"آية السيف" شعار التكفيريين لقتل الناس

12370
عدد القراءات

2017-11-12

كلما ناقشت واحداً من المنغلقين الظاهريين من المدجّجين بالنقل دون إعمال العقل من أجل التأمل في جماليات آيات القرآن، ودعوتها إلى السلم واحترام النفس البشرية، والإيفاء بالعهود والصفح الجميل، والإعراض عن الجاهلين، وحرية الإيمان والكفر، رفع عليك الصوت بما يسمى " آية السيف " التي يقول بأنّها نسخت نحو 124 آية في القرآن الكريم، وألغت حكمها، ويحتج بتفاسير ابن كثير والقرطبي وغيرهما.
الآية المقصودة هي الخامسة في سورة التوبة، وهي قوله تعالى" فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ ۚ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ".
وترى التيارات السلفية الجهادية تحديداً بأن هذه الآية تبيح لهم اجتياح العالم وقتل كلّ من لا يسلم، ونقض المواثيق، مع نسيان تام أنّ الإسلام جاء رحمة للعالمين، وكلّ الجماليات الآخرى في حسن التعامل والرفق وثقافة المحبة بين الخلق عيال الله على أي دين أو ملة كانوا، ولعل من المفارقة في بداية الأمر أنّ كلمة "السيف" لم ترد ولا مرّة في القرآن الكريم، وأنّ هذه التسمية من التفسيرات اللاحقة، وهي اجتهادات بشرية، غير معصومة عن الخطأ و النسيان أو تأثيرات السلطان.

كيف سيقرأ المسلمون قرآنهم وقد تمّت تشظيته وتعطيل آياته بهذه الاجتهادات السوريالية الطابع على مشرحة الظاهريين؟

هذه المسألة الخطيرة تقودنا إلى البحث في مسألة  النسخ للآيات وحقيقته ومن تناوله وخصوصاً ابن حزم الأندلسي(384 - 456 ) هجري في كتابه " الناسخ والمنسوخ في القرآن الكريم " وهو يوضح أنّ النسخ على ثلاثة أنواع: ".. فهناك نسخ الخطّ والحكم: عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : كنا نقرأ سورة تعدل سورة التوبة ما أحفظ منها إلا هذه الآية " لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى إليهما ثالثاً، ولو أنّ له ثالثاً لابتغى إليه رابعاً ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب ويتوب الله على من تاب " ، والنسخ الثاني : نسخ الخطّ دون الحكم : عن عمر رض قال " كنا نقرأ "ألا ترغبوا الرغبة عنهما " بمعنى الإعراض عن آبائكم ومن ذلك " الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم " معناه المحصن والمحصنة، والنسخ الثالث: نسخ الحكم دون الخط أوله أمر القبلة بأن المصلي يتوجه حيث شاء لقوله تعالى عز وجل " فأينما تولوا فثم وجه الله " ، فنسخ ذلك والتوجه إلى بيت المقدس بقوله عز وجل " فول وجهك شطر المسجد الحرام ".
والحقيقة أنّ القبول بالنسخ للآيات يعطّل القرآن، ويشّوش على الناس دينهم، لأنّ كلام الله لا يتبدل، وليس عرضة للشطب" لا مبدّل لكلماته " و "ما يبدّل القول لديّ" وأن علينا أن نفهم مسألة النسخ التي اعتمد عليها بعض المفسرين في سورة البقرة الآية 106  "ما ننسخ من آية ان ننسها نأت بخير منها أو مثلها" إذ المقصود منها "الآيات الكونية" أي المعجزات التي منحت للرسل السابقين، ومن الملاحظ أنّ كلمة "آية" وردت غالباً في القرآن بمعنى: معجزة، أو علامة خارقة، أو عبرة، أو موعظة، وليس بمعنى آية قرآنية، أما المسألة الأخرى فهي أنه مع اعتقادنا بأنّ النص القرآني مقدس فإنّ مسألة تفسيره وفهم آياته قضية بشرية ومفتوحة على التأويل، وقد تصيب وتخطىء، وأنه لا يمكن لحديث ظنّي الثبوت، أن يلغي أو ينسخ آية قطعية الثبوت، كما أنّ استنادات ابن حزم إلى النسخ تبدو واهية ومعتمدة على اجتهادات شخصية غالبا أو منقولات ظنّية يعتورها الخطأ أو سوء التأويل، ناهيك أنّ القبول بوصفته في النسخ ستجعل المجال رحباً للتشكيك في القرآن الكريم نفسه، إذ كيف تكون هناك آيات غير مكتوبة في القرآن الكريم الذي بين أيدينا وبقي حكمها فاعلاً، وهل هذا ادعاء مبطن بالنقص في القرآن الذي بين أيدينا..!  

ترى التيارات السلفية الجهادية بأن آية السيف تبيح لهم اجتياح العالم وقتل من لا يُسلم ونقض المواثيق

نعود إلى آية السيف، فنجد أنّ الكثير من المفّسرين القدماء والمحدثين قد اختلفوا حولها؛ حتى قال الضحّاك والسدّي وعطاء: هي منسوخة بقوله تعالى: (فإمّا منّا بعد وإمّا فداء) وقال قتادة بالعكس كما ورد في تفسير ابن كثير، أمّا من الجدد فقد نقضها الباحث الإسلامي عدنان إبراهيم: "يقولون آية السيف تفتح حرباً مفتوحة على المشركين، هذه مغالطة لكتاب الله، آية السيف مسبوقة بالآية الرابعة التي تنقض هذا الفهم تماماً، وتؤكد أن المسلمين الذين أمرنا بحربهم هم فريق خاص من المشركين. مشركون اعتدوا علينا ونبذوا عهودنا دون إيذان وظاهروا علينا وهم بدأونا أول مرة". والآية الرابعة التي يشير إليها إبراهيم هي "إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئاً ولم يظاهروا عليكم أحداً فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم إنّ الله يحب المتقين".
ولو أردنا أن نذكر نماذج من  الآيات التي يدعي "الناقلون الظاهريون" أنها منسوخة بآية السيف، وأنها رسم من غير فعل أي معطلة تماماً لعجبنا من اختيارهم لأجمل الآيات وأكثرها عمقا وتسامحاً، وإعمال "المجزرة" التأويلية فيها، ومن ذلك:  "فإن تولوا فإنما عليك البلاغ" الآية 20 آل عمران، وقولوا للناس حسناً" البقرة 83، "لا إكراه في الدين" البقرة 256، "وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ" الأنفال: 61، فذكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ - لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ، الغاشية 22، لكم دينكم ولي دين" الكافرون 6" ، "خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين" الأعراف 199، وهذه الآية كما يرى ابن حزم من عجيب المنسوخ، لأنّ أولها منسوخ وآخرها منسوخ وأوسطها محكم...!

 

وهذا لعمري من عجيب التفاسير، ومما يجعل آيات القرآن عرضة للأهواء والاجتهادات السوريالية الطابع، فكيف تكون الآية نفسها منسوخة في جزء منها ومحكمة في جزء آخر، وكيف سيقرأ المسلمون قرآنهم بعد ذلك، وقد تمّت تشظيته وتعطيل آياته بهذه الطريقة على مشرحة الظاهريين؟
ولو أردنا أن نتناول الآيات الأخرى التي يرى ابن حزم الأندلسي أنها منسوخة لاحتاج الأمر إلى مقالات مطولة فيما يتعلق بآيات تحريم الطعام والشراب، والزنا، والصيام، وغير ذلك من الموضوعات، إذ يبدو لنا أنه لا تبديل لآيات الله، وأنّ القرآن يفسر بعضه بعضاً، وأنّ آياته لا تتناقض ولا تلغي غيرها، فقليل من التأمل يمكن بيان هذه الآيات وتفسيرها بطريقة مقنعة دون اجتراح "مجزرة النسخ"، وهذه مسألة ملحة اليوم للفقهاء والمفسرين والباحثين المتأملين أن ينظروا في كتاب الله بعين الاجتهاد والإخلاص في المعرفة، وتنقية تفاسيره مما شابها عبر العصور من الخلل، وما تم استغلاله من الناقلين لقتل الناس وخراب الأرض، فالمراجعة ضرورية، لأنه لا عصمة للمفسرين، ولا ينبغي معالجة الخلل بالمزيد من السكوت عليه والركون إلى ما وصلنا من الماضي دون نقاش.

اقرأ المزيد...

الوسوم: