فرانسيس غويا: متاهات البحث عن الحقيقة

2396
عدد القراءات

2018-03-18

ليس سهلاً أن يعيش المرء في عصرٍ امتزجت فيه الظلمة بالنور، وتحولت فيه الثورة إلى غزو، والصوت إلى صمتٍ مطبق، ثم تحول فيه الجمال والدين، اللذين يسعى الإنسان إلى الخلاص من خلالهما ربما، إلى مؤسساتٍ وصروح ضخمة، تقمع حريته وأفكاره.
في ذلك العصر، الذي راوح بين الظلمة والنور، ولد الرسام الإسباني فرانسيسكو غويا عام 1746، وعاش شاهداً على الاضطرابات السياسية والدينية والاجتماعية في بلاده حتى وفاته العام 1828.
الجمال أولاً
نشأ غويا في بيئة ريفية قرب مقاطعة أراغون الإسبانية، واتسمت ألوانه الأولى بالقرب من الطبيعة في حيويتها وتنوعها، ثم انتقل إلى رسم مظاهر الحياة اليومية للناس في الأماكن العامة، متأثراً برحلته إلى فرنسا، التي دامت بضعة أعوام، تأثر خلالها بمفكري التنوير الفرنسيين أمثال؛ جان جاك روسو، ومونتيسيكيو، ليعود بعدها إلى إسبانيا، ويتمكن من الانتقال إلى العاصمة مدريد؛ حيث بدأت شهرته تتشكل، من خلال رسوماته لمنتجات مصنع السجاد الملكي هناك منذ العام 1775، غير أنّ تلك الفترة، شهدت أيضاً، نمو حسه القوي لمراقبة الطباع البشرية.
وبعد مضيّ سنواتٍ من انتقاله إلى مدريد، أصبح غويا رسام الطبقة الأرستقراطية الإسبانية بمباركة ملكية منحته هذا اللقب، وخلال تلك الفترة، بقي باحثاً عن الجمال، لتبدو مسيرته بريئة، غير قابلةٍ للتلوث بالكوابيس، وعبر تلك المرحلة، منحته حدة قدرته على الملاحظة، الانتباه إلى تغول الكنيسة على العامة، لكنه كان أقرب إلى المخلص الصامت، منه إلى المعترض.

في الحرب أخذت أعمال غويا تنحاز إلى نقل صورٍ سريعة عن تدمير الحرب للإنسان والمكان

وأصبح غويا، رسام الأسرة الحاكمة العام 1799، غير أنّ راتبه الملكي المرتفع آنذاك "50 ألف ريال"، لم يمنعه من نقد فسادها وضعفها وعلاقتها بالكنيسة، وتشير لوحته الشهيرة؛ الملك كارلوس الرابع وعائلته، التي أنجزها العام 1800، إلى نقدٍ لاذعٍ بحق الأسرة الحاكمة؛ حيث يضع الملكة في وسط اللوحة في إشارةٍ منه إلى أنّها مركز القوة، ويرسم خلفيةً مظلمة، في إشارةِ إلى وجود نوعٍ من الظلم والقمع والغموض، يحيط بالأسرة الحاكمة التي ينظر أفرادها باتجاهاتٍ مختلفة، كأن لا شيء يجمعهم إلا الطموح الفردي لكل منهم في خطف السلطة.
ويبدو أنّ غويا، بدأ ينقل الظلمة المحيطة بمحاكم التفتيش، وانعدام العدل في مجتمعه، إضافةً إلى سطوة الملكية والكنيسة، فاقداً الأمل تقريباً بانحسارها.

تشير لوحته "الملك كارلوس الرابع وعائلته" التي أنجزها العام 1800 إلى نقدٍ لاذعٍ بحق الأسرة الحاكمة

نحت القسوة والحرب
مع الغزو الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت لإسبانيا، عملت كل من الحرب والسياسة والكنيسة، على تأثيث عقل غويا بالظلام، وفقدانه الأمل تماماً بحياة ومجتمع أكثر حرية. إضافةً إلى الصمم الذي أصيب به الفنان تدريجياً منذ العام 1793، فأخذت إبداعاته تنحاز إلى نقل صورٍ سريعة عن تدمير الحرب للإنسان والمكان، وأصبحت أعماله التي بدأ يحفرها على المعدن، تأخذ طابعاً قاسياً وهي تنقل تشوهات الحرب.

إحدى لوحاته السوداوية التي تصور قسوة الحرب وبشاعتها

وكون حفرياته على المعدن، شكلت سجلاً مبكراً للحرب، وللمجاعة التي قتلت 20 ألف شخص في مدريد، ولتخبط رجال الدين في الشوارع بنشرهم وتبريرهم الخرافات، وانشغال السياسيين الإسبان بالخلافات وبتبرير ضعفهم، إضافةً إلى الوحشيةِ التي عمل الفرنسيون من خلالها على تقسيم جسد إسبانيا، ووصم أجزائه المتفرقة بالحرية المدعاة. بدأ الفنان الأصم، ينقل الصرخة من وسط الظلام، دون أي أملٍ يحدوه بالنجاة من المذبحة، ولم يعد يرجو السماء، ولا يتمنى الخلاص على الأرض.

فنانون عديدون مثل بيكاسو تأثروا برؤية غويا الحداثية في نقل تشوهات الحرب والمجتمع وحركته

الكوارث، كان اسم هذه المجموعة التي فاقت أربعين لوحة معدنية، سبقت الواقعية التسجيلية المصورة بزمنٍ طويل، وتبدو لوحاتها معاً مثل ضربةٍ مفاجئةٍ وقاسية للحرب، يحيطها الظلام وانعدام الأمل. ويعتبرها النقاد الفنيون في القرن العشرين، أول تجربةٍ حقيقية لتسجيل وقائع الحرب بجرأة أشبه بنداء، لإيقاف كل ما نتج عنها من قتلٍ ودم.
غويا، نظر إلى الجحيم، ونقل منه ما استطاع نقله، رسم المناطق المظلمة من عقله، وفي المكان والزمان اللذين وجد فيهما، أما الصمت الذي أحاطه بفعل الصمم، فلم يمنعه من رسم الصرخات التي ترافقت مع وجوده، سواء تلك التي حدثت تحت نير عذاب الكنيسة، أو تلك التي أخرجها الرعب من فم إنسانٍ تدمره الحرب. وصرخة الجنون، الأكثر تأثيراً، لمجموعةٍ من البشر، يسيرون كأنّهم عميان، ولا يمكن لهم أن يفتحوا أعينهم، قبل أن يسقطوا من على حافةِ الهاوية.

 "الحج إلى سان ايسيدرو" إحدى اللوحات السوداء التي رسمها غويا بين عامي 1819-1823

فنانون عظماء عديدون، تأثروا برؤية غويا الحداثية، الصادقة في نقل تشوهات الحرب والمجتمع وحركته، وتخبط العلاقات بينه وبين صروح الحياة الكبرى من أفكارٍ ومعتقدات؛ حيث شكلت لوحاته حالة طلاق نهائي، للتصوير الهادئ والثابت للحياة في إسبانيا. ومنهم؛ بابلو بيكاسو، صاحب لوحة المذبحة الشهيرة "غويرنيكا"، وبول ناش، فنان الحرب العالمية الأولى.

لوحة "الثالث من مايو" أو "الأعدام رمياً بالرصاص" رسمها العام 1814 شاهدة على قسوة الاحتلال الفرنسي

 

اقرأ المزيد...

الوسوم: