لماذا لم يتبنَّ تنظيم داعش مجزرة الروضة؟

3178
عدد القراءات

2017-12-06

تتصاعد نزعات التطرف لدى التنظيمات الإرهابية كلما تعرضت لمزيد من الهجمات من الدولة في محاولة لاستئصال شأفتها، وسقوط قياداتها وعناصرها بين قتيل وجريح، ووقوعها في حصار مطبق، فيزداد سخطها على محيطها المجتمعي، الذي ترى فيه "جاهلاً" تمكن منه "الكفر والردة"، فترك العصبة "المجاهدة المؤمنة" تتعرض للقتل والحصار دون أن يهب للدفاع عنها أو الالتحاق بها، فيتحول هذا المجتمع في تصور الجماعة الإرهابية ووجدانها إلى عدو يحل دمه وماله.
وتتسع دائرة أعداء التنظيمات الإرهابية شيئاً فشيئاً حتى تطال الإنسانية جمعاء، فلا تبدأ باستهداف النظام الحاكم بكافة شرائحه، بل تخص بالاستهداف في البداية قوات الجيش والشرطة، وعندما لا تؤتي تلك الهجمات ثمارها، تتسع الدائرة لتشمل ما يطلقون عليهم "الأعوان"، وهي مفردة تشير إلى كل من يتعاون مع النظام الحاكم، ملصقين بهم أحكام التكفير بالتبعية، ثم تتسع الدائرة أكثر لتشمل كل من يؤيد النظام الديمقراطي بمجرد المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية، ثم تلتهم تلك الدائرة الجهنمية المدنيين باعتبارهم يعيشون تحت مظلة "دار الكفر" ولا يلتحقون بمعسكر المؤمنين "دار الإسلام" بدعوى أن حجتهم بعدم الالتحاق داحضة، بعد وجود ولاية لها أمير مبايع يحكم بشرع الله -وفق اعتقادهم- أما عن السيطرة على الأرض فهي ليست ضرورية لإعلان الولاية أو الإمارة أو الخلافة الإسلامية!

اللافت أن تنظيم القاعدة هو الذي تكفل بإثبات التهمة على خصمه "داعش"

ضربت الجماعة الإسلامية المسلحة في الجزائر "جيا" خلال العشرية السوداء في التسعينيات مثالاً صارخاً في كيفية تحول التنظيم من الحرب ضد الدولة إلى استهداف قرى بأكملها، بما فيها من النساء والشيوخ والأطفال بالذبح والتقتيل، كما ضرب تنظيم "داعش" في العراق وسورية مثالاً للتغييرات في أجندة استهدافه، فمن قتال القوات الأمريكية إلى إشعال لهيب الحرب ضد الطائفة الشيعية، وصولاً بالحرب ضد العشائر والجماعات السنية "الصحوات"، كما بدأت جماعة أنصار بيت المقدس في سيناء بعدد من العمليات ضد إسرائيل، ثم تحولت لقتال الجيش والشرطة، ومن يشتبه في التعاون معهما، ثم استهداف الأقباط وقتل سائقي الشاحنات وصولاً لاستهداف المصلين في المساجد.
صمت إرهابيّ مطبق
عندما أوقع ما يزيد على 35 إرهابياً تابعين لتنظيم "داعش سيناء" 305 قتلى من المدنيين، بينهم 27 طفلاً بدم بارد، فضلاً عن عشرات المصابين، في مجزرة هي الأولى من نوعها، كان مسرحها مسجد بلال في قرية الروضة ببئر العبد في شمال سيناء، لم يعلن التنظيم عن تبنيه لتلك العملية، ولم يتبرأ منها في الوقت ذاته، فيما سارعت تنظيمات إرهابية أخرى لنفي علاقتها بالحادث المروع، في محاولة منها لتأكيد التهمة على التنظيم "المنافس لها" أو حصاره إعلامياً -عبر سلسلة من بيانات الشجب والإدانة- حتى يدفعه لتبني تلك العملية وإزاحة آثارها السلبية عن بقية التنظيمات الأخرى، التي تحاول الاتكاء على حواضن شعبية في صفوف الإسلاميين المعارضين للإطاحة بنظام الرئيس الإخواني السابق محمد مرسي.
المدهش في الأمر، أنّ تنظيم القاعدة، هو الذي تكفل بإثبات التهمة على خصمه "داعش".. فبعد مرور أيام من وقوع المجزرة، وإصرار الأخير على صمته المطبق، وإعلانه عن عمليات هامشية قام بها، وتجاهله لمجزرة الروضة بثت عناصر تابعة لـلقاعدة في سيناء، وعبر موقع تليجرام للتواصل الاجتماعي، تسجيلات صوتية ملتقطة من إرساليات على أجهزة اللاسلكي "القبضات" قالت إنها تابعة لـــ"داعش سيناء"، يكشف فيها عناصرهم عن ارتكابهم للهجوم على قرية الروضة.

بيان مدسوس

وعندما نشر حساب مجهول على "تويتر" بياناً تدعي فيها جماعة تطلق على نفسها "أبناء يسوع" تبنيها للمجزرة، رداً على تفجيرات الكنائس واستهداف الأقباط، شن عدد من الحسابات التابعة للقاعدة على مواقع التواصل الاجتماعي هجوماً حاداً على "داعش" متهمين إياها بأنها تقف وراء هذا البيان في محاولة منه لإدخال البلاد في حرب طائفية طالما سعى لها.
وحدد منبر سيناء، على "تليجرام"، المسؤولين عن المجزرة بالأسماء وهما : "أبو أسامة المصري وأبو صالح زراع" مطالباً بسرعة القبض عليهم وتقديمهم لمحاكمة شرعية تشكلها رؤوس القبائل.! مشدداً في الوقت ذاته على أنّ البيان الأخير لمن يطلق عليه "أبناء يسوع" فبركه التنظيم ليتهرّب من تحمل المسؤولية؛ "هذا البيان لن يجعلنا نحيد عن البحث عن الشخصين المخططين للمذبحة، ولن نهدأ حتى يقعا في قبضة أهالي القتلى وحينها يأخذ القصاص الشرعي مجراه الطبيعي".

حوار مسرّب يكشف أن العناصر المنفذة سوّقت العملية لقادتها على أنها معركة ضد مجموعة مسلحة

وسخر المنبر من بيان أبناء يسوع قائلاً "إن من كتب البيان من المجانين الذين لا يعرفون فطانة أهالي سيناء لمثل تلك الأساليب لإبعاد الشبهة عن الفاعل الحقيقي"... وكتب القيادي المصري المقرب من القاعدة هاني دهب، على حسابه الشخصي على "فيس بوك" إنه من السذاجة محاولة البعض التشويش على جريمة مسجد الروضة بسيناء ببيانات صبيانية تقول إنّ النصارى من فعلوها، مؤكداً أنّ من سجل محادثات الدواعش من على القبضات (ثقات) والتسجيلات معروفة الأصوات فيها بالاسم؛ في إشارة لأبو أسامة المصري وأبو صالح زراع، وشدّد دهب على أنّ البيان المزور من فعل "الدواعش" بعد أن فشلت كل محاولاتهم للتنصل من جريمتهم الواضحة.
فيما ذهب الباحث القريب من جماعة الجبهة السلفية أحمد مولانا، إلى أن تداول عدد من المواقع البيان غرضه الأساسي إبعاد الشبهة عن المتهم الرئيسي، وافتعال فتنة طائفية، وهو هدف سعت لتحقيقه "ولاية مصر" باستهدافها للكنائس في القاهرة والإسكندرية وطنطا وحادثة الدير بالمنيا، وحرصت عليه "ولاية سيناء" بتهجيرها لـ"النصارى" من العريش، وفي إصدار ولاية مصر المرئي "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة".
وأضاف: "يعتمد داعش في إستراتيجيته على إثارة النزاعات الطائفية والمذهبية، كي يحدث استقطاب قوي وتنهار مؤسسات الدولة المستهدفة، ومن ثم تنفتح أمامه مساحات واسعة تتيح له التمدد والحشد والتعبئة".

بصمات داعشية واضحة
وبعيداً عن آراء إخوة الإرهاب الأعداء "القاعدة، داعش"، فإنّ عدم إعلان داعش عن تبنّيه أم لا، دفع العديد من المراقبين لمحاولة فهم موقف التنظيم، وما يمكن أن يهدف إليه من وراء ذلك، وما إذا كانت هناك خلافات عقدية ومنهجية أدت إلى انقسامه بين متشدد وأكثر تشدداً، مما يعزز احتمالية أن يكون هناك جناح داخله قام بارتكاب المجزرة دون علم أو رغبة من الجناح الآخر، ما يؤدي إلى صراعات داخل التنظيم في المستقبل، وهو ما تشي به نماذج عديدة للجماعات التكفيرية عبر تاريخها.
لم يكن المراقبون بحاجة إلى بيان من فرع تنظيم "داعش" في سيناء يتبنى فيه تلك المجزرة، فبصمات التنظيم تجلت واضحة على كل جثة وقطرة دم سقطت في تلك البقعة، فضلاً عن أنّه كان قد أفصح عن مكنونه في إصداره المرئي "نور الشريعة" الذي جاء متطابقاً مع الحوار مع مسؤول مركز الحسبة، أحد هياكل التنظيم، ونشرته جريدة "النبأ" الإلكترونية الداعشية قبل 3 أشهر، وأعلن فيه عن نيته القضاء على مركز الصوفية الجريرية في العديد من الأماكن وخص منها "الروضة" تحديداً.

هناك خلافات تضرب داعش وهي في الأصل انعكاس للانقسامات التي ضربت التنظيم الأم في مسألة العذر بالجهل

ربما هذه المرة الأولى في سجل العمليات الإرهابية الأخيرة في مصر، التي تتسابق تنظيمات إرهابية في غسل يديها والتبرؤ من عملية قام بها تنظيم آخر، فتلك التنظيمات تضع ما يسمى بالحاضنة الشعبية في مرمى عينيها، فهي تسعى لكسب متعاطفين معها، وإيجاد مساحات ومسافات يمكنهم من خلالها تجنيد العناصر المفترضة، التي تقتطع مثل تلك العمليات من رصيد تجنيدها فضلاً عن الحواضن المتعاطفة.
لكن المعروف عن تنظيم "داعش" أنه لا يضع اعتباراً للحواضن الشعبية، مستنداً إلى أن مفهومه لتطبيق الشريعة يجب أن يكون مجرداً بعيداً عن أخذ اعتبارات الناس وتعاطفهم من عدمه في اعتباره، ومع ذلك فهو لم يتجرأ على إعلان تبنيه عن العملية وآثر الصمت.
إلا أن الفرع في سيناء له تمايزاته في هذه النقطة تحديداً، فقد كان يسعى لجلب تعاطف القبائل، وظهر ذلك في بياناته منذ بروزه بعد ثورة 25 يناير 2011، فقد وجه فيه عدد كبير من البيانات التي لعب فيها على إظهار احترامه للقبائل، وخاصة بعد كل عملية قتل لعدد من أفرادها بتهمة التعامل مع الإسرائيليين أو الدولة المصرية.
وعندما ذهبت مجموعات داخل التنظيم في سيناء للتصدي لأفراد من قبيلة الترابين بدعوى تجارتهم في السجائر المهربة، وأفضى ذلك إلى صدام مسلح، تدخل عدد من القيادات للحؤول دون استمرار الصراع مفتوحاً وهو ما أدى إلى انتهاء العمليات في النهاية.

تتحدث مصادر تكفيرية عن خلافات بين أبو بكر البغدادي زعيم داعش وفرع تنظيمه في سيناء

فكيف إذن ذهب التنظيم للصدام الدموي مع القبائل، بمجزرة حصدت أناساً عزلاً ينتمون في غالبيتهم لقبيلة السواركة ذات النفوذ والانتشار الضارب في شبه جزيرة سيناء دون حساب للنتائج الوخيمة!
لم تكن المرة الأولى التي يستهدف التنظيم فيها مدنيين، ففي أوائل الشهر الماضي قتل عناصر من التنظيم عدداً من سائقي الشاحنات أثناء مرورهم من مركز الحسنة في وسط سيناء.. أصاب الحادث الأهالي بالفزع فكان القتل الجماعي الأول لمدنيين علناً أمام المارة، إلا أنّ التنظيم لم يعلن عن تبنّيه لهذه العملية أيضاً.
قتل دون استتابة
عندما ضرب عناصر داعش عنق الشيخ سليمان أبوحريز ونائبه بالسيف في تشرين الثاني (نوفمبر) 2016، وبث المشهد المروع عبر فيديو بعنوان "نور الشريعة" تحدث مسؤول الحسبة عن أنّ عملية القتل كانت بتهمة السحر والتنبؤ بالغيب، وليس لأنه صوفي يتبع الطريقة الجريرية، فيما عرض الفيديو لمجموعة من الصوفية تم إلقاء القبض عليهم، وظهروا وهم يجلسون أمام شرعي من شرعيي التنظيم وهو يوضح لهم أن الطرق الصوفية مشركة وقبورية، وبعدما "استجاب" المعتقلون، أعلن مسؤول الحسبة الإفراج عنهم بعهد إقرارهم بعدم العودة، بيد أنه خصص غالبية الإصدار الذي جاء ما به من أفكار متطابقاً مع خطاب مسؤول مركز الحسبة في ولاية سيناء، والذي نشرته مجلة "النبأ" التابعة له، عن الطرق الصوفية في سيناء وكفرها وشركها وأنه يجب القضاء عليها.
إذن فقتل الصوفية "وفق منهج التنظيم" يستدعي استتابة المتصوفة بعد القدرة عليهم، لكن في الهجوم على قرية الروضة لم يمر التنظيم فيه على مرحلة الاستتابة بل أعمل آلة القتل فيهم دون استثناء لشيخ أو طفل.

قادم الأيام يشي بخلافات ضارية بين التكفيريين  ستعمل على القضاء عليهم بأيديهم كما حدث ذلك مرات عديدة

يبدو أنّ هناك خلافات تضرب التنظيم، وهي في الأصل انعكاس للانقسامات التي ضربت داعش الأم في مسألة العذر بالجهل وتكفير العاذر، وهي مسألة تعني عدم عذر الجاهل بالعقيدة وأحكام الشريعة وفق منظور التنظيم، وأيضا تكفير من لم يكفِّر العاذر بالجهل، فبدا أن التنظيم ينقسم إلى متشدد وإلى أكثر تشدداً كما في العراق وسورية.
ومن الملاحظ أيضاً أنه حين تم نشر حوار المسؤول عن الحسبة، كانت صحيفة "النبأ" تحت سيطرة المجموعة الحازمية الأكثر تشدداً في داعش، التي دعمت نشر الحوار بصيغته الأكثر تطرفاً، أما بعد ذلك فقد سيطر التيار الأقل تشدداً وتوحشاً "التيار البنعلي -نسبة إلى تركي البنعلي الذي لقي حتفه مؤخراً- على الصحيفة بعد اعتقال أبو بكر البغدادي لعدد من أعضاء اللجنة المفوضة المؤيدة لمبدأ تكفير العاذر في المطلق.

بوادر انقسامات داعشية
في التسجيل المسرب والملتقط من أجهزة لاسلكي المجموعة الإرهابية المنفذة لمجزرة الروضة يظهر أن المجموعة المنفذة خدعت القيادات المشرفة على العملية، فالمشرف يسأل عن هوية الضحايا في الهجوم هل كانوا من "الصحوات"؟ فيجيب الآخر: قبوريين "في إشارة إلى الطريقة الصوفية"، فيرد المشرف: "صحوات وقبوريين"، فيجيب المنفذ بنبرة مستهينة : "نعم قبوريون يا شيخ".
كما أنّ المشرف الذي بدا وكأنه يحاول الحصول على بيانات كاملة على العملية حتى يجهزها لإعلانها في بيان يصدر عن الجماعة الإرهابية -وهو ما لم يحدث بعد ذلك- سأل عن وجود استشهادية "انتحاريين"، فنفى المنفذ ذلك، مدعياً أنّ هناك انغماسية "مقتحمين لقلب المعركة معرضين أنفسهم للخطر"، ويأتي بقية الحوار المسرب ليكشف عن أنّ العناصر المنفذة سوّقت العملية لقادتها على أنها معركة ضد مجموعة مسلحة كانت تستعد لشن هجمات عليهم، مما يشير إلى ترهل التنظيم وعدم تماسكه داخلياً، مما يؤدي إلى صراعات داخلية إن لم تكن مشتعلة بالفعل.
ملامح هذا السيناريو تشير إلى أن التنظيم قد أصدر أوامره بالهجوم على المسجد على اعتبار أنه كان يجمع عدداً من قادة الطريقة ورجالات الجيش والشرطة الذين اعتقد التنظيم أنهم يقومون بالتنسيق لمجابهته، وهو ما لم يكن صحيحاً، فقامت المجموعة بالتنفيذ على وجه لم يرق لعدد من قادة التنظيم وخاصة أنه قام بقتل الأطفال والنساء والشيوخ بعشوائية منقطعة النظير.
أدى ذلك لعدم إعلان التنظيم تبنيه في انتظار التفكير في معالجة الأمر والخروج من مأزقه بدون أن يكشف عن الانشقاقات التي تدور بداخله أو يتسبب البيان في زيادتها داخله.
كما أنّ هناك فرضية أن تكون المجموعة المنفذة القريبة من بئر العبد، والتي قامت بعمليتين قبل ذلك ضد قوات الجيش، قد أوّلت حديث مسؤول الحسبة بالحديث عن الصوفية بأنهم مشركون بالله وأنه سيتم القضاء على معقلهم في الروضة على أنه أمر مباشر بالهجوم، وعندما قامت بالتنفيذ أحدثت العملية ارتباكاً في صفوف التنظيم، ربما لأنه لم تسبق ذلك عملية الاستتابة مما وضع التنظيم في موقف حرج.

البغدادي يكره فرعه في سيناء
تتحدث مصادر تكفيرية عن خلافات بين أبو بكر البغدادي، زعيم داعش، وفرع تنظيمه في سيناء، بيد أن تلك الخلافات لم تحدد ماهيتها بشكل واضح إلى الآن، ونشرت صحيفة "الشرق الأوسط" اللندنية الشهر الماضي، رسالة قالت إنها للبغدادي، أرسلها إلى أتباعه في ليبيا، يهاجم فيه تنظيم أنصار بيت المقدس بسيناء.
ووفق الصحيفة، فإن الرسالة ضمن سلسلة تحقيقات تنشرها بعنوان "داخل أوكار المتطرفين في ليبيا"، أبدى فيها "البغدادي" غضبه من "أنصار بيت المقدس" الذي هَرب عديد من أفراده إلى ليبيا.
وحسب الصحيفة، قال "البغدادي" في رسالته: "لقد بلغني أن سلوكاً غير سوي انتشر بينكم. نشره فيكم القادمون من سرايا بيت المقدس، وهو سلوك أربك صورة الجهاد لديكم. هذا الخلل أصابكم في مقتل، وعليكم تداركه".
وأضاف لأتباعه من قادة "داعش" في ليبيا: "معركة بيت المقدس في مصر ليست في معزل منا، ولكن عليكم الانتباه إلى أن أفكار إخوتنا في بيت المقدس تتناقض في بعض منها مع أفكارنا، وهي قد لا تكون صالحة في ليبيا. فهم لم يتموا معركتهم في مصر، وقدومهم إلينا ليس بروح جهاد كاملة، ولكن هروباً من حرب أشعلوها، وفشلوا في كسبها. إذن هم عُصبة تحمل بداخلها بوادر هزيمة وَرِدَّة. نساعدهم في العودة إلى ساحتهم. لهم ذلك، لكن أن يزرعوا بينكم روح الهزيمة، فيجب أن يُعاملوا كالعدو الواجب قتاله".
وسعى زعيم داعش في رسالة أخرى إلى قمع خلافات في صفوف أنصاره الليبيين، داعياً إلى مواجهة "المرتجفين الخانعين بينكم" بـ"ضرب الأعناق وتدحرج الرؤوس"، كما حذر من أعضاء تنظيم أنصار بيت المقدس الذين فروا من سيناء إلى ليبيا، معتبراً أنهم "عُصبة تحمل بداخلها بوادر هزيمة ورِدَّة" تنشر "سلوكاً غير سوى بينكم".
ويبدو أنّ قادم الأيام يشي بخلافات ضارية بين التكفيريين، ستعمل على القضاء عليهم بأيديهم، كما حدث ذلك مرات عديدة.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



الغنوشي يحلم بالنوم في قصر قرطاج للثأر من بورقيبة

2019-07-23

دخلت الطبقة السياسية بتونس في سباقٍ مع الزمن، خاصّةً بعد أن حسم رئيس البلاد، الباجي قايد السبسي، الجدل حول إمكانيّة تأجيل الانتخابات، وأمضى على الأمر المتعلّق بدعوة الناخبين إلى الاقتراع، بالتالي حسم موعد الانتخابات البرلمانية، في 6 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل، على أن تجرى الانتخابات الرئاسية في 17 تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل، وتقدّم العشرات للظفر بمنصب حاكم قرطاج، رغم الأجواء السياسية المشحونة.

القيادي بحركة النهضة محمد بن سالم: أرفض ترشّح الغنوشي للرئاسة لأنّه ليس شخصيّةً توافقيّة وترشّحه سينعكس سلباً على حركته

وقد أُعلنت نوايا ترشّح لهذه الانتخابات من قبل سياسيين وأكاديميين، ورجال أعمال بارزين، بينهم رئيس الحكومة يوسف الشاهد، والرئيس السابق المنصف المرزوقي، ورئيسا الحكومة السابقان؛ حمادي الجبالي، والمهدي جمعة، ومدير قناة "نسمة" التلفزيونية، نبيل القروي، والحقوقي قيس سعيد، ورئيس المجلس الوطني التأسيسي مصطفى بن جعفر، وزعيم حزب التيار الديمقراطي المعارض محمد عبو، وزعيمة الحزب الدستوري الحرّ، المحامية عبير موسى.
ويبدو أنّ رهانات الانتخابات الرئاسية أسالت لعاب عدّة شخصيّاتٍ، وأحدثت ازدحاماً على قصر قرطاج، وأثارت أسماء كانت مستبعدةً من الماراثون الرئاسي، على غرار زعيم حركة النّهضة الإسلامية (شريكة في الحكم) راشد الغنّوشي، وهذه المرة الأولى التي يعبّر فيها صراحةً عن اهتمامه بالرئاسة، خاصّةً أنّه ظهر دائماً بهيئة الزاهد في السياسة والمُعرض عن المناصب السياسية المهمّة.

أحلام الغنّوشي تقزّم "النّهضة"
رغبة الغنّوشي في الترشّح لرئاسيات تونس 2019، والتي تبدو فرصته الأخيرة كرئيسٍ لحركة "النهضة" الإسلامية، قبل تعويضه بآخر في مؤتمر الحركة القادم، أثارت جدلاً واسعاً، في صلب الحركة، التي انقسمت للمرة الأولى إلى شقٍّ رافضٍ، وآخر مؤيّدٍ؛ حيث تعالت الأصوات المخالفة، كما أظهرت تصريحات قياداتها المتتالية، تبايناً حاداً إزاء احتمال ترشّح زعيمهم، وهو ما أقرّ به القيادي بالحركة، محمد بن سالم، في تصريحه لـ "حفريات".

الأستاذ الجامعي في التاريخ السياسي المعاصر عبد اللطيف الحناشي: النهضة ستستخدم الانتخابات الرئاسية من أجل حسابات سياسية

وأفاد بن سالم بوجود خلافاتٍ داخليةٍ حول ترشيح الغنّوشي للانتخابات الرئاسية، مشدداً على أنّه يرفض شخصياً هذه الفرضيّة، أوّلاً لأنّ الغنوشي ليس شخصيّةً توافقيّةً، ثانياً لأنّ تونس ليست في وضعٍ طبيعي، ولا ديمقراطية مترسّخة، وهو ما لا يسمح لها بالدخول في مرحلةٍ من الاستقطاب الثنائي بين حزبين كبيرين ينويان الترشّح، في إشارةٍ إلى حزبيْ "نداء تونس" و"النّهضة"، اللذين أنهيا التوافق بينهما منذ حوالي عام.
ولفت بن سالم إلى أنّ الحكمة تقتضي أن تترفّق الطبقة السياسية بالبلاد، وأن تراعي عدم ترسّخ الديمقراطيّة، وأن تتوافق حول شخصيّةٍ سياسيّةٍ لتجنّب الاستقطاب الثنائي، كما فعلت حركة النّهضة خلال انتخابات 2011 و2014، خاصّةً أنّ بعض الدول شهدت أحداثاً دمويّة، بسبب حداثة تجربتها الديمقراطيّة.

اقرأ أيضاً: الغنوشي يوسع دائرة طموحاته السياسية بالترشح للانتخابات البرلمانية
بن سالم أشار أيضاً إلى أنّ ترشّح الغنوشي للرئاسيات، سينعكس سلباً على حركته، وعلى البلاد بصفةٍ عامّةٍ، رغم وجود أصواتٍ تدعمه داخل الحركة، ورغم حقّه في الترشّح مثل كلّ التونسيّين.
من جانبه، أكّد رئيس مجلس شورى حركة النهضة، عبد الكريم الهاروني، في تصريحاتٍ صحفيّةٍ لوسائل إعلامٍ محليّةٍ، أنّ الحركة ستنطلق في حوارٍ عميقٍ حول ترشيح شخصيّةٍ وطنية من داخلها أو من خارجها، تتوافق معها وتستجيب لمتطلبات البلاد بعد انتخابات 2019.

اقرأ أيضاً: تونس بين الغنوشي وشعبها
وشدّد على أنّ المرشّح الطبيعي للحركة إلى حدّ الآن، وبحسب قانونها الأساسي، هو رئيسها راشد الغنوشي، باعتباره شخصيةً وطنيةً، على أن يتمّ النظر في هذه المسألة في مؤسسات الحركة، مع الانفتاح على البحث عن شراكات في الحكم بعد الانتخابات القادمة.
وفي خطوةٍ مفاجئةٍ؛ أعلن القيادي البارز في "النّهضة"، لطفي زيتون، تخليه عن صفة المستشار السياسي لراشد الغنّوشي، وربط مراقبون هذا القرار المفاجئ بتباين الآراء التي تشهدها الحركة بخصوص مرشّحها للرئاسيات، واختلاف قياداتها بخصوص "العصفور النادر" الذي يبحث عنه زعيمها، فضلاً عن أنّه قد كشف النقاب عن صراع الأجنحة التي حاولت الحركة إخفاءه.
رئيس تونس يحسم الجدل حول موعد الانتخابات

الغنّوشي بعيدٌ عن قلوب التونسيين
وبحسب آخر استطلاعات الرأي حول نوايا الأصوات؛ فقد تصدّر رئيس حركة النهضة، راشد الغنوشي، قائمة الشخصيات التي لن يصوت التونسيون لها في الانتخابات الرئاسية بـ 21.5%، يليه رئيس الجمهورية، الباجي قائد السبسي، بنسبة 17.66%، ورئيسة الحزب الحرّ الدستوري عبير موسى، بـ 14.6%، يليها رئيس الحكومة يوسف الشاهد، بـ 10.9%، والمنصف المرزوقي بنسبة 9.9%، فيما تحوّلت "النهضة" من أوّل الأحزاب التونسية الحائزة على نوايا التصويت لأشهر، إلى صدارة الأحزاب التي لن يصوّت لها التونسيون في الانتخابات البرلمانية.

اقرأ أيضاً: قرار للغنوشي يشعل الخلافات في حركة النهضة
في هذا السياق، استبعد الأستاذ الجامعي في التاريخ السياسي المعاصر، عبد اللطيف الحناشي، في تصريحه لـ "حفريات"، ترشّح الغنّوشي، لحساباتٍ سياسيّةٍ لا تستطيع حركته تجاوزها، ولأسبابٍ شخصيّةٍ تتعلّق بالغنّوشي وحده، معتبراً أنّ ما يتم تداوله مجرّد مناورةٍ سياسيةٍ.
وأوضح الحناشي؛ أنّ الغنوشي يرى نفسه مفكراً وزعيم حركةٍ سياسيةٍ كبيرة، لها تاريخها، وفشله في الانتخابات الرئاسية في صورة ترشّحه، سيترك انعكاساتٍ سلبيّةٍ جدّاً، عليه وعلى حركته، وبالتالي فإنّه لن يدخل هذه المغامرة.

المؤرّخ الجامعي المختصّ في التاريخ السياسي خالد عبيد: الغنّوشي يرغب بشدّة في أن يكون رئيساً فخريّاً للبلاد ومرشدها الروحي

أستاذ التاريخ السياسي لفت أيضاً إلى أنّ الحركة ستستخدم الانتخابات الرئاسية من أجل حساباتٍ سياسيةٍ، كورقة ضغطٍ، يمارسونها على المترشحين للتشاور معهم وكسب دعمهم معهم، خاصّةً أنهم ساهموا في نجاح الرئيس الحالي، الباجي قايد السبسي، في انتخابات 2014، وساعدوه في الوصول إلى قصر قرطاج، مشيراً إلى أنّ الأوضاع الإقليميّة ليست في صالح الحركة؛ لأنّها لا تحظى برضا القوى الخارجية، وهي تعي ذلك جيّداً؛ لذلك هي تسعى فقط للتواجد في البرلمان باعتباره مركز السلطة في تونس.
وشدّد الحناشي على أنّ النهضة حركة براغماتية، لها جهازٌ منظمٌ يخطّط ويفكّر جيّداً، ولا تجب الاستهانة بها.

اقرأ أيضاً: هذا ما قاله الغنوشي عن الشاهد
وفي سياق متصل، رجّح المحلّل السياسي، عبد الله العبيدي، في تصريح لـ "حفريات"؛ ألّا ينجح الغنّوشي في الحصول على أغلبية الأصوات، نظراً لارتفاع عدد المترشّحين، والذين ينوون الترشّح، فضلاً عن انقسام قيادات النّهضة وقواعدها إلى مؤيّدٍ ورافضٍ لهذا الترشّح، متوقّعاً أن يتّجه شقٌّ من الحركة نحو دعم القيادي السابق بها، حمادي الجبالي، الذي ينوي الترشّح مستقلاً، بعد انتقاداتٍ كبيرةٍ لحركته.
الغنّوشي ورحلة البحث عن الثأر
لم يخفِ الغنّوشي، منذ عودته إلى تونس، عقب ثورة كانون الثاني (يناير)2011، موقفه من الرئيس التونسي الراحل الحبيب بورقيبة (أوّل رئيس يحكم البلاد بعد استقلالها من فرنسا عام 1956)، ولم يتردّد في اتّهامه بعدم احترام الإسلام، ومصادرة الحريّات، خاصّةً أنّه كان محكوماً عليه بالإعدام في فترة حكمه، وهو ما ذهب إليه المؤرخ الجامعي المختص في التاريخ السياسي، خالد عبيد، الذي أكّد في تصريحه لـ "حفريات"؛ أنّ الغنّوشي يحلم بأن ينام في قصر قرطاج، ويثأر لنفسه من بورقيبة.

راشد الغنوشي يتلقّى رسالة شكر من المرشد الأعلى للثورة الايرانية علي خامنئي
وأضاف عبيد: الغنّوشي يرغب بشدّةٍ في أن يكون رئيساً فخريّاً للبلاد، ومرشدها الروحي، تأثّراً بالمرشد الأعلى في إيران، وأنّ ذلك ناتجٌ عن مدى تأثر الغنّوشي بأحداث إيران، عام 1973، مشيراً إلى أنّ رغبة الغنّوشي في الترشّح بدت واضحةً منذ عام 2017، ولم يستبعد وجود اتفاقٍ سابقٍ مع رئيس البلاد الباجي قايد السبسي، على أن يحكم السبسي بين 2014-2019، على أن يحكم الغنوشي بين 2019-2024.
وقال إنّ الترشّح لرئاسيات 2019، يعدّ بمثابة الأمنية التي يرغب راشد الغنوشي بشدّةٍ في تحقيقها، لكنّه يدرك في الوقت نفسه أنّ ذلك غير ممكنٍ، لافتاً إلى أنّ نجاح هذا السيناريو يكاد يكون مستحيلاً، لأنّ الغنّوشي نفسه يدرك أنّ لا شعبيّة له في تونس، ولن يحالفه الحظّ في ترشّحه للانتخابات، وأنّ ارتدادات ذلك ستكون سلبيّةً جدّاً.

للمشاركة:

هكذا تنتهك إسرائيل الحقوق الرقمية للفلسطينيين

2019-07-22

تتواصل الانتهاكات الرقمية الإسرائيلية بحقّ الموطنين الفلسطينيين في الضفة الغربية والداخل المحتل، منذ إنشاء وحدة "السايبر" الإسرائيلية، عام 2015، وذلك باعتقال أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض على مواقع التواصل الاجتماعي ضدّ السياسات الإسرائيلية، لتقوم هذه الوحدة بقرصنة حواسب وهواتف الفلسطينيين، ومراقبة منصات التواصل الاجتماعي، وإزالة المحتويات التي يتمّ نشرها على الشبكة العنكبوتية، لمجرد تعبيرهم عن آرائهم ومعتقداتهم وأفكارهم، في صورة واضحة تبيّن مدى عنصرية الاحتلال الإسرائيلي في تقييد حرية الرأي والتعبير التي كفلتها المواثيق الدولية.

عام 2018 سُجل قرابة 500 انتهاك تعرّض له المحتوى الرقمي الفلسطيني ما بين حظر حسابات وحذف محتوى وإغلاق صفحات

ووفق تقرير صادر عن مؤسسة "الضمير" لحقوق الإنسان، خلال عام 2018، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي 350 فلسطينياً في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بتهمة التحريض على منصات التواصل الاجتماعي ضدّ إسرائيل، وهي جريمة إسرائيلية قد تصل عقوبتها للسجن لمدة تصل إلى 10 أعوام، بحسب المادتين (251) و(199)، لعام 1961، من القانون العسكري الصهيوني.
وأصدر الكنيست الإسرائيلي، عام 2017، قانون "فيس بوك بيل"، الذي يسمح للمحاكم الإسرائيلية بإغلاق مواقع إلكترونية تنشر مضامين تحريضية، وتدعم الإرهاب والعنف دون سابق إنذار.

اقرأ أيضاً: طريق الحجاج: محاولة إسرائيلية بائسة لخلق تاريخ مزيف لليهود

واعتمد مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة قراره الأول، في تشرين الثاني (أكتوبر) 2009، الذي ينصّ على "أهمية ممارسة الحقّ في حرية الرأي والتعبير، وتعزيزه وحمايته، في وسائل الإعلام بجميع أشكالها". كما دعا القرار الدول إلى "إتاحة المجال للولوج إلى المعلومات وتكنولوجيا الاتصالات واستعمالها، كشبكة الإنترنت".

اعتقلت أجهزة الاستخبارات الصهيونية عدداً من الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين بتهمة التحريض

تحقيق أهداف سياسية
مدير مركز "شعاع" للإعلام الاجتماعي، يوسف النادي، يقول: "هناك تزايد إسرائيلي واضح لقمع حرية الرأي والتعبير بشكل غير قانوني، من خلال توسعها في عمليات التجسس على الحيز الرقمي للفلسطينيين، مع وجود أكثر من 29 شركة متخصصة في المراقبة والتجسس في إسرائيل، أمثال شركة "بلاك كوب"، و"إن إس أو"، وغيرهما، التي تهدف لمحاربة النشطاء الفلسطينيين، وتحسين صورة الاحتلال الإسرائيلي عالمياً، وجمع التبرعات الخارجية، وتشويه حقوق الشعب الفلسطيني العادلة؛ حيث خصصت الحكومة الصهيونية أكثر من 123 مليون دولار أمريكي لدعم هذه الشركات للقيام بمهامها".

اقرأ أيضاً: هل تكون الخلايا الضوئية في فلسطين بديلاً عن كهرباء إسرائيل؟
ويشير النادي في حديثه لـ "حفريات" إلى أنّ "شركات التكنولوجيا العالمية (فيسبوك، وتويتر، ويوتيوب، وغوغل) تتواطأ مع الاحتلال الإسرائيلي للسماح لوحدة "السايبر" الإسرائيلية بمراقبة المحتوى الرقمي الفلسطيني، بعد أن قامت بالاستجابة لأكثر من 98% من طلبات الاحتلال بإزالة منشورات ترى إسرائيل أنّها تحريضية، وتؤثر في الأمن القومي الصهيوني، وذلك في التفاف واضح على اتفاقيات حقوق الإنسان العالمية، التي كفلت الحقوق الرقمية لجميع السكان حول العالم، وتجاهلتها هذه الشركات لتحقيق أهداف سياسية تتماشى مع المصالح الصهيونية في المنطقة".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تستغل الأراضي الفلسطينية لزراعة مخدر القنب الهندي
وأدت سيطرة الاحتلال الإسرائيلي على قطاع تكنولوجيا المعلومات الفلسطيني إلى "عدم وجود شركات فلسطينية مستقلة ومتطورة، وبقيت هذه الشركات معتمدة على الشركات الإسرائيلية، التي تعمل جاهدة لعدم تزويدها بالخدمات التكنولوجية الحديثة، كخدمات الجيل الثالث والرابع، وفرض فجوة رقمية فيها، لتصبح هذه الشركات تابعة بشكل تام للشركات الصهيونية تتحكم فيها وتسيطر عليها وتعيق تنميتها وتطورها".
النادي: فيسبوك على وجه الخصوص لا يقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني

تواطؤ فيسبوك مع إسرائيل
واستدرك النادي بأنّ "شركة فيسبوك على وجه الخصوص لا تقوم بإزالة المحتويات الصهيونية المناهضة للشعب الفلسطيني، بينما تقوم بحذف المضامين الفلسطينية المنددة بالسياسات الإسرائيلية وممارسات المستوطنين العنصرية، الذين تصنفهم الشركة بأنّهم مجموعات محمية، مما أدى لقيام فيسبوك بمراقبة صفحات الصحفيين والنشطاء الفلسطينيين، وإغلاق عدد منها، كما تسعى الوحدة الاستخباراتية (8200) الصهيونية، وجهاز الشاباك الإسرائيلي إلى فتح وإنشاء صفحات وهمية على منصات التواصل الاجتماعي، لتشويه صورة الفلسطينيين وتزييف الحقائق، وإسقاط عدد من الفلسطينيين في وحل العمالة لصالح الاحتلال الإسرائيلي".

خبير في أمن المعلومات: منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل كلّ 70 ثانية من أجهزة الاستخبارات

ويبين النادي أنّ "فيسبوك تخشى قيام دولة الاحتلال برفع دعاوى قضائية ضدّها، مع وجود مكتب تمثيلي للشركة في تل أبيب، وهو ما يجعلها قريبة ومتأثرة بصنّاع القرار الإسرائيليين، إضافة إلى استفادة شركة فيسبوك من التقدم التقني الإسرائيلي في مجال تكنولوجيا المعلومات؛ حيث تجاوزت صادرات الاحتلال من التكنولوجيا الرقمية إلى عدد من دول العالم صادراتها من المعدات العسكرية والحربية، وهي قواعد تفضح دعم فيسبوك وتعاونها مع الأجهزة الأمنية والاستخباراتية في إسرائيل، من خلال دعمها للاحتلال والسماح له بمراقبة محتوى الفلسطينيين رقمياً".

اقرأ أيضاً: إسرائيل تُغرق فلسطينيي 48 في مستنقع العنف والجرائم

ودعا النادي إلى "ضرورة الضغط الرسمي والشعبي على الاحتلال الإسرائيلي، وشركات وسائل التواصل العالمية، لاحترام الحقوق الرقمية للشعب الفلسطيني، وتجنّب انحيازها لطرف على حساب الآخر، وأن تضغط السلطة الفلسطينية دولياً لإلزام إسرائيل بتنفيذ الاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تحترم حقوق الإنسان وحرية الرأي التعبير، والبعد عن التحريض ضدّ الشعب الفلسطيني".
تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش الإسرائيلي لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية

منشور تحريضي كلّ 70 ثانية
الباحث والخبير في مجال أمن المعلومات، أمين الجيوسي، أبلغ "حفريات" بأنّ "سلطات الاحتلال الإسرائيلي عمدت خلال الأعوام الماضية إلى تجنيد عدة وحدات بداخل الجيش لمراقبة منصات التواصل الاجتماعي الفلسطينية، كالوحدتين  (8200) و (504)، وهما اللتان تقومان بالتغلغل داخل المجتمعات العربية، لا الفلسطينية فقط، ويتحدث أفرادها اللغة العربية بطلاقة، كما لدى هاتين الوحدتين القدرة الكبيرة على التعامل مع جميع الوسائل التكنولوجية، ومراقبة جميع ما ينشر في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتبّع أصحابها، وجمع البيانات والمعلومات عنهم، لاعتقالهم أو الإيقاع بهم في شباك العمالة مع الاحتلال الإسرائيلي".

اقرأ أيضاً: السياحة الاستيطانية: شركات عالمية تتواطأ مع إسرائيل للسطو على التاريخ الفلسطيني

ويشير إلى أنّ "السلطات الإسرائيلية تستخدم مصطلح التحريض للقبض على النشطاء والمواطنين الفلسطينيين، وزجّهم داخل المعتقلات في الضفة الغربية ومدينة القدس المحتلة، من خلال سيطرة الاحتلال على جميع وسائل التواصل الاجتماعي وأجهزة الاتصال المختلفة، إضافة إلى اختراق الهواتف الخلوية والأجهزة اللوحية وصفحات البريد الإلكتروني، والتجسّس على أصحابها، والاستيلاء على معلوماتهم وبياناتهم، حتى إن كانوا يحملون أسماء وهمية".

اقرأ أيضاً: ماذا يعني تهديد السلطة الفلسطينية بالخروج من بروتوكول باريس؟
يقول الجيوسي "هناك منشور تحريضي إسرائيلي ضدّ الفلسطينيين على شبكات التواصل الاجتماعي، كلّ 70 ثانية، من أجهزة الاستخبارات الصهيونية، ووحدة "السايبر" بالجيش الإسرائيلي، بالتعاون مع بعض المؤسسات الأكاديمية، من خلال تجنيد الأجهزة الاستخباراتية الصهيونية لعدد من طلبة الجامعات الإسرائيليين، ودفعهم للترويج للرواية الصهيونية على منصات التواصل الاجتماعي، والتحريض على الفلسطينيين؛ من خلال رصدهم لكلمات مفتاحية عليها، (مثل: شهيد، أو انتفاضة، وغيرهما)، لمراقبة الفلسطينيين وتعقب محادثاتهم، مستفيدين من تواطؤ شركات التواصل العالمية مع الاحتلال لتنفيذ سياساته العنصرية، وإزالة المنشورات المناهضة لدولة إسرائيل".

500 انتهاك للمحتوى الرقمي الفلسطيني

وبحسب إحصائية صادرة عن مركز "صدى سوشال"، المتخصّص في مجال مواقع التواصل الاجتماعي، عام 2018؛ فقد تمّ تسجيل قرابة 500 انتهاك تعرّض لها المحتوى الرقمي الفلسطيني، وتوزعت الانتهاكات بين حظر حسابات، وحذف محتوى، وإغلاق صفحات، وكان للصحفيين النصيب الأكبر من هذه الانتهاكات، والتي تركزت في موقع فيسبوك أكثر من باقي المواقع والمنصات.
وأشارت الإحصائية إلى أنّه لا توجد جهات رسمية فلسطينية للدفاع عن المحتوى الفلسطيني الرقمي، إضافة إلى عدم وجود اهتمام كافٍ من قبل المؤسسات الأهلية الفلسطينية بهذا الجانب، في الوقت الذي أفرزت فيه الحكومة الإسرائيلية لجنة وزارية لمتابعة التواصل مع منصات الإعلام الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: مقابر الأرقام.. هل قدر الفلسطينيين السجن حتى بعد الموت؟

وعن تفاصيل الانتهاكات التي تعرض لها المحتوى الفلسطيني عبر منصات التواصل الاجتماعي، بينت الإحصائية أنّها توزعت على النحو الآتي: "موقع فيسبوك 370 انتهاكاً، يليه موقع يوتيوب 45، وتويتر 60، والأنستغرام 30"، ليكون المجموع قرابة 500 انتهاك ضدّ المحتوى الفلسطيني عبر الشبكة العنكبوتية، وخلال العامين الأخيرين تمّ رصد قرابة 800 حالة اعتقال من قبل قوات الاحتلال للفلسطينيين.

للمشاركة:

الصحفية الصومالية هودون ناليي تكتب بدمائها سيرة الأمل وتتحدى الإرهاب

2019-07-22

تهدأ الأوضاع الأمنية في الصومال برهة، يأمل خلالها الناس أن تطوي خلفها صفحة من الأحداث العنيفة التي عاشوها طيلة الأعوام الماضية، لكن سرعان ما تخبو الآمال، وتتبدّد مع تجدّد الأنباء عن هجمات جديدة تخطف أرواحاً بريئة.

اقرأ أيضاً: أين ذهبت تجربة الصومال بالمساواة بين الجنسين؟
آخر فصول حلقات تلك الهجمات المفجعة حدث يوم الجمعة الماضي، حين اقتحم مسلحون من "حركة الشباب" فندق "عَسْعَسِي" في مدينة كيسمايو الساحلية في جنوب الصومال، وقتلوا الصحفية الصومالية المشهورة هودون ناليي، البالغة من العمر 43 عاماً، هي وزوجها، فريد جمعالي، والصحفي محمد عمر سغال، وعشرات الأشخاص الآخرين، في هجوم تبنّته الحركة.

اقرأ أيضاً: نواب صوماليون يرفضون خرق فرماجو للدستور
وتعيد هذه الأخبار لأذهان الصوماليين، المنهكين أصلاً بين متاهات تأمين لقمة العيش، ومستلزمات الحياة الكريمة، مشاهد الهجمات التي تبنتها الحركة الإرهابية طوال العقد الماضي، وضربت أمن البلاد واقتصادها، وراح ضحيتها العشرات من الصحفيين وعددٌ لا يُحصى من المدنيين.

هي شخصية مشهورة من بين الجاليات الصومالية في أنحاء العالم

سرد الصومال المختلف
تمثّل هودون ناليي، التي خطفتها يد الإرهاب، نموذجاً خلاقاً للصحفيين الجدد، وهي شخصية مشهورة من بين الجاليات الصومالية في أنحاء العالم.
ولدت في الصومال، عام 1976، وقضت معظم حياتها في تورونتو وألبرتا، قبل أن تعود إلى الصومال في وقتٍ سابق من هذا العام؛ لنقل قصصٍ إيجابية عن شعبها.

عملت هودون على إبراز الجانب الايجابي من بلادها حيث يوجد الناس العاديون الذين يكافحون ببسالة من أجل حياتهم اليومية

جعلت ناليي مهمتها الإعلامية؛ إظهار الجانب غير المرئي من بلدها؛ ففي حين تركّز معظم التغطيات الإعلامية عن الصومال على مشاهد الحرب الأهلية والتشدد الديني والفقر المدقع ومتعلقات الحرب من كوارث شتّى، حتى صار الخراب والموت مفردات تلازم المتلقّي عند السماع عن الصومال، عملت هودون على إبراز الجانب الإيجابي من بلادها؛ حيث يوجد الناس العاديون الذين يكافحون ببسالة من أجل حياتهم اليومية.
فمن الجاليات الصومالية المنتشرة في أصقاع العالم، إلى البدو الرحل في جميع أقطار الصومال الكبير، جابت كاميرا الصحفية هودون ناليي بابتسامتها العريضة، وروحها المفعمة بالأمل، لتسرد قصص الصوماليين أينما كانوا، وقدمت رواية مختلفة عنهم، وشكلت في تجربتها الإعلامية تحدياً لا تخطئه العين لمسار الإعلام الغربي الأحادي الجانب عن القارة الأفريقية، والمثقل بمشاهد اليأس والموت، خاصة عن الصومال الذي تحدّده قوالب الصور النمطية في أذهان الكثيرين.

اقرأ أيضاً: إعدام جماعي وانفجارات.. هذا ما يشهده الصومال
أطلقت عام 2014، قناتها المشهورة على اليوتيوب، والتي تحمل اسم "Integration TV"، لتتحول في غضون وقتٍ قصير الى المنصة الإعلامية الأولى الناطقة بالإنجليزية، والمختصة بالشؤون الصومالية؛ وهي أول منصة إعلامية صومالية يتم إنتاجها بشكل احترافي في الفضاء الرقمي.

اقرأ أيضاً: الصومال يغلي: لماذا يربط الرئيس فرماجو مصالح بلاده بأجندات خارجية؟
سافرت ناليي عبر المدن والبلدات المختلفة في بلادها، كما جابت أنحاء كثيرة من أفريقيا وفي أمريكا الشمالية وكندا، لتوثيق ونشر قصص رواد الأعمال الصوماليين والكتّاب والفنانين والناشطين وغيرهم، وفي كلّ مكان قامت بزيارته؛ عملت ناليي على سرد الصومال المختلف، الذي لا يرويه الإعلام العالمي عادةً.

أطلقت ناليي عام 2014 قناتها المشهورة على اليوتيوب والتي تحمل اسم "Integration TV"

صوت الشتات الصومالي
تنتشر الجاليات الصومالية في جميع أصقاع العالم؛ ففي الوقت الذي اندلعت فيه الحرب الأهلية قبل ثلاثة عقود، فرّ الصوماليون إلى كلّ جهات العالم، وأنشأ العديد منهم حياة جديدة في منافيهم الجديدة؛ حيث وصلوا إلى أوروبا، وأمريكا الشمالية، وأستراليا وحتى نيوزيلاند شرقاً، لكنّ جميع هذه المجتمعات مترابطة، بفعل الروابط العشائرية القوية في المجتمع الصومالي.

اقرأ أيضاً: فشل مؤتمر "غروي" ما يزال يخيّم على الأجواء في الصومال.. لماذا؟
وفي ظلّ غياب منافذ إعلامية مهنية تنتج صحافة عالية الجودة باللغة الإنجليزية لصالح الصوماليين، حاولت ناليي بمفردها أن تكوّن بيتاً إعلامياً يلبّي حاجات الجاليات الصومالية الناطقة بالإنجليزية، وعملت من خلال لغتها الإنجليزية الكندية ولغتها الصومالية، غير المثالية في بعض الأحيان، على ربط مجتمعات الشتات الصومالية وتلك الموجودة في القرن الإفريقي وشرق إفريقيا.
كما أدركت ناليي الحاجة الماسة إلى نشر مواد إعلامية ملهمة لمجتمع شتّته الحرب، وأثقلته متاهات الصراع؛ وبداهة كان الصوماليون في أشدّ الحاجة إلى إعلامٍ مختلف، يظهر لهم جانباً آخر من بلدهم لا يجدونه عادة في مكانٍ آخر.
تقول في أحد مقاطعها المتلفزة: إنّها كانت تحلم منذ طفولتها بالعمل لدى شبكة "سي إن إن"، وهو أمرٌ تنازلت عنه بعد أن لم تتمكن من العثور على وظيفة في الشبكة، لكنّها بدلاً من ذلك؛ وجدت طريقها إلى مخيم للاجئين الصوماليين في كينيا لتغطية أخبارهم: "لم أكن في حاجة إلى" سي إن إن"، أو أيّة شبكة أخرى، لأصبح صوتاً لمجتمعي؛ أدركت كيف أكوّن صوتي الخاص، ولم أعد في حاجة إلى أيّة جهةٍ أخرى لتوظيفي".

اقرأ أيضاً: ما دوافع الأزمة الدبلوماسية بين الصومال وكينيا؟
وقد استلهمت قرار إطلاق قناتها الإعلامية الخاصة، عام 2014، بعد أن أصبحت أمّاً لطفلينْ.
وذكرت لبرنامج إذاعي صومالي؛ أنّها، كشخص نشأ في كندا، لم تُتح لها الفرصة لمعرفة الكثير عن الصومال، وقالت لنفسها إنّه قد يكون هناك المزيد من الأشخاص مثلها الذين لا يعرفون أيضاً عن بلدهم الأم، وأردفت: "آمل عندما يكبر أطفالي ويذهبون إلى الجامعة أن يتمكنوا من القول إنّ لديهم وسائل إعلام تتحدث إليهم، وهناك قصص إيجابية عنهم وعن بلادهم". وتضيف: "أعتقد أنّ الأمر كلّه يتعلق بترك إرث إيجابي لأطفالنا وللأجيال القادمة".

اقرأ أيضاً: إثيوبيا تعتذر بعد نشر خريطة أزيل الصومال منها
وقالت لمحطة التلفزيون الألمانية "دويتشه فيليه"، قبل عام: "كلّ ما عرفناه من بلادنا الحرب، كلّ ما عرفناه الانقسام، كلّ ما عرفناه الأشياء السلبية، لكنني أنظر إلى الأشياء الإيجابية: أذهب إلى منزل ما وأرى أمّاً صومالية يمكنها أن تبني منزلاً من نقطة الصفر، وأن تنجب 10 أطفال، ويمكنها أن تطهو من أجلهم كلّ يوم [أرى] أنّ الناس مفعمون بالأمل، ويمارسون حياتهم الاعتيادية، وليسوا مشغولين بسؤال (متى سأموت؟)".

هودون ناليي: أعتقد أنّ الأمر كلّه يتعلق بترك إرث إيجابي لأطفالنا وللأجيال القادمة

واقع قاتم للصحافة والصحفيين
وتشكّل عملية مقتل هودون ناليي والصحفي الصومالي الآخر، محمد عمر سحال، جزءاً من واقعٍ قاتم تشهده الصحافة والصحفيون في الصومال، فإضافة إلى الاستهداف المتواصل لهم من قبل الحركة المتشددة؛ يتعرض الصحفيون في الصومال إلى استغلال من قبل الحكومة الصومالية، التي تستفيد من قلة خبرتهم ورواتبهم المتدينة للضغط على التلاعب بالحقائق، حسبما أكدت منظمة "هيومن رايتس ووتش".

أطلقت الحكومة الصومالية جائزة باسم هودون تكريماً لحياتها الملهمة كما أطلقت الجمعية الثقافية الكندية الصومالية منحة دراسية باسمها

وقالت المنظمة، في تقرير أصدرته عام 2016، بمناسبة اليوم العالمي لحرية الصحافة، إنّ الحكومة الصومالية و"حركة الشباب" المسلحة تستخدمان تكتيكات متشابهة للتأثير على التغطية الإعلامية. ويوثق التقرير المعنون "نحن كسمكة في مياه سامّة: اعتداءات على حرية الصحافة في الصومال"، الممتد على 74 صفحة، حالات القتل والتهديدات والاعتقال التعسفي للصحفيين، منذ عام 2014، ويلاحظ أنّ الحكومة الاتحادية الصومالية والسلطات الإقليمية تستخدم تكتيكات تعسفية مختلفة للتأثير على التغطية الإعلامية، منها: الاعتقال، والإغلاق القسري لوسائل الإعلام، والتهديد، وفي بعض الأحيان توجيه تهم جنائية.
كما تستهدف حركة الشباب، الصحفيين، كجزء من حملتها ضدّ الحكومة الصومالية. وأكّد التقرير فشل السلطات الحكومية في محاكمة المسؤولين عن تلك الانتهاكات، ومسؤوليتها عن ترك الصحفيين يعيشون في خوفٍ دائم.

جائزة سنوية باسم هودون

ناشطون: "إرث هودون سيستمر"
في الأعوام الأخيرة؛ عاد عدد متزايد من الصوماليين من الشتات إلى الصومال، للعمل في مناصب حكومية، أو خاصة، أو الاستثمار في مبادرات التنمية المجتمعية؛ بسبب تغطية هودون، التي عملت بلا كلل أو ملل على حثّ الكفاءات الصومالية للعودة إلى وطنهم والمساهمة في إحداث التغيير المنشود.
ومع انتشار خبر وفاتها، يوم الجمعة، اجتاحت مشاعر الحزن مواقع التواصل الاجتماعي، المنزل الافتراضي لهودون، ونعى نشطاء من الجاليات الصومالية المختلفة مقتلها، داعين إلى مواصلة عملها ورسالتها السامية، وعدم الاستسلام للإرهاب ورسائل الخوف.

اقرأ أيضاً: بعد أن فشلت في هزيمتها.. هل تفاوض الحكومة الصومالية حركة الشباب؟
ومن جانبها، أطلقت الحكومة الصومالية جائزة باسم هودون، تكريماً لحياتها الملهمة. وقالت وزارة الخارجية الصومالية في حسابها على تويتر: "ستكرم وزارة الخارجية الصومالية الشخص المتميز الذي يقدم مساهمة إيجابية في الشتات الصومالي"، وستمنح جائزة هودون ناليي السنوية للأفراد "المتميزين" من الشتات الصومالي.
كما أطلقت الجمعية الثقافية الكندية الصومالية في مدينة إدمونتون الكندية، منحة دراسية باسم هودون، تُمنح لامرأة صحفية صومالية بشكل سنوي، تخليداً لمسيرة هودون للنساء في بلدها.
وعلى وقع هذه العمليات والأخبار التي باتت تتكرر بشكل شبه يومي وتملأ صفحات مواقع التواصل الاجتماعي، وفي ظلّ وضع سياسي يلملم جراحه، وواقع أمني لا يبشر بخير قريب، يحاول الصومالي رغم كلّ شيء التمسك بذلك الخيط الرفيع من الأمل، في محيط بات فيه صدى "الموت" يتردّد من كلّ جوانبه، وحال لسانهم يردّد مقولة الكاتب الصومالي العالمي، نور الدين فارح "وصلنا لدرجة من اليأس لم يسعنا معها إلا أن نتفاءل".

للمشاركة:



عشرات القتلى والجرحى في هجوم بمقديشو.. من المسؤول؟!

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

قُتل 17 شخصاً، على الأقل، وأصيب 28 آخرون، في انفجار وقع أمس، خارج فندق بالقرب من مطار العاصمة مقديشو.

مقتل 17 شخصاً على الأقل وإصابة 28 آخرون في انفجار وقع أمس خارج فندق بالقرب من مطار مقديشو

وفي التفاصيل، وفق وكالة "الأناضول": استهدفت سيارة مفخخة نقطة تفتيش أمنية في أحد الشوارع المؤدية إلى مطار مقديشو الدولي.

من جانبها، أعلنت حركة الشباب الصومالية، في بيان، مسؤوليتها عن التفجير، وقالت: إنّ "العملية تكللت بالنجاح، وأسفرت عن خسائر بشرية، دون توضيح عدد القتلى".

وجاءت الحادثة بعد أسبوعٍ من هجوم شنّه متشددون في حركة الشباب على فندق في مدينة كيسمايو الساحلية، جنوب الصومال، وأسفر عن مقتل 26 شخصاً، في واقعة هي الأعنف من نوعها في الصومال، منذ عام 2012.

ويخوض الصومال حرباً منذ أعوام ضدّ "حركة الشباب"، التي تأسست مطلع 2004، وهي حركة مسلحة تتبع فكرياً تنظيم "القاعدة" الإرهابي، وتبنت العديد من العمليات الإرهابية التي أودت بحياة المئات.

حركة الشباب تعلن مسؤوليتها عن التفجير، وتقول إنّ العملية تكللت بالنجاح، وأسفرت عن خسائر بشرية

يذكر أنّ حركة الشباب الصومالي كانت قد أعلنت انضمامها للقاعدة عام 2009، وبعد مقتل بن لادن في 2011، بايع "أبو الزبير"، أمير الجماعة، أيمن الظواهري، معلناً تجديد الولاء لرئيس التنظيم الجديد.

ومنذ ذلك التاريخ، استمرت الحركة بالقيام بعمليات تؤكد انتماءها إلى تنظيم القاعدة، حتى أقدمت على تنفيذ عملية إرهابية استهدفت مشجعين لكرة القدم في العاصمة الأوغندية كمبالا، أسفرت عن مقتل 76 شخصاً، وكان ذلك أول هجوم أعلن من خلاله تنظيم الشباب انتماءه إلى القاعدة.

 

للمشاركة:

الحوثيون يتكبّدون خسائر فادحة على جبهات القتال.. في هذه المناطق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-23

هاجمت قوات الجيش اليمني ومقاتلات التحالف العربي، أمس، ميليشيا الحوثي الإرهابية المدعومة من إيران، في محافظات البيضاء والضالع وصعدة جنوب وشمال البلاد، وكبّدتها خسائر فادحة.

ففي محافظة البيضاء؛ قُتل وجرح 6 من الحوثيين في معارك مع الجيش الوطني بجبهة ناطع.

وقالت وزارة الدفاع اليمنية: إنّ "المعارك اندلعت أثناء محاولة عناصر من الميليشيا التسلل باتجاه مواقع الجيش الوطني في جبل "القرحاء" و"شعب المسوح" و"شعب صرام" في جبهة ناطع شرق البيضاء".

الجيش اليمني والتحالف العربي يهاجمون ميليشيا الحوثي الإرهابية في البيضاء والضالع وصعدة

وتمكّنت قوات الجيش الوطني من إحباط محاولة التسلل للحوثيين وإجبارهم على الفرار بعد قتل 4 من عناصرهم، وإصابة 2 آخرين، وفق ما نقلت وكالات أنباء ومواقع يمنية.

وفي محافظة الضالع؛ شنّت مقاتلات التحالف العربي غارات جوية عدة على مواقع ميليشيا الحوثي الانقلابية في جبهة "حجر" شمال مديرية "قطعبة".

وأسفرت الغارات عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الميليشيا الحوثية، فضلاً عن تدمير عدد من الآليات التابعة لها.

وفي معاقل الحوثيين بصعدة؛ استهدفت مدفعية الجيش الوطني تجمعاً للميليشيا الانقلابية في مديرية "كتاف"، شرق المحافظة، عند مدخل وادي "الفحلوين"، ما أسفر عن مقتل وجرح عدد من العناصر الحوثية، إضافة إلى تدمير عربة عسكرية تابعة لهم.

وكانت قوات الجيش اليمني قد حرّرت خلال الفترة الأخيرة مناطق ومواقع في محافظة البيضاء، مكبّدة الانقلابيين خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد.

 

للمشاركة:

وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية