هكذا قضت سلطنة عُمان على تنظيم الإخوان المسلمين

16554
عدد القراءات

2018-03-05

تميّزت سلطنة عُمان باستقرارها سياسياً خلال السنوات الأخيرة، وهو ما يرجع في جانب منه إلى مبادرة السلطان للإصلاح وتلبية المطالب الشعبية، فضلاً عن غياب الانقسامات السياسية الحادّة في المجتمع، وإذا كان العام 1975 قد مثّل نهاية التوجه الماركسي، فقد جاءت نهاية العمل التنظيمي الإخواني في العام 1994.
عودة الطلبة المبتعثين
مع استقرار الأوضاع السياسية في عُمان، وفي أعقاب نهاية ثورة ظفار العام 1975، وفي ظل أجواء الثورة الإسلامية في إيران (1979)، جاء التأسيس الأول لجماعة الإخوان المسلمين في السلطنة، وذلك في نهاية السبعينيات، وبمبادرة عدد من الطلبة العائدين بعد ابتعاثهم للدراسة الجامعية في دول عربية، وخصوصاً من مصر، مَهد الجماعة، وكان الحضور والعمل الإسلامي في الجامعات المصرية قد بلغ ذروته خلال عقد السبعينيات، وهو ما ترك أثره في عدد من الطلبة المبتعثين، ومنهم العُمانيون.
في البداية، تغلّف نشاط الجماعة دعوياً، باسم نشر مظاهر التديّن في المجتمع، من خلال الكتب، والمنشورات الدعوية، والأشرطة الإسلامية، دون وجود هيكل تنظيمي واضح للجماعة.
التحول إلى تنظيم
بعد حوالي العقد على التأسيس الأول للجماعة، وتحديداً في العام 1988، أخذت الجماعة تتطور تنظيمياً، وبدأت تتشكل ملامح تنظيم أكثر دقة وإحكاماً، مع اعتماد الجماعة نموذج "الأُسَر" للتوسع التدريجي وضمّ الشباب، وكان في طليعة الأسماء التي لعبت دوراً تأسيسياً في العمل الإخواني العُماني: سالم أحمد الغزالي، وعبدالله محمد الغيلاني، وعبدالله طاهر باعمر.

جاء التأسيس الأول لجماعة الإخوان المسلمين في عُمان في ظل أجواء الثورة الإسلامية الإيرانية 1979

وفي العام 1992، حصل التطور الأهم للجماعة، وذلك مع اعتماد شكل جديد يؤطره دستور مكتوب، ووضع رؤية إستراتيجية مبرمجة ببرنامج زمني للأنشطة والفعاليات، واعتماد بنية تنظيمية جديدة؛ حيث أخذت الجماعة شكل تنظيم هرمي، يأتي في أعلاه مكتب تنفيذي منتخب برئاسة المراقب العام، ويليه مجلس شورى منتخب عدد أفراده 15 عُضواً، مع تقسيم السلطنة إلى هيئتين؛ الأولى في الشمال، والثانية في الجنوب، وتقسيم كل هيئة إلى مناطق وشعب بحسب المحافظات.
تزامنت هذه التطورات مع تحولات وأحداث مهمّة على الصعيد الإقليمي العربي، تمثلت بصعود نوعيّ للحركات الإسلامية، وكان أبرزها دور الإسلاميين (حزب التجمع اليمني للإصلاح) في ترجيح كفة الوحدة اليمنية العام 1990، ووصول الإسلاميين إلى الحكم في السودان مع "انقلاب الإنقاذ" بقيادة الجبهة القومية الإسلامية العام 1989، ونجاح الإسلاميين (الجبهة الإسلامية للإنقاذ) في الانتخابات البرلمانية الجزائرية العام 1991.

عبدالله الغيلاني من أبرز الأسماء المؤسسة لتنظيم الإخوان في عُمان

إدانة ومحكامات.. وعفو
تميّز التنظيم الإخواني العُماني باتجاهه نحو العمل السرّي غير المعلن، إضافة إلى وضعه السلطة الحاكمة كخصم سياسي؛ حيث اتجه التنظيم إلى عدم التعاون مع مؤسسات الدولة، أو العمل من خلال قنوات المجتمع المدني، وإنما من خلال الحلقات والتجمعات السريّة.
مع استشعار الدولة لسرعة تنامي الحركة التنظيمية وتوسع قاعدة المنضمين للتنظيم، وفي أيار (مايو) من العام 1994، صدر إعلان إدانة الجماعة بتكوين تنظيم سرّي مناهض للدولة، وكانت التهمة: "الانتماء إلى تنظيم دولي محظور، له فروع في دول أخرى"، وهي الصيغة التي حملت دلالة صريحة على الانتماء الإخواني للمتهمين.

في البداية تغلف نشاط الجماعة دعوياً باسم نشر مظاهر التديّن من خلال المنشورات الدعوية والأشرطة الإسلامية

ترافق الإعلان مع اعتقالات لـ126 من المنتمين للجماعة، تلاها صدور أحكام من محكمة أمن الدولة، تراوحت ما بين أحكام الإعدام بحق العسكريين، إلى أحكام المؤبدات، إلى السجن من 3 إلى 20 سنة.
وكان أخطر ما كشفت عنه الاعتقالات والمحاكمات العام 1994 هو مدى تغلغل التنظيم والنفوذ الذي وصله في الدولة؛ حيث تمكّن التنظيم من الوصول إلى ضمّ عدد من أصحاب المناصب القيادية (من الصف الثاني) في الدولة، في القطاعين المدني العسكري، كان من أبرزهم: مسلم سالم قطن، وكيل وزارة الزراعة آنذاك، وخميس مبارك الكيومي، وكيل وزارة التجارة والصناعة، في حينه، إضافة إلى سفير سابق لدى الولايات المتحدة، والأخطر من ذلك هو الوصول إلى أصحاب مناصب عسكرية حساسة.
وبعد إصدار الأحكام بعام؛ أي العام 1995، أصدر السلطان قابوس بن سعيد عفوا عاما، شمل جميع المحكوم عليهم، ليتم الإفراج عنهم، وقد صاحب العفو شعور واطمئنان من الدولة بتفكك التنظيم وزوال قدرته على تهديد الحكم.

أصدر السلطان قابوس العام 1995 حكماً بالعفو العام شمل جميع المتهمين من تنظيم الإخوان

ما بعد العفو
بعد إصدار حكم العفو، كان أمام الجماعة خياران؛ إما العودة للعمل التنظيمي ذي الطابع السرّي، وهو الخيار الذي بدت خطورته وحجم كلفته، وإما الاتجاه نحو التحول إلى تيار وتجمع فكري علني، تكون الروابط قائمة فيه على العلاقات الاجتماعية، وهو ما فضّلت الجماعة الاتجاه إليه، وبذلك لم يعد للجماعة وجود رسمي ولا شخصية اعتبارية، وهو ما استمر حتى يومنا هذا.

تميّز التنظيم الإخواني العُماني باتجاهه نحو العمل السرّي إضافة إلى وضعه السلطة الحاكمة كخصم سياسي

ومع اندلاع الاحتجاجات العربية العام 2011، لم يكن هناك أي حضور ذي طابع إسلامي منظم في الاحتجاجات العُمانية التي حصلت من كانون الثاني (يناير) إلى أيار (مايو) 2011.
ويشار إلى أنّه في العشرين من آب (أغسطس) عام 2014، وبالتزامن مع اتجاه عدد من الدول العربية إلى حظر الجماعات والأحزاب الإسلامية، والحدّ من مساحة نشاطها، صدر في الجريدة الرسمية العُمانية حكم إسقاط الجنسية عن "كل عُماني يثبت انتماؤه لتنظيم الإخوان"، ما حمل دلالة واضحة على تأكيد الدولة العُمانية استمرار عدم الترحيب بالتنظيمات الإسلامية، والتعامل معها باعتبارها مصدر تهديد.

اقرأ المزيد...

الوسوم: