نقاد وقراء يفككون عالم عرّاب القراءة أحمد خالد توفيق

8094
عدد القراءات

2018-04-16

"جعل الشباب يقرأون" عبارة وضعتها قارئة على قبر الكاتب الراحل الدكتور أحمد خالد توفيق، الذي غيّبه الموت في 2 نيسان (أبريل) الجاري؛ تنفيذاً لرغبة الكاتب الأكثر مقروئية في مصر خلال العقدين الأخيرين.

وكان رحيل توفيق قد أثار جدلاً كبيراً في الأوساط الثقافية المصرية؛ على خلفية رفض نقاد مصريين الاعتراف بنوعية ما قدمه الراحل، والاكتفاء بإدراجه في حقل الكتابات الخفيفة التي تقدم للناشئة، في تجاهل تمام لملايين القراء الذين ملأوا صفحات "السوشيال ميديا" حزناً على رحيله.

وتجلية لهذا السجال، نظم مركز دال للأبحاث والإنتاج الإعلامي في القاهرة، حلقة نقاشية بعنوان: "أحمد خالد توفيق.. نحو تفكيك عالم عراب القراءة"، في محاولة لسبر أغوار عالم توفيق، الذي اعتبره البعض واحداً من أهم الكتاب، الذين ساهموا في توسيع رقعة القراءة فى مصر والوطن العربي، بكتاباته التي بدأها في عام 1993، بسلسلة "ما وراء الطبيعة"، في حين اعتبره آخرون لا يستحق ذلك التقدير، اعتماداً على أنه لم يقدم سوى كتابات للناشئة!

شارك في النقاش الروائي أحمد عبد المجيد، والكاتب الصحفي هشام أصلان، مدير تحرير مجلة "إبداع" الصادرة عن وزارة الثقافة المصرية، والروائية منصورة عز الدين، نائبة رئيس تحرير جريدة "أخبار الأدب"، والكاتب الصحفي سيد محمود، رئيس تحرير جريدة "القاهرة" السابق، والروائية سالي عادل.

من اليسار: أحمد عبد المجيد، سيد محمود، هشام أصلان، سالي عادل، منصورة عز الدين

جماهيرية أحمد توفيق

سيد محمود عبر عن اندهاشه من أن الجماهيرية التي تحققت لأدب أحمد خالد توفيق، لم تكن موضوعاً للدرس النقدي بين باحثي علم اجتماع الأدب أو علوم التلقي، ولا بين الباحثين المعنيين برصد وتحليل اتجاهات القراءة في أوساط الشباب؛ تعالياً على هذه الظاهرة؛ التي تصور البعض أن تجاهلها قد يؤدي إلى تغييبها، وهو تصور ساذج بالطبع، بحسب تعبيره.

الجدل الكبير الذي أحدثه رحيل توفيق، يشير إلى حاجة ماسة، لدراسة كتاباته، وغيرها من النصوص التى تمتعت بجماهيرية

وأشار محمود إلى أنّ توفيق هو "الكاتب الوحيد الذي صنع نجاحه الجماهيري خارج دوائر الأدب التقليدي"، لافتاً إلى أنّ من النادر أن تجد في أرشيفه حوارات صحفية في المطبوعات الأدبية المتخصصة، أو دراسة نقدية تخص كتاباته التى أهملها النقاد، وأقبل عليها القراء، باستثناء رواية "يوتوبيا" التي بشرت بأدب "الديسوتوبيا"، أو أدب المكان الخبيث الذي شاع بعد ثورة 25 يناير، مضيفاً أنه لا يمكن وضع كتابات الراحل في السياق التراتبي المعتاد للأدب المصري، المعتمد على تقسيم الأجيال، أو مواضعات الكتابة. محمود أطلق على الراحل توفيق لقب "قاطع طريق"، إذ شق لنفسه مساراً خاصاً يمكن تسميته بالمسار الموازي، طور فيه تقنيات الكتابة البوليسية ذات المنحى الغرائبي، التي بدأها الكاتب الرائد محمود سالم، عبر سلسلة الألغاز وحلقات المغامرين الخمسة، ثم جاء نبيل فاروق الذي سبق توفيق بعدة سنوات في الكتابة، مع سلسلة "رجل المستحيل"، موضحاً أنّ أحمد خالد توفيق زاد من جرعة التخييل الأدبي في سلسلة "ما وراء الطبيعة"، وبلغ مع ابتكار شخصية "رفعت إسماعيل" ذروة مشروعه الأدبي.

الكاتب الرائج

أصلان، أكد أنّ اختزال أحمد خالد توفيق في كونه أحد أدباء الأفضل مبيعاً هو اختزال مُخلّ وظالم، لافتاً إلى أنّ الرجل الذي اسودت لرحيله الصفحات، ووجوه آلاف الشباب، لم يصحُ من نومه برواية ذائعة الصيت، مشيراً إلى أن الأمر يرجع لسنوات طويلة مضت، وعلاقة ممتدة مع أعداد مذهلة من القراء، سنوات طويلة حقق عبرها، في مجال الكتابة للصبية والمراهقين، ما لم يحققه غيره رغم وجود كتاب مهمّين في هذا النوع الأدبي؛ قائلاً:"هذا كاتب لديه في كل بيت مصري صاحب".

ورفض أصلان الربط بين مصطلح الأكثر مبيعاً ورداءة النص: "عليك أن تنفض عن نظرك أفكاراً بتنا نرددها حفظاً وليس فهماً، على رأسها معادلة أن الكاتب الرائج، هو بالضرورة كاتب سطحي وخفيف".

وأشار أصلان إلى أنّ أحمد خالد توفيق، لم يبتعد عن مدينة طنطا، إلا مسافراً أو في زيارة، إذ كان سهلاً أن يتحول إلى كاتب أقاليم، يشكو اضطهاد العاصمة وسطوة مقاهيها ونُقّادها، غير أنه لم يعتنِ يوماً بغير قارئه مُستغنياً، به عن كل أشكال السُلطة الرسمية وغيرها، فوجد مكانه مرتاحاً، في الذاكرة الجمعية لمرحلة زمنية فارقة في التاريخ المصري. وأضاف "الوداع المهول لم يكن لجسد كاتب، لكنه كان وداع صبية الأمس لسنواتهم الجميلة، بعدما صدقوا أخيراً أنهم كبروا، وأن مواجهة الواقع المؤسف مُنكسرين، هي قصتهم الجديدة".

الروائي السوداني حمور زيادة أثناء مداخلة بالندوة

مقروئية من الملايين

وطالبت منصورة عز الدين، بضرورة تقديم دراسة لقراء أحمد خالد توفيق، متعجبةً كيف أن هذه الملايين التي قرأت أعماله لم تقرأ في معظمها لكتاب آخرين، لافتةً إلى أن المشهد الثقافي المصري أصبح يعاني من وجود عدة عوالم ثقافية، تسير بالتوازي، لا يعرف بعضها بعضاً، ويرفض كل منها الاعتراف بالآخر، مشيرةً إلى أنه إلى جانب الأعمال الجماهيرية، والأعمال المسماة رفيعة، "هناك أدب الهامش، وأدباء يحاربون من أجل التواجد، في تجاهل تام لكتاباتهم من الجميع، علماً بأنّ أعمالهم لا تقل تميزاً".

سيد محمود: توفيق "قاطع طريق" وهو الكاتب الوحيد الذي صنع نجاحه الجماهيري خارج دوائر الأدب التقليدي

الحديث عن عالم أحمد خالد توفيق لم يقتصر خلال الندوة على قراءات قدمها نقاد ومحررو ثقافة متخصصون، بل شارك في النقاش كتاب شباب تتلمذوا على كتابات أحمد خالد توفيق، مثل سالي عادل، والتي اعتبرها توفيق امتداداً لمشروعه فى الكتابة، الذي قدمه فى سلسلة "ما وراء الطبيعة". كما شارك في الحوار الكاتب والروائي أحمد عبد المجيد الذي نشأ طفلاً على متابعة سلسلة ما وراء الطبيعة، حتى أصبح الآن روائياً، وصلت روايته الأولى "ترنيمة سلام"، إلى القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد للكتاب، فرع المؤلف الشاب دورة 2015.

وخلُصت الندوة إلى أنّ الجدل الكبير الذي أحدثه رحيل توفيق، يشير إلى وجود حاجة ماسة، لدراسة كتاباته، وغيرها من النصوص التى تمتعت بجماهيرية وشعبية جمعت حولها أجيالاً جديدة من القراء، ما كان لها أن تسلك هذا الطريق، لولا شغفها بما كان يقدمه أحمد خالد توفيق.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف أصبح الطفل نواف أيقونة الحرب السورية؟

2019-07-17

يستلهم الأدب عادة الواقع الذي نعيشه، ليبدأ في سرده وتوثيقه، كمحاولة لفهم ما الذي حدث، وأيضاً حتى تعرف الأجيال المقبلة ما حدث، من هذا الأدب ما يعرف بـ "أدب الحرب"، تلك الكتابات التي خرجت من رحم المعارك والحروب، تحكي عن الناس والحياة والأماكن في ظلّ تلك المواجهات، من تلك الروايات رواية "نواف – حكاية طفل سوري"، الصادرة مؤخراً في القاهرة، عن مركز القاهرة للدراسات الكردية، من تأليف الكاتب والصحفي اللبناني، فادي عاكوم.

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية عبر أكثر من مكان

تسرد الرواية رحلة عائلة ساقها حظها بالصدفة لمشاهدة ويلات الحرب السورية، عبر أكثر من مكان، بدأت الرحلة برغبة الأب في التوجه من دمشق، مقرّ إقامته، إلى مدينة الرقة؛ ليزور عائلته، لكنّه في الطريق فوجئ بالعديد من الحواجز الأمنية التي تستوقفهم، وتسأل بصرامة شديدة عن وجهتهم، ما دفعهم لقضاء العديد من الساعات الطويلة في الطريق، بسبب تلك الحواجز، ليكتشف الأب أثناء الطريق أنّ مواجهات ومناوشات مسلحة تحدث الآن بين النظام الحاكم وتنظيم داعش، إلى جوار العديد من التنظيمات المسلحة الأخرى.
يستطيع الأب أن ينهي رحلته إلى الرقة، لكن بعد العديد من العقبات والمصاعب، التي انتهت بوفاة والدته، السيدة المريضة التي لم تتحمل أهوال الرحلة فماتت في الطريق، وعندما وصلت الأسرة إلى الرقة تحولت زيارتهم العائلية إلى مأتم، بدفن الأم والصلاة عليها.
رواية "نواف – حكاية طفل سوري"

نواف... بطل الرحلة
بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي؛ هو الطفل نواف، صاحب العشرة أعوام، ذلك الطفل الذي كبر عمره يوماً بعد يوم؛ من هول ما شاهده، فطفل في ذلك العمر، رأى وفاة جدته، وشاهد مواجهات مسلحة، بين العديد من التنظيمات المقاتلة، من المؤكد أنّه لن يظلّ طفلاً صغيراً، وزاد من تلك العقبات قرار الأب بالعودة إلى دمشق منفرداً؛ كي يحضر المال اللازم الذي سيساعدهم على الفرار من سوريا نهائياً، عاد الأب إلى دمشق في سرية تامة، ولم يخبر سوى الابن، نواف؛ لأنّه توسم فيه رجلاً كبيراً عركته الحياة بعدما شاهده في رحلته من دمشق إلى الرقة، وفور خروج الأب من الرقة أحكم تنظيم داعش سيطرته على المدينة، وأعلنها ولاية تابعة لتنظيم "الدولة الإسلامية" في العراق والشام.

اقرأ أيضاً: "أخوّة السلاح...مذكرات الثورة السورية": سردٌ عميق يثير الأوساط الأمريكية
الرواية تضمّ جانباً تسجيلياً وتوثيقياً لما اقترفه تنظيم داعش في الأماكن التي أحكم سيطرته عليها، وكيف أنّه طبق أحكام الشريعة فيما يخص الحدود على الفور بمجرد سيطرته على الرقة، وتحريمه العديد من ملذات الحياة؛ بدعوى أنّها من المحرمات التي تضعف القلوب، وتشير أيضاً إلى الأفكار شديدة التطرف التي تمتع بها تنظيم داعش، وكيف أنّ الدواعش لم يكونوا متهاونين أبداً في أيّ ردّ فعل على أيّ تجاوز من سكان المدينة، بعواقب قد تصل إلى حدّ الإعدام.
الكاتب والصحفي اللبناني فادي عاكوم

سوريا في ظل حكم التنظيم
بعد سفر والد نواف إلى دمشق من أجل إحضار المال، قرر العودة سريعاً إلى الرقة، لاصطحاب الأسرة في رحلة جديدة، لكنها خارج سوريا بالكامل هذه المرة، غير أنّه قبض عليه على مشارف الرقة، وللصدفة عثر رجال التنظيم على علبة سجائر وبعض الأموال في حوزته، فظنوه عميلاً للنظام الحاكم في سوريا، ليقرروا صلبه وسط المدينة ليشاهد الناس عقوبة من يتعاون مع النظام الحاكم.

بطل الرحلة الرئيس الذي ركّز عليه الراوي هو الطفل نوف الذي كبر عمره من هول ما شاهد

قتل والد نواف أمام عيني طفله، الذي لم يصبح صغيراً، وظلّ معلقاً لأيام ثلاثة على صليب خشبي كي يشاهده الناس، ثم أفرج التنظيم عن جثته كي تدفنها الأسرة، بشرط ألا يصلوا عليه؛ لأنّه كافر ملحد، من وجهة نظرهم.
استقبلت الأم الخبر بقلب حزين، وعقل قرر استكمال ما بدأه الأب، فالرجل الذي دفع حياته ثمناً لنجاة أسرته يجب أن يتحقق حلمه حتى بعد الوفاة، هنا تبدأ الأم رحلة جديدة للهرب من سوريا بصحبة طفليها، وفي تلك الرحلة يرصد المؤلف الأوضاع السورية في ظلّ الحرب، وكيف انتشر سماسرة تهريب الأشخاص من الداخل السوري إلى أوروبا، وكيف أنّ تنظيم داعش نفسه كان يغضّ الطرف عن عمليات التهريب تلك في مقابل الأموال التي يحصل عليها من المهربين.

 الحدود التركية السورية

على حدود تركيا
وصلت الأسرة إلى الحدود التركية، غير أنّ المهرب قد خدعهم عندما أخبرهم أنّ حرس الحدود التركي لن يتعرض لهم؛ بعد أن وجدوا أنفسهم تحت النيران التركية، التي حصدت أرواحهم، ومع بداية الضرب سقطت والدة نواف قتيلة، الدهشة التي عاشها نواف، ذو العاشرة، أفقدته توازنه، ثم ما لبثت سريعاً أن أضافت إلى عمره العديد من الأعوام، التي أهّلته لأن يكون رجلاً يحكم التصرف، فقام بمساعدة البعض بدفن أمه، ثم قرر أن يكمل الرحلة بمصاحبة أخيه، آخر من تبقى من العائلة، الرحلة التي بدأها الأب، وحاولت جاهدة أن تنهيها الأم، رحلة الوقوع تحت أسر مشهد الحرب السورية، التي حصدت أرواح الجميع دون أن تفرق، مشهد تنظيم الدولة الإسلامية الذي أحضر أفكاراً انتهت منذ مئات السنين، كي يطبقها اليوم في العصر الحديث.

أيقونة الحرب السورية
يقرر نواف أن يكمل الرحلة، بعد أن صار رجلاً، مصطحباً أخاه الصغير، غير أنّه ونتيجة انتقاله فقد أخاه الصغير أيضاً برصاص التنظيمات المقاتلة، وفي تلك اللحظة أصبحت الحياة غير مفهومة بالنسبة إلى الطفل نواف، فقد الجميع، والده، ووالدته، وأخاه، ومن قبلهم جميعاً جدته، ولم يتبقَّ سوى نواف، وحيداً في ذلك العالم الذي لا يرحم.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون.. والثورة السورية
نواف نستطيع أن نعتبره أيقونة الحرب السورية التي صنعها الراوي بامتياز، سارداً في خلفية الرحلة مصاعب الحياة التي خلفتها الحرب، وكيف أنّ الجميع انقسم على نفسه لتمتلئ سوريا بالتنظيمات العديدة المتناحرة، وكيف أنّ شمل العائلة قد تمزق، كما تمزق الوطن، وكيف أنّ جميع الأحباء رحلوا، ليتركوا الطفل نواف وحيداً في ذلك العالم، ليقرر الطفل مواجهة ذلك العالم بقلب غير واهن، وعقل زادته المحنة أعواماً على أعوامه الحقيقية.

للمشاركة:

لماذا يعتبر المثقفون أغنية التكنو شعبي سرطاناً فنياً؟

2019-07-10

انشغل الشارع العام المصري، بصراع نشأ بين اثنين من مؤدي أغانٍ تُعرف بـ "المهرجان"، صراع هاجمه المثقفون، باعتبار أنّ طرفيه أشبه بتجار المخدرات، كما زعموا، غير أنّ سؤالاً طرح نفسه، حول ملايين المتابعين لتلك النوعية من الغناء!

إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة عندما قدّم المطرب الشعبي جمال السبكي أغنية "هنروح المولد"

انتشرت أغنية المهرجان، أو أغاني التكنو شعبي، في مصر، عقب أحداث كانون الثاني (يناير) 2011، وأصبح صخبها هو المسيطر، على مدار الأعوام العشرة الأخيرة، وظلّ أيّ مثقف محبّ للغناء الكلاسيكي عدوّاً لأغنية المهرجان، بيد أنّ صنّاع تلك النوعية من الغناء تمددت سيطرتهم لتخرج ألحانهم بعيداً عن أسوار القرى الفقيرة التي احتضنت حفلاتهم في البداية، لتقتحم مناطق الأثرياء.
التطور السريع الحاصل لأغنية التكنو شعبي سببه الرئيس محاولة سكان القرى والأحياء الشعبية خلق بديلٍ لأفراحهم، أكثر بهجة، وأقلّ تكلفة.
إرهاصات أغنية المهرجان بدأت أوائل الألفية الثالثة؛ عندما قدم المطرب الشعبي، جمال السبكي، أغنية "هنروح المولد"، على أنغام موسيقى السمر، بمصاحبة الأورج الكهربائي، وهي موسيقى شعبية انتشرت في أفراح المصريين في العقود الثلاثة الأخيرة.

أصبح صخبها هو المسيطر على مدار الأعوام العشرة الأخيرة
صاحب انتشار تلك الأغاني الشعبية آلة الـ "دي جي"، في أفراح الريف والأماكن الفقيرة.
و"دي جي"، اختصار لكلمة "دِيْسْكْ جُوكِيْ"(Disc Jockey)، ويقصد بها مقدّم الأغاني المسجلة؛ أي الشخص الذي يتولى اختيار وتقديم الأغاني والألحان المسجلة مسبقاً للجمهور.

اقرأ أيضاً: هذا ما تفعله الموسيقى الحزينة بمرضى الاكتئاب
تحوّل صاحب الـ "دي جي" إلى دور الـ "نبطشي" الذي يشجع الجمهور، لكن هذه المرة لمشاركة الشباب الرقص وإضفاء حالة من البهجة أثناء الغناء، يصدر بعض الجمل التشجيعية بمصاحبة موسيقى السمر التي تلاعب فيها باستخدام برامج الريمكسات، لتصبح أقرب إلى الموسيقى الصاخبة التي اشتهرت بها موسيقى الهيب هوب، والروك، والراب، والميتال.
الحديث عن تطور أغاني الأماكن الشعبية في مصر يجب أن يسبقه الحديث عن أغانٍ قريبة الشبه، ظهرت في أمريكا قبل ثمانية عقود.
الموسيقى الشعبية الأمريكية
انتشرت موسيقى "الهيل بيلي"، أو الموسيقى الريفية، في الولايات المتحدة الأمريكية، خلال العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين، وكان أغلب الموسيقين عمالاً في مصانع النسيج أو مناجم الفحم، ومزارعين وعمالاً في السكة الحديدية، ورعاة بقر، ونجارين، وسائقي عربات شحن، وعمالاً عاديين، وحلاقين.

اقرأ أيضاً: مهرجان مكناس لآلة القانون يعيد للموسيقى مجدها العريق
أيضاً كان للزنوج في أمريكا أغانيهم الشعبية، والتي تسمى "البلوز"، وهي أغانٍ خاصة بالريف والأماكن الفقيرة يغنيها أصحابها ليرقصوا عليها، ويحترفها عمال وفلاحون.
في الأربعينيات بدأت ملامح موسيقى شعبية أخرى تظهر في أمريكا، عبارة عن مزيج بين موسيقى "الهيل بيلي" التي يغنيها فقراء البيض، وموسيقى "البلوز" التي يغنيها فقراء السود في أمريكا، أطلق عليها موسيقى "الروك"، موسيقى تعتمد على ثلاث آلات رئيسة: الجيتار الكهربائي، والبيس جيتار، والدرامز.

الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"
عام 1970؛ ظهرت موسيقى الـ "هيب هوب"، التي اعتُبرت حركة ثقافية للأمريكيين الأفارقة، والتي نشأت ردّ فعل لما تعرضوا له من العنصرية، ولإظهار ثقافة وفنّ مستقلّ خاصّ بهم، وكنوع من التعبير عن أنفسهم، وعن المشاكل؛ من الفقر، والبطالة، والعنصرية، والظلم.

صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة

وكان ضمن فوائد تطوير ثقافة الـ "هيب هوب" إشغال الشباب السود في أمريكا في الرقص والغناء، بدل الانضمام للعصابات والعنف والمخدرات.
الـ "هيب هوب" كان من ضمنها موسيقى "الراب"، والتي كانت في بدايتها عبارة عن شخص يصعد إلى المسرح ليصدر عبارات تشجيعية للجمهور أثناء العزف، ثم تطورت إلى أغنية الراب بشكلها الحالي، صاحب الهيب هوب أيضاً رسم "الجرافيتي" على الجدران، العلاقة بين الكتابة على الجدران وثقافة الهيب هوب نشأت حين كان أوائل فناني الكتابة على الجدران عناصر في فرق الهيب هوب، والتي كانت في مناطق فيها عناصر أخرى من الهيب هوب، فأصبحت كلّ مجموعه تطور أشكالها الفنية، وكانت الكتابة على الجدران تستخدم كنوع من التعبير من قبل النشطاء السياسيين، وصاحب الهيب هوب رقص البريك دانس، كلّ ذلك إلى جانب  الـ "دي جي"، ومعظم هذه الأغنيات الشعبية كانت تهاجَم في أمريكا؛ باعتبارها تدعو إلى العنف والفاحشة لكن ما حدث بعد أعوام؛ أنّها أصبحت الأشهر في العالم.
التكنو شعبي
صعود أغنية التكنو شعبي في مصر إلى صدارة المشهد وثيق الصلة بتطور الأغنية الشعبية في ثقافات مختلفة، ورغم إعجاب المجتمع المصري بأغاني الراب في الغرب، أو أغاني الراي في شمال إفريقيا، إلا أنّ هجوماً شرساً يقوده المثقفون، يقع في الغالب على أغنية التكنو شعبي المصرية.

اقرأ أيضاً: مشايخ في سماء الطرب والموسيقى
ورغم أنّ ظهور أغنية التكنو شعبي في القاهرة بدأت ملامحه عام 2009، غير أنّ انتشارها الكبير حدث بعد أحداث الربيع العربي، وتبنَّت بعض فرق المهرجانات إصدار أغنيات سياسية لرصد المشهد العام، كان أشهرها مهرجان قدمه السادات وفيفتي، بعنوان "أنا نفسي بس في رئيس"، لدعم مرشّح اليسار المصري في الانتخابات الرئاسية عام 2012.
وأصبح الخطّ السياسي، إلى جانب انتقاد الأوضاع الاجتماعية، محطّ اهتمام فرقة السادات وفيفتي، إلى جانب رصد الوضع الاجتماعي العام، وهو محلّ اهتمام أغنية التكنو شعبي في العام، ربما كان ذلك من أسباب زيادة جمهورهم في ظلّ أوضاع سياسية متأججة منذ أعوام.

 

انحطاط الذوق العام
أستاذ النقد الموسيقي بأكاديمية الفنون، زين نصار، يرى أنّ "أغاني المهرجان نوع من السرطان الغنائي"، ويوضح في تصريح لـ "حفريات": "أغاني المهرجانات شديدة الضرر بالناس والمجتمع، وتضرّ بالذوق العام، إلى جانب استخدامها ألفاظ منحطة".
من جانب آخر، يرفض مؤسس باند "ملكوت"، العازف شادي رباب فكرة الذوق الفاسد، ويقول لـ "حفريات": المجال عبارة عن ساحة، ومن يستطيع الحصول على محبة الجمهور فأهلاً به"، ويستكمل رباب: "أوكا وأورتيجا، مثلاً، حصل مشروعهما الغنائي على جائزة عالمية في الموسيقى، باعتبار أنّهما مؤسسا ذلك النوع من الموسيقى الجديدة التي لم تكن معروفة".

اقرأ أيضاً: هل كان زرياب المبدع الأول لموسيقى الروك آند رول؟
في سياق مختلف، يتساءل أستاذ النقد بأكاديمية الفنون، الشاعر شوكت المصري، عن ظاهرة أغنية المهرجان: "هل صعود أغنية المهرجان بدأ كردّ فعل على سيطرة رؤوس الأموال على الإنتاج الفني في أعوام ما بعد التسعينيات وحتى قيام أحداث يناير؟".
ويضيف المصري: "نجاح أغنية المهرجان في اجتذاب أعداد كبيرة من الجمهور يرجع إلى عدة أسباب، منها عدم وجود دعم فنّي حقيقي، والتقصير في الدعاية والتسويق للمنتج المتميز، وسيطرة شركات الإنتاج".

للمشاركة:

في ذكرى اغتياله: هكذا أنقذ غسان كنفاني الحكاية عن فلسطين

2019-07-08

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد، فهو المدرس والكاتب والمفكر والمسؤول السياسي المناضلُ والعاشق، لذا فإن ذكرى اغتياله السابعة والأربعين التي تحل اليوم، تظل رمزيةً؛ لأنها لم تستطع إنهاء حياة الفلسطيني الأول في مسيرة أدب المقاومة.

اقرأ أيضاً: غسان كنفاني: رواية لم تكتمل
سيرة غسان حافلة بمثل ما هي سيرةٌ فلسطين، حيث الحب والوطن والحياة والموت، بللت جميعها قلمه ليكتب بحبرٍ امتزج بمشاعر وأفكار الفلسطينيين والعرب والعالم أجمع بحق قضيةٍ لا تموت، يدافع عنها صاحب المقولة الشهيرة "شيء مضحك أن يضع الإنسان نفسه في سيارة مستفيداً من الحضارة، ثم تبقى المسافة بينه وبين إنسانيته معطلة تماماً".

كان غسان كنفاني أشخاصاً كثيرين في هيئةِ رجلٍ واحد

الطريق الوعر
بالكاد وُجدَ في هذه الحياة يوم التاسع من نيسان (إبريل) 1936، حيث كاد يموت مختنقاً أثناء ولادة أمه له. لكن غسان المولود في عكا؛ نجا مؤقتاً، ليختبر ألم الوجود لاحقاً. فالطفل الذي ما إن كبر حتى دخل مدرسة (الفرير) في مدينة يافا الفلسطينية، ما لبث أن خرج منها بعد سنواتٍ قليلة على دراسته الابتدائية، حيث أسهم "قرار تقسيم فلسطين، واعتداءات الصهاينة على مدينة يافا، ومن ثم عكا في 1947 ولاحقاً في 1948" إلى تهجير عائلة غسان مع عائلاتٍ فلسطينيةٍ عديدة نحو لبنان أولاً، ومن ثم إلى سوريا، وفقاً لكتاب "اليوميات: مختارات من دفتر غسان كنفاني" الصادرة عن دار "راية" في 2018.

كتب كنفاني القصة القصيرة لأنه كان يعرف مصير الحكايات التي لا نكتبها: إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا

هكذا، بدأ كنفاني طريقه وعراً؛ لأنه منذ البدايةِ أبعده عن الوطن، لاجئاً، وربما مشرداً، وباحثاً مع عائلته عن حياةٍ أخرى مؤقتة، فغالباً ما بحث الفلسطينيون في بداية الاحتلال الصهيوني عن حيواتٍ لا تدوم بعيداً عن الوطن. وبالفعل لم يبتعد غسان في دمشق عن فلسطين، فبعد إنهائه دراسته الثانوية هناك، ومن ثم مرحلة الدراسة الجامعية، حيث درس اللغة العربية وآدابها في جامعة دمشق، كان بحلول العام 1955 منضماً إلى "حركة القوميين العرب" وذلك بعيْد انتقاله للتدريس في دولة الكويت، إذ كان في ذلك الوقت قارئاً نهماً يمهل الكتابة إلى حين. لكن لم تطل به المدة حتى بدأ عمله في "صحيفة الحرية كمحرر، ثم انتقل إلى صحيفة (المحرر) ليصبح كاتب مقالاتٍ تلفت الانتباه، بعد ذلك، اختار غسان طريق القصة القصيرة، فكتب في الكويت أولى قصصه: القميص المسروق". بحسب الموقع الرسمي لكنفاني على شبكة الإنترنت.
سيرة الشجر والفكرة والناس
شهرته ككاتبٍ رافقته منذ البداية، فأخذ يكتب قصصه تباعاً، ورغم أنّه لم يستلهم شيئاً خارج إطار فلسطين، إلا أنّه كان، برأي العديدين، أول كاتبٍ فلسطيني، ومن أوائل الكتاب العرب، الذين جعلوا من قضاياهم وحقوقهم مسألةً عالميةً في الأدب، بعيداً عن الخطابة والالتزام السطحي، فتشهد قصصه "سيرة الشجر والمدينة والقرية والفكرة والناس على مختلف طبقاتهم الاجتماعية وثقافتهم، كما أنه يتعامل مع الإنسان زمنياً في مختلف مراحله، ولا يسقط الوعي إسقاطاً، كنفاني يتعامل مع الوعي الذي يعطيه إياه الإنسان ويمنحه إياه الزمان والمكان والأم البسيطة والرجل المثقف، والخائن القذر، والحزبي الغارق في الالتزام ..." بحسب ما تراه الكاتبة منار حسن فتح الباب، في دراستها عن أدب غسان وأسلوبه الروائي، ونشرت عن "هيئة قصور الثقافة المصرية" في 2003.

اقرأ أيضاً: 10 حقائق قد لا يعرفها الكثيرون عن غسان كنفاني
ولا يمكن بأي حال، اختزال تجربة كنفاني الروائية والقصصية على شدة تنوعها وعمقها وجمالها الأدبي والوجودي والإنساني، فصاحب "أرض البرتقال الحزين"، و"ستة نسور وطفل"، و"كعك على الرصيف"، كان كونيَ التفكير بحسب ما يقوله أصدقاؤه، ويريد أن يكتب كل الحكايات، خصوصاً عن فلسطين، لأنه، كما رأى الروائي إبراهيم نصر الله في ذكرى غسان السادسة والأربعين العام الماضي، "الحكاية التي لا نكتبها، حكايتنا التي لا نكتبها، أتعرف ماذا يكون مصيرها؟ اسمح لي يا غسان، أن أسألك، أسألك من قلبي، فأمامك يمكن أن أصرخ أو أجنّ وألا أحسّ بإحراج، لأنني أحدِّثك أنتَ، لأنك منا؟ هل تعرف ما مصير الحكايات التي لا نكتبها؟ إنها تصبح ملْكاً لأعدائنا!".

من أعمال كنفاني

الموت يزور رجلاً لا يموت
بالترافق مع مسيرته الروائية والأدبية والفكرية، أخذت توجهات كنفاني النضالية تتضح بصورةٍ أكبر في نهاية الستينيات، فلم يكتف بالكتابة، إذ أصبح "عضواً غير منتظم في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، ومن بيروت نسج علاقاتٍ واسعة مع الثوريين العالميين وليس الفلسطينيين والعرب فقط، كما تصدر العديد من الأحداث السياسية كناطقٍ إعلاميٍ حول العمليات المتعلقة باختطاف الطائرات من قبل الجبهة الشعبية من أجل المطالبة بتحرير أسرى فلسطينيين سواء في الأردن عام 1970، وحادثة الطائرات هناك، أو في قلب (إسرائيل) قبل ذلك، في حادثة اختطاف طائرة إلعال في 1968 واتهم غسان بالتخطيط لتلك الأخيرة" وفقاً لمجلة الآداب اللبنانية في عددٍ عن غسان صدر عام 1973.

شكل غسان كنفاني خطراً على الرواية الصهيونية عن فلسطين من كل نواحيها وكان لا بد للعدو أن يسلب حياته

شكل الكاتب إذاً، حياةً حافلةً حوله، سياسياً وأدبياً، وإنسانياً بالطبع، فهو من عشق الكاتبة الشهيرة غادة السمان، وتبادل معها رسائل حبٍ خالدة تعد من أجمل ما كتب حول الحب في القرن العشرين، وهو الزوج الذي تزوج لاحقاً من الدنماركية آني هوفر، وبقي مخلصاً في علاقاته للحب مهما كانت نتائجه، بل إنّ المرأة طالما تمتعت في أعماله "بشخصيةٍ صلبةٍ ومميزة مهما كان دورها" وفقاً للموقع الرسمي للكاتب.
لقد كتب غسان في صحفٍ عديدة، وتنوعت مقالاته، وله أكثر من ثمانية عشر كتاباً وعدة مسرحياتٍ وروايات وكتاباتٍ ساخرة باسمٍ مستعار، اشتهر منها الكثير كروايات "أم سعد" و"ما تبقى لكم" و"عائد إلى حيفا" ومجموعات قصصية مثل "القميص المسروق" و"موت سرير رقم 12" وكذلك مسرحيته المعروفة "القبعة والنبي". ولعل موت كنفاني، لم يكن مقروناً بأن الموت يجهل أنه يهاجم رجلاً لا يموت، بل يكمن في أنه كان، وفقاً للشاعر الفلسطيني محمود درويش، رجلاً "موجوداً في الريح، وعلى سطوح منازل الجيران، وفي ملفات التحقيق... رجلاً كان يشبه الوطن، والوطن يشبهه". ولذلك، شكل اغتياله من قبل الموساد الصهيوني من خلال تفجير سيارته في بيروت عام 1972، محاولةً صهيونية لسلب حياة غسان كنفاني، الذي شكل خطراً على الرواية الصهيونية بجميع أبعادها، فهو المحرض على الحب قبل كل شيء، وهو الرجل الذي لم يترك للأعداء فرصةً للاستيلاء على أية حكايةٍ عن فلسطين.

للمشاركة:



عشرات القتلى والجرحى في هجوم بمقديشو.. من المسؤول؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

قُتل 17 شخصاً، على الأقل، وأصيب 28 آخرون، في انفجار وقع أمس، خارج فندق بالقرب من مطار العاصمة مقديشو.

مقتل 17 شخصاً على الأقل وإصابة 28 آخرون في انفجار وقع أمس خارج فندق بالقرب من مطار مقديشو

وفي التفاصيل، وفق وكالة "الأناضول": استهدفت سيارة مفخخة نقطة تفتيش أمنية في أحد الشوارع المؤدية إلى مطار مقديشو الدولي.

من جانبها، أعلنت حركة الشباب الصومالية، في بيان، مسؤوليتها عن التفجير، وقالت: إنّ "العملية تكللت بالنجاح، وأسفرت عن خسائر بشرية، دون توضيح عدد القتلى".

وجاءت الحادثة بعد أسبوعٍ من هجوم شنّه متشددون في حركة الشباب على فندق في مدينة كيسمايو الساحلية، جنوب الصومال، وأسفر عن مقتل 26 شخصاً، في واقعة هي الأعنف من نوعها في الصومال، منذ عام 2012.

ويخوض الصومال حرباً منذ أعوام ضدّ "حركة الشباب"، التي تأسست مطلع 2004، وهي حركة مسلحة تتبع فكرياً تنظيم "القاعدة" الإرهابي، وتبنت العديد من العمليات الإرهابية التي أودت بحياة المئات.

حركة الشباب تعلن مسؤوليتها عن التفجير، وتقول إنّ العملية تكللت بالنجاح، وأسفرت عن خسائر بشرية

يذكر أنّ حركة الشباب الصومالي كانت قد أعلنت انضمامها للقاعدة عام 2009، وبعد مقتل بن لادن في 2011، بايع "أبو الزبير"، أمير الجماعة، أيمن الظواهري، معلناً تجديد الولاء لرئيس التنظيم الجديد.

ومنذ ذلك التاريخ، استمرت الحركة بالقيام بعمليات تؤكد انتماءها إلى تنظيم القاعدة، حتى أقدمت على تنفيذ عملية إرهابية استهدفت مشجعين لكرة القدم في العاصمة الأوغندية كمبالا، أسفرت عن مقتل 76 شخصاً، وكان ذلك أول هجوم أعلن من خلاله تنظيم الشباب انتماءه إلى القاعدة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يتكبّدون خسائر فادحة على جبهات القتال.. في هذه المناطق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

هاجمت قوات الجيش اليمني ومقاتلات التحالف العربي، أمس، ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، في محافظات البيضاء والضالع وصعدة جنوب وشمال البلاد، وكبّدتها خسائر فادحة.

ففي محافظة البيضاء؛ قُتل وجرح 6 من الحوثيين في معارك مع الجيش الوطني بجبهة ناطع.

وقالت وزارة الدفاع اليمنية: إنّ "المعارك اندلعت أثناء محاولة عناصر من الميليشيا التسلل باتجاه مواقع الجيش الوطني في جبل "القرحاء" و"شعب المسوح" و"شعب صرام" في جبهة ناطع شرق البيضاء".

الجيش اليمني والتحالف العربي يهاجمون ميليشيا الحوثي الإرهابية في البيضاء والضالع وصعدة

وتمكّنت قوات الجيش الوطني من إحباط محاولة التسلل للحوثيين وإجبارهم على الفرار بعد قتل 4 من عناصرهم، وإصابة 2 آخرين، وفق ما نقلت وكالات أنباء ومواقع يمنية.

وفي محافظة الضالع؛ شنّت مقاتلات التحالف العربي غارات جوية عدة على مواقع ميليشيا الحوثي الانقلابية في جبهة "حجر" شمال مديرية "قطعبة".

وأسفرت الغارات عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الميليشيا الحوثية، فضلاً عن تدمير عدد من الآليات التابعة لها.

وفي معاقل الحوثيين بصعدة؛ استهدفت مدفعية الجيش الوطني تجمعاً للميليشيا الانقلابية في مديرية "كتاف"، شرق المحافظة، عند مدخل وادي "الفحلوين"، ما أسفر عن مقتل وجرح عدد من العناصر الحوثية، إضافة إلى تدمير عربة عسكرية تابعة لهم.

وكانت قوات الجيش اليمني قد حرّرت خلال الفترة الأخيرة مناطق ومواقع في محافظة البيضاء، مكبّدة الانقلابيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

 

للمشاركة:

وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية