هزيمة الإخوان في "المهندسين" أعمق من خسارة نقابة

صورة عمر الرداد
كاتب أردني وخبير بالتحليل الأمني الاستراتيجي
3790
عدد القراءات

2018-05-07

فتحت خسارة إحدى أبرز القلاع التاريخية للإخوان المسلمين في الأردن، ممثلة في نقابة المهندسين، التي تضمّ في هيئتها العامة حوالي 150 ألف مهندس، شهيّة المتابعين للشأن الأردني العام لقراءة هذا التطور المفصلي في تاريخ جماعة الإخوان المسلمين، باعتباره محطة بارزة، ومقياساً في حجم القوة التأثيرية للإخوان، خاصّة أنّ هذه "الهزيمة"، إن جاز التعبير، غير معزولة عن سلسلة من الإخفاقات، نتجت عنها خسارة قلاع إخوانية أخرى في إطار العمل النقابي؛ في الاتحادات الطلابية والمعلمين، وقبلها في البرلمان والبلديات، وتشكّل في أحد أوجهها نتائج محاكمة للبرنامج الإخواني وإنجازاته، وبعيداً عن مزاعم إخوانية تعزو سبب هذه الهزيمة إلى مؤامرات داخلية وأخرى خارجية، بدلاً من التوقف والبحث عن أسباب هذا الفشل، في ظلّ حالة إنكار للاعتراف بالتغييرات العميقة التي يشهدها المجتمع الأردني والإقليم، فإنّنا نرى أنّ قراءة أسباب هزيمة الإخوان المسلمين جاءت في السياقات الآتية:

خزائن النقابات تزدحم بملفات قضايا فساد بقيادة الإخوان المسلمين في صناديق التقاعد والاستثمارات، والوساطات، والمحسوبية

أولاً: لم يقدم الإخوان المسلمون نموذجاً يحتذى به في العمل العام، خاصة النقابي؛ حيث يشاع أنّ خزائن النقابات "تزدحم" بملفات قضايا فساد بقيادة الإخوان المسلمين، في صناديق التقاعد والاستثمارات، والوساطات، والمحسوبية، التي أسهمت في نزع "القداسة" عنهم، خاصة أنّهم يقدّمون أنفسهم بخطاب مشحون بقداسة مكثفة تستلهم المراحل الأولى للخلافة الإسلامية، والأهم انكشاف مزاعم محاربتهم للفساد في الدولة؛ حيث تأكّد جمهورهم وخصومهم، على السواء، من أنّ مضمون هذا الخطاب مجرد ذرّ للرماد في العيون، بما في ذلك أداء كتلتهم النيابية "الإصلاح"، التي لم يختلف أداء أعضائها عن بقية أعضاء البرلمان، في مساومة الحكومة للحصول على مكاسب، مقابل تمرير قرارات ومشروعات قوانين غير شعبية.

ثانياً: استنفاد برامج الإخوان المسلمين مبررات وجودها، في إطار سقوط الأيديولوجيا، ضمن اتجاه عالمي لم يعد معنياً بالأفكار الكبرى، وتشدّه البرامج العملية الواقعية، التي تساهم في إنقاذه من أزماته الاقتصادية والاجتماعية والوطنية، وهذا ما يفسر نجاح الكتلة المنافسة "نمو" في نقابة المهندسين، التي ضمّت خليطاً من اتجاهات فكرية، ربّما غير متجانسة فكرياً، لكنّها متجانسة بتحييد الأيديولوجيا، إضافة إلى كون غالبية قواعد هذه الكتلة من جيل الشباب، الذين يؤمنون ببرامج واقعية.

ثالثاً: انشقاقات تنظيم الإخوان، المرتبطة أساساً بخلافات عميقة عكست إدراك بعض الرموز الإخوانية أهمية الفصل بين الدعوي والسياسي، ومطلب ممارسة العمل السياسي في إطار وطني، يضع حداً لعلاقة الإخوان المسلمين بالتنظيم الدولي للإخوان، وإفشال محاولات الإصلاح الداخلية من قبل تيار إخواني معروف، يملك السيطرة على أموال الجماعة واستثماراتها.

وفي السياق ذاته، بالتزامن مع هزيمة الإخوان في نقابة المهندسين، نجح التيار الإخواني المتشدد، الرافض للإصلاح، بالإطاحة بأحد أبرز رموزه في انتخابات رئاسة حزب جبهة العمل الإسلامي، وهو القيادي زكي بني ارشيد، على خلفية أسباب وظروف عديدة، من بينها طروحات بني ارشيد حول الدولة المدنية والإصلاح داخل الجسم الإخواني، وهو ما ينذر بانشقاق جديد داخل الإخوان، رغم محاولات التيار الأكثر تشدداً احتواء ردود الفعل المتوقعة لبني ارشيد.

هناك تيار في قيادة الإخوان يتوهّم أنّ مرجعيات الصراع وأدواته التي تأسست في "فورة" الإسلام السياسي ما تزال قائمة

ومن الواضح أنّ هناك تياراً في قيادة الإخوان، منفصلاً عن الواقع، يراهن على أنّ مرجعيات الصراع وأدواته التي تأسست في "فورة" الإسلام السياسي ما تزال قائمة، هذا الإصرار تعيشه تنظيمات الإسلام السياسي، ليس في الأردن فحسب؛ بل في دول عربية وإسلامية أخرى، وهو ما سيجعل "الانشقاق" أمام مشروعات الإصلاح من داخل الإخوان، طريقاً وحيداً لتحقيق التغيير، مع تمسك تيار التشدد بمفردات قاموسه القائم على التلاعن والشتيمة وشيطنة الآخر، وهو ما ظهر في ردود فعل أحد نواب الحركة الإسلامية "سعود أبو محفوظ"، في إسباغ صفات مهينة على القوى التي نافست كتلة الإخوان في انتخابات المهندسين، وطرح تساؤلات حول جذور الكراهية والتطرف في الخطاب الإخواني، وحقيقة القناعة الإخوانية بالديمقراطية، وجوهرها صندوق الاقتراع ومخرجاته.

نتائج "الفشل" الإخواني في العمل النقابي، تطرح تساؤلات حول قدرتهم على الاحتفاظ بما تبقى لهم من شعبية، وفرص فوزهم في أيّة انتخابات، برلمانية أو بلدية أو نقابية مقبلة، ونهاية صيغة "الاكتساح والاحتلال" خاصة أنّه يجري الحديث عن قانون انتخابي جديد لمجلس النواب الأردني، وبصرف النظر عن مضامينه، ستؤكد النسبية، إذا ما تمّ الأخذ بها، أنّ مفاهيم المغالبة والاكتساح لن تحدث، وأنّ خصوم الإخوان اليوم ليسوا اليسار والقوميين والعلمانيين وأبناء الطوائف؛ بل مجاميع لم تعد تشدها الأفكار والمقولات الكبرى، وأنّ ما جرى في انتخابات المهندسين قابل للتكرار.

اقرأ المزيد...

الوسوم: