دوافع الهجوم الدموي في سيناء: الصوفية في مرمى الإرهاب

دوافع الهجوم الدموي في سيناء: الصوفية في مرمى الإرهاب
9006
عدد القراءات

2017-11-25

لم يكن الهجوم الإرهابي الأكثر دموية في تاريخ مصر الذي استهدف مسجد الروضة بشمال سيناء في الرابع والعشرين من الشهر الجاري وسقط ضحيّته 305 قتلى من المصلّين، بينهم 27 طفلاً، بمعزل عن تهديدات سابقة للتنظيمات الإرهابية بحق أتباع الطرق الصوفية في مصر، لتتوج هذه الجريمة المروّعة في مسقط رأس الشيخ الراحل عيد أبوجرير، الذي يعد الأب الروحي للطرق الصوفية في سيناء سلسلة جرائم سابقة في هذا السياق.

 لم يكن الهجوم الدامي الذي استهدف مسجد الروضة بمعزل عن تهديدات إرهابية سابقة بحق أتباع الطرق الصوفية بمصر

ورغم حالة الاستنفار التي لجأت إليها قوات الأمن في مصر رداً على هذه التهديدات في مناسبات سابقة، إلا أنّ "عناصر تكفيرية يتراوح عددهم ما بين 25 إلى 30 عضواً يرفعون علم داعش"، وفق ما صرح النائب العام المصري، تمكنوا من تنفيذ جريمتهم التي يخشى أنّها ستكون حلقة أخرى في "استراتيجية الأهداف السهلة" التي تستهدف تشتيت الجهود الأمنية المصرية في حربها ضد الإرهاب.

 المفترض ألا تشكل "عملية الروضة" مفاجأة؛ إذ أعلن تنظيم داعش  صراحةً قبل 3 أشهر أنّه سيستهدف هذا المسجد تحديداً

والمفترض أنّ تلك العملية لم تكن مفاجئة؛ إذ إنّ "داعش"، كان قد أعلن بشكل صريح عبر صحيفته الإلكترونية "النبأ"، قبل 3 أشهر، أنّه سيستهدف هذا المسجد تحديداً، كونه مركزاً للطريقة الجريرية التي اعتبرها أكثر الطرق الصوفية "شركاً" على حد زعمه.

تهديدات "الشرك والردة"

وكانت حالة من القلق انتابت أقطاب وأتباع الطّرق الصّوفية في مصر، بعدما نشرته إحدى الصحف المصرية في أيلول (سبتمبر) 2017، بالكشف عن مخططات لتنظيم داعش لاستهداف مقام الحسين، حيث وضع التنظيم الإرهابي قائمة للأهداف ينوي مهاجمتها، من بينها استهداف الصوفية المتوافدين على مسجد الحسين، واصفاً إياهم بـ"المشركين" بحجة اعتقادهم بالأولياء وتوافدهم على الأضرحة، بالإضافة لتقديسهم شخصيات صوفية شهيرة مثل؛ ابن الفارض وابن عربي والحلاج، وهي شخصيات، وفق اعتقاد التنظيم الإرهابي، تؤمن بمبدأ "الحلول والاتحاد الذي يخالف العقيدة".

 هدد تنظيم داعش في وقت سابق بأنه لن يسمح بوجود طريقة صوفية واحدة في مصر

وذكرت صحيفة "الدستور" المصرية أنّ التنظيم الإرهابي هدد بأنّه لن يسمح بوجود طريقة صوفية واحدة في مصر، وأنّ الخطة الموضوعة تشمل ضرب المنطقة السياحية القريبة من ضريح الحسين، لافتة إلى أنّ "داعش" أكد أنّ دماء أتباع هذه الطرق الصوفية "مهدرة"؛ لأنّهم يتعاونون مع الدولة المصرية ضد التنظيم، بالإضافة لعلاقات التقارب بينهم وبين "الشيعة الرافضة"، وإبلاغهم عن بعض عناصر التنظيم الإرهابي في عدد من المرات.
وعلى الفور، أعلنت الطرق الصوفية حالة الطوارئ حول ضريح الإمام الحسين، مبدية عدم خضوعها للتهديدات، وأنّها ستنطلق بمسيرة وصفتها بـ"المليونية" من أمام مسجد الجعفري.
حشود في مواجهة المفخخات
في 22 أيلول (سبتمبر) الماضي، زحف الآلاف من أبناء الطرق الصوفية نحو ساحة "جمع الجموع"، الواقعة بالقرب من مسجد الجعفري الشهير بقلب القاهرة، واصطفوا تحت وقع الطبول في مواكب تعلوها الرايات ويتقدمها شيوخ الطُّرق، ثم بدأوا الزحف في اتجاه مشهد الإمام الحسين، في حماية المئات من قوات الأمن، لإقامة احتفالات العام الهجري الجديد 1439.

أخذ المسلسل الدّموي ضد الصوفية يتزايد عقب تصفية "داعش" العام 2016 للشيخين سليمان أبو حراز وقُطيفان المنصوري

لم تشهد مصر فعاليات للصوفية بهذا الزخم منذ أعوام، فقد عاشت الشوارع حالة من الاختناق المروري؛ بسبب التوافد المكثف من المريدين، مما اضطر القوات الأمنية لغلق الشوارع المحيطة في أكثر المناطق ازدحاماً في وسط القاهرة، ونصب بوابات إلكترونية لكشف المفرقعات والأحزمة الناسفة.
وصلت درجة الاستنفار حدّ أنّ مصدراً أمنياً صرح لإحدى الصحف المصرية، بأنّ قوات الأمن أعلنت حالة الاستعداد القصوى، لتأمين الطرق الصوفية المشاركة في الاحتفالات، من خلال نقاط تفتيش ثابتة ومتحركة، في جميع الأماكن التي ستمر بها المواكب، ووضع قوات التدخل السريع، في حالة الجهوزية والاستعداد.

بدأ  "داعش" بـ"حرب الأضرحة" بالتوازي مع الهجمات شنها على عدد من الكنائس المصرية في نيسان (أبريل) 2017

بدا الزخم الصوفي هذا العام تحدياً للجماعات الدينية المتطرفة، بشقيها المسلح والسلمي، فبعد أنّ دخلت الطرق الصوفية في معارك فقهية وكلامية مع التيارات السلفية "الوعظية والعلمية" باتت تواجه تهديداً مباشراً من تنظيم "داعش" في سيناء، الذي توعدهم بالقتل والتصفية، وأخذ نصيبهم من الهجمات الدامية، بعد ما دعاهم لما أسماه "الاستتابة من الشرك والردة".
ضريح الحسين

 

إرهاصات "حرب الأضرحة"
عقب تفجير الكنيسة البطرسية في كانون الأول (ديسمبر) العام 2016، أعلن تنظيم "داعش" عن نيته استهداف الطرق الصوفية في مصر بعد أيام من قطعه رأس الشيخ سليمان أبو حراز، أحد شيوخ الطريقة الصوفية السيناوية، والقيادي في الطريقة الجريرية بسيناء قُطيفان المنصوري في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، وأخذ بعدها مسلسل داعش الدّموي ضد الصوفية يتزايد.
ولم تكن تلك المرة الأولى الذي تستهدف فيها التنظيمات الإرهابية الطرق الصوفية؛ إذ استيقظ أهل سيناء في 14 أيار (مايو) العام 2011، ليروا أكبر أضرحتهم بالشيخ زويد وقد تحول إلى ركام عقب ثورة 25 من كانون الثاني (يناير)، على أيدي مسلحين ملثمين.

في ظل عدم وجود مكون بارز للشيعة بمصر فإنّ "داعش" يحاول خلق البديل الطائفي عبر المكون الصوفي الكبير

وبدأ  داعش بـ"حرب الأضرحة" بالتوازي مع الهجمات الإرهابية التي شنها على عدد من الكنائس المصرية في نيسان (أبريل) 2017، حين قام عدد من عناصر التنظيم المشاركين في الهجمات بوضع عبوة ناسفة بجوار مسجد سيدي عبد الرحيم بطنطا في رسالة "دموية" منه للطرق الصوفية.
وفي حوار لمن يسمى "أمير الحسبة في سيناء" نشرته جريدة "النبأ" الداعشية في كانون الأول (ديسمبر) 2016، ذكر أنّ عموم الطرق الصوفية "القبورية" على حد وصفه، داخلة في دائرة الحرب التي أعلنها التنظيم، داعياً إياهم إلى "التوبة أو القتل" وأخذ أموالهم كـ"غنيمة".

 اختطف "داعش" العام 2016 عدداً من مريدي الطرق الصوفية في سيناء وعرض عليهم "التوبة من الشرك"

وأضاف في الصحيفة الإلكترونية التي يصدرها التنظيم أسبوعياً، أنّ قيادات الأمن المصري تربطها علاقات وثيقة بالطرق الصوفية، وأنّهم يتبادلون الزيارات في ما بينهم وهذا يستدعي إعلان الحرب عليهم.
وأشار إلى أنّ التنظيم اختطف عدداً من مريدي الطرق الصوفية في سيناء، واحتجزهم في مقر تابع له لعدة أيام، وعرض عليهم "التوبة من الشرك" -على حد وصفه- لكي يتم إطلاق سراحهم، مشيراً إلى أنّه تم عمل دورات شرعية لهم وتسجيل توبتهم داخل مركز الحسبة قبل الإفراج عنهم.

استدعاء خطة الزرقاوي الجهنمية
غيّر التنظيم، إذاً، من أجندته الصراعية، بعد تعليمات واضحة بذلك- فيما يبدو- من رؤوس قادة التنظيم الإرهابي الأم، فبعد أن كان على رأس أولويات تلك الأجندة استهداف قوات الجيش والشرطة، ظهرت في السنة الأخيرة أهداف أخرى مدنية تقف وراءها دوافع خلق الفتن الطائفية.
وفي ظل عدم وجود مكوّن بارز للشيعة في مصر، فإنّ التنظيم يحاول خلق البديل الطائفي، الذي يرى وجوده في المكون الصوفي الكبير في البلاد، أو المكون المسيحي، فمن خلالها يحاول التنظيم إيجاد ثغرة للنفوذ، يمكن الدق عليها حتى تشتعل شرارتها، وتندلع الفتنة، أو على الأقل يشتت الجهود الأمنية ويثقلها بمزيد من الأعباء، فبعد أن ركزت جهودها في تأمين الكنائس، تحتاج للمزيد من تشديد الحراسات على الأضرحة والمزارات الصوفية، والتأمين المشدد للاحتفالات.

يبدو أنّ "داعش" يتجه لوضع أهداف سهلة على أجندته الصراعية ضد الصوفية يمكن التبرير لاستهدافها "شرعياً" وفق أدبياته

ويظهر بوضوح تتبع "داعش" لخطوات تنظيم "التوحيد والجهاد" في العراق، منذ تأسيسه على يد الإرهابي أبو مصعب الزرقاوي، الذي وضع الحجر الجهنمي الأول في خطة التجييش الطائفي، فكشف لشيخه بن لادن عن محاور خطته للعمل في الحقل العراقي؛ حيث اعتبر أنّ الشيعة هم مفتاح التغيير، شارحاً ذلك بقوله: "أقصد أنّ استهدافهم وضربهم في العمق الديني والسياسي والعسكري، سيستفزهم ليظهروا كلبهم على أهل السنة، ويكشروا عن أنياب الحقد الباطني الذي يعتمل في صدورهم، وإذا نجحنا أمكن إيقاظ السنة الغافلين حين يشعرون بالخطر الداهم والموت الماحق على أيادي هؤلاء السبئية.. فالحل الذي نراه أنّ نقوم بكشف الرافضة واستنهاض همم أهل السنة لقتالهم وصدهم".
وفي هذا السياق استهدف الزرقاوي "أضرحة الأئمة" في العراق، ونفّذ عدداً من الهجمات الإرهابية التي أسفرت عن تدمير "مزارات شيعية" في كربلاء وسامراء وبغداد وغيرها من المدن العراقية، وكانت هذه الأفعال الإجرامية بداية فتنة طائفية في البلاد.
ويبدو أنّ التنظيم يتجه لتكرار هذا النهج بوضع أهداف سهلة على أجندته الصراعية ضد الصوفية، يمكن التبرير لاستهدافها "شرعياً" وفق أدبياته، من خلال خططه القديمة والمجربة في مناطق صراع عدة، ومحاولة تطبيقها في الواقع المصري، حتى تستطيع الإجهاز على المجتمع وتفكيكه، والعيش على أنقاض الفوضى، والنمو والتكاثر بداخلها.
 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل تسعى قطر لإعادة الإخوان إلى السلطة في السودان؟

2020-01-29

لا يزال اللواء عبد الهادي عبد الباسط، الذي تقدّمه قناة الجزيرة القطريّة على أنّه خبير استراتيجي، ينثر الأكاذيب ويُحرّض العسكر على الانقضاض على الديمقراطية الوليدة في السودان والإجهاز عليها، فيما يسخر من حديثه الشعب السوداني، الذي يعرف سيرته، وقرأ مقاله الوحيد المنشور عام 2012 في صحيفة الإخوان المسلمين (الانتباهة)، والتي كان يملكها خال الرئيس المعزول عمر البشير، المعروف أيضاً. كما يعرف السودانيون جولات عبدالباسط في أحياء الخرطوم الجنوبيّة على ظهر دراجته النارية من أجل رصد المعارضين وتخويفهم وكتابة التقارير الأمنيّة عنهم.

اقرأ أيضاً: قطر والثورة السودانية.. كيف يقاوم السودان الجديد محاولات الدوحة زعزعة استقراره؟
كان ذلك قبل أن تضع جماعة الإخوان المسلمين على كتفيه رتبة لواء، وتُسمِّيهِ مديراً للأمن الاقتصادي، الذي تردّى إبان تولّيه المنصب إلى أسوأ حالاته، فشاع الاتجار بالعملات الصعبة على قوارع الطرق الرئيسية والفرعية في العاصمة الخرطوم والمدن الأخرى، وعمّ الفساد وانهار الجنيه، نتيجة سوء إدارة هذا الرجل كما أوردت تقارير إخبارية محلية.
رئيس الأركان القطري يحل ضيفاً على الخرطوم

الدعم القطري لجماعة الإخوان السودانية
يعتقد السواد الأعظم من السودانيين أنّ الحكومة القطرّية تسعى عبر مسارات مختلفة وحيل مُبتكرة لإعادة الإخوان المسلمين إلى السلطة في السودان مرةً أخرى، وهذا أمر بالغ الصعوبة بالنسبة للسودانيين، الذين عانوا 3 عقود متواصلة من حكم هذه الفئة، حولت فيها بلادهم إلى مزرعة لتنظيم الجماعة الدولي، وسخّرت كافة مواردها لتمويل أنشطتها الدعوية - السياسية في كافة أرجاء العالم، فيما رزح المواطنون تحت الفقر والفاقة والجهل، لذلك يتوجسون خوفاً من أي تقارب بين الحكومة الانتقالية والدوحة؛ إذ يعتقدون أنّها لن تتورع في إحداث بلبلة وقلاقل لضرب التوجّه نحو تأسيس دولة مدنية ديمقراطية على أنقاض دولة الإخوان المسلمين.
القو ة الناعمة – الاستثمار القطري
يقول الخبير الاستراتيجي؛ أحمد ميرغني لـ "حفريات"؛ إنّ التحركات القطريّة في التعامل مع الملف السوداني لا تنظر أبداً إلى المصلحة العليا للدولتين، بل تُصوّب دائماً نحو مصلحة التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، لذلك فإنّ "المواطنين والسياسيين وأجهزة الأمن، تنظر بريبة وشك وتوجّس إلى أي تحرك قطري نحو دعم الحكومة السودانية الانتقالية القائمة، خاصة وأنّ السودانيين لن يسمحوا بوضعهم رهائن لتنظيم الإخوان مجدداً، فقد عانوا منه بما فيه الكفاية".

يعتقد السواد الأعظم من السودانيين أنّ الحكومة القطرّية تسعى إلى إعادة الإخوان إلى السلطة في السودان مرة أخرى

ويضيف ميرغني: إنّ الأسباب الحقيقية لزيارة الفريق غانم بن شاهين، رئيس أركان القوات المسلحة القطرية إلى السودان، لم تُعرف حتى الآن، عدا ما قيل عن جلسة المباحثات المشتركة بين رئيس هيئة الأركان السوداني ونظيره القطري، والتي تناولت أوجه التعاون العسكري في المجالات المختلفة وسبل تعزيزها، ولم يرشح للإعلام شيء آخر، بيد أنّ اجتماعاً مثل هذا لا يستحق زيارة ليومين، بل لساعات فقط، فلماذا مكث رئيس هيئة الأركان القطري 48 ساعة، وماذا فعل خلالها، ومن التقى؟ كلها أسئلة تحتاج إلى إجابات، خاصة عندما نعلم أنّ كثيراً من قيادات الجيش السوداني الحالي لهم علاقة ما بجماعة الإخوان المسلمين.

اقرأ أيضاً: هل لقطر أذرع خفيّة في السودان؟
ويشير ميرغني إلى ما يسميه "خفايا الزيارة"، فيقول لـ "حفريات": إنّه بالتزامن مع زيارة الفريق غانم بن شاهين، شنّت الكتائب الإلكترونية التابعة للحزب البائد، وهي معروفة بالدجاج الإلكتروني في السودان، حملة شعواء على حكومة عبد الله حمدوك وطالبت الشارع بالتحرك ضدها، مبررة ذلك بالغلاء الفاحش في أسعار السلع الرئيسية وشح الخبز والوقود، وهي مشاكل موروثة من النظام السابق، فيما لم يتجاوز عمر الحكومة الانتقالية الراهنة، التي تعمل بجد وقوة لمعالجة خراب 30 عاماً، سوى 3 أشهر.

ليس ذلك فحسب، وإنما الأخطر منه، وفق ميرغني، هو التدخل عبر ما يُسمى بالقوة الناعمة، فلقاء السفير القطري بالخرطوم؛ عبد الرحمن الكبيسي، بوزير المعادن السوداني عادل إبراهيم في مكتبه، وإبداء الأول رغبة بلاده تفعيل الاتفاقيات التي أبرمت مع حكومة الإخوان المسلمين المنصرفة، والمتعلقة بالتنقيب عن المعادن وتصديرها عبر القطاعين؛ العام والخاص القطريين، ودعوة اللجنة العليا المشتركة بين البلدين، والتي شُكّلت في ظل النظام البائد، للانعقاد في الدوحة، بعد أن التأم شملها في الخرطوم، وتأكيد السفير القطري على أنّ شركة قطر للمعادن (حكومية) لديها مشاريع كبيرة في مجال الطاقة والكهرباء بالسودان، كلها أمور تدعو للشك والريبة والتعامل معها بحذر شديد، خاصة وأنّ قطر هي المركز الثاني عالمياً في احتضان جماعة الإخوان المسلمين، بعد تركيا.
من دواء شافٍ إلى سلاح فتاك
تصدّر هاشتاق "قطر تخدع السودان"، هذه الأيام، قائمة أكثر الهاشتاقات تداولاً على تويتر، حيث ندد مغردون سودانيون وآخرون، بما أسموه "التدخل القطري السافر في الشؤون السودانية"، ومحاولة إعادة حليفتهم؛ جماعة الإخوان المسلمين إلى السلطة مرةً أخرى، عبر شركاتهم الاستثمارية تارة، والدعايات المسمومة التي تبثها كتائب الظل الإلكترونية التابعة لهم تارة أخرى، وعبر الأخبار المفبركة التي تبثها قناة الجزيرة في معظم الأحيان.

خبير استراتيجي: التدخل  القطري عبر ما يُسمى بالقوة الناعمة الأكثر خطورة خاصة عبر الاتفاقيات التي أبرمت مع حكومة الإخوان السابقة

ويُشار إلى أنّ قطر كانت قد أرسلت طائرة محمّلة بأدوية ومعدات طبية كمساعدة إلى (إقليم دارفور) في السودان، الأسبوع المنصرم، وبالتزامن مع ذلك، قالت السلطات السودانية، ممثلة في قوات الدعم السريع إنّها ضبطت شحنة أسلحة مهربة إلى أحد أطراف النزاع في ليبيا، وقال مغردون سودانيون إنّ الشحنة القطرية مهرّبة عبر السودان لدعم ميليشيات حكومة الوفاق الإخوانية بطرابلس، وإنّ ذلك تم بإيعاز من تركيا، الأمر الذي يعتبره السودانيون انتهاكاً صارخاً لسيادة بلادهم وتدخلاً سافراً في شؤونها الداخلية، ومحاولة بائسة لتقويض الديمقراطية الناشئة وإطاحة حكومة حمدوك والعودة بنظام الفساد والاستبداد الإخواني مُجدداً.

رصد تحركات أذرع قطر
يتوجس السودانيون خيفة من الدور القطري، المدعوم من تركيا؛ لأنهم أكثر شعوب المنطقة اكتواءً بنار الإخوان، بحسب تعبير موسى عبد الغفار؛ أستاذ العلاقات الدولية، في حديثة لـ "حفريات"، ويضيف عبد الغفار؛ "بطبيعة الحال فإنّ قطر تقدّم الدعم للطرف المتشدّد في جماعة الإخوان المسلمين، بقيادة الشيخ عبد الحي يوسف، كما أنّها تفرض نفوذها على بعض قادة الحركات الدارفورية المسلّحة، التي وقعت اتفاقية مع حكومة النظام البائد، تحت رعاية ودعم قطري، على رأسهم قادة حركة التحرير والعدالة، التي كانت جزءاً من النظام السابق، ويمكنها فرض أجندتها عليهم ودعمهم مالياً للعمل على تقويض التوجه الديمقراطي وإعادة الجماعة الإخوانية إلى السلطة، إلا أنّ الحكومة بجناحيها؛ المدني والعسكري، خاصة قائد الدعم السريع، شديدة الانتباه والمتابعة والرصد لهذا الملف، والدليل على هذا ضبط قوات الدعم السريع للطائرة القطرية المحملة بالسلاح إلى ميليشيات طرابلس الإخوانية، فيما ادعت أنّها أدوية لمساعدة السودانيين".

للمشاركة:

ما الفصائل المتمردة على تحالف السلطة في العراق؟

2020-01-29

تتعرض السلطة في العراق، حكومةً وبرلماناً ورئاسة جمهورية، لحرجٍ سياسي ودولي كبيرَين، جراء الاستهداف المتكرر الذي تتعرض له سفارة الولايات المتحدة الأمريكية في بغداد، من قبل ميليشيات محسوبة على تحالف الفتح، الراعي السياسي للسلطة، وعدم الفرز بين دور السلطة والمعارضة (المقاومة) هو الذي لا تدركهُ فصائل التحالف المقرب من إيران.

خبير إستراتيجي: كثير من عمليات استهداف البعثات الدولية التي تناكفها طهران، تقوم بها الفصائل العسكرية الموالية لها

استنكارات القيادات السياسية العراقية الشديدة، والمطالب بعدم رهن البلاد بيد من "يستخف بمصلحتهِ الوطنية"، دفعت هادي العامري، زعيم تحالف الفتح، إلى رفضهِ للضربة المجهولة التي تعرضت لها سفارة واشنطن مؤخراً، فيما أكدت ميليشيات عصائب أهل الحق، المنضوية في الحكومة، أنّ انطلاق الصواريخ كان من مناطق جنوب العاصمة، في إشارة منها إلى الهوية المذهبية لسكان تلك المناطق، التي تقطنها غالبية من العشائر السنّية.

وتعرّضت السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء (مقار السلطة العراقية والبعثات الدولية)، وسط العاصمة بغداد، الى هجوم بصواريخ الكاتيوشا، صباح الأحد الماضي، ما أسفر عن إصابة شخص واحدٍ فقط، فيما تعرضت المباني الأخرى داخل المنطقة لأضرار جسيمة.

مقر السفارة الأمريكية داخل المنطقة الرئاسية الخضراء وسط العاصمة بغداد

الفصائل المتمردة على سلطتها
تنضوي أغلب الفصائل المسلّحة التي واجهت التواجد الأمريكي في العراق، وقاتلت فيما بعد عناصر تنظيم داعش الإرهابي، الذي احتل ثلث البلاد خلال عام 2014، تحت مظلة تحالف الفتح السياسية، الذي خاض الانتخابات الأخيرة ونال نحو 48 مقعداً في البرلمان، وجاء في المرتبة الثانية بعد قائمة "سائرون"، التابعة لزعيم التيار الصدري، مقتدى الصدر.

اقرأ أيضاً: كيف أوقعت إيران العراقيين في حبائل المخدرات؟‎‎

ولأغلب تلك الفصائل المدعومة من إيران أجنحة سياسية، لها ثقل نيابي ووزاري في السلطة الحالية، باستثناء فصيلَين أكّدا التزامهما بدورهما العسكري، رافضَين العمل السياسي، وهما: كتائب حزب الله في العراق (قائدها مجهول الهوية)، وكتائب سيد الشهداء (بقيادة "أبو آلاء الولائي").

وزير الخارجية الأمريكي بومبيو يهاتف عبد المهدي بعد استهداف السفارة الأمريكية: حكومتكم فشلت في كبح جماح الميليشيات الخطيرة

ويعزو خبراء إستراتيجيون عراقيون عدم دخول الفصيلَين في العملية السياسية إلى سياسة إيران، التي تحاول مسك السلطة ونقيضها في العراق، والعمل وفق ثنائية "راديكالية ودبلوماسية" في آنٍ واحد.

ويقول الخبير الإستراتيجي قاسم فكري، لـ "حفريات": "الإيرانيون يفتحون أبواب المواجهة من عدة أطراف، تارة عن طريق الدبلوماسية الرسمية والخفية، وتارةً أخرى عن خيارها العسكري الذي يكمن في فصائلها المتواجدة بمناطق نفوذها".

ويؤكد أنّ "كثيراً من عمليات استهداف البعثات الدولية التي تناكفها طهران، تقوم بها الفصائل العسكرية الموالية حرفياً لها"، مضيفاً: "ما جرى أمس في بغداد، وغيره في السابق، يؤكد ذلك".  

مواقع انطلاق الصواريخ على الخضراء
تعدّ مناطق شرق العاصمة بغداد (ذات الأغلبية الشيعية والكثافة السكانية الهائلة)، أبرز معاقل قوى الإسلام السياسي الشيعي، والفصائل المسلحة في بغداد، وفي تلك المناطق تنتفي سيادة القانون ويستبدل بالفتاوى الشرعية والأعراف العشائرية.

عدم التزام الفصائل المسلحة بالقانون يضع تحالف الفتح وزعيمه في موقف محرج

"في أواخر مناطق مدينة الصدر، تتواجد مخازن الأسلحة بكافة أنواعها وأصنافها، ومن ثم ينطلق بها عناصر الجماعات المسلحة إلى جسر القناة القريب على المنطقة الخضراء على نحو بضعة كيلومترات، لإطلاقها نحو الهدف المحدد"، هذا ما قاله مصدر أمني مطّلع لـ "حفريات".

وبحسب المصدر نفسه؛ فإنّ "تلك الجماعات المسلّحة تقوم بنقل الصواريخ، ومختلف الأسلحة، بحرية تامة، من مناطق شرق العاصمة إلى المنطقة القريبة من وسطها"، عازياً ذلك إلى "غياب الدولة وهيمنة تلك الجماعات على القرار الأمني في تلك المناطق، بل تعدّ هي السلطة الآمرة الناهية".

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

ويؤكد أنّ "عمليات كثيرة من الاختطاف والمتاجرة بالسلاح تتمّ ضمن تلك الجغرافيا"، لافتاً إلى أنّ "أبرز حدث قامت به هذه الفصائل مؤخراً، هو استهداف السفارة الأمريكية بالمنطقة الرئاسية الخضراء، من خلال استهدافها بالكاتيوشا، وقبلها ضربت أيضاً أماكن محددة للتواجد الأمريكي في بغداد".
بومبيو لعبد المهدي: فشلتم بكبح جماح الميليشيات
إلى ذلك، حمّلت الخارجية الأمريكية حكومة المستقيل عادل عبد المهدي، مسؤولية تكرار الهجمات على منشآتها في العراق، مؤكدة أنّ الحكومة الحالية "فشلت في كبح جماح الجماعات المسلّحة الخطيرة" بحسب تعبيرها.
وقالت الخارجية في بيان: "الوزير مايك بومبيو أجرى اتصالاً مع رئيس الوزراء العراقي، عادل عبد المهدي، عبّر خلاله عن غضبه الشديد من الهجمات المستمرة التي تشنّها الجماعات المسلحة الإيرانية على المنشآت الأمريكية في العراق، بما في ذلك الهجمات الصاروخية التي وقعت أمس على سفارتنا، والتي أسفرت عن إصابة واحدة".  

قائد كتائب سيد الشهداء أبو آلاء الولائي مع قائد فيلق القدس الجديد إسماعيل قاآني

وشدّد بومبيو، وفق البيان، على أنّ "هذه الهجمات تُظهر تجاهلًا متعمداً للسيادة العراقية، وفشلاً في كبح جماح هذه الجماعات المسلحة الخطيرة"، معرباً عن "تقديره لالتزام رئيس الوزراء، عبد المهدي، بتعزيز الأمن لحماية الأفراد والمرافق الدبلوماسية الأمريكية".

اقرأ أيضاً: حالة مرضية في العراق

وأشار، بحسب البيان، "إننا نعدّ هجوم الليلة الماضية على السفارة محاولة لصرف الانتباه العراقي والدولي عن القمع الوحشي للمتظاهرين العراقيين المسالمين من قبل إيران وعملائها"، مؤكداً استعداد واشنطن "لمناقشة نطاق قواتنا في العراق بمرور الوقت".
نوّاب يحذّرون من تصاعد "دور الميليشيات المنفلتة"
من جهتهم، اتهم نواب في البرلمان العراقي، ما أسموه بـ "الميليشيات المنفلتة" بقصف السفارة الأمريكية، والعمل على وضع البلاد ضمن دائرة الرفض الدولي.

نواب عراقيون: هناك أيادٍ تعمل على رهن المصلحة الوطنية ونطالب الحكومة بفرض القانون ومحاسبة الخارجين عنه

النائب أحمد المساري، وهو نائب سنّي، قال لـ "حفريات": "الميليشيات المنفلتة، تحاول، كلّ مرة، أن تعرّض مصلحة العراق وسيادته وسمعته الدولية إلى إساءة بالغة عبر استهداف السفارة الأمريكية في بغداد بصواريخ الكاتيوشا"، معرباً عن إدانتهِ لـ "هذا العمل الاجرامي، وأطالب الحكومة العراقية باتخاذ الإجراءات التي تضمن تقديم المجرمين إلى القضاء، والسيطرة على السلاح".
وأكّد أنّ "استهداف البعثات الدولية في بلادنا، عمل تقوم به فئة ضالة تعمل ضدّ مصلحة العراق، وتحاول بكل قوة أن تجعل من البلد ساحة للصراع الدولي، نحن في غنى عنه".

ورأى النائب عن ائتلاف الوطنية، قاسم الجنابي، أنّ استمرار هذه الاستهدافات "إضرار بالمصالح العليا للعراق وبعلاقاته الدبلوماسية مع أصدقائه، وتحمّله تداعيات خطيرة لا بدّ من تجنّبها في هذه الظروف"، وأكّد لـ "حفريات"؛ أنّ "الاعتداء على الممثليات الأجنبية بمثابة تحدٍّ واضح وصريح، على الدولة العراقية، المضيفة لها".
بومبيو يهاتف عبدالمهدي ويبدي انزعاج واشنطن من تمادي الجماعات في العراق وفشل الحكومة في تحجيمها

العامري يستنكر... والعصائب تلمح لطائفية الفاعلين
بدوره، استنكر رئيس تحالف "الفتح"، هادي العامري، الهجوم الصاروخي على سفارة واشنطن في بغداد، معتبراً أنّ قصف السفارة سيؤخر رحيل القوات الأجنبية عن بلاده.
وقال العامري، في بيان صحفي: "هذه الأعمال التخريبية هدفها خلق الفتنة وإعاقة مشروع السيادة، ورحيل القوات الأجنبية عن العراق"، مؤكداً رفضه "الاعتداء على البعثات والمقرات الدبلوماسية الأجنبية".
وطالب العامري حكومة عبد المهدي بـ "العمل الجاد على حماية تلك البعثات وكشف المتورطين باستهدافها".

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟
من جهتها، حدّدت ميليشيات "عصائب أهل الحق"، بقيادة قيس الخزعلي، مكان انطلاق الصواريخ الكاتيوشا، مبينة أنّ "الانطلاقة كانت من مناطق جنوب بغداد (ذات الغالبية السنّية)".
وقال الناطق باسم العصائب، محمود الربيعي: إنّ "مصدر الضربة التي استهدفت السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء، كان من منطقة عرب جبور، جنوب العاصمة، وهذه المنطقة لا توجد فيها فصائل مقاومة".
وأضاف في تصريح صحفي: "فصائل المقاومة غير محتاجة إلى أسلوب الضرب الخفي"، لافتاً إلى أنّ "موقف فصائل المقاومة أكبر من أن يضرب سفارة أمريكا بهذا الشكل".

للمشاركة:

صفقة القرن: يوم أسود في التاريخ الفلسطيني‎

2020-01-29

وسط ترحيب إسرائيلي شديد، ورفض فلسطيني قاطع، أعلن الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، عن خطته لـ "عملية السلام" بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بعد مرور أكثر من عامين من حديثه عنها. وبرغم الحدث الاستثنائي فقد بدا أنّه لا مفاجآت كبرى في إعلان ترامب، فقد تمّ تسريب الكثير من مضامين خطته، التي عرفت بـ"صفقة القرن"، للإعلام من قبل، لكنّ ترامب ثبّت، حسب خطته، إعلان سيادة إسرائيلية كاملة على قدس موحدة غير مجزّأة، وفرض إسرائيل سيطرتها على غور الأردن ليكون حدود إسرائيل الشرقية، مع سيطرة إسرائيلية كاملة على الضفة الغربية وعلى المستوطنات فيها.

 

ولا يُعرف حتى الآن ما هي حدود ومعالم الدولة الفلسطينية الموعودة، التي نشرت قناة "الحرة" خريطة لها، برغم حديث الخطة، المكوّنة من 80 صفحة، عن دولة فلسطينية متصلة، مع اقتراح الرئيس الأمريكي لحل الدولتين من دون تفريط بأمن إسرائيل، وإعلانه أنّه تواصل مع العاهل الأردني، الملك عبد الله الثاني، بخصوص الأماكن المقدسة في القدس، مشيراً إلى أنّ الخطة تحافظ على الوضع القائم في المسجد الأقصى، مع تأكيد بسط السيطرة الإسرائيلية على القدس.

 

ترامب ثبّت حسب خطته إعلان سيادة إسرائيلية كاملة على قدس موحدة غير مجزّأة وفرض إسرائيل سيطرتها على غور الأردن

من جانبه، أعلن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، رفضه لخطة السلام التي أعلنها ترامب، قائلاً "إنّ حقوقنا ليست للبيع، وإنّ القدس ليست للبيع، وهذه الصفقة مؤامرة لن نسير فيها". وأكد عباس "لن نقبل بالتفريط في الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني".
وفي تعليقها على "صفقة القرن" قالت القيادية الفلسطينية، حنان عشراوي، إنّ الخطة هي "إعادة مَوْضعةٍ لإسرائيل في المنطقة، وإعادة تعريف للاحتلال؛ بحيث تبقى السيطرة الأمنية وعلى الأجواء لإسرائيل"، وفق ما نقلت عنها "بي بي سي".

اقرأ أيضاً: لماذا صار زمن إشهار الثورة الفلسطينية أقسى الشهور؟

الخريطة المتداولة لحدود ومعالم الدولة الفلسطينية الموعودة
فرصة مثالية لإسرائيل!
"صفقة القرن" هذه تبدو فرصة مثالية لإسرائيل للإسراع بخطوات التنفيذ؛ حيث أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، عن أنّ إسرائيل ستفرض قوانينها على غور الأردن والمستوطنات في الضفة الغربية، وصرّح السفير الأمريكي في إسرائيل بأنّه يمكن للحكومة الإسرائيلية ضم مستوطنات الضفة الغربية في أي وقت. وفي كلمته، قال نتنياهو إنّ على الفلسطينيين أن يعترفوا بإسرائيل كدولة يهودية، واصفاً خطة ترامب بـ"الرائعة"، وبأنّها فرصة لن يضيّعها، مؤكداً أنّ حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يتمّ خارج إسرائيل.

حنان عشراوي: الصفقة إعادة مَوْضعة لإسرائيل في المنطقة، وإعادة تعريف للاحتلال؛ بحيث تبقى السيطرة الأمنية وعلى الأجواء لإسرائيل

الجانب الفلسطيني أخذ منذ أمس في الاستعداد لكيفية مواجهة "صفقة" ترامب والردّ عليها. ويبدو أنّ الفلسطينيين في موقف ضعيف على مستوى موازين القوى، لكنهم يملكون ورقة أنّهم سكّان الأرض الأصليون التي قامت عليها دولة الاحتلال، ويقف إلى جانبهم قائمة طويلة من القرارات الدولية التي تدعم حقوقهم الوطنية الشرعية، وفي مقدمتها حقهم في تقرير مصيرهم.
وفي مؤتمره المشترك في البيت الأبيض مع نتنياهو، قال ترامب إنّ الشرق الأوسط يتغير بسرعة، داعياً إلى تعايش سلمي بين الفلسطينيين والإسرائيليين، ووجّه كلامه للرئيس الفلسطيني محمود عباس: " أقول للرئيس عباس...إذا قبلت السلام سندعمك ونساعدك بطرق مختلفة"، مؤكداً أنّ خطته للسلام تتألف من 80 صفحة وهي "الأكثر تفصيلاً" على الإطلاق، وإنّها مختلفة بشكل جوهري عن خطط الإدارات الأمريكية السابقة، وتقدم حلاً "واقعياً بدولتين"، منبهاً إلى أنّ خطته قد تكون "آخر فرصة" للفلسطينيين للحصول على دولة، وأنّ الخطة ستنهي الاعتماد الفلسطيني على الأموال الخيرية والمعونات.

اقرأ أيضاً: المواجهة الفلسطينية المطلوبة لصفقة القرن
وأكد ترامب أنّ الفلسطينيين "يستحقون حياة أفضل بكثير"، وأنّهم "كانوا في مصيدة التشدد والعنف، وحاولتُ أن أجد مساراً قوياً للتحرك للأمام في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي".

 

غور الأردن
وكان الفلسطينيون يقولون إنّ غور الأردن؛ أي ما يقرب من 30 في المئة من الضفة الغربية، سيكون جزءاً حيوياً من دولتهم في المستقبل؛ بوصفه يمثل سلة الخبز للضفة الغربية وحدودها مع الأردن، بحسب "رويترز"، وهذا ما ألغاه ترامب بخطته.

الفلسطينيين في موقف ضعيف على مستوى موازين القوى، لكنهم يملكون ورقة أنّهم سكّان الأرض الأصليون التي قامت عليها دولة الاحتلال

ودشن جاريد كوشنر، صهر ترامب والمهندس الرئيسي للخطة المرحلة الأولى من مقترح السلام في مؤتمر اقتصادي في مملكة البحرين في حزيران (يونيو) الماضي.  ودعا هذا الشق إلى إنشاء صندوق استثماري بقيمة 50 مليار دولار لدعم الاقتصاد الفلسطيني واقتصادات دول الجوار العربية. وندد الفلسطينيون، تضيف "رويترز"، بالمرحلة الأولى من الخطة؛ لأن الخطة لم تتطرق للاحتلال الإسرائيلي.
وأشار تحليل نشرته قناة "بي بي سي"، إلى أنّ صفقة ترامب "قد تبدو وثيقة استسلام أكثر من كونها أي شيء آخر، إذ تمثل فرصة لإسرائيل لتأكيد انتصارها على الفلسطينيين مرة أخرى وإلى الأبد، بعد 7 عقود من قيامها وأكثر من قرن منذ بدء الاستيطان الصهيوني في فلسطين. ويقول المفاوضون الفلسطينيون إنّهم قدموا (في الأعوام الماضية) تنازلات هائلة، على الأقل، فكرة قبول وجود إسرائيل في نحو 78 في المائة من وطنهم التاريخي"، وفقاً للقناة.

 

وفي ما يتعلق بالأردن، بوصفه ثاني أهم المتأثرين بالخطة، أورد تقرير لصحيفة ليبراسيون الفرنسية أنّ هناك مخاوف أردنية من أن يقوم نتنياهو بضم غور الأردن بمجرد إعادة انتخابه في آذار (مارس) المقبل؛ لاسيما أنّ المعارض ومنافسه الجنرال السابق بيني غانتس الذي التقى ترامب في البيت الأبيض لا يعارض ذلك، بل على العكس فإنّ حزبه يفتخر بأنّه أول من طرح الفكرة، لكنه يختلف في طريقة التنفيذ.

 

لا يُعرف حتى الآن ما حدود الدولة الفلسطينية الموعودة برغم حديث الخطة، المكوّنة من 80 صفحة، عن دولة متصلة

وتابعت ليبراسيون أنّ العديد من المحللين يعتقدون أنّ تقديم خطة ترامب وسط الرفض الفلسطيني ستكون في الواقع مجرد ضوء أخضر لضم هذه الأرض على طول الحدود الأردنية إلى إسرائيل؛ حيث تغطي هذه المنطقة تقريباً ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة، وستقطع جميع الاتصالات بين المملكة والدولة الفلسطينية الموعودة، ثم يتم تقليصها إلى عدد قليل من المناطق المتفرقة التي ستكون مرتبطة فيما بينها عن طريق مسالك وأنفاق تتجنب المستوطنات.
وكان وزير خارجية الأردن أيمن الصفدي قال ليل أمس إنّ إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 وعاصمتها القدس الشرقية هو السبيل الوحيد لتحقيق السلام الشامل والدائم في الشرق الأوسط.  وقال الصفدي، في بيان صدر بعد إعلان الرئيس ترامب خطة السلام التي اقترحتها إدارته "الأردن يدعم كل جهد حقيقي يستهدف تحقيق السلام العادل والشامل الذي تقبله الشعوب". ودعا الصفدي إلى إجراء مفاوضات جادة ومباشرة تعالج جميع قضايا الوضع النهائي بما في ذلك حماية مصالح الأردن، وحذر من "التبعات الخطيرة لأي إجراءات أحادية إسرائيلية تستهدف فرض حقائق جديدة على الأرض".

للمشاركة:



إيران تكمّم أفواه أهالي ضحايا الطائرة الأوكرانية.. هذا ما فعلته

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

تحاول جمهورية إيران تكميم أفواه عائلات ضحايا الطائرة الأوكرانية، للتهرّب من دفع التعويضات، وإجبارهم على السكوت عن حقوقهم، سواء بالترهيب أو الترغيب.

ومنع مسؤولو مطار طهران الدولي أسر الضحايا من السفر إلى كندا، لحضور الجنازات ومراسم التأبين، رغم إصدار كندا تأشيرات تسمح لهم بدخول أراضيها، وفقاً لموقع "إيران إنترناشونال".

وأكّد حميد إسماعيليون، طبيب أسنان وكاتب إيراني مقيم في كندا، فقد زوجته وابنه في الحادث؛ أنّه لم يسمَح له بالخروج من المطار، وكتب على صفحته في فيسبوك: "أيها الموظف الحقير في مطار طهران، الذي لا يملك ذرّة تعاطف، اسمح لأفراد الأسرة بمغادرة البلاد بسهولة للمشاركة في الجنازة".

السلطات الايرانية تمنع أسر الضحايا من السفر إلى كندا لحضور الجنازات ومراسم التأبين

كما كشف جواد سليماني، الذي فقد زوجته في الحادثة، أنّ أسر الضحايا تلقوا تهديدات من الحكومة الإيرانية، وأكد أنّه تمّ استدعائه من قبل الأجهزة الأمنية ووزارة الاستخبارات، مشيراً إلى أنّه تلقى رسالة يوم تأبين زوجته "أغلق فمك هذا هو التحذير الأول والأخير".

وكانت الحكومة الكندية قد أعلنت، في وقت سابق، أنّها ستصدر تأشيرات لأسر وأقارب ضحايا الطائرة، من مواطني كندا أو المقيمين بها، لمساعدتهم في حضور مراسم الجنازة والتأبين.

يذكر أنّ عدداً من أسر الضحايا رفعوا دعاوى قضائية ضدّ إيران، في محكمة أونتاريو في كندا.

زوج إحدى الضحايا تلقى تهديدات من الحكومة الإيرانية ورسالة تقول "أغلق فمك"

ووجهت الدعاوى الاتهام إلى المرشد الإيراني، علي خامنئي، وقائد الحرس الثوري، حسين سلامي، ورئيس الأركان العامة للقوات المسلحة، محمد باقري، وقائد القوات الجوية للحرس الثوري، أمير حاجي زاده، ، تحت عنوان " الإرهابي المسؤول عن إسقاط الطائرة الأوكرانية".

وكانت إيران قد اعترفت بإسقاط الطائرة الأوكرانية، في مطلع الشهر الجاري، بصاروخين أطلقهما الحرس الثوري، مما أسفر عن وفاة 176 راكباً.

 

 

للمشاركة:

الإمارات تغيث اللاجئين في لبنان

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

كثفت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي عملياتها الإغاثية في لبنان، للتخفيف من تداعيات فصل الشتاء على حياة اللاجئين، الذين يواجهون ظروفاً مناخية صعبة.

وقامت الهيئة، عبر ملحقية الشؤون الإنسانية في سفارة الدولة لدى بيروت، بتنفيذ المرحلة الثالثة من برنامجها الإغاثي، ووزّعت المعونات الشتوية على اللاجئين والمتأثرين بالظروف المناخية الراهنة، والتي يستفيد منها 100 ألف شخص في لبنان، وفق وكالة "وام".

واشتملت المعونات على المستلزمات الشتوية، التي تضمّنت أجهزة التدفئة والأغطية والبطانيات والطرود الغذائية، لحماية اللاجئين من تداعيات انخفاض درجات الحرارة، والتخفيف من تفشي أمراض الشتاء بين اللاجئين خاصة الأطفال.

وشمل توزيع المساعدات، حتى الآن، مناطق عكار وعرسال ووادي خالد، والفاكهة وصيدا وبيروت وطرابلس.

الهلال الأحمر الإماراتي يوزّع مساعدات شتوية على 100 ألف شخص من اللاجئين السوريين في لبنان

وأكّد الأمين العام لهيئة الهلال الأحمر الإماراتي، الدكتور محمد عتيق الفلاحي، في تصريح صحفي؛ أنّ "الهيئة مدركة للآثار الإنسانية السيئة التي قد تترتب على نقص مواد التدفئة، ومستلزمات الشتاء، خاصة أنّ مخيمات اللاجئين تتواجد في مناطق بين لبنان وسوريا، تشتهر ببرودتها وتقلبات طقسها"، لافتاً إلى أنّ "خطة هيئة الهلال الأحمر في هذا الصدد تستهدف توسيع مظلة المستفيدين من المساعدات الشتوية في مخيمات لبنان، إلى جانب السكان المحليين في عدد من المحافظات الأخرى، والمناطق الجبلية التي تنخفض فيها درجات الحرارة إلى أدنى مستوياتها".

وأكّد أمين عام الهلال الأحمر؛ أنّ الهيئة تضطلع بدور محوري في إغاثة ومساندة اللاجئين السوريين في الدول المجاورة، تنفيذاً لتوجيهات القيادة الرشيدة، التي بادرت منذ الوهلة الأولى للأحداث في سوريا، بالوقوف إلى جانب المتأثرين ومساندتهم على تجاوز ظروفهم الإنسانية، مشيراً إلى أنّ "المرحلة القادمة ستشهد تنفيذ المزيد من البرامج الإنسانية في المجالات الإغاثية الصحية والمعيشية والإيوائية للاجئين".

يذكر أنّ برنامج المساعدات الشتوية للاجئين الذي تنفذه هيئة الهلال الأحمر حالياً يستفيد منه مليون لاجئ سوري، في الأردن ولبنان والعراق واليونان ومصر، وعدد من الدول الأخرى، ويتضمن توزيع كميات كبيرة من الطرود الغذائية والصحية والملابس الشتوية، وأجهزة ومواد التدفئة، والبطانيات، ومستلزمات الأطفال، ومواد الإيواء الأخرى.

 

للمشاركة:

"هيومن رايتس ووتش" تنتقد السلطات الجزائرية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

قالت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أمس؛ إنّ السلطات الجزائرية تواصل اعتقال ومحاكمة نشطاء من الحراك الشعبي تعسفياً، رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس الجديد، عبد المجيد تبون.

وقال المدير التنفيذي بالنيابة لقسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في "هيومن رايتس ووتش"، إريك غولدشتاين: "بدلاً من إطلاق سراح كلّ من اعتقل بسبب تظاهره سلمياً، واصلت السلطات اعتقال واحتجاز أشخاص بسبب نشاطهم السلمي"، كما جاء في بيان المنظمة، وفق ما أوردت "يورو نيوز".

ومنذ الانتخابات الرئاسية، في 12 كانون الأول (ديسمبر) 2019، التي فاز بها عبد المجيد تبون، المقرَّب من الرئيس السابق، عبد العزيز بوتفليقة، الذي أجبره الحراك على الاستقالة، في 2 نيسان (أبريل) الماضي، اعتقلت السلطات عشرات المحتجين، وفق المنظمة.

وأضاف غولدشتاين: "عروض الحوار تفقد مصداقيتها عندما تحبس الناس لمجرد خروجهم إلى الشوارع لاختلافهم معك"، في إشارة إلى "الحوار" الذي اقترحه تبون على الحراك عقب فوزه في الانتخابات.

ووفق "اللجنة الوطنية للافراج عن المعتقلين" التي تشكّلت لمساعدة الموقوفين أثناء الاحتجاجات، ما يزال 120 شخصاً، على الأقل، محتجزين، في انتظار المحاكمة أو تمّت إدانتهم، على خلفية مشاركتهم في الحراك.

الحكومة الجزائرية تواصل قمع الحراك في الجزائر رغم وعود الحوار التي أطلقها الرئيس تبون

وفي 2 كانون الثاني (يناير)؛ أفرجت عدة محاكم عن 76 ناشطاً، على الأقل، في إجراء عُدَّ محاولة من الرئيس للتهدئة، لكنّ الملاحقات القضائية ما تزال مستمرة ضدّ من لم يحاكم من المفرَج عنهم.

وبحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين؛ فإنّ مجموع الذي خرجوا من السجون بلغ 94؛ إما لانتهاء فترة عقوبتهم أو بالإفراج المؤقت، في انتظار محاكمتهم أو البراءة، بينما ما يزال 124 معارضاً في السجن.

والإثنين؛ طلبت النيابة السجن ثلاثة أعوام للناشط سمير بلعربي، أحد وجوه الحراك، القابع في الحبس المؤقت، منذ أيلول (سبتمبر) الماضي، بتهمتَي "المساس بسلامة وحدة الوطن"، و"عرض منشورات تضرّ بالمصلحة الوطنية" وهي جنحة يعاقب عليها القانون بخمسة أعوام سجناً".

وفي 21 كانون الثاني (يناير)؛ حكم على عبد الكريم زغيلاش، الذي يملك إذاعة "سربكان" بالسجن ستة أشهر، بتهمة البثّ دون ترخيص، وكذلك "الإساءة إلى رئيس الدولة"، أي بوتفليقة قبل أن يستقيل.

وسيقف مرة أخرى أمام القاضي، مع زميلته ليندا ناصر، بتهمة "التجمهر غير المسلح" بحسب لجنة الإفراج عن المعتقلين.

وما يزال الكثير منهم قيد الاحتجاز، ويواجهون تهمة "التجمهر غير المسلح"، التي تصل عقوبتها إلى السجن لعام واحد، أو "المساس بسلامة وحدة الوطن" التي تصل مدة عقوبتها إلى عشرة أعوام سجناً.

 

للمشاركة:



لماذا يتظاهر الإيرانيون ضد النظام وهل ينجحون في إسقاطه؟

2020-01-29

ترجمة: علي نوار


عادت التظاهرات لتعمّ أرجاء المدن الإيرانية من جديد في 11 كانون الثاني (يناير) الجاري، في أعقاب اعتراف حكومة الجمهورية الإسلامية بإسقاطها "عن طريق الخطأ" لطائرة ركاب.

مستوى الوعي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي

تعود الأحداث إلى اغتيال الولايات المتحدة لقائد "فيلق القدس" في الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني يوم الثالث من كانون الثاني (يناير) 2020، وجاءت ردّة الفعل الإيرانية متمثّلة في الهجوم بالصواريخ على ثلاث قواعد عسكرية أمريكية، على الأقل، في الأراضي العراقية. كانت حصيلة هذا الهجوم هي عدم سقوط أي جندي أمريكي قتيلاً. لكن وبعدها بعدّة أيام سقطت طائرة الرحلة رقم 752 التابعة للخطوط الجوية الأوكرانية من قبل قوات الحرس الثوري في عمل غريب بعد الاشتباه في كونها طائرة معادية. كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً يحملون جنسيات سبع دول مختلفة.

كانت حصيلة هذا الاعتداء مصرع جميع ركّاب الطائرة البالغ عددهم 176 شخصاً

لقد حاول النظام الإيراني استغلال مقتل سليماني لتعزيز أركانه على المستوى الداخلي. وبالفعل ظهر عدد لا حصر له من اللافتات المطبوعة خصيصاً لهذا الحدث والتي تصف سليماني بـ"شهيد" و"بطل" وظهرت في جميع أنحاء البلاد بعد ساعات قليلة من مصرعه. ونُظّمت المسيرات الجنائزية في عدد من المدن العراقية والإيرانية على حدّ سواء. تحدّثت الصحافة العالمية عن آلاف، بل ملايين المُشيّعين، وأجرت مقابلات مع شباب ونساء يذرفون الدمع داخل ما يشبه نقاط بُكاء جماعية تتّشح بالسواد كلها. أما الأصوات الناقدة للقيادي العسكري والنظام الإيراني بأسره فلم تجد مكاناً لها سوى داخل أبواق النخبة الإعلامية من جانب اليمين تحديداً والمحافظين في جميع الدول الأخرى حيث وصفوا سليماني بـ"إرهابي".

ضرب طائرة الركّاب

وبينما كان شخص يصوّر من ضواحي مدينة برند في تلك الليلة بهاتفه المحمول لحظة اصطدام الصاروخ بطائرة الخطوط الجوية الأوكرانية، حاول النظام الإيراني وعلى مدار ثلاثة أيام تالية إنكار الأمر. واعتبرت جميع القطاعات سواء المحافظين المتشدّدين أو الإصلاحيين في إيران، ووسائل الإعلام الروسية والباحثون والخبراء "المحايدون" في النسخة الفارسية من هيئة الإذاعة البريطانية "بي بي سي" أنّ الحادث نجم عن "عطل فنّي" في الطائرة. رغم أنّ الشخص الذي سجّل الواقعة أُلقي القبض عليه.

اقرأ أيضاً: الخلافة الإيرانية وتداعيات مقتل سليماني

وتمسّكت سلطات الطيران المدني الإيرانية بإنكار فكرة أنّ الطائرة الأوكرانية طراز "بوينج 737-800" تعرّضت لهجوم بصاروخ، إلّا أنّ مقاطع الفيديو التي صوّرها سكّان برند بهواتفهم المحمولة والضغط الخارجي من جانب آخر، أجبرا النظام على الاعتراف بحقيقة ما وقع في تلك الليلة.

ووفقاً للقيادة العليا الإيرانية، فإنّ طائرة الركّاب الإيرانية اقتربت من موقع مهم لتجارب الصواريخ يتبع الحرس الثوري، الذي التبس عليه الأمر وظنّ أنّها طائرة مقاتلة معادية. كانت جميع القوات في حالة "تأهّب قصوى" تلك الليلة بسبب الهجمات الإيرانية الانتقامية ضد القوات الأمريكية في العراق. تسبّب هذا الوضع في تعرّض الطائرة للقصف "عن طريق الخطأ ودون قصد".

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية

وأخيراً وقبل عدّة أيام، خرج رئيس الجمهورية الإسلامية الإيرانية حسن روحاني ووزير خارجيته محمد جواد ظريف ليعلنا أنّ قوات الحرس الثوري هاجمت "عن طريق الخطأ" الطائرة.

وحتى إقرار النظام الإيراني في النهاية بمسؤوليته عن الحادث الجوي، اتّحد الإصلاحيون والمحافظون في إنكارهم للحقيقة. إلّا أنّه وبعد تكشّف الوقائع عمّا حدث، زادت الفجوة بين المعسكرين بعد لجوء أحدهما لخطّة إقالة روحاني في وقت يعتقد الآخر أنّه ضحية لمؤامرة إصلاحية أو غربية. ويجرى الحديث في الوقت الحالي عن "حرب نفسية من وزارة الدفاع الأمريكية".

وتعبّر ممارسات جناحي النظام عن حالة الازدواجية التي يعاني منها الإصلاحيون على وجه الخصوص. فمن يسمّون أنفسهم بالإصلاحيين كانوا هم نفس الساسة الذين ارتكبوا مذابح بحق آلاف الأشخاص ونفّذوا حملات من القمع والاعتقالات بحق المتظاهرين غير المسلّحين على مرّ الأشهر المنصرمة. لكنّهم وعلى نحو مباغت انضمّوا لمشيّعي المسافرين ضحايا حادث الطائرة. وفي الوقت ذاته، هم أيضاً المسؤولون عن مصرع 1500 شخص في الأسابيع الماضية.

بداية التظاهرات الحاشدة

خرجت الاحتجاجات الجديدة في خمس مدن إيرانية، على الأقل، مؤخّراً هي العاصمة طهران وأصفهان وهمدان ورشت وبابل. كانت بؤرة الحراك هي الجامعات التي تحرّك منها الطلّاب. بعدها امتدّت الاحتجاجات إلى مدن أخرى حيث توجد مقاطع فيديو من سنندج وبانه وأهواز ويزد وسمنان وكرج وتبريز وكرمان وشيراز وآراك وزنجان.

وفي محافظة بلوشستان، التي تناضل من أجل الحكم الذاتي في جنوب شرقي البلاد، لم تخرج أي تظاهرة نظراً للسيول الجارفة التي تشهدها. إلّا أنّها لا تتلقى أي مساعدات من الحكومة المركزية. وبدلاً من ذلك، يجري حالياً استثمار 200 مليون يورو في تشغيل الصواريخ. وقد أعرب الطلّاب عن تضامنهم مع سكّان بلوشستان الذين يعانون القمع.

اقرأ أيضاً: هل سيتقلص نهج إيران في التمدّد الإقليمي بعد مصرع سليماني؟

إنّ التظاهرات تناهض نظام الجمهورية الإسلامية نفسه ويطالب المحتجّون باستقالة الحكومة ورأس السلطة السياسية-الدينية آية الله علي خامنئي في تحوّل جذري خلال أسابيع قليلة حيث كان الناس قبلها يهتفون "لسنا خائفين! نحن متّحدون!"، لكن الهتاف بات الآن موجّهاً ضد أحد أكثر الأجهزة القمعية في إيران "الباسيج" والتي تستقبل شعارات مثل "خافوا منّا لأنّنا متّحدون!" وكذلك "كاذبون!" الذي أصبح يُسمع كثيراً أثناء التظاهرات.

حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس بعناصر الدولة: السلطتان المُنتخبة والدينية والقوات العسكرية النظامية والحرس الثوري

تحمل الهتافات طابعاً سياسياً لا لبس فيه وهي معارضة للنظام بالكامل. وانتهزت الجموع الغاضبة كارثة الطائرة بوصفها فرصة للتعبير عمّا تشعر به من سخط سياسي واجتماعي ضد نظام الجمهورية الإسلامية بالكامل.

فيما باءت محاولات الإصلاحيين لاحتواء التظاهرات بوعود إجراء استفتاء والإجراءات الإصلاحية بالفشل. وقد قوبل بكاؤهم على ركّاب الطائرة في طهران عبر أكاليل الزهور والشموع بموجة من الانتقادات اللاذعة من قبل المحيطين بهم، وكانت الردود كاسحة مثل "إصلاحيون أو محافظون، انتهى وقتكم" و"يجب تدمير الجمهورية الإسلامية" و"سليماني قاتل". كما ردّد الطلّاب "لا للاستفتاء، لا للإصلاح- إضراب، ثورة" و"من طهران إلى بغداد، بؤس وقمع واستبداد" و"من طهران إلى بغداد نهتف: ثورة!".

اقرأ أيضاً: بعد قرار الانسحاب.. هل خان مقتدى الصدر المحتجين العراقيين لصالح إيران؟

من الواضح تماماً أنّ مستوى الوعي السياسي ارتفع بشدّة على مدار الأسابيع الأخيرة، ولم يعد فصيل واحد من النظام الإيراني لم يتلقّ الاتهامات بالقمع الوحشي والمذابح والمسار النيوليبرالي الذي أدّى لسقوط أعداد كبيرة من الإيرانيين في براثن الفقر. أصبح كل شيء على المحكّ.

الشباب والنساء في الصفوف الأولى

يمكن ملاحظة عبر الكثير من مقاطع الفيديو المتداولة الشباب يهتفون "الموت للكاذبين" و"أنتم حفنة من القتلة" بشجاعة في وجه قوات الأمن. كما تظهر نساء شابات في الصفوف الأولى ولا يتوانين عن قيادة الهتافات والدخول في سجالات محمومة مع أفراد الأمن في الشوارع.

بل إنّ صور سليماني نفسه كما أظهرت مقاطع فيديو أخرى تُضرب بقوّة عارمة من المتظاهرين ثم تُنتزع وتُسقط أرضاً وسط عاصفة من التصفيق.

"اذهب إلى الجحيم أيها الدكتاتور!" هو أحد أشهر الهتافات الموجّهة ضد القائد الأعلى للجمهورية الإسلامية. ولم يتأخّر ردّ الحكومة طويلاً: قمع على نطاق واسع وعنف مفرط وغاز مسيل للدموع، يحاول النظام مجدّداً حصر الشباب والنساء وجميع المتظاهرين داخل نطاق الخطوط المُحدّدة لهم. ومن جديد يسقط الكثير من المصابين وعدد لا يمكن حصره من المُعتقلين وبينهم الكثير من الطلبة، وتُشاهد في عدد كبير من مقاطع الفيديو كميات مخيفة من الدماء تغطّي الأسفلت.

اقرأ أيضاً: إيران: طريق العودة للواقعية

من الصعب بالتأكيد التكّهن بما إذا كانت الاحتجاجات ستستمر وتتّسع رقعتها كمّاً وكيفاً أم لا، ومستوى القمع الذي قد تصل إليه أجهزة الأمن الإيرانية. لكن الأمر المؤكّد وبكل جلاء هو أنّ هتاف كل متظاهر هو ما يحدّد القدرة على الامتداد والمطالب. ورغم أنّ هذه المظاهرات تقتصر حتى الآن في أغلبها على الطبقة الوسطى، إلّا أنّها تأثّرت باحتجاجات سابقة في الأشهر الماضية. لذا لا ينبغي السماح لأيّ من فصائل النظام السياسي في إيران بامتطائها.

هناك عنصر آخر يشير إلى أنّ الاحتجاجات لن تتوقّف سريعاً مثلما حدث في تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي حين قوبلت تلك التظاهرات بالقمع الشديد خاصة وأنّ أغلب المشاركين فيها كانوا من الفقراء والريفيين. بيد أنّ الأمر يختلف كثيراً هذه المرة، فضحايا الطائرة الأوكرانية يحظون بوضع اقتصادي واجتماعي جيّد، فضلاً عن علاقاتهم القوية بالنخبة. لذا فليس من المستبعد أن يطالب ذوو الضحايا بتعويضات ضخمة من الدولة المُنهكة اقتصادياً بالفعل.

اقرأ أيضاً: هل سلّمت الولايات المتحدة العراقَ إلى إيران؟

ومن الواضح أنّ هناك حالة من الشقاق تضرب المجتمع الإيراني من الداخل وتنعكس في عناصر الدولة: السلطة المُنتخبة، السلطة الدينية، القوات العسكرية النظامية، الحرس الثوري. وقد وجّه بعض قادة الحرس الثوري الاتهامات للحكومة والقوات المسلّحة بتجاهل طلباتهم بإغلاق المجال الجوي أمام الطائرات المدنية- قبل ساعات إسقاط الطائرة الأوكرانية- من في اليوم الذي تقرّر فيه طهران الردّ عسكرياً على مقتل سليماني. من جانبها، تدّعي الحكومة والمرشد الأعلى بأنّهم لم يكونوا على دراية بأي شيء يحدث حتى 10 كانون الثاني (يناير).

على أنّ القطاعات الأكثر اعتدالاً يفترض أن تبدأ في كسب أرضية أكبر. وقد كانت النخبة السياسية الإيرانية حتى الآن تبدو متّفقة على فكرة أنّ التفاوض مع الغرب تحت وطأة الضغط لن يجلب شيئاً سوى مزيد من الإذلال. لكن الظروف تغيّرت الآن. ومن شأن تقارب مع واشنطن أن يعيد وحدة الصف داخل مجتمع يترقّب الانفتاح على العالم، ويسكت مطالب هؤلاء الذين يرون في خامنئي العقبة الكبرى في مسار المفاوضات.

اقرأ أيضاً: اهتزاز صورة المرشد في إيران بعد مقتل سليماني

وفيما يتعلّق بواشنطن، يعتقد الخبراء أنّه رغم الوقت العصيب الذي يمرّ به النظام الإيراني، فإنّ السياسة التي ينتهجها ترامب لن تؤدّي بسهولة إلى تغيير النظام الحاكم في طهران. فلا يزال الأخير يحظى بدعم شريحة ليست بالهيّنة من الشعب، فضلاً عن أنّ العقوبات الاقتصادية بالكاد أتت بالنتائج المرجوّة، ويبقى السؤال؛ هل ستكون إيران استثناء؟

ورغم حالة الغليان التي وصل لها المجتمع المدني في إيران، لكن المقارنة مع الثورة التي اندلعت عام 1979 لا تزال غير جائزة، حسبما يرى الصحفي راينر هرمان من جريدة "فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج" الألمانية.

اقرأ أيضاً: شوط جديد مع إيران والاتحاد الأوروبي لم يتعلم الدرس

ولا يزال إعلان وفاة الجمهورية الإسلامية سابقاً لأوانه. حتى مع اعتبار الكثير من الإيرانيين أنّ إقرار الحرس الثوري بمسؤوليته عن ضرب الطائرة الأوكرانية وقتل جميع ركابها، يشبه في فداحته كارثة تشيرنوبل النووية التي وقعت عام 1986. فقد فرضت القيادة السوفييتية وقتها حالة من التعتيم الإعلامي لعدّة أيام. كانت للكارثة وطريقة تعامل القيادة معها تجسيداً رمزياً لفشل الاتحاد السوفييتي قبل سقوطه بعدها بأعوام قلائل. بيد أنّ هذا الأمر لن يتكرّر بحذافيره في إيران.

كما أنّ عقد المقارنات هو الآخر شيء سابق لأوانه. ففي شباط (فبراير) من العام 1979 لم تكن قوات الأمن تطلق النار على المتظاهرين، بل إنّ أفراد القوات كانوا ينضمّون إلى صفوف الثوار. وكان هؤلاء يحظون بشخصية ذات قدر عال من الجاذبية هي  الخميني.

الظروف ليست مواتية لاندلاع ثورة ناجحة

والواقع أنّ ظروف وشروط قيام ثورة قادرة على تحقيق النجاح غير متوافرة اليوم. فالحرس الثوري، الذي لعب دوراً حاسماً خلال الحرب مع العراق في الفترة بين عامي 1980 و1988، يبدو مصمّماً على المضي قدماً في إطلاق النار صوب المتظاهرين نظراً لولائه غير المحدود للنظام حيث يستفيد منه اقتصادياً بصورة هائلة. على الجانب الآخر، لم يتمكّن المتظاهرون من حشد الكتلة الحرجة التي يمكنهم بواسطتها الوقوف في وجه هذه القوة. كما أنّهم يفتقرون للقيادات التي يلتفّون حولها والقادرة على التنظيم.

من ناحية أخرى، تتسارع وتيرة التظاهرات بشكل كبير في الجمهورية الإسلامية وأصبحت الهتافات أكثر جذرية، واكتسبت الاحتجاجات قدراً أكبر من الدموية. وكانت أول فعالية احتجاجية عام 1999 قد استغرقت أسبوعاً كاملاً. وكان المحتجّون يتظاهرون ضد إغلاق صحيفة إصلاحية. لكن تظاهرتهم في محيط جامعة العاصمة طهران قوبلت بالتنكيل القاسي.

اقرأ أيضاً: حكومة حسان دياب: هل انتصرت إيران على ثورة اللبنانيين؟

بعدها بـ10 أعوام، أثار إعادة انتخاب محمود أحمدي نجاد رئيساً لولاية ثانية السخط وأفضى لخروج تظاهرة حاشدة ضمّت في أغلبها أبناء الطبقة الوسطى من سكّان المدن وانتهت بحرب شوارع في طهران بين المتظاهرين وميليشيات الباسيج التي تتكوّن من المتطوعين وتخضع لأوامر قادة الحرس الثوري. لاحقاً، تظاهر ثلاثة ملايين شخص بصورة سلمية مطالبين بإلغاء الانتخابات. لكنّهم لم يحقّقوا مرادهم في تقويض أسس الجمهورية الإسلامية بسبب عدم امتلاكهم للكتلة الحرجة المطلوبة.

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية

وبين نهاية 2017 ومطلع 2018 تظاهر عشرات الآلاف من الأشخاص، أغلبهم من الإيرانيين الفقراء، في شوارع جميع مدن البلاد تعبيراً عن استيائهم إزاء ارتفاع معدّل التضخّم والبطالة. بينما كان ارتفاع سعر الوقود- ثلاثة أضعاف الثمن- سبباً مباشراً في اندلاع موجة عنيفة من الاحتجاجات. تظاهر الناس ضد قيادات الجمهورية الإسلامية في جميع المحافظات، وكافة المدن سواء الكبرى أو الصغرى، تعرّضت مباني المصارف الحكومية والجهات الأمنية لإضرام النيران فيها. وكانت النتيجة قمع عنيف للغاية راح ضحيّته ألف قتيل على الأقل.

أسهم إسقاط الطائرة بتسريع وتيرة سحب الثقة تجاه إيران إلّا أنّ خامنئي لا يبدو مستعداً لإجراء أي إصلاحات

لقد أسهم إسقاط الطائرة الأوكرانية بلا شك في تسريع وتيرة سحب الثقة تجاه الجمهورية الإسلامية. إلّا أنّ خامنئي ذي الـ80 عاماً لا يبدو مستعداً لتحمّل أي نتائج أو إجراء أي إصلاحات. بل على العكس من ذلك: تم استبعاد الكثير من المرشحين المتقدّمين لخوض الانتخابات التشريعية المرتقبة في 21 شباط (فبراير) المقبل، وتصل النسبة إلى واحد من كل ثلاثة مرشحين لن يتمكّن من المشاركة. وعلى الأرجح، فإنّ الثوري المخضرم يسعى لاستقدام جيل من النواب الذين يدينون له ولمبادئ ثورته بالولاء.

نعم دخل المجتمع الإيراني مرحلة الغليان، إلّا أنّ سقوط نظام الجمهورية الإسلامية لا يزال مستبعداً.. على الأقل في المستقبل القريب.


مصادر الترجمة عن الإسبانية:
https://bit.ly/2RCiMzL
https://bit.ly/2vrOEy9
https://bit.ly/2Rx4nEQ

للمشاركة:

ليبيا وإغلاق القبائل لحقول النفط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

جبريل العبيدي

إغلاقُ حقولِ النفط الليبية كانَ الخيار الأصعبَ أمام القبائل الليبية، لوقف إهدار الأموال الليبية، وهي ترى ثروتَها السياديةَ تُنْهبُ من دون رادعٍ، بل ويتمُّ استخدامُها لجلب المرتزقة لقتل أبناء الشعب الليبي من قبل حفنة من العملاء الذين تشبثوا في كراسي السلطة التي جاءوها في غفلة من الزمن ورفضوا مغادرتها.
ليبيا تمتلكُ ثروةً نفطيةً ضخمة، وهي تطفو على بحيرة من النفط، إذ يُعدُّ الاحتياطي العالمي الخامس في العالم، كما تعتبر ذات الاحتياط النفطي الأكبر على المستوى الأفريقي، لكنها ثروة تستنزف وتنهب صباح مساء، وبطرق متعددة، خصوصاً في ظل هذه الفوضى العارمة التي استأصلت كل شيء، ولا أحد يرغب في إحداث نقلة نوعية في الاقتصاد الليبي بالتنمية المستدامة، والتخلص من سياسة الاقتصاد الريعي، والتحول إلى الاقتصاد الإنتاجي، مما جعلها تعاني من مشاكل اقتصادية كبيرة متراكمة حتى أصبحت ثروة النفط فيها «لعنة»، وهي التي وراء التدخل العسكري، الذي أسقط الدولة والنظام معاً، وتسبب في حالة فوضى لا تزال تنشط في ليبيا منذ عام 2011، حيث كان التدخل بحجة حماية المدنيين عبر قرارات مجلس الأمن والأمم المتحدة، التي نراها لا تنفذ في كثير من دول العالم.
حقول وموانئ النفط تعرضت في محاولات سابقة للسيطرة والاستحواذ عليها، فنشبت معارك ومحاولات الاستيلاء على الهلال النفطي، باستخدام ميليشيات جماعات الإسلام السياسي، مثل «سرايا الدفاع عن بنغازي»، وهي تحالف من المقاتلين لهم صلات مع تنظيم «أنصار الشريعة»، المبايع لـ«داعش»، وقد حاولت أكثر من مرة السيطرة على الحقول، قبل أن يحررها الجيش الوطني الليبي، ولكن بقيت المشكلة في المؤسسة الوطنية للنفط الموكل إليها بيع النفط وتصديره والتي تودع الأموال في البنك المركزي في طرابلس الذي تسيطر عليها الميليشيات وتستخدم عائدات النفط في تمويل إرهابها وسرقة المال العام، مما تسبب في غضب القبائل في حوض النفط، فاجتمعت وقررت إغلاق حقول وموانئ النفط إلى حين إيجاد قيادة رشيدة تحسن التصرف في عائدات النفط، وقد قال أحد مشايخ القبائل التي أغلقت حقول وموانئ النفط شيخ مشايخ قبيلة أزوية، السنوسي الحليق، معلقاً عن أسباب الإغلاق: «إن القبائل الليبية خلال اجتماعها في الزويتينة، أعلنت عدة مطالب من أجل إعادة فتح الحقول النفطية، على رأسها إسقاط الاعتراف بحكومة الوفاق، التي تستغل موارد النفط وإيراداته لجلب المرتزقة وتمويلهم. أيضاً نطالب بتغيير محافظ المصرف المركزي، ومدير المؤسسة الوطنية للنفط، وتشكيل حكومة تسيير أعمال، وكذلك التوزيع العادل للثروة».
التلاعب بإيرادات النفط كان وراء مقتل خبير النفط الليبي شكري غانم، الذي يعتبر الصندوق الأسود للنفط الليبي، والذي وصفته صحيفة «لوموند» الفرنسية بـ«الميت الذي ما زال يتكلم»، وكان قد قتل إغراقاً في نهر الدانوب، عقب إسقاط نظام القذافي، لإغلاق ملف عوائد النفط، ليسهل التلاعب فيها، فالتلاعب ونهب عائدات النفط كان وما زال مستمراً، ولكن أن تتحول هذه العوائد إلى تمويل مرتزقة أجانب لقتل أبناء القبائل، وخاصة تلك التي يخرج النفط من تحت أقدامها هو الأمر الذي دفع بالقبائل الليبية للاجتماع، وإغلاق حقول النفط وموانئه لحين ترشيد التوزيع العادل للثروة الوطنية، حيث يباع النفط في غياب تام وواضح لأي مقاييس وضوابط ومحددات، مما يجعل الشك والريبة موضع افتراض بيع النفط، والتصرف فيه من دون رقيب أو حسيب، كما تقتضي معايير النزاهة والشفافية، يعتبر خرقاً واضحاً وتبديداً وإهداراً للثروة الوطنية في اتجاه مجهول، وقد يتسبب في احتقان شعبي قد يسير في اتجاهات تهدد السلم الاجتماعي.
ولئلا يستمر هذا يقول مشايخ القبائل: «إلى أن يصبح لدينا حكومة وطنية دستورية، فليبقَ النفط قابعاً تحت الأرض، أفضل من لعنة بيعه وتمويل المرتزقة والميليشيات به».

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

الصدر الذي فتح الباب لتأكله الذئاب

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-01-29

فاروق يوسف

لن يتمكن مقتدى الصدر من تصديق أن نجمه قد أفل في الحياة السياسية العراقية وأنه صار صفرا، لن يتمكن ما تبقى من أنصاره من اعادته إلى المعادلة الرياضية التي تقوم على أساس أرقام معقدة.

كان الصدر في الماضي يحرج خصومه بتقلباته غير المتوقعة فإذا به من خلال انقلابه الأخير يُخرج نفسه من السباق ليتخلى عن كونه رقما صعبا يحيط به الغموض ليصبح عرضة للتهميش ورمزا للخيانة بالنسبة للمحتجين وهو ما ستجد فيه الأحزاب الموالية لإيران مناسبة لتأكيد سلامة رأيها به.

لقد صدق الصدر أن إيران قد تبنته أخيرا، بالرغم من أنه في حقيقته لم يكن عدوها إلا على مستوى الشعارت المجانية. فلو كان عدوها لما جعلته يرفل بجزء كبير من ثروات الدولة العراقية من خلال الوزارات التي هي من حصته. فالصدر كان واحدا من أكبر المساهمين في حفلة الفساد التي شهدها عبر الستة عشر عاما الماضية. غير أنه وبسبب كراهية الآخرين له رسم خرائط نظرية، استطاع من خلالها أن يوهم أتباعه بأنه يعادي إيران.

مقابل الرضا الإيراني كان على الصدر أن يقوم باحتواء الاحتجاجات وهو ما تعهد به من خلال التشويش على تلك الاحتجاجات بتظاهرات تطالب برحيل القوات الأميركية عن الأراضي العراقية وهو مطلب الأحزاب الموالية لإيران بعد مقتل قاسم سليماني.

اما حين فشل ذلك الرهان فقد جُن جنون الصدر. ذلك لأنه أدرك أن المركب تغرق. كان انفصاله عما جرى من تحولات منذ بداية اكتوبر سببا في عماه الذي قاده إلى اتخاذ قرار لم يكن صائبا.

لقد أعتقد أن في إمكانه احتواء الاحتجاجات ومن ثم العمل على تفتيت وتشتيت مظاهرها وصولا إلى انهائها. تلك كانت خطته. غير أن صدمته كانت مدوية، حين أكتشف أن ما تصوره يسيرا هو أصعب بكثير من إمكانية الوصول إليه، حتى بعد أن غامر علنا بسحب أعوانه من ساحات التظاهر.

لقد خرج المحتجون من نطاق السيطرة المتخيلة وصارت لديهم مرجعياتهم التي يحرصون على أن يحيطونها بقدر لافت من الغموض.

حينها كان على السيد أن يعترف بأن الاحتجاجات سبقته ولم يعد رهانه قائما فيها وأن انسحابه منها لن يؤثر عليها في شيء بل العكس هو الصحيح. لقد وهبها ذلك الانسحاب قدرا من الزخم لعب القرار المستقل دورا في تأجيجه بين الشباب.

غير أنه وكما هو متوقع من رجل دين لم يصدق ما يراه فلم يعترف بالواقع.

فبعد أن توهم أن ظفره بالرضا الإيراني سيمكنه من أن يكون سيد الساحة السياسية فإنه لا يملك الاستعداد لمراجعة سياساته التي أودت به إلى الانفصال النهائي عن الشارع وحبسته في عزلته التي اختارها بمشيئته.

ولكن هل هناك قراءة أخرى للموقف المزري الذي انتهى إليه الصدر؟

لمَ لا يكون ما جرى هو انعكاس لمخطط إيراني لإزاحة الصدر نهائيا من الخارطة السياسية؟

تلك فرضية يمكن القبول بها في ظل العلاقة غير السوية التي تجمع الصدر بقوى البيت الشيعي الذي كان مهددا دائما بالانهيار من الداخل بسبب تركيز الصدر على حضوره الشعبي بين الفئات الأكثر فقرا.

وإذا ما كان الصدر قد دخل إلى لعبة الحكم مستفيدا من امتيازاتها المفتوحة فإنه نجح بطريقة مخادعة في أن يمثل دور المعارض الذي يلبس كفنه استعدادا للموت.

غير أن لقاءه الأخير بخامنئي وضع حدا لتلك الثنائية. ترى من سعى إلى لقاء الآخر؟

من المؤكد أن الصدر كان يسعى إلى أن يتم احتضانه إيرانيا بطريقة منفصلة، كما لو أنه شخص استثنائي وهو ما اتاحته له القيادة الإيرانية أخيرا.

كان الصدر غبيا حين أولى خامنئي ثقته.

من وجهة نظر الإيرانيين كان ضروريا أن يعود الصدر إلى ساحات التظاهر بوجه مختلف. وهو الوجه النقيض للمعارض، بحيث يبدو كما لو أنه يمثل الأحزاب الموالية لإيران. وكان في ذلك مقتله.

لقد تخلصت إيران من صداع الصدر في الوقت الذي صار شبحه الوطني نسيا منسيا.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية