احتكار الدّين لدى جماعة الإخوان المسلمين

10064
عدد القراءات

2017-11-21

قراءة في كتاب "المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين" لسعيد حوى 

يحمل عنوان الكتاب إشارة تحتاج إلى توقف، هل الإخوان المسلمون دعوة أم جماعة؟ وما الفرق بين الحالتين؟ وما دلالاتهما؟ والحال أن الإخوان المسلمون يقدمون أنفسهم على نحو متعدد وغامض وملتبس، فالقانون الأساسي للجماعة يصفها بأنها دعوة، وكذلك الحال في رسائل حسن البنا وفي الخطاب السائد والمتبادل، وحتى وصف الجماعة نفسه فإنه أيضا ملتبس وغامض، فهو لا يعني المعنى الوظيفي السائد للجماعة بمعنى التجمع لأجل التأثير أو هدف معين، لكنه يعني لدى الإخوان المسلمين التميز أو الشرعية بمعنى تمثيل الإسلام والأمة الإسلامية.

جماعة الإخوان المسلمين هي جماعةٌ من المسلمين وليستْ جماعةَ المسلمين، لكنّ الجماعة كما يقول، تسعى لأنْ تتحقّق بمواصفات جماعة المسلمين

يقدم سعيد حوى (1935 – 1989)، أحد قادة الإخوان المسلمين في سوريا، جماعة الإخوان باعتبارها الجماعة التي يجب على كل مسلم أن ينضم إليها، ويهدف أيضاً، في كتابه، كما يقول في المقدمة، أنْ يعرف الإخوان المسلمون ذاتهم، وأن يعرفهم العالم والمواطنون غير المسلمين في العالم الإسلامي أو البلاد التي يعمل فيها الإخوان المسلمون، لتوضيح العلاقة في حال وصول الإخوان المسلمين إلى الحكم. (13)

الوصول إلى الحكم إذاً، هدف واضح ومعلوم بالضرورة، لكن يبدو أيضاً، أنّ الوصول إلى الحكم ليس بالضرورة عن طريق الانتخاب أو العمل السياسي وفق الأنظمة والتقاليد السياسية المتبعة، وحتى في حال الإقرار أو المشاركة السياسية الديمقراطية فهل يصلح لهذه المشاركة أن تكون من خلال دعوة؟ أو جماعة ترى نفسها أفضل من يمثل الإسلام بل يكاد يقول سعيد حوى إنها جماعة المسلمين!.

يقول حوى إنّ الكتاب يهدف إلى توضيح صفات جماعة المسلمين، وإثبات أن هذه الصفات موجودة في جماعة الإخوان المسلمين، (15) والحديث عن اسم الإخوان المسلمين ولماذا الإصرار عليه، ولماذا الإصرار على الجماعة بالذات، وضرورة الانتماء إلى الإخوان المسلمين، (15) وليكون ذلك كما يقول، مدخلاً للمسلم للمشاركة في الجماعة، وإدراك هذه الفريضة، فريضة الانضمام إلى الإخوان المسلمين، ويقول إنّ دعوة الإخوان المسلمين، هي الصيغة الكاملة لتعم رحمة الله للعالمين، مصداقاً لقوله تعالى مخاطبا الرسول، "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين"، وبذلك يُؤكّد حوى، على أنّ مفهوم الجماعة، ليس وصفاً قانونياً أو عملياً لتجمّع من الناس، لكنّ الجماعة فريضة، لا يقوم بدونها فرض (16)
هكذا نحن، في مواجهة خطاب يدمج الإسلام بالجماعة، وفي الوقت نفسه يميزها كطائفة مميزة من المسلمين، وهي أيضاً تمثل جماعة المسلمين، بمعنى شرعية الأمة وإجماعها، وكأنّ الخروج من الجماعة أو عدم المشاركة فيها هو خروج من الأمة، بل وخروج عليها!.

 

لم يَعتبرْ مُرشِدا الجماعة الأول والثاني، كما يقول سعيد حوى، من يخرج مِن الإخوان المسلمين خارجاً من جماعة المسلمين، ويؤكّد فقهاء الإخوان أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي جماعةٌ من المسلمين وليستْ جماعةَ المسلمين، لكنّ الجماعة كما يقول، تسعى لأنْ تتحقّق بمواصفات جماعة المسلمين، ومتى استطاعتْ أنْ تُطوّر نفسها نحو ذلك، فعندئذ تكون جماعة المسلمين (17) لكنْ يستدرك سعيد حوى، قائلاً بأنّ الأدلة تؤشر بأنّ جماعة الإخوان المسلمين هي أقرب الجماعات على الإطلاق لأن تكون جماعة المسلمين، (17)

ويحدد صفاتِ جماعة المسلمين المعنيّة في الحديث النبوي "تلزم جماعة المسلمين وأمامهم" بأنّها الجماعة التي تحمل الإسلام بلا احتراس ولا احتراز، والتي ظهرت بها صيغة الحق الوحيدة المتعارف عليها من خلال التاريخ والمتمثلة بأهل السنة والجماعة، والتي تستطيع أن تطرح صيغة الحق، التي يمكن أنْ يجتمع عليها المسلمون، وتتحرك في إطار عملي نحو تحقيق الأهداف الإسلامية، وتحاول أنْ تحرر المسلمين مِن أمراضهم، ويتحقق كل فرد من أفرادها بالصفات العليا لحزب الله؛ من محبة لله وذلة على المؤمنين وعزة على الكافرين، وجهاد في سبيل الله وإخلاص الولاء لله، والرسول والمؤمنين، ثم يسوق الأدلة النظرية والعملية التي تؤكد أنّ جماعة الإخوان المسلمين تحقق هذه الشروط، ويصل في النهاية إلى أنّ جماعة الإخوان المسلمين هي الجماعة التي يجب أنْ يضع كل مسلم يده بيدها، (18 – 28)
ويرى، سعيد حوى أنّ اسم "الإخوان المسلمون" ليس مجرد اسم تعرف به جماعة نفسها، ويعرفها به الآخرون، لكنه اسم مرادف لمفهوم حزب الله، كما ورد في القرآن الكريم أو الجماعة الإسلامية، (30)

"الإخوان المسلمون" ليس مجرد اسم تعرف به جماعة نفسها، ويعرفها به الآخرون، لكنه اسم مرادف لمفهوم حزب الله

هكذا إذاً، يمتلئ المؤلف بالشعور أنّ الإخوان المسلمين، هم أفضل من يمثل الإسلام والأقرب إليه إن لم يكونوا هم الإسلام، وفي ذلك فإن الخلاف معهم أو الخروج منهم، أو عدم المشاركة معهم يخضع للمراجعة والتقييم المستمد من الموقف من الإسلام ذاته، ورغم أنّ سعيد حوى يؤكد ويكرر القول إنه لا يعتبر من ليس من الإخوان المسلمين ليس مسلماً لكنه يعتبر ذلك عملياً وشعوريا، وهذا هو واقع الحال المتّبع في صفوف الإخوان المسلمين من غير إعلان، وهو الشعور بأنهم الإسلام وأنّ من يعاديهم أو يختلف معهم فإنه يختلف مع الإسلام أو يعاديه، ويستخدمون في ذلك الآيات والأحاديث التي تستخدم لأعداء الأمة الإسلامية، فالذين يخرجون من الجماعة ليعملوا مستقلين عنها ينطبق عليهم وصف مسجد الضرار، والذين ينضمون إلى الجماعية ويبايعون قائدها فهم ينطبق عليهم قوله تعالى "إنّ الذين يبايعونك إنما يبايعون الله" والذين غيروا موقفه فهم الناكثون الذين يصفهم القرآن بالقول "فمن نكث فإنما ينكث على نفسه" .. وهذا أخطر ما أوقعت به جماعة الإخوان المسلمين نفسها فيه عندما أنشأت شعوراً بالتميز بذاتها والاشمئزاز ممن سواها، ثم إنها وفي كارثة أخرى أشد خطورة حولت هذه الأيديولوجيا الخطيرة والمليئة بالكراهية والانفصال والتطرف إلى تدين شعبي كاسح تحمله فئات واسعة من المسلمين، وأوقعت الإسلام والمسلمين في حرب مليئة بالكراهية ضد العالم وضد كل مخالف، وصارت عمليات مواجهة التطرف والكراهية والحروب الأهلية بالغة الصعوبة والتعقيد.

 

كتاب "المدخل إلى دعوة الإخوان المسلمين" -سعيد حوى- القاهرة: مكتبة وهبة، الطبعة الثالثة، 1984

 

اقرأ المزيد...
الوسوم:



كيف نفهم الأيديولوجيات السياسية بعيداً عن حمولتها التاريخية والاجتماعية؟

2019-07-22

يفيد كتاب "مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية" لمؤلفه أندرو هيود، ترجمة محمد صفار، المركز القومي للترجمة، 2012، المثقفين كما طلبة العلوم السياسية، فضلاً عن الباحثين، في فهم ودراسة الأيديولوجيات السياسية كما هي بعيداً عن حمولتها الإعلامية والتاريخية والاجتماعية التي صارت، وخاصة في الفضاء العربي، تعوق الفهم والتحليل.

إنّ الأفكار السياسية لا تنشأ من فراغ ولا تسقط من السماء إنما تكونها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية

إنّ الأفكار السياسية لا تنشأ من فراغ، ولا تسقط من السماء كالمطر، إنما تكونها الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وببساطة ترتبط النظرية بالحياة السياسية. والناس لا يرون العالم كما هو، لكن كما يتوقعونه أن يكون، أو عبر حجاب من المعتقدات والافتراضات المتأصلة، وقد استخدم مفهوما الأيديولوجيا والأيديولوجي للإشارة إلى المتعصبين؛ ما جعل المفهوم ملتبساً، كما ارتبطت الأيديولوجيات السياسية بطبقات اجتماعية معينة؛ فالليبرالية ارتبطت بالطبقة الوسطى، والأيديولوجيا المحافظة ارتبطت بالأرستقراطية المالكة للأرض، والاشتراكية بالطبقة العاملة، لكن من المؤكد أنّه مفهوم يشمل جميع الأفكار والفلسفات السياسية باعتباره منظوراً لرؤية العالم.

كتاب "مدخل إلى الأيديولوجيات السياسية" لمؤلفه أندرو هيود
ليس هناك تعريف مستقر أو متفق عليه لمصطلح الأيديولوجيا، ومن المعاني التي ارتبطت بالأيديولوجيا: نسق عقيدي سياسي، ومجموعة من الأفكار السياسية ذات التوجه الحركي، وأفكار الطبقة الحاكمة، ورؤية كونية لجماعة اجتماعية أو طبقة اجتماعية معينة، وأفكار سياسية تجسد أو تبين المصالح الاجتماعية أو الطبقية.

اقرأ أيضاً: لماذا تعاني الليبرالية من سوء السمعة في العالم العربي؟
وقد عرفها مارتن سيلجر (1976) بأنّها مجموعة من الأفكار يضع من خلالها الناس ويبررون غايات ووسائل النشاط الاجتماعي المنظم، بغض النظر عما إذا كان ذلك النشاط يهدف للحفاظ على نظام اجتماعي بعينه، أو تعديله، أو تغييره، وبهذا التعريف لا تعد الأيديولوجيا أمراً سيئاً أو جيداً، صادقة أو كاذبة، معتدلة أو متطرفة، لكن يمكن أن تكون جميع ما ذكر. ويعتبر المؤلف هذا التعريف جامعاً شاملاً ينطبق على جميع المذاهب.

اقرأ أيضاً: الجذور الليبرالية للأصلانية: تاريخ من كره الأجانب
وفي هذا الكتاب عرّف المؤلف الأيديولوجيا بأنّها مجموعة متماسكة من الأفكار تضع أساساً للنشاط السياسي المنظم، سواء قصد به الحفاظ على نظام القوة القائم، أو تعديله، أو الإطاحة به، ولذلك تتصف جميع الأيديولوجيات بأنّها تقدم توصيفاً للنظام القائم، ونموذجاً للمستقبل المرجوّ، وتفسر كيف يجب ويمكن إحداث التغيير السياسي.

لا يرى الناس العالم كما هو بل كما يتوقعونه أن يكون أو عبر حجاب من المعتقدات والافتراضات المتأصلة

وقد تبلورت خريطة الأيديولوجيات في القرن العشرين على النحو التالي: الليبرالية في وسط المشهد وعلى يمينها المحافظة، ثم القومية، ثم الفاشستية، وعلى يسار الليبرالية تأتي الاشتراكية ثم الشيوعية، ثم الفوضوية أو الأناركية. وهناك مجموعة من الأيديولوجيات الجديدة مثل؛ النسوية والإيكولوجية والأصولية الدينية والتعددية الثقافية.

اعتبر الليبراليون الأيديولوجيا بأنّها نسق عقيدي يدعو إلى احتكار الحقيقة، ولذلك يعدّونها قمعية وشمولية، ويصنفون فيها الشيوعية والفاشستية. وقد نظر المحافظون إليها (الأيديولوجيا) باعتبارها أحد تجليات غطرسة المذهب العقلاني؛ فهي أنساق محكمة وخطيرة لا يوثق بها، وغير قابلة للتحقق، ويصنفون فيها على هذا الأساس الاشتراكية والليبرالية.

اعتبر الليبراليون الأيديولوجيا بأنّها نسق عقيدي يدعو إلى احتكار الحقيقة

أما الاشتراكيون فيرونها تجسيداً لأفكار تخفي تناقضات المجتمع الطبقي، وتروج للوعي الزائف، لكنهم لاحقاً تبنّوا تعريفاً محايداً يعتبر الأيديولوجيا منظومة فكرية لأية طبقة اجتماعية، بما في ذلك الطبقة العاملة. ويفضل الفاشستيون تصوير أفكارهم كرؤية كونية وليس فلسفة نسقية، وتعامل الأصوليون الدينيون مع النصوص الدينية الرئيسية كأيديولوجيا على أساس أنّها تقدم برنامجاً شاملًا لإعادة البناء الاجتماعي كونها تعبر عن الكلمة التي أوحى بها الله تعالى.

اقرأ أيضاً: الليبرالية القلقة: الوفد والقومية والاستقلال

تمثل الليبرالية العمود الفقري للفلسفة السياسية للعصر الحديث، وهي مصدر الأيديولوجيات العلمانية على يمينها وعلى يسارها، وتلتزم الأيديولوجيا الليبرالية بمجموعة متميزة من القيم والمعتقدات؛ أهمها الفرد والحرية والعقل والعدالة والتسامح. ويفهم الليبراليون الديمقراطية بمصطلحات فردية كالرضى الذي تعكسه صناديق الانتخابات؛ حيث تساوي الديمقراطية بين جميع المواطنين، وبينما يعيق الديمقراطية إساءة استخدام السلطة، فإنّها ينبغي أن تمارس في إطار دستوري لمنع طغيان الأغلبية.

اقرأ أيضاً: لماذا رخّص الليبراليون بيع الماريغوانا للمواطنين في كندا؟

ويدعم المحافظون الحكم الديمقراطي الليبرالي لكن بشروط تتعلق بالحاجة لحماية الملكية والمؤسسات التقليدية من الإرادة غير المنضبطة للأغلبية، وقد ربط اليمين الجديد في الديمقراطية الانتخابية بين مشكلات الحكومة المهيمنة والركود الاقتصادي.

اقرأ أيضاً: الإسلامية والليبرالية.. هل تمثلان نتاج الصراع على أسس النهضة؟

الاشتراكيون أيضاً يدعمون تقليدياً شكلاً من الديمقراطية الراديكالية، والتي تقوم على المشاركة الشعبية والرغبة في وضع الحياة الاقتصادية تحت الرقابة العامة، ويرفضون اعتبار الديمقراطية الليبرالية ببساطة ديمقراطية رأسمالية، ومع ذلك يشعر الديمقراطيون الاجتماعيون المحدثون بالالتزام بصورة راسخة بالديمقراطية الليبرالية.

ويؤيد الأناركيون الديمقراطية المباشرة، ويطالبون بالمشاركة الشعبية المستمرة  واللامركزية الراديكالية، ويعدون الديمقراطية الانتخابية أو التمثيلية مجرد واجهة تحاول إخفاء سيطرة النخبة وإرضاء الجماهير بما تتعرض له من قمع.

تتصف الأيديولوجيات بأنّها تقدم توصيفاً للنظام القائم ونموذجاً للمستقبل المرجوّ وتفسر كيفية إحداث التغيير السياسي

ويعتنق الفاشستيون أفكار الديمقراطية الشمولية ويرون أنّ الديمقراطية الأصيلة هي الديكتاتورية المطلقة؛ حيث يحتكر القائد الحكمة، وهو وحده قادر على التعبير عن المصالح الحقيقية للناس، ولذلك فإنّ المنافسة الحزبية والانتخابية تعد فاسدة ومتفسخة.

ويؤيد الإيكولوجيون ديمقراطية المشاركة أو الديمقراطية الراديكالية، وقد طور الراديكاليون نقداً خاصاً للديمقراطية الانتخابية يصورها كوسيلة فرض مصالح الجيل الحالي من البشر على الأجيال اللاحقة (الأجيال التي تتمتع بحق الاقتراع) والأنواع الأخرى والطبيعة.

وبدأت منذ منتصف أواخر القرن العشرين وازدهرت في نهايته أفكار عن نهاية الأيديولوجيا أو ما بعد الأيديولوجيا أو الأيديولوجيات الجديدة مثل: العقلانية والطريق الثالث وما بعد الحداثة والتعددية الثقافية؛ والمستمدة من مرحلة ما بعد الصناعة.

للمشاركة:

"الأسلحة الصغيرة".. هكذا يجند داعش الأطفال

2019-07-18

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً كبيراً وعلى كافة المستويات، خاصة بعد بروز ظاهرة حضورهم الكبير في تنظيم داعش، واعتماد التنظيم الإرهابي على تجنيدهم وتدريبهم واستخدامهم في الدعاية وبشكل مبالغ فيه على مستوى عالمي.

اقرأ أيضاً: المخيمات الصيفية.. وسيلة جديدة للحوثيين لتجنيد الأطفال

واليوم؛ يحظى هذا الملف باهتمام العالم سواء على المستوى المحلي أو العالمي، خاصة في ظل المعلومات والتقارير التي تتحدث عن آلاف الأطفال والنساء المحتجزين في مراكز احتجاز غير إنسانية في العراق وسوريا، وذلك بعد هزيمة تنظيم داعش، وتردد المجتمع الدولي، والدول المصدرة للإرهابيين، عن استقبال وإعادة هؤلاء الأطفال وعائلاتهم.

الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد

لقد استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل، وأحياناً مقاتلين ومفجرين انتحاريين. وأظهرت أشرطة الفيديو الدعائية للتنظيم أطفالاً صغاراً يقطعون الرؤوس ويطلقون النار على السجناء. بعض هؤلاء الأطفال لقّنهم تنظيم داعش أفكاره طوال أعوام، والأكبر سنّاً تلقوا تدريبات عسكرية.

وكمثال على ذلك؛ أطفال الإيزيديين في العراق أواخر آب (أغسطس) 2014، عندما اجتاح التنظيم المنطقة؛ حيث تشير تقارير إعلامية بناء على شهادات أطفال من الإيزيديين أنّه تم إرسال 200 طفل إيزيدي لمخيم تدريب في تلعفر؛ حيث كان يبدأ يومهم في الصباح الباكر بالتدريبات العسكرية. وكان التدريب العسكري للأطفال يتضمن تجاوز حواجز من الإطارات المحترقة بالزحف أو القفز من أماكن عالية.

اقرأ أيضاً: هل توقف بريطانيا تجنيد الأطفال؟

وقد درّب داعش الأطفال على استخدام الكلاشينكوف وأرغموهم على مشاهدة تسجيلات مصورة لكيفية استخدام الأحزمة الناسفة والقنابل أو قطع الرؤوس. وكان مسلحو داعش يكررون على مسامع الأطفال أنّهم أصبحوا مسلمين ولم يعودوا إيزيديين بعد الآن.

استخدم تنظيم داعش الأطفال كشّافين وجواسيس وطهاة وزارعين للقنابل

الأطفال ضحايا التنظيم الإرهابي
إنّ مشاركة الأطفال في النزاعات معروفة تاريخياً، على الأقل، في العصر الحديث، منذ الحرب في فيتنام والصراعات المسلحة في إفريقيا وجنوب شرق آسيا. وهناك معاهدة دولية موقعة من 170 دولة تحرّم مشاركة الأطفال في الحروب وأماكن الصراع في العالم تحت مسمى "البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة" وتنص المعاهدة على:

1- حظر تجنيد الأطفال تحت سن 18 عاماً في الجيش.
2- ضمان إعفاء المتطوعين العسكريين تحت سن 18 عاماً من المشاركة مباشرة في الأعمال العدائية.

أثار موضوع مشاركة الأطفال في الجماعات الإرهابية اهتماماً عالمياً بعد بروز ظاهرة حضورهم في تنظيم داعش

ولقد اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة على المعاهدة على أنّه بروتوكول إضافي لاتفاقية حقوق الطفل التي كتبها القرار 54/263 في 25 أيار (مايو) 2000. ودخل البروتوكول حيز النفاذ في 12 شباط (فبراير) 2002.

إلا أنّ الظاهرة التي جلبت الاهتمام لموضوع الأطفال هي الدعاية التي قام بها تنظيم داعش منذ عام 2014، والتي فاقت حقيقة استخدام هؤلاء الأطفال في المعارك الحقيقية، وهو ما يدفع باتجاه ترجيح أن يكون هؤلاء الأطفال ضحايا للإرهاب وتنظيم داعش.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال في الصومال ظاهرة مقلقة.. أي مصير ينتظرهم؟

خاصة أنّ الأعداد الكبيرة من الأطفال المحتجزين اليوم في مراكز الاحتجاز المكتظة في سوريا، مخيم الهول، أو في العراق، في نينوى، لا سيما بعد هزيمة تنظيم داعش في سوريا والعراق، وهو الأمر الذي أثار اهتمام وانتقادات منظمة مراقبة حقوق الإنسان "هيومن رايتس واتش".

 

 

وقال المجلس القضائي الأعلى في العراق إنّ 185 طفلاً أجنبياً، على الأقل، قد أدينوا بتهم تتعلق بالإرهاب، وحُكم عليهم بالسجن بحلول نهاية عام 2018، ويتفاوض العراق أيضاً مع الميليشيات التي يقودها الأكراد الذين يشرفون على المخيمات في سوريا من أجل إعادة 13000 من النساء والأطفال العراقيين.

اقرأ أيضاً: اعترافات تكشف مسار الجهاديين الأجانب من التجنيد إلى القتال
وذكر بيتر نيومان، مدير المركز الدولي لدراسة التطرف في جامعة "كينجز كوليدج" في لندن، أنّه "يوجد ما لا يقل عن 13000 من أتباع داعش الأجانب محتجزين في سوريا، من ضمنهم 12000 امرأة وطفل. إضافة إلى 1400 آخرين محتجزين في العراق. لكن دولاً عدة، من ضمنها روسيا وكوسوفو وكازاخستان وإندونيسيا وفرنسا، تدخلت لإعادة بعض مواطنيها.

لقد بدت بعض الحكومات مستعدة لإعادة الأطفال أكثر من إعادة آبائهم، على الرغم من أنّ القليل منهم على استعداد لإرسال أشخاص إلى سوريا والعراق لجمعهم، كما تطلب عدة بلدان من الأطفال المولودين في "دولة الخلافة" الخضوع لاختبار الحمض النووي لإثبات نسبهم، وبالتالي جنسيتهم، قبل العودة إلى الوطن مثل؛ الأردن، على سبيل المثال.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال: إلى اليونسيف مع التحية

وتُعد كوسوفو وروسيا وكازاخستان من الدول القليلة التي استعادت الأطفال؛ حيث نظم الحاكم الشيشاني، رمضان قديروف، عودة عشرات الأطفال الناطقين بالروسية، وفي بعض الحالات، أمهاتهم، في أكبر عملية عودة لمرة واحدة إلى أوروبا حتى الآن، أعادت كوسوفو 110 من مواطنيها من سوريا في نيسان (أبريل) 2019، من بينهم 32 امرأة و74 طفلاً.

اقرأ أيضاً: كيف صوّرت "أدبيات التجنيد" في الجماعات الإسلامية العالم؟ ‎

وللمساعدة في إعادة إدماجهم في المجتمع، فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين، ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبنّي، وإنّ هذا النهج قد يكون أسرع طريقة لإنقاذ الأطفال الأبرياء، إلا أنّه يعني أيضاً فصلهم عن أمهاتهم؛ حيث ترفض الكثير منهن الانفصال عنهم.

اقرأ أيضاً: الميليشيات الحوثية وتجنيد الأطفال!

تونس، التي تعد، من أكثر الدول المصدرة للمتشددين في العالم، رفضت إعادة مواطنيها، تاركة ما لا يقل عن 200 طفل تونسي و100 امرأة في سوريا وليبيا، وفقاً لـ "هيومن رايتس ووتش".

مسارات التجنيد

ويأتي كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب" لكل من البرفسورة مايا بلوم وجون هوريغان، ضمن سلسلة الأدبيات الحديثة التي جذبتها ظاهرة مشاركة الأطفال في تنظيم داعش. وهي أول مراجعة باللغة العربية للكتاب الصادر باللغة الإنجليزية في 15 أيار (مايو) 2019 عن منشورات جامعة كورنيل-أتيكا-نيويورك.

 كتاب "الأسلحة الصغيرة: الأطفال والإرهاب"

ويتألف الكتاب، الذي يقع في 248 صفحة، من ثمانية فصول تناولت:  تقييماً عن المقصود بالأطفال، الأطفال الجنود ضد الأطفال في الجماعات الإرهابية، تعلم الكراهية، التأثيرات الاجتماعية والثقافية، مسارات التجنيد والتورط مع الجماعات الإرهابية من خلال القسر والإكراه، أو من خلال الثقافة الجمعية حول مفهوم الشهادة.

اقرأ أيضاً: معسكرات إيرانية لتجنيد الأطفال في سوريا

في الفصل الأول يؤكد الكتاب على أنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين، بل يتم تعليمهم وصناعتهم ليكونوا كذلك، سواء بمعرفة ودراية عائلاتهم أم لا.

الجماعات الإرهابية ربما تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك

وكثير من أطفال تنظيم داعش كانوا في سن المدرسة، حينما أخذهم آباؤهم إلى أرض "الخلافة" المزعومة للدولة الإسلامية في العراق والشام. حيث وُلد آلاف آخرون هناك. ويشير الكتاب الى ظهور الأطفال في فيديوهات مرعبة مع بداية الصراع في سوريا 2015. ثم انتشرت صور الأطفال عبر وسائل إعلام داعش.

أما في الفصل الثاني، فيشير الكتاب إلى أنّ الجماعات الإرهابية تنظر إلى الأطفال كذخيرة بديلة للبالغين، وتحاول تجنيدهم بعد خسائرها في المعارك. ثم الإشارة إلى الخلافات الموجودة بين استخدام الأطفال في الجماعات الإرهابية، والجماعات المسلحة في الحروب، وأنّ هناك بعض أوجه الشبه بين الرأيين لكنهما مختلفين في النهاية من حيث: المحتوى، ودور العائلة والتعليم، واستخدام المخدرات وهل يتم استخدام الفتيات في المعارك أم لا؟ ودرجة تشجيع العائلات لكل مجموعة.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال.. كيف تغسل جماعات إيران أدمغة النشء؟

وفي الفصل الثالث يتحدث الكتاب عن الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية والصراعات والمآسي الناتجة عن الحروب والصراعات التي تترك العائلات والأطفال نهباً للتشريد والهجرة القسرية وخراب التعليم في المدارس، وحسب تقرير نشر عام 2016 للمفوضية العليا لشؤون اللاجئين كان هناك أكثر من 3.7 مليون طفل لاجئ سوري خارج مقاعد الدراسة، وأنّ الأطفال خاصة في الأماكن التي تشهد مثل هذه الصراعات يكونون عرضة وأهدافاً سهلة للتجنيد من قبل التنظيمات الإرهابية، وبالتالي فإنّ الأطفال لا يولدون إرهابيين؛ بل يتعلمون كيف يصبحون جزءاً من حركة إرهابية.

اقرأ أيضاً: تجنيد الأطفال سلاح إيراني خفي للسيطرة والنفوذ

ويتطرق الفصل الرابع إلى قضية إكراه الأطفال وإجبارهم على تنفيذ العمليات الإرهابية، ويعطي أمثلة على ذلك خاصة في أفغانستان، وكيف أنّ أفراد العائلة أحياناً ممكن أن يتورطوا في هذه العملية.

في حين يتحدث الفصل الخامس عن كيفية اندماج الأطفال مع مرحلة البلوغ، فيما أُطلق عليه "ثقافة الشهادة" التي تكونت حصيلة مجموع الظروف والمآسي التي مر بها الطفل في حياته في أماكن الصراع ومعاناته من الفقر والجوع والحرمان والتهميش والعنف. ثم يؤكد الكتاب في الفصل السادس أنّه ليس هناك سبب واحد ومحدد لتفسير لماذا يتم استهداف الأطفال للتجنيد في الجماعات الإرهابية، فهناك الكثير من الأسباب والدوافع.

وفي الفصول المتبقية من الكتاب، ثمة محاولة  للإجابة على سؤال مركزي هو: لماذا تستخدم الجماعات الإرهابية تعبئة الأطفال لدعم قضيتها وتنفيذ نشاطاتها، وإظهار الجانب المقيت والضار والهش في المجتمع الذي يسمح لا بل يُشجع على استخدام الأطفال في تنفيذ النشاطات الإرهابية؟

فضلت بعض البلدان فصل الأطفال عن الآباء المتطرفين ووضعهم مع أقاربهم أو في دور الحضانة أو التبني

ثم يحاول الكاتب إماطة اللثام عن هذه الظاهرة من خلال الإجابة على "الأسئلة الخمس" المعروفة (ماذا ومن ومتى وأين ولماذا)، وإلقاء الضوء على هذه الظاهرة التي تثير الغضب والاشمئزاز لدى الكثيرين في العالم.  في نفس الوقت الذي ترى فيه الجماعات الإرهابية أنّ استخدامهم مفيد لها ويخدم أغراضها.
ولعل أهم وأخطر إشارة في الكتاب، هي الإشارة الى أنّ الأطفال يملكون مهارات لا يملكها البالغون، وأنّهم عادة ما يملكون ويخرجون بالابتكارات والإبداعات، لذلك يمثلون عاملاً ديمغرافياً مرغوباً لأي جماعة إرهابية تسعى إلى التجنيد.

اقرأ أيضاً: داعش يلجأ إلى الرسوم المتحركة لإعادة دوران عجلة التجنيد

ولأنّ مسألة التجنيد في الجماعات الإرهابية من أهم المسائل، فإنّ الكتاب يحاول الإجابة على هذا السؤال من حيث الطرق والتكتيكات والاستراتيجيات المختلفة المناسبة لتجنيد الأطفال، والتي تختلف عن أساليب تجنيد البالغين، ثم كيف يتم تصنيفهم وكيفية استخدامهم. 
إنّ التركيز غير التقليدي للكتاب يكمن في الغوص في عقول هؤلاء الأطفال وفي جوهر هذا الملف الذي مكّن من عرض سرد ذاتي للأطفال الذين تورطوا في الإرهاب، والجماعات الإرهابية، والجماعات التي استخدمتهم؛ وأنّ الأطفال في النهاية هم ضحايا الإرهاب؛ لأنهم ببساطة ضعفاء يمتازون بالهشاشة الإنسانية سواء بوجود الحروب والصراعات أو بدونها.

للمشاركة:

العنف في الشرق الأوسط: من السلطة إلى الإسلاميين

2019-07-07

يشكل العنف بوجهيه، المادي والرمزي وبأشكاله وصوره المختلفة وجذوره الممتدة في التاريخ، سمة ملازمة وجزءاً بنيويّاً مكوناً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير، الذي يمتد ليشمل دولاً أخرى غير دوله المعروفة بالتحديد الجغرافي؛ إذ يتغلغل العنف في البنية العميقة لثقافة مجتمعاته، ويطبع نمط العلاقات الاجتماعية والسياسية التي تقوم على الإكراه والعصبية وقوة الشوكة والغلبة بشكل عام، حتى بات يكتسب شرعية سياسية باعتباره الرد الممكن على ضيق أشكال العمل المتوافرة، أو كخيار استراتيجي وإمكانية تُعتبر بشكل ذاتي كما لو أنّها الوحيدة المتوافرة أو المناسبة للخروج من  حال أزمة أو وضعية سيطرة.  لذلك قد يتعذر تفسير العنف في تاريخ الشرق الأوسط "ما لم نضعه قبلاً في علاقة مع الأنظمة السياسية التي ولد فيها، ومع آليات انفتاحها أو انغلاقها وقدرات الدمج والإقصاء فيها".

يشكل العنف بوجهيه المادي والرمزي وجذوره التاريخية سمة ملازمة وجزءاً بنيوياً من تاريخ الشرق الأوسط الكبير

في سياق الاهتمام بدراسة تاريخ العنف وتفسير مظاهر العنف السياسي والديني المنفلت من كل عقال ومنطق، والذي يشهده عدد من دول الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة، ومايزال يرتبط إلى هذا الحد أو ذاك بما يعرف بالمسألة الشرقية ونتائجها المتداخلة مع حوادث الحاضر، يقدم الباحث والمؤرخ الكردي حميد بوزرسلان، مدير معهد الدراسات للعلوم الاجتماعية في باريس، في كتابه "قراءة في تاريخ العنف في الشرق الأوسط، من نهاية السلطنة العثمانية إلى تنظيم القاعدة" الصادر عن المركز العربي للترجمة 2015 بترجمة هدى مقنص، عرضاً تفصيلياً شاملاً لمحطات تاريخية مفصلية في تاريخ هذه المنطقة الحساسة من العالم.

غلاف الكتاب
كما يقدم تحليلاً موضوعياً لصور العنف المتجلية فيها، معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة ما أو تجسيد سياسي قائم لتعريف العنف كمفهوم، ومنهجية التقطيع التعاقبي الزمني الذي يتيح فهم التشكيلات السياسية المتوالية على النطاق الإقليمي ومعرفة الأطراف الفاعلة المؤثرة فيها لكشف وتحليل كل مرحلة انطلاقاً من الضغوط التي تسيطر عليها، والذاتيات التي تسمها، والأمكنة – الأزمنة التي تحركت فيها تلك الذاتيات وتحولت، فتركت المعاني القديمة مكانها لمعانٍ جديدة حلت محلها، وفرضت نفسها بالقوة أحياناً على مدار قرن من الزمان، مركّزاً في تحليله ورصده على العوامل الذاتية والداخلية أكثر من العوامل الخارجية التي حظيت بالكثير من البحث من قبل، أو أصبحت تتمحور في صورة تبريرية في الغالب حول فكرة  أو "نظرية" المؤامرة؛ فالمؤامرة ،وإن كانت موجودة في التاريخ القديم والحديث، لكن التاريخ ليس تاريخ المؤامرة.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون بين الثورة والدولة.. العلاقة الملتبسة بين الدين والسياسة
يتناول الكتاب بالتفصيل الكاشف ثلاث مراحل مفصلية تعتبر كل منها حقبة تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير، يرصد الباحث خلالها الحوادث والأفعال العنفية وآثارها؛ والشخصيات المؤثرة فيها، ويحلل العوامل البنيوية الداخلية المولدة للعنف وآلية تمفصلها مع العوامل الخارجية. 

يقدم الكتاب تحليلاً موضوعياً لصور العنف معتمداً مفهوم الإكراه الذي تمارسه دولة أو تجسيد سياسي لتعريف العنف كمفهوم

يغطي الجزء الأول من البحث المساحة الزمنية الواقعة بين عامي 1906 و1979 التي شهدت آثار الحرب العالمية الأولى وانهيار الإمبراطورية العثمانية وتقاسمها من قبل الدول الغربية الذي أدى بدوره إلى تقسيم الوطن العربي وقيام الانتداب الغربي على الدول العربية، لاسيما في العراق وسوريا وفلسطين، التي ستفتح عهداً جديداً من العنف ما زالت تتواصل حلقاته حتى يومنا هذا.
كانت أنظمة الانتداب، وفق الكتاب، سبباً في قيام "الثورات الكبرى" وانتشار الفكر القومي المتطرف الذي ترجع جذوره التاريخية إلى سلسلة الاحتجاجات والانقلابات الساعية إلى استعادة الإمبراطورية المتهالكة، ومحاولة تحديثها على النمط الغربي "بثورة فرنسية شرقية"، وما تبعها من تصفيات دموية قادت إلى تتويج "لجنة الاتحاد والترقي"، ذات الميول القومية المتشددة والتنظيم شبه العسكري، كلاعب سياسي فاعل بعد أن همّشت قادتها الأوائل وتغلبت على البيروقراطيات المدنية والعسكرية المنافسة، وأدت تشكيلاتها الخاصة بقيادة رجال الظل الدور الأساسي في إبادة الأرمن، و"شكلت الرحم الذي خرجت منه الكثير من التنظيمات ذات المتخيل الثوري على امتداد القرن العشرين، سواء في تركيا أو في المقاطعات العربية التي كانت تابعة للسلطنة العثمانية".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون الراديكاليون إذ يستعيرون طرائق العنف الثوري لليسار
ويقابل ذلك لوحة مشابهة في الجانب الفارسي مع انطلاق أعمال الاحتجاج والتمرد والانقلابات في البلاد تحت تأثير ثورة 1905 في روسيا، والتي تتوجت بالحركة "الجنغالية" التي حاولت تأسيس "جمهورية شورى" على غرار الجمهورية السوفيتية و"شكلت ذاكرة ثورية بالنسبة لحركات التمرد التي تلتها، وصار اسمها مرجعاً رمزيا لسلسلة من التنظيمات الثورية فيما بعد".
أما المقاطعات العربية فقد رسمت نهايةُ الحرب العالمية الأولى حدودَها الجديدة وأقدارها أيضاً، فعانت التجمعات السكانية المنفصلة عن السلطنة العثمانية إما من كثرة الدول أو من غيابها، كما في حالتي الكرد والفلسطينيين، ودشنت مرحلة من عدم الاستقرار السياسي والتشوه الثقافي والاجتماعي والأخلاقي. فقد ساهمت الحروب عدا عن حصد الأرواح، وإهدار الحياة في تدمير بنية المجتمعات العربية من الداخل و"وحشنتها" "فلم تعد تقدس "القضايا" السياسية والدينية والطائفية التي أُعِيدَ تعريفها من منظار اجتماعي- دارويني فقط، بل تفهمت أيضاً اللجوء إلى الإكراه وإلى العنف كنمط إدارة ومعارضة شرعي".

اقرأ أيضاً: الأردن: هل ينضمّ الإسلاميون إلى الحكومة في التعديل القادم؟
الأمر الذي فتح الباب عريضاً  أمام عسكرة المجتمعات وعسكرة السياسة؛ فتضخمت المؤسسة العسكرية في وقت قصير، وسيطرت على مفاصل الدولة ومقدرات المجتمع باسم التحرير والوحدة والتوحيد القومي أو الإسلامي، وعملت على إقصاء المعارضين وتدميرهم باسم الشعب وتهمة الخيانة، وقد مهدت نكبة فلسطين وهزائم العرب لقيام عدد من الانقلابات العسكرية في الدول العربية كما ساهمت الهزيمة الكبرى في 1967 في إطلاق موجات جديدة من العنف والاغتيالات، وشكلت هذه الحرب نهاية مرحلة المتخيلات الثورية التي ترافقت مع نهوض قومي عربي على امتداد الخمـــسينيات والســتينيات من القرن العشرين، وأفضت إلى بروز معارضات إسلامية راديكالية أكثر عنفاً من سلطات العسكر وأنظمة الاستبداد الشرقي التي حولت الجيوش من حماية الحدود إلى حماية السلطة، وجعلت من الدولة غنيمة حرب وصار الخوف هو أداة الشرعية الأولى.
 نسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية

شرخ سيد قطب
يفتتح حميد بوزرسلان الجزء الثاني من كتابه والذي يغطي سنوات ما بين  1979 و1991 بعنوان مزدوج ذي دلالة "إسلام ثوري وقمع، وشرخ عنوانه سيد قطب" يرصد من خلاله طبيعة المرحلة الجديدة المحكومة بآثار هزيمة حزيران 1967 التي أفضت فعلياً إلى هزيمة اليسار العربي: القومي والماركسي، والليبرالي، وتجويف الأحزاب السياسية واستقرار أنظمة العسكر والحزب الواحد التي أمنت بقائها وأمنها بالإكراه "وتجنيد أدوات القمع العاري الذي يهدف إلى إفهام المجتمع بأنّه مهزوم ولا يملك الوسائل الكفيلة بجعله يرى نفسه في مستقبل مختلف جذرياً".

اقرأ أيضاً: الإسلاميون والدولة: صراع على الحكم وليس لخدمة الدين
بذلك تحولت الدولة العسكرية إلى دولة أمنية توتاليتارية؛ فأصبح العنف أو استبطان العنف هو الوسيلة الوحيدة الممكن من خلالها تحقيق تأثير في الواقع الصلب، وخلت الساحة السياسية لمعارضات جديدة نشأت في هوامش المجتمعات ذات لون إسلاموي وطابع صدامي مدمر للآخر، كما هو مدمر للذات، تعززت مع قيام الثورة الإسلامية في إيران، والعمل على تصديرها نحو العالمين؛ العربي والإسلامي.

يتناول الكتاب 3 مراحل مفصلية تعتبر حقب تحوّل في تاريخ الحركات السياسية والإسلاموية في الشرق الأوسط الكبير

في هذا المناخ تجسدت أفكار سيد قطب ومفاهيم "حاكمية الله" و"جواز الحرب في دار الإسلام" و"جاهلية القرن العشرين" ووجوب مجاهدة الحاكم الجائر.. في تنظيمات حركية "جهادية" كنسخ مطورة ومحدثة عن حركة الإخوان المسلمين، جعلت من الدين أيديولوجيا ثورية ويوتوبيا خلاصية؛ فصار الجهاد والتضحية بالنفس "فريضة غائبة" أو ركناً سادساً من أركان الإسلام، والشهادة جزءاً من الحياة وحتى شرطاً لها، وتم الشرخ بين الفكر الإسلامي والفكر الإسلاموي أو بين الدين الديني والدين السياسي، واختلط الخلاص الأرضي أو المستقبل الأرضي بالخلاص الأخروي، وأصبح الجسد الذي صار سلاحاً يستخدم ضد الحشود المجهولة الهوية في غالب الأحيان يمهد للخلاص النهائي، فيما النتائج الحقيقية مذابح وحمّامات دم جديدة على مساحة أوسع من الشرق الأوسط.

اقرأ أيضاً: عندما يشلّ الإسلاميون طاقة الدين الروحية ويهدرون مضمونه الأخلاقي
يشكل الجزء الثالث من الكتاب الذي يغطي الفترة الزمنية ما بين بداية التسعينيات من القرن العشرين ومنتصف العقد الأول من الألفية الثالثة امتداداً تاريخياً لأحداث الفترة السابقة؛ فتلازمت بداية المرحلة مع نهاية ثلاث حروب استنزفت العالم الإسلامي على مدار عقد من الزمان: انسحاب السوفييت الكامل من إفغانستان، توقف الحرب العراقية الإيرانية، وبرود الحرب اللبنانية وتحولها إلى حالة مراوحة بالمكان بعد تكريس الإرادة السورية وحل الميليشيات وتصفية الوجود الفلسطيني في لبنان وانفراد ميليشيا واحدة بالاحتفاظ بسلاحها؛ أي حزب الله المكلف جماعياً بتحرير الجنوب الذي احتلته إسرائيل.

اقرأ أيضاً: الإسلاميون وفكرة "السلف الصالح"
وقد "فتحت نهاية هذه الحروب مضافاً إليها أفق الحل السلمي للمسألة الفلسطينية، بشكل مؤقت، باب الأمل في حدوث تحول سلمي في الشرق الأوسط وموجة من التحولات الديمقراطية ستأتي على أنظمة الاستبداد في العالم الإسلامي"، وستفتح الباب أمام المشاركة السياسية وتسرّع دمج الإسلامويين باللعبة الديمقراطية وقبولهم بسيادة القانون الوضعي.
لكن ما أفصحت عنه النتائج هو اشتعال أربع حروب جديدة مع مطلع الألفية الثالثة بدل الثلاثة المنتهية، كما بينت أنّ التحول الديمقراطي في الحركات الإسلاموية مجرد وهم، بسبب استمرارية الأنظمة الاستبدادية التي استفادت من الدعم الدولي في محاربة "الإرهاب الإسلاموي" "وكسبت في خانة الفعالية ما خسرته في حانة الشرعية" من أجل البقاء؛ فأجبرت كل فئات الشعب على اتباع قواعد الإلحاق والطاعة التي فُرضت عليها لئلا تتعرض للقمع، وأسكتت كل أصوات المعارضة السياسية، فيما أصبحت الحركات الإسلاموية أكثر تصلباً وتجذراً في منطق المواجهة العنفية وأكثر انعزالاً عن المجتمع.

 

وأكملت حرب الخليج الثانية ودخول الأمريكان إلى العراق؛ ونتائج اتفاقات أوسلو المحبطة؛ وعودة الجهاديين "الأفغان العرب" من أفغانستان، هذا التصلب بإطلاق موجة جديدة من التطرف في أنحاء المنطقة كافة وحتى خارجها، ومهّدت لإطلاق موجات جديدة بأشكال عديدة من العنف من عنف التضحية بالذات إلى العنف ضد المجتمع: كالعنف ضد المدنيين، والعنف اللغوي تجاه الأقليات، والعنف الموجه إلى أجساد النساء، واغتصاب اللغة.

 

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط

يخلص حميد بوزرسلان في خاتمة بحثه إلى نتائج غير متفائلة حول المستقبل القريب للشرق الأوسط بقوله "كل شيء يشير إلى أنّنا سنعيش زمناً طويلاً مع الآلام الشرق أوسطية القاتمة"، وإن كانت لا تقطع الأمل بتغير إيجابي أفضل شرط أن نعرف كيف نتجنب الكارثة المدمرة، "فالتعب الاجتماعي الناجم عن إخضاع المجتمعات بالإكراه، وإنهاك الديناميكيات الاجتماعية يجعل السعي إلى البقاء اليومي هو الأفق الوحيد المتاح، وهذا التعب هو الذي ينتج الخضوع وبالتالي بقاء الأنظمة المتسلطة، لكنه يحمل معه ثمناً هو العنف الخفي".
ويؤكد بوزرسلان أنّه ما دامت القوى الدولية والإقليمية القوية والمؤثرة ترفض النظر إلى الحلول الكفيلة بالخروج من حالة عدم الاستقرار، وإقامة سلام حقيقي سيظل هذا الرفض يشكل عاملاً بنيوياً لإعادة إنتاج العنف بأشكال أكثر فأكثر دموية، إلا أنّ الباحث يخلص في الخاتمة الأخيرة التي كتبها للترجمة العربية إلى "أنّ العامين 2011 و2012 سيتربعان في كتب الحوليات التاريخية بوصفهما التاريخ الرابع الذي أعاد رسم خريطة الشرق الأوسط"، وأنّ الاحتجاجات الثورية في تونس ومصر ستحمل معها حصتها من المفاجآت سواء أكان في بلدان مختلفة ذات خصوصية أو على النطاق الإقليمي برمّته.

للمشاركة:



وفاة المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية.. من سيخلفه؟

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تُوفَّى، اليوم، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، يوكيا أمانو، عن عمر يناهز 73 عاماً.

وأشارت مصادر من داخل الوكالة، في تصريحات نقلتها وكالة "رويترز"، إلى أنّه كان يعتزم التنحّي مبكراً، في آذار (مارس) من العام المقبل، بسبب إصابته بمرض لم يحدّدوه، أضعفه بشكل واضح خلال العام الماضي.

تُوفَّى يوكيا أمانو عن عمر يناهز 73 عاماً بسبب إصابته بمرض أضعفه بشكل واضح

وتدهورت صحة أمانو بشكل واضح منذ أعلنت الوكالة الدولية للطاقة الذرية، في أيلول (سبتمبر) الماضي، خضوعه لإجراء طبي لم تحدّده خارج النمسا، حيث مقرّ الوكالة.

وأعيد تعيين الدبلوماسي الياباني أمانو، عام 2017، على رأس الوكالة التابعة للأمم المتحدة لولاية ثالثة من أربعة أعوام، كان من المقرر أن تنتهي يوم 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.

وخلال توليه المنصب، أكّد أمانو مراراً أنّ عمل الوكالة تقني، وليس سياسياً، وذلك في ردّ فعل يتعلق بولاية سلفه محمد البرادعي، الذي حصل مع الوكالة على جائزة نوبل للسلام لعام 2005، ونشبت خلافات بينه وبين مسؤولين أمريكيين تتعلق بإيران.

مرشّحان مرجّحان لتولي المنصب بعد أمانو هما: المبعوث الأرجنتين "جروسي"، ومبعوث رومانيا "فيروتا"

ويختار مجلس محافظي الوكالة، الذي يضمّ 35 دولة، مدير الوكالة، بعد أن يحظى بموافقة (المؤتمر العام) للوكالة، وهو اجتماع لكلّ الدول الأعضاء، ومن المقرَّر أن ينعقد الاجتماع الدوري السنويّ للمؤتمر العام، في أيلول (سبتمبر).

وتتضمن مسؤوليات الوكالة الدولية للطاقة الذرية مراقبة الالتزام بالقيود المفروضة على أنشطة إيران النووية، بموجب الاتفاق المبرم بين طهران وقوى عالمية، عام 2015، والذي انسحبت منه الولايات المتحدة العام الماضي.

وهناك مرشحان مرجحان لتولي المنصب بعد أمانو، هما: مبعوث الأرجنتين لدى الوكالة، رفائيل جروسي، الذي نافس أمانو على المنصب في السابق، ومبعوث رومانيا، كورنيل فيروتا، وهو كبير منسّقي الوكالة، ويعدّ فعلياً مديراً لمكتب أمانو.

 

للمشاركة:

طهران تزعم أنّها فكّكت شبكة تجسّس.. تفاصيل

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

ذكرت وسائل إعلام إيرانية، اليوم؛ أنّ طهران ألقت القبض على 17 جاسوساً، يعملون لحساب وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وحكمت على بعضهم بالإعدام.

وعرض التلفزيون الرسمي صوراً قال إنها لضباط في وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، كانوا على اتصال بالجواسيس المشتبه بهم، وفق ما نقلت وكالة "رويترز" للأنباء.

إيران تلقي القبض على 17 جاسوساً يعملون لحساب الاستخبارات الأمريكية وتحكم على بعضهم بالإعدام

ولم يرد أيّ تعليق من الاستخبارات المركزية أو المسؤولين الأمريكيين.

وكانت إيران قد أعلنت، في حزيران (يونيو)؛ أنّها فكّكت شبكة تجسّس تديرها وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، لكن لم يتضح ما إذا كان إعلان يوم الإثنين يرتبط بالقضية نفسها.

ويأتي الإعلان عن الشبكة المزعومة بعد ثلاثة شهور من مواجهة متصاعدة بين إيران والغرب، بدأت في الأول من أيار (مايو)، مع تطبيق عقوبات أمريكية جديدة أشدّ صرامة.

ونقل التلفزيون الرسمي عن بيان لوزارة الاستخبارات؛ أنّ "الجواسيس، وعددهم 17، اعتقلوا خلال شهر آذار (مارس) 2019."

وذكر البيان: "كان الجواسيس يعملون في مراكز حساسة وحيوية في القطاع الخاص في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية؛ حيث جمعوا معلومات سرية".

وفي تقرير منفصل، نقلت وكالة أنباء "فارس"، شبه الرسمية، عن مسؤول في وزارة الاستخبارات قوله: إنّ "بعض المعتقلين حُكم عليهم بالإعدام".

الجواسيس يعملون في المجالات الاقتصادية والنووية والعسكرية والفضاء الإلكتروني وقطاع البنية التحتية

وتستغل طهران حوادث القبض على الجواسيس المزعومين لتبرير موقفها بأنّها تتعرض لاستهداف دائم من قبل الغرب، خاصة الولايات المتحدة الأمريكية، كما تستعمل حوادث اعتقال أشخاص مزدوجي الجنسية، كورقة ضغط فيما يتعلق بالتوتر مع الغرب، بعد خرقها للاتفاق النووي لعام 2015.

ودائماً ما توجه إيران تهم التجسس والعمالة لمواطنيها في محاكمات تعرف انتقادات كبيرة من المنظمات الحقوقية الدولية والمحلية، في غياب أبسط مقومات شروط المحاكمة العادلة.

وحكمت إيران، في أيار (مايو)، بالسجن 10 أعوام على مواطنة إيرانية، تدعى زاغاري-راتكليف، بتهمة التجسس لصالح بريطانيا والتحريض على الفتنة؛ حيث أكدت عائلتها أنّه تمّ نقلها من زنزانتها إلى جناح الأمراض النفسية في إحدى مستشفيات طهران؛ حيث تخضع لمراقبة الحرس الثوري الإيراني.

 

للمشاركة:

انتهاكات صهيونية جديدة..

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

تواصل دولة الاحتلال الإسرائيلي انتهاكها للإنسانية وللقوانين والاتفاقات الدولية، متحدية المجتمع الدولي؛ حيث قامت اليوم بهدم 16 بناية تضمّ نحو 100 شقة سكنية، على أطراف مدينة القدس، في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية.

ودانت الرئاسة الفلسطينية شروع الاحتلال الإسرائيلي، اليوم الإثنين، بهدم تلك الشقق السكنية.

الاحتلال الإسرائيلي يهدم 100 شقة سكنية على أطراف مدينة القدس في منطقة تقع تحت السيادة الفلسطينية

وحمّلت الرئاسة الفلسطينية، في بيان نشرته وكالة الأنباء الفلسطينية الرسمية (وفا)، حكومة الاحتلال، المسؤولية كاملة عن هذا التصعيد الخطير ضدّ الشعب الفلسطيني الأعزل، وعدّته جزءاً من مخطط تنفيذ ما يسمى "صفقة القرن"، الهادفة إلى تصفية القضية الفلسطينية.

هدم منازل الفلسطينيين وتشريدهم ليس بالسياسة الجديدة على إسرائيل، ولكن هذه المرة وقاحتها واستخفافها بالمجتمع الدولي، دفعها لتنفيذ جريمتها في منطقة "واد الحمص"، التي تقع خارج الخطّ الوهمي لبلدية الاحتلال في القدس، وتصنف غالبية أراضيه ضمن مناطق "أ" التابعة للسيادة الفلسطينية، وفق اتفاق أوسلو.

من جهته، طالب أمين سرّ اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، صائب عريقات، المجتمع الدولي والمحكمة الجنائية الدولية والمدعية العامة بفتح تحقيق بهذه الجرائم. وقال: "لدينا استيداع لدى هذه المحكمة، والمعالجة الوحيدة هي فتح تحقيق مع المسؤولين الإسرائيليين".

وأوضح عريقات أنّه "آن الأوان للدول العربية أن تدرك أنّ ما يحدث من مخطط هو تطبيق لـ "صفقة القرن"، التي أعلنت القدس عاصمة لدولة الاحتلال، وفتحت الأنفاق أسفل المسجد الأقصى المبارك".

وأشار إلى أنّ الازدهار الاقتصادي، الذي أُعلن عنه في ورشة المنامة، ينفَّذ عبر هدم 100 شقة سكنية للفلسطينيين، متسائلاً: "أهذا هو الازدهار؟!"

بدوره، قال ممثل منظمة التعاون الإسلامي لدى فلسطين، أحمد الرويضي: إنّ "هدم منازل الفلسطينيين في مناطق تخضع للسلطة الوطنية بحسب اتفاق أوسلو، جريمة نكراء".

وأضاف؛ "قرار الهدم جاء نتيجة أمر عسكري، بتواطؤ مع القضاء الإسرائيلي في جريمة مشتركة ضدّ أصحاب الأرض الشرعيين، لصالح جدار "سلكي" غير مكتمل".

وأشار إلى أنّ قرارات الهدم في وادي الحمص والخان الأحمر، تأتي في سياق مخططات الاحتلال لاستكمال عزل القدس عن الضفة الغربية، والإجهاز على مبدأ حلّ الدولتين، الذي أجمع عليه العالم.

الأوساط الفلسطينية تدين جريمة الكيان الصهيوني وتطالب المجتمع الدولي بالتدخل لوقف انتهاكاتها

ولفت إلى أنّ المعركة في القدس معركة ديموغرافية، تهدف من خلالها إسرائيل إلى تقليص عدد الفلسطينيين، من 40% من إجمالي سكان المدينة، بشقّيها الشرقي والغربي، إلى 20.%

من جهته، قال الناطق باسم الحكومة، إبراهيم ملحم: إنّ "هدم إسرائيل 100 شقة سكنية في منطقة خاضعة لسيطرة السلطة الفلسطينية هو اعتداء على اتفاقيّتَي أوسلو وجنيف، ومؤشّر خطير يستدعي تدخلاً دولياً لوقف هذا القرار.

ورأى أنّ عمليات الهدم تطهير عرقيّ يستهدف تهجير مئات العائلات الفلسطينية، وفرض أمر واقع جديد على الأرض، واستكمالاً لفصل القدس عن محيطها.

وأكّد أنّ الحكومة ستعمل في اتجاهين؛ الأول على المستوى الدبلوماسي والاتصال بالجهات الدولية لوقف هذا التصعيد الخطير، والتدخل لحماية المدنيين، وإلزام إسرائيل بالاتفاقيات الدولية، والاتجاه الثاني تعزيز صمود المواطنين في مواجهة المشاريع التصفوية للقضية الفلسطينية.

كما سبق أن أصدرت بعثات الاتحاد الأوروبي، في القدس ورام الله، بياناً تطالب فيه إسرائيل بوقف هدم المنازل الفلسطينية وتقويض حلّ الدولتين.

 

للمشاركة:



حسن البدري: الحركات المتطرفة تأكل بعضها

2019-07-22

أجرى الحوار: ماهر فرغلي


قال القيادي السابق بالجماعة الإسلامية، حسن البدري، إنّه يعجب من نفسه الآن كيف جعل مصيره حين كان شاباً صغيراً بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، على حد وصفه، مضيفاً في حواره مع "حفريات" أنّ هذا ما تأكد منه بعد اعتقاله وفق ما قال له أحد ضباط الأمن: "لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن".

ظللت أعتقد أنّ جماعتي صفوة الصفوة وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم

وأكد المنشد الأول للجماعة الإسلامية، أنّ كلّ اتجاه تكفيري يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، وأنّه لم يكن منتظراً مبادرة المراجعات للجماعة الإسلامية، "فقد كنت قد قررت الانسحاب قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي".
ورأى البدري أنّ انتشار التطرف والإرهاب يعكس أزمة ثقة في المجتمع بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ وأن أهم وسائل العلاج، في رأيه: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطيرة.
وهنا نصّ الحوار:
بداية الضياع

"المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"
كيف بدأت الطريق مع جماعات الإسلام السياسي؟

في البداية كان شأني شأن كلّ شاب في أوائل العقد الثالث من عمره خاصة، وشأن كلّ مصري عامة، كنتُ مشدوداً بالفطرة والسجيّة إلى البحث عن استقرار في حياتي، وعلاقة مع ربّي، وتدارك، أو تعويض، أو تصويب، ما ضاع وما فات في زمن الصبا، بشكل يجعل الحاضر والمستقبل أفضل.

اقرأ أيضاً: المنشق عن الجماعة الإسلامية عوض الحطاب: العنف لن يتوقف بوجود أمراء الدم
في الأشهر الأخيرة من خدمتي بالجيش، قال لي أحد زملائي، ونحن واقفان معاً محلّ خدمتنا على البوابة الرئيسية لقيادة "اللواء 117": "أرى أنّك لا ينقصك سوى أن تصلي، فرنّت العبارة في أذني، وقد قالها لي مرة واحدة، ولم يكلمني بعدها مطلقاً في أي شيء يتعلق بالدين، ولم أكن قد سمعت هذه العبارة مطلقاً من شيخ كتّاب قريتنا، الذي ختمت على يديه حفظ القرآن كاملاً، سمعتها بهذا الشكل المشحون بالطاقة الروحية وبالودّ والتعاطف، فعملت مقتنعاً بنصيحته، وواظبت على الصلاة في المسجد.

كنت عضواً عليلاً ألتمس الدواء من أطباء تبين لي أنّهم ليسوا سوى مرضى

بعدها، وأنا في محطة قطار عين شمس، وكنت في طريقي لقضاء الإجازة، عثرت على كتيّب صغير مع شاب يبيع الكتيبات والمصاحف على رصيف المحطة، وهو "المأثورات.. الوصايا العشر لحسن البنا"، فاشتريته وكان سعره لا يتجاوز خمسين قرشاً، ولم أفتحه إلا بعد أن عدت من إجازتي، وكان مفهوماً ويسيراً، عدا الوصية التي تتعلق بالتحاكم وبالرابطة الروحية الإخوانية.
ومرّة قابلت أحد زملائي وسألته عن معنى كلمة الطاغوت، ثم أخذ يقرأ كتاب السيرة النبوية ويسقط كلّ ما فيها على الواقع المعاصر، ويرجّح دائماً كفّة الجماعة، ثم دعاني للذهاب للاستماع إلى الشيخ فوزي السعيد في مسجد التوحيد بغمرة، وعندما سألته عن "المأثورات"، وعن حسن البنا، قال لي: إنّ "مجدّد الدين في هذا القرن هو سيد قطب"!
وأمام هذا المسجد بدأت أبيع الكتب الدينية الصغيرة والسواك والبخور وأكسب بعض الأموال، ثم افترقنا وشقّ هو طريقه ليعمل محاسباً، وانقطع عن مواصلتي ومتابعتي، علماً أنّه يعمل بالدعوة السرية الفردية فقط، ويحلق لحيته، ولا يبدو عليه ما يشير إلى انتمائه الأيديولوجي.

اقرأ أيضاً: عمر عبدالرحمن.. الأب الروحي لتكفيرية "الجماعة الإسلامية"
وأتعجّب الآن من نفسي كيف قامرت وجعلت مصيري ونفسي حقلاً للتجارب التي بين خيط الصواب وخيط الخطأ، بين أيدي جهلة متطرفين متناقضين، وانجذبت طائعاً، وكيف تقوقعت، وكيف كنت أرضى بأن أتجمّد في مكاني بلا مستقبل، فقط أعيش اليوم واللحظة، دون خطة، أو رؤية أو حماس للحياة، أو حبّ لها، وكأنما أصبحت أمشي نائماً، أو أمسيت مثل الموتى الذين أسكن فوقهم في غرفتي بمنطقة (ترب الغفير)، وكيف شقّ هو طريقه، والتزم بما يصلح دنياه وتركني حول فكرة البلاء والموت!
ولم أزل أتساءل: هل كان صادقاً فعلاً لكنّه، كغيره من معظم أبناء هذه التيارات، جاهل بالشرع والناس والواقع، أم أنّه نائم كان يسحب خلفه نائماً، أو هو ميت كان يسحب خلفه ميتاً، أو هو تائه كان يزعم أنّه سيهدي تائهاً مثله؟!
اختبار السجن

 الشيخ فوزي السعيد
لماذا اعتقلت؟ وكيف كانت الأيام الأولى من هذه المرحلة؟

كنت أسمع من الشيخ فوزي السعيد، وأتأثر به كثيراً، وأتقمّصه حرفياً، وأخطب في المساجد، وبدا ما أقوله غريباً على العامة، ومثار جدل وإرباك وصدام معهم، ومع تيارات أخرى، وحاول الجميع احتوائي بشتى الطرق، لكنّني تصلّبت فكرياً، وحكمت على كلّ محاولاتهم سلفاً بالفشل، فاضطروا للإبلاغ عني، وإخلاء مسؤوليتهم أمام رجال الأمن.

لم أكن منتظراً مراجعات الجماعة فقد قررت الانسحاب بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي

وفي أوائل العام 1997 تمّ اعتقالي، ثم خرجت وعدت كما كنت، ثم بعدها بشهور قليلة تم اعتقالي مرة أخرى، وقال لي ضابط الأمن يومها: لن أقول لك إنّ هذه الجماعات المتطرفة براء من الإسلام، وهو منها براء، فهذا أمر ستتأكد منه بنفسك عملياً، وأنت معهم في السجن وستعرفهم على حقيقتهم.
ظللت أعتقد أنّهم صفوة الصفوة، وأنّ ما لدي من نقص علمي ومعرفي وتربوي سيكتمل على أيديهم وبصحبتهم، وأنّ الذي يدخل معهم سيخرج من ذنوبه، حتى بدأت الصدمات والمفارقات التي جعلتني أتوقف وأسأل وأراجع، بل وأعترض وأناقش، بل وأصطدم وأتعارك أحياناً، وأتعرض لشتّى صنوف الأذى الجسدي والنفسي، فأنت تدخل إليهم عليلاً تلتمس الدواء فلا تجد الأطباء إلا مرضى، فيصيبك ما أصابهم فتتضاعف بلواك.

من أمام  سجن "أبو زعبل"

كيف أخذت تتغير أفكارك في السجن؟
كانت الزنزانة الأولى لي في سجن أبو زعبل الجديد خليطاً من الأفكار، مثل: الجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد والتكفير، وسلفية الجهاد، وبعض المنشقين الذين تركوا الجميع ووقعوا على إقرارات توبة، كان كلّ صاحب اتجاه يدعو ويروّج سراً لاتجاهه، وكلّهم يزعم أنّه على الحقّ، وأنّ مخالفيه على الباطل، والجميع في الظاهر يتعاملون بتجمّل ومجاملة وتقية، وفي العمق أسمع هذا يكفّر هذا، وهذا يفسّق هذا، وهذا يبدّع هذا، وهذا يتهم هذا بالجهل، وهذا يرمي هذا بالتشدد.

جميع التيارات الدينية المتطرفة تتعامل في الظاهر بتجمّل وتقية وفي العمق يكفّرون بعضهم

ومن طريف ما رأيت؛ أنّ تلاميذ مصطفى سلامة كانوا معنا، وكان قائدنا يعاملهم بمجاملة في الظاهر، بينما يقول سرّاً لأتباعه: "هؤلاء ليسوا ملتزمين دينياً؛ ألا ترون كيف يرتدون فانلة بحمالات!"، ورأيت عنصر التكفير لا يصلّي خلف أحد، وحين يصلّي الجهرية لا يقرأ إلا "قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ"، ووجدت من كفّر والديه، ومن كفّر نفسه، ثم اغتسل ونطق الشهادتين وأسلم من جديد، وكرّر ذلك مراراً، ومنهم من كان يقول: "أيّما فرد لم يكفّر الكافر فهو كافر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أيّة جماعة، فإن لم تكفّر الكافر فهي كافرة"، وكان يكفّر العلماء أيضاً في الوقت الذي يعتمد فيه على تأويلات فاسدة للقرآن الكريم، بجهل وجرأة غير مسبوقَيْن! حتى أصابني الغمّ والغثيان والاكتئاب، وخرجت من أبو زعبل بعد عام ونصف العام، مصاباً بحمى روماتيزمية، أثرت فيما بعد على صمامات القلب.
منشد الجماعة الإسلامية

الشيخ كرم زهدي
كنت منشد الجماعة الإسلامية ومطربها وقت مبادرة وقف العنف؛ صف لنا تلك الأيام ودورك فيها.

كنت أجيد الشعر والتلحين والأناشيد، وأحبّ ذلك كهواية محببة لي في الوقت نفسه، وفي كلّ زنزانة دخلتها كنت أقوم بهذه الوظيفة، فألّفت نشيداً للمواساة، وآخر للصبر، ثم للتأمل والذكر، وآخر للترفيه والتسلية، وكان ذلك مقبولاً ومطلوباً من الأغلبية، حتى كانت مبادرة وقف العنف، وكانت المحاضرات والندوات والحفلة التي سجّلت صوتاً وصورة في حضور لفيف من رجال أجهزة الأمن، وعلى رأسهم المرحوم اللواء أحمد رأفت، والقادة التاريخيون للجماعة الإسلامية، وعلى رأسهم: ناجح إبراهيم، والشيخ كرم زهدي، وكانت الكلمات مناسبة للسياق والمقام والحدث والمرحلة.

اقرأ أيضاً: 10 محطات شكلت موقف الجماعة الإسلامية في مصر من العنف
وكان معي فريق رائع من المنشدين، سواء الصولو أو الكورس، وعلى رأسهم المنشد ياسر عيد، وبدأت مراسم حفل افتتاح الندوات بالقرآن الكريم، ثم نشيد الافتتاح، ثم أناشيد وفقرات أخرى متنوعة لم نترك فيها جانباً ممكناً إلا أقمناه، حتى "الاسكتش" الفكاهي قدمناه، وسعد الجميع، وأظهر اللواء أحمد رأفت إعجابه وتشجيعه لنا، وكان من أهم أناشيد الحفل التي أديتها أنا وياسر عيد:
من أجل ماضيك المليح
أهدي بواكير القصائد
أنا طائر الفجر الجريح
مهما اغتربت هواك صائد

ما بعد المراجعات

كانت أهم المقولات المحورية للمشايخ: أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك
كيف حدث التحوّل السريع بين عناصر الجماعة بعد المراجعات؟

بدأت المحاضرات والندوات تباعاً بالسجون حول المراجعات الفكرية ووقف العنف شرعاً وعقلاً وسياسة، وكانت أهم المقولات المحورية للمشايخ وبتصرف: "أخطأنا في قتل السادات ونتوب من ذلك، وهو الآن نحسبه عند الله من الشهداء"، و"ما حدث في السجون أو خارجها من الإخوة، من ظلم أو بغي، ضدّ المخالف فهو خطأ، ومن يظلم يتعرض للظلم، ومن يرق دماء الناس بغير حقّ يتعرض أيضاً لمثل ما فعل".
وأما أنا فلم أكن منتظراً المبادرة والشرعنة والتأصيل والدراما، فقد كنت قد قررت قبلها، بعد كلّ ما حدث معي واختبرته بنفسي، وذكرت هنا بعضاً منه فقط، أن أبتعد عن الجميع تماماً بعد خروجي من السجن، وبالفعل نفّذت ذلك، والكلّ يعلم ذلك تماماً.

ما الفرق بين إقرارات التوبة والمراجعات التي تمّت؟
في رأيي، لا فرق بين إقرارات التوبة التي وقّع عليها أفراد من الجماعة والمراجعات التي قدمتها الجماعة، وذلك للأسباب الآتية:

التعامل مع خوارج العصر يكون بالفكر وإجراءات الاستتابة التي يقدرها المتخصصون

أولاً: الفرد وقّع على إقرار بأنّه كان ينتمي للجماعة، وأنّ هذا خطأ ارتكبه، وهو تائب منه ولن يعود إليه، وهدفه من ذلك أن يخرج، وعزمه بعد الخروج يتجه في اتجاه آخر مفارق للجماعة، وليس مفارقاً للإسلام، وأما الجماعة فقد قدمت إقراراً جماعياً وقّع عليه مشايخها يسمّونه مبادرة، والحقيقة أنّه اسم مهذّب يحفظ ماء الوجه لجماعة كلّها أقرّت بأنّها أخطأت.
ثانياً: الذين يفرّقون بين إقرار التوبة والمراجعات، هم الجماعة فقط، على أساس أنّ التائبين بالإقرارات الفردية تركوها، وأنّ التائبين جملة وبشكل جماعي، ما يزالون أبناءها، حتى بعد الخروج، وهذا المعيار مضلّل ومراوغ، وازدواجيته من الوضوح الصارخ، بحيث لا يخفى عوره وتناقضه، ولا تخفى ازدواجيته على أحد.

كيف ترى جماعات التكفير التي قابلتها بعد هذه التجربة؟
هم كما ذكرت سابقاً، وأوجزه في مصطلح "خوارج العصر الحديث"، فهم حرورية يعبدون الله بالخوف فقط، وهم أشدّ الناس صدقاً وإخلاصاً في نيّتهم لله، وأشدّ الناس تعبّداً وتنسكاً وورعاً ومجاهدة روحية، لكنّهم -وبكلّ أسف- ضلّوا الطريق، وفسد تصورهم، فكفّروا المسلمين وأئمتهم، وخرجوا على حكامهم بالسيف، واستحلوا دماء وأموال أناس معصومي الدم والمال، وغدروا بمن دخلوا البلاد، ومعهم عقد أمان؛ من جواز سفر وتأشيرة ونحو ذلك.
والتكفير تيارات كثيرة في مصر والعالم كلّه، لكنّ أشدهم خطورة عناصر تنظيم "القاعدة"، وهم في كلّ بلد، ودعوتهم منتشرة عبر الإنترنت، ولهم تأثير على نوعية معينة من الناس في كلّ بلد الآن، وأما التعامل مع خوارج هذا العصر: فالفكر يقابل بالفكر والاستتابة، وإجراءات الاستتابة يقدرها المتخصصون بقدرها حسبما يرون.
أسباب التطرف والعلاج

الفقر مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته
من خلال ما مررت به، ما هي أهم أسباب التطرف الديني من وجهة نظرك؟

أهم أسباب التطرف يمكن إيجازها في الفقر؛ وهو مناخ ملائم يركز عليه التطرف كنقطة ضعف يتصيد منها فريسته، وكثيراً ما ينجح، والأمراض النفسية الاجتماعية؛ وهي مناخ ملائم تتولد فيه عند البعض آراء متطرفة بسبب جبنهم، أو تعرضهم للظلم وضياع الحقوق، أو تعرضهم للبلطجة، ومع قلة حيلتهم وهوانهم على الناس ورغبتهم في التنفيس عن أنفسهم والانتقام لها، أو رغبتهم في الظهور كشيء مذكور تتولد منه الأحقاد والضغائن العميقة.
كما يتكوّن مجرمون في الظلام، لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية حتى تكون لهم عزوة وسنداً ليحققوا مطامحهم الظلامية المريضة، وهؤلاء يحتضنهم المتطرفون بشكل مكثف جداً، ويزرعون فيهم، بكل سهولة، مركب الإمارة والبطولة ثم الجريمة والاستشهاد.

يتكوّن مجرمون في الظلام لا أحد يعرفهم وسرعان ما يجدون ضالتهم في التطرف والإرهاب والجماعات التكفيرية

ثم هناك أزمة الثقة حين ينجح التطرف والإرهاب في الظهور والفاعلية، وتصدر المشهد، فاعلم أنّ ذلك بسبب ما زرعه من أزمة الثقة بين الشعب وحكامه، أو بين الشعب والمؤسسة الدينية؛ فهو لا يتصيّد إلا في ماء عكر، وهو يستغل كلّ المنحنيات، وكلّ الظروف العصيبة التي تمر بها البلاد والشعوب، ويترصدها ليستغلها في إحداث أزمة الثقة، فهذا مناخ جيد بالنسبة إليه.
وأيضاً تقلص دور المؤسسة الدينية؛ فالدعاة الرسميون ينتظرون الناس في المساجد يوم الجمعة، وكلٌّ يعمل براتبه، ومن موقعه، وانتهى الأمر، وغياب دور المشاركة الأهلية التطوعية في العمل الدعوي، وعدم الرقابة على الفتوى، وعدم اتخاذ إجراءات قانونية ضدّ المتعالمين والجهلة والمجربين وميكانيكية الفتاوى، وأخيراً سلبية المواطنين.

وما علاج مشكلة التطرف والإرهاب برأيك؟
أهم وسائل العلاج، في رأيي، يمكن إيجازها في: التكافل الاجتماعي ومحاربة الفقر قدر المستطاع، والاهتمام بالصحة النفسية الاجتماعية وأبحاثها الميدانية؛ للكشف عن الحالات الدفينة الخطرة وتداركها قبل فوات الأوان، ثم مدّ جسور الثقة بين الناس وحكامهم ومؤسساتهم الدينية، ليعيش الناس تلك الثقة واقعاً ملموساً، ومحاربة البطالة؛ فهي معمل تفريخ للجريمة عامّة، والتطرف الديني خاصّة، والوقوف أمام الجهل.

للمشاركة:

لبنان نصرالله: أشلاء وطن مخدوع

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

منى فياض

بادرني السمكري فور دخوله لإصلاح عطل: "ما هذا يا سيدتي؟ كل هذا العنف والفلتان والفساد والسرقات العلنية من دون خجل؟"

إنه لسان حال المواطن العادي المذهول مما نحن فيه. بلد غارق في الفوضى والتهديد والتشويق! فقبل أن يستوعب إملاءات (الأمين العام لحزب الله) حسن نصرالله، قفزت إلى الواجهة قضية اعتداء طليق ابنة النائب في البرلمان اللبناني نواف الموسوي، عليها وعلى أطفالهما. يستند الطليق إلى نفوذ والده الديني، المرجع الذي يمثل خامنئي شخصيا! فحصل إشكال أمني جعل النائب يهاجم مركز شرطة مع مجموعة من أنصاره وحصل اعتداء وإطلاق نار.

اشتعلت مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة والتلفزة بالتعليقات. وانقسم الجمهور بين مدافع عما ارتكبه النائب، بشكل غرائزي أحيانا، مبديا استعداده للقتل في حال تعرضت ابنته لأمر مماثل! جاء ذلك بالطبع كرد على إجحاف قوانين الأحوال الشخصية في المحاكم الجعفرية بحق المرأة المطلقة وحرمانها من حقها بالحضانة واضطهادها والإصرار على تزويج القاصرات. فابنة الموسوي زوجت وهي قاصر أيضا.

لكن ذلك لم يمنع قسما من الرأي العام من رفض خلط الأمور، للتغاضي عن سلوك النائب ولو بسبب الاضطهاد اللاحق بابنته. فهو عضو في حزب يرفض تعديل قوانين الأحوال الشخصية، وبدل أن يقوم بأعمال عنف تخرق القانون، ليس عليه سوى العمل على تعديل القوانين من داخل المجلس النيابي ومواجهة مرجعياته أو القبول بنتائج خياراته السياسية والدينية.

ردود الفعل هذه تبرهن على أن المواطن اللبناني أُفقد معيار الحس السليم الذي يقضي بالفصل التام بين القضيتين. إن الدفاع عن حقوق السيدة المعنفة وإدانة عنف الطليق، لا يعفي المواطن من إدانة سلوك والدها. فالنائب الموسوي ينتمي إلى منظومة حزب الله ذات السوابق في ممارسة العنف وتجاوز القوانين. وهو مارس مرارا الاستقواء باسم حزبه. مع أن زميله النائب محمود قماطي المحاضر بالعفة، كان قد بشرنا بأن "عصر الميليشيات قد ولى". وتبين أن انتهاء صلاحية الميليشياوية وقف على أعتاب حادثة الجبل.

وعلى رأي الصحافي طوني أبي نجم: "نحن في بلد الناس تتضامن فيه مع نائب سبق أن رفض إعطاء المرأة حقوقها بالقانون وقرر أن يأخذ حق ابنته بيده!".

النيابة العامة العسكرية طلبت الموسوي إلى التحقيق، فرفض الحضور، قائلا: "أبلغوني عبر مجلس النواب أو عبر رئيسه"، وفق ما أفادت قناة MTV. على الأرجح استند الموسوي إلى انقضاء أكثر من 24 ساعة على الحادثة، ما يستوجب موافقة البرلمان. فلننتظر الآن موقف البرلمان من القضية.

شكلت هذه الحادثة وغيرها، كشافا فاضحا لما آلت إليه الجمهورية اللبنانية في عهدة السلاح المقدس، الذي يزعم البعض أنه "ضمانة حدودنا وأمننا". من هنا صعوبة خداع النفس بعد خصوصا بعد خطاب نصرالله الأخير.. فالدويلة مسحت الدولة وقضت عليها.

حزب الله، ومن في دائرته لم يعد "يرى" الدولة، وبحسب تعابيرهم: "مش قاريينكم". فبالإضافة إلى السوابق العنفية للنائب الموسوي في شتم رؤساء جمهورية والتعرض لزملائه في الندوة البرلمانية؛ سوابق الحزب أكثر من أن تعد. سيطر على الدولة بقوة السلاح باجتياحه بيروت عام 2008 ما أنتج اتفاق الدوحة بما عناه ويعنيه من أثر على الداخل اللبناني. ناهيك عن قتله المواطن هاشم السلمان بدم بارد أمام السفارة الإيرانية وأمام أعين المواطنين والأجهزة الأمنية والكاميرات. وكان له فضل إسقاط حكومة الأغلبية النيابية بمجرد إنزال أصحاب القمصان السود إلى الشارع عام 2011. ناهيك عن ملفه المثقل في المحكمة الدولية المكلفة بالتحقيق باغتيال الرئيس رفيق الحريري ومن قضوا معه. كما رفض علنا تسليم المتهم بمحاولة اغتيال النائب السابق بطرس حرب والمتهم بقتل الطيار في الجيش اللبناني سامر حنا، وغيرها من من الارتكابات والمخالفات.

لكن ذلك لا يمنع المرشد من التبشير بمحاربة الفساد وأهمية الاستقرار؛ في وقت ينقض فيه على الدولة راغبا، ليس فقط بالسيطرة على مناوئيه، بل بإخراسهم وتركيعهم، لاغيا آخر مظاهر الدولة، حتى الشكلية، بعد أن أنجز مهمته وتمكن من فرط عقد المعارضة النيابية المعروفة بـ 14 آذار، ونجح في تقسيم المسيحيين، وقسم الطائفة السنية بالقوة. لم يبق أمامه سوى تركيع النائب السابق وليد جنبلاط وتقسيم الدروز؛ بطريقة أو بأخرى. فخطابه كشف أنه خلف المطالبة بالمجلس العدلي لتكرار سيناريو سيدة النجاة التي سجن جعجع بسببها.

لكن تصاعد وتيرة العقوبات جعلته "يكتشف" وجود شعب في لبنان، وهو شعب عليه أن يشعر بالإهانة من العقوبات التي طالت نائبين من كتلة حزب الله. أما القضاء على دولته ومواطنيته فلا يعد إهانة موصوفة! والدعاوى التي رفعها بشار الأسد بحق عدد من النواب والشخصيات، ناهيك عن طلب الإعدام بحق رئيس الحكومة نفسه، لا تستحق التعليق.

كنا نزعم أن الثورات والمقاومات غايتها الدفاع عن الشعب وتأمين حياة كريمة ووطن سيد مستقل. لكننا وجدنا العكس عند "المقاومة الإسلامية"؛ فمنذ "الانتصار الإلهي الموصوف" في عام 2006، والوضع في لبنان في تدهور مستمر. تراجع النمو الاقتصادي من 8 في المئة قبل 2011 إلى صفر في المئة عام 2019، ويقال إنه أقل من ذلك.

بماذا أتحفنا خطاب نصرالله الأخير؟ من ما يقرب ثلاث ساعات ونصف الساعة، أمضى أكثر من 3 ساعات في الدفاع عن النظام الإيراني، كأنه الناطق الرسمي باسم إيران. ويجد بعض المعلقين أكثر من ذلك، إذ إنه تكلم باسم خامنئي شخصيا وكأنه مكلف بإرسال الرسائل باسمه؛ فقد جاء خطابه في عناوين صحيفة كيهان: (نصرالله، في أي حرب لن تكون "إسرائيل" محيّدة وإيران أول مَن تدمّرها). وكتبت صحيفة الوفاق الايرانية الدولية تعليقا: "السيّد نصرالله خاض حربين وانتصر فيهما: الأولى عندما حرّرت المقاومة بزعامة حزب الله الجنوب عام 2000، وأنهت الاحتلال الإسرائيلي، بعد إذلاله وإدماء أنفه. والثانية عندما تجرّأ هذا العدو على شن العدوان على لبنان عام 2006، ودفع ثمنا باهظا أبرز عناصره انهيار الثقة بجيشه الذي قيل إنه لا يُهزم. ولا نعتقد أن الانتصار الثالث بات بعيدا، خصوصا إذا اندلعت شرارة الحرب في المنطقة بتحريض إسرائيلي... والله أعلم".

إنهم يبشرونا بحرب ثالثة إذن!

يعيب نصرالله على الإسرائيليين خوفهم من الخسائر البشرية! كما سبق لحزبه أن أعاب على رئيس الحكومة الأسبق فؤاد السنيورة بكاءه أثناء الحرب. بالطبع؛ فنصرالله لا يهمه لا البشر ولا الحجر، فهو خرج "منتصرا" في حرب 2006 بعد الدمار الموصوف التي سببته لكليهما. أرواح البشر عنده أرخص كثيرا من الصواريخ التي يتباهى بها.

وحين يعدد لنا المرافق الإسرائيلية التي يهددها، وأمام نوعيتها المتطورة علميا وتقنيا، لا يرف له جفن أو يبدي ذرة أسف أمام التخلف المعيب الذي تسببت لنا بها سياساته.

تهديداته إسرائيل أثارت السخرية. وعلى ما يصف بعض المعلقين الفيسبوكيين: "يهدد إسرائيل بالعودة إلى العصر الحجري؟ أجل لأنه أدرى بذلك؛ جعل لبنان في وضع أسوأ من العصر الحجري: أنهار ملوثة، مجاري في مياه الشرب، نفايات وتلوث الماء والهواء والتربة، موت بالسرطان بالجملة، سرقات علنية وصفقات ولحوم وحبوب وأدوية فاسدة، ناهيك عن المخدرات والكبتاغون. قتل ودماء وذبح وحروب وعداوات وكيد ومكر وكذب وارتهان وعمالة وخيانة وتأخر".

وفي هذا الوقت، قدم النائب الموسوي استقالته، ما جعل البعض يعلق أنها "وسام يعلق على صدر الحزب". في نفس الوقت جاء في الأنباء: "نفى مدير مكتب الوكيل الشرعي للسيد علي الخامنئي في لبنان الشيخ محمد المقداد المعلومات المتداولة عن استقالته من منصبه". يعنى أن لا وسام يعلق ولا من يحزنون، إنه صراع بين مرجع ديني ومرجع سياسي في الحزب، وبالطبع الغلبة للديني.

هل سيثق المواطن بقيادة قدت من صوّان؟

عن "الحرة"

للمشاركة:

القوميات الإثنية والهويات المتنقلة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2019-07-22

السيد ولد أباه

في أوج الحراك الشعبي المستمر في الجزائر، ظهرت «الأعلام الأمازيغية» مجدداً في تحد لقرار الحظر الذي اتخذته قيادة الجيش التي ترى عن حقق أن في الأمر تهديداً للوحدة الوطنية الجزائرية.
أحد رموز الحركة الأمازيغية الجزائرية ظهر في إحدى القنوات التلفزيونية الفرنسية ليعلن بصراحة أن أمازيغ الجزائر عازمون على مواجهة «هيمنة الأقلية العربية» على الدولة، داعياً إلى إعادة البلاد إلى «هويتها الأصلية» وإلى الخروج من الانتماء القومي العربي ومن المؤسسات الإقليمية العربية، بل من التزامات الموضوع الفلسطيني والاعتراف بإسرائيل، والتعاون الوثيق معها.
وقد تكون هذه النغمة نشازاً، لكنها أصبحت ملموسة مسموعة في منطقة شمال أفريقيا بما فيها تونس التي تقلص فيها وجود المجموعات الناطقة باللغات الأمازيغية إلى عدد قليل لا يذكر. وفي موريتانيا التي لا توجد فيها حركة أمازيغية، برزت خلال الانتخابات الرئاسية نغمة قريبة من هذا التوجه لدى أحد المرشحين طالب فيها بإعادة بناء الدولة وتوزيع علاقات السلطة فيها بين ما أسماه «المجموعة العربية البربرية» المهيمنة والمجموعة «الزنجية الأفريقية»، وحتى لو كان هذا المترشح لم يحصل إلا على نسبة هامشية من الأصوات في الانتخابات الأخيرة، فإن هذه النغمة كانت حاضرة في الاستحقاقات الماضية.
وفي المشرق العربي تصاعدت هذه النزعات «الاثنو قومية» حسب عبارة الفيلسوف السنغالي سليمان بشير ديان، وتجاوزت الطابع العرقي المباشر (الأكراد والتركمان..) إلى حد تحويل الهويات الدينية والطائفية إلى نزعات قومية مقابل الانتماء العربي المشترك، مع العلم بأن المشروع القومي العربي صاغه في الأصل وحمله المارونيون والدروز والعلويون.. وغيرهم من العرب الذين لا ينتمون للأغلبية المسلمة السنية العربية.
ما يتعين التنبيه إليه هنا هو أن مفهوم الهوية في مكونه الثلاثي (اللغة -الثقافة -الإقليم) لا يحيل إلى رابطة عضوية موضوعية ولا إلى انتماء أصلي، بل هو حصيلة سياسات واستراتيجيات مرسومة في خطاب سياسي اثنوغرافي يعود في أصوله البعيدة إلى المدرسة الاستعمارية كما بينت الدراسات ما بعد الكولونيالية الراهنة.
المفارقة المثيرة هنا هي أن الدولة الوطنية التي قامت في أوروبا الحديثة بدور حاضن المواطنة وإطار الاندماج الاجتماعي الناجح هي التي أججت في بلدان الجنوب الصراعات الاثنو قومية.
لا يعني الأمر هنا أن الانتماءات الدينية والاثنية بمعنى ما لم تكن قائمة، لكن الطابع الإمبراطوري للدولة كان يسمح لمختلف «الأقوام والملل»، حسب التسمية التراثية القديمة، أن تتعايش وتتداخل كهويات مجموعاتية متمايزة، فضلاً عن كون هذه الهويات ظلت خاضعة للتعديل المستمر والانتقال الدائم.
في العالم العثماني كرست سياسات التدخل الأوروبي، التي بدأت منذ القرن الثامن عشر، فكرة التمايز الاثنو قومي من خلال إجراءات حماية الأقليات والمقاربات الاثنوغرافية التي أدخلت فكرة «العرق» والأمة (بمفهومها القومي) إلى الحقل السياسي، قبل أن تنفجر النزعات القومية من الجناح البلقاني والشرق أوروبي للإمبراطورية العثمانية.
وفي المنطقة الصحراوية السودانية من أفريقيا (غرب الصحراء والساحل الأفريقي) تبلورت المقاربة السياسية الاثنوغرافية نفسها بعد تفكيك إمبراطوريات غرب ووسط أفريقيا، بصنع الهويات الاثنية المتمايزة التي لم يكن لها معنى في منظومة تقوم على الامتزاج والتداخل المستمر والتنقل الدائم ما بين الهويات والانتماءات بحيث لم يكن الدين ولا اللغة ولا الإقليم عناصر محددة في الوعي المجموعاتي.
وفي شمال أفريقيا، بلورت الأدبيات الاستعمارية الفرنسية «الأطروحة البربرية» التي لم تكن قائمة، وحاولت تكريسها من خلال نظم قانونية وتربوية وإدارية خاصة.
والغريب في الأمر، أن نموذج الدولة القومية في أوروبا قام في عمومه على بناء منظومة مواطنة على أساس الشرعية القانونية العقلانية والهوية المفتوحة المندمجة، كما اضطلعت الدولة البيروقراطية بمشروع البناء الاندماجي الاجتماعي الذي قضى على الانتماءات العرقية والقبلية، في الوقت الذي اعتمدت هذه الدول الأوروبية المقومات العرقية الاثنوغرافية المصطنعة في الهندسة السياسية للدولة الكولونيالية.
ومع أن النزعات القومية التحررية الأولى تبنت قيم الحداثة السياسية والتنوير وفكرة المواطنة المتساوية، فإن فشل «دولة الاستقلال» في إدارة التنوع الاجتماعي أفضى في كثير من الحالات إلى النكوص بالنزعة القومية الكونية إلى الدلالة الاثنو قومية الضيقة.
لقد لاحظ الفيلسوف الكاميروني «اشيل امبمبة» أن العالم يعرف حالياً موجةً جديدة من إعادة الانتقال السكاني الواسع، لا يمكن اختزالها في موضوع اللجوء القسري والهجرة، بما يضع المنظور السياسي للدولة الإقليمية السيادية في ورطة لعجزها الفكري عن إدارة مفهوم المواطنة المتنقلة والهوية غير الإقليمية. كما أن هذا التحول يضع الديمقراطيات الأوروبية في ورطة لكونها قامت أصلا على حصر الحريات والحقوق في دائرة المماثل الشبيه والساكن المحلي، بما يؤدي بها إلى مأزق حقوقي وإنساني حاد في مواجهة المسؤوليات المترتبة على انهيار المجتمعات والدول التي هي حصيلة آثارها في الحقبة الاستعمارية.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية