"حراس الدين".. القاعدة إذ ترتدي ثوباً جديداً

14165
عدد القراءات

2018-03-14

زرعت القاعدة في بنيتها جينات تمنحها القدرة على إعادة التموضع والتشكل، كلّما أوشكت على الاندثار المميت أو التصدع الكبير، ولم يكن زعيمها أيمن الظواهري هازئاً عندما ألمح لقيامة جديدة للقاعدة في سوريا في أحد إصداراته مؤخراً والذي حمل عنوان ذات دلالة "فلنقاتلهم بنياناً مرصوصاً".

لم يمضِ على ذلك الحديث شهر حتى أعلن تنظيم "حراس الدين"، عن تشكله في الشام ببيانه الأول "انقذوا فسطاط المسلمين"، داعياً الفصائل الإسلامية المقاتلة في سوريا إلى التوحد.. كان العنوان أيضاً ذات إشارة لافتة؛ إذ إنّ إنقاذ الفسطاط يحيل العقل الجهادي إلى مرويات النبوءة الكبرى التي يلتقي فيها فسطاط المسلمين بفسطاط الكفر في معركة آخر الزمان، والتي ينتصر فيها المسلمون على الروم وأعوانهم.

ما إن كشف التنظيم الجديد عن نفسه، حتى توالت البيعات عليه من فصائل عديدة ومتناثرة، بلغت حتى كتابة التقرير 10 فصائل أبرزها: "جيش البادية، سرايا كابل، كتيبة البتار، جند الملاحم، جيش الساحل، كتيبة أبو بكر الصديق". إنّها فصائل مطمورة، لم تكن تكشف من قبل عن ولائها للقاعدة، ذهبت للانضمام إلى الكيان الجديد الذي أسسه قادة كانوا مايزالون لتوهم منشقين عن هيئة تحرير الشام، التي أخذها زعيمها أبو محمد الجولاني، في مسارات بعيدة عن القاعدة الأم، فوصفوها هم بالمنحرفة.

لم يكن الظواهري هازئاً عندما ألمح لقيامة جديدة للقاعدة في سوريا في إصدار"فلنقاتلهم بنياناً مرصوصاً"

الخروج من الجحر

خرج القاعديون الكامنون في جحورهم في اتجاه التنظيم الموحد الجديد، فضلاً عن المنشقين من الكيانات القديمة الذين تستروا بها منذ اندلاع الثورة السورية، لكن ذلك لا يعني أنّ جميع الموالين للقاعدة قد انسلخوا عن تنظيماتهم السابقة فالظواهري ليس من هواة "إلقاء البيض في سلة واحدة". جاءت هذه الخطوة بعد أن فشل "الظواهري" في احتواء "الجولاني" الطامح والمتمرد والمعتد برأيه وبنفسه، ومحاولة إعادته إلى حظيرة التنظيم العالمي، وتنفيذ أوامره وسياساته.

لم يكن الظواهري يرغب في بداية اندلاع الثورة السورية، في الزج بتنظيمه تحت مسماه التقليدي "القاعدة" محاولاً الانصهار في مكونات الحالة السورية، حتى ينجو برجاله من مصير محتوم ومجرب، آملاً في الالتفاف على القوى الدولة المتربصة بتنظيمه، فاختار مسميات فضفاضة تحمل مدلولات النصرة لأهل الشام وحماية الشريعة والذود عن الدين.

خرج القاعديون من جحورهم باتجاه التنظيم الموحد الجديد، وكذا المنشقون عن الكيانات القديمة الذين تستروا بها منذ اندلاع الثورة

بيد أنّ الصراع بين الثنائي، أبو بكر البغدادي، زعيم تنظيم داعش، وأبو محمد الجولاني، أمير النصرة، كان قد نشب مبكراً بعدما شعر البغدادي، عبر التقارير التي كان يرسلها رجله الرقيب على الجولاني في هذه الأثناء، أبو محمد العدناني، بأنّ الأول لديه نزعات استئثار وانفراد بالتنظيم الوليد، فضلاً عن نزعات لتمكين الأنصار الشوام على المهاجرين، فاستبق البغدادي بإعلانه تبعية "النصرة" للتنظيم العراقي، ثم حلّه وضمّه إليه، والإعلان عن كيان جديد مدمج "دولة الإسلام في العراق والشام".

لاذ "الجولاني" بإلحاح من رفيقه –في هذا الوقت- أبو ماريا القحطاني، بزعيم القاعدة، وبايعه بعد رفضه لقرار "البغدادي" بالاندماج، وهو ما لاقى قبولاً ولوماً في الوقت ذاته لدى الظواهري، الذي رأى أنّ أوراق لعبته في الشام تنكشف وتتعرى.

أخذت داعش في الضعف والتكلس، فحفز ذلك زعيم النصرة لفك ارتباطه بالقاعدة، بدعوى الهروب من المواجهة العالمية، والعمل تحت شعار المحلية وتنحية العالمية، ثم أعلن عن تشكيل "جبهة فتح الشام" العام 2016م. ظن رجالات القاعدة في البداية أنّ فك الارتباط هو مجرد إجراء تكتيكي لكن هواجسهم كانت قد تزايدت بفعل تصرفات الجولاني.

تحولت تلك الهواجس إلى حقيقة، وتفجرت الخلافات العميقة، وسرعان ما ضربت الكيان الانقسامات على إثر إعلان كيان جديد حمل مسمى "جبهة تحرير الشام" العام 2017، فشنّ الجولاني جملة اعتقالات واسعة طالبت عدداً من أبرز قادة القاعدة الرافضين لفك الارتباط كان منهم شيخه سامي العريدي.

هنا تدخل الظواهري، مطالباً الجولاني بوقف الحملة والإفراج عن المعتقلين، إلا أنّ خطابه احتوى على نوع من التقدير والاحترام لزعيم الجبهة، الذي وصفه أيضاً في نفس الخطاب بــ "الناكث للبيعة"، فعمل على تسكين الجولاني للإفراج عن أتباعه من جهة وفي الوقت نفسه على لملمة أشلاء فصائله المتناثرة. ومع أنّ زعيم الجبهة المتمرد كان قد تحسب لذلك واتخذ تدابيره الوقائية إلا أنّه اضطر مع ضغط القاعدة وحملتها الإعلامية للإفراج عن القادة الذين ذهبوا لفرض كيانهم الجديد وتهديد الكيان القديم.

بات الجولاني تحت مطارق عدة، فلول البغدادي، والظواهري، وقوات الأسد، وصائدات التحالف

التهديد الخطر

بات الجولاني الآن تحت مطارق عدة، ففلول البغدادي الموتورين يشحذون له نصالهم، والظواهري يسحب الأرض والرجال من بين يديه، وقوات الأسد تطالب برأسه، وصائدات التحالف تحلق فوقه في انتظار لحظة الانقضاض، أما تركيا فهي لاشك غاضبة من خضوعه للقاعدة بإطلاقه سراح زعمائها.

وتزيد ضبابية المشهد السوري يوماً بعد يوم، في ظل التساؤلات عن سيناريوهات المستقبل ومن عساه من اللاعبين يبقى للجولات النهائية.

لمحاولة فهم المشهد السوري القاتم استعنّا بالباحث في شؤون الجماعات الإسلامية،مصطفى زهران، ليفكك بعضاً من تعقيدات تلك الحالة حيث قال: ثمة خلافات فكرية وفقهية لهذا التشكل الجديد كانت بمثابة الإرهاصات الأولى داخل أروقة التنظيمات والحركات الجهادية المحسوبة على تنظيم القاعدة في الداخل السوري مهدت لأن يتمخض عنهما "تنظيم حراس الدين"، خاصة بعد توقيف واعتقال عدد من هذه الرموز الفقهية –المشرعة - من قبل الجولاني، أمثال؛ "أبو جليبيب الأردني".

جاءت هذه الخطوة بعد أن فشل "الظواهري" في احتواء "الجولاني" الطامح والمتمرد والمعتد برأيه وبنفسه

ويؤكد "زهران" في حديثه لــ"حفريات" أنه: مع الظهور الجديد لتنظيم القاعدة بشكل يوازى تمظهره القديم الذي انفصل عنه عقب تحوله من "النصرة" إلى "فتح الشام"، يجعلنا ذلك أمام مرحلة جديدة للتنظيم في الداخل السوري سواء في علاقاته البينية بين بقية التنظيمات خاصة بعد فقد "داعش" أحد أهم معاقله الرئيسة "الرقة"، أو في آلياته لمواجهة النظام السوري.

ويشير الباحث إلى أنّ تنظيم القاعدة مايزال يشكل تهديداً، وتشهد المراكز البحثية الغربية في الوقت الراهن نقاشات كثيفة تشارك فيها تقديرات وتحقيقات لعدد من الباحثين والأكاديميين الغربيين حول "أي من التنظيمات الجهادية العالمية يمكن القول بأنه يمثل تهديداً حقيقياً وجاداً لهم، تنظيم "القاعدة" الشائخ -هناك انقسام حول قوته وقدراته الحالية وحول توصيفه بذلك- من جهة و نظيم الدولة الإسلامية " داعش" من جهة أخرى".

وعلى الرغم من كون "داعش" هو التنظيم الأكثر تصدراً للمشهد الجهادى العالمي، خاصة بعد تجربته الدولاتية الأخيرة في الموصل والرقة، إلا أنّ الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية يرى هذ الكمون القاعدى الخطر الأكبر والتهديد الحقيقي لهم جميعاً، وهو ما يجعلنا نتفهم مطالبة بعض هذه المراكز باحثيهم بتقديم قراءة جديدة للتنظيم تنطلق من واقعه القائم ومستشرفا مشهده المستقبلي، وفق زهران.

اقرأ المزيد...

الوسوم: