يا علمانيي وليبراليي العرب اتحدوا

صورة موسى برهومة
كاتب وأكاديمي أردني
6824
عدد القراءات

2017-11-12

لفرط ما أساء الليبراليون والعلمانيون العربُ إلى هذين المشروعين الفكريين التحرّريين، صار الواحدُ  يتعوّذ من الشيطان الرجيم كلما سمع هاتين المفردتين، لأنّ أثقالاً من الشكوك والعيوب رافقت المفهومين، ووسمت من يؤمن بهما ويدعو إليهما بالخروج من الدائرة الإيمانية والأخلاقية على السواء.

وقد قدّم غلاة الليبراليين والعلمانيين العربُ خدمة جليلة لأنصار معسكر الإسلام السياسي والحركات الدينية المتطرفة وقوى الظلام والتزمّت، ومنحوهم أسباباً إضافية لتشويه الليبرالية والعلمانية، وتقديمهما باعتبارهما مذهبين لنشر الكفر، وإشاعة الفوضى الاجتماعية والانحلال الأخلاقي. وقد ذهب كثير من الدعاة والناشطين، المدجّجين بترسانة الأيديولوجيا الدينية، إلى المزاودة على أنصار هذين المذهبين ووصفهم بأنهم إقصائيون، وضد الدين، ولا يُجيدون قواعد الحوار، ويصدرون عن أفكار وتصورات استئصالية تروم إلقاء مخالفيهم في البحر.
أساء هؤلاء الغلاة كثيراً عندما تجاهلوا، بنزق وخيلاء، الحساسيات الدينية، وعندما مضوا يتباهون في الإعلان عن تصوّراتهم الدينية المضادة لفكرة الدين، والمتباهية بإعلان الإفطار في رمضان، والمتغزّلة بالخمر، والمؤيدة للسلطات السياسية الغاشمة وهي تنكّل بخصومهم.. وهذه، من حيث لم يحتسب هؤلاء الغلاة، كسّرت مجاديف التيار التنويري الراشد داخل الحركتين الليبرالية والعلمانية، وحرفت بوصلة "الصراع" واختزلتها في استفزازات مجانية لحساسيات التديّن الشعبي، فخسر الليبراليون والعلمانيون، جُلّهم، الجولة، وانكفأت أحلامهم، كيلا أقول ذهبت ريحهم!

الناس بطبيعتهم متديّنون وغير مؤدلجين، واستمالتهم سهلة، إذا رأوا نماذج تنويرية تدافع عن حقوقهم وتقرّب إليهم الأفكار الدينية بطريقة لا تستفزّ مشاعرهم

وأثبتت الجولات السابقة من المناكفات بين الليبراليين والعلمانيين وخصومهم أنّ وعي التغيير لدى الطرف الآخر غيرُ ناجز، فهم لا يمتلكون مشروعاً متماسكاً؛ بل إنّهم أنفسهم غير متماسكين، ولا ينضوون في إطار متعيّن، ولا يصدرون عن موقف موحد، فقد خالط الليبراليين والعلمانيين يساريون وقوميون أصيبوا بالحَول التاريخي، فراحوا يناصرون الطغاة، ويلتقطون معهم الصور التذكارية، ويشدّون على أيدي الحكام القتلة وهم يقصفون الآمنين بالبراميل المتفجرة، ويزجّون بالأبرياء في غياهب السجون، وينكّلون بالحرية، ويهزأون بآمال البروليتاريا. بل إنّ هؤلاء القوميين واليساريين مضوا، بعد تأييدهم الديكتاتوريات الغاشمة، إلى مؤازرة الأنظمة الدينية، ووجدوا في طهران والولي الفقيه كعبتهم المقدّسة، فطافوا حولها وهم يتأتئون بتعاليم ماركس، وأقوال ميشيل عفلق!
البوصلة انحرفت، وانطفأ القنديل! فما العمل؟
الخيارات قليلة وشحيحة، فإما أن يعيد هؤلاء ترميم بنيانهم، وتوحيد جهودهم، والاتفاق على الخطوط العامة للمجابهة، أو أن يمارسوا انتحاراً جماعياً، ويتركوا الساحة لحراس العتمة كي يتمددوا ويُدعشنوا المجتمعات، ويزهقوا الأنفاس المتبقية للحياة. وأما الخيار الثالث فيتمثل، كما هو جارٍ حالياً، في أن يغني كل واحد على ليلاه، فيخيب كثيراً، ويصيب قليلاً، لكنه في هذه الحالة سيكون عرضة للانقراض، والافتراس، وصيداً سهلاً!
هل نردّد، إذاً، صرخة مشابهة لتلك التي أطلقها الزعيمان والمفكران التاريخيان كارل ماركس وفريدريك أنجلز في البيان الشيوعي سنة 1848، فننادي: "يا علمانيي وليبراليي العرب اتحدوا"؟
إنّ مثل هذا النداء أضحى أمراً عاجلاً وضرورياً إن كنا نتوخى إسناد الحياة، والدفاع عن حقنا في العيش تحت سماء الله الواسعة، وتمكين الناس والأجيال القادمة من النظر إلى الدنيا بعيون مفتوحة على الحب والخير.

قدّم غلاة الليبراليين والعلمانيين العربُ خدمة جليلة لأنصار الإسلام السياسي والحركات الدينية المتطرفة، ومنحوهم أسباباً إضافية لتشويه الليبرالية والعلمانية

اتحدوا، من أجل الكشف عن الاختطافات المستمرة للدين من قبل "فقهاء الظلام" الذين اغتصبوا سلطة الله، وجعلوا من أنفسهم ناطقين بلسان السماء، ووكلاء حصريين لما يريده الخالق. هؤلاء من يتعين مجابهتم، وبيان تهافت خطاباتهم التي هي في الأصل خطابات سياسية أيديولوجية توسلت بالدين من أجل إضفاء القداسة على مشروعها.
تحرير الدين من سطوة هذه الماكينة الفقهية والحركية، ومن بوتقة الفهم الضيق، هو المهمة الأولى والعاجلة، لكل من يعتنق أفكار التنوير، ويرغب في أن يجعل الحياة فسيحة، وليست محصورة ومتعلقة بقائمة لا تنتهي من الحلال والحرام، وهي قائمة وضعها العقل الفقهي البطريركي، بالتحالف مع العقل السياسي المستبد، للسيطرة على المجتمعات، وخنق قوى التغيير والمعارضة فيها، وبالتالي تأبيد سلطة الحاكم بأمر الله!
وبإزاء تحرير التصورات الدينية من أسر الذين يعتبرون "الدنيا نار المؤمن وجنة الكافر"، يتعيّن الدفاع المستميت عن حق النساء في النهوض والتعليم والقيادة والإبداع، وخوض معارك مستميتة من أجل إنصافهن في القوانين المدنية، ورفع أي ضيم لحق أو يلحق بهنّ. لن يتحرر أي مجتمع ما دامت فيه امرأة أسيرة أو مقموعة أو مستلبة أو خائفة. الجميع في هذه القضية شركاء؛ الرجال قبل النساء، لأنّ موضوعة المرأة هي الخاصرة الضعيفة لدى أولئك المتزمتين الذي يصدّرون كل يوم أوهامهم وأمراضهم النفسية وتخلفاتهم العقلية فيما يتصل بأحوال المرأة. ونظرة قليلة إلى معجم الفتاوى الكريهة بهذا الخصوص كافية لأن تجعل الثورة على هذا العقل، الذي يسكن في كهوف الماضي، فرضَ عين!
ولا يتصورنّ أحدٌ أنّ هذه دعوة إلى الخروج عن الدين. بل هي بخلاف ذلك تماماً، وهدفها تنقية الدين مما علق به من شوائب أساءت له، وقدّمته باعتباره منصة للعنف، ووأد النساء، وخنق أنفاس الحياة، وتدمير الأرض التي اُستخلف الإنسانُ من أجل إعمارها.
ولعلّ وعي العلمانيين والليبراليين ممن يتبنون أفكار التنوير، بهذه القضايا الملحة، يدفعهم إلى اعتماد الحكمة أسلوباً وشعاراً من أجل استيعاب خصومهم، وتفكيك خطاباتهم بالحسنى، من دون استعلاء. فالأفكار تتغذى من الاختلاف، وتنمو في فضاء السجال، فالناس بطبيعتهم متدينون، وبعضهم ذوو تديّن شعبي، بمعنى أنهم غير مسيّسين ولا مؤدلجين، ولا منتسبين لتيار ديني، ما يعني أنّ استمالتهم سهلة، إذا رأوا نماذج تنويرية تدافع عن حقوقهم، وتقرّب إليهم الأفكار الدينية بطريقة بسيطة، ولا تستفز مشاعرهم، أو تزدري معتقداتهم.
الليل يوشك أن يُرخي سدوله على كل شيء، فلتنبثق شموسُ النور من أضلاع المؤمنين بالحق والعدل، فالحياة كما قيل "وِقفة عزّ" فليكن عزاً مديداً وطويلاً وفسيحاً، وليتقاسمه كلُّ المنتسبين إلى فضاء الإنسانية التي هي دينُ كل مؤمن بالحب والخير والجمال.

اقرأ المزيد...
الوسوم:



العودة إلى الدين.. هل تكفي وحدها للإصلاح؟

صورة أحمد سالم
كاتب وأكاديمي مصري
2019-09-17

يعانى المسلمون في مراحل الانحطاط والتدهور من الإيغال في تفسير الدين تفسيراً أخروياً مبهماً، ولعل هذا ما يجعل بعض الإصلاحيين  يسعون إلى تقديم تفسير اجتماعي للإسلام، يراعي أهمية البعد الدنيوي في الإسلام، وخاصة في ظروف التدهور، والانحطاط، والتخلف الحضاري؛ لأنّ هذا هو ما يحتاجه المسلمون كي ينهضوا من كبوتهم، ومن حالة التخلّف والجمود التي يعانون منها، ومن هذا المنطلق كان وعي الشيخ أمين الخولي بأهمية التفسير الاجتماعي للدين،  فكان حريصاً على أن يظهر الوجه الدنيوي المشرق للإسلام فيقول: "ما تحدثت بشيء من هذا الهدي القرآني إلا وأنا أرمي منه إلى سيادة مبدأ الفهم الاجتماعي الحر  للدين".

اقرأ أيضاً: لماذا دعا أنور عبدالملك إلى الاتجاه نحو الشرق؟
ينتقد الخولي دعوات الإصلاح التي تختزل المشكلات الاجتماعية في المناداة بضرورة العودة إلى الدين، دون تحديد الكيفية التي تتم بها هذه العودة فيقول: "إنّ دعوات الإصلاح الديني تبدو عندنا يسيرة الشأن، قريبة الغور، تعرض الأمور عرضاً بسيطاً سطحياً، فجملتها أننا ما تأخرنا إلا لترك الدين، وأنّه بالتمسك بالدين نتقدم ونسود كما ساد أسلافنا، إلى آخر ما تعرفون ممن يستطيع ترديده من يعرف، ومن لا يعرف، ويسهل على العامة في الطرقات، فلا أهداف محددة، ولا خطط عملية، ولا دراسة صحيحة لشؤون الاجتماع في الدين والحياة، بل تتجه العناية إلى التوافه من زي، وسمت، ومظهر، وكأن هذا كل شيء، ولعلكم تذكرون ما أحدث قطع زر الطربوش من معارك، أما علاج أمهات المشاكل في الحياة فهو عندهم بين سهل  التناول".

يعانى المسلمون في مراحل الانحطاط والتدهور من الإيغال في تفسير الدين تفسيراً أخروياً مبهماً

كأن أمين الخولي بهذا الكلام يجسد أزمة دعاة الإسلام السياسي الذين يرفعون شعار "الإسلام هو الحل" دون امتلاك برامج حقيقية تكشف لنا كيف يكون الإسلام هو الحل!! ولكنهم بهذا الشعار يستطيعون امتلاك قلوب العامة، والسيطرة على الرأي العام، ومن هنا يطالب الخولي بضرورة التعمق في النظر إلى الإسلام لأنّه محاولة إصلاحية كبرى لتنظيم روابط الجماعة الإنسانية.
ويرى الخولي أنّ الإسلام يملك قدرة متجددة على استمرار حضوره في المسائل الاجتماعية، والسبب في ذلك، كما يقول، أنّ القرآن الكريم قد عودنا في تدبيره الاجتماعي ألا يمس سوى الأصول الكبرى للإصلاح الإنساني تاركاً وراء ذلك من تفصيل للتدرج الحيوي، والجهاد العقلي ينتفع في ذلك بكل ما يسعفه عليه  نشاطه، ويؤهله له تقدمه، ويقدر الإسلام في ذلك اختلاف الأحوال، وتغير الزمان.
مشكلة المال في الإسلام
وحاول الخولى أن يطبق موقفه من علاقة النص بالواقع من خلال بعض المشكلات الاجتماعية مثل المال، والدلالة الاجتماعية للصيام، فيرى أنّ الإسلام جاء في مسألة المال بكليات عامة، من المهم توظيفها من أجل خدمة العلاقة بين الأفراد في هذه المسألة، فيؤكد أنّ القرآن الكريم قدّر للإنسان حب التملك "زُيّن للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده خير المآب"(آل عمران 14).

اقرأ أيضاً: كيف اختلف مشروع عبدالمتعال الصعيدي لإصلاح الأزهر عن غيره؟
فأصحاب الهدي القرآني بهذا يدركون أنّ هذا الهدي الخالد قد عرف للبشرية حبها للتملك، فأرضاها لون من الإرضاء يؤثر ثقتها بما يوجهها إليه من أجل تعلية هذه الغريزة، ولكن القرآن الكريم لم يترك رغبة الإنسان في التملك إلى ما لانهاية، ولكنه سعى إلى هزّ أركان هذه الملكية من خلال الإقرار أنّ المال مال الله تعالى، ولا بد من إخراج الزكاة للفقراء.
" وآتوهم من مال الله الذي آتاكم" (النور 33)
"لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون" (آل عمران 91)

ينتقد الخولي دعوات الإصلاح التي تختزل المشكلات الاجتماعية في المناداة بضرورة العودة إلى الدين دون تحديد الكيفية

"يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون" البقرة (54)
ومن ثم فإنّ نظرة القرآن الكريم إلى هذا المال في أيدي الواجدين، وصفته التي يعطونها الفاقدين، أنّهم إنما يعطون حين يقرضونه إعطاء التارك المتجاوز، وهذا إنّما هو تأسيس وتأصيل الشعور لدى واجدي هذا المال بعدم الأثرة في هذا الثراء، والتفرد بهذا الغنى، والحق المباشر في تلك الأموال، وهي الفكرة التي يعمل الهدي القرآني لتكوينها وترسيخها في نفوس أصحاب المال، ومن ثم يرفض الخولي ربط الإسلام بأي مذهبية اجتماعية مرتبطة بظروف وملابسات خاصة بها، في حين أنّ الإسلام لديه يدعم كل إصلاح اجتماعي، دون أن يلون بمذهب معين، ولون معين.
أهمية العمل في الإسلام
ومن المسائل الأخرى التي اهتم الخولي بالتركيز عليها، ومرتبطة بمسألة المال، هي مسألة تقدير العمل، ودوره في الحياة الإنسانية، فيرى أنّ النظرة الفاحصة للقرآن الكريم تدلنا على أنّه يصرّح بأنّ الحياة منظمة بنواميس عملية مضبوطة بنظم واقعية خارجية، والنجاح فيها، والظفر بخيرها، إنما هو مرهون بعمل العامل الخارجي، ومترتب على كفاحه العملي، ومرتبط بإدراكه الصحيح لواقع الأشياء الكونية، وتقديره السليم لنظم هذا العالم، وتدبيراته.
ويؤكد الخولي أنّه لن يغني الإنسان عن ذلك شيء آخر من شؤون اعتبارية معنوية، أو نفسية روحية، إلا إذا قام على واقع، وصار أمراً مشاهداً، وحاضراً ثابتاً، فما عدا العمل من نية طيبة، وسريرة خيرة، وخلق كريم، وعقيدة صحيحة إن كان وحده فقط وبلا عمل فلا جدوى له، ولا أثر في هذه الحياة الدنيا، وإذا كان مع العمل فنعم، فإنه يسدده، ويوفق خطاه.

القرآن عوّدنا في تدبيره الاجتماعي ألا يمس سوى الأصول الكبرى للإصلاح تاركاً التفصيل للتدرج الحيوي والجهاد العقلي

ومما لا شك فيه أنّ أمين الخولي قد اهتم بقيمة العمل؛ لأنّه أساس نهوض الأمة، وقيامها من حالة الركود والتخلف التي تعيش فيها، فمن مدعاة التعجب أن تكون الأمة الإسلامية التي تحمل هذه القيم في ذيل الأمم، ولذلك يرفض الخولي بعض التفسيرات التي ترى في أنّ الأخذ بالمعتقدات التعبدية، والشعائرية وحده كافٍ لمواجهة الواقع، وتغيير أوضاع المجتمع، ولهذا ينتقد الخولى كل النزعات التواكلية، التي تؤدي إلى الركون، والكسل، والخمول، ويؤكد أنّ القرآن الكريم أفهم الحياة لأهله وأخذهم فيها بهذا الناموس العملي، ولكن قد أخطأ المتدينون من الناس إذ ظنوا أنّهم إذا ما ردّدوا عقائد ودين، وأخذوا أنفسهم برسوم عبارته، وانتسبوا إلى أهله زياً وسمة، كانوا أحباء الله، وخلصاءه يحميهم من كل مغير، ويسخر قدرته لصد كل عاد عليهم، وطامع فيهم، فإنّ الحياة في نظر القرآن ليس ما سمعتم، وإنما دستوره  "وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون" (التوبة 105). "وأن ليس للإنسان إلا ما سعى" (النجم 39).
فالعمل عند الخولى هو الذي يرفع الناس درجات بعضهم فوق بعض، وهنا تكمن أهمية العمل، وقيمته في حياة الشعوب الإسلامية، والتي تحمل هذه القيم، ولا تعمل بها، ولهذا فهي في أدنى درجات الأمم الآن، كما تتكالب عليها الشعوب المستعمرة للسيطرة على مقدرتها، وثرواتها.

من المسائل التي ركز الخولي عليها ومرتبطة بمسألة المال تقدير العمل ودوره في الحياة الإنسانية

ومن منطلق التفسير الاجتماعي للإسلام فقد حاول الخولي أن يكشف عن البعد الاجتماعي للصيام، فيرى أنّ الهدف الاجتماعي للصوم هو ربط هذه العبادة بحياة الأمة، حتى تصير عاملاً فعالاً في إنعاش الحياة، وتلافي ظواهر النقص في نواحيها المختلفة من صحية، وعملية، على نحو ما تفعل الأمم الشاعرة بحق أفرادها في الحياة الكريمة، "ولهذا أشعر أنّ الهدف الاجتماعي لحل التدبير التعبدي في رمضان: أنّه موسم خير يقام سنوياً لعلاج مشكلة الفوارق، وتذليل مصاعبها".
وقد رفض الخولي توجه الصوفية نحو تشجيع مسألة الجوع، وتلمس الآثار لفضله، "لأنّ فلسفتهم حول الجوع ليس مما يرحب به هدي القرآن كثيراً، وأنّ الروح الحيوية التي امتاز بها الإسلام، وقررها في كتابه الكريم، لا تهتم كثيراً لما أطال به الصوفية من اعتبار الجوع سيد الأعمال، وأنه فضل العبادة، أو مخ العبادة، وأنّ ترحيبهم بما ينتهي إليه الجوع من الضعف حتى عن أداء العبادة المفروضة كالصلاة ليس مما يتفق كثيراً مع هذه الروح الجادة النشطة التي يحرص عليها الإسلام، وإنما هي روح دخيلة على الإسلام".

للمشاركة:

الثنائيات الضدّية المزيّفة في الثقافة العربية

2019-09-17

يجيد المثقفون العرب لعبة التنكّر لثنائية الدولة والمجتمع - وهي الثنائية الحقيقية الوحيدة الجديرة بالبحث- عبر افتعال وابتكار العديد من الثنائيات المزيفة التي استأثرت وما زالت تستأثر بما لا يعد ولا يحصى من المؤتمرات والندوات والأبحاث والمقالات.

اقرأ أيضاً: في سبيل تجديد المعرفة والثقافة.. ما الذي يمنعنا من التأثير؟
ولعل أقدم وأبرز هذه الثنائيات ثنائية (الأصالة والمعاصرة) التي لم تفعل أكثر من أنّها رسّخت التضاد الحاد بين الماضي والحاضر، فبدا الماضي بناية مهدّمة تقوم على حافة خندق يفصل بينها وبين بناية زجاجية بلا أبواب! وكأنّ الماضي لا يتواجد في الحاضر بصيغ مختلفة، وكأنّ الحاضر لا يلوّن الماضي بصور متعدّدة، وكأنّ من بشروا بالقطيعة المعرفية مع الماضي شرطاً لإنهاض الحاضر، يتجاهلون حقيقة أن أوروبا لم تقطع مع ماضيها الإغريقي أو الروماني أو الكلاسيكي البتة؛ بل إنّها كلّما تعالت دعوات بعض مفكريها لإحداث هذه القطيعة، ازدادت حنيناً والتصاقاً ومحاورة لموروثها.

يجيد المثقفون العرب لعبة التنكّر لثنائية الدولة والمجتمع عبر افتعال وابتكار العديد من الثنائيات المزيفة

وتليها ثنائية (نحن والآخر) التي زادت الفجوة بين العرب وكل ما هو غير عربي، إلى درجة يمكننا الزعم معها بأنّ حالة من الشوفينية العربية قد تصاعدت في العقود الثلاثة الماضية، استناداً إلى أمجاد غابرة، رغم الواقع المهزوم والمنتهك داخلياً وخارجياً، سواء على الصعيد السياسي أم على الصعيد الاقتصادي أم على الصعيد الاجتماعي أم على الصعيد الثقافي.
أما ثالثة الأثافي فتتمثّل في ثنائية (العرب والغرب) التي فاقمت الإحساس الجمعي بالاستهداف وفتحت مصاريع الأبواب على وسعها، لنظريات المؤامرة التي توحي بأنّ العالم المتقدم لا همّ له سوى التفكير بأمكر الخطط، لتدمير العالم العربي الذي أثبت المرة تلو المرة أنّه أمهر المدمرين لذاته!

اقرأ أيضاً: هل تجتمع الإنسانية مع العنف في الثقافة العامة؟.. مسلسل الهيبة نموذجاً
ولست بحاجة للتذكير بأنّ ثنائية (الهوية والخصوصية) قد راكمت على أرض الواقع ماهية سائلة وهلامية من جهة وفكرة مثالية متعالية من جهة أخرى، فغدت الهوية بالوناً يطير منفرداً في الهواء، بدلاً من العمل على أن تكون محصلة السلوك ونمط التفكير المأمول، حتى تظل صلبة وملموسة وقابلة للتحقق.

حالة من الشوفينية العربية تصاعدت في العقود الثلاثة الماضية استناداً إلى أمجاد غابرة رغم الواقع المهزوم والمنتهك داخلياً وخارجياً

كما لست بحاجة للتذكير بأنّ ثنائية (العولمة والخصوصية) قد كانت وما زالت مسخرة المساخر؛ لأنها أوحت بإمكانية التصدّي للعولمة عبر المحليّات والوطنيات، مع أنّ العولمة مرحلة متقدمة من الرأسمالية المتوحشة العابرة والساحقة للحدود والجنسيات والقارات، إلى درجة أنّها لا تتردّد في افتراس المراكز التي أنجبتها، ومع أنّ العولمة لا تخلو من العديد من المزايا التي أسهمت في تشبيك العالم فعلاً، وعلى رأسها وسائل التواصل الاجتماعي، ومع أنّ العولمة لا تضيق بالهويات المحلية شريطة التعامل معها بوصفها فولكلوراً قابلاً للتسليع والتسويق، ومع أنّ الأجدى لنا هو التفكير الجاد بكيفية حيازة شروط الالتحاق بنادي صانعي العولمة التي تحوّلت إلى واقع يومي يغمرنا من رؤوسنا حتى أخماص أقدامنا، بدلاً من الاستغراق في أوهام مواجهة العولمة بالقصائد والأناشيد، ومع أنّ أبسط شروط مواجهة العولمة تتمثّل في سياسات حماية الهوية الوطنية والصناعات المحلية، التي لا تستأثر بأدنى حد من عناية صانعي القرار المشغولين بتسيير أعمال أقطارهم على مدار اليوم، وأحياناً على مدار الساعة.

اقرأ أيضاً: يوسف هريمة: الثقافة العربية تقوم على صناعة الأصنام الذهنية
وفي مقدورك أيها القارئ العزيز أن تحدّث دون حرج عن ثنائية (المثقف والسياسي)، وكأنّ المثقف مهما بلغ انسلاخه عن الواقع يمكن أن لا يكون مسيّساً، وكأنّ السياسي مهما بلغت معاداته للثقافة يمكن أن لا يكون مثقفًا! فهل تراني غفلت عن التنويه بثنائية أخرى؟ نعم! لقد فاتني أن أشير لثنائية (الفصيحة والعامية)، التي ما فتئ حرّاس اللغة العربية يلوكونها منذ عقود، مع أنّهم يعلمون حق العلم أنّهما تجاورتا واقترضتا من بعضهما البعض منذ صدر الإسلام حتى اليوم، ومع أنهم يعلمون أنّ الفصيحة مؤسسة دينية وسياسية راسخة غير قابلة للزعزعة، ومع أنّهم يعلمون أنّ كبار النحويين والأدباء القدماء، لم يتحرّجوا من التصنيف في العامية كما لم يتحرّجوا من التنويه بالإمكانيات البلاغية والدلالية التي تشتمل عليها العامية.

ما فتئ حرّاس اللغة يلوكون ثنائية (الفصيحة والعامية) مع أنّهم يعلمون أنّهما اقترضتا من بعضهما منذ صدر الإسلام حتى اليوم

لماذا تترسّخ وتتكاثر هذه الثنائيات الضدّية المزيّفة إذن في الثقافة العربية المعاصرة؟ لأنها – ببساطة- مريحة جداً كونها توفر إمكانيات لا متناهية لتوليد ما لا يعد أو يحصى من ضروب التقابل أو التناقض أو الصراع الصوريّة، ولأنها يمكن أن توفر فرصاً جيدة للتخلّص من الشعور العميق بالذنب جرّاء التردّد في مناقشة الثنائية الحقيقية الوحيدة التي يجدر بالمثقفين التصدي لها، ألا وهي ثنائية (الحاكم والمحكوم) بصيغها المختلفة، وعلى كافة الصعد.
وأحسب أنّ مواصلة البحث في هذه الثنائيات العقيمة، بعيداً عن امتلاك الشجاعة الكافية للخوض في شجون وشؤون قضية (العقد الاجتماعي)، لن توصل الثقافة العربية بوجه عام والفكر العربي بوجه خاص، إلا إلى الآفاق المسدودة والعبثية التي سبق للمثقفين العرب أن بلغوها، حينما سمحوا لأنفسهم بالاستغراق في قضية (السرقات الشعرية) التي استنزفت جهودهم لثلاثة قرون على الأقل دون طائل. وأحب أن أذكّر أيضاً بالسفسطائيين الذين ملأوا القسطنطينية بسجالهم البيزنطي، حتى إذا حاصر محمد الفاتح أسوار مدينتهم لشهور وراحت مدافعه تدكّها دكّاً، لم يجدوا مسألة يناقشونها سوى (كم عدد الملائكة الذين يمكن أن يقفوا على رأس دبّوس؟!)، وقد سبقهم في بغداد نفر من أشباههم فراحوا يضجّون بالتساؤل: (أرأيت إن جلست على جلد بعوضة؛ تنجس أم لا تنجس؟!).

للمشاركة:

هل تمثل ولاية الفقيه إجماعاً في الفقه الشيعي؟

صورة محمد الزغول
باحث في الشأن الإقليمي والإيراني
2019-09-16

لعلّ المذهب الشيعي هو الوحيد بين المذاهب الإسلامية الذي يتمتع بإكليروس "كهنوت" ديني؛ إذ يُكوّن فيه رجال الدين طبقة اجتماعية خاصة بهم، تتمتع بمظهر مغاير، ومصدر دخل اقتصادي خاص، ومكانة مرموقة ضمن الهرم الاجتماعي.

اقرأ أيضاً: "ولاية الفقيه".. حين انقلب الخميني على الفقه السياسي الشيعي
ويمكن التمييز في قمة الهرم الشيعي بين عدة طبقات من كبار رجال الدين، تقع المرجعية في مقدمتها؛ إذ يبلغ الشخص مرحلة القوة في استنباط الأحكام من مصادر التشريع بحيث يصبح موضع اتّباع العامة من الشيعة، وفوق هذه الطبقة تأتي المرجعية العامة؛ وذلك حينما تتجاوز شهرة المرجع مدينته، وإقليمه الجغرافي، ويصبح مرجعاً دينياً على مستوى البلاد. وفوق كل ذلك تأتي طبقة المرجعية العليا؛ إذ يتشكل ما يشبه الإجماع في كل البلدان الشيعية على أعلميّة المرجع؛ وهو ما يجعله أشبه بالزعيم الديني للأمة الشيعية.

يمكن وصف المنهج التقليدي المتبع في الحوزات العلمية بالانشطاري كونه يكرّس دائماً تعدُّدية في المراجع والمدارس

ويمكن وصف المنهج التقليدي المتبع في الحوزات العلمية بالمنهج الانشطاري، كونه يكرّس دائماً تعدُّدية في المراجع والمدارس، ويمتلك فيه كل مرجع مدرسة مستقلة مرتبطة به، ويقوم طلبة المرجع بتوسيع نطاق مدرسته، عبر إعادة الدروس في المدرسة ذاتها، وتحت إشرافه، لعدد أكبر من الطلبة. أو يتوسعون بها جغرافيّاً، حينما يعود طلبة المرجع إلى مدنهم للترويج لمنهج مرجعهم، وتجميع المصادر المالية لصالحه، كل ذلك كان يؤدي في نهاية المطاف إلى عملية انشطارية، مؤداها إنتاج المزيد من مراجع التقليد، وهي ظاهرة ممتدة إلى يومنا هذا.

ولا شك أنّ فكرة "مرجعية التقليد" انطوت على أسس لما عُرف لاحقاً بـ"ولاية الفقيه"؛ إذ قامت على أساس تولّي الفقهاء رعاية الأمة الشيعية نيابةً عن الإمام المعصوم الغائب، وذلك بحسب النصوص التي أوكلتهم بإدارة "شؤون الحسبة". لكنّ تطور هذه الفكرة إلى رؤية سياسية حدث فقط، مع "الحركة الدستورية الإيرانية" في بدايات القرن العشرين؛ حيث اعتبر بعض الفقهاء أنّ الحكومة هي شأن من "شؤون الحسبة"، وبالتالي فإنّ الولاية عليها إنّما تكون للفقيه الذي يوكِّلُ بدوره عليها السلطان.

اقرأ أيضاً: 6 معارضين من علماء الشيعة لولاية الفقيه.. لماذا رفضوها؟
وبهذا المعنى فإنّ نظرية ولاية الفقيه لم تكن حصيلة رؤى مُنظّري الثورة في إيران، كما يظن كثيرون، بل تمتد جذورها إلى ما قبل ذلك، لكنها كانت أقرب إلى "نظرية سياسية"، ولم تصبح "نظرية في الحكم" إلا بعد الثورة الإيرانية، ولم تكتمل كـ "نظرية دولة"، إلا بعد مرور عدة سنوات، على الأقل، من عمر الثورة الإيرانية؛ إذْ تطورت تفاصيلها لكي تكون رؤية شاملة لإدارة شؤون الدولة.
وأسهم في تطوير نظرية ولاية الفقيه إلى جانب الخميني عدد آخر من رجال الدين الشيعة، مثل؛ حسين علي منتظري، ومحمد باقر الصدر، وبين هؤلاء الثلاثة، يمكن ملاحظة فوارق جمّة في المساحة التي يمكن أن تتضمنها ولاية الفقيه جغرافياً أو سياسياً أو تشريعياً، كما يمكن العثور على فوارق مهمة في طريقة تسمية الولي الفقيه، ومصادر شرعيّته.

اقرأ أيضاً: لماذا "ولاية الفقيه" حدث طارئ في السياق الشيعي العربي؟

وبالنظر إلى النسخة التي تبنّاها الدستور الإيراني من "ولاية الفقيه"، يمكن تسجيل عدد من الإشكالات الرئيسة التي واجهتها، أو خلقتها الفكرة؛ فهذه النظرية، وإن كانت في الظاهر استمراراً لسطوة المرجعية الشيعية، وتتويجاً لها، إلّا أنّها خلقت ازدواجيةً تمثلت في ثنائية "المرجعية الشيعية/الولي الفقيه"؛ إذْ أصبحتَا مؤسستَيْن مختلفتَيْن ومتمايزتَيْن؛ فليس كلّ مرجعٍ شيعي وليّاً فقيهاً، كما أنّه لا يجب على الولي الفقيه أن يكون مرجعاً من مراجع التقليد وفق الدستور الإيراني.

هذا الوضع المعقد طرح تساؤلات كبيرة، هزّت أركان مؤسسة الولي الفقيه، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أنّ نظرية ولاية الفقيه ليست نظرية الأغلبية من فقهاء الشيعة إلى يومنا هذا، وإنّما هي بنسختها الحالية، نظرية الندرة من الفقهاء؛ ما يجعلها مهدّدة دوماً من قبل الحاضنة الفقهية. ويمكن الإشارة إلى أنّ "أبو القاسم خوئي"؛ وهو أحد أكبر مراجع التقليد في زمانه، كان يرفض "ولاية الفقيه" جملةً وتفصيلاً، مؤكداً ألّا خبر في السنة، والعترة يدل عليها. وكذلك كان رأي كل من: محمد هادي ميلاني، ومحمد كاظم شريعتمداري، ومحمد علي أراكي، ومحمد حسين طبطبائي، ومحمد حسين فضل الله، وعلي سيستاني، ومحسن الحكيم؛ ما يجعل الخميني شبه منفرد في زمنه بهذه النظرية.

اقرأ أيضاً: هل يتفق نظام ولاية الفقيه مع الجمهورية الإسلامية؟ معارضان إيرانيان يجيبان

ومما زاد الوضع صعوبة، أنّ مراجع التقليد الذين كانوا يؤيدون فكرة ولاية الفقيه، كانوا يؤكدون في الوقت ذاته أنّه يتعيّن على الولي الفقيه أن يكون مرجعاً للتقليد على أقل تقدير، إن لم يكن المرجع الأعلى أو المرجع العام. والحال أنّه إذا كان كثير من مراجع الشيعة (وليس كلهم) يرون أنّ الخميني كان مرجعاً عاماً، فإنّهم بالإجماع، لا يرون مثل هذه المكانة لخلفه خامنئي.
ولذلك ظلّ خامنئي يعاني من هذا الخلل في شرعيته الدينية على الرغم من سنوات حكمه الطوال، ثم إنّ ما تبنّته وجهة النظر الرسمية الإيرانية من أولوية حكم الولي الفقيه على حكم مراجع التقليد، وضرورة اتّباعهم له في حال حدوث تناقض في الأحكام (وهي فكرة طرحها هاشمي رفسنجاني لأول مرة، وكررها من بعده بعض الفقهاء مثل مكارم شيرازي) يتعارض مع شمولية ولاية مراجع التقليد في الحياة الدينية لأتباعهم، ولذلك يعارض الكثير من الفقهاء الشيعة وجهة النظر الرسمية الإيرانية هذه.

وبالنظر إلى هذه الازدواجية في الولاية، بين مؤسستي "المرجعية" و"ولاية الفقيه"، والصراع الذي تجتلبه، اتجه النظام الإيراني إلى التصدي للأخطار المحتملة القادمة من مؤسسة المرجعية عبر اتخاذ تدابير احترازية، وإجراءات تنظيمية وتوجيهية من أجل ترويض مؤسسة المرجعية أو تحييدها؛ فقام بتأسيس نظام شامل يوحد مختلف الحوزات العلمية تحت عنوان "منظمة الحوزات العلمية"، ووضعه تحت إشراف "مركز إدارة الحوزات العلمية"؛ وهو إطار يشبه وزارة التعليم العالي المشرفة على الجامعات. وجرى تأسيس "رتب علمية" موحدة، ينبغي على طالب العلوم الدينية بلوغها، ضمن "نظام علامات" مُوحَّد؛ تبدأ من مستوى المتعلم المبتدئ، وتنتهي إلى مستوى دروس الخارج، ليحصل من يبلغها على درجة الاجتهاد. واستولى النظام من خلال هذه المؤسسات على إدارة "اقتصاد المرجعية"، عبر تنظيم وتقنين عمليات جمع، وتوزيع الصدقات، وزكاة الخمس، وإدارة الأوقاف.

اقرأ أيضاً: هل يختلف الشيعة على مفهوم ولاية الفقيه؟

كان ذلك ثورة حقيقية في تغيير المنهج، ثم قدّم النظام الإيراني قائمة بمراجع الرسميين الذين يجوز تقليدهم؛ وهي خطوة لم يسبق لها مثيل في تاريخ المؤسسة الدينية الشيعية، كما جرى تقييد نشاط مراجع التقليد الذين يعارضون نظرية ولاية الفقيه، وبشكل تعسفي وخشن أحياناً. وتوّج النظام الإيراني جهوده "الترويضية" هذه، بإنشاء محكمة خاصة برجال الدين في إيران.

وبطبيعة الحال لم تكن هذه التغييرات موضع ترحيب من مراجع التقليد الذين اعتبروها انحرافاً عن المنهج السليم لدراسة العلوم الدينية، ومانعاً على طريق استقلال الحوزات العلمية، لكن النظام السياسي تمكن من فرضها، وتكريسها عبر حزم مختلفة من المحفزات، والعقوبات.

ما قام به النظام السياسي في إيران على صعيد إعادة هيكلة مؤسسة المرجعية، وتقنينها، وترويضها آتى ثماره في دعم وتكريس الرواية الرسمية الإيرانية للفقه الشيعي. وفتح الباب أمام هيمنة مراجع تقليد متناغمين مع سلطة الولي الفقيه، وأغلق الأبواب على مراجع التقليد المعارضين.

لم تنجح بعدُ عملية ترويض المرجعية خارج الحدود الإيرانية خاصة في النجف التي تنافس قُم

إلّا أن "عملية الترويض والتحييد" هذه، ما زالت تواجه بعض العقبات العملية؛ فالساحة لم تخلُ بعدُ من وجود مراجع تقليد معارضين لفكرة ولاية الفقيه، ولسياسات النظام الإيراني، أو لبعض تصرفات القائد الأعلى.
لم تنجح بعدُ عملية ترويض المرجعية خارج الحدود الإيرانية، خاصة في النجف التي تنافس قم في عدد المراجع والمدارس الدينية. وبالرغم من الجهود التي يبذلها النظام الإيراني للتأثير على العالم الشيعي غير الإيراني، عبر حقن مراجع تقليد إيرانيين في هذا العالم (مثل ما حدث في محاولة طرح هاشمي شاهرودي للمرجعية في العراق)، لكنّ الهيمنة والسطوة في العالم الشيعي، لا تزال بيد مراجع تقليد تخرجوا من حوزات العراق. وهناك ظاهرة أخرى أسهمت في عرقلة جهود النظام الإيراني، تمثلت بهجرة عددٍ من علماء قم إلى النجف، بُغية التخلص من الضغوط، وهو ما عزّز فرص التعارض بين النجف وقم في المناحي السياسية.

اقرأ أيضاً: آية الله خامنئي: الانتقال من ولاية الفقيه إلى السيطرة العسكرية
لذلك اتجه النظام الإيراني إلى العزف على الحدود الجغرافية لمؤسسة المرجعية؛ حيث طرح قضية أن يكون المرجع ضمن الحدود الجغرافية (وهي قضية تُطرح لأول مرة أيضاً في تاريخ الفقه الشيعي)، إلا أنّ الأمر لم يُجْدِ نفعاً بعدُ؛ إذْ لا تزال فئات عريضة من المجتمع الإيراني المتديّن، تُقلد مراجعَ في العراق، ومنهم السيستاني.
وفي المجموع، يمكن القول إنّ عملية إعادة هيكلة المرجعية الشيعية، والخطوات التي قام بها النظام الإيراني في سبيل ترويضها، حقّقت نجاحات ملحوظة حتى الآن، على الرغم من أنّها واجهت بعض العقبات الجغرافية والظرفية والفقهية. فقد جرى إخضاع معظم المؤسسة الدينية الشيعية لسلطة الولي الفقيه، والنظام السياسي الإيراني. لكن لو أخذنا بعين الاعتبار أننا بإزاء مؤسسة حافظت على استقلالها لأكثر من ألف عام، وأنّها مؤسسة دينية عابرة للحدود الجغرافية، وكانت في معظم المراحل التاريخية خارج الهيمنة المباشرة للسلطة السياسية، ندركُ حينها أنّ عملية إعادة هيكلة هذه المؤسسة، وترويضها، تنطوي على انعكاساتٍ ومخاطرَ جمّة، ستُهدّد مستقبل الفقه الشيعي بشكل عام، وتُفقِده إحدى أهم مزاياه، وسماته التاريخية، وهي الاستقلال عن السلطة السياسية، وحصانته من تقلباتها. وذلك لأسباب عدة، منها تعارض الجغرافيا الدينية مع الجغرافيا السياسية، وتراجع أهمية المؤسسة الدينية، نتيجة تحوّلها إلى مجرد أداة في يد السلطة السياسية.

للمشاركة:



الإمارات تواصل حملة الاستجابة العاجلة في المحافظات اليمنية المحرَّرة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

تواصل دولة الإمارات تقديم قوافل الإغاثة في عدد من المحافظات اليمنية، ضمن حملة الاستجابة العاجلة التي أطلقتها في مجال الإغاثة والصحة والتعليم والنظافة في اليمن، مطلع الشهر الجاري، بمناسبة عام التسامح 2019، وذلك ضمن المبادرات والمشاريع الإنسانية التي تواصل الإمارات تنفيذها عبر أجنحة العمل الإنساني في المحافظات اليمنية المحررة، منها: عدن، ولحج، وأبين، والضالع، وحضرموت، وشبوة، والساحل الغربي اليمني "الحديدة وتعز".

حملة الاستجابة العاجلة تتضمن توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلٍّ من عدن ولحج وأبين

وتضمّن الجانب الإنساني والإغاثي في حملة الاستجابة العاجلة؛ توزيع 15 ألف سلة غذائية في كلّ من عدن ولحج وأبين، وتستهدف لإغاثة أسر الشهداء والمتضررين والأسر المتعففة، وفق وكالة "وام".

وبادرت الفرق التطوعية التابعة للهلال الأحمر الإماراتي في عدن بتنفيذ حملة الاستجابة العاجلة، منتصف شهر آب (أغسطس)، والتي شملت توزيع أكثر من 3000 سلة غذائية، استفاد منها 21000 نسمة، إضافة إلى توزيع أكثر من 80 ألف لتر من المياه الصالحة للشرب في عدد من أحياء عدن.

كما دشّن الهلال الأحمر الإماراتي حملة إغاثة واسعة في مدينة زنجبار، عاصمة محافظة أبين، ومنذ انطلاق الحملة وزعت الفرق التطوعية التابعة للهيئة أكثر من 2000 سلة غذائية، استفاد منها 14000 نسمة، وما يزال تسيير القوافل وتوزيعها مستمر.

وفي هذا السياق، قال خالد إبراهيم، منسّق المنظمات الإغاثية في محافظة أبين: إنّ "دولة الإمارات بدأت حملة استجابة عاجلة تتمثل بمواد إغاثية وتوفير الأدوية لمستشفيات المحافظة، وتدشين حملة نظافة واسعة، ومواساة أسر الشهداء والجرحى، وتقديم المساعدات لهم"، معرباً عن تقديره وامتنانه لهذه المساعدات.

من جانبهم، أعرب المواطنون المستفيدون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تنفّذها دولة الإمارات في محافظة أبين.

بدوره، سيّر الهلال الأحمر الإماراتي قافلة إغاثية إلى منطقة الخداد بمديرية تبن في محافظة لحج، تعدّ أول إغاثة تصل إلى المنطقة.

وتواصل هيئة الهلال الأحمر الإماراتي توزيع المساعدات الإغاثية والغذائية في محافظة حضرموت؛ حيث وزعت الهيئة 1115 سلة غذائية، استفاد منها 5575 نسمة من الأسر الفقيرة والمحتاجة؛ في الديس الشرقية، ومناطق دمون والفجيرة بمديرية تريم بالوادي، ومناطق الغرف والردود وشريوف بمديرية تريم بوادي حضرموت.

المواطنون يعبّرون عن فرحتهم وسعادتهم بوصول الحملة الإغاثية التي تقوم بها الإمارات في اليمن

كما وزّعت هيئة الهلال الأحمر الإماراتي مساعدات غذائية على ذوي الدخل المحدود، بمنطقة عريض آل الشيخ في مديرية مرخة السفلى بمحافظة شبوة، وذلك في إطار جهودها الإنسانية والإغاثية التي تبذلها على مختلف الأصعدة، لمساعدة الأشقاء في اليمن والتخفيف من معاناتهم وتحسين ظروفهم المعيشية.

وقام الهلال الأحمر الإماراتي بتنفيذ حملات إغاثية لمساعدة متضرري السيول في الساحل الغربي؛ حيث وزّعت الفرق التطوعية 180 ألف سلة غذئية استفاد منها مليون و260 ألف نسمة في الساحل الغربي اليمني، منذ بدء عام التسامح 2019، حتى شهر أيلول (سبتمبر) الجاري.

يذكر أنّ إجمالي السلال الغذائية التي تمّ توزيعها منذ انطلاق عام التسامح 2019 حتى شهر ايلول (سبتمبر) الجاري أكثر من 320 ألف سلة غذائية، استفاد منها مليونان و240 ألف نسمة في مختلف المحافظات اليمنية المحررة.

 

للمشاركة:

نصف مليار شخص في العالم محرومون من الصحة والتعليم.. تقرير دولي

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

كشف تقرير دولي؛ أنّ نحو نصف مليار شخص في العالم ما يزالون محرومين من أساسيات الصحة والتعليم.

وأظهر تقرير أعدته مؤسسة "بيل وميليندا جيتس"، اليوم؛ أنّه "رغم مكاسب التنمية التي تتحقق في العالم باطراد، فإنّ محل الميلاد ما يزال أهم عامل للتكهن بصحة أيّ مولود، والوضع يكون أصعب إذا كان المولود أنثى، بغضّ النظر عن مكان الولادة"، وفق ما نقلت وكالة "رويترز".

الفجوات بين الدول وبين الجنسَيْن تثبت أنّ الاستثمارات العالمية في التنمية لا تصل للجميع

وقال التقرير، الذي يرصد تطورات الحدّ من الفقر وتحسين الصحة: "الفجوات بين الدول والمناطق وبين الفتيان والفتيات تثبت أنّ الاستثمارات العالمية في التنمية لا تصل للجميع".

وكشف التقرير؛ أنّه "رغم المكاسب التي تحققت في إتاحة التعليم للفتيات، فإنّ فرص المرأة في الحياة ما تزال مرهونة بالأعراف الاجتماعية والقوانين والسياسات التمييزية والعنف على أساس النوع".

وقالت الرئيسة التنفيذية للمؤسسة، سو ديزموند هلمان، في مقابلة تناولت نتائج التقرير: إنّ "التحذيرات الأبرز هي المخاطر المتعلقة بالنوع والجغرافيا".

وأشارت إلى بيانات في التقرير تظهر، على سبيل المثال؛ أنّ عدد الأطفال الذين يموتون في تشاد يومياً، يفوق عدد الأطفال الذين يموتون سنوياً في فنلندا! وأنّه في الوقت الذي يصل فيه متوسط التعليم في فنلندا إلى الالتحاق بالجامعة، فإنّ الطفل العادي في تشاد لا ينهي تعليمه الابتدائي.

وتابعت: "النوع ما يزال عاملاً سلبياً كبيراً، يؤثر على المساواة؛ لذلك فإن معالجة عدم المساواة بين الجنسين هو أهم شيء".

عدد الأطفال الذين يموتون في تشاد يومياً يفوق عدد الأطفال الذين يموتون سنوياً في فنلندا

وأضافت: "إذا كان المولود أنثى في أحد أفقر الأنحاء في إفريقيا، فإنّ الموقع الجغرافي لن يكون في صالحها أيضاً".

واستطردت: "لا يمكن قبول أن تكون احتمالات وفاة الطفل في تشاد أعلى 55 مرة من مثيلتها في فنلندا".

يذكر أنّ مؤسسة "جيتس" تصدر هذا التقرير سنوياً؛ لرصد التطور في تحقيق أهداف الأمم المتحدة للتنمية المستدامة التي تشمل الحدّ من التمييز والفقر وتحسين الصحة على مستوى العالم، بحلول عام 2030.

 

للمشاركة:

قوات الجيش اليمني والتحالف تهاجم تمركزات الحوثيين في هذه المناطق

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

شنّت قوات الجيش اليمني وتحالف دعم الشرعية هجوماً برياً وجوياً على مواقع حوثية بمحافظة حجة، شمال غرب البلاد، أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من عناصر الميليشيات الإرهابية.

مدفعية الجيش الوطني تستهدف مواقع وتعزيزات للميليشيات الإرهابية شرق مديرية حيران

وذكر المركز الإعلامي للقوات المسلحة اليمنية، في بيان؛ أنّ مقاتلات التحالف استهدفت مجاميع حوثية في عزلة بني حسن، شمال مديرية عبس، وأسفرت عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الميليشيات.

ونقل البيان عن مصدر عسكري؛ أنّ مدفعية الجيش الوطني استهدفت مواقع وتعزيزات للميليشيات الانقلابية، وتمكّنت من تدمير رتل لعناصر حوثية شرق مديرية حيران، إضافة إلى تدمير آليات قتالية بينها "مدفع" شرق حيران".

يأتي ذلك غداة سقوط عشرات القتلى والجرحى في صفوف الميليشيات الحوثية الانقلابية، في عملية إفشال هجوم شنّته عناصرهم على محاور مختلفة في حيران وعبس وحرض، بمحافظة حجة.

وأكّدت مصادر ميدانية؛ أنّ قوات الجيش الوطني أفشلت محاولات الهجوم الحوثية، وأجبرت عناصر الميليشيات على التراجع والفرار.

طيران تحالف يستهدف تمركزات ميليشيات الحوثي الإرهابية في محورَي عبس وحرض

واستهدف طيران تحالف دعم الشرعية عدة مواقع تتمركز فيها ميليشيات الحوثي في مديرية حرض، ودمر أطقماً كانت تحمل تعزيزات وذخائر ومنصة إطلاق صواريخ ومخازن أسلحة حوثية في محوري عبس وحرض.

وكانت قوات الجيش اليمني، مسنودة بتحالف دعم الشرعية، قد أطلقت، نهاية الشهر الماضي، عملية عسكرية على مشارف مدينة حرض الحدودية، أسفرت عن تحرير نحو عشرين قرية متاخمة للمدينة، وأسر ٢٣ عنصراً حوثياً، وخسائر فادحة تكبدتها الميليشيات في العتاد والأرواح .

 

للمشاركة:



لماذا بقيق؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

سوسن الشاعر
الهجوم على "بقيق" في المملكة العربية السعودية يؤكد ثلاث حقائق مهمة، الأولى حجم الضغط الحقيقي الذي تشعر به إيران، والحقيقة الثانية أن أذرعها "العربية" أينما كانت هم جيش إيراني بامتياز، أما الحقيقة الثالثة علينا تجاهل تصريحات المسؤولين الإيرانيين وإعلامها تماماً، فتلك لا تزيد عن بروباغندا أجادتها إيران لفترة من الزمن وانتهت صلاحيتها، أما الحقيقة الأخيرة والأهم فهي أن المملكة العربية السعودية ترد بهدوء بأنها قادرة على تعويض النقص الذي تحتاجه الأسواق النفطية، وهنا بيت القصيد!!

مجرد أن تعلم إيران قامت باستعداء عالمي لا أمريكي فحسب حين أوعزت لوكلائها سواء كانوا في اليمن أو العراق أن يهاجموا معامل النفط في السعودية، فتأكد أنها متضررة داخلياً بشكل كبير ومربك بالنسبة لنظامها، خاصة مع اقتراب احتمال اجتماع روحاني وترامب على هامش اجتماعات الأمم المتحدة، لأنها تعلم أنها بهذا الفعل تقوض المبادرات الفرنسية التي تحاول إنقاذها وتخليصها، وأنها تحرج ماكرون الذي يحاول أن يعيد تسويقها من جديد، ومع ذلك لا تبالي بهذه النتائج، فقيامها بهذا الفعل يؤكد أن صبرها، الذي جعلها تبدو هادئة وغير متأثرة منذ بدأ تنفيذ العقوبات إلى الآن، قد بدأ ينفد، وأن العقوبات بدأت تؤثر بالفعل على الداخل.

فصادراتها النفطية تقلصت من ثلاثة ملايين برميل إلى 300 ألف برميل يومياً، والعقوبات تخنق صادراتها من التعدين أيضاً، وتطال مساراتها المالية التي تغذي بها وكلاءها "العرب"، فلا يخلط الأوراق بهذا الشكل من كان مسترخياً كما يدعي وغير متأثر كما يروج، أنها تضعف أوراقها التفاوضية وتقيد حلفاءها.

الحقيقة الثانية هي "الجيش العربي" الذي يقع تحت قيادة إيرانية يقود حرباً على المملكة العربية السعودية من العراق ولبنان واليمن، مطلقاً صواريخ إيرانية وطائرات إيرانية مسيرة لا تحدث أضراراً كبيرة ولكنها تحدث عملية استنزاف طويلة الأمد وقليلة الخسائر على الطرف الذي يقودها، والأهم أنها تحدث ضجة أكبر على المستوى الإعلامي، وهذا ما تلعب به إيران أي حرب "البروباغندا".

في نهاية المطاف نعود للحقيقة الأهم من هذا كله، إيران تحاول أن تحدث نقصاً في الإمدادات النفطية، والمملكة العربية السعودية تعرف ذلك جيداً وتملك من النفس الطويل والهدوء في ردة الفعل مما يبطل مفعول جميع هذه المحاولات.

تحاول إيران أن تحدث نقصاً في السوق النفطية من أجل الضغط على ترامب لدفعه للتفاوض والإسراع بقبول العروض الإيرانية، لذلك تسارع المملكة العربية السعودية بنفي أي تأثر وتعويض السوق بالسرعة المطلوبة، فهذا هو الاتفاق الذي يضمن استمرارية العقوبات والضغط على إيران.

ما يهمنا ويهم المملكة العربية السعودية أن تستمر العقوبات الاقتصادية، وأن نوسع دائرة التحالفات حتى لا تتم عملية الاختراقات التي تعمل عليها إيران.

الوقت في صالحنا ولسنا من يتعرض للضغوطات، لذلك ضبط النفس والنفَس الطويل هما أهم الأدوات التي نحن بحاجة لتعزيزها.

عن "الوطن البحرينية"

للمشاركة:

الملالي وطوق النجاة: ارتهان أمن المنطقة بمنطق الميليشيا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

يوسف الديني

أصبحت كل أزمات المنطقة مرتبطة بشكل جوهري بوضعية دولة الملالي في طهران التي ترسل أذرعها لتهديد المنطقة عبر الميليشيات التي تدعمها في العراق ولبنان، وبشكل مركز الآن في اليمن من خلال ميليشيات الحوثي.
تركز إيران على استراتيجية نقل المعركة إلى الخارج لتخفيف أزمتها مع المجتمع الدولي في الملف النووي، مستغلة أنه لا يأبه بغير المصالح الاقتصادية. ربما لهذا السبب تحديداً تدرك دولة الاعتدال وفي مقدمتها السعودية أن دولة الملالي، الراعية للإرهاب في المنطقة والمتحالفة مع دول التصعيد ضد استقرار ومنطق الدولة وفي مقدمتها تركيا وذراعها الإعلامية قطر - «الجزيرة» -، تحاول إدارة أزمتها عبر استثمار حالة «الفزع» التي يعيشها المجتمع الدولي تجاه ملفات المنطقة وحضيض الوضع الأمني والاقتصادي وانتعاش الميليشيات، إذ يحاول الملالي في لغتهم مع الدول الأوروبية الضعيفة أمام إمدادات النفط استخدام الشعارات البلاغية في إيصال حقيقة لطالما بشروا بها وهي تفجير الأوضاع في المنطقة واللعب على إمدادات النفط، وكان آخرها، نقل تصعيد ميليشيا الحوثي من الصواريخ إلى الطائرات المسيرة التي قاموا بتدريبهم عليها، بسبب قدرتها على التخريب بأقل الإمكانات في ظل صمت المجتمع الدولي عن إعادة موضعة الميليشيا كمنظمة إرهابية، وليس كطرف نزاع حتى بعد تغير الأوضاع في اليمن واختطاف الدولة وتغيير هويتها السياسية، فإيران تعتبر نفسها كياناً ثورياً عابراً للقارات محكوماً بمنطق الميليشيات والحرس الثوري، وليس الدولة التي تداعب أحلام الدول الأوروبية حول صيغة توافقية في ظل ارتباك البيت الأبيض في اتخاذ خطوات حاسمة تجاه الوضع في إيران، بسبب عامل الوقت والانتخابات. الملالي يرون في المنطقة جغرافيا يجب حرثها من جديد عبر التخريب، بحيث لا تبقى مستقرة في حال انهيارهم الداخلي أو قدرتهم على جر المنطقة إلى حرب كبرى لا يريدها أحد.
في السياسة لا مجال للعاطفة أو التحليل المبني على معطى رمزي عادة ما يتم الحديث عنه بنرجسية بالغة، وهو الوطن العربي الكبير الذي تحول إلى أوطان مهددة بانقسامات صغيرة وهشة، واللافت في الموضوع أن رمزية «الوطن» غير المقسم وبطريقة عاطفية هي الحجة التي يرفعها أنصار الشرعية في اليمن، لكنه لم يرتق إلى مستوى الحتمية التي يجب الحفاظ عليها عبر مصالحة شاملة بين كل الأطراف، خصوصاً الفاعلين في الجنوب الذين لا يرون أبعد من تجاوز إخفاقات صالح في إدماجهم بعد الوحدة القسرية.
الأكيد أن سيناريو التقسيم هو هدف ميليشيا الحوثي والملالي لتفرد ذراعهم بالشمال وتهديد أمن المملكة، وهو ما تدرك السعودية مبكراً خطورته، كما تدرك بالتالي مسؤوليتها في حث الفاعلين في الجنوب على المصالحة، وإيجاد صيغة تفاوضية عادلة تمكنهم من اقتسام السلطة دون استئثار الشمال الذي اتخذ أشكالاً متعددة من رحيل الاحتلال البريطاني.
المعطيات الجديدة التي أفرزتها لنا الأزمة اليمنية التي لعب فيها صمت المجتمع الدولي وتباطؤه وتقاعسه عن طرح حلول جادة أو التفكير خارج صندوق المصالح الضيقة تبدو كارثية جداً، ويوماً بعد يوم تزداد الفجوة بين الأطراف المؤثرة في اليمن بسبب حالة الشره السياسي، وتركة صالح الثقيلة من الانقسام وضعف مستوى النخبة السياسية، وهي معطيات لا يمكن للتحالف تحمل مسؤوليتها دون اليمنيين.
يجب على الفاعلين في اليمن الخروج من ثنائية منطق القوة والغنيمة، من خلال التأثير على وضعية الداخل عبر استثمار التقدم على الأرض كل في سبيل أجندته السياسية وليس الوطن الواحد الموحد، ومن هنا فإن الانفصال بين «الثوار» أو المقاتلين الفاعلين على الأرض، وبين من يتحدثون باسمهم في الخارج، يبدو كبيراً في حالة قد تلقي بظلالها على مستقبل اليمن بشكل جذري وغامض.
النظام الإيراني يهمه نفوذه وسلطته في المنطقة أكثر من وضعيته المتراخية مع المجتمع الدولي التي يلعب فيها على عامل الزمن، وفيما يخص اليمن يحرص على تقوية وضعية ذراعه في الشمال عبر سيطرة ميليشيا الحوثي على أكبر قدر من الأرض، واستمرار تهديدها العبثي والفوضوي للتخفيف على إيران مما يعرض أمن منطقة الخليج إلى حالة التهديد الدائم، لكن ما لم يدركه الملالي في ظل هذا الصلف والتمادي هو أن الوضع الآن انتقل من تهديد أمن الملاحة الدولية إلى إمدادات النفط التي لا يمكن التعامل معها بذات الوضعية المتراخية للملف النووي، وهو ما يعني المزيد من فرص الانقسام في اليمن، ليس بفعل وضعية التحالف، وإنما نتيجة أخطاء فادحة من التيارات السياسية والفاعلين الذين لا يفكرون أبعد من أرنبة مصالحهم.

عن "الشرق الأوسط" اللندنية

للمشاركة:

نصرالله "قائم مقام" علي خامنئي وحامل سيفه

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-09-17

هشام ملحم

في ذكرى عاشوراء، جدد الأمين العام لـ "حزب الله" اللبناني حسن نصرالله ولاءه وولاء حزبه المطلق للجمهورية الإسلامية في إيران، ونصّب قائدها آية الله علي خامنئي، "حسين" هذا الزمان، وشبّه النزاع السياسي والاستراتيجي بين إيران ومحورها والولايات المتحدة وحلفائها، "بمعركة الحق والباطل، وفي معركة الحسين ويزيد."، مشددا على أنه لا حياد في مثل هذه المعركة الوجودية.

وغالى نصرالله في لغته الغيبية حين قال "نحن من لبنان نقول للعالم إن إمامنا وقائدنا وسيدنا وعزيزنا وحسيننا في هذا الزمان هو سماحة آية الله العظمى الإمام السيد علي الحسيني الخامنئي دام ظله، وأن الجمهورية الإسلامية في إيران هي قلب المحور... نرفض أي مشروع حرب على الجمهورية الإسلامية في إيران، لأن هذه الحرب ستشعل المنطقة، وتدمر دولا وشعوبا، ولأنها ستكون حربا على كل محور المقاومة".

تحدث نصرالله وكأنه مَرْزُبان (حاكم ولاية فارسية) وهذا المفهوم أو التقليد السياسي ـ الإداري لحكم الولايات البعيدة، الذي أتقنته الامبراطورية الفارسية القديمة، يعرف الآن بالإنكليزية بكلمة Satrap التي دخلت إلى اللغة الإنكليزية في القرن الرابع عشر، بعد أن عبر أصلها الفارسي في تنويعات إغريقية ولاتينية وفرنسية.

وهذا الأسلوب الفارسي القديم للحفاظ على المقاطعات المختلفة للإمبراطورية، يعرفه اللبنانيون في تاريخهم الحديث بمنصب قائم مقام في الدولة العثمانية، أي قائم مقام الباب العالي.

حروبنا الأهلية وحروب الآخرين

الحروب التي شهدها لبنان منذ 1975، والتي لم تنته حتى الآن بسلم حقيقي ووفاق وطني قابل للحياة، كان لها أسباب سياسية واقتصادية واتسمت، بسبب طبيعة النظام السياسي والتركيبة الاجتماعية للبلاد، بأبعاد طائفية ومذهبية، واكتسبت أبعادا إقليمية زادتها تعقيدا، بسبب الوجود الفلسطيني في لبنان والنزاع العربي ـ الإسرائيلي، وتنافس، لا بل تصارع دول المنطقة فوق أرض لبنان وإن بأدوات لبنانية.

معظم الحروب الأهلية، وخاصة تلك التي لا تحسم بسرعة وتتصارع فيها أطراف عديدة وتطول لسنوات، تؤدي حتميا إلى تورط جيرانها فيها.

وحدها الحرب الأهلية الأميركية (1861 ـ 1865) من بين الحروب الأهلية الكبيرة في القرنين الماضيين، والتي انتهت بغالب ومغلوب بعد سقوط 750 ألف جندي، لم تتدخل فيها دول أخرى لأن أميركا محاطة بمحيطين ضخمين في الشرق والغرب ودولتين أضعف منها في الشمال والجنوب، كندا والمكسيك.

ولكن الحرب الأهلية الإسبانية (1936 ـ 1939)، التي أدت إلى مقتل نصف مليون نسمة، هي النقيض للحرب الأميركية، لأن دولا أوروبية مثل ألمانيا النازية وإيطاليا الفاشية والبرتغال أرسلت عشرات الآلاف من الجنود للقتال إلى جانب المتمردين اليمينيين وحلفائهم المحافظين، بينما أرسل الاتحاد السوفياتي مئات الجنود والطيارين للقتال إلى جانب الحكومة الجمهورية اليسارية (جوزف ستالين لم يفعل ذلك تضامنا مع اليسار، بل لقاء كميات كبيرة من احتياط الذهب الاسباني).

وانضم إلى الجمهوريين اليساريين أكثر من 40 ألف متطوع أجنبي حاربوا كألوية دولية، من بينهم حوالي 2800 أميركي نظموا أنفسهم باسم "لواء لينكولن" تيمنا بالرئيس أبراهام لينكولن.

القتال الشرس الذي جرى بين هذه القوات (من بينها أكثر من سبعين ألف جندي مغربي بأمرة الجنرال يسيمو فرانسيسكو فرانكو، شكلوا في بداية الحرب رأس الحربة للمتمردين) حوّل اسبانيا إلى مسرح اقتتال عالمي بين اليمين واليسار، كان مقدمة للحرب العالمية الثانية، التي بدأت فور انتهاء الحرب الإسبانية.

الحرب السورية في السنوات الماضية جرت وفقا "للنموذج" الإسباني، مثلها مثل الحرب اللبنانية. الدول الإقليمية ومن بينها إيران وإسرائيل وتركيا، ولاحقا روسيا، إضافة إلى عشرات الآلاف من المتطوعين "الجهاديين" والإسلاميين من سنّة وشيعة، من آسيا الوسطى إلى أوروبا حوّلوا سوريا إلى مسرح قتال إقليمي وعالمي، هو الأسوأ في القرن الحادي والعشرين.

وبعد بروز ظاهرة تنظيم "الدولة الإسلامية" تدخلت الولايات المتحدة وحلفائها لشن حرب جوية ضد هذه الظاهرة التي اقتربت وحشيتها من وحشية النظام السوري. وعند كتابة تاريخ الحرب السورية بشكل كامل، سوف يكون هناك فصلا رئيسيا حول إيران ورأس حربتها في سوريا، قوات حزب الله، التي لعبت دورا ربما مفصليا في إنقاذ نظام الطاغية بشار الأسد من الانهيار.

خصوصية "حزب الله" في لبنان

خلال الحرب اللبنانية حصلت الأطراف المتقاتلة على دعم سياسي ومالي وعسكري من دول عربية ومن إسرائيل ومن دول غربية. ولم يحدث أن تدخل أي جيش أجنبي بدعوة من طرف لبناني أو آخر، أو اجتاح جيش إقليمي جزءا من الأراضي اللبنانية، إلا ووجد طرفا لبنانيا يرحب به ويهلل لدخوله كمنقذ، ويرمي على جنوده الأرز والورد.

كانت الأطراف المتقاتلة تتمتع بمستويات مختلفة من "الاستقلالية" في تعاملها مع حماتها أو داعميها من الخارج. وفي هذا السياق لعبت "الفهلوية" اللبنانية دورا هاما في إقناع بعض الأطراف المحلية بأنها قادرة على استخدام أو استغلال القوى الخارجية كأدوات للتخلص من أعداء الداخل أو إضعافهم، ما أدى إلى نتائج عكسية وحتى كارثية.

لبنانيون راهنوا على إسرائيل، وآخرون (من لبنانيين وفلسطينيين) تعاونوا مع سوريا، آخرون فتحوا لبنان لإيران، بينما تعاون بعضهم مع العراق، وقبض آخرون من ليبيا أو من السعودية، وهكذا. اليساريون ومنظمات فلسطينية تطلعوا إلى الاتحاد السوفياتي للدعم والإرشاد، ورحب كثيرون بمجيء القوات المتعددة الجنسيات.

ولكن لم يحدث أن كان لفريق لبناني علاقة عضوية بدولة أجنبية كما هي علاقة حزب الله بإيران. إيران لم تساعد "حزب الله" كفريق لبناني سعى إليها طلبا للمساعدة؛ وإيران لم تكن حاضنة لـ"حزب الله"، لأن "حزب الله" خرج من رحمها. وهو، أي الحزب، غير قادر على البقاء دون مقومات الحياة التي توفرها إيران، من إرشاد وتوجيه سياسي ومذهبي إلى دعم مالي ومادي وعسكري ولوجستي.

وللمرة الأولى منذ الحروب الإغريقية ـ الفارسية التي استمرت لعقود قبل 500 من الميلاد، أصبحت إيران دولة متوسطية بسبب وجودها العسكري والسياسي والمذهبي في سوريا، ولأنها تهيمن على ولايتها في لبنان من خلال "حزب الله".

ضغوط أمريكية غير مسبوقة

خطاب نصرالله تزامن مع وجود مساعد وزير الخارجية الأميركية لشؤون الشرق الأوسط ديفيد شينكر في بيروت. زيارة شينكر هي لمواصلة مساعي سلفه ديفيد ساترفيلد للتوسط بين لبنان وإسرائيل لمحاولة ترسيم الحدود البحرية والبرية، ولكنه حمل معه رسائل واضحة للسياسيين اللبنانيين وخاصة المتواطئين مع سياسات وطموحات "حزب الله"، إما عن قناعة أو عن خوف، وتحديدا "التيار الوطني الحر" الذي أسسه رئيس الجمهورية ميشال عون ويقوده الآن صهره وزير الخارجية جبران باسيل، بأن "تفهم" واشنطن التقليدي لمعضلة "الدولة" اللبنانية مع "حزب الله" وعجزها أو رفضها عن الوقوف، ولو رمزيا، بوجهه يشارف على النهاية.

ويؤكد المسؤولون الأميركيون، وآخرهم مارشال بيلينغسلي، مساعد وزير الخزانة لشؤون مكافحة تمويل الإرهاب، أن سياسة واشنطن بتقويض اقتصاد إيران وتجفيف مصادر تمويل "حزب الله" سوف تستمر وتتفاقم في المستقبل.

وفي هذا السياق سوف تدرج واشنطن للمرة الأولى شخصيات سياسية ومالية لبنانية من خارج "حزب الله" ومن خارج الطائفة الشيعية ـ في إشارة واضحة لعون وأنصاره الذين تتهمهم واشنطن بتوفير "الغطاء المسيحي" لـ"حزب الله" ـ على لائحة العقوبات.

بعض رسائل شينكر للسياسيين اللبنانيين ولقادة الجيش الذين التقاهم، وفقا لما قالته مصادر مسؤولة قبل وصوله إلى بيروت تشمل تأكيده بأن واشنطن ستؤيد أي إجراءات عسكرية تتخذها إسرائيل ضد "حزب الله" في لبنان أو قواته وقوات إيران في سوريا، وأن واشنطن "تتفهم وتتعاطف" مع قلق إسرائيل من حصول "حزب الله" على معدات وأجهزة متطورة مصممة لتحسين آداء ودقة الصواريخ الإيرانية الموجودة في ترسانة الحزب، وهو ما دفعها لإطلاق مسيرات لتدمير هذه المعدات التي وصلت إلى مقر قيادة تابع لـ "حزب الله" في الضاحية الجنوبية لبيروت. أحد الاسئلة التي طرحها شينكر هي كيف يمكن تبرير عجز الجيش اللبناني عن دخول الضاحية الجنوبية لمعاينة الأهداف التي قصفتها إسرائيل؟

وهناك جدل في الأوساط الأميركية المعنية بلبنان، بين من يدعو إلى الحفاظ على العلاقات العسكرية الأميركية ـ اللبنانية، وضرورة مواصلة تسليح وتدريب القوات اللبنانية المسلحة، وبين من يقول إن الجيش اللبناني غير قادر أو غير مستعد للتصدي، ولو بشكل خجول أو محدود، لـ"حزب الله"، ولذلك يجب أن تقلص واشنطن من مساعداتها العسكرية أو تجعلها مشروطة بإجراءات لاحتواء نفوذ "حزب الله"، وإذا لم ينجح ذلك، يتم قطع هذه المساعدات.

معقل المتشددين هو مجلس الأمن القومي في البيت الأبيض. في المقابل، لا تزال القيادة العسكرية الأميركية تدعو للحفاظ على العلاقة العسكرية، لأن قطع الإمدادات الأميركية سوف يدفع بلبنان للجوء إلى سوريا وإيران. ووفقا للمطلعين على هذا الجدل، يقول العسكريون الأميركيون إن أداء الجيش اللبناني ضد "التطرف السنّي" المتمثل بعناصر تنظيم "القاعدة" أو تنظيم "الدولة الاسلامية" وخاصة في شرق لبنان كان جيدا، وإن اعترفوا بأن تصدي الجيش "للتطرف الشيعي" المتمثل بـ"حزب الله" غير وارد.

ويتبين من سلوك الدولة اللبنانية الرسمية أنها إما غير قادرة على استيعاب أبعاد هذا الجدل في واشنطن، أو أنها تعيش في حالة نكران. الصمت الرسمي للدولة اللبنانية في أعقاب خطاب نصرالله وصل دويه إلى واشنطن، قبل عودة ديفيد شينكر إليها.

لخطاب نصرالله في ذكرى عاشوراء، والذي أكد فيه تبعية لبنان للجمهورية الإسلامية في إيران، جذور قديمة ويمثل استمرارية واضحة لتفكيره ولرؤيته للبنان كولاية إيرانية. وهناك شريط قديم لنصرالله، بالأبيض والأسود ويعود ربما لسنة 1988 أي قبل قيادته للحزب، ويقول فيه بكل وضوح إن مستقبل لبنان هو أن يصبح جزءا من جمهورية إسلامية واسعة يقودها آية الله روح الله الخميني آنذاك.

أنصار "حزب الله" لا يجاهرون بهذا الشريط لأنه يحرجهم مع حلفائهم ويخيف الفئات اللبنانية الأخرى. يقول نصرالله الشاب، وبلكنة فارسية واضحة "ومشروعنا الذي لا خيار لنا أن نتبنى غيره كوننا مؤمنين عقائديين، هو مشروع الدولة الإسلامية وحكم الإسلام، وأن يكون لبنان ليس جمهورية إسلامية واحدة، وإنما جزء من الجمهورية الإسلامية الكبرى التي يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق الولي الفقيه الإمام الخميني".

هذا هو مشروع إيران الإسلامية الإنقلابي في لبنان، وهذا ما يقوم به حسن نصرالله لتحويل لبنان إلى ولاية إسلامية يحكمها صاحب الزمان ونائبه بالحق آية الله علي خامنئي.

أيها اللبنانيون وطنكم أسير إيران.

عن "الحرة"

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية