن مخيلة الإسلاميين للحظة، والخلافة الإسلامية في مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ الأزمات الاجتماعية والاقتصادية الهيكلية عبر التطبيق الصارم للشريعة الإسلامية.

غلاف الكتاب
ليست فكرة بعث الخلافة الإسلامية وليدة اليوم، لكنّها فكرة تبنّاها المشروع الإسلامي بعيد إلغاء الزعيم التركي الراحل، كمال مصطفى أتاتورك، للخلافة العثمانية، العام 1923، وقد تصارعت الممالك العربية على من يخلف الدولة العثمانية على إمارة المسلمين، في حين لم تستسغ قطاعات من المسلمين غياب الخلافة ولو كانت صورية، مثلما تجسدت في الدولة العثمانية، وظهرت جماعة الإخوان المسلمين في مصر عام 1928 بعد سقوط الخلافة بعدة أعوام، كانعكاس لتلك الأزمة التي ألمّت بقطاعات مغتربة في مجتمع استعمرته بريطانيا ودمجت فيه أقليات أجنبية عديدة ففرضت ثقافاتها وقيمها.

لم تغب فكرة الخلافة عن مخيلة الإسلاميين للحظة وفي مخيالهم السياسي هي الكلمة السحرية لحلّ كل الأزمات

وكتاب "الخلافة وسلطة الأمة" هو كتاب، أو بيان، المجلس الكبير الوطني التركي، الصادر بعد سقوط الخلافة؛ أي العام 1924، والقاضي بفصل السلطنة عن الخلافة، ونقله عن التركية عبد الغني سني بك (السكرتير العام لولاية بيروت حينها ومتصرف اللاذقية سابقاً)، وله طبعة صدرت عن دار النهر المصرية، العام 1995، قدّم لها المفكر المصري الراحل نصر حامد أبو زيد، وألحق بها نصّ محاضرة للشيخ علي عبد الرازق، بعنوان "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، ألقاها في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في آذار (مارس) 1932، ثم أعقبها بنصّ بيان المجلس الكبير الوطني بأنقرة.
في مقدمة الكتاب يتناول أبو زيد السياق الراهن للإشكالية، مؤكداً أنّ سؤال الخلافة لم يختفِ من الفكر الإسلامي الحديث، وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية، وفي رسالة المؤتمر الخامس للإخوان المسلمين، العام 1938، ورد تحت عنوان "الإخوان المسلمون والخلافة": "الإخوان يعتقدون أنّ الخلافة رمز الوحدة الإسلامية، ومظهر الارتباط بين أمم الإسلام، وأنّها شعيرة إسلامية يجب على المسلمين التفكير في أمرها والاهتمام بشأنها، والخليفة مناط كثير من الأحكام في دين الله"، وتصف الوثيقة الخليفة بأنّه "الإمام الذي هو واسطة العقد، ومجتمع الشمل، ومهوى الأفئدة، وظلّ الله في الأرض".

ثمّ يقدم أبو زيد قراءة نقدية في تحولات مشروع المفكر الإسلامي المصري محمد عمارة، الذي بدأ مشواره باحثاً مستنيراً محققاً لكتب رواد التنوير في مصر والعالم العربي، مثل: كتب رفاعة الطهطاوي، وجمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، حتى علي عبد الرازق، قبل أن يصبح مدافعاً صلباً عن المشروع الإسلامي، ومهاجماً شرساً لكلّ رواد التنوير، ففي المرحلة الأولى تناول عمارة أزمة الشيخ علي عبد الرازق، باعتبارها أزمة سياسية، واصفاً عبد الرازق بأنّه امتداد متطور للشيخ محمد عبده في الإصلاح الديني، وأنّه اهتمّ بإعادة نشر كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بدافع وصل الحاضر الذي نعيشه والمستقبل المأمول بأكثر هذه الصفات إشراقاً وأعظمها غنى، وتعلم الشيء الكثير من شجاعة هؤلاء الذين اجتهدوا وقالوا ما يعتقدون، صواباً كان الذي قالوه أو خطأ، دونما رهبة من "الذات المصونة" التي تربعت على العرش في بلادنا، قبل تموز (يوليو) العام 1952، ولكن بعد تحول عمارة إلى المشروع الإسلامي أصبح الكتاب نفسه يخدم أهداف الاستعمار الغربي في محاولته للقضاء على الخلافة، سعياً إلى علمنة المجتمعات الإسلامية بتفريغها من مضمونها الحضاري والثقافي، وإلحاقها بالمشروع الحضاري الغربي!

سؤال الخلافة لم يختفِ يوماً وإن استبدل بالحديث أحياناً عن الأمة الإسلامية التي تتجاوز الحدود السياسية والقومية

ألحق أبو زيد نص محاضرة للشيخ علي عبد الرازق "الدين وأثره في حضارة مصر الحديثة"، حيث اقتبس عمارة عبارةً من المحاضرة صرّح فيها عبد الرازق بأنّ "الحكم بغير ما أنزل الله كفر صريح في القرآن"؛ ما بدا غريباً على أفكار عبد الرازق ولكن سياق حديث الأخير جاء مخالفاً تماماً عما تعمد عمارة الذي أراد أن يصف صاحب كتاب "الإسلام وأصول الحكم" بالردة عن أفكاره مما دفع أبو زيد لوصف عمارة بالتدليس.
ينقسم كتاب "الخلافة وسلطة الأمة" إلي مقدمة وتمهيد للمترجم ومقدمة الكتاب وقسمين، يضم القسم الأول تعريفاً بالخلافة وإيضاحها، وتقسيم الخلافة وشروطها، والتدقيق في شرط القرشية، وكيفية اكتساب الخلافة وكونها نوعاً من الوكالة، والغاية من الخلافة ووظيفتها وتبعاتها، ومسؤولية الخليفة، والولاية العامة وسلطة الأمة، كما يضم القسم الثاني تقييد حقوق الخلافة وتفريق السلطنة عن الخلافة، ثم النتيجة، وأخيراً الخاتمة.

اقرأ أيضاً: الإسلام وأصول الحكم: كيف نظر علي عبد الرازق إلى الخلافة؟ ‎
يوضح البيان أنّ مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية، ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة، ولا علاقة لها بالاعتقاد، فهي ليست من الأمور الاعتقادية، وقد بحث علماء السنّة بحثاً مستفيضاً لإبطال الأفكار الباطلة وردّ الخرافات التي أحاطت بالمسألة أخيراً، تحت عنوان "مبحث الإمامة" للردّ على مذاهب الخوارج والإمامية والإسماعيلية إذ تطرّفت في إنكار تعيين خليفة مثل الخوارج، أو بالغت في تقديس الأئمة مثل الإمامية والإسماعيلية، ويقرّ البيان بأنّ مسألة الخلافة مسألة دنيوية وسياسية، وأنّها من مصلحة الأمة نفسها مباشرة؛ لذا غابت التفاصيل بشأنها في النصوص الشرعية، ولو كانت من الأمور الرئيسة في الدين لذكرها الرسول الأكرم، صلى الله عليه وسلم، ووضّحها وجلّاها، فقد ظلّ  نبي الأمة  يضع السنن لأمته حتى قبيل وفاته، كما أنّ طريقة انتقال السلطة اختلفت من خليفة لآخر من الخلفاء الراشدين قبل أن تصبح ملكاً عضوضاً مع الدولة الأموية.

يقسم البيان الخلافة إلى نوعين، هما: الخلافة الكاملة، والخلافة الصورية؛ والخلافة الكاملة هي الحاصلة بانتخاب الأمة وبيعتها بطوعها ورضاها، أما الصورية؛ فهي التي نالها صاحبها بالقهر والجبر بدون انتخاب الأمة وبيعتها وبدون توافر شروط الخلافة فيه، وتعدّ الخلافة نوعاً من عقد الوكالة من جهتين: فهي خلافة النبوة وخلافة الأمة؛ فالخليفة نائب للنبي الأكرم، وهو وكيل للأمة التي يجوز لها عزله إذا أساء العمل في وظيفته، وبما أنّ الخلافة نوع من الوكالة، فتجري فيها أحكام الوكالة مثل أنّها لا تورَّث، وغاية الحاكم تحقيق العدالة في المجتمع، وتوزيعها وصون حقوق المسلمين وتأمين سعادتهم.

مسألة الخلافة من المسائل الفرعية والفقهية ومن جملة الحقوق والمصالح العامة المختصة بالأمة ولا علاقة لها بالاعتقاد

يستطرد البيان في شرح الخطّ الفاصل بين الخلافة الكاملة، التي تحققت في عهد الخلافة الرشيدة، والخلافة الصورية التي تمكنت من الأمة الإسلامية في العصر الأموي والعباسي، وانتهاء بالسلطنة العثمانية؛ حيث اتسمت الخلافة الصورية بالقهر والقمع وغياب الشورى، فكانت سبباً في تردّي أحوال الأمة الإسلامية، واستناداً إلى حقّ المسلمين في إلغاء البيعة إذا فسد الخليفة، باعتباره وكيل الأمة، يحقّ للأمة نقض البيعة ونقل السلطة إلى من يستحق بناء على الكفاءة والقدرة على تحقيق غايات الخلافة.
سعى الكتاب إلى وضع مسألة الخلافة في سياقها التاريخ، وإبعادها عن مجال المخيال السياسي الإسلامي الذي ما يزال يرى أنّها واسطة العقد،  ورغم مرور ما يقرب من قرن على البيان فصعود التيارات السلفية الجهادية، في وقتنا الحالي، يستدعي مناقشة حقيقية لمسألة الخلافة وسلطة الأمة.

للمشاركة:

هل تمتلك الحركات الإسلامية رؤية تختلف عن الإخوان؟

2020-01-05

استقطبت دراسة الحركات الإسلامية منذ السبعينيات من القرن الماضي اهتمام العديد من الباحثين في العلوم الإنسانية والاجتماعية، محلياً ودولياً، وتعددت الآراء حولها بتعدد إشكالياتها وملابساتها، وتنوعت المواقف منها بتنوع أسمائها وغاياتها وآليات عملها، ومدى اندراجها في الحركية الاجتماعية العامة للمجتمعات التي نشأت فيها، أو انفرادها وانفلاتها منها.

يتعذر عزل مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة والدين عن الظروف التي تعيشها داخل بلدانها

فثمة من اعتبر الظاهرة صحوة إسلامية، وثمة من اعتبرها جزءاً من المشروع العولمي الأمريكي المتفرد بالهيمنة على العالم بعد انهيار المنظومة الاشتراكية وسواد القطب الواحد في بناء الجيوبوليتكا العالمية الجديدة ورداً على اشتداد تأثير الهيمنة الأمريكية على العالم العربي والإسلامي في آن، وهناك مَن رأى في عودة التدين وعودة الدين الإسلامي إلى قلب الصراعات الاجتماعية  والسياسية  تعبيراً عن فشل السياسات التنموية للدولة الحديثة "العلمانية" التي آلت إلى استبداد سياسي سافر وسلطات شمولية سدت المجال العام أمام أي مشاركة سياسية حقيقية لقوى المجتمع في الشأن العام، ودفعت باتجاه التطرف والعنف.

غلاف الكتاب
وآخرون رأوا فيها حركات اجتماعية تخضع لقانون التطور وتحمل خصوصيات المجتمعات التي نشأت فيها، تتأثر ببيئتها وتؤثر فيها، وهي بالتالي حركات غير متجانسة تختلف مرجعياتها وأيديولوجياتها وأساليب عملها عن بعضها البعض رغم تشابه الأهداف والغايات الأخيرة المتمثلة في أسلمة المجتمع وبناء الدولة الإسلامية أو استعادة دولة الخلافة. فيما اعتبرها آخرون نسخاً مستنسخة تستقي من مرجعية واحدة، أو مجرد تنويعات على النموذج الأصل تعود إلى أصل واحد هو الإخوان المسلمون في الوسط السنّي، أو الحركة السياسية الدينية في إيران أو غيرها.

اقرأ أيضاً: كيف يقرأ باحثو الحركات الإسلامية تجربة جماعاتهم؟
تضمن كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية: دراسات في الفكر والممارسة" الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، بين دفتيه جملة من الآراء حول الظاهرة الإسلامية قدمها مجموعة من الباحثين العرب المهتمين بهذا المجال أو المتخصصين به، وتوزعت على ست عشرة دراسة بحثية تركزت في ثلاثة محاور رئيسية هي: الإسلام والسياسة، الحركات السياسية الإسلامية، المستقبل. 

يعالج كتاب "الحركات الإسلامية والديمقراطية" الظاهرة الإسلامية ضمن ثلاثة محاور رئيسية: الإسلام والسياسة والحركات السياسية الإسلامية والمستقبل

وتشكل تلك الدراسات بتكاملها إحاطة وافية تسهم في التعريف بالظاهرة الإسلامية وتتبع مساراتها الفكرية، وفهم إشكالياتها من خلال وجهات نظر متعددة وانحيازات أيديولوجية ومرجعيات فكرية مختلفة يجمع بينها الميل نحو الموضوعية ودقة البحث العلمي في الدراسات التطبيقية والمقارنة. ونظراً لسعة الكتاب وتعذر إنصاف جميع المشاركين فيه في هذا الهامش المتاح، سنلجأ إلى استعراض المحاور دون التفصيل في الفصول رغم أهمية ذلك.
تركزت دراسات  المحور الأول على محاولة التفريق بين علاقة الإسلام بالديمقراطية، وعلاقة المسلمين بالديمقراطية، كما عبر عنها الباحث الإسلامي فهمي هويدي، وشاركه بذلك الباحث السعودي زكي أحمد، حيث إنّ العلاقة الأولى لا تشترط أن تقوم على التنافي والتضاد بقدر ما تقوم على التمايز والخصوصية بين منهجين ومشروعين حضاريين يشتركان في بعض القيم الأساسية والمثل العليا، بينما العلاقة الثانية مسكونة بالالتباس ومثقلة بعبء التاريخ والذاكرة؛ إذ ظل الغرب في الذاكرة الإسلامية مقترناً بالقهر والاستعمار ومرادفاً للفساد الأخلاقي حيناً وللكفر أحياناً أخرى.
لذلك التبس الموقف من الديمقراطية وصار رفضها رفضاً للمشروع الغربي الذي تمثله، والذي مارس الذل والقهر بحق العرب والمسلمين. وما أن ينفك الالتباس بين التجربة الديمقراطية والسياسة الاستعمارية للدول الغربية حتى ينفك الاشتباك مع الديمقراطية، بل مع المشروع الليبرالي الغربي عموماً.

وقد ألمحَ أكثر من باحث إلى أنّ إشكالية علاقة الإسلام بالديمقراطية ليست بنت اليوم، إنما هي إشكالية قديمة قدم النهضة الإسلامية، وقد حفلت مؤلفات ومواقف مفكري النهضة بالكثير من الاجتهادات المهمة في مقاربة مفهوم الديمقراطية من مفهوم الشورى الإسلامي، ولم يجدوا حرجاً من التوفيق بين المفهومين ولا حتى في استعمال اللفظ الغربي للمفهوم.

اقرأ أيضاً: هكذا أثرت الحركات الإسلامية على الاستقرار السياسي في العالم العربي
لكن الإشكالية ما تزال تطرح ويعاد طرحها مع كل أزمة أو توتر جديد في علاقة الشرق العربي والإسلامي بالغرب من جهة، ومع الأزمات والاختناقات السياسية الداخلية التي تمر بها البلدان العربية من جهة ثانية؛ فلا يمكن الحديث عن مواقف الحركات الإسلامية من الديمقراطية وفصل السياسة عن الدين دون النظر إلى الظروف التي تعيشها تلك الحركات داخل بلدانها، وإلى شكل الدولة ونوع علاقة السلطات الحاكمة بشعوبها والتي لم تقدم نموذجاً ديمقراطياً يمكن الحكم من خلاله على ديمقراطية الآخرين، سواء أكانوا إسلاميين أم علمانيين، كما أنّ الدول الغربية نفسها لم تقدم نموذجاً ناصعاً للديمقراطية في تعاملها مع شعوب العالم الثالث.

كثير من العلمانيين والأصوليين كل منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لاتاريخياً

كما يميل العديد من المساهمين في البحث، كزكي أحمد وسيف الدين عبد الفتاح إسماعيل مثلاً،  إلى عدم النظر إلى الحركات الإسلامية ككتلة واحدة صماء، إنّما إلى التفريق بين تياراتها ومواقفها المختلفة من المشاركة السياسية ويرون أنّ ثمة تغيراً في مواقف العديد من تلك التيارات بحسب الظروف السياسية لبلدانها؛ فمنهم من بات يتبنى الديمقراطية صراحة، ومن تلك التيارات من لا يرفضها رفضاً قاطعا، أو يقبلها قبولاً مشروطاً رغم إصراره على المرجعية الإسلامية والشريعة الإسلامية والدولة الإسلامية، لكنه يقبلها مقابل الديكتاتورية والحكم الفردي التسلطي على الأقل، ومنها ما يزال متصلباً عند مفهوم "الحاكمية" والدولة الدينية ويقف موقف الرفض والعداء من الديمقراطية باعتبارها ليست من الإسلام ولا تلتقي مع قيمه ومبادئه وأنّ العلاقة بينهما علاقة تعارض وتناقض دائم، ولا يعني القبول بها غير قبول المغلوب بثقافة الغالب.
ومن الضروري التمييز بين هذه الحركات السياسية المتطرفة التي باتت تحتل صورة المشهد الإسلامي بغايات إعلامية غير بريئة وبين الحركية الإسلامية بشكل عام؛ حيث أصبح الفكر الإسلامي رديفاً للاستبداد والتسلط السياسي، والنظام السياسي الإسلامي قريناً للتعصب الديني فيما كان تاريخه الطويل تاريخ التسامح والتعايش.

اقرأ أيضاً: السودان.. أي مستقبل ينتظر الحركات الإسلامية بعد الإطاحة بالبشير؟
ويُحمّل الباحث لؤي صافي المسؤولية في ذلك للفكر العلماني والفكر الإسلامي المعاصر على السواء؛ "فالأول قد أسقط نتائج التجربة الغربية على الفكر التاريخي الإسلامي، فيما حاول الثاني إعادة تشكيل المحتوى المعرفي الموروث باستخدام قوالب فكرية مستعارة من تجربة أخرى" كما فعل المودودي وغيره.

في حين تتطلب عملية تطوير نموذج سياسي مناسب للبنى السياسية والاجتماعية المعاصرة الجمع بين مقتضيات الانتماء الحضاري إلى الثقافة الإسلامية ومتطلبات تطوير نظام سياسي قادر على الاستجابة لتحديات الحاضر وتلبية احتياجات المستقبل.

اقرأ أيضاً: مفارقة المآزق الأخلاقية عند الحركات الإسلامية
أما في واقع الحال، كما يشير الباحثان عبد الإله بلقزيز وبرهان غليون، فقد ذهب العلمانيون في اتجاه تبني نماذج العلمنة الغربية الشاملة ووجوب إقرار نظام الدولة العلمانية وكأنّ الدول العربية تعيش في كنف الدولة الدينية على مثال دولة الكنيسة في الغرب التي أوجبت قيام نقيضها في أوربا النهضة، في حين ذهب الأصوليون للحديث عن ضرورة إخضاع الدولة للدين وإقامتها على أركان الشريعة وكأن الدولة العربية القائمة دولة علمانية حقيقية على مثال الدولة الأوروبية.

اقرأ أيضاً: تأثير حزب العدالة والتنمية التركي على الحركات الإسلامية
وجوهر المفارقة لدى كلا الطرفين أنّ كلاً منهما يفكر في الصلة بين الدين والسياسة تفكيراً لا تاريخياً، فلا الدولة الحديثة الناشئة بعد الاستقلال تخلت عن الشريعة الإسلامية ورعاية الدين والمؤسسات الدينية، ولا التاريخ الإسلامي شهد قيام دولة دينية تقوم على دمج المجال الديني بالمجال السياسي، إنما كانت الدولة تستخدم الدين استخداماً أيديولوجياً لإضفاء الشرعية على السلطة وتجند الفقهاء لأداء دور الشرعنة، أما هاجس علمنة الدولة عند العلمانيين فقد تضخم في مقابل تضخم هاجس أسلمة الدولة والمجتمع مع صعود الحركات الإسلاموية ومجاهرتها في إعادة إخضاع السياسي للديني.
الحركات الإسلامية والمستقبل
يتميز القسم الثاني من الكتاب بتركزه على الجانب التطبيقي عبر مجموعة من الدراسات والتحليلات المقارنة في رصد التغيرات والتحولات في الغايات والأهداف، والوسائل والآليات العملية، التي طرأت على الفكر الإسلامي الحركي شدد الباحثون فيها بمجملهم كما في المحور السابق على ربط الظاهرة الدينية الإسلامية بالظروف الزمانية والمكانية التي نشأت فيها، وعلى مدى اتساع المجال العام أو ضيقه في البلد الذي تنشط فيه الحركة ونوع علاقتها بالسلطة الحاكمة والقوى السياسية الأخرى ضمن هذا المجال، والتركيز على تعدد تياراتها واختلاف مرجعيات تلك التيارات عن بعضها البعض، والتقليل بالتالي من حجم وتأثير التيارات العنفية والجهادية التي نشأت في ما تسميه "زمن المحنة" وما زالت تعيش ذاكرة وهواجس ذلك الزمن.

الحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم

فقد حاول الباحث الكويتي عبدالله النفيسي في ما سماه "محاولة تقويمية" بعد أن أسهب في تحليل نشوء الفكر الحركي الإسلامي تلمس الفروق بين المرحلة الدعوية والنشاط الجماهيري في نشأة حركة الإخوان المسلمين والفكر التنظيمي الذي تميز به مؤسسها حسن البنا وبين المرحلة القطبية والمراحل اللاحقة في الحركة نفسها، وبينها وبين الحركات المتولدة منها، وكذلك بينها وبين حزب التحرير الذي أسسه النبهاني واتخذ العمل الفكري والتثقيفي وسيلة لنشاطه وهدفه في إقامة الدولة الإسلامية، وبينها وبين جماعة الجهاد الإسلامي وجماعة التكفير والهجرة اللتين شكلت أفكار سيد قطب أهم الأطر المرجعية والمصدرية لهما في الاستعلاء على المجتمع "مجتمع الجاهلية"وضرورة انعزاله وهجره واستبداله بمجتمع الحزب المثالي، واعتبار القبول بالعمل السياسي بمشاركة الآخرين بمثابة منح الشرعية لدولة الكفر.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (1).. إذ يلبس لباس القداسة
كما يشير النفيسي إلى تحول حزب الدعوة العراقي الشيعي إلى تبني مقولة "ولاية الفقيه" بعد انتصار الثورة الإسلامية في إيران ودعمها للحركات والأحزاب الإسلامية علماً أنّ الحزب قد تأسس قبلها بعامين على الأقل. 
وقد عبر الباحث التونسي خالد شوكات في دراسته عن ذلك بغياب الوعي التاريخي والواقعي لدى الحركات الإسلامية الذي أوقعها في التطرف والعنف والانعزال و"الوقوع في منطق "الفرقة الناجية" المتجدد بصيغ حاضرة، على عمقه التاريخي ورسوخه في المخيال الاجتماعي؛ فالحركة الإسلامية بفصائلها المتعددة لا تمتلك حتى اليوم رؤية علمية واستراتيجية للنظام الدولي سوى رؤية الإخوان للعالم ما قبل الحرب العالمية الثانية، وكيف لمن لا يملك تصوراً لماهية هذا الخارج  ومكوناته وبرامجه أن يواجه ممانعته وتدخله؟".

فيما ذهبت دراسات أخرى أكثر تفاؤلاً إلى استخلاص المتغيرات الإيجابية في تحولات الحركة الإسلامية من خلال المراجعات النقدية والتقويم الداخلي التي تشهدها منذ أواخر الثمانينيات كما بين ذلك الباحث زكي أحمد في رصده (لتحول الحركة الإسلامية من السرية إلى العلنية، ومن الانغلاق إلى الانفتاح، ومن العمل الذاتي الداخلي إلى الكسب الاجتماعي العام)، ويتلمس الباحث إيجابية ذلك التحول من خلال تغير الموقف من الرأي الآخر من المقاطعة نحو الحوار، والموقف من الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان والمشاركة السياسية التي باتت تطرح بوتيرة متصاعدة ومكثفة في الخطاب الإسلامي المعاصر، وتوجه غالبية الحركات الإسلامية نحو رفض العنف والتشدد والميل نحو الاعتدال والمرونة، وقبولها التحول إلى حزب سياسي والتنازل عن العنوان الإسلامي وحذفه من اسم الحركة كاستجابة براغماتية لمتغيرات الظروف السياسية المحلية والدولية.

اقرأ أيضاً: العنف في بنية الحركات الإسلامية (2).. الاستعلاء الإيماني
لكن في مقابل هذه الرؤية الإيجابية ثمة دراسات ذهبت في اتجاه مختلف ترى أنّ واقع الحركات الإسلامية ونشاطها السياسي وخلافاً لما يراه البعض من أنّه مظهر إيجابي ودليل عافية وصحة  يعبر عن صحوة إسلامية، هو واقع لا يشي إلا بمستقبل أشد سوداوية من الحاضر وبنتائج أكثر كارثية ومأساوية منه؛ فقد ذهب الباحث السوري علي نوح في استخلاصه أنّ ما نشهده اليوم من انتشار المد الديني هو انتكاسة جديدة تعبر عن هروب الإنسان العربي من الواقع المؤلم نحو الماضي وليس صحوة بقدر ما هو "حيلة المفلس في التفتيش في جيوب الماضي"؛ لأنّ هذه العودة تفتقد إلى الأسس العقلانية التي تجعل منها صحوة حقيقية تجعل الإنسان العربي بمستوى الشعوب المتمدنة حتى يتمكن من مشاركة الآخرين في صنع الحضارة.

للمشاركة:

السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ

2019-12-30

كثيراً ما كان ينظر إلى السلفية في الشرق الأوسط على أنّها ثابتة وجامدة، بل وعنيفة جداً وإرهابية، وذلك منذ هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية، ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية.

اقرأ أيضاً: كيف استجابت الحركات السلفية رقمياً في ظلّ الربيع العربي؟
لكنّ هذا الافتراض يتجاهل "الأيديولوجيا الهادئة" التي تميّز العديد من الحركات السلفية في العالم العربي والإسلامي، ومنها المملكة الأردنية الهاشمية؛ فمن خلال التنقيب عن الحركة السلفية في الأردن، يقدّم لنا الباحث الهولندي يواس فجيمكرز (Joas Wagemakers)، أستاذ مساعد للدراسات الإسلامية والعربية في جامعه أوترخت – هولندا، والذي تركّز أبحاثه على السلفية، خاصة الأيديولوجيا السلفية، وجماعة الإخوان المسلمون وحماس، كتابه المعنون باسم "السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ" (Salafism in Jordan: Political Islam in a Quietist Community)، العام 2016، وهو الكتاب الثاني له عن السلفية في الأردن؛ حيث سبق له أن نشر كتاباً بعنوان "الجهادي الهادئ: أيديولوجيا وتأثير أبو محمد مقدسي" (كامبريدج، 2012).

يتألف الكتاب، وهذه أول مراجعة أولية له باللغة العربية، من 286 صفحة باللغة الإنجليزية، موزّعة على مقدمة وثلاثة أجزاء، كلّ منها يتضمّن مجموعة من الفصول.
في المقدمة تحدّث المؤلف باختصار عن تاريخ الأردن والإسلام فيه، ثمّ أكّد على عدم وجود أدبيات ودراسات متخصصة وعميقة كافية حول السلفية في الأردن رغم أهميتها، سواء باللغة العربية أو الإنجليزية، وأنّ هناك حاجة ملحّة للبحث والاشتغال على هذه القضية، ومع أنّه أشار إلى بعض كتابات الباحثين الأردنيين، مثل الباحثين حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان، إلا أنّه انتقد إنتاجهما بأنّه غير كافٍ وغير مُرضٍ أكاديمياً، خاصة أبو هنية، الذي وصفه بالصديق الشخصي.

اقرأ أيضاً: ما علاقة محنة خلق القرآن بصعود الصحوة السلفية؟
الجزء الأول حول الأيديولوجيا؛ تناول فيه النشأة وتاريخ الحركة السلفية والتعريفات، والانتشار، والعقيدة السلفية، والمنهج السلفي، ووجهة نظرها لمفهومَي الإيمان والكفر، والانخراط في السياسة العامة، مؤكّداً أنّها "حركة اجتماعية مؤسسية طوباوية"، مثل الكثير من الحركات الاجتماعية الثقافية في العالم.

"السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ"
في هذا الجزء (ص 52) يُوضح المؤلف تعريفه لمفهوم "السلفية الهادئة" (Quietist salafis) بأنّه مبني على "منهج" هذه الجماعة، التي تعبّر عن غالبية الحركات السلفية في العالم القائم على "الدعوة" في المجتمع للاهتمام بدراسة الدين الإسلامي، والابتعاد عن السياسة والانخراط فيها، وهو ما عبّر عنه، كما هو معروف، شيخ السلفية، محمد ناصر الدين الألباني، بقوله المشهور: "من السياسة عندنا ترك السياسة".

ذهب المؤلف إلى أعمق قدر ممكن في فهم ديناميات "السلفية" ككل وتاريخ الذين يجسدونها

ومن هنا يتوضح للقارئ أنّ المؤلّف قصد بمفهوم "السلفية الهادئة"، برأيي، السلفية المحافظة أو التقليدية، التي كان يمثّلها الألباني وأتباعه في الأردن حالياً، رغم بعض الانقسامات والاجتهادات.
هذا ويُنظر إلى الجزء الأول من قبل عددٍ من المتابعين والنقاد في الغرب، على أنّه أفضل أجزاء الكتاب، ومن أفضل ما كتب عن السلفية، سواء في العالم أو الأردن؛ لذلك وُصف المؤلف، في بعض القراءات، بأنّه "أفضل متخصص وخبير في الحركات السلفية في العام"! وأعتقد أنّ في ذلك مبالغة كبيرة؛ لأنّ ما فعله المؤلف؛ أنّه جمع ودرس بشكلٍ علمي أكاديمي منظم كلّ ما كتب عن السلفية في الأردن، مستعيناً بخبراء في الحركات السلفية في الأردن، لكن مع فارق مهم وعميق؛ هو أنّ هؤلاء الخبراء، خاصة حسن أبو هنية ومروان شحادة وأسامة شحادة ومحمد أبو رمان، وغيرهم الكثير، كان ينقصهم حرية الحسّ النقدي والمنهجية العلمية الأكاديمية الصارمة والموضوعية، والتحرّر من الإكراهات الدينية والسياسية والاجتماعية، وحرية الوصول إلى المعلومات، التي تُميز نشاط الباحثين ومناهج البحث في الغرب على الغالب. 
فيما تناول الجزء الثاني تاريخ السلفية في الأردن، وتاريخها المتخطي للحدود، واتجاهاتها المختلفة وتطورها قبل استقرار الشيخ الألباني في الأردن، ودوره فيما أسماه المؤلف "السلفية الهادئة"، وعن فتنة السلفية في الأردن والصراعات الدائرة، وأزمة البحث عن القيادة و"مركز الأمام الألباني"، الذي يمثل الاتجاه الموالي للدولة الأردنية ضمن السلفية الهادئة، مقابل اتجاه آخر لا يختلف عنه كثيراً، لكنّه غير موالٍ للدولة بالمطلق.

"الجهادي الهادئ: أيديولوجيا وتأثير أبو محمد مقدسي"
ثمّ السلفية الأردنية في حقبة العولمة الحالية والإرهاب العالمي، خاصة بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 ضدّ الولايات المتحدة الأمريكية، وما خلّفته من صراعات وانشقاقات واجتهادات ما تزال مستمرة حتى اليوم، وهنا نلاحظ عودة المؤلف إلى الخبراء الأردنيين المعروفين في هذا المجال، مثل: حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان.

صعود السلفية السياسية والجهادية ترافق مع الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الأردن

أما الجزء الثالث؛ فقد  خصّصه المؤلف للحديث عن صراع السلفيات في الأردن، وتحديداً صعود السلفية السياسية والسلفية الجهادية، التي ترافق ظهورها مع الصعوبات والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية التي واجهت الأردن، داخلياً وخارجياً، والعلاقات الملتوية، والصراع بين الدولة، السلطة والسلفيات بين حالات المدّ والجذب، وتركيز السلفية الهادئة (التقليدية)، اليوم، على مبدأ "النقاء الأيديولوجي"، رغم كلّ ما يعترض هذا المبدأ من بعض التعارضات مع الدولة في الأردن، كما تحدّث عن أيديولوجيا "جماعة الكتاب والسنّة"، التي تعدّ اليوم من أكبر الجمعيات العاملة في الأردن والخارج في المجالات الإنسانية والإغاثة.
ومعلوم للمتابعين والخبراء (الأردنيين والعرب) في حقل السلفية في الأردن؛ أنّ حسن أبو هنية ومحمد أبو رمان هما أفضل من كتب ودرس، تاريخياً وجينولوجياً، هذه العلاقة. 
إنّ ميزة الكتاب تتجلى في أنّ المؤلف استطاع النفاذ بسلاسة وعمق إلى التنوّع بين السلفيين المرتجفين حول مجموعه من القضايا الأيديولوجية والسياسية، خاصة علاقتهم بالدولة.
وهو يقدم تحليلاً مفصّلاً للسلفية المحافظة السلمية ككل، ويبين أيضاً كيف ولماذا السلفية الهادئة في الأردن، من خلال الميول الأيديولوجية والتطورات الأجنبية والصراعات الداخلية ومشاركة الدولة والسلطات، والتحديات اللاهوتية والاضطرابات الإقليمية تحولت من حركة مستقلة إلى مجتمع محلي سياسي.

ويعدّ الكتاب إضافة نوعية ودراسة شاملة ومعمقة عن السلفية من خلال النموذج الأردني؛ حيث ذهب المؤلف إلى أعمق قدر ممكن في فهم ديناميات "السلفية" ككل، مناقشاتها الداخلية، وقضاياها اللاهوتية والسياسية الرئيسة، وتاريخ الذين يجسدون تعبيرها الرئيس.

اقرأ أيضاً: كيف تسلّلت الدعوة السلفية إلى حزب النور؟
وهي مساهمة نحن في حاجة إليها لفهم ظاهرة عالمية النطاق، وتثير مسألة الاختلافات والقواسم المشتركة بين "السلفية المحافظة" و"الجهادية" والانتقال المحتمل بين الاثنين، لكنّها مميزة أيضاً في تحليل الفروق الدقيقة بين التيارات المختلفة للسلفية.

يعدّ الكتاب إضافة نوعية ودراسة شاملة ومعمقة عن السلفية من خلال النموذج الأردني

ويقدم الكتاب ثروة من المعلومات، ويبين كيف شكلت الأحداث، المحلية والإقليمية، على حدّ سواء، مواقف السلفيين المُستكينة وعلاقتهم بالدولة، ويضيف الكثير من العمق والوضوح إلى فهمنا للسلفية الهادئة (السلمية) في الأردن.
كما أنّه أكثر بكثير من كونه كتاباً عن تاريخ السلفية الهادئة في الأردن؛ ذلك أنّ الفصل الأول فيه، كما أسلفت، هو، في الواقع، أفضل مقدمة عن السلفية المحافظة أو السلمية التي يمكن العثور عليها في أيّ مكان. 
ولذلك من الضروري لطلاب الدراسات العليا والباحثين الأكاديميين المهتمين بسياسة الشرق الأوسط، والجماعات السلفية، والتطرف العنيف، والإرهاب العالمي، الاطلاع على هذه المساهمة الكبيرة في دراسات السلفية التي قامت بكشف الصور النمطية عن السلفية بشكل عام، وقدمت نظرة ثاقبة عن تطور الاتجاه الذي ما يزال مستمراً في السلفية الهادئة.
كما أنّ الكتاب يشكّل حافزاً للباحثين العرب والأردنيين للاهتمام بدراسة هذه الحركات بطريقة علمية وأكاديمية صارمة، رغم الكثير من العوائق والمنغصات في البحث والتحري، وألاّ يبقى هذا المجال من الدراسة حكراً على الغربيين يُنظّرون فيه علينا ونحن أصحاب الشأن والمسألة؛ فأهل مكة أدرى بشعابها.

للمشاركة:



الاتحاد الاوروبي يقطع مساعداته عن تركيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت تقارير إعلامية؛ إنّ الاتحاد الأوروبي سيصدر قراراً بقطع 75٪؜ من مساعداته لتركيا بسبب عمليات التنقيب التي تجريها في شرق البحر الأبيض المتوسط وعملياتها العسكرية في سوريا.

تأتي هذه الخطوة بعد أن قطع الاتحاد الأوروبي عن تركيا مساعدات بلغت 85 مليون يورو من ميزانية 2020، وذلك بسبب انتهاكاتها لحقوق الإنسان.

أوروبا تقطع المساعدات عن تركيا بسبب عمليات التنقيب في البحر الأبيض والعمليات العسكرية في سوريا

وقالت مجموعة "فونكة" الإعلامية الألمانية، إنّها اطلعت على رسالة أرسلها إلى البرلمان الأوروبي الممثل السامي للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسات الأمنية، جوزيف بورل، كشف فيها أنّ الاتحاد الأوروبي اتخذ قرارا بقطع 75٪؜ من المساعدات التي يقدمها الاتحاد لتركيا في إطار مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد.

ووفق وسائل الإعلام الألمانية؛ فإنّ مساعدات الاتحاد الأوروبي لتركيا ستقتصر على 168 مليون يورو، على أن تستخدم 150 مليون يورو منها في مجالات تطوير الديمقراطية وسيادة القانون، فيما ستنفق بقية المبلغ في سبيل تطوير المناطق الريفية.

وبحسب خبر أورده موقع "يورو نيوز"، في تشرين الثاني (نوفمبر) 2019، فإنّ المساعدات التي قطعها الاتحاد الأوروبي عن تركيا خلال العامين الأخيرين وصلت إلى 1.2 مليار يورو.

واشتكى عدد كبير من المسؤولين الأوروبيين من سياسة الابتزاز التي انتهجاها الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، بما يتعلق بالمهاجرين والسماح لهم بالعبور إلى القارة الأوروبية عبر تركيا.

 

للمشاركة:

تعرّف إلى القيادي المسؤول عن الميليشيات السورية في ليبيا

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان؛ أنّ القيادي الليبي المسؤول عن استقبال المرتزقة السوريين وتوزيعهم على محاور القتال في طرابلس.

وقال المرصد في تصريح لـ "سكاي نيوز": إنّ أحد أبرز قادة الميليشيات في طرابلس، وهو مهدي الحاراتي، صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية.

المرصد: مهدي الحاراتي صاحب الدور المحوري في تجنيد المسلحين السوريين بالعاصمة الليبية

ووفق المرصد؛ فإنّ الحاراتي هو من يستقبل المرتزقة في طرابلس، ويشرف على عملياتهم وتحركاتهم.

والحاراتي، بحسب المرصد، زعيم إحدى الميليشيات الليبية في طرابلس، وهو أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة.

وبرز اسم الحاراتي (46 عاماً) قبل أعوام، منذ بدء الاحتجاجات التي أطاحت بنظام معمر القذافي في ليبيا، وظهر في عمليات اقتحام لمنزل الزعيم الراحل في باب العزيزية بطرابلس، قبل أن يتم تعيينه في مجلسها العسكري لكنه سرعان ما استقال.

وفي عام 2012؛ سافر الحاراتي إلى سوريا في مهمة تقصي حقائق، لكنه بدأ سريعاً الانخراط في العمليات القتالية ضدّ القوات الحكومية، وشكّل ما عرف باسم "لواء الأمة"، لكنّ أعماله هناك لم تستمر، وسلم اللواء إلى فصائل مسلحة أخرى.

عاد الحاراتي إلى ليبيا وعين عمدة لطرابلس، لكن لاحقته تهم الإرهاب بسبب اشتراكه في قيادة ميليشيات متطرفة في بلده وفي سوريا، وهو مصنف بقوائم الإرهاب في عدد من الدول العربية.

ويلعب الحاراتي حالياً دوراً تنسيقياً مهماً مع مسلحين تابعين لفصائل معارضة سورية لدى وصولهم إلى ليبيا برعاية تركية، في تدفق للمرتزقة اعترف به المبعوث الدولي إلى ليبيا، غسان سلامة، الذي أشار أيضاً إلى إمكانية تواجد خبراء عسكريين أتراك في طرابلس.

الحاراتي أيرلندي ليبي سبق له القتال في سوريا إلى جانب تنظيمات متشددة وشغل منصب عمدة طرابلس

لكن سلامة أكد، الجمعة، أنّ الأمم المتحدة لا تملك مؤشرات واضحة حتى الآن على نشر قوات عسكرية تركية هناك.

وتشعل أنقرة لهيب النزاع الليبي بإرسال المرتزقة لدعم ميليشيات طرابلس، بعد إغرائهم بالجنسية التركية وألفي دولار شهرياً، علماً بأنّ أعمارهم تتراوح بين 17 إلى 30 عاماً، في "تجارة حرب" نقلتها تركيا في وقت سابق إلى سوريا والآن تعيد تصديرها إلى ليبيا.

وتظهر في طرابلس الأسلحة التركية، ومنها مضادات الطائرات في أيدي مسلحي الميليشيات، وسبقتها الطائرات المسيرة التي يستهدفها الجيش الوطني بين الحين والآخر.

أكد المرصد السوري لحقوق الإنسان، أمس، وصول دفعة جديدة من المرتزقة من سوريا إلى ليبيا عن طريق تركيا، بهدف دعم ميليشيات طرابلس، ليصل إجمالي عددهم في العاصمة الليبية إلى نحو ألفي مسلح.

 

 

للمشاركة:

ماذا بعد تصنيف بريطانيا لحزب الله جماعة إرهابية؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

قالت وزارة الخزانة البريطانية؛ إنّها صنفت منظمة حزب الله اللبناني، بجميع أجنحتها، جماعة إرهابية، بناء على قواعد مكافحة الإرهاب، وقررت تجميد أرصدتها بدءاً من الأول من أمس.

وقال متحدث باسم الوزارة: "بعد المراجعة السنوية للتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري لحزب الله، اتخذ قرار بإدراج الجماعة برمتها منظمة إرهابية، وهذا يتماشى مع تصنيف وزارة الداخلية للجماعة، عام 2019، والتصنيف الموجود حالياً للجناح العسكري للحزب هو تصنيف مطبق على نطاق الاتحاد الأوروبي"، وفق ما أورت الـ "بي بي سي". 

وزارة الخزانة البريطانية تصنف حزب الله اللبناني بجميع أجنحته جماعة إرهابية وتجمّد أرصدتها

وأضاف: "ما تزال بريطانيا ملتزمة باستقرار لبنان والمنطقة، وسنواصل العمل عن قرب مع شركائنا اللبنانيين".

وسيمنع القرار الجديد أيّ شخص من التعامل مع أيّة جهات مالية أو اقتصادية يملكها حزب الله، أو المشاركة في تمويل أيّة جهة تابعة له أو خدمتها.

وأصدرت الحكومة البريطانية بياناً عاماً يشير إلى خطوات يجب اتباعها من أيّة مؤسسة مالية أو أفراد لهم تعاملات مع الحزب بعد قرار التجميد.

وهذه الخطوات هي: التحقق مما إذا كان هناك حسابات أو أموال أو موارد اقتصادية للحزب، أو توفير أية خدمات مالية، وتجميد هذه الحسابات وغيرها من الموارد المالية، وتعليق تقديم أية خدمات مالية للحزب، والامتناع عن التعامل بهذه الأموال أو إتاحتها لهذا الكيان المنصوص عليه في القرار، ما لم تكن مرخصة من قبل مكتب تنفيذ العقوبات المالية، وإبلاغ مكتب تنفيذ العقوبات المالية بأية نتائج ومعلومات إضافية من شأنها تسهيل الامتثال للقرار، وتقديم أية معلومات تتعلق بالأصول المجمدة للأشخاص المدرجين في القرار.

وتدرج بريطانيا 75 منظمة في قائمة الإرهاب الدولي لديها، تطبيقاً لقانون الإرهاب الصادر عام 2000.

 

 

للمشاركة:



ثلاثة أطماع عثمانية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

محمد نور الدين
ليس من دولة تتحرك وفق العواطف فقط، فالمصالح السياسية والاقتصادية والأمنية تتقدم كل الأولويات. لكن النموذج التركي في التعامل مع قضايا المنطقة، يُرفد بشحنة عالية جداً من الموروث التاريخي والإيديولوجي ويكاد أحياناً ينحبس فيه.
ولنا في حالات العراق وليبيا وسوريا نماذج واضحة على التوجهات التركية التي تختلط فيها المصالح والإيديولوجيا.
في الحالة العراقية: في العام 1926 انسلخت ولاية الموصل نهائياً عن خريطة حدود «الميثاق الملّي» التي رسمها البرلمان التركي/العثماني عام 1920. ولم تكن مطالبة تركيا بتلك الولاية حينها إلا لهدفين أساسيين، الأول وضع اليد على الثروات النفطية فيها، وهو الأمر الذي لم يتحقق، ولكن في اتفاق أنقرة 1926 نجحت تركيا في وضع اليد على عشرة في المئة من نفط العراق على مدى 25 عاماً. والثاني هو إلحاق أكراد العراق بتركيا، حيث يبقون تحت رقابتها المباشرة، فلا يتحركون ضدها من خارج الحدود، وضمن سيادة دولة أخرى.
لكن بعد ذلك، ولا سيما مع حرب الخليج الثانية (حرب تحرير الكويت)، استيقظت العثمانية الجديدة عند الرئيس التركي الراحل طورغوت أوزال، وأراد إحياء ضم الموصل/كركوك، بفكرة دخول الجيش التركي إلى هناك. لكن معارضة رئيسي الحكومة والأركان منعاه من تنفيذ المشروع. ومع الغزو الأمريكي للعراق عام 2003 استعادت العثمانية الجديدة دماءها بسعي قادة حزب العدالة والتنمية لضم شمال العراق، بذريعة أن الفيدرالية الكردية تخالف اتفاق أنقرة 1926. وذهبت كلمة أردوغان من «أن الموصل كانت لنا» مثلاً، للتدليل على هذه الأطماع. كما أن الجيش التركي موجود في أكثر من عشرين مركزاً عسكرياً في شمال العراق وبشكل ينتهك السيادة العراقية التي يفرط بها حكام بغداد، ولا يجرؤون على حمايتها من نفوذ العثمانيين الجدد.
في الحالة السورية: كان اتفاق أضنة يضمن أمن تركيا مئة في المئة بين عامي 1998 و2011، ولم يكن أي مقاتل كردي من حزب العمال الكردستاني يستطيع التحرك من سوريا للقيام بعمليات في تركيا. لكن مع ما يسمى ب «الربيع العربي»، كانت أوهام «الربيع العثماني» تتحرك من جديد في رؤوس قادة حزب العدالة والتنمية جميعاً. المصالح كانت واضحة بالتدخل العسكري في سوريا. تريد أنقرة ضم الشمال السوري الذي كان ضمن حدود ميثاق 1920. وتريد تغيير البنية الديموغرافية حتى لا يبقى كردي واحد هناك. وعبر الاحتلال تتم المساومات في النهاية على تطلعات تركيا النفطية والاقتصادية والتاريخية، لتحقق تركيا في الشمال السوري ما فشلت فيه في كل سوريا. بل إن أردوغان هدد علناً الرئيس السوري بشار الأسد يوم الثلاثاء الماضي من أنه إذا لم يوقف خروقاته لوقف النار في إدلب، فسيتحرك الجيش التركي لوضع حد لها.
في الحالة الليبية: رغم آلاف الكيلومترات، فإن تركيا ترى في ليبيا المنقذ لسياساتها الفاشلة في المنطقة. حكومة في طرابلس تأتمر بإيديولوجيا الإخوان المسلمين، مستعدة لاستقدام الاحتلال التركي إلى ليبيا، ووقعت اتفاقاً مع أنقرة التي بدأت بإرسال قوات إلى ليبيا بعدما سبقت ذلك بإرسال آلاف المسلحين من إدلب السورية إلى ليبيا. وقد وجدت تركيا الفرصة مناسبة لوضع قدم لها هناك. من جهة للاستفادة من الثروات الليبية بحراً وبراً، ومن جهة ثانية تهديد الأمن القومي العربي والمصري تحديداً.
وفي الحالتين السورية والليبية يهدد المحتل أصحاب الأرض، لكن مع الأطماع التركية في الثروات الليبية، وتحويل ليبيا إلى منصة تهديد لمصر وتونس والجزائر وكل شمال إفريقيا، لا ينسى أردوغان في كلمة له الثلاثاء الماضي القول «إن البعض يرى ليبيا بعيدة عن تركيا لكنها بالنسبة لنا ليست كذلك. لقد كانت ليبيا جزءاً من الدولة العثمانية. ولا يمكن أن ندير ظهرنا لمطلب مساعدة إخوتنا هناك. إن الانقلابي حفتر يريد أن يقضي على بقية الدولة العثمانية هناك، قبيلة «كور أوغلو»، ووظيفتنا أن نحمي أحفاد أجدادنا هناك». وكان هو نفسه قال بعد عودته من زيارة تونس إن ليبيا «أمانة عثمانية».
ثلاثة نماذج تتعامل معها تركيا انطلاقاً من أطماع تجمع بين الراهن والتاريخي/الإيديولوجي. وعلى هذا المنوال، تتواصل الحركة التركية لتشمل لاحقاً كل زاوية من أراضي الوطن العربي كانت تحت الاستعمار العثماني. فهل ثمة شك بعد في ما يضمره حزب العدالة والتنمية من العام 2002 وحتى اليوم من تطلعات وأطماع عثمانية تجاه منطقتنا العربية؟

عن "الخليج" الإماراتية

للمشاركة:

هل اقترب إجهاض التدخل التركي في ليبيا؟

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

يوماً بعد يوم تجد انقرة نفسها معزولة في تدخلها غير المشروع في الشأن الليبي.

ويقترب يوما بعد يوم وبشكل متسارع اجهاض المشروع التركي التوسعي في ليبيا.

اوروبا التي رفضت بجميع دولها التدخل التركي في ليبيا أيا كان شكله او أسبابه يبدو انها أجمعت على امر واحد وهو انهاء هذا التواجد التركي في ليبيا بأي شكل.

وفي هذا الصدد، لم يستبعد مفوض الشؤون الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل إرسال الاتحاد الأوروبي مهمة عسكرية إلى ليبيا.

وقال بوريل في مقابلة مع مجلة دير شبيجل الألمانية اليوم الجمعة: "إذا حدث وقف لإطلاق النار في ليبيا، سيتعين على الاتحاد الأوروبي أن يكون مستعدا للمساعدة في تطبيق ومراقبة وقف إطلاق النار – وربما أيضا بجنود".

وتعتزم المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل الاجتماع مع قادة من الدول المشاركة في النزاع الليبي خلال مؤتمر في برلين بعد غد الأحد لبحث حل سلام في ليبيا، التي تشهد حربا أهلية منذ سنوات.

وتواجه حكومة رئيس الوزراء الليبي، فايز السراج، ضغطا من قبل المشير خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي الذي يسيطر على أجزاء واسعة في ليبيا، خاصة في شرق البلاد، بينما تسيطر حكومة الوفاق الليبي على أجزاء صغيرة في شمال غرب البلاد.

ومن المنتظر أن يشارك السراج وحفتر في مؤتمر ليبيا الأحد.

وقال بوريل إن روسيا وتركيا أعدتا خطة لوقف إطلاق النار في ليبيا.

وأضاف: "هذا من المحتمل أن يكون نبأ جيدا للغاية للمواطنين في ليبيا، لكنه ليس بالضرورة تأكيد على النفوذ الكبير للاتحاد الأوروبي"، مطالبا الأوروبيين بتطبيق حظر توريد الأسلحة لليبيا، موضحا أن هذا الأمر غير فعال حاليا بسبب عدم تولي أحد زمام المراقبة.

وكان  وزير خارجية الاتحاد الاوروبي ندد بتدخل تركيا في النزاع الليبي اثر اجتماع في بروكسل مع وزراء خارجية فرنسا والمانيا وايطاليا وبريطانيا.

وردا على سؤال للصحافيين يتصل ببيان مشترك يدين التدخل الأجنبي من دون اي توضيح اضافي، قال بوريل "من المؤكد ان ذلك يشير الى القرار التركي بالتدخل عبر قوات (برية) في ليبيا".

وأضاف "انه امر نرفضه ويزيد من قلقنا حيال الوضع” في هذا البلد.

وعقد بوريل واربعة من نظرائه في دول اعضاء في الاتحاد الاوروبي اجتماعا طارئا  لبحث الوضع في ليبيا.

وأورد البيان المشترك ان "الاتحاد الاوروبي مقتنع بان لا حل عسكريا للازمة الليبية”، داعيا الى “وقف فوري للعمليات القتالية".

وصرح وزير الخارجية الالماني هايكو ماس لدى وصوله الى بروكسل "باتت ليبيا مكانا تخوض فيه قوى اخرى حربا بالوكالة، ونرفض هذا الامر".

واعتبر بوريل أنّ "تركيا وروسيا غيّرتا التوازن في الحوض الشرقي للبحر المتوسط"، حذّر من أنّه "لا يمكننا أن نقبل بأن يتكرّر نفس الوضع في ليبيا".

واتّهم بوريل كلاً من موسكو وأنقرة بالانخراط عسكرياً في ليبيا بإرسال أسلحة ومرتزقة.

وقال "هناك المزيد والمزيد من الأسلحة والمرتزقة. لم يعد بإمكاننا القول إنّ في ليبيا حرباً بلا مقاتلين".

وبذلك تكون أوروبا قد وصلت الى قناعة راسخة بأن التدخل التركي سوف يقود الى فوضى لا مثيل لها في ليبيا ويغري المزيد من الجماعات المسلحة للانخراط في الصراع وبالتالي تتحول ليبيا الى ميدان صراع طويل الأمد تمتد مخاطره الى أوروبا مباشرة.

عن "أحوال" التركية

للمشاركة:

حفتر يقطع الطريق أمام الخدعة الأردوغانية

حفريات's picture
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-18

جوان سوز

أحرز الجيش الوطني الليبي الذي يقوده المشير خليفة حفتر، تقدّماً ميدانياً كبيراً منذ إعلانه منتصف الشهر الماضي عن معركة الحسم لتحرير العاصمة طرابلس من المليشيات الإرهابية المدعومة من تركيا التي يقودها فايز السرّاج رئيس حكومة "الوفاق الوطني" المنتهية صلاحيتها، الأمر الّذي وضع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في مأزق كبير.

فالرئيس التركي عارض حكومات اليونان ومصر وقبرص وغيرها من الدول للمضيّ قدماً في الاتفاقيات التي وقعها مع السرّاج رغم أن بعضاً منها ينتهك حقوق عدّة دول شرق المتوسط، كمصر واليونان وقبرص، لكن أردوغان تجاوز كلّ المواقف الرافضة لاتفاقياته تلك وقدّم الدعمين العسكري واللوجستي غير المحدود للسرّاج، كي يسيطر على ليبيا بأكملها، لا سيما أنها بلد غنيّ بالثروات النفطيّة وتستحق خوض هذه المغامرة، وفقاً لطموحات أردوغان غير المحدودة في العالم العربي.

وكان يهدف أردوغان من خلال تلك الاتفاقيات إنقاذ ميليشيات حليفه السرّاج، لا سيما أنها لم تصمد كثيراً أمام هجمات الجيش الليبي، حيث خسرت كثيرا من مواقعها، لذلك لم تكتفِ أنقرة بإرسال مرتزقةٍ سوريين للقتال إلى جانب تلك المليشيات، بل أرسلت كذلك خبراء ومستشارين وجنودا من الجيش التركي إلى الأراضي الليبية لدعم السرّاج. ومع ذلك، قُتِل عشرات الجنود الأتراك والمرتزقة السوريين هناك، ولم يستطع أردوغان إنقاذ حليفه الليبي في أرض المعركة.

ومع مرور نحو شهر كامل من المعارك بين الجيش الليبي والمليشيات التي يقودها السرّاج، أدرك أردوغان أن المعادلة العسكرية على الأراضي الليبية لن تتغير لصالح حليفه، فالمرتزقة السوريون يجهلون التضاريس الليبية وكذلك الجنود الأتراك، الأمر الذي يسهم في تقدّم مقاتلي الجيش الليبي، خصوصا أن مليشيات السرّاج تشكّلت على هيئة "عصابات"، وهي غير مدرّبة بالشكل المطلوب، لذا لجأ أردوغان مؤخراً إلى خدعة أخرى ليمنح من خلالها حليفه وقتاً إضافياً وليتقدّم نتيجة ذلك ميدانياً على الأرض.

وتأتي خدعة أردوغان على شكل هدنة لوقف إطلاق النار بين الجيش الليبي ومليشيات السرّاج بعد اتفاقٍ روسي ـ تركي، لكن في واقع الأمر، فالمليشيات التي يقودها السرّاج اخترقت الهدنة منذ لحظاتها الأولى ليلة الأحد الماضي، وشنّت بعد ذلك هجوماً مضاداً على مواقع الجيش الليبي، الأمر الّذي يعني أن هذه المليشيات لن تلتزم أبداً بأي هدنة، خصوصا أن مجموعاتها العسكرية غير منضبطة وقيادتها غير موحّدة، لذلك فالجيش الليبي رغم تقدّمه الميداني الكبير، كان سيخسر الكثير فيما لو لم يرفض هذه الهدنة الهشّة.

وباعتقادي، فإن أفضل ما فعله الجيش الليبي أكثر من تقدمه الميداني على الأرض، كان رفض قائده المشير خليفة حفتر، الموافقة على هذه الهدنة، فقد غادر العاصمة الروسية قبل ساعات، تاركاً أردوغان يسقط في ليبيا، لا سيما أن الأخير كان يسعى لنقل تجربة جيشه في سوريا إلى ليبيا.

وعلى سبيل المثال بعد فشل الجيش التركي من التقدم ميدانياً في مدينتي رأس العين/سري كانييه وتل أبيض/كري سبي، السوريتين قبل نحو ثلاثة أشهر، وافق أردوغان على هدنتين؛ الأولى أمريكية والثانية روسية، وكلتاهما مكّنت جيشه مع المرتزقة السوريين، من السيطرة على المدينتين، لذلك كان يرغب بتكرار الأمر ذاته في ليبيا، لكن مغادرة حفتر لموسكو قطع الطريق أمام هذه الخدعة الأردوغانية.

لذلك، الكرة الآن في مرمى الجيش الليبي وعليه أن يشدد بقوة على رفضه المطلق للهدنة الروسية ـ التركية التي تهدف بالدرجة الأولى لشرعنة الوجود التركي في ليبيا مع مليشيات السرّاج، فحصول هذه الهدنة، سينجم عنه تقدّم المليشيات الإرهابية على حساب الجيش الليبي، وهذا ما لا يجب أن يحصل أبداً.

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية