هل تسعى السلطة الدينية لاختطاف الدولة في صومالي لاند؟

يواجه الناشط والأستاذ الجامعي، محمود جامع أحمد حمدي، في مدينة هرجسيا، عاصمة صومالي لاند، حكماً قضائياً بالسجن لمدة عامين ونصف العام، بسبب نشره على موقع فيسبوك منشوراً اعتبرته السلطات "تجديفاً بالدين".

تشكّل حالة سجن الأستاذ الجامعي محمود حمدي والشابتين الكنديتين مثالاً على الواقع المرير الذي وصلته الحريات العامة في صومالي لاند

وانتقد محمود حمدي، في منشوره، النهج اللامبالي الذي اتخذته الحكومة تجاه الجفاف؛ حيث يصلي الناس إلى الله تعالى بدلاً من اتخاذ خطوات استباقية لحلّ مشكلة الجفاف المتكرر، وقال أحمد حمدي: إنّ "الصوماليين يجب أن يتعلموا من (المجتمعات المتقدمة) كما هو الحال في الولايات المتحدة وأوروبا، في معالجة الجفاف، عن طريق تكنولوجيا إنزال الأمطار".
وتعاني صومالي لاند، وأجزاء كبيرة من الصومال، من الجفاف المتكرر في الأعوام الأخيرة، وهي ظاهرة مرتبطة بتغيير المناخ، وتسبّب الجفاف في نفوق الملايين من الماشية، في بلدٍ يعتمد اقتصاده على تصدير المواشي إلى الخارج، كما تسبّب في نزوح مئات الآلاف من الأشخاص من قُراهم وبلادتهم، بحثاً عن الماء.

تهمة "التجديف" تلاحق محاضراً جامعياً قال إنّ "الاستسقاء" لا يكفي لمكافحة الجفاف

حرية التعبير في خطر
أثار سجن محمود حمدي مخاوف بشأن الحقّ في حرية التعبير والضمير في صومالي لاند، والتي تروّج لنفسها باعتبارها بلداً ديمقراطياً، تشكّل القيم المتعلقة بالحرية واحترام حقوق الإنسان، ومبدأ تنظيم انتخابات دورية نزيهة بالاقتراع العام، عناصر ضرورية في سبيل سعيها إلى فكّ الارتباط الكامل مع الصومال، ونيل الاعتراف من المجتمع الدولي كدولة مستقلة.

اقرأ أيضاً: هل تصلح تركيا لرعاية المفاوضات بين الصومال وصومالي لاند؟
ويحذّر مراقبون من أنّ تراجع مستوى الحريات العامة، بما فيها حرية التعبير والضمير، من شأنه أن يعرقل الاستقلال المنشود، ويؤكد ذلك المحلل السياسي الصومالي، عبد الرزاق عول، الذي يقول إنّ "مثل هذه الملاحقات القضائية قد تتحوّل إلى أداة تعسفية بيد النظام لتكميم الأفواه". ويبيّن، في حديثه لـ "حفريات" بأنّ ثمة "حالة من التربص بحرية الرأي والتعبير من قبل أفراد ومؤسساتٍ تريد فرض وصايتها على المواطنين، في ظل ّمناخ هشٍّ تعيشه الدولة، حيث يتنفّذ رجال الدين في أجهزتها المختلفة".
وفيما خصّ التجديف وازدراء الأديان أضحى ذلك، كما يقول الباحث السياسي أحمد علي "تهمة اجتماعية وسياسية، تُلقى على كلّ من يعترض على حماقات وعلى سياسات تعود إلى القرون الوسطى"، ويضيف: "رغم عدم وجود قوانين تتعلق بازدراء الأديان في الدستور، إلا أنّ السلطة لا تترد باستخدام شرعيتها، وفق أهواء المؤسسة الدينية المتحالفة مع الطبقة الحاكمة لإخماد صوت العقل."
سلطة رجال الدين
تعدّ هذه الحادثة سابقة من نوعها في صومالي لاند؛ ففي الوقت الذي تلعب قوانين تجريم ازدراء الأديان عربياً دور "عصا السلطة" ضدّ أصحاب الآراء التي لا تناسبها، ينصّ الدستور الصومالي لاندي، في مادته الخمسين، على حرية الاعتقاد والضمير لكافّة المواطنين، ولا توجد قوانين متعلقة بازدراء الأديان في الدستور، كما هو الحال في معظم البلدان الإٍسلامية.
لكن بدلاً من ذلك؛ ينصّ الدستور على هيئة للعلماء، تبتّ بالخلافات الدينية، ورغم أنّ الحكومات المتعاقبة تملّصت من إنشاء هذه الهيئة الديينة، وظلت حبراً على ورق، إلا أنّ رجال الدين ينشطون في صومالي لاند بكثافة، وبطريقة غير رسمية، ويحتفظون بسلطات قوية للتدخل في حياة الأفراد والدولة والمجتمع.

حمدي قال إنّ الصوماليين يجب أن يتعلموا من المجتمعات المتقدمة كيفية معالجة الجفاف عن طريق تكنولوجيا إنزال الأمطار

ويشكّل رجال الدين وهيئاتهم المختلفة، مثل "هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، ما يشبه الشرطة الدينية، ويعملون على استهداف أيّ صاحب رأي مخالف ببلاغات ودعاوى كيدية، بتهم كازدراء أو تحقير أو إهانة الدين، وهم لا يضعون مفاهيم واضحة للمصطلحات التي يذكرونها، مثل "ازدراء وتحقير الدين"، أو "الإضرار بالوحدة الوطنية"، الأمر الذي يتيح إمكانية تفسيرها بما تقتضيه مصالحهم الفئوية والشخصية.
وفي سياق متصل؛ أُفرجت شرطة صومالي لاند، في الثالث والعشرين من نيسان (أبريل) الماضي، عن شابتين كنديتين، اعتقلتهما الشرطة قبل ثلاثة أشهر، بتهمة تناولهما الكحول في مدينة هرجيسا، وغادرت ميمونا عبدي (28 عاماً)، وكريما واتس (24 عاماً)، إلى مطار بيرسون الدولي في تورنتو.
ويعدّ احتساء الكحول أمراً غير قانوني في صومالي لاند، وأفادت الشابتان لوسائل الإعلام؛ بأنهما احتجزتا في سجن محطة "كودبور" للنساء في هرجيسا، وتعرضتا لسوء المعاملة أثناء احتجازهما لمدة شهرين.
وقالت ميمونا عبدي؛ إنّها وصديقتها تعرضتا لسوء معاملة شديدة، عاطفية ونفسية، وكذلك لــ "الانتقام البدني" في السجن، وأردفت إنهما حُرمتا من المساعدة الطبية، ومن المستشار القانوني، وفي بعض الأحيان من الطعام والشراب، وقالت إنّه وفق الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان؛ فإنّ هذا الحرمان يشكل تعذيباً.
وينتقد مدافعون عن حقوق الإنسان سلطات رجال الدين الاجتماعية المطلقة، كما أنّ متطرفين صوماليين ومواطنين عاديين يستغلونه لتسوية حسابات شخصية.

اعتقلت الشرطة في مدينة هرجيسا لمدة ثلاثة أشهر شابتين كنديتين بتهمة تناولهما الكحول

استفحال التطرف
يؤكد مراقبون للوضع؛ أنّ قوة وسلطة رجال الدين في المجتمع الصومالي، رغم أنها تُستمد من الرابطة الاجتماعية، لكنها تقوى وتتدعم بالموقف الرسمي للدولة؛ لذلك فإنّ تحجيم دورهم في المجال العام والقضاء، يعدّ من أهم القضايا التي يجب أن تعالج من جهة الدولة في المنظور القريب.
ويعدّ فكر رجال الدين المتطرّف والتكفيري كلّ خلاف معه محرّماً ويجب إقصاؤه وإلغاؤه واستئصاله، وفئة رجال الدين لا تؤمن بالحوار، ويبسطون سلطانهم على محيطهم، مستخدمين سلطة النصّ الديني، ما دامت تتلبسهم فكرة امتلاك الحقّ والسعي للوصول إليه وإلى الحقيقة بكلّ الوسائل، المشروعة وغير المشروعة، أحياناً، وما داموا يحاولون "أدلجة" سلوكهم، وإعطاء أنفسهم مبرّرات لقمع الآخر أو تصفيته، سواء كان ذلك بزعم الدخول إلى الجنّة، أو إبادة الخصم الكافر، أو القضاء على المروق والإلحاد، أو تحقيق مصلحة البلد، أو غير ذلك من محاولات إخضاع الآخر.

اقرأ أيضاً: هل ستكون بريطانيا أول دولة تعترف بصومالي لاند؟
ويستعين الخطاب المتشدّد في سبيل ذلك بأجهزة الدولة المختلفة، التي هي الأخرى تستفيد من خطابهم المساند لها، فباتت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة أصوات مساندة للحزب الحاكم وسياساته من فوق المنابر، وهي ظاهرة جديدة في صوماللاند.
فبسبب أنّ رجال الدين يحظون باحترام جموع الناس، ولديهم مصداقية أكثر من السياسيين لدى الكثيرين منهم، فإنّ لعبهم أدوراً سياسية من المساجد يكسر إطار القدسية، ويحطم الصورة المترفعة التي تربط رجل الدين بالورع والتقى، وينعكس ذلك سلباً على صورة الخطاب الديني، بشكل عام، الذي يظهر بمظهر المفرّق لا الموحِّد.

باتت تطفو على السطح في الآونة الأخيرة أصواتٌ مساندة للحزب الحاكم وسياساته من فوق المنابر

تشكّل حالة سجن محمود حمدي، وحبس الشابتين الكنديتين لمدة ثلاثة أشهر، مثالاً على الواقع المرير الذي وصلته الحريات العامة في صومالي لاند، وتفتح أبواب التحليل السياسي لتحديد مستقبل العلاقة بين المؤسسة الدينية ورجالاتها من جهة، والدولة من جهة أخرى، وهل ستفضي تلك الأحداث، التي يصفها البعض بأنّها صعود نجم "السلطة الدينية" في صومالي لاند، إلى انقلاب على الدولة ليتفرّد رجال الدين في التحكم بحياة الناس؟

الأقسام: