محمد محجوب: "الداعشية" تفقد مشروعية نفسها تحت سقف التأويل

صورة عيسى جابلي
كاتب وباحث وإعلامي تونسي
9824
عدد القراءات

2018-03-27

قال الدكتور محمد محجوب إنّ خطابات تنظيم "داعش" ذات غرض واحد رغم اختلاف تلاوينها، "بأنّه لا توجد إلا قراءة واحدة للنصوص، ومنع كل القراءات الأخرى وتكفيرها"، داعياً إلى التمييز بين الأسباب السياسية والأسس الثيولوجية والأيديولوجية التي قامت عليها أمثال هذه التنظيمات.

ونفى الدكتور محجوب، في حوار مع "حفريات"، أن تكون حالة "الانسداد التأويلي" الذي يعكسه "داعش" قدراً محتوماً على الثقافة الإسلامية، موضحاً أنّ الفكر العربي والإسلامي قد سار في وجهة تأويلية لنصوصه غير أنه لم يستكمل طريقه.

وأضاف أنّ التوحش، الذي ترجمته أعمال الحرق والذبح والتقتيل والتخريب عند "داعش"، إنما هو "نوع من النزوع إلى الابتداء من الصفر"، وأنّنا مطالبون بالتالي بالإجابة الحقيقية عنه وذلك بـ "التأسيس الفعلي للإنسان والمدنية والمعرفة والقيمة".

والدكتور محمد محجوب خرّيج الجامعة التونسية، من قسم الفلسفة، وتناولت أطروحته فكر هيدغر وقراءته للفلسفة اليونانية، وله أعمال ومنشورات أخرى تناولت موضوعات فلسفية متفرّقة.

شيطنة التأويل باعتباره مدخلاً إلى كثرة الشرك أداة المتطرفين التبريرية في بسط سلطان مطلق للقوة

وهو أستاذ التأويلية وتاريخ الفلسفة المعاصرة بجامعة تونس المنار (تونس)، يهتم بشؤون الفكر العربي القديم والمعاصر، ويتمحور تفكيره حول شروط معاصرة الفكر العربي للفكر العالمي، وقد أصدر عدة كتب وترجمات أنجزها أو أشرف على إنجازها في نطاق اهتماماته، وأسس "حوليات الفينومينلوجيا والتأويلية" ويشرف اليوم على مجلة "تأويليات" التي تصدرها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود". كما نشر في عدّة مجلات مقالات مختلفة تواصل اهتماماته التأويلية والفلسفية، حول إشكاليات القراءة، والعلاقة بالإغريق.

وهنا نص الحوار:

قراءة واحدة تصادر غيرها

مثلت "داعش" ظاهرة محيّرة في العالم المعاصر من حيث أسباب ظهورها وطبيعة تكوينها والأسس التي قامت عليها، كيف ينظر المختص في التأويلية إلى "داعش" وأخواتها؟ هل هي مظهر من مظاهر انسداد أفق التأويل؟

لا بد من التمييز في رأيي بين الأسباب السياسية التي أدّت إلى ظهور "داعش" والأسس الثيولوجية والأيديولوجية التي قامت عليها؛ فلا شك اليوم في أنّ تدبير "داعش" ليس داعشياً وأنّ خلق هذه الظاهرة إنما يخدم أجندات أخرى مختلفة ومتقاطعة. ولكن كان لا بد من إنبات الفكر الدّاعشي ضمن تربة ما، وبوجه ما فإنّ الحديث عن هذه التربة الفكرية والأيديولوجية هو من قبيل التحصن ضد "داعش"؛ لأنه يكشف عن الآلية التي يتم بها التسويغ الداخلي لذلك الفكر ضمن منظومات الأثر الإسلامي، ومن هذه الجهة فإنّ "داعش"، بما هي خطاب؛ بل خطابات ذات غرض واحد رغم اختلاف تلاوينها، ، لا يمكن أنّ تولد ليس فقط على أساس القرار النهائي باعتماد قراءة واحدة للنصوص، وإنما كذلك على أساس منع كل القراءات الأخرى وتكفيرها.

استنباط الفكر العربي أدوات للتأويل تجعله يفهم النص وفق معطياته التاريخية والنفسية واللسانية

إنّ الفكرة الداعشية لا يمكن أنّ تدعي لنفسها أية مشروعية تحت سقف فكرة التأويل، وإنما هي تفترض، بل تصرّح، بأنّ منطلقها هو حقيقة النص، أعني أنّ تفسيرها له هو رجوع إلى "حقيقته"، فتقصي بذلك كل إمكان للمعنى؛ فالأفق التأويلي أفق مغلق ضمن الأدبيات الداعشية، والثقافة الممكنة لا يمكن أنّ تكون إلا ثقافة إقصائية قائمة على مانوية قاتلة هي مانوية الخير والشر والحق والباطل والإيمان والكفر.

"داعش" فعلاً الحالة القصوى من إقصاء التأويل والتزام موقف تفسيري يقوم على أولوية الحقيقة وسلطانها، لا يمكن مناقشة أصحاب هذا الفكر ولا التلويح بإمكان فهم آخر، ورفضهم لأي إمكان آخر للفهم إنما يقوم على شيطنة التأويل نفسه باعتباره مدخلاً إلى كثرة هي كثرة الشرك، ومن الواضح أنّ شيطنة التأويل هذه هي الأداة التي يمكن لهم بواسطتها بسط سلطان مطلق للقوة، سلطان يقوم على قوة مطلقة للحقيقة؛ لذلك فأقوى الحصون ضد هذا الفكر هو تكذيب حقيقتهم لا باسم حقيقة أخرى وإنما باسم الإمكان ومشروعية الإمكان، الذي لا يمكن حصره في رواية أخرى فقط، وتبدو الغرضية التأويلية في هذا السياق أوفق مناهج هذا التكذيب؛ لأنها تشكك في إطلاق معرفتهم، وتربك أسسها.

 النتيجة المباشرة لعنف الجماعات المتطرفة هي خلخلة أسس التوازن التقليدي للشرق الأوسط

وجهة تأويلية متعثرة

هل إنّ هذا الانسداد بالنسبة إلى الحضارة الإسلامية قدر وقضاء مبرم؟

طبعا ليس قدراً محتوماً؛ بل إني أعتقد أنّ الفكر العربي والإسلامي قد سار في وجهة تأويلية لنصوصه لم تتم مواصلتها على المستوى الذي كانت تشير إليه؛ فعندما جعل ابن رشد تأويل النص القرآني مرتبطاً بالاستعمال الجاري للغة العربية، وبعادة لسان العرب في العبارة والتجوز، فإنه أشار إلى إمكانٍ حديث جداً يجعل مستوى تناول العبارة القرآنية هو عين مستوى تناول العبارة الجارية والعامة. وهذا مدخل فريد إلى حداثة تأويلية أول شروطها عدم إفراد النصوص الدينية أو الأدبية بتأويلية خاصة بها.

إنّ الحداثة التأويلية تقبل على هذه المغامرة التي تجعل التساؤل عن آلية الفهم تنطلق من الإقرار بأنّ الفهم يشتغل وفق نفس الآليات مهما كانت النصوص التي يتناولها، لم يتيسر للفكر العربي مواصلة هذا المسار الذي كان يمكن أنّ يحمله إلى استنباط أدوات للتأويل تجعله يفهم النص وفق معطياته التاريخية والنفسية واللسانية إلخ، وهو ما يعني أنه ضيّع على نفسه فرصة فهم صحيح للمقدس يدرج حديث المقدس إلينا ومخاطبته لنا كعنصر أساسي من قدسيته بل عنصره الأساسي، المقدّس هو الذي يخاطبنا ولذلك هو تاريخي، لذلك فإنّ استئناف الفكر عندنا هو ما يتعين علينا كلّ يوم، من أجل التّموقع في زماننا تموقعاً ندرك به الزمان ونؤثر فيه ونُعدِّله.

فشل تجارب النهضة العربية

ما الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ظهور تنظيم متوحش بهذه الدرجة القصوى في نظركم؟

ثمة في التوحش وجهان: الوجه السلبي الذي يهدم ويحطّم ويكسر كل شيء، وهذا الوجه هو الذي نعيش به التوحش في يومنا هذا كتجربة حاطمة، ولكنه من وجه ثان عبارة عن شيء ما، وأعتقد أنّ ما يعبر عنه التوحش هو نوع من النزوع إلى الابتداء من الصفر؛ نوع من العدمية المؤقتة، نوع من البحث عن المائدة العارية الديكارتية التي تجرّدت من كل شيء، ولذلك فإنّ الإجابة الحقيقية عن هذا التوحش هي التأسيس الفعلي للإنسان وللمدنية وللمعرفة وللقيمة، إنّ هذا التأسيس هو القضاء الحقيقي على التوحش، أعني القضاء الذي لا يترك له إمكانية الإخلاف، ولكن جوابي هذا هو جواب عن المعنى: ماذا يمكن أن يعني التوحّش؟ ماذا يمكننا أنّ نرى فيه؟

لم تعد المدرسة بفعل تطور وسائل الاتصال الحديثة فضاءَ المعرفة في مقابل لامعرفة الشّارع وعاميته

ومن جهة أخرى، فإني أعتقد أنّ التوحش جوابٌ على فشل تجارب النهضة العربية، أعني أنّه نوع من جلد النفس، لكأنما هو بحث عن طبقة عارية يمكن التأسيس عليها، إننا في وضع لا نحسد عليه: فعلينا من جهة أنّ نتصدى بأقصى القوة لدعوات التوحش فينا وفي مجتمعاتنا وفي بلداننا: علينا القضاء عليها، حتى تستمر الحياة فينا، ولكن علينا من جهة ثانية أنّ نعرف كيف نفهم عبارتها؛ علينا أنّ نحسن الإنصات – تأويلياً – إلى ما تريد أنّ تقول: إنّها تريد أن تقول – في عنفها غير المسبوق - إنه لم يعد في الإمكان أنّ نؤسس أي شيء من سطحنا، وعلينا البحث في روحنا عن طبقة حية أخرى نستأنف بها – ومنها -  أنفسنا، وهذه الطبقة هي فهم التاريخ، وفهم الحياة، وفهم النفس، علينا أنّ نطور كل آليات الفهم حتى نستطيع أنّ نؤسس فعلاً، أنّ التوحش لا يقول ذلك، ولا يعي به، ولا يقصده، ولا يتخيله حتى مجرد التخيل، ولكنه عَرَضٌ عليه، وعلامةٌ منه.

لو أردنا تأويلاً للأعمال التي ارتكبها "داعش"، بغض النظر عن كونها مستمدة من التاريخ الإسلامي وتتكئ دوماً على آيات أو أحاديث أو آراء فقهية تبررها بها، نتحدث عن الذبح والحرق خاصة، إلى أي مدى يمكن اعتبارها حالة من فقدان المعنى في العالم المعاصر؟ وإلى أي مدى يمكن ربطها بالحداثة والعولمة؟ هل هي الجانب المظلم منهما؟

هي كما قلت لك أقصى أشكال العدمية في هذا الزمان: النفي المطلق، وليست الأساليب التي ذكرتها إلا إمعاناً في النفي والعدمية؛ إنها العبارة عن فقدان المعنى أمام الحداثة: إنّ رفض الحداثة، الذي يقوم عليه "داعش" والتنظيمات المماثلة، هو أولاً تعبير عن أنه لا مكان لنا فيها، هل هو رفض؟ لا أظن، فنحن نرفض ما هو متاح لنا، ولكن الحداثة ليست متاحة لنا حتى نرفضها، وإنما نرفض رفضها لنا، وتمنّعها علينا منذ ثلاثة قرون.

ما حدود القراءة التي ترى أنّ التطرف صناعة غربية لتنفيذ مخطط الشرق الأوسط الجديد؟

لا شك في أنّ هذه القراءة ممكنة ولا سيما متى انتبهنا إلى مصادر التسليح؛ فالمتطرفون لا تأتيهم الأسلحة من السماء، ولا شك أيضاً في أنّ النتيجة المباشرة لعنف هذه الجماعات هي خلخلة أسس التوازن التقليدي للشرق الأوسط، ولكن لا بد أنّ نعي كذلك أنّ هذا الجسم، الذي لا شك أنه صناعة غربية، ليس جسماً أجنبياً عناً، بل هو وجد في تربتنا منبتاً طبيعياً له. بعبارة أخرى لا يمكن زرع مثل هذا الجسم في أرض أوروبية مثلاً لأنه لن يجد فيها هذا المنبت الطبيعي الذي وجده في بعض بلداننا التي لم تعمد بما يكفي من السرعة إلى غلق هذه الإمكانية من خلال سياساتها الإنمائية والاجتماعية والثقافية.

لا بدّ من دقّ ناقوس الخطر الدّاهم على النّاشئة والشّباب بفعل الفراغ الثّقافي وتصحّر المرجعيات

الفراغ الثّقافي وتصحّر المرجعيات

لو عدنا إلى الأسرة والمدرسة والمجتمع، المؤسسات الثلاث التي تسوّي الفرد وتصقله كيفما تريد، هل ترى في هذه المؤسسات عيوباً/ أخطاء قد تسهم بشكل أو بآخر في دفع الشباب نحو التطرّف والإرهاب؟

لا يتسع المجال للحديث عن هذه المؤسسات الثلاث.. لذلك سأكتفي بواحدة منها، وهي المدرسة، بوصفها أنموذجاً لها، محيلاً على المؤسستين الأوليين من جهة كونهما آلياً في علاقة تفاعلية مع العنصر الثالث الذي هو كما ذكرت المجتمع.

لم تعد المدرسة، بفعل تطور وسائل الاتصال الحديثة، فضاءَ المعرفة في مقابل الشّارع فضاءً للامعرفة أو للمعرفة العامّية، أو في مقابل الشارع فضاءً للبراغماتية وقيم الجدوى، أو في مقابل الشارع فضاءً لماكيافلية الحياة اليومية. كما أنها، بفعل بطالة خريجيها، لم تعد معمل أعوان المدنية في مختلف وجوهها، يصغي إليها الشارع إصغاء ويتصيغ بحسب إملاءاتها.

تزامن ضياع معنى الالتزام الذاتي الإيجابي حالياً مع نشوء ضرب من الشّعور المتفاقم بالوحدة والعزلة

إنّ هذا الوضع الجديد قد ولّد تراشُحاً بين مؤسّسة المدرسة ومؤسّسات المجتمع-الدولة (أعني مثلاً مؤسسة الإنتاج الاقتصادي، ومؤسسة التدبير السياسي، إلخ)، وهذا التراشح مضمونه هو القيمة (إذ لا بد من الاعتراف بأن المدرسة والمؤسسة غير المدرسية هما كل فيما يخصها قيمة حضارية وسياسية)، وهذا التراشح مدارُ الجدل فيه هو القيمة (إذ تختصم المدرسة والمؤسسة غير المدرسية أهلية إصدار سكّة القيمة)، وهذا التراشح رهانُ التّواصل فيه هو القيمةُ كذلك (إذ لا مناص من الاعتراف بأنّ السؤال اليوم قد أصبح متعلقاً بمن ينفث وينشر في الآخر قيمه).

إنّ أوّل استتباعات هذه العلاقة الجديدة هو أنّ القيمة المعرفيّة قد فقدت إطلاقيتها وباتت قيمة في علاقة بالجدوى. لقد أشرتُ إلى هذا التّراشح لا تحويلاً للموضوع، وإنما كي أُبرز أنّ وضع القيمة اليوم، ولا سيما من جهة المدرسة، هو وضع متحيّر غير مستقرّ، وأعني بالوضع المتحيّر، على وجه التّحديد وضعاً تتهيّأ فيه القيم القديمة لإفساح المجال لمضامين أخرى. 

فمن جهة لا بدّ من الإشفاق على المدرسة مما تُقبل عليه اليوم، على نحو بات غير قابل للتّراجع، من تأكّد مغادرة علويّة المضامين المعرفيّة (سيادة القناعة بإمكان وجود معرفة تكتفي بأن تكون تقنية). ومن جهة ثانية لا مناص من الإقرار بهشاشة القيم "العملية" الجديدة التي شأنها تعويض تلك العُلوية، مما ولّد أغراضيةً كاملةً من الحجاج الاجتماعي والاتّصالي المبتذل، يبدو ديدنها تتفيه المعرفة، وحتى الثّقافة باسم عدم جدواهما، ومن جهة ثالثة لا بدّ من دقّ ناقوس الخطر الدّاهم على الأنفس، ولا سيما أنفس النّاشئة والشّباب بفعل الفراغ الثّقافي وتصحّر المرجعيات ذات الكثافة من الإنسانيات، وهو ما يوشك أنّ يوقع في فراغ لا تعمره إلا المهارات التّقنية العارية التي، لأنها لا تجد ما تستند إليه، تستند إلى الإيديولوجيا والفتاوى الفقهية.

الفكر العربي والإسلامي سار في وجهة تأويلية لنصوصه غير أنه لم يستكمل طريقه

إنّ ما تقبل عليه المدرسة اليوم من تكيف بل من صنع لقيم جديدة يقتضي تنزيل هذه القيم ضمن سياق روحي متكامل يمثل أفق المدرسة، ولا شك في أنّ هذا الأفق إنما يتعين بحسب معطيات جديدة وسياق جديد قد لا يكون من الزائد عن اللزوم استعراض بعض عناصره التي باتت اليوم كونية.

فمن معطيات هذا السياق تخبّط الإنسان ضمن عدميّة يوميّة، وهو ما بات يدعو الإنسانيّة الآن إلى استنباط الرّموز، ثمّة دوار من العدمية بات يتخطفنا لعلّه يتمثّل في انتشار عقلية "كلّ شيء ممكن"، تعويضاً لكلّ أشكال ذهنية التعقّل والعقلانية، فكأنما أصبحت تنوب عن هذه العقلية عقليةٌ سحريةٌ تؤمن بعدم قيام أشياء العالم على أيّ منطق، وبعدم تضمّن هذه الأشياء لعلاقات مفهومة.

ولعلّ سياق انتشار هذه العقلية السّحرية (التحيُّلية من بعض الوجوه) إدقاع روحي وثقافي أهمّ سماته: غياب مرجعيات ثقافية ثابتة، وغياب المثل السّلوكية والمواقفية، وانطفاء كلّ علاقة ذاتية بالنفس، أعني علاقة الحديث إلى النفس ومحاورتها، العلاقة النقدية بالذات، العلاقة التقييمية بها.

لقد تزامن في أيامنا هذه ضياع معنى الالتزام الذاتي الإيجابي ضمن كلّ طبقات المعنى (العمل، التّضحية، التحسّن، ...) مع نشوء ضرب من الشّعور المتفاقم بالوحدة والعزلة، ولكن كذلك بالريبة وفقدان الثّقة)، إنّ هذا السياق هو في نفس الوقت السياقُ الذي قامت فيه صور ونماذج ومرجعيات عابرة للقارّات والجنسيات والهويّات، جعلت كلّ لقاء بالآخر لا يقوم على أساس إحالة ذاتية؛ أي إنّ عناصر اللّقاء بالآخر وتقبّله والتفاعل معه لم تعد قابلة للردّ إلى الذاكرة أو إلى أي كثافة ثقافية.

ولعلّ السبب في ذلك هو عدم المعرفة بهذه الكثافة، وعدم السيطرة على عناصر تقبّل الآخر بوجه عام، لقد باتت علاقة إنسان اليوم بنفسه، وخاصة شباب اليوم بنفسه، علاقة دون تضاريس؛ أي دون شخصية؛ لم يعد ثمة فرق بين الـ"أنا" وبين الـ"هُم". وفي هذا السياق فإنّ تحقيق القيم يصبح مستحيلاً؛ لأنّ تحقيق القيم يقتضي أولاً قيام المبادرة الشخصية بما هي حامل للتواصل مع ما يقدمه هذا الـ"هُم". إنّ صورة الأنا قد باتت صورة يعطيها الـ"هُم"، لا يعكسها الـ"هُم" وإنما يصنعها. ما معنى أنّ أكون أنا نفسي، هذا سؤال بات نهائياً خارجاً عن نطاق تساؤل شبيبة اليوم، إنّ الثقة بالنفس، والتعويل عليها، استراتيجياً، قد باتا من محالات هذا الزمان.

إن إنشاء الرموز هو الرد الحقيقي، أعني خاصة التربوي، الذي يمكن به التفاعل مع هذا الوضع؛ فالشأن في الرمز هو التعالي أي الخروج عن نطاق المتاح يومياً، ولكن الرمز في المعنى الذي أعطيه هو عكس ذلك، إنّه الدليل اليومي على الإمكان، والرمز هو المثال اليومي الذي يعترضنا في كل مكان، ويتراءى لنا في كل زاوية وفي كلّ منعطف طريق، إنّ الرمز الحقيقي هو التحقق اليومي للممكن، لا ابتذالاً وإنما ذاكرة تعني كل يوم أنّ المعنَـى يعيش بيننا، ويحب أنّ يعيش بيننا.

إنّ المشكل لم يعد يتمثل في العجز عن إنشاء الرموز: فالمجتمع يستصلح دائماً فضاء للمعنى يستودع به وفيه رموزاً حاملة للعبرة، وإنما المشكل الحقيقي في تحيين قراءتها، وفي إجلاء راهنيتها وجعلها مقروءة لنا، أي مجيبة عن أسئلتنا، والصعوبة ها هنا هي أنّ تحيين مقروئية الرمز يقتضي عملاً تأويلياً اجتماعياً، ليس من السهل إنجازه.

أصبحت تنوب عن العقلانية والتعقّل عقليةٌ سحريةٌ تؤمن بعدم قيام الأشياء على أيّ منطق أو علاقات مفهومة

إنّ ما قصدته بحديثي في البداية عن "انطفاء كلّ علاقة ذاتية بالنفس، أعني علاقة الحديث إلى النفس ومحاورتها" هو على وجه التحديد خلوّ النفس من شبكة القراءة؛ أي من بنية التأويل، التي تحيّن لها الاتصال بذاكرتها، لذلك فإنّ السّؤال الحقيقي هو سؤال عن أسباب تعطل حركة تحيين مقروئية الرموز، والإسراع إلى تعويضها برموز مبذولة سطحية لا تستطيع أنّ تتحمل ثقل الأسئلة المطروحة عليها اليوم، فلا تجيب عليها إلا بالمباشرة العنيفة.

ومن معطيات هذا السياق التعرّي من كلّ أدوات الحماية الذاتية في مواجهة الآخر، وخاصة من أدوات المداورة، اللغة، الحوار، التّأجيل والإرجاء، الحجة، الثقة، التجنب، مما يوقع المرء لضيق معجمه، في ضرب من الميل المباشر إلى العنف.

ومن معطيات هذا السّياق كذلك أنّ المعرفة نفسَها، أعني ما يبرر وجود المدرسة مصدراً لإعطاء المعرفة، أضحت تتمنّع عن كلّ مصدر وحيد، كثرة وتزامناً، بل تسابقاً إلى الزمان. لم يعد بالإمكان إذن أنّ تواصل المدرسة تكويناً يعتمد تقديم معرفة لا يملكها المتعلّم، أيّهما مطلوبُ المدرسة إذن: تكوين شاب يعرف، بمعرفة لا يمكن إلا أنّ تكون محدودة، وبطيئة التجدد، أم شاب قادر على أنّ يعرف؛ أي قادر على أنّ يواكب تجدد المعرفة؟ وهذه من الإشكاليّات الحارقة اليوم.

ومن معطيات هذا السّياق أخيراّ، أنّ العائلة، قد تخلّت نهائياً عن دورها كسياق للتنشئة على كيفية الكيان، إنّ هذه المعطيات هي التي تمثل اليوم سياقات عمل المدرسة والعائلة والمجتمع وهي التي تفسر وشك إفلاسها.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



أحمد جميل عزم: نتغنى بالأيديولوجيا والهوية على حساب النظرية والعلم

2019-08-19

أجرت الحوار: رشا سلامة


قال الأكاديمي والكاتب الفلسطيني أحمد جميل عزم إنّ الفلسطينيين يعيشون، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعوا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، مضيفاً في حواره مع (حفريات) "لا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة إلى معضلة سياسية ووطنية".

استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة

وأكد، الأستاذ المساعد في الدراسات الدولية والعلوم السياسية في جامعة بيرزيت، أنّ استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة، "مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة".
وحول تراجع دور المثقف يرى عزم أنه لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتّيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني.
وبوصفه أكاديمياً يرى عزم أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنّى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، "فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو آخر نمارس نوعاً خاصاً من الاستشراق".

اقرأ أيضاً: كيف ساهمت السياسة في صناعة مفهوم المثقف مجتمعياً؟
يذكر أنّ عزم شغل سابقاً منصب رئيس برنامج ماجستير الدراسات الدولية في معهد أبو لغد للدراسات الدولية، ومدير برنامج الدراسات العربية والفلسطينية في الجامعة نفسها، وقد كان سابقاً باحثاً زائراً في كلية الدراسات الآسيوية والشرق أوسطية في جامعة كمبريدج-المملكة المتحدة. كما عمل لنحو عشرة أعوام، في مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية في أبو ظبي، باحثاً ومحاضراً في مناهج البحث العلمي.
وهنا نص الحوار:
الحياة الأكاديمية في فلسطين

باحث ومحاضر في مناهج البحث العلمي
- اختبرت الحياة الأكاديمية في بلاد عدة، وصولاً إلى جامعة بيرزيت. هلاّ قيّمت لنا واقع الحياة الأكاديمية في فلسطين حالياً؟

في الواقع أنّه يَصعب الحديث عن الحياة الأكاديمية في فلسطين، باعتبارها شيئاً واحداً، فهناك فرق بين جامعة وأخرى، وحتى بين منطقة جغرافية وأخرى.
عودتي لبيرزيت كانت حلماً يتعلق بالعودة لفلسطين، ويتعلق بالصورة العامة التي تراكمت لدي منذ كنتُ طفلاً يعيش خارج فلسطين، عن الجامعة ومناخها.

اقرأ أيضاً: خالد الحروب يكتب بـ "حبر الشمس" عن بلاد الغرباء والمثقف اليقيني
في تقييم الحياة الأكاديمية في فلسطين، هناك أمور مشتركة لا تختلف عن تطورات الحياة الأكاديمية عالمياً وعربياً، وهناك أمور خاصة بفلسطين، وهناك ما هو خاص أيضاً بجامعة دون أخرى.
لعبت الجامعات عموماً دوراً وطنياً تنويرياً في فلسطين، ولا زالت، وعندما أُقيّم تجربة بيرزيت مثلاً، مقارنة بما عرفته من تجارب جامعات عربية أخرى، أجد أنّ هناك سقفاً عالياً جداً من الحرية والتعددية، نعيشها في بيرزيت؛ فالعلاقات بين الإدارة من جهة ومجتمع الأكاديميين والإداريين من جهة، وبين الجامعة والطلاب، وبين الطلاب أنفسهم، فيها تقاليد ديمقراطية نادرة الوجود عربياً.

مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد بل غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويله لإجراءات محاسبة

وهنا اسمحي لي أن أروي قصة صغيرة؛ في إحدى المرات التي أقفلت فيها الجامعة بسبب إضراب الطلاب احتجاجاً على رسوم الجامعة (والإضرابات للأسف شيء متكرر في بيرزيت)، وكنتُ ضمن ممثلي إدارة الجامعة للحديث مع الإعلام، وحوار الطلاب في الإعلام، قال أحد أفراد "خلية" الأزمة في اجتماع مصغر أنّ هناك مشكلات بين الطلاب، وقد تفتح الجامعة قريباً، لأنّ فريقاً من الطلاب يريد ذلك. رد رئيس الجامعة (وهو رئيس سابق الآن)، أن هناك خطين أحمرين، يجب عدم الاقتراب منهما؛ الأول السماح للأجهزة الأمنية بالتدخل في شأن جامعي، والثاني اللعب على أوتار خلافات الطلاب، وقال رئيس الجامعة: أعتقد أن الإضراب خطأ لكن هذه الممارسة جزء من تدريبنا وتعليمنا للطلاب، "هكذا يتعلمون ويستعدون للحياة".

اقرأ أيضاً: هل ينطق المثقف بلسان مجتمعه؟
تمتاز بيرزيت بأنّ أطراف مجتمعها يختلفون وينقسمون أيديولوجياً وسياسياً وإدارياً، ولكن مع وجود آلية لتنظيم هذا، ومع اتفاق أنّ القاسم المشترك هو الحفاظ على استقلالية الجامعة عن أي تدخل خارجي، يُساعِد في هذا حقيقة أنّ الجامعة لا تتلقى فعلياً تمويلاً حكومياً، وأنّها ليست ربحية. ومن هنا فاستقلالية الجامعات أمر مهم، ولكنه متفاوت بين جامعة وأخرى.
هناك حياة انتخابية ممتازة في بيرزيت، وبعض الجامعات الأخرى، سواء على صعيد الانتخابات الطلابية، أو النقابية، ولكن هذا مثلاً للأسف توقف في قطاع غزة، منذ سيطرت "حماس" على السلطة هناك، العام 2007. وهو ليس على نفس المستوى في كل الجامعات.

اقرأ أيضاً: المثقف والسلطة.. هل ما يزال الرقيب يتحسس مسدسه؟
من هنا فالجو الجامعي مهم جداً ومتميز، وما لمسته منذ اللحظات الأولى في بير زيت، أنّ كثيراً من الأساتذة والعاملين، يتعاملون مع عملية مستوى الأداء الأكاديمي، باعتباره أمانة شخصية وعلمية ووطنية.
على المستوى الأكاديمي، تحاول الجامعات التميز قدر الإمكان، لكن هناك مشكلات أهمها الاحتلال؛ فمثلاً هذا العام منع الاحتلال تجديد إقامات عدد من الأساتذة أو إقامات عائلاتهم، وبالتالي حَرموا الجامعات، وخصوصاً بيرزيت، من عدد من الكوادر المهمة، منهم أجانب ومنهم فلسطينيون، هذا فضلاً عن منع الكثيرين من الدخول إلى فلسطين والتدريس والدراسة فيها. أضف لذلك الأزمة المالية المزمنة في فلسطين والجامعات، تؤدي لنزيف عقول بخروج أساتذة للعمل في التدريس بالخارج.
لكن عموماً بالقياس للظروف المختلفة: الجامعات الفلسطينية، ولا سيما بيرزيت، تحقق نتائج متميزة أكاديمياً، وتحقق نتائج أهم في إعداد الشخصية والتدريب للمستقبل.  

مرحلة الثورة

المثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية وبالتالي يعزل نفسه أو يستسلم لعمليات عزله
- تحضر القضية الفلسطينية في معظم كتاباتك، هل ترى في هذا نوعاً من القيد على حرية انطلاق المثقف والأكاديمي؟

في الواقع هذا صحيح فيما يتعلق بالكتابات الصحافية، وصحيح إلى حد كبير في المشاركات في المؤتمرات والندوات، لكنه ليس صحيحاً في الكتابات الأكاديمية، والتدريس، خصوصاً الأبحاث العلمية، حيث أهتم بشكل خاص بنظريات العلاقات الدولية، ودراسات إدارة الصراع، وعلى سبيل المثال أنا لا أدرس القضية الفلسطينة في الجامعة، وأتفرغ وأهتم أكثر للكتابة والتدريس في الاقتصاد السياسي، والعولمة، والصراع والعلاقات الدولية، ومناهج وأساليب البحث.
أتفق مع السؤال أنّ القضية الفلسطينية تشكل عاملاً ضاغطاً، تستهلك جزءاً من وقت وجهد الأكاديمي؛ لأنّه مضطر للتعامل مع تحدٍّ ضاغط يومياً هو الاحتلال واللجوء والشتات، بدل التفرغ لقضايا علمية تنموية وتطويرية، وللأسف هذا الوضع إجباري، في ظل أي عملية صراع. حيث المثقف في موقف الدفاع بدل المبادرة للتطوير والتنمية.

اقرأ أيضاً: موت المثقف العمومي: هل يمثّل المثقف الناس حقاً؟

لكن أحاول، ويحاول غيري، الخروج من هذه المعضلة، بربط التجربة الفلسطينية بتجارب أوسع في الحياة الإنسانية، والمقاومة، وقضايا الهوية، والتاريخ، والسياسة، وسوى هذا. وهنا أتذكر مقولة مُنظّر العلاقات الدولية، المعروف،  كينيث والتز، "الحرب في أحسن حالاتها تُبعد الناس عن العمل الذي يُنتِج ضروريات الحياة وكمالياتها، وفي أسوأ حالتها تدمر ما أنتجوه".
- يظهر أثر مرحلة الثورة الفلسطينية واضحاً في كتاباتك ماذا تعني لك مرحلة الثورة، وأين تقف القضية الفلسطينية من تلك المرحلة حالياً؟
تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"؛ أي الاعتماد على الهوية والانتماء، رغم الافتقار للمقومات المادية والمؤسسية، لصناعة ثورة وكيان وشخصية، نضالية. لذلك فتجربة الثورة الفلسطينية، بما فيها من تحدٍّ ومن نجاح في تحول من حياة لاجئ مشرد إلى شعب مقاتل ومناضل في مختلف المجالات، وليس فقط المقاومة الصّلبة المُباشرة، أمر يستحق الاستحضار دائماً.

ثمة معضلة كبرى في كيفية تفاعلنا خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة مع المدارس الغربية

نعيش، الآن، تراجع الحالة الثورية، ووقعنا في فخ "السلطة تحت الاحتلال"، ولا نعرف حتى الآن كيف نعالج مشكلة ازدواجية مرحلة التحرر الوطني مع مسألة وجود وتأسيس نظام وسلطة دون زوال الاحتلال، وتحولت الحالة لمعضلة سياسية ووطنية.
المطلوب حالياً إعادة البناء الوطني، أولاً بإعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية، وكذلك بالعثور على أشكال تنظيمية جديدة، للفعل الشعبي والدبلوماسي الرسمي، تراعي تطورات عصر العولمة، وتغير أشكال التنظيم السياسي عالمياً، وتراعي فشل تجربة السلطة تحت الاحتلال، وتجربة بناء الدولة قبل زوال الاحتلال، كما تراعي شيخوخة الأطر القديمة (الفصائل). وهذه كلها أمور غير مستحيلة رغم صعوبتها.
في كتابي الأخير "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"، توسعت في بحث هذه التحديات، لذلك استحضار روح الثورة الفلسطينية أساسي للانتقال لمرحلة ثورية جديدة، حتى إن كانت تتطلب أدوات وأطراً تنظيمية مختلفة.
مسؤولية المثقف 

غلاف كتاب "الشباب الفلسطيني من الحركة والحراك"
- تتجنب انتقاد المؤسسة السياسية الفلسطينية بشكل لافت، أليس من مسؤولية المثقف مراقبة السلطة السياسية ومحاسبتها؟

يدفعني هذا السؤال للابتسام، فعادة أُتهم بالشيء ونقيضه، أُتهم بتجنب انتقاد المؤسسة الرسمية، كما أُتهم بتجنب انتقاد المعارضة، وأُتهم بالعكس أني أنتقد كليهما بشدة، وأتلقى اللوم من كليهما بسبب هذا النقد. وحقيقة أعتقد أني أمارس الكثير من النقد، ولكن طبيعة لغتي ومفرداتي تُحاول دائماً مناقشة القضايا، لا اتهام ومهاجمة الأشخاص والجهات المختلفة، وبعيداً عن التخوين والتكفير، وأنطلق من مجموعة قواعد في الكتابة، منها اللغة المباشرة الصريحة البسيطة، دون استعارات أدبية ولغوية، مع حرص كبير على التزود بالمعلومة الدقيقة، عند مناقشة قضايا سياسية، وهذا يقلل من التوتر في مقالاتي، إلا التَوتُر المعرفي، وذلك بعكس لغة مقالاتي التي تتعلق بالشأن الإنساني الاجتماعي، التي تحتمل الأدب والمجاز والعاطفة والتوتر. أعتقد أني أحرص على تقديم معلومات وبيانات، بلغة مدروسة، تجعل رسالتي النقدية، أو السياساتية، تصل دون حاجة للغة شعبوية.

اقرأ أيضاً: هل يلزم أن يكون المثقف متسقاً مع أفكاره؟
مشكلتنا الفلسطينية ليست بالنقد، فهو كثير وكثير جداً، ولكن المشكلة في غياب المؤسسات البرلمانية والتشريعية والرقابية التي تَسمَح بتحويل النقد لإجراءات محاسبة، ولسياسات بديلة، ولنقد عملي مباشر في مؤسسات رسمية وشعبية للمحاسبة والنقاش. وهذا الغياب لمنابر وأطر الحوار المؤسسية، يؤدي إلى شيوع الشعبوية التي أشرتِ لها، أو لانفصال المثقف عن السياسي، وعن الشارع أحياناً.

- بحكم دراستك في المهجر، كيف أثّرت المدرسة الأكاديمية الغربية في منهجية تناوُلك للقضية الفلسطينية؟
لم أصنف نفسي يوماً بأنّي من مثقفي المهجر؛ لأني لم أكن يوماً كذلك، ولم أرغب، وذلك عن سابق إصرار وتصميم، بأن أكون في المهجر. أنهيت الشهادات الجامعية الأولى في الوطن العربي، قبل مرحلة الدكتوراة وما بعدها، وأنا سعيد بالحياة في العالم العربي،  خصوصاً في بيرزيت، أذهب للمؤسسات الغربية للدراسة، أو لزمالة بحثية، أو لإجراء بحث، أو المشاركة في مؤتمر أو مشروع ما، ولي أصدقاء كُثر في الغَرب، وجزء من جمعيات وجماعات ومشاريع أكاديمية غربية عدة، لكن لم يكن في نيتي يوماً، أو تفكيري، حتى الآن على الأقل، الاستقرار في مؤسسة غربية.

نحن في القضايا السياسية العربية والوطنية مثقلون بالأيديولوجيا وبالموقف الدفاعي وبالتركيز على التاريخ

أعتقد، أنّ هناك معضلة كبرى، في كيفية تفاعلنا، نحن العرب، خصوصاً الذين نتبنى رفض الاحتلال والهيمنة، مع المدارس الغربية، المتعددة، فنحن في القضايا السياسية العربية والوطنية، مثقلون بالأيديولوجيا، وبالموقف الدفاعي، وأيضاً بالتركيز على التاريخ، نحن بشكل أو بآخر نمارس نوعاً خاصاً من "الاستشراق". بمعنى جزء  كبير من باحثينا وأساتذتنا في العلوم الإنسانية، يدرس في دوائر الدراسات الشرق أوسطية، والعربية، والإسلامية، في الغرب. فتجد أستاذ العلوم السياسية، والاجتماع، والأدب، والترجمة، والشريعة، والجغرافيا، والتاريخ، والاقتصاد، والإعلام، درسوا في هذه الدوائر التي نشأت لدراسة الشرق، ولها مناهج خاصة، تركز على اللغة والمعلومات والأرشيفات، أكثر مما تهتم بمناهج ونظريات العلاقات الدولية، والسياسة، والاجتماع.
ومن هنا تجد أحياناً أنّ الفروق بين منهجية أستاذ الأدب الانجليزي أو العربي وعالم السياسة، والشريعة، و..إلخ،  في جامعاتنا العربية، محدودة؛ لأنّهم درسوا في ذات الدائرة أو القسم في الجامعة الغربية، وربما على يد ذات المشرف. فالمدرسة الغربية ترحب بالطالب العربي؛ لأنه يساعدها في تقديم دراسات تؤدي إلى فهم أفضل لوصف الشرق، ولأنه مصدر دخل بسبب الرسوم العالية التي يدفعها، في دوائر الدراسات المناطقية (الشرق الأوسط).

اقرأ أيضاً: لماذا ينسحب المثقفون والناشطون من السجال العام؟
في المقابل يقل عددنا في الدوائر العلمية المتخصصة، (السياسة، الاجتماع، التاريخ، الاقتصاد، الإعلام، ...إلخ)، ويغلب بالتالي علينا مناهج الاستشراق، بما فيها مناهج نقد الاستشراق، وتشيع لدينا مناهج تحليل الخطاب، ونظريات ما بعد الاستعمار، لدرجة أن نحصر أنفسنا في ميشيل فوكو، وجاك دريدا، وإدوارد سعيد، وفرانز فانون، ونعوم تشومسكي، وغيرهم ممن لا يمكن تجاهل أهميتهم، ولكن مناهجهم النقدية والمرتبطة بالنقد المهجوس بالأيديولوجيا، والهوية، يقلل من فرص الذهاب الى مجالات أرحب من النظرية والعلم، ويجعلنا في موقع الدفاع أو في أحسن الأحوال الهجوم المضاد، بدل تقديم بناء علمي متكامل، أو الإسهام في ذلك.

اقرأ أيضاً: أين المثقف العربي؟
أحاول قدر الإمكان أن أتعمق في العلم البحت، مع حصر قلقي، بالقضايا التي أعالجها، وبمدى صحة ونجاعة النظريات العلمية، عموماً لدراسة الشأن الفلسطيني، أو غيره من الشؤون، بمعنى أحاول تجاوز النقد والتفكيك، إلى البناء والسياسات التي تتجاوز الواقع المرفوض، بسبل بناء بديلة، وأن لا أحصر نفسي بمنهجيات الدراسات الشرق أوسطية، أو منهجيات ما بعد الاستعمار، أو أن يكون همي الرد على ما هو قائم.

عزم: تجربة الثورة الفلسطينية، كما أتذكرها دائماً "هي تجربة فِعل شيء من لا شيء"

- أما زال المثقف الفلسطيني يحظى بالموثوقية ذاتها التي أسبغها عليه الشعب الفلسطيني سابقاً؟
بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري، بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري، وتراجع العمل السياسي الحزبي والوطني الشعبي، ما أدى لأزمة في مكانة المثقف.
هناك تحول هائل في طبيعة الإعلام والتعليم، لم نعها تماماً، ليس عربياً فقط، ولكن حتى عالمياً. فمع عصر وسائل التواصل الاجتماعي، شاعت نظرية أنّ الإعلام أو المعلومة وبعض أوجه الثقافة انتقلت من كونها إنتاج النُخب، إلى أنها إنتاج جماعي. وأنّ العصر السابق (زمن الإعلام والتعليم التقليديين)، كان عدد المرسلين فيها قليل والمستقبلين كبير، وأننا الآن في عصر الكثير من المرسلين يتجهون إلى كثير من المستقبلين (كما نرى في الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي).

بشكل عام تراجعت فكرة المثقف الجماهيري بالتوازي مع تراجع دور الإعلام الجماهيري

وهذا التشخيص صحيح، ويعني صعوبة مهمة المثقف، لكنه لن يستمر. فمع الوقت اتضح مثلاً أنّ الإعلام الجماهيري لا يتمتع بنفس حصافة وقوة الإعلام الذي تقوم عليه مؤسسات لها قواعد وموارد، وأعتقد أننا اقتربنا من مرحلة عودة المؤسسة الإعلامية التي تفرض نفسها، بدل الإعلام الفردي، باكتشاف جماهير لفقاعة الإعلام الاجتماعي. وبالتالي لبروز دور المثقف، وحتى لإعادة تعريف دور مؤسسات الثقافة.
هذا ينطبق على الجامعات التي أصبحت في متناول الغالبية الكبرى من البشر، لدرجة أنّها لم تعد تجد عدد الطلاب الكافي الذي تستطيع استيعابه، بعد أن كان هناك ندرة في المقاعد الجامعية، قبل ربع قرن مثلاً. أعتقد أننا سنشهد الآن عودة لنخبوية الجامعات.
لتوضيح هذه الفكرة أقول إنّ المشكلة ليست الموثوقية فقط (الوثوق بالمثقف)، بل هناك مشكلة "الوصول" للجمهور، في عصر فيه تنافسية هائلة، وتعددية لا نهائية في المصادر (المُرسلين)، فلجأ البعض من المثقفين للشعبوية، والبحث عن التفاعل السريع، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما أن تراجع الأفكار والأيديولوجيا والفكر السياسي عموماً، قلل من أهمية المثقف "المُنظّر". مثلما يشعر الكثيرون بفقدان الأمل من التنظير، ومن الجامعات، والحقيقة، أنّ هناك مشكلة بنوع الفكر والتنظير والتعليم المقدمين، بقدر ما هو بآلية التوصيل.

اقرأ أيضاً: تيسير أبو عودة: سيظل المثقف رسولاً قابضاً على جمر السؤال
فالمشكلة أن المثقف لا يجيب في أغلب الأحيان عن أسئلة الشارع، ومن أسباب هذا تراجع العمل الحزبي، وتراجع المشاركة المباشرة للمثقف بالنضال، أو تراجع الهامش المسموح له بأن يفعل هذا فيه.
يكفي أن ننظر كيف تفاعل الشباب في فلسطين، مع استشهاد الشاب باسل الأعرج، فباسل كان لديه مجموعة أطروحات، قد لا تكون نضجت أو تطورت، لكنّها كانت تلامس أسئلة مهمة في وجدان الشباب، مثل نوع المقاومة المطلوبة في عصر الفردية، ومقولاته حول عصر تراجع الثورية الجمعية، وأفكاره حول مفهوم العمل الميداني المباشر، وكلها أمور مهمة بحاجة للمزيد من النقاش، لكن المهم أنّ شباناً، ومثقفين، بذلوا جهداً بعد استشهاد باسل لجمع ونشر أفكاره، ما يوضح التعطش للفكر والثقافة اللذان يجيبان عن أسئلة عملية.

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل

بشكل عام لا يمكن القول إنّ الموثوقية بالمثقف ألغيت، بقدر ما هو شعور بالتيه بالمرحلة ككل، فضلاً عن الانفصال القائم بين المثقف والواقع السياسي والميداني، فالمثقف يشعر بالعجز عن فهم وتقبل المرحلة السياسية، فلا ينخرط بالواقع، وبالتالي يعزل نفسه، أو يستسلم لعمليات عزله، أو يرد على العزل بطريقة خاطئة، فيها قدر من الترفع والنخبوية، أو الشعبوية.
لكن أعتقد أن هذه المرحلة لن تستمر، فمثلاً الجامعات، فقدت دورها الذي ساد في القرن العشرين، باعتبارها مكاناً لتصنيع "الشَهادات" التي تفتح أبواب العمل والحراك الاجتماعي، وسيُصبح لدينا من يؤمن بدور نخبوي للجامعات في تزويد علوم وثقافة ومهارات، لا شهادات، ولكن هذا يعني تراجع جماهيرية الجامعات، وهذا التراجع ليس شيئاً سيئاً بالضرورة.
وأيضاً المؤسسات الإعلامية والثقافية، تستعيد مكانتها، كإطار مُنظّم بدل الفردية الفوضوية، وحتى تراجع الأحزاب لصالح الحِراكات الاجتماعية قصيرة العمر، سيتوقف لكن الشكل الجديد للعمل السياسي والشعبي لا زال لم يتطور بعد، وهنا ألفت النظر مثلاً لورشتي عمل، قام بهما شباب فلسطينيون في الولايات المتحدة الأميركية، وفلسطين، وأعتقد دون تنسيق بينهما، لمناقشة الفرق بين الحركة (السياسية والاجتماعية)؛ أي الشكل القديم، وفكرة "الحِراك" الذي شاع في السنوات الأخيرة.

للمشاركة:

خلدون النبواني: الفلسفة اليوم ليست بخير

2019-08-08

أجرى الحوار: حاتم زكي


قال المفكر السوري خلدون النبواني إنّ الفلسفة اليوم ليست بخير، وربما وصلت إلى طريق مسدود، وهذا ليس بسبب ما بعد الحداثة، وكلّ ما اتهمت به من عدمية وعبثية وفكر تخريبي، بل لأنّ الفلسفة أنهت مرحلة، كما حصل دائماً في تاريخها الطويل، وصارت في حاجة إلى أفق جديد.
ولفت النبواني، في حوار مع "حفريات"، إلى استثمار الفلسفة من قبل السياسة وحاجاتها وبرامجها، وبدل أن تكون السياسة، فرعاً من فروع الفلسفة أو سؤالاً يناط بالفلسفة وضعُ أسسه وفضح انحرافاته، صارت الفلسفة خاضعة لأجندات السياسة.

لم أسمع بفيلسوف أيّد مثلاً الحرب الأمريكية على العراق بل انبرى معظمهم لفضحها وفضح سياسات جورج بوش الابن

والنبواني من مواليد محافظة السويداء 1975 التحق بكلية الفلسفة في جامعة دمشق ليتخرج منها في عام 1999، تابع دراسته العليا في جامعة السوربون، ونال درجة الماجستير في الفلسفة عام 2006 قبل أن ينال درجة الدكتوراة في الفلسفة المعاصرة عام 2013، منذ مطلع 2017 يشغل منصب عضو مُنتخب في معهد العلوم التشريعية والفلسفية في جامعة السوربون، باريس 1.
من مؤلفاته: "نصوص أدبفلسفية"، و "في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها، دراسات فلسفية وفكرية".
ومن كتبه المترجمة: "في السعادة: رحلة فلسفية" 2016 و"سرّ الصبر" 2008 و"الفلسفة في زمن الإرهاب: حوارات مع يورغن هابرماس وجاك دريدا".
ويعتقد النبواني بأنّ الغرب يشعر بحالة من القلق العميق على حال الفلسفة الغربية؛ بسبب غياب الأسماء الكبرى في سماء الفلسفة، التي رحل أغلب نجومها، مثل: فوكو، وجاك دريدا، وليوتار، وغيرهم. كما أشار النبواني إلى أنّ ما بعد الحداثة في رأيه؛ هي استمرار للحداثة، وكشف لإفلاس مقولات الحداثة، كما أكّد انحسار دور المثقف المناضل بسبب غياب الفيلسوف الكبير الحقيقي.

"نصوص أدبفلسفية"
هنا نصّ الحوار:

بعد انشغال الأكاديمية العربية بمتابعة مدارس الفلسفة الغربية يبدو أنّ هناك طارئاً منع العرب من استمرار التواصل مع الغرب. هل يمكن أن تطلعنا على أبرز المدارس الفلسفية الموجودة حالياً في الغرب الآن؟
ليس هذا الشعور بالانقطاع خاص بالعالم العربيّ؛ بل إنّ الأوروبيين أنفسهم يسألون بقلق عن حال الفلسفة الغربية اليوم، وعن سبب اختفاء الأسماء الكبرى من ساحة الفلسفة، خاصة في ألمانيا وفرنسا.
هناك إحساس حقيقي بالفراغ؛ فبعد أسماء كبيرة مثل: لاكان، وفوكو، ودريدا، ودولوز، وليوتار، أو ما سمِّي ﺑ "Frensh Theory" يجد الفرنسيّون، اليوم، أنفسهم متلعثمين عند سؤالهم عن فلاسفة فرنسا الكبار حالياً؛ فلم تعد توجد عندهم أسماء كبيرة فعلياً، ولا يقتصر الأمر على فرنسا التي برزت فيها ألمع أسماء الفلسفة المعاصرة منذ النصف الثاني من القرن العشرين؛ إذ تبدو الساحة الفلسفية الألمانية شبه خالية اليوم من الأسماء العملاقة التي جعلت من ألمانيا مع كانط وهيجل ونيتشه وماركس وهوسرل وهايدجر تبدو كما لو أنّها أرض الفلسفة الوحيدة بعد الإغريق، أما وضع الفلسفة الأنجلوساكسونية، فيبدو –اليوم- وكأنّه في وضعية موت سريري حقيقي.

اقرأ أيضاً: اللغة كترياق: هل يمكن تأسيس فلسفة دين استناداً إلى اللغة؟
يمكن لنا، بالطبع، ذكر العديد من الأسماء الفلسفية الغربية الحيّة، التي تشتغل في الفلسفة، مثل: طوني نيجري، وسلافوي جيجيك، وآلان باديو، ولوك فيري، وجوديث بوتلر، وجورجيو أغامبن، وفردريك جيمسون، وغاياتري سبيفاك، ومانفرد فرانك، وبيتر سولتيردايك، وأكسل هونيث، أو حتى هابرماس، وأسماء أخرى كثيرة تشتغل في الفلسفة، أو تقوم بتدريسها، لكن دون فلسفة حقيقة، أو فيلسوف حقيقي واحد كبير.
الفيلسوف هابرماس

عدد قليل جداً من الفلاسفة
في هذا الصدد؛ أتّفق مع ما قاله أحد أكبر الفلاسفة المعاصرين الراحلين، باول ريكور، في إحدى مقابلاته: "هناك الكثير من المشتغلين بالفلسفة، وعدد قليل جداً من الفلاسفة"، بالطبع قد يعترض العديد من أهل الاختصاص على عدم وصفي لهابرماس بالفيلسوف الكبير، وهو من كرّست له مجلة "Esprit" الفرنسية عدداً خاصاً عام 2015 بوصفه "آخر الفلاسفة"، لكنّ اشتغالي على أعماله وتكريس أطروحة الماجستير والدكتوراه حوله، كلّ ذلك يسمح لي بالقول: إنّ هابرماس، وفق التصور الذي أحمله شخصياً للفلسفة ولا ألزم أحداً به، "ليس فيلسوفاً؛ إنما مفكّر سياسيّ"، وهذه كلمات الفيلسوف الألماني الكبير الراحل، هانس جورج غاردامر، في هابرماس، على أيّة حال لا يمكن سلب كلّ هذه الأسماء الكبيرة التي ذكرتها قبل قليل حقها؛ بل علينا الانحناء أمامها وأمام جهودها، فبفضلها تستمرّ الفلسفة، لكنّها مع ذلك تشهد على اختفاء الفيلسوف الكبير لصالح أساتذة الفلسفة ومؤرخي الفلسفة وصغار الفلاسفة.

ما بعد الحداثة هي مرحلة كشف حساب الحداثة وإعلان إفلاس العديد من مقولاتها والكشف عن ضرورة تجديدها أو إصلاحها

لا بدّ من القول هنا: إنّ الفلسفة قد تحيا طويلاً، وتكون معافاة، حتى دون اسم فيلسوف كبير، بفضل مدارس فلسفية هنا وهناك وحضور الفلسفة في منتديات وجمعيات خاصة؛ بل كان لمأسسة الفلسفة في الفترة الحديثة، أي تحصّنها داخل الجامعة، دور في استمرارها وتأثيرها (رغم آثارها السلبية وهو ما سنعود إليه بعد قليل).
لكن لا شكّ كذلك في أنّ تاريخ الفلسفة قد شهد فترات خبت فيها الفلسفة، وتراجع حضورها في المجتمع وبين الناس، ثم عادت وازدرهت من جديد في هذا البلد أو ذاك، على يد هذا الفيلسوف أو ذاك، ويكفي أن نلقي نظرة على فترة ما يسمى بالقرون الوسطى حتى نشهد فترات انقطاع طويلة في الفلسفة الغربية، لكنها كانت تعود كلّ مرة إلى الحياة بشكل جديد وأفكار جديدة؛ هل نعيش اليوم مرحلة سبات مؤقت، أو اختفاء مرحليّ، أو كمون للفلسفة، أم أننا نعيش نهايتها الفعلية اليوم؟ كثيرون من الفلاسفة الكبار تحدثوا عن نهاية الفلسفة: هيجل، ماركس، هايدجر، فتجنشتاين، لكن الفلسفة كذّبت كل تنبؤاتهم وبقيت حية.
الطريف في الأمر؛ أنّ جميع هؤلاء الفلاسفة الكبار كانوا ينتجون نصوصاً فلسفية أصيلة، ستؤسس لغيرها ولغيرهم في المستقبل، هكذا كان هؤلاء الفلاسفة ينفخون الروح في الفلسفة، وهم يظنون أنّهم يبكون على قبرها.
الفيلسوف باول ريكور

لم يكن هيجل آخر الفلاسفة
لم يكن هيجل آخر الفلاسفة، كما يحلو للكثير من الفلاسفة اللاحقين وصفه، كلّ ما في الأمر أنّنا انتقلنا إلى شكل جديد في التفلسف من الأنساق الفلسفية الكبيرة إلى وعي الفلسفة بوهم المطلق، من فلسفة التوحيد (من الوحدة) إلى فلسفات التفكيك، من التشابه إلى الاختلاف، وكلّ هذا لم يقضِ على الفلسفة؛ إنما فتح صفحة جديدة فيها، كما فتحت الفلسفة الحديثة مثلاً صفحة فلسفة الذات على حساب الكلية الإلهية.

اقرأ أيضاً: أصل الفلسفة اليونانية.. ابحث عن حكمة الشـرق
ورغم توفّر ظروف اجتماعية وسياسية واقتصادية ...إلخ، لظهور فلسفة ما، إلا أنّ علينا أن نعترف بأنّ هناك عبقريات فلسفية كانت تفتح للفلسفة باباً جديداً كلّ مرة، ومن وجهة نظري؛ نحن نعاني اليوم من مشكلة فراغ فلسفيّ فعليّ، وغياب أسماء كبيرة لفلاسفة أصلاء منذ رحيل دريدا.
هل سنشهد ظهور فيلسوف حقيقي جديد؟ هل ستكون هناك مدارس فلسفية معاصرة؟ لا بدّ هنا من رفض التنبؤ، خاصة بعد تكذيب الواقع لنبوءات الفلاسفة بموت الفلسفة، كلّ ما يمكن لي الإدلاء به هنا هو تفسير تراجع الفلسفة اليوم حدّ الاحتضار، في أوروبا خاصة، والعالم عموماً.
في التصنيفات شديدة العمومية يتم تقسيم الفلسفة المعاصرة إلى مدرستين تقاسمتا الإنتاج الفلسفي الغربي:
1- فلسفة التحليل اللغوي أو الفلسفة الإنجلوساكسونية.
2- الفينومينولوجيا أو الفلسفة القاريّة (وهو اسم أطلقه الفلاسفة الأنجلوساكسون على الإنتاج الفلسفي في كلّ من فرنسا وألمانيا).
وهنا لا بدّ من التأكيد على أنّه إن كان هناك ما يجمع شتات هذين التيارين، وما يتفرع عنهما من فلسفات معاصرة، على اختلافها، وحروبها وتناقضاتها وتشعباتها؛ هو فلسفة اللغة.
قامت فلسفة التحليل اللغوي في صيغتها المتأخرة على نظرية ألعاب الكلام عند فتجنشتاين الثاني؛ (أي في "مؤلفاته" بعد التراكتاتوس، خاصة في كتابه "بحوث فلسفية") وهوسرل في أبحاثه في فلسفة اللغة اعتماداً على أفكار أوستين في أفعال الكلام.

اقرأ أيضاً: تكفير التفكير.. الصحوة والفلسفة
ومع أنّ وضع جميع الإنتاج الفلسفي الألماني والفرنسي في سلة الفينومينولوجيا الهوسرلية قد يبدو أمراً مبالغاً فيه، إلا أنّه لا يبتعد عن الواقع إلّا في بعض الاستثناءات، ومع أنّ فلسفة اللغة كانت حاضرة بشكلٍ ما في أعمال هوسرل في نظريته في الدلالة، ومع أنّ هايدجر، الذي نحّى الفينومينولوجيا نحو الفلسفة الوجودية، قد أعطى دوراً مهماً للغة في فلسفته، إلا أنّ تفرعات الفينومينولوجيا اللاحقة هي من ستجد ضالته، كي يستمر ويتجدَّد في اللغة وأبحاثها، وما أقصده هنا البنيوية الفرنسية وما بعدها، التي اعتمدت على أبحاث دو سوور، والنظرية النقدية عند هابرماس تحديداً.
الفيلسوف هيجل

الفلسفة المعاصرة هي فلسفة اللغة بامتياز
كلّ هذه المدارس، وهؤلاء الفلاسفة، وجدوا ضالة الفلسفة المعاصرة في اللغة، فصار التفلسف يعني عندهم عودة إلى اللغة، وتأملاً فيها، ونسجاً بكلماتها ورموزها ودلالاتها، ...إلخ.
الفلسفة المعاصرة هي فلسفة اللغة بامتياز، اليوم؛ أجد أنّ الفلسفة قد استنفدت نفسها في اللغة واستنفدت اللغة فلسفياً، فتوقفت وصار لا بدّ من إيجاد أفق جديد، لنتذكر أنّ الفلسفة الماقبل سقراطية كانت قد استنفدت أسئلة أصل الوجود والبحث عن المبدأ الأول فجاء سقراط ليجددها في فتحها على الموجود؛ أي بنقلها من الـ "Sein" إلى الـ "Dasein"، لو استعرت مفردات هايدجر، ولنتذكر أيضاً أنّ الفلسفة الوسيطة كانت قد استنفدت فكرة الواحد والمطلق واليقين والوحي، وكان لا بدّ للفلسفة، كي تستمر، من أن تغير جلدها؛ بل وروحها، فكان الشكّ الديكارتي والذاتية الديكارتية هما ما أعطيا للفلسفة حياةً جديدة.

اقرأ أيضاً: معهد تونس للفلسفة.. اشتباك الفكر الحر مع هموم الناس خارج الأكاديميات
أظن أنّنا نقف اليوم على أعتاب مرحلة انتهت فيها مرحلة فلسفة اللغة، وصار لا بدّ من أفقٍ فلسفيٍّ جديد لتخرج الفلسفة من حالة الكمون أو من حالة الاحتضار، فما هو هذا الأفق؟ المستقبل هو الذي سيقول لنا ذلك، إذا كُتبت للفلسفة حياة جديدة، لكنّني أظنّ أنّ الواقع الافتراضي (لنلاحظ هذه التسمية المتناقضة) يستفز الفلسفة اليوم ويفتح، بنفس الوقت، إمكانية البحث في آفاق جديدة ولغة جديدة.
نعيش اليوم في عالم يشبه الحلم أو الكابوس، سمّه كما شئت، لكنه يشهد -وللمرة الأولى منذ أفلاطون- عودة لتداخل الواقعي بالافتراضي وتبادل للأدوار يبعث على الدوران؛ حيث إنّنا لم نعد نقف على أرض الواقع الصلبة، وإنما نسبح في الفضاء الهلاميّ الافتراضيّ، لا شيء لتمسك أو لتتمسك به فتتبخر يقينيات الفلسفات المادية، ولا يعود الوعي قادراً على التعرُّف إلى مرجعياته السابقة التي تصدعت، وكلّ هذا يخلط من جديدة، ومرة أخرى، أوراق الفلسفة، ويفتحها على التساؤل ومحاولة تنظيم وضبط عالم مبعثر.
الفيلسوف كارل ماركس

مستقبل التكنولوجيا
كان هايدجر متشائماً جداً حيال مستقبل التكنولوجيا والقدرة على ضبطه والسيطرة عليه، وعلى مستقبل الديمقراطية والفلسفة فيه، لكنّ الواقع كذّب مرات ومرات نبوءات هايدجر، ورغم الطّابع الارتجالي والميلانكولي أيضاً لكتابات بودريار حول التكنولوجيا، إلا أنّه قد يكون محاولة أولى للتنطح الفلسفي للإجابة على هذا التحدي المطروح اليوم وبقوة أمام الفلسفة.

اقرأ أيضاً: الفلسفة كوصفة طبية
في انتظار ولادة الجديد فلسفياً، قد تكون هناك محاولات فلسفية جادة، بل وأسماء قد يثبت الزمن لاحقاً جدارتها بحمل لقب فلاسفة العصر، لكنّ إثبات الحضور والحصول على الاعتراف يحتاج إلى وقت طويل، قد لا يتحقق في حياة الفيلسوف حتى في زمن الأضواء وصناعة النجوم الذي نعيشه.

الجامعة الحديثة، في رأيي، هي كنيسة غير مرئية أو كنيسة متخفيّة دون صلوات وجوقات غناء وتعميد

قد نحتاج إذاً، ربما في زمن آخر قادم، لأن تخرج بعض الأسماء والأفكار من العتمة إلى النور، إذاً قد يكشف لنا الزمن بعض الأعمال الفلسفية المهمة، التي قد لا تحظى حين صدورها باهتمام كبير، ولنتذكر مثلاً؛ أنّ كتاب كانط الأهم "نقد العقل المحض" لم يلقَ أيّ اهتمام تقريباً حين صدوره في طبعته الأولى (1781)، وأنّ كتاب "رأس المال" (1867) لماركس لم يجد صدىً في البداية، رغم اجتهاد إنجلز لتقديمه إلى الصحافة والكتابة عنه عدة مرات، مع أنّ هذا الكتاب سيغدو أحد أهم أعمال الفلسفة الحديثة، بل والحركات السياسية التي ارتبطت بالماركسية.

اقرأ أيضاً: فلسفة رايش.. كيف ومتى تخدم الوطنية المفرطة الاستبداد؟

وكما أنّ الحاجة قد صارت ملحّة إلى فلسفة، كما أزعم، لتخرج من ارتهانها لفلسفة اللغة؛ فإنّه لا بدّ لها كي تحيا، من التمرد على المركزية الغربية التي لا تمنح بطاقة فيلسوف إلا لمن انتمى إلى دوائرها الضيقة، أي هويتها البيضاء الأوروبية.
في هذا الصدد؛ فاجأني تمركز الفيلسوف الفرنسي، باول ريكور، على مركزيته الأوروبية، فالفلسفة عنده لا تكون كذلك إلا إذا انتسبت إلى الفلسفة الإغريقية وامتداتها الغربية، أو إلى التراث اليهودي المسيحي الغربي (وليس الشرقيّ)، مؤكداً أنّ "ما أُنتج في الصين والهند، ليس من الفلسفة وإنما طريقة أخرى في التفكير".

اقرأ أيضاً: السعودية الجديدة: "إيوان الفلسفة".. فضاء للتفكير الحرّ في نادي جدة الأدبي
إنّ فكّ ارتهان الفلسفة بالإنتاج الغربي الأوروبي، هو أيضاً مرهون بولادة الفلسفة من جديد وتحريرها من قفص الهوية الأوروبية وتحقيق استقلالها.
الحداثة في الفكر الغربي

 "في بعض مفارقات الحداثة وما بعدها، دراسات فلسفية وفكرية"
ما هو موقع ما بعد الحداثة في الفكر الغربي المعاصر حالياً؟ هل هناك نكوص عنها أم أننا نعيش أعلى مراحلها؟ وهل ما يزال الجدل بينها وبين الحداثة دائراً؟

مع أنّ لفظ "ما بعد الحداثة" قد تمّ استهلاكه؛ حيث صار يعني أيّ شيء وكلّ شيء، وأشياء متناقضة في الوقت نفسه، إلا أنّ المعنى الذي أتبناه لما بعد الحداثة هو استمرار فعلي وحقيقي لفلسفة الحداثة، بهذا المعنى ليس الما بعد "post" هنا تجاوزاً، وإنما (in) ، (within)، أو (inside)، ولكنّه ذهاب إلى التخوم والخواتيم.

اقرأ أيضاً: لماذا يهاب العرب والمسلمون الفلسفة؟
ما بعد الحداثة بهذا المعنى جزء لا يتجزأ من الحداثة، وحلقة أخيرة ربما من حلقاتها لكن ليس شيئاً خارجها، هي مرحلة كشف حساب الحداثة وإعلان إفلاس العديد من مقولاتها والكشف عن ضرورة تجديدها أو إصلاحها أو حتى التخلي عنها وتجاوزها.
في محاولتي للإجابة عن السؤال الأول أوضحت، والواقع يقول ذلك بأنّ الفلسفة اليوم ليست بخير وربما وصلت إلى طريق مسدود، وهذا ليس بسبب ما بعد الحداثة، وكلّ ما اتهمت به من عدمية وعبثية وفكر تخريبي ...إلخ، كلّ ما في الأمر أنّ الفلسفة أنهت مرحلة، كما حصل دائماً في تاريخها الطويل، وصارت في حاجة إلى أفق جديد.

اقرأ أيضاً: الفلسفة الإسلامية: مشروع النسيان والنبذ
ما بعد الحداثة عبَّر بهذا المعنى عن هذا المأزق؛ كتاب هوركهايمر وأدورنو "جدل التنوير"؛ الذي وصفه هابرماس بانحراف نيتشويّ عند أستاذيه، ليس إلا كشفاً مهماً لانحرافات العقل ولانتهاء التنوير إلى الأسطورة التي ظنت الأنوار أنها تخلصت منها، وبعد اطلاعي على الكثير من الكتابات التي وُصِفَت سريعاً، ودون تفكّر وقراءة، بأنّها أعمال ما بعد حداثية خطيرة ومدمرة وهدّامة، أجد أنّ الفلسفات لا تخلو من صراع من قِبَلِ البعض، قائم على التشويه والشيطنة، ومحمول على أيديولوجيات وسوء فهم غالباً.
لن تجد عند دريدا مثلاً، الموصوف بعراب ما بعد الحداثة، أيّ تصريح بالانتماء إليها، ولا حتى تفكيك للعقل للخلاص منه، كما يشاع، وإنما نقد للعقل والتنوير لتبينان حدودهما وقصورهما ولفتحهما على ما أقصياه، ...إلخ.
لا شكّ في أنّ جدل الحداثة وما بعدها هو أمر لم تعد له أصداء اليوم تقريباً في أوروبا، وهي حملة شنها بعض الفلاسفة الألمان في الثمانينيات من القرن الماضي، من جانب واحد تقريباً، على الفكر الفرنسي الذي تأثر بفلسفَتَي نيتشه وهايدجر.
"نقد السُّلطة"
هكذا تتالت الكتابات والنصوص المنتقدة للفلاسفة الفرنسيين، فكتب مانفريد فرانك كتابه "ما هي البنيوية الجديدة؟" (1983)، وكتب أكسل هونيث "نقد السُّلطة" (1985)، وكتب ألبرت فالمر "جدل الحديث وما بعد الحديث" (1985)، وكتب هابرماس "الخطاب الفلسفي للحداثة" (1985). طبعاً لا بدّ هنا من التمييز بين هذه الأعمال؛ فكتاب فرانك (وهو مجموعة دروس جمعها في كتاب وترجم منها 20 درساً إلى الفرنسية)؛ هو كتاب موضوعيّ جداً، ولعله أفضل أحد أهم النصوص التي قرأتها حول ما بعد البنيوية، ولا يخفي هونيث إعجابه بفوكو، رغم نقده له في كتابه "نقد السلطة"، كما لم يخفِ فرانك إعجابه بأعمال دريدا الأولى.

اقرأ أيضاً: كيف يمكن فهم الدين وتطبيقه في نظام سياسي قائم على فلسفة الحرية؟
ولا يبتعد كتاب فالمر عن روح الفلسفة الفرنسية من خلال التأكيد على دور الفنّ والأدب، لكن وحده كتاب "الخطاب الفلسفي للحداثة" لهابرماس كان سجالياً وحادّ اللهجة تجاه الفلاسفة الفرنسيين، خاصة وفوكو ودريدا، هذا الكتاب السجاليّ لهابرماس هو ما وصلت أصداؤه إلينا بشكل أساسيّ، نحن العرب، فرحنا نتحدث عن معركة كبرى بين هابرماس المدافع عن الحداثة ضدّ مدمري الفلسفة من الفلاسفة الفرنسيين.
طبعاً لم يكن هناك ردّ مباشر من قبل الفلاسفة الفرنسيين على انتقادات هابرماس؛ ففوكو مات قبل صدور هذا الكتاب، ولعلّ محاضرته "ما التنوير؟" كانت رداً بشكل غير مباشر على انتقادات كان هابرماس قد وجهها له في محاضرة "الحداثة مشروع لم يكتمل"، بينما ردّ دريدا بعد عدة أعوام، في أربع مناسبات، وبشكل هامشي (في المرات الأربع جاءت ردوده السريعة على هابرماس في الهوامش والتعليقات لا في المتن) متهماً هابرماس بعدم قراءته، خاصة أنّه كرّس فصلين كاملين عنه في كتابه ذاك، دون الاستشهاد بنصوصه ولو لمرة واحدة في الفصل الثاني، وهو أمر سيقر به هابرماس لاحقاً، اليوم يبدو أنّ الغرب قد طوى هذا الملف الذي لم يعد له لا وهجٌ ولا صدى يذكر.

في رأيك؛ أين ذهب الفيلسوف المناضل والمتمرد، على شاكلة برتراند راسل وسارتر وغيرهما، رغم التحديات والأزمات الخطيرة التي نواجهها في عالمنا اليوم؟
يتعلق الأمر، في رأيي، بغياب الفيلسوف الكبير الذي يمكن أن يملأ الفراغ الناتج عن غياب الفيلسوف الكبير بقامة راسل أو سارتر، فالكثير من فلاسفة اليوم يهتمون بالشأن الإنساني ويدافعون عنه، وقد ذكرت العديد من أسماء فلاسفة اليسار الذين ينتصرون لقضايا الناس المهمشين والفقراء ويدافعون عن المساواة والعدالة الاجتماعية وحقوق الإنسان، لكنّ قاماتهم الفلسفية قصيرة درجة أننا لا نراهم.
الفيلسوف والجامعة

الفيلسوف كانط
ولماذا انحسر دور الفيلسوف داخل أسوار الجامعة في رأيك؟

لنتذكر أنّ الفيلسوف/الأستاذ الجامعي هو تقليد وجد في القرن الثامن عشر، ومع كانط تحديداً، أما قبل ذلك، لم تكن هناك علاقة وديّة دائماً بين الفلسفة ومؤسسات التعليم.
لا شكّ في أنّ فيثاغورس وأفلاطون قد افتتحا أكاديميتين حملتا اسميهما، لكنّ سقراط كان يرفض تقييد الفلسفة ضمن أسوار، أو أن يكون لتعليمها مقابل أو أجر؛ فقد كان يراها رسالة سماوية، على خلاف السفسطائيين الذين احترفوا التفلسف (وليس السفسطة) كمهنة.

اقرأ أيضاً: ما سر عداء رجال الدين للفلسفة والمنطق؟
ربط الفلسفة بالمؤسسة التعليمية كان حاضراً بقوة عند أرسطو، الذي خاب أمله بأفلاطون حين عزف هذا الأخير عن تسليمه إدارة أكاديميته، تاركاً إياها لابن أخته "سبيوسيبوس" (Speusippus)، فنجح بعد محاولتَيْن سابقتَيْن في تأسيس مدرسته "Lúkeion"، بعد ذلك لن تحضر الفلسفة في مدارس وبين أسوار، إلا نادراً، ولنتذكر مثلاً؛ أنّه حتى القرن السابع عشر، كانت الفلسفة متحررة من عبء المؤسسة التدريسية، فلم يكن ديكارت ولا ليبنتز ولا سبينوزا أساتذة فلسفة، وإنما فلاسفة أحرار.
أما بالنسبة إلى شخص مثل كانط التأمليّ، شديد الانضباط والانتظام، الامتثالي (conformiste)، صاحب البنية الجسدية الهزيلة؛ فقد وجد -على ما يبدو- أنّ التدريس هو المهنة التي يمكن أن توفر له كسب عيشه، وتوفر له أقل الإكراهات لهذا النمط من الحياة الهادئة الدقيقة الوحدانية، منذ كانط إذاً؛ صار الفيلسوف/ الأستاذ الجامعي تقليداً مكّن الفلاسفة من العمل في اختصاصهم، لكنّه سجنهم في إطار المؤسسات.
ومع ذلك؛ فالحصول على وظيفة تدريس جامعية لم يكن سهلاً دائماً على الفلاسفة، فعلى سبيل المثال، وعلى خلاف شيلينغ الذي تمّ تعيينه في الجامعة بعد تخرجه مباشرةً تقريباً؛ بقي هيجل يحاول جاهداً الحصول على منصب جامعي يطعمه خبزاً، وظل يدرّس دون راتب تقريباً، إلى أن نجح وهو في السادسة والأربعين من الحصول على منصب جامعي حقيقيّ.

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تدريس الفلسفة بالسعودية؟
وقد دخل نيتشه حقل التدريس الجامعي من باب الفيلولوجيا، لا الفلسفة، وكذلك كان حال بودريار الذي دخل الجامعة كعالم اجتماع مختص بالجرمانيات، وتظل حالة بودريار أفضل من غيرها من حالات عانى منها فلاسفة فرنسا الكبار، الذين طالما اصطدموا بمدرّسي الفلسفة الموظفين في الجامعات، والذين، بحكم الغيرة غالباً، يضعون كلّ العراقيل أمام دخول الفلاسفة إلى الجامعة؛ لم يكن بيرغسون أستاذاً جامعياً، وإنما أستاذاً في الثانويات، ولم يتمكن كلّ من ألتوسير ودريدا وبورديو وليفيناس من الحصول على منصب أستاذ جامعيّ، وإنما مساعدين في دار المعلمين العليا، أو مدرسين في بعض المؤسسات التعليمية الفرنسية الثانوية.

اقرأ أيضاً: هل كان العرب عالة على الفلسفة اليونانية؟
لم ترث الجامعات الحديثة في أوروبا عن الكنيسة احتكار سلطة الحقيقة فقط، وإنّما كلّ إكراهات الانضباط وطقوس الولاء والالتزام بالتعاليم؛ فرغم كلّ ما يمكن أن يقال عن انفتاح مؤسسات التعليم الحديث إلا أنّ الجامعة الحديثة، برأيي، هي كنيسة غير مرئية أو كنيسة متخفيّة، من دون صلوات وجوقات غناء وتعميد، محتفظة مع ذلك بالإله مصلوباً على جدرانها كتلميذ أبديّ محكوم عليه أن يتعلم الحقيقة ممن أستأثروا بها.  
طبعاً، مثل هذه المأسسة قد عقلنت التعليم والعلوم والمعارف، بما في ذلك الفلسفة، لكنّها حبستها في قوالب ومعايير حدّت من قدرتها، لحاجتها للمؤسسة، في التمرد على نظام المؤسسة نفسه.
كتاب "جدل التنوير"؛  لكل من هوركهايمر وأدورنو

جدل التنوير
في كتابهما "جدل التنوير"؛ يشير كل مو هوركهايمر وأدورنو، وبرؤية حاذقة، إلى أنّه توجب على أوليس أن يقيد نفسه حينما كان عليه أن يمر من أمام جزيرة السيرينيات، كي لا يستجيب لندائهن، الذي لا يمكن مقاومته، نجا أوليس بنفسه، لكنه اضطر إلى تقييد نفسه ليمرّ.

اقرأ أيضاً: أشهر 6 نساء مؤثرات في تاريخ الفلسفة
المؤسسات التعليمية هنا هي الطريق الذي لا يمكن اجتيازه دون قيود؛ لهذا لم يستطع العديد من الفلاسفة النزقين الصبر طويلاً على معايير التدريس الجامعيّ، فوجه شوبنهور ونيتشه نقداً كبيراً لعملية اغتيال الفلسفة في الجامعات، بينما سينتفض باول فايرباند على مناهج تدريس الفلسفة والعلوم والدوغمائية الأكاديمية المسيطرة، وسيطالب دريدا بجامعة بلا شروط.
لا شك في أنّ العصر الذي عاشته الجامعات الحديثة التي ورثت سلطة الحقيقة عن الكنيسة؛ هو عصر العقلانية العلمية بعلومها الدقيقة التي أثبتت فاعليتها في الاستثمار والتوظيف العمليّ، مما جعل الفلسفة، إضافة إلى إكراهات العمل المؤسساتي، تشعر بالنقص أمام دقة هذه العلوم ونجاحها وتحالفها مع رأس المال، ومع أنّ كلاً من دول أوروبا تحتفظ بالفلسفة في نظامها الجامعي، إلا أنّ نفعية العصر راحت تضغط على الفلسفة بأن تكون نافعة ومفيدة وعملية وبراغماتية، هكذا راح الحديث يدور عن ربط الجامعات بسوق العمل، ولا شكّ في أنّ الفلسفة هي الحلقة الأضعف في هذا المضمار، فما هي مردودية الفلسفة على عالم السوق والبيع والشراء؟ في العالم الأنجلو ساكسوني، يتم العمل على فرض الجوانب العملية البراغماتية ذات النتائج القريبة على الفلسفة، فرحنا نشهد طغياناً لكلمة تطبيق على فروع مثل الأخلاق التطبيقية والمنطق التطبيقي، ...إلخ؛ هكذا تمّ مسخ الفلسفة نهائياً، والقضاء على جانب السلب فيها، وتحديد نظرها بمناظير المناهج العلمية/العملية التي يضيق حقل رؤيتها كثيراً.

اقرأ أيضاً: السؤال الأخلاقي في فلسفة طه عبد الرحمن: من النظر إلى العمل
تمّ كذلك استثمار الفلسفة من قبل السياسة وحاجاتها وبرامجها، وبدل أن تكون السياسة، فرعاً من فروع الفلسفة أو سؤالاً يناط بالفلسفة وضع أسسه وفضح انحرافاته، صارت الفلسفة خاضعة لأجندات السياسة التي لا تدخل فقط عبر ما يسمى بسياسات وأنظمة التعليم، جعلت مدرّسي الفلسفة مجرد موظفين، لا قدرة لهم، رغم كلّ الحريات المتاحة، على مواجهة المؤسسة التي تحولت إلى بنية كاسحة لا يمكن اختراقها فردياً، هكذا تمّ تقليم أظافر الفلسفة وترويضها وجعلها في خدمة النسق والنظام والسلطة.
تدريس الفلسفة هو الحلقة الأضعف
من ناحية أخرى، وبوصفها مؤسسات حكومية على الأغلب؛ فإنّ الجامعات ومؤسسات التعليم، تُوضع لها ميزانيات مالية متواضعة؛ حيث يتم تقليصها كلّما تأزّم الوضع الاقتصادي، وبما أنّ هذا الأخير راح يشهد أزمات متكررة؛ فقد راح التضييق يطال الفروع غير المنتجة مادياً أو بشكل مباشر، ولا شكّ في أنّ تدريس الفلسفة هو الحلقة الأضعف هنا.

اقرأ أيضاً: هل ما زلنا في حاجة إلى الفلسفة؟
حتى في بلد يجعل من تدريس الفلسفة العنوان الأبرز لنظامه التعليمي، مثل فرنسا؛ التي عمّمت منذ القرن التاسع عشر تدريس الفلسفة في المدارس الثانوية وفي الجامعات، ويتصدر امتحان الفلسفة بقية المواد في الفروع الثانويات الأدبية، ورغم احتفاظ السوربون بسمعة الماضي التعليميّ العريق (رغم تراجعها المضطر في سلم تقييم الجامعات)، إلا أنّ الفلسفة اليوم في فرنسا تجد نفسها ضعيفة ومغتربة عما عرفته في زمن ديكارت والأنوار وما بعد البنيوية.
تجد الفلسفة الفرنسية نفسها اليوم، مع غياب فلاسفتها الكبار، دون هوية وعلى مفترق عدة علوم إنسانية، مضطرة لأن تلحق بهم، مجازفةً بذلك بمزيد من التشتت والضياع.
هكذا، لو ألقينا نظرة على محاور تدريس الفلسفة الجامعية اليوم في فرنسا لوجدناها تتركز في أربعة "تخصصات":

1- تاريخ الفلسفة.
2- الفينومينولوجيا.
3- الفلسفة التحليلية.
4- الفلسفة متعددة الاختصاصات، أو (pluridisciplinarité).
هكذا، في غياب فيلسوف عملاق كدولوز أو دريدا يتجمع أساتذة الفلسفة في حلقات وتخصصات محاولين تكوين جسم فلسفيّ، لكنه مجزء ومقسم، وعلى حساب قوة الفلسفة وسلطتها.
دراسة الفلسفة، للأسف، هي باب مفتوح على البطالة، وهذا الأمر راح يطال اليوم، دون استثناء تقريباً، نتيجة تأزم المجتمع وعدم قدرة الجامعة على تلبية متطلبات السوق بتكلفة رخيصة، كلّ الفروع العلمية تقريباً، بما في ذلك العلوم الدقيقة والمهن التي كانت مطلوبة قبل فترة.

اقرأ أيضاً: لماذا علينا تدريس الفلسفة؟
لكلّ ذلك؛ يُصبح ملحاً اليوم، ليس فقط إصلاح نظام التدريس الجامعي، فهو مع قدوم التكنولوجيا وعزوف السوق عن الكفاءات الجامعية، راح يترنح، وإنما بشكل أساسيّ فصل الفلسفة عن الجامعة، لإعادة الحياة إليها، وعتقها من أنظمة تدريس كبّلتها بدل أن تطوّرها.
لا بدّ بمعنى ما من العودة إلى الخيار السبينوزي، فسبينوزا مثلاً استطاع الفصل بين التفلسف والمهنة، رافضاً كرسي الفلسفة الذي عُرض عليه في جامعة هايدلبيرغ، مفضلاً على التديس المؤسساتي المقيد لحرية التفكير مهنة أخرى؛ هي صقل العدسات لتحسين الرؤية، هكذا أضع تصوري الثالث لإخراج الفلسفة من أزمتها من خلال:
1- ضرورة تجاوزها لفلسفة اللغة.
2- تحريرها من المركزية الأوروبية.
3-  فكّ ارتباطها بالجامعة وارتهانها لها.
مشكلات الإرهاب واللاجئين

تشهد أوروبا اليوم صعوداً للشعبوية السياسية ولليمين المتطرف
كيف تعاطت
الفلسفة الغربية مع ما تشهده القارة الأوروبية من مشكلات، مثل: الإرهاب، مشكلة اللاجئين، صعود تيارات يمينية متطرفة؟

تشهد أوروبا اليوم صعوداً للشعبوية السياسية ولليمين المتطرف وعودة للفاشيات القديمة بثياب جديدة؛ هناك تصاعد شعبي في معاداة الأجنبي، وكراهية الآخر، والعنصرية، والتمييز، ...إلخ، بما يذكرنا بأوروبا في بدايات القرن العشرين.
لا شكّ في أنّ مثل هذه السياسات تولِّد العنف الاجتماعي والإرهاب والتفكّك الاجتماعي، واستفحال التمييز ضدّ الأجانب، القائم على قدم وساق الآن، وهنا في أوروبا اليوم، يدرك معظم الفلاسفة الغربيين خطورة هذا الانحدار وهذه الردة، وعودة أشباح الفاشيات، ويحذرون منها؛ فعندما وقعت أحداث 11 سبتمبر، على سبيل المثال، لم يتوانِ الفلاسفة عن تحميل جزء من المسؤولية للسياسات الغربية في تعاملها مع العالم العربي والإسلامي، القائم على الرفض والإنكار والاحتقار والتهميش والاستغلال الاقتصادي، ...إلخ.

اقرأ أيضاً: الفلسفة طريق جامعة القاهرة لتحصين طلابها فكريا
هابرماس، دريدا، تشومسكي، ليوتار، رورتي، وأسماء كثيرة أخرى، رفعوا أصواتهم وطالبوا بتغيير السياسات الغربية في تعاملها مع الآخر.
لم أسمع بفيلسوف أيّد مثلاً الحرب الأمريكية على العراق، بل انبرى معظمهم لفضحها وفضح سياسات جورج بوش الابن، دافع هابرماس بشدة عن حقّ اللجوء واللاجئين، وصادق على سياسات الحكومة الألمانية في فتح باب اللجوء على مصراعيه، وحثّ الحكومة على المضي بهذا الطريق، وكان دريدا قد ناصر حقّ أصحاب المهاجرين غير الشرعيين في الحصول على إقامات نظامية، وطالب الدولة بالاعتراف بهم، ومساعدتهم، وتتركز جهود أكسل هونيث في الدعوة إلى الحقّ بالاعتراف ومقاومة سياسات التمييز والتهميش والتمايز والإقصاء الاجتماعي، في حين تدافع جوديث بوتلر عن حقوق المرأة، وعن حقّ اللجوء، ولا تألو جهداً لمساعدة الباحثين القادمين من بلاد الصراع والعنف، والأمثلة على مواقف الفلاسفة النبيلة، اليوم، تكاد لا تُحصى، الفلاسفة بهذا المعنى هم صوت الحقيقة المقموعة، وخطّ الدفاع الأخير عمّا يمكن أن يدافع عنه من قيم إنسانية.

للمشاركة:

صونيا خضر: لا أتنصل من أنوثتي لكنني أتجنب استهلاكها

2019-07-31

أجرت الحوار: رشا سلامة


في وقت تمكّنت فيه الشاعرة والروائية الفلسطينية صونيا خضر تجاوُز ما يمكن أن يصطلح عليه قيد فلسطين في النص الأدبي، فكتبت عن الحرية بمعناها الأوسع وعن الانعتاق بأشكاله كافة، فإنها لم تتجاوز القيد حين وصل الأمر لنزعة الأمومة والارتباط بالعائلة، وكل ما يتعلّق بها من شغف بتفاصيل الطعام والموسيقى والأناقة والمُدن.

اقرأ أيضاً: رواية "الإصبع السادسة".. الهروب إلى التاريخ لفهم الحاضر

قدّمت صونيا خضر روايتها الثانية "كلب الحراسة الحزين"، الصادرة مؤخراً عن دار الفارابي، بعد رواية سابقة حملت عنوان "باب الأبد"، بالإضافة لمجموعة دواوين شعرية منها "لا تحب القهوة إذاً" و"لشموس خبّأتها" و"معطّرة أمضي إليه"، فكان معها هذا الحوار حول الرواية الجديدة وأمور أخرى في أعمالها السابقة، مثل البُعد النسوي وأثر النص الديني وانحيازها الظاهر لبطلات العمل المنكسرات، أكثر من أولئك القويات الجسورات:

 رواية "باب الأبد" صدرت عن دار الفارابي

هذه الرواية الثانية لصونيا خضر. ثمة حكاية إنسانية ماثلة في "كلب الحراسة الحزين"، إلى أي مدى استطاعت هذه الحكاية الإنسانية استفزاز صونيا، لتعبر عنها من خلال الرواية لا الشعر كما هو دأبها؟

كنت أريد أن أخوض في التفاصيل، أن أعود إلى الأصل في الحكاية، إلى بئرها الأولى، والطفيليات اللزجة العالقة في حيطانها الرطبة، وهذا يتطلب بعض الإطالة التي لا تجوز ولا أستطيع اختزالها في قصيدة طويلة، أو ديوان من الشعر.
كل شيء يحدث لسبب أو لمجموعة أسباب، وهذه الرواية هي رواية الأسباب، والنتيجة الواحدة، التي تحتاج الدال والمدلول معاً، للقفز داخل الأحداث والخروج منها بحكاية واحدة على الأقل.

البُعد النسوي لا بد أن يظهر في أعمال صونيا الشعرية والآن الروائية، وحتى منشوراتها التي تكتبها بين حين وآخر عبر منصات التواصل الاجتماعي. حدّثيني عن مدى تأثير هذا البُعد في حياتكِ.

ربما تقصدين البعد الإنساني، والوجودي، بضمير المؤنث وحاله، ولغة الأنثى التي لا تختلف عن لغة الذكر إلا بالأمومة المضافة لها، أو لنقل العاطفة الزائدة. لا أتنصل أبداً من أنوثتي، لكنني أتجنب استهلاكها استعطافاً، أو بكاء، أو حتى استرضاء. أكتب من عقل الأنثى التي في داخلي والذي لا يختلف عن عقل الذكر(أيضاً) إلا بالقلب الصغير الذي فيه، والذي يضيف للمعنى لمعة العاطفة، وهذه إضافة وليست نقصاناً كما يقال. نحن في زمن الانفتاح والانكشاف، لم يعد هنالك مصادر معرفية أو أدبية أو علمية مخصصة للذكور فقط، والأنثى أصبحت تخوض الحياة بجانب الذكر وليس خلفه، لذلك وإن كان هناك لمسة خاصة في النص الذي تكتبه النساء، فهي تعود للمسة الأنثوية الخاصة والتي تحسب لها لا عليها.

اقرأ أيضاً: رواية الطباخ: فن طهي أزمات السياسة وتناقضات الاقتصاد

غلاف رواية "كلب الحراسة الحزين"

بقدر ما تأتي لغة صونيا خضر بعيدة عن التعقيد، فإنها مكثفة مختزلة. مَن المتلقي الذي تضعه صونيا خضر نُصب عينيها حين تكتب؟

المتلقي بالنسبة لي وبعد تجربتي الأولى في الرواية، هو ليس واحداً من أصدقائي أو المقربين الذين سيقرأون مجاملة، أو لا يقرأون على الإطلاق، لأسباب لا أريد الخوض فيها. المتلقي في هذه المرحلة هو القارئ الذي يقرأ لأجل القراءة والاكتشاف والفائدة والاستمتاع، والذي لا يحكم على الرواية قبل قراءتها، والذي يتوقع عملاً مختلفاً وأدوات سرد جديدة. ولأني أحترم قارئي، فإني أحرص على أن تكون لغتي قدر توقعاته، هو الذي يعرفني شاعرة. لكن وصدقاً، هذه هي لغتي، التي لا أستطيع التلاعب بمستواهاً، نزولاً أو صعوداً، وقارئي بحق، هو الإنسان الذي تحكمه إنسانيته أكثر من أي شيء آخر.

صونيا الأم لا تنفكّ تظهر في النص الروائي. تظهر لغة وسلوكاً ونزعة إنسانية. إلى أي مدى كبّلت هذه النزعة صونيا خضر أو حرّرتها، في الحياة والنص؟

أنا من النساء اللواتي ولدن أمهات، وبقين كذلك، منذ كانت أمي إلى أن صرت أمها. لا تخلو حكاية على مر التاريخ كله من أم، ولا يخلو معنى من وجودها، مأخوذة بهذا المعنى ولست مكبلة فيه، بعيدة كل البعد عن الفكرة المنقوصة عنه. سيذوب الفرق بين الأنثى الأم والأم الأنثى، إن جرّدنا عن المعنى أعباء التضحية والتقديس، وأيقنّا أن الأم هي أنثى والأنثى هي جنس بشري، لديه نوازعه الإنسانية وأخطاؤه وأحلامه وتشظيه. أنا مأسورة بالحياة بكل ما فيها من معنى، وهذا ما يجعلني محرّرة من الفكرة الظالمة للأمومة ومأسورة بمعناها الجميل.. الحب، داخل النص وخارجه.

اقرأ أيضاً: هكذا قاربت رواية "طرق الرب" طُرق البيروقراطية المقدسة

خضر: إن لم تحضر فلسطين مباشرة في نصي فهي حاضرة في اسمي وعنواني والشهداء من عائلتي

يظهر أثر النص الديني والرواية الدينية لدى صونيا خضر في "كلب الحراسة الحزين". وهو الأثر الذي يحضر من دون تبنٍّ أو تبرّؤ، لكنه يحمل طابع التنوّع. حدّثيني عن ذلك.

أستشهد بآيات وقصص من الكتب السماوية؛ لبلاغتها وعمق تأثيرها، وأجد فيها أمثلة يحتذى بها، ومراجع يحال إليها، وربما تأكيداً واستدراراً للنزعة الاستقصائية لدى القارئ، الذي قد يطمئنّ لورود الآية في النص، أو تضمين الحدث لمرجع موثوق.

تنحاز صونيا خضر في نصوصها، ويظهر هذا جلياً في رواية "كلب الحراسة الحزين"، للنساء الوحيدات الحزينات المترعات بالشجن. لماذا لا تحضر النساء القويات والجسورات؟ هل البنية النفسية للبطلات الضعيفات أثرى أدبياً؟

لكي أكتب المرأة السعيدة القوية، عليّ أن أبدأ بالمرأة المنكسرة الحزينة، ما يظهر على أنّه انحياز، هو مجرد عرض يخدم الفكرة، واستخدام للصورة لعرض نقيضها. ما من امرأة حزينة على الدوام، وما من وحدة تدوم. أطرح هؤلاء النساء ولا أنحاز لهن، هي محطات في حيوات النساء، أكتب عنها منذ الحزن إلى الفرح، منذ الفشل إلى النجاح، منذ الوحدة إلى النجاة، أو العكس. في "كلب الحراسة الحزين" أرافق رفيف بطلة الرواية في رحلتها الطويلة وأدفعها بقوة من العتمة نحو الضوء، فأنا أؤمن أنّ للحزن منتهاه، وأحاول أن تكون النهايات سعيدة، أقله لأجل إيماني بالحق في الحياة.

يستشفّ قارئ رواية صونيا خضر أن هنالك قلقاً ما أو عدم ارتياح حيال التكنولوجيا. حدّثيني عن ذلك.

نعم، وهذا ما أكشف عنه بوضوح في "كلب الحراسة الحزين". نحن نتحوّل إلى كائنات رقمية، دون أن ندري. التكنولوجيا سلبتنا أصالتنا، والمعاني الحقيقية للأشياء كالحزن والفرح والغربة والحنين والولادة والموت. كلها أصبحت كلمات مقتضبة وعابرة في النص الوجودي، كلها، ذابت في التسارع والزخم والازدحام، وأصبحنا مجرد صور، وفي أفضل حالاتنا، رقائق ذاكرة، لا يتفقدها أحد. أنا لست قلقة فحسب، بل أتألم لما آل إليه الحال، ينهشني الحنين لأيام مضت، كنا فيها لحماً ودماً ورائحة.

اقرأ أيضاً: شعرية الأعماق في رواية "بأي ذنب رحلت؟" للكاتب محمد المعزوز

مأسورة باللغة والمجاز والموسيقى

تفاصيل صونيا خضر حاضرة بقوة في "كلب الحراسة الحزين". الطعام على سبيل المثال. لمسة صونيا الإنسانية وأناقتها وكل ما يرافق حضورها كان بادياً في الرواية. بالنسبة لكِ، إلى أي مدى حضرت صونيا خضر في النص الذي كتبته؟

سيرة الكاتب ومكانه وذاكرته ومحيطه ووطنه هي مجموعة أعماله، بزيادة صنع مخيلته، ونقصان ما يريد أن يتكتم عنه. لا أملك مخيلة هائلة، لأكتب ما لا يتوفر في حدود عالمي الصغير، أو قراءاتي ومشاهداتي وتجاربي، لكنني أنسج بالشغف وبالألوان، وأتقمص وأحس أبطال الرواية، أذوب في شخصياتهم وأمنحهم إحساسي وذاكرتي وحلمي وطموحاتي ويمنحونني واقعهم لنصبح شخصية واحدة في نهاية الأمر، هكذا فقط تكون الكتابة بصدق. حضور الكاتب مهم في روايته، وهو الشخصية المركزية التي تصنع الأحداث، مشابهة له أو مناقضة له، لكن ليست غريبة عنه على الإطلاق.

يبدو هاجس الفقد قوياً لدى صونيا وظاهراً. ولربما ليس هذا النص الأول الذي يظهر فيه هذا الهاجس. ما الذي يجعل صونيا خضر تخشى الفقد إلى حد يتسلّل فيه ذلك لنصّها بشكل ملموس؟

الفقد والفراق والغربة والموت، هواجس تجعلني في حالة قلق دائم ومستمر، وتدفعني للكتابة، ربما هي عاطفتي الزائدة، أو تحليلي وتشكيكي في كل شيء، ربما هو التعلّق الشديد بعائلتي وبمن أحب. ثمة أمور كثيرة في داخلي تدفعني لهذا القلق، وقد كتبت عنها في "باب الأبد"، روايتي الأولى، لكن المسيطر فيها هو القلق الوجوديّ أساساً، وجدوى هذه الحياة.

لم تحضر فلسطين في نص صونيا خضر، بل كان هنالك معانٍ أوسع للحرية والانعتاق. هل استطاعت صونيا خضر تجاوز قيد فلسطين في النص الذي تكتب، على خلاف كثير من الكاتبات الفلسطينيات؟

نهاية الأمر ورغماً عن كل الكليشيهات المطروحة، عنا كفلسطينيين، وفي ذروة وخفوت الأحداث على مدى أجيال، عاصرت النكبة أو تداعياتها، لا نستطيع أن نتنصل من كوننا بشراً، نعيش الحياة بارتباكاتها وفوضاها وجمالها، نحن شعب لديه فنونه وأحلامه وطموحاته وإنسانيته، وكلها أمور حياتية طبيعية تسترعي الكتابة عنها وتقديمها للعالم، على نحو يؤكد أننا بشر طبيعيون. نعم أنا أتجاوز قيد فلسطين إلى فضائه الأوسع وإلى البعد الإنسانيّ الشموليّ، الذي لا يعتمد على الهوية أو الاستغلال والاتكاء الاستهلاكي على قضية لغايات تسويقية لا تخدم النص.

اقرأ أيضاً: هل انتهى زمن الرواية؟

وإن لم تحضر فلسطين مباشرة في نصي، فهي حاضرة في اسمي وعنواني، والشهداء من عائلتي، وفي رواية "باب الأبد"، التي صدرت عن دار الفارابي أيضاً، حيث تطرقت لقضية اللاجئين الفلسطينيين والتي أجدها الأهم من وجهة نظري طبعاً، وكانت جديدة، غير مستهلكة أو مكررة، أدرجتها بهدوء دون رفع شعارات تحيلها إلى أدب مقاومة.

حضر النصّان الروائي والشعري معاً في "كلب الحراسة الحزين". أيّهما وجدته صونيا أكثر قدرة على التعبير عنها؟ وأيّهما تكون صونيا أكثر سلاسة وانسيابية حين تكتبه؟

مأسورة باللغة والمجاز والموسيقى. أنا أكثر انسياباً بالسرد، أكثر شغفاً بالتفاصيل، وأكثر خفة، لكن الشاعرة التي في داخلي لا تهدأ إن لم تثبت حضورها في النص، لذلك، ولمصلحة النص، أحاول الهروب منها كثيراً، مع تأكيد وجودها، ووعد دائم بعدم إهمالها.

للمشاركة:



موقع إلكتروني يقدم إرشادات لصنع المتفجرات.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داهمت الشرطة الألمانية، أمس، منازل، في 9 ولايات، للقائمين على منصة إلكترونية تستخدم على نطاق واسع لتبادل المعلومات حول صناعة المتفجرات والمخدرات.

الشرطة الألمانية تداهم منازل القائمين على الموقع الذي أنشئ عام 2006 وتقبض على مستخدميه   

وأغلقت الشرطة الألمانية المنصة الإلكترونية المجانية، التي حملت اسم "إكسبلوسيفس.نت"، "لتعليم تصنيع المتفجرات".

 وصرّح رئيس إدارة الشرطة في مدينة غوتينغن الألمانية، أوفه لورينغ، أمس، في تصريح نقلته "دويتشه فيله"؛ بأنّ الشرطة ضبطت الخادم والعديد من وسائط البيانات واعتقلت القائمين عليها وداهمت منازل عدد من المستخدمين للمنصة داخل ألمانيا وخارجها.

 وأوضح لورينغ؛ أنّ المنصة تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات.

يأتي ذلك في إطار حملة كبيرة بدأتها الشرطة الألمانية، أمس، في 9 ولايات ألمانية لمكافحة الجرائم عبر الإنترنت، وطالت الحملة أيضاً ليتوانيا وكرواتيا.

وشارك نحو ألف من عناصر الشرطة في الحملة التي تهدف إلى مكافحة الجرائم الحاسوبية وجرائم الإنترنت.

وبحسب البيانات؛ تولّت رئاسة شرطة غوتينغن والمركز الرئيسي لمكافحة جرائم الإنترنت، والحاسوب التابع للادعاء العام في غوتينغن، تنسيق وإدارة "الإجراءات الشرطية الشاملة".

المنصة الإلكترونية تقدم إرشادات لتصنيع الأسلحة الحربية والقنابل وتصنيع المتفجرات وتجارة المخدرات

بدورها، أوضحت الشرطة؛ أنّها ضبطت خلال الحملة متفجرات ومخدرات، بعد مداهمتها مساكن 22 ألمانياً مشتبهاً بهم، تتراوح أعمارهم بين 17 إلى 55 عاماً.

وتعمل المنصة، منذ عام 2006، ووصل عدد أعضائها، العام الماضي، إلى نحو 360 عضواً فعالاً، ولا تتوافر أيّة دلائل على وجود دافع سياسي وراء إنشاء هذه المنصة إلى الآن، وقال لورينغ: "ليس هناك خلفية سياسية، ولم نتثبت منها"، مرجحاً أن يكون إنشاؤها جاء بدافع تنافسي: "فقد نظّمت مسابقات جرى اللعب عليها".

وتابع لورينغ؛ "لا توجد هناك أدلة على أنّ الأسلحة أو المتفجرات التي تضمنت المنصة إرشادات لتصنيعها كان من المنتظر استخدامها ضدّ أشخاص، ولا نستطيع أن نستبعد هذا أيضاً".

وحدثت المداهمات في ولايات: بادن- فورتمبرغ، وبافاريا، وبرلين، وهيسن، وسكسونيا السفلى، وشمال الراين فيستفاليا، وراينلاند بفالتس، وشلزفيغ هولشتاين، وتورينغن، وكانت التحقيقات بدأت قبل عام، تحديداً في أيلول (سبتمبر) الماضي.

 

للمشاركة:

أردوغان يعطّل الديمقراطية

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

اعتقلت قوات الأمن التركية 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات شهدتها مدينة إسطنبول، رفضاً لقرار وزارة الداخلية الخاص بعزل رؤساء 3 بلديات "كردية" منتخبين؛ بزعم دعمهم لحزب العمال الكردستاني.

ووفق ما ذكرته العديد من وسائل الإعلام التركية، فجر اليوم، فقد استخدمت قوات الشرطة التركية القوة المفرطة لتفريق المسيرة الاحتجاجية في منطقة "قاضي كوي"، بالجانب الآسيوي من مدينة إسطنبول، وفق ما أورد الموقع الإلكتروني لصحيفة "جمهورييت" المعارضة.

الأمن التركي يعتقل 16 شخصاً من المشاركين في احتجاجات رافضة لقرار عزل رؤساء بلديات منتخبين

كما شهدت ولايات ماردين، ووان، وديار بكر، التي أقيل رؤساء بلدياتها، احتجاجات، أمس، قامت الشرطة بفضها أيضًا، وأعلن حزب الشعوب الديمقراطي، أنّه تمّ حظر الدخول والخروج من وإلى ديار بكر.

 وفي تصريحات لوسائل الإعلام؛ قالت النائبة البرلمانية عن الحزب الكردي، فلك ناس أوجا، أنّها أصيبت خلال مشاركتها بوقفة ديار بكر احتجاجية في ساقها جرّاء ضربة من هراوات الشرطة اقتضت نقلها للمستشفى لتلقي العلاج.

وذكرت كذلك؛ أنّ نائبة أخرى عن الحزب ذاته، تدعى عائشة آجار، أصيبت في رأسها، وتعرضت للإغماء ليتم نقلها إلى المستشفى.

هذا وقد عزلت السلطات التركية، أول من أمس، رؤساء 3 بلديات (أكراد) منتخبين من مناصبهم، واستبدلتهم بـ "وصاة" معينين بقرارات إدارية، ضمن حملة أمنية أسفرت عن اعتقال أكثر من 400 شخص.

أردوغان نفّذ تهديدات سابقة بعزل وحبس رؤساء البلديات الأكراد المنتخبين بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية

وأعلنت وزارة الداخلية التركية عزل رؤساء بلديات: ديار بكر (عدنان سلجوق مزراقلي)، وماردين (أحمد ترك)، ووان (بديعة أوزغوكتشه أرطان)، بدعوى "انتمائهم لتنظيم إرهابي" في إشارة لحزب العمال الكردستاني.

وزعمت الداخلية التركية؛ أنّها اتخذت هذا الإجراء كتدبير مؤقت بموجب قانون البلديات رقم 5393 من المادة رقم 127 من الدستور، لحين انتهاء التحقيقات بحقهم، وأنّ لديها أدلة تثبت إدانتهم.

بدورها؛ أكدت وسائل إعلام تركية سابقاً أنّ قرار عزل الرؤساء المنتخبين جاء تنفيذاً لتهديد سابق لـ "أردوغان"، بـ "عزل وحبس" الأكراد الفائزين برؤساء البلديات، بدعوى أنّهم قيد الملاحقة القضائية.

إلى ذلك، أفادت منظمة "هيومن رايتس ووتش"؛ بأنّ تعيين الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، وصاة على بلديات دياربكر وماردين وفان، بمثابة تعطيل لديمقراطية الإدارات المحلية.

منظمة "هيومن رايتس ووتش": تعيين أردوغان وصاة على البلديات هو بمثابة تعطيل للديمقراطية وإلغاء للانتخابات

وأوضحت المنظمة، في تصريح نقلته وكالة "رويترز"؛ أنّ هذا الإجراء انتهاك للانتخابات، داعية السلطات التركية إلى إعادة رؤساء البلديات إلى مناصبه، مؤكّدة أنّ "تعيين الوصاة يعني انتهاك تركيا لقوانين حقوق الإنسان الدولية".

من جانبه، ذكر المدير التنسيقي للمنظمة في أوروبا وآسيا، هيو ويليامسون، أنّ حكومة أردوغان ألغت فعلياً الانتخابات المحلية، التي أقيمت في شهر آذار (مارس) الماضي، في المدن الكردية، شرق وجنوب شرق تركيا.

 

 

للمشاركة:

ألمانيا: انطلاق أكبر مؤتمر للأديان في العالم.. هذه محاوره

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

افتتح الرئيس الألماني رسمياً، أمس، النسخة العاشرة من المؤتمر العالمي "أديان من أجل السلام"، الذي يشارك فيه نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم.

مؤتمر "أديان من أجل السلام" يعقد بمشاركة نحو ألف شخص من مختلف الأديان في العالم

ودعا الرئيس الألماني، فرانك فالتر شتاينماير، خلال حفل الافتتاح، أمس، بمدينة لينداو بجنوب ألمانيا إلى مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات في أنحاء العالم، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

وقال شتاينماير: إنّ "الأديان، بوصفها داعماً قويّ التأثير، ومرناً بالنسبة للسلام، يمكنها تقديم خدمة لا غنى عنها، ولا يمكن الاستغناء عنها بالنسبة إلى البشر"، مضيفاً أنّه يمكن أيضاً "إساءة استغلال الإيمان والدين كدوافع بشكل أساسي للنوايا غير الدينية والأهداف السياسية".

ويعدّ هذا المؤتمر أكبر مؤتمر للأديان في العالم، وهو تابع لمنظمة "أديان من أجل السلام".

المؤتمر يركز على دور المرأة وعلى ضرورة مشاركة الزعماء الدينيين في التغلب على النزاعات

ويلتقي خلال الأيام المقبلة في المؤتمر ممثلون رفيعو المستوى من الأوساط الدينية والحكومية، لمنافشة حلول في مناطق نزاع متفرقة، من بينها ميانمار وجنوب السودان وشبه الجزيرة الكورية.

وسيتركز النقاش خلال مؤتمر هذا العام على دور المرأة في عمليات السلام، ومن المقرر أن تشارك إيلا غاندي، حفيدة الزعيم الهندي المهاتما غاندي، في ندوة عن العنف ضدّ المرأة خلال فعاليات المؤتمر، يوم غد.

 

للمشاركة:



50 عاماً على حريق الأقصى.. سياسات إسرائيل تزيد نيرانه اشتعالاً

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

داوود عبدالرؤوف

رغم مرور 50 عاماً على الحريق الذي أضرمه المتطرف الأسترالي، مايكل روهان، في المسجد الأقصى فإن النيران لم تتوقف بل أصبحت أكثر اشتعالاً مع تصاعد وتيرة المخاطر المهددة للأقصى جراء السياسات المتطرفة للاحتلال الإسرائيلي.

فالاقتحامات اليومية التي يقوم بها مستوطنون إسرائيليون للمسجد تزامناً مع تصاعد الدعوات لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا، إضافة إلى المحاولات الإسرائيلية لتقليص صلاحيات دائرة الأوقاف الإسلامية في المسجد باتت وقودا يشعل حريقا في الأقصى لم ينطفئ منذ خمسة عقود.‎

وباتت الانتهاكات الإسرائيلية والتغيرات الديموغرافية تستهدف كل وجود عربي إسلامي في القدس من أجل تهويدها، ما يزيد من قلق المسلمين على مصير مقدساتهم يوما بعد يوم.

ففي مثل هذا اليوم، 21 آب/أغسطس من العام 1969، أقدم المتطرف روهان على إشعال النار عمدا في المصلى القبلي في المسجد، فأتت النيران على أجزاء واسعة من واجهته بما فيها منبر نور الدين زنكي المعروف باسم منبر "صلاح الدين" ومحراب المسجد وسقفه وسجاده.

الشيخ عكرمة صبري، خطيب المسجد الأقصى، يستذكر تلك الحادثة بتفاصيلها المحزنة قائلاً لـ"العين الإخبارية": "بعد أن عطلت سلطات الاحتلال وصول فرق الإطفاء، هرع الناس من كل الأعمار للمساهمة في إخماد الحريق، فكانوا ينقلون المياه إلى مكان الحريق وأعينهم تفيض بالدمع".

وتظهر صور نادرة لتلك الحادثة فلسطينيين وهم يستخدمون السلالم للوصول إلى سطح المسجد، مشكلين سلسلة بشرية لنقل المياه من آبار المسجد.

وقالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس في بيان: "دمر الحريق أكثر من ربع المسجد الأقصى وما فيه من فسيفساء أثرية ورسوم نادرة على أسقفه الخشبية وسجاده الفارسي".

وأوضحت أنه "في مقدمة ما دمره الحريق منبر صلاح الدين الأيوبي، هذا المنبر الذي صنعه الشهيد نور الدين زنكي رحمه الله، وأحضره القائد المسلم صلاح الدين الأيوبي عندما حرر القدس عام 583هـ/1187م من يد الصليبيين، ووضعه في المسجد الأقصى ليظل شاهداً حياً على أن القدس مدينة عربية إسلامية، وستظل كذلك الى أن يرث الله الأرض وما عليها".

ونجحت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، على مدى سنوات طويلة، في ترميم ما تسبب به الحريق رغم المعوقات الإسرائيلية.

وما زالت بعض الأجزاء المحروقة المتبقية من منبر "صلاح الدين" موجودة في متحف المسجد، وقد تم في العام 2007 إعادة تركيب منبر مطابق للمنبر الأصلي بكافة مواصفاته وتفاصيله.

ولكن وإن كان المسجد تعافى من آثار الحريق إلا أن التهديدات الإسرائيلية له لا تتوقف بل تزداد خطورة.

الشيخ عزام الخطيب، مدير عام دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس، أشار إلى خطورة الاقتحامات المتصاعدة والخطيرة للمسجد، والدعوات العلنية لتقسيم المسجد زمانيا ومكانيا وصولا إلى مزاعم مسؤولين إسرائيليين بأنه لا يوجد "وضع قائم" في المسجد الأقصى.

والوضع القائم هو الوضع الذي ساد في المسجد منذ ما قبل الاحتلال الإسرائيلي لمدينة القدس في العام 1967، وتنحصر المسؤولية عليه بيد دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس باعتباره مسجدا للمسلمين وحدهم.

كما لفت الخطيب، في حديثه لـ"العين الإخبارية"، إلى الملاحقة اليومية من قبل سلطات الاحتلال لحراس المسجد الأقصى وموظفي دائرة الأوقاف الإسلامية بالاعتقال والإبعاد عن المسجد لفترة تتفاوت ما بين أسابيع إلى عدة أشهر، إضافة إلى محاولة إيجاد موطئ قدم للاحتلال في المسجد من خلال التدخل في شؤون دائرة الأوقاف ومنعها من محاولة القيام بعملها فيه.

وفي بيان لها تزامنا مع ذكرى الحريق، قالت دائرة الأوقاف الإسلامية في القدس: "بعد مرور خمسين عاماً على الحريق المشؤوم تزداد المخاطر التي تتهدد الأقصى بنياناً وإنشاءً".

وأضافت: "الحفريات الإسرائيلية في محيط المسجد الأقصى المبارك وجدرانه تهدد مبناه وسائر منشآته، والأنفاق التي تحفرها السلطات الإسرائيلية في البلدة القديمة من مدينة القدس هددت وتهدد المدارس الأثرية التاريخية الإسلامية".

وأوضحت أن "البؤر الاستيطانية التي تزرعها سلطات الاحتلال في مختلف أرجاء المدينة المقدسة تهدد الوجود العربي الإسلامي في القدس، إنهم يستعملون كل الوسائل الإجرامية في سبيل إخراج أهل القدس من مدينتهم؛ فتزوير الوثائق يتم في أروقة المحاكم ومكاتب المحامين بدعم من سلطات الاحتلال، وأعمال البلطجة تتم في وضح النهار وتستهدف المجاورين للحرم القدسي قبل غيرهم".

محافظ القدس، عدنان غيث، قال، في بيان، إن المدينة ومقدساتها ، وعلى وجه الخصوص المسجد الأقصى المبارك باتت تمر بتحديات خطيرة للغاية وأوقات عصيبة والدعوات اليمينية المتطرفة لاقتحامه وتقسيمه في تزايد إن لم يكن بسط السيطرة عليه، ومسلسل التهويد ماض على قدم وساق وبدعم مطلق من أصحاب القرار في الحكومة الإسرائيلية".

وحذر من أن"الاعتداء على المسجد الأقصى ما هو إلا مؤشر لحرب دينية عقائدية لن يفلت من عقباها أحد وستطال نيرانها الجميع دون استثناء".

بدوره، حذر المجلس الوطني الفلسطيني من أن مدينة القدس بمقدساتها الإسلامية والمسيحية وأهلها الصامدين وعقاراتها ومنازلها وإرثها التاريخي والثقافي والديني لا تزال حتى اللحظة تتعرض لعدوان إسرائيلي ممنهج بهدف تفريغها من سكانها الفلسطينيين وصولا لتهويدها".

فيما قالت الهيئة الإسلامية العليا بالقدس (أهلية)، في بيان، إن "مساحة المسجد الأقصى المبارك، كما هو معلوم، مئة وأربعة وأربعون دونماً (الدونم الواحد ألف متر مربع) فيشمل المسجد القبلي الأمامي، ومسجد قبة الصخرة المشرفة، والمصلى المرواني، ومصلى باب الرحمة، وكذلك المساطب واللواوين والأروقة والممرات والآبار والبوابات الخارجية وكل ما يحيط بالأقصى من الأسوار والجدران الخارجية بما في ذلك حائط البراق".

وأضافت أن "هذا المسجد المبارك هو للمسلمين وحدهم بقرار رباني إلهي من الله عزّوجل، وهو يمثل جزءاً من إيمان ما يقارب ملياري مسلم في العالم"مشددة على أن "لا علاقة لغير المسلمين بهذا المسجد لا سابقاً ولا لاحقاً، كما لا نقر ولا نعترف بأي حق لليهود فيه".

عن "العين" الإخبارية

للمشاركة:

الميليشيات وعوامل الخطر في الشرق الأوسط

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-08-21

سالم الكتبي

لم تبالغ دولة الإمارات حين اعتبرت أن الاعتداء الإرهابي الذي تعرض معمل الغاز الطبيعي في حقل الشيبة البترولي في المملكة العربية السعودية "خطراً جسيماً على امدادات الطاقة للعالم أجمع"، فالشواهد جميعها تؤكد أن هذا الاعتداء يمثل تطوراً غير مسبوق في مستوى الخطر الناجم عن انتشار الميليشيات الطائفية المسلحة في دول عدة بالشرق الأوسط.

من ينظر إلى الخارطة يجد ببساطة أن الميليشيات التي تعمل وفق أجندت أجنبية تقف وراء الفوضى والاضطرابات في جميع الدول التي تعاني الصراع، في ليبيا وسوريا والعراق واليمن، فالميليشيات باتت الفيروس الذي ينخر في جسد متهالك وتسبب ليس فقط في انهيار الدول ولكن أيضاً في نشوب موجات هجرة ونزوح ولجوء لملايين السكان ممن لا يعرف حتى الآن مصيرهم ويشكلون ضغوطاً على اقتصادات الكثير من دول العالم.

الواضح الآن الميليشيات باتت تسعى لأن تحل محل الدولة الوطنية في بعض دول المنطقة، ومن يتشكك في هذا الاستنتاج عليه أن يراجع الخطابات الأخيرة لحسن نصرالله زعيم "حزب الله" اللبناني، وتهديداته بشن حروب والانضمام إلى قوى إقليمية مثل إيران في حال تعرضت الأخيرة لضربات عسكرية أجنبية، وهي تهديدات تغيب فيها الدولة اللبنانية بشكل تام، ويتحدث قائد ميليشيا من دون أن يأخذ بالاعتبار أن هذه الميليشيا تنتمي لدولة يفترض أن تتحكم فيها ويرجع إليها قبل أن يتدخل في شأن من شؤون السياسة الخارجية والعلاقات الدولية!

الحال ذاته يحدث في اليمن، حيث تتصرف ميليشيات "أنصار الله" وكأنها دولة داخل الدولة اليمنية وتعتدي على دولة أخرى من دون أن تنظر لعواقب هذا التصرف ولا تأثيراته على الدولة اليمنية، ولا تكتفي باعتداء على المملكة العربية السعودية الشقيقة بل اتجهت في الحادث الأخير إلى الاعتداء على منشأة استراتيجية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بأمن الطاقة العالمي، وكأنها تنفذ نصاً ما يملي عليها من املاءات وتعليمات تصدر من قادة الحرس الثوري الإيراني.

الرابط الأساسي بين هذه الميليشيات التي تعيث فساداً في الشرق الأوسط هو النظام الإيراني، الذي يتخذ من هذه الميليشيات أذرع عسكرية طائفية تعمل بالوكالة لمصلحة أجندته التوسعية من دون أي اعتبار ليس فقط لسيادة الدول العربية التي تنتمي إليها هذه الميليشيات، ولكن أيضاً للمواثيق والأعراف والقوانين الدولية، حتى بات الشرق الأوسط نموذجاً في التهديد والتحديات الهائلة التي تواجه الدولة الوطنية في العالم أجمع، وكأن هذه المنطقة ابتليت بالميليشيات كي يصبح الحديث عن السيادة الوطنية لبعض الدول في منطقتنا نوع من العبث والاستهزاء بالقوانين والمواثيق الدولية.

المؤكد أن حركة "أنصار الله" لم تكن تجرؤ على القيام بهذا الاعتداء لولا توافر عوامل وظروف معينة أولها حالة التراخي والصمت الدولي وردود الفعل الباهتة في مواجهة الاعتداءات المتوالية التي شنتها هذه الميليشيات بالصواريخ والطائرات المسيرّة من دون طيار على المنشآت المدنية الحيوية داخل المملكة العربية السعودية، وثاني هذه العوامل الصمت الدولي على ممارسات النظام الإيراني الذي يهدد ليل نهار باستخدام الأذرع الطائفية في تهديد الأمن والاستقرار وإشعال الحرائق في منطقة الشرق الأوسط من دون حسيب أو رقيب حتى أنه لم تصدر إدانة واحدة ولا تصريح عابر من مسؤول أممي يحذر نظام الملالي من العبث بالأمن والاستقرار الإقليمي!

يدرك النظام الإيراني أن توظيف الحوثيين في صراعه مع العالم ورقة ضغط مهمة من أجل فك طوق الحصار والعزلة الدولية وتفادي شبح الانهيار الاقتصادي الناجم عن العقوبات الاقتصادية الاميركية، وان استهداف المنشآت النفطية في المملكة الشقيقة ورقة ضغط مهمة ليست ضد الرياض فقط بل ضد القوى الدولية جميعها، ولكن للأسف لا تجد هذه الممارسات من رادع سوى مزيد من التنازلات والخضوع للبلطجة وانتهاك القوانين الدولية.

إن حالة الصمت والترقب الدولية على ما يحدث في منطقتنا لا يعني بالضرورة الحفاظ على الحد الأدني من الهدوء بل يمكن أن يشعل هذا الصمت حرباً مستعرة وصراعاً عسكرياً تطال تأثيراته الاقتصاد العالمي، الذي يئن بالفعل تحت وطأة الحرب التجارية بين الصين والولايات المتحدة، لذا فإن استمرار الصمت العالمي ينذر بكارثة استراتيجية في ظل جهل هذه الميليشيات وقادتها بعواقب تصرفاتها المجنونة وخضوعها التام للأوامر والتعليمات الصادرة من الحرس الثوري الإيراني، الذي يغامر بإشعال صراع يحرق الجميع لهيبه طالما أن النظام الإيراني يرزح تحت وقع العقوبات الأميركية.

عن "ميدل إيست أونلاين"

للمشاركة:

المرتزقة.. هكذا غيّر بضع مئات مسار التاريخ العالمي للأبد

2019-08-21

ترجمة: علي نوار


يُعدّ المرتزقة مفتاحاً أساسياً من أجل فهم سير أحداث التاريخ العالمي؛ فقد كان حضورهم قوياً في مئات الحرب، ولطالما كانوا عنصراً حاسماً في ترجمة النفوذ الاقتصادي والمادي لسطوة عسكرية، وما يزالون موجودين اليوم، لكن بمسمّيات مختلفة، مثل؛ الشركات العسكرية الخاصة للأمن، إلّا أنّ الصورة السائدة عن المرتزقة؛ هي تلك التي ترتبط في الأذهان بالنمط التقليدي للمقاتل الذي يخوض المعارك الحربية مقابل الحصول على المال، والحاضر على وجه الخصوص في قارة إفريقيا.

يكمن الدور الإستراتيجي للمرتزقة في تغييرهم شكل التاريخ العالمي للأبد رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد

ظهرت شخصية المرتزق في التاريخ منذ آلاف الأعوام، رغم أنّ أهمية دوره كانت تعتمد كثيراً على الحقبة والسياق المحيط بمجريات الأمور، ومن أولى الوقائع التي أمكن فيها توثيق وجود المرتزقة تبرز خلال الحروب الفارسية اليونانية بين العامين 492 و478 قبل الميلاد، حين تعاقدت الإمبراطورية الفارسية مع مرتزقة يونانيين من أجل غزو إسبرطة، ورغم ضمّهم كجنود من الدرجة السفلى في الترتيب العسكري، إلّا أنّهم كانوا يتميّزون بمهاراتهم القيادية وتقديم المشورة للقوات النظامية، وصولاً إلى شغل مناصب رفيعة في القيادة العليا للجيش؛ بل وحتى الالتحاق بأطقم الحراسات الخاصة للزعماء.
بالمثل؛ كان هناك مرتزقة أثناء الحروب البونية بين إمبراطوريتَي روما وقرطاجة، خاصة في صفوف الجيش القرطاجي الذي كان يضمّ في صفوفه مقاتلين من جميع شواطئ البحر المتوسط، أغلبهم ليبيون وفرنسيون ويونانيون، ومن شبه جزيرة إيبيريا.

اقرأ أيضاً: لماذا وصفت حركة النجباء الجيش العراقي بـ "المرتزقة"؟

وعلى مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة، وظهرت أولى الشركات الضخمة للمرتزقة، شركات كانت في بعض الحالات تفوق جيوش الملوك، أو أمراء الإقطاع؛ ففي إيطاليا كان زعماء المرتزقة (كوندوتييري)، مثل الشركة البيضاء، بقيادة الإنجليزي جون هوكوود، أداة عسكرية رئيسة في الحروب بين الدويلات الإيطالية المتنازعة.
وفي شبه جزيرة إيبيريا؛ استند الوجود العربي في جزء منه إلى القوة العسكرية التي تمتّعت بها (الحرس الأسود)، وهي وحدة تشكّلت من المرتزقة والعبيد الوافدين من وسط إفريقيا، أما في إمبراطورية بيزنطية؛ فقد كانت هناك (الشركة الكتالونية الكبرى)، بقيادة الإيطالي الألماني روجر دي فلور، التي اُستعين بها في قتال العثمانيين، وهو مصير "الحرس الفارانجي" نفسه، الذي كان يضمّ مقاتلين إسكندنافيين ينحدرون من شعب الفايكنج.

على مدار العصور الوسطى؛ كان للمرتزقة دور كبير في الحروب بين الممالك المتناحرة المختلفة

ويمكن بسهولة ملاحظة أنّ أبرز مميزات المرتزقة؛ سهولة حركتهم على المستوى العالمي، ومثلما هو الحال لدى المرتزقة المعاصرين، كان نظراؤهم السابقون يقدّمون خدماتهم لمن يدفع أكثر، بغضّ النظر عمّا إذا كان ذلك يعني الانخراط في صفوف الطرف الذي كان يقاتلونه من قبل، ولعل الفارس الإسباني، القشتالي رودريجو دياث (إل سيد كامبيادور)؛ هو خير تجسيد لهذا الجانب المتناقض لدى المرتزقة؛ حيث قاتل إلى جوار العرب، وكذلك في صفوف المسيحيين بإسبانيا، خلال القرن الحادي عشر، وسواء كان يقاتل بالقوس والأسهم أو بأحدث الأسلحة، من أجل أباطرة أو شركات خاصة، ستظلّ شخصية المرتزق هي نفسها دوماً على مرّ التاريخ: فالمرتزق لا يقاتل من أجل الأخلاق أو القيم، ولا حتى من أجل أفكار ومعتقدات؛ بل من أجل المال وحده.

الفنزويلي ولد الشاكال أو الثعلب المعرفوف باسم إليتش راميريث كان المرتزق الأشهر في القرن العشرين

ويتضّمن قرار الاستعانة بالمرتزقة مميزات عديدة، لا تقتصر فقط على ميدان المعركة؛ فمن جانب، يعني ذلك تقليص الفترة الزمنية والموارد المالية اللازمة لتدريب الجنود، فالمرتزقة يتمتّعون بالفعل بتأهيل عسكري على أرفع مستوى، وعلى جانب آخر، يمكّن المواطنين العاديين من التركيز على أعمال إنتاجية وتوفير الإمدادات من الموارد خلال زمن الحرب، وهو ما قد يكون عاملاً حاسماً إذا طال أمد المعركة، بيد أنّ المقابل المادي المرتفع الذي يتقاضاه المرتزقة أدّى في أغلب الأحيان إلى أنّهم يتّخذون الجانب الأقوى، أو الذي يحظى بموارد أضخم، وهو ما أسفر عن ظهور حالات الهيمنة المطلقة.
واختصاراً، بوسعنا القول: إنّ هذا بالضبط كان دورهم على مدار التاريخ؛ ترجمة القوة الاقتصادية الهائلة إلى قوة عسكرية كاسحة؛ لذا فإنّ ما قدّمه فيلم "الساموراي السبعة"، عام 1954، والذي يقاتل فيه مرتزقة الساموراي لمساعدة إحدى القرى بلا مقابل يُذكر من هجمات العصابات، لا يعدو سوى كونه محض خيال.

لكنّ أهمية المرتزقة أخذت في التراجع نتيجة صعود نموذج الدول التي تقوم على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية وحدها، التي تهتمّ ببناء جيش وطني دائم، وهو شيء يتعارض تماماً مع فكرة المرتزق، وترسّخت هذه العملية أكثر مع اندلاع الثورة الفرنسية، والتي بدأ بعدها أغلب المرتزقة في الاتجاه نحو الالتحاق بالجيوش الوطنية، إلّا أنّ شخصية المرتزقة لم تندثر تماماً، على الرغم من أنّها لن تعاود لعب الدور المهم ذاته حتى الحرب الباردة.

اقرأ أيضاً: مرتزقة.. نزوح.. كوليرا.. آخر تطورات الساحة الليبية

خلال الحرب الباردة؛ رفعت مستعمرات أوروبية كثيرة السلاح من أجل نيل استقلاليتها السياسية والاقتصادية، ورغم أنّ الحكومات الأوروبية انتهى بها الأمر لقبول منح مستعمراتها الاستقلال السياسي، إلّا أنّ ثراء هذه المستعمرات بالموارد، خاصة الإفريقية منها، دفع الدول الأوروبية للتحفّظ في إعطائها الاستقلال الاقتصادي، كما أنّه في خضمّ ذروة الخلاف العالمي مع الاتحاد السوفييتي، لم تكن النخب الغربية مستعدة لمشاهدة ممتلكاتها السابقة تحكمها أنظمة اشتراكية لا تكتفي بتقويض مصالحها الاقتصادية والجيوسياسية والعسكرية بصورة كبيرة فحسب، بل وأيضاً تجعل ميزان الحرب الباردة يميل لصالح الكفة السوفييتية.
كان كثيرون، وعلى رأسهم وزير الخارجية الأمريكي السابق، هنري كيسينجر، يتخوّفون من صعود الاشتراكية في هذه الدول والذي من شأنه أن يحدث "تأثير دومينو" في باقي أنحاء قارة إفريقيا، ولتلافي وقوع ذلك؛ جرى اتّخاذ جميع الإجراءات اللازمة، بما فيها شراء المرتزقة، وكان هؤلاء في غالبيتهم من العسكريين الأوروبيين المخضرمين، الذين أصبحوا بلا عمل، عقب حقبة إعلان الاستقلال خلال عقدي الستينيات والسبعينيات، وهي الفترة التي شهدت نهاية الحروب الاستعمارية في إفريقيا وآسيا، وبات هؤلاء العسكريون سريعاً محط أنظار الحكومات الإفريقية الوليدة، وكذلك حلفاؤها وأعداؤها، الذين كانوا يرون فيهم أداة ناجزة لتسوية النزاعات القائمة وتعزيز نفوذهم، كان هؤلاء المرتزقة يعرفون طبوغرافية المنطقة جيّداً، ويتوفّرون على معدّات وتأهيل يفوق عدداً كبيراً من الجيوش المحلية.
مرتزقة برتغاليون مع عصابات في شمال أنغولا عام 1975

الكونغو البلجيكية
تأثّرت الكثير من الدول جراء ممارسات المرتزقة، لكن هناك دولة تأتي على رأس القائمة؛ نظراً إلى أهميتها وعدد المرتزقة الذين نشطوا على أراضيها؛ إنّها جمهورية الكونغو الديمقراطية، المستعمرة البلجيكية السابقة؛ ففي أعقاب إعلان استقلالها، عام 1960، شهدت الكونغو قيام حكومة مؤقّتة ذات توجّهات شيوعية بقيادة رئيس الوزراء باتريس لومومبا، وكانت شركة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) تتحكّم في قدر كبير من ثروات البلاد، وتخشى فقدان ممتلكاتها، لا سيما في منطقة كاتانجا، الأغنى بالثروات في الكونغو وأحد أكبر مناجم النحاس واليورانيوم في العالم، لكنّ الجيش البلجيكي كان قد غادر أراضي البلد الإفريقي فور استقلاله، وحلّ قبل رحيله جانباً كبيراً من الجيش الكونغولي؛ لذا فقد كانت الشركة في حاجة لطلب المساعدة من مكان آخر.

تراجعت أهمية المرتزقة لصعود نموذج الدول القائمة على مبدأ السيادة الوطنية وقصر حقّ استخدام القوة المسلحة على الدولة المركزية

وفي محاولة منها لحماية مصالحها؛ خطّط "اتحاد التعدين في كاتانجا العليا، وبعد شهرين فحسب من استقلال الكونغو، لانتزاع انفصال منطقة كاتانجا عن باقي أراضي البلاد، وهي المحاولة التي قادها الجنرال مواز تشومب؛ بهدف الحفاظ على أعمال الشركة. ولضمان نجاح العملية، تعاقدت الشركة البلجيكية مع كتائب من المرتزقة الذين كانوا يدعمون الجنرال تشومب، ومن بينهم بعض "المرتزقة" الأشهر في القرن العشرين، مثل: بوب دونارد، وجان شرام، ومايكل هوار (ماد مايك)، وكان دونارد قائداً لوحدة مظليين ومرتزقة فرنسيين، بينما كان تحت إمرة الإيرلندي ماد مايك عدد لا بأس به من المرتزقة الجنوب إفريقيين.

بدأ العمل بتدريب الجنود الكونغوليين؛ تمهيداً للدفع بهم في مواجهة تلك المجموعات المعارضة للانفصال، ورغم أنّه لم يكن يتكوّن سوى من 100 مرتزق تقريباً، وحوالي 2000 جندي كونغولي، لكنّ جيش تشومب تمكّن من تحقيق أقصى استفادة من عتاده وتدريبه كي يسيطر، شيئاً فشيئاً على أراض، وقد تسبّبت الفظائع التي ارتكبها المرتزقة في حصولهم على لقب (الرهيبين)، وهو الاسم الذي سيظلّ مرتبطاً باسم دونار طوال حياته.

وجّه لوموموبا عدّة دعوات لمنظمة الأمم المتحدة من أجل إيقاف المذابح الدائرة، لكنّه لم ينجح في وقفها فعلاً إلّا بعد طلبه المساعدة من الاتحاد السوفييتي حينها فقط، وهرع المجتمع الدولي لمساعدته والتدخّل، وخوفاً من التحاق الكونغو نهائياً بالمعسكر السوفييتي، دخلت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية "سي آي إيه" الساحة وخطّطت لانقلاب عسكري نفّذه الجنرال موبوتو سيسي سيكو، قائد الجيش الكونغولي، للإطاحة بلومومبا من السلطة.
كان الأمريكيون والبلجيكيون لديهم المصالح نفسها في المنطقة، منذ أواخر القرن التاسع عشر؛ لذا لم يكن من الصعب التوصّل لتحالف تكتيكي بينهم، وقد كانت القنبلة النووية الأمريكية التي أٌلقيت على مدينة هيروشيما اليابانية مُصنّعة من يورانيوم استخرجته (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) من مناجم هذا الإقليم، وفي محاولة لتقريب المواقف مع الانفصاليين، بعث موبوتو بلومومبا إلى كاتانجا؛ حيث أطلق الجنرال تشومب وحلفاؤه النار عليه دون أدنى تردّد.

اقرأ أيضاً: لماذا انقلب أمراء الحرب في سوريا إلى مرتزقة تقودهم تركيا؟

أدّى مقتل لومومبا إلى اندلاع ثورة في كافة أرجاء البلاد، والتي أُطلق عليها اسم "ثورة سيمبا"، والتي تطّلبت الكثير من العمل بالنسبة للمرتزقة الذين كانوا ينتشرون في نقاط مختلفة من الكونغو- خاصة الكتيبة الخامسة، بقيادة ماد مايك، التي التحقت بالجيش الكونغولي بعد مواجهتها له في السابق.
تقلّد تشومب لاحقاً، عام 1964، منصب رئيس الوزراء، رغم أنّه لم يستمر إلّا عاماً واحداً قبل أن يستأثر موبوتو بالسلطة، واتّضح فيما بعد أنّ العسكريين لم يكونوا وحدهم الذين يتمتّعون بالدعم الخارجي، فقد كان ثوار (سيمبا) أيضاً يحظون بالدعم بواسطة جنود كوبيين، كان يقودهم تشي جيفارا بنفسه، بيد أنّ قوة المرتزقة والجيش كانت أكبر من أن يتمكّن المتمرّدون من مجابهتها، ليقرّروا الاستسلام أخيراً، عام 1967، مع وصول رئيس جديد لسدة الحكم، وقرّر موبوتو طرد المرتزقة خارج الكونغو، وغيّر اسم البلاد إلى زائير، وعمل على خصخصة (اتحاد التعدين في كاتانجا العليا) وظلّ على قمة السلطة حتى 1997، ما سمح له بتكوين واحدة من أضخم ثروات القرن العشرين، وأن يتحوّل لنموذج للديكتاتور الإفريقي.
غلاف كتاب السيرة الذاتية لمرتزق الكونغو ماد مايك

إفريقيا تسير على خطى الكونغو
بعد الحرب في الكونغو، كان المرتزق الأكثر نشاطاً هو الفرنسي بوب دونار، ضابط الاستخبارات الفرنسية السابق الذي وصل الأمر به لأن يؤكّد خلال محاكمته؛ أنّه "عندما تعجز الاستخبارات عن تنفيذ مهام سرية من نوع خاص، فإنّها تلجأ لهياكل موازية، كانت هذه هي حالة بوب دونار"، لكنّ الفرنسيين لم يكونوا الوحيدين الذين تعاقدوا معه؛ فبعد الخروج من الكونغو، قاتل دونار في اليمن إلى جانب القوات البريطانية من أجل إعادة النظام الملكي إلى الحكم (1962-1967)، كما انخرط دونار في جبهات القتال بدول مثل نيجريا وأنجولا وبنين وتشاد، لكنّ الأثر الأعمق الذي تركه كان في جزر القمر، أسّس دونار في هذه الدولة معسكر التدريب الخاص به، ونفّذ أربع انقلابات، وحكم البلاد من وراء الستار عشرات الأعوام، وأخيراً توفَّى دونار بهدوء، عام 2007، على فراشه بمنزله في بوردو، بعد أن أمضى أربعة أشهر فحسب داخل السجن.

أما ماد مايك؛ فقد آثر التقاعد إثر انتهاء حرب الكونغو، إلّا أنّه عاد لارتداء بزته العسكرية مرة أخرى في أواخر السبعينيات، كي ينفّذ انقلاباً فاشلاً في سيشل، مدفوعاً من قبل حكومة جنوب أفريقيا أثناء حقبة الفصل العنصري (أبارتايد)، وبعد فشل هذا الانقلاب عاد إلى جنوب إفريقيا؛ حيث أتمّ 100 عام من العمر عام 2019، ولا يزال يعيش هناك، قاتل مايك المجنون ودونار من أجل المال، مثلهما في ذلك مثل زملائهم، لكن هناك استثناء وحيداً في القرن العشرين، يستلزم تسليط الضوء عليه ها هنا.

قصة كارلوس الـ (شاكال)
ولد الـ (شاكال)، أو (الثعلب)، باسم إليتش راميريث، كان هذا الفنزويلي، بلا شكّ، المرتزق الأشهر في القرن العشرين، ولعلّ السبب في ذلك؛ هو أنّ قصته لم تكن تقليدية على الإطلاق، فقد نشط خلال عقدي السبعينيات والثمانينيات؛ حين كان مسؤولاً عن عدد من الاعتداءات وعمليات الاختطاف، لكنّ العنصر المميّز في قصة الثعلب هو أنّه لم يكن مرتزقاً ولا إرهابياً؛ بل "يمتهن الثورة".
كان والد إليتش عضواً في الحزب الشيوعي الفنزويلي، وشعر منذ صغره بانجذاب نحو النضال المناهض للإمبريالية ضدّ القوى الاستعمارية الأوروبية، خاصّة القضية الفلسطينية، درس في موسكو، وتحديداً بنفس الجامعة التي تخرّج فيها باتريس لومومبا، وعام 1970؛ انضمّ إلى الجناح المسلّح من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، وهي فصيل ماركسي يشكّل جزءاً من منظمة التحرير الفلسطينية إلى جوار تيارات أخرى، مثل حركة فتح، وقد نفّذ لصالحها عدداً من العمليات التي دخلت التاريخ بسبب درجة الاندفاع فيها ومدى التأثير الذي أحدثته.

بوب دونار مع الحرس الرئاسي لجزر القمر

وتأتي على رأس هذه العمليات؛ واقعة الاختطاف التي شهدتها قمة الدول المنتجة للبترول في العاصمة النمساوية فيينا، عام 1975؛ حين أقدم الثعلب وخمسة رجال آخرين على اختطاف عدد من وزراء عدة دول وشخصيات بارزة في المنظمة لمدة تزيد عن ثلاثة أيام، لم تكن هذه العملية، التي يُعتقد أنّ كلّاً من الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين وحكومة العقيد الليبي الراحل، معمر القذافي، وحركة فتح، يقفون وراء التخطيط لها، عشوائية على الإطلاق؛ حيث نجح الخاطفون في الهروب مع رهائنهم على متن طائرة وتركوهم قبل دفع الفدية المطلوبة في دول مناصرة للقضية الفلسطينية، كانت هذه العملية ومهمات وعمليات اختطاف وإرهاب أخرى تستهدف تمويل المنظمة ومهاجمة الأهداف الإستراتيجية بهدف الضغط على الحكومات الأجنبية كي تقبل طلبات الجبهة الفلسطينية وحلفائها.

لكن، وفي عام 1976؛ قرّر الثعلب ترك الجبهة الفلسطينية؛ بسبب الخلافات الداخلية التي بدأت تضرب المنظمة، ليؤسّس برفقة خمسة أشخاص آخرين (منظمة الثوريين العالميين)، وكانت هذه المنظمة تهتمّ بتوفير الدعم العسكري لأيّ نضال ترى أنّه ثوري، واستهلّت عملياتها بالتعاون مع (جماعة الجيش الأحمر)، التي كانت تحمل في بداياتها اسم "بادر ماينهوف)، في ألمانيا الغربية، والتي شنّت عدة هجمات في البلاد، خلال الفترة بين عامَي 1970 و1990، ويمكن القول إنّ جماعة الجيش الأحمر كانت في واقع الأمر وحدة من المرتزقة اليساريين.

لكنّ منظمة "الثوريين العالميين"، لم تذهب بعيداً، لا سيما مع فقدان الثعلب لدعم حلفائه القدامى، ومع شعوره بأنّه كوّن عداوات كثيرة، اختفى الشاكال لفترة طويلة من الوقت تنقّل خلالها بين دول مثل سوريا والسودان؛ حيث أُلقي القبض عليه أخيراً من قبل السلطات الفرنسية، عام 1994، ورغم أنّ الدوافع وراء عملياته كانت أيديولوجية بالأساس، لكنّ الفنزويلي لم يكن يقوم بها مجاناً بكلّ تأكيد، فقد تبيّن تقاضيه مبالغ مالية هائلة مقابلها، كان الثعلب الفنزويلي مرتزقاً ربما، لكنّه يختلف عن البقية.

كارلوس  في صورة حديثة وهو يقضي حالياً عقوبة السجن مدى الحياة في فرنسا

نشاط المرتزقة بين السبعينيات والثمانينيات
أدّت الكفاءة التي أظهرها المرتزقة خلال حرب الكونغو إلى رفع أسهمهم، الأمر الذي نتج عنه حتى ظهور وكالات متخصّصة في التعاقد معهم، والتي تعُد نواة فكرة الشركات العسكرية الخاصة للأمن في الوقت الحالي، مثل شركة "سيكيورتي أدفايزوري سرفيسز" البريطانية، التي أرسلت مئات المرتزقة إلى حربَي أنجولا وروديسيا، ولعب المرتزقة دوراً كبيراً في أنجولا، خلال المرحلة الأولى من الحرب؛ فبعد الاستقلال، عام 1975، تنازعت ثلاث جبهات السيطرة في البلد الإفريقي، بعد أن كانت متّحدة في السابق أمام المحتل البرتغالي؛ وكان الصراع على أشدّه بين الحركة الشعبية لتحرير أنجولا ذات التوجّهات الماركسية اللينينية، وحركة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا والجبهة الوطنية لتحرير أنجولا ذات الأفكار الرأسمالية والمعادية للشيوعية.

جمهورية الكونغو الديمقراطية المستعمرة البلجيكية السابقة تأتي على رأس قائمة الدول التي تأثرت بممارسات المرتزقة

ولدى وصول الحركة الشعبية لتحرير أنجولا إلى السلطة، رأت كيف رفعت المنظمتان الأخريان السلاح في وجه حكومتها، فلجأت الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا، المدعومة من قبل وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية إلى زائير التي يتعيّن على رئيسها، موبوتو، ردّ الدين نظير المساعدة التي تلقّاها مسبقاً، بينما انتقل الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا إلى الشطر الجنوبي من البلاد، لتندلع حرب أهلية دامت 30 عاماً (1975-2002)، كما قاد بوب دونار، الذي عمل لصالح "سي آي إيه" وحدة من مرتزقة الاتحاد الوطني من أجل الاستقلال الشامل لأنجولا، فيما دعّمت فرقة أخرى بقيادة العقيد كالان، وهو مرتزق بريطاني من أصول قبرصية، الجبهة الوطنية لتحرير أنجولا.
أٌلقي القبض على كالان، برفقة 12 مرتزقاً آخرين، وصدر بحقّه حكم بالإعدام، خلال ما تُعرف باسم (محاكمات لواندا) التي كان لها صدى عالمي وقتذاك؛ نظراً إلى أنّها كانت المرة الأولى التي تحاكم فيها حكومة إفريقية مرتزقة عالميين.
وبرّر رئيس أنجولا، المنتمي للحركة الشعبية لتحرير أنجولا، أجوستينيو نيتو، هذا الحكم؛ بأنّه "يصبّ في صالح جميع شعوب العالم ضدّ الأشخاص الذين تستعين بهم القوى الإمبريالية لتنفيذ اعتداءات مرتزقة جديدة".

كان نيتو، بالتأكيد، يقصد النزاع الذي كانت تعاني منه ناميبيا في الفترة نفسها؛ وهو الصراع المرتبط بشكل وطيد بالحرب في أنجولا، وكذلك روديسيا الجنوبية، أو زيمبابوي الحالية؛ حيث نشط مرتزقة مشهورون آخرون، مثل الأمريكي روبرت ماكينزي، أو تدخّلات المرتزقة في دول مثل بنين وأوغندا وتوجو وغينيا الاستوائية، وفي السياق نفسه؛ تبرز الحرب الأهلية في نيجيريا، بين عامَي 1967 و1970؛ بسبب الدموية الشديدة التي اتّسمت بها؛ حيث راح ضحيّتها مليونا قتيل، وعدد من المرتزقة الذين انخرطوا فيها، والذين قاتلوا إلى جانب قوات إقليم بيافرا، والذين أرسلت فرنسا السواد الأعظم منهم.
تركت هذه الحروب جروحاً لا تندمل في البلاد التي عانت ويلاتها، جراحاً غيّرت للأبد المسار السياسي والاقتصادي والاجتماعي لهذه الدول.

يحيط بشخصية المرتزقة في القرن العشرين قدر هائل من الجدل، وهناك كمّ لا بأس به من الأساطير، رغم أنّ كلّ ذلك لا ينفي الدور الحاسم الذي لعبوه؛ فقد كان المرتزقة أداة رئيسة لضمان أن يكون الوضع القائم بعد استقلال المستعمرات القديمة متوافقاً مع المصالح الغربية، وهو ما نعرّفه اليوم بالكولونيالية الجديدة، وحتى في النزاعات التي لم ينتصر فيها المرتزقة، مثل أنجولا وزيمبابوي، حالت الخسائر والتضحيات الجسيمة التي تعرّض لها أعداؤهم دون تمكينهم من السيطرة الكاملة ليضطّروا للاستجابة للكثير من المطالب الغربية.

كانت لذلك الوضع تبعاته المباشرة على الحرب الباردة، التي لم تكن "باردة" للغاية في إفريقيا؛ فمع إجهاض تطلّعات بعض الدول نحو النموذج الاشتراكي في حروب الاستقلال، تسنّى كذلك انضمامها للكتلة السوفييتية؛ ففي حال حدوث عكس ذلك، كان مسار التاريخ ليتغيّر على نحو جذري تماماً: فمن يعلم ما كان ليحدث إذا حصل الاتحاد السوفييتي على الدعم الكافي لمنع انهياره عام 1989، أو حتى توفّره على قوات كافية لإلحاق الهزيمة بالكتلة الغربية.
إنّ الدور الإستراتيجي للمرتزقة يكمن في أنّه رغم عدم تجاوز أعدادهم لبضع مئات من الأفراد، لكنّهم تمكّنوا من تغيير شكل التاريخ العالمي للأبد.


المصدر:

مقال عن المرتزقة ودورهم على مرّ التاريخ في النزاعات التي خاضوها، للباحث لويس مارتينيث، نشر بموقع مؤسسة (الأوردن مونديال) الإسبانية للأبحاث

رابط: https://bit.ly/2P4NK4f

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية