الإرهاب المقدس: مقاربات خارج الصندوق الأسود

الإرهاب المقدس: مقاربات خارج الصندوق الأسود
6066
عدد القراءات

2017-11-26
<p>حظيتْ ظواهر الإرهاب والتطرف الديني بمساحة كبيرةٍ من حقل الدراسات الأمنية والاستخبارية والعنف السياسي بشكل عام، إلا أنّ كتاب الإرهاب المقدس لتيري ايجلتون يقدم عرضاً مختلفاً عن أساليب الدراسة السائدة في المركزيات الأوروبية والأمريكية التي تتعامل ببراغماتية أو واقعية مع هذه الظواهر.</p>
<p>هذه الواقعية، التي تشبه البحث عن الصندوق الأسود بعد حادثة تحطم أو تفجير طائرة، تجعل الوقوف على كتاب الفيلسوف البريطاني اليساري تيري إيجلتون أمراً مهماً، بهدف إلقاء الضوء على مقارباتٍ مختلفةٍ لظاهرة الإرهاب المعاصر الذي تمثله داعش وغيرها من منظمات إرهابية، وذلك من خلال مقارباتٍ نقدية وثقافية تضمّنها&nbsp; الكتاب مقارنةً بالمقاربات الموجودة في حقول العلاقات الدولية والدراسات الأمنية والاقتصاد السياسي والعولمة.</p>
<blockquote>
<p><strong>يسعى إلى وضع فكرة الرعب والإرهاب ضمن سياقٍ أكثر أصالة ليمكن تسميتها - على نحو فضفاض- ميتافيزيقيا أو لاهوت</strong></p>
</blockquote>
<p>الكتاب، يتميز بغوصه عميقاً في النفس الإنسانية، وفي أساطير البشر وموروثاتهم الغائرة في جبهة التاريخ. وربما أن هذا ما دفع إيجلتون ليقول في مقدمته إنه يسعى إلى وضع فكرة الرعب والإرهاب ضمن سياقٍ أكثر أصالة ليمكن تسميتها - على نحو فضفاض- ميتافيزيقيا أو لاهوت، محاولاً ربما، إغناء لغة اليسار المنشغلة بصراعاتها مع القوى الإمبريالية، وتحدي لغة اليمين التي تتصدر باب التأويل الأمني والبراغماتي في هذا الحقل.<br />
وبعد صدور الكتاب بنسخته الإنجليزية عام 2005، أي بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 الإرهابية، تم تناوله بالكثير من النقد والتحليل،فرأى فيه بعضهم نوعاً من التمرينِ الأكاديمي على مجانسة المفاهيم والمصطلحات، وعدم الوضوح في جوانبَ أخرى منها مسألة التفريق بين مصطلحي الرعب والإرهاب، وكذلك العلاقة بين الإرهاب والديمقراطية في الغرب خاصة بعد الثورة الفرنسية، أيضاً، التشويش الذي رأوه في مسألة الربط بين آراء الأدباء والشعراء ورجال الدين والفلاسفة، بحسبِ&nbsp; أستاذ الفكر الأوروبي في جامعة لندن للاقتصاد&nbsp; &quot;جون غيري&quot; الذي تناول الكتاب في صحيفة الإندبندنت البريطانية بتاريخ 15 سبتمبر (أيلول) 2005.</p>
<blockquote>
<p><strong>الأول من نوعه ككتابٍ يربط فكرة الرعب المقدس بالارهاب من خلال مناقشة وتحليل مضمونها الثقافي، الفلسفي، واللاهوتي</strong></p>
</blockquote>
<p>وكما تجعل هذه الرؤية النقدية الكتاب عرضةً للانتقاد، فإنها تجعله الأول من نوعه ككتابٍ يربط فكرة الرعب المقدس بالارهاب من خلال مناقشة وتحليل مضمونها الثقافي، الفلسفي، واللاهوتي، حيث تركز هذه الرؤية النقدية على أصول &quot;ميتافيزيقية&quot; للإرهاب، ويتمظهر هذا من خلال نقده المبطن أحياناً، والصريح أحياناً أخرى للمنظومة المعرفية الأورو-أمريكية المسيطرة في حقل الدراسات الأمنية، خاصةً بما تمثله من اعتمادٍ على &quot;النظرية الواقعية&quot; في السياسة.<br />
ومن خلال الفصول الستة التي تُقَسِمُ الكتاب، يتعقب إيجلتون بطريقة ممتعة كما في رواية &quot;شيفرة دافنشي&quot; لدان براون سلسلةً من الأنسابِ المعقدة ضمن محاولةٍ جينالوجية &quot;دراسة للنشأة&quot; لظاهرة الإرهاب، بدءاً من الشعائر والطقوس القديمة، مروراً بعلم اللاهوت في العهد القروسطي &quot;القرون الوسطى&quot; ومن ثم&nbsp; السامي في القرن الثامن عشر، وانتهاءً بمدرسة اللاوعي عند فرويد.</p>
<blockquote>
<p><strong>الصلة بين الإرهاب والمقدس غير مرئية من خلال الإرهاب المعاصر المقروء واقعياً</strong></p>
</blockquote>
<p>صفحات النسخة العربية الصادرةِ عن دار بدايات عام 2007، والتي بلغت 181 صفحة متضمنة المراجع، يبدأها إيجلتون بالتأكيد أن الإرهاب تسمية حديثة لظاهرة قديمة، وأنه ظهر كمصطلحٍ سياسي إبان الثورة الفرنسية، وهو ما قد يعني بالمحصلة أن الإرهاب والدولة الديموقراطية الحديثة توأمانِ منذ الولادة، كما يعني أنه بدأ أول ما بدأ كإرهاب دولة خلال فترة&nbsp; الرعب التي ترأسها ماكسيمليان روبسبير آنذاك، حيث كان الإرهاب حينها عبارةً عن عنفٌ جامحٍ تمارسهُ الدولة ضد أعدائها، ولم يكن هجوماُ على السلطة العليا من قِبل أعدائها.<br />
وهذا يعني برأي إيجلتون، أن الصلة بين الإرهاب والمقدس غير مرئية من خلال الإرهاب المعاصر المقروء واقعياً، لأنه ليس هنالك معنىً مقدسٌ بوجهٍ خاص في قطع رأس شخص ما باسم الله الرحمن الرحيم مثلاً، أو في حرق الأطفال العرب بقنابل الطائرات باسم الديمقراطية، غير أنه من الصعب فهم الإرهاب دون فهم هذه الثنائية، فالإرهاب يبدأ كفكرة دينية، كما هو الحال في معظم إرهاب اليوم؛ لأن &quot;الدين يتعلق بالقوى المتناقضة التي تنعش الحياة وتدمرها في آن&quot;.</p>
<p><img alt="" src="/sites/default/files/terrorism.jpg" style="width: 1000px; height: 500px;" /></p>
<p>ومن هذه النقطة، يعود إيجلتون إلى الوراء في التاريخ، ليجذب ديونيسيوس &quot;إله الخمر والنشوة عن اليونان&quot; من شعره ومن ثم يوقفه على مسرح الإرهاب العالمي اليوم، ليقول بأن ديونيسيوس نصف وحش ونصف إله وأنه أقدم القادة الإرهابيين. أنه إله الخمر والحليب والعسل والنشوة والمسرح والموسيقى والإسراف والإلهام، إلا أنه في المقابل مرعبٌ دموي ومتوحش مع من يخالفه.<br />
وبذلك، فإن ديونيسيوس يعبر عن البشرية، عن الكائن المتناقض الذي هو دوما أكثر أو أقل من ذاته؛ فإما يفتقر إلى شيء ما، وإما يمتلكه بإفراط . والحقيقة عند ايجلتون: &quot;أن كلاً من الآلهة والوحوش خارجون على القانون&quot; ضمن اللاهوت المسيحي الذي يفككه إيجلتون ليظهر الترابط&nbsp; بين المقدس والمدنس فيه، وكيف يؤدي هذا الترابط إلى صيرورة تقود للتطرف ومن ثم إلى الإرهاب.<br />
ولأجل هذا، يناقش المؤلف فكرة السمو في اللاهوت المسيحي واليهودي أيضاً، وأنّ السمو ليس موضوعاً أو مبدئاً أو كياناً أو كائنا موجوداً؛ لكنه ما يوجد في جميع هذه المعاني، وهو يهزم جميع تلك التجسدات، ويخرس اللغة، فهو سام ٍ بالمعنى الجمالي، ولذا فإن الصورة الوحيدة القابلة للإدراك هي الحب الإنساني، الذي يصطدم بما يقوله توما الأكويني من أن &quot;الله نوع من العدم لا يمكن أن يقال عنه أي كلام يدركه العقل&quot;. أي أن التصور عنه خاضع للمقدس والمدنس فقط.</p>
<blockquote>
<p><strong>يقدم عرضاً مختلفاً عن أساليب الدراسة السائدة في المركزيات الأوروبية والأمريكية التي تتعامل ببراغماتية أو واقعية مع هذه الظواهر</strong></p>
</blockquote>
<p>وانطلاقاً من هذا التحليل، يقول إيجلتون إن مصدر الإرهاب الحقيقي هو النفس الإنسانية، فالأصولي الذي يخشى ذلك الصدع الكامن في الوجود، يحاول رأبه بقيمٍ مطلقةٍ ومتشددةٍ تفرضها ثنائية المقدس والمدنس، فيجازف بذلك مجسداً الإرهابَ بشكلٍ آخر &quot;واقعي أو براغماتي كما يتم تفسيره اليوم&quot;.<br />
ورغم صعوبة المسالك التي يمكن الانتقال خلالها من اللاهوت إلى الفلسفة، يتجه المؤلف إلى فلسفة الأنوار تحديداً، لتفتح له باب تفكيك الإرهاب والتطرف الديني وعلاقاتهما بصراع الحرية والأمن في حقبة العولمة المعاصرة، وهو صراع ينحصر في المنظومة المعرفية الغربية على اعتبار أن الحرية التي تتمتع بها، من أكثر الظواهر سمواً في العصر الحديث، فهي مثل الإله ديونيسوس؛ ملاك وشيطان، وجمال وإرهاب في آن.</p>
<blockquote>
<p><strong>يتميز بغوصه عميقاً في النفس الإنسانية، وفي أساطير البشر وموروثاتهم الغائرة في جبهة التاريخ</strong></p>
</blockquote>
<p>ولقد انشغل إيجلتون بمسألةِ التغيرات والانزياحات التي تعتري المجتمعات الغربية اليوم، ومنها التأثير الواقع على بريطانيا ودولٍ أخرى بسبب مسألة الرعب والتطرف والإرهاب، من حيث بنية وسلوك هذه الدول، وتحولها التدريجي إلى دول شبه بوليسية تحت ضغط الخوف والرعب من الإرهاب.<br />
ولا يغيب عن ذهن المؤلف أن يحلل الإرهاب بأنواعه، كالانتحاري والرمزي والتعبيري والأداتي -على الرغم من أنه لا يشير الى موجة إرهاب الذئاب المنفردة - حيث يبدو موت الفردِ كانتحاري بالنسبة لإيجلتون، منفصلاً عن وجوده المعاش ومتجانساً معه في آن واحد .<br />
فالانتحاري، يأمل بالتخلص من حياته &quot;طوعاً&quot; ليشد الانتباه إلى التباين بين هذا الشكل المتطرف للإرادة الذاتية، وبين غياب إرادة مستقلة في حياته اليومية، وهكذا، يصبح منتصراً وضحية في آن، فيمثل الانتقام والإذلال في آنٍ واحد، ويبدو هذا التحليل قريباً نوعاً ما من تفسيرات &quot;نظرية الإحباط&quot; النفسية التي تفسر التطرف والإرهاب، غير أن المؤلف يتوسع بعض الشيء في هذه المقاربة بتفكيكه لدور المقدس في دفع الانتحاري للإقدام على أفعاله الإرهابية حيث أن المقدس قوة من شقين؛ تحيي وتميت في آنٍ واحد.<br />
هذا التحليل الجينالوجي المعقد لظاهرة الرعب والإرهاب، يقود إيجلتون في النهاية إلى مهاجمة المنظومة المعرفية الغربية وكيفية إدارة مكافحة الإرهاب في أمريكا تحديداً ؛ خاصة في مقاربتها لظاهرة الإرهاب، إذ انتقد مفهوم &quot;الحرب على الإرهاب&quot; الذي صدرته أمريكا إلى العالم بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بحجة أنه يلغي التحليل العقلاني والتفسير التاريخي&nbsp; لظاهرة الإرهاب المعاصر .<br />
وفي المقابل، ظل يركز على فكرة العدالة الإنسانية ومنح الناس الحرية وحقوق العيش الكريم، معتبراً إياها خط دفاعٍ منيعٍ أمام توحش الإرهاب في عالمنا اليوم.&nbsp; وبناءً عليه، نراه يختم كتابه بعبارة مكثفةٍ سياسياً واجتماعياً، تحمل نقداً عنيفاً للمركزية الأورو- أمريكية في كيفية إدارة ملف مكافحة التطرف الديني والإرهاب حيث يقول: &quot;ليس الإرهابي كبش فداء؛ لكنه يُخلق من قِبل هذا الكبش، وهو لا يمكن أن يُهزم إلا إذا مُنح العدالة&quot;.</p>
 
اقرأ المزيد...
الوسوم:



هل يمكن فصل الدين عن السياسة فعلاً؟

2020-02-12

هل يمكن النظر إلى الأعمال الجهادية والتفجيرات الانتحارية التي يقوم بها الأصوليون المتطرفون في العالم على أنّها عمل ديني يجد تفسيره في حقل الدين، أم على أنّها توظيف سياسي للدين يجد تفسيره في حقل السياسة؟ وإلى أي مدى يجري التمييز في الحس العام واللغة اليومية لعموم الناس بين حقل الدين وحقل السياسة؟ وهل ينطلق هذا التمييز، في حال وجوده، من فهم مشترك لمعنى الدين ومعنى السياسة ووعي العلاقة الشائكة بينهما، أم أنّه يتبع السياقات الاجتماعية والتاريخية للحدث نفسه والمصلحة الآنية لمن يُطلق الحكم؟

يتعمق الباحث في محاولة فهم أفضل للدين والسياسة والغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة

وما الذي يراه المراقب في صور ملالي الشيعة وحاملي لقب "آية الله" المبجلين عندما يسمع صرخات المتظاهرين الإيرانيين بعبارات "الله أكبر" و"الموت للديكتاتور" وهم يهتفون ضد الفساد والاستبداد ووحشية الباسيج، هل يرى السياسة أم الدين؟ وماذا يرى في سعي اليمين المسيحي الأمريكي لحصد الأكثرية في مجلس النواب لتجريم عمليات الإجهاض ومنع تدريس نظرية التطور الداروينية في المدارس الحكومية؟ هل يرى السياسة أم الدين أم التداخل الإشكالي بين السياسة والدين؟ وهل ثمة شيئان مختلفان تماماً اسمهما الدين والسياسة؟ وهل يمكن التمييز بينهما أكثر من إمكانية التمييز بين الدين والمعتقدات الغريبة أو المتطرفة؟
أليس من المحتمل أن يكون تمييزنا بين الدين والسياسة مجرد وسيلة للتلاعب بأحدهما، كالحال في جهود التفريق بين الدين والمعتقدات الغريبة؟

غلاف الكتاب "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"
ثمة من يعتقد أنّ في جعبته الفكرية أو المعتقدية أو الأيديولوجية، إجابات جاهزة وقاطعة على مثل هذه الأسئلة الإشكالية، والتي تبدو في غاية البساطة أحياناً، لكنّ الباحث الأمريكي وأستاذ علم الاجتماع والدراسات الدينية في جامعة كاليفورنيا؛ إيفان سترنيسكي، الذي يثير هذه الأسئلة وغيرها في كتابه "إشكالية الفصل بين الدين والسياسة"، الصادر عن مؤسسة هنداوي للتعليم والثقافة في مصر بترجمة عبد الرحمن مجدي (2016)، لا يقتنع بمثل تلك الإجابات الجاهزة، بل يعتقد بعدم إمكانية الإجابة عن تلك التساؤلات قبل إعادة النظر في بديهياتنا وافتراضاتنا حولها؛ "لأن مفاهيمنا عن الدين والسياسة والسلطة متعارضة منهجياً أو غير واضحة، ويتقيد استخدامنا لهذه المصطلحات بفرضيات غير مدروسة"، وفق الكاتب.

يُصنّف الباحث الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها ويشتبك مع آراء منظريها

ويذهب سترنيسكي في محاولة الإجابة عن هذه التساؤلات والوصول إلى فهم أفضل للدين والسياسة، إلى الغوص في بحر المفاهيم الأساسية للدين والسلطة والسياسة، وإجراء غربلة شاملة لتلك المسميات في ما يسميه "الاستقصاء"؛ حيث يستقصي مفهوم الدين ومفهوم السلطة ومفهوم السياسة، وتوظيفها في الحوار المجتمعي حول إشكالية العلاقة بين الدين والسياسة وإثراء التفكير المستند إلى تلك المفاهيم في تطبيق استخلاصه على مسألة الانتحاريين في الشرق الأوسط، من خلال إضاءة الكثير من الجوانب المعتمة فيها، وإزالة القشرة الأيديولوجية التي تغلف العديد من التحليلات التي تعرضت لها، دون أن يلزمنا بجواب محدد سواء بالقبول أو الإدانة؛ إذ يسعى كتاب سترنيسكي المثير والعميق، رغم بساطة لغته، إلى إثارة الأسئلة أكثر من استخلاص الأجوبة، ليس حول القضايا المطروحة فحسب، بل حول أفكارنا وافتراضاتنا ونظم تفكيرنا أيضاً، من خلال تحريك الأمواج الساكنة لمفاهيمنا حول الدين والسياسة والسلطة.

اقرأ أيضاً: العلمانية أم الإسلامية؟ عن الآفاق المثقوبة للإصلاح العربي
وفي استقصاء مفهوم "الدين"، يثير سترنيسكي التساؤل حول مدى توهمنا، أننا نعرف الدين أو نضمر فهماً مشتركاً عندما نتحدث عنه في اللغة اليومية، وحول الأفكار الشائعة الغامضة والمشوشة عن طبيعة الدين التي أفرزتها اهتمامات نظرية ولاهوتية محددة، ورسختها الحكمة التقليدية بسبب استخدامها الطويل في الغرب، حيث يُصنّف الباحث الأمريكي تلك الرؤى والأفكار والتعريفات التي تناولت الدين ويستعرض تاريخها، مُشتبكاً مع آراء منظريها، على اختلاف مواقفهم، من علاقة الدين بالسياسة، سواء كانوا من مناصري إقصاء الدين من تفسير التاريخ وتطهيره من دنس السياسة وتبرئته من التعصب وأعمال العنف والإرهاب، التي يتم استغلال الدين فيها من قبل المتطرفين لغايات سياسية لا تعكس جوهره، ولا تخدم غايته الإنسانية وطابعه السلمي ومسعاه الأخلاقي، أو كانوا ممن يرون أنّ الدين ليس دعوة سلمية ورسالة إنسانية لتأمين الحياة الأخلاقية والخلاص الأخروي وسلام النفس فحسب، إنما حركة سياسية ومشروع دنيوي أيضاً من قبيل؛ "دين ودولة" أو "مصحف وسيف"؛ كما ينظر بعض المجاهدين إلى دين الإسلام أو الذين يشنون الحروب الصليبية باسم المسيحية، أو كانوا ممن يرون أنّ الحياة الأخلاقية يمكن تحقيقها من دون الدين بالأصل، وأنّ الدين تجربة روحية خاصة تقوم على العلاقة بين الفرد وربه بشكل مستقل عن السياسة والشأن العام.

ويشك سترنيسكي في إمكانية تعريف أو استخدام الدين على نحو مجرد، حيث تحدد استراتيجياتنا وأهدافنا النظرية، القرارات التي نتخذها في تعريف الدين؛ سواء أقررنا بها أم لا، ويرى أنّ "السلطة الشرعية" لا "السلطة القسرية" هي الصفة الجوهرية التي تميز الدين عن السياسة.

اقرأ أيضاً: هل علينا إعادة التفكير في مفهوم العلمانية عربياً؟
ويبرّر الباحث استخدامه مفهوم السلطة الشرعية في مقابل القسرية، حسب ما ذهب دوركايم لتمييز الدين من السياسة، بأنّه يميز الملامح التي غالباً ما تُهمل أو يغُضّ الطرف عنها عند التعامل مع أحداث عالمنا التي ترتبط بالدين والسياسة، فإن كان من الممكن اقتران أي دين بالسلطة الشرعية والسلطة القسرية معاً، شأنه في ذلك شأن السياسة أو الفن، ويمكن أن نرى السياسة تقوم على السلطة القسرية بدون السلطة الشرعية، لكنه لا يمكن تصور أي دين من دون السلطة الشرعية، وأن مفاهيمنا الشائعة عن "الدين" لا تصلح لكل الاستخدامات، وأننا عندما نرجح بعض التعريفات على غيرها من الناحية العملية فإننا نختار ونقرر ونميز، سواء على مستوى الوعي أو اللاوعي التركيز على جوانب معينة من التعريف القائم على الحس العام أكثر من غيرها.

يهدف الباحث من خلال نقد فكرة فوكو حول السلطة إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة

ويخلص سترنيسكي من استقصاء مفهوم الدين، إلى أنّ الدين ما يزال الاسم المناسب لعدد من الأهداف والاستراتيجيات الحياتية، لكنه اسم يحتاج إلى قدر كبير من الإصلاح.
لا يختلف استخدام سترنيسكي لمفهومي السلطة الشرعية والسلطة القسرية، في استقصاء مفهوم الدين عن استخدامه في استقصاء مفهوم السلطة مقابل مفهوم القوة، الذي استخدمه المفكر الفرنسي ميشيل فوكو لينفذ من خلال هذا الاستقصاء إلى مفهوم السياسية، باعتبار أنّ السلطة هي الجسر الرابط بين الدين والسياسة، ويهدف سترنيسكي من خلال استعراض ونقد فكرة  فوكو حول السلطة، باعتبارها مجموعة علاقات القوة في المجتمع، إلى نقد الفكر الغربي القائم على تضخيم فكرة القوة، والذي شكل فكر فوكو مرتكزاً ومرجعاً أساسياً له في العصر الحديث، حيث اعتاد هذا الفكر لأسباب تاريخية خاصة بالغرب، كما يقول الباحث، على النظر للسلطة من منظور واحد يوحد بين القوة السياسية والقسر والعنف وما شابه؛ أي بالمعنى القسري فقط، في حين يمكن مقاومة ما فرضه التاريخ بالنظر إلى السلطة بالمفهوم الشرعي كذلك.

ويمكن من خلال البعد الآخر لامتيازات السلطة؛ أي البعد الشرعي أو الديني أو الأخلاقي، ومن خلال التمييز بين هذين البعدين أن ننفذ لاستكشاف وفهم العلاقة بين الدين والسلطة، وبالتالي إلى فهم العلاقة بين الدين والسياسة، من خلال تتبع الفرق بين السلطة الشرعية والسلطة القسرية، كما يمكن فهم العلاقة بين الدين والدولة الحديثة أو الدولة القومية "ككنيسة متحولة" أو ككيان مقدس أو "سماء الشعب" التي نشأت في الغرب بعد صراع تاريخي طويل، بين الكاهن والإمبراطور بوصفهما رمزين للسياسة والدين، وأدت في المطاف الأخير إلى ترسيم العلاقة بين السلطتين وإرساء مفهوم السياسة، كمجال مستقل نسبياً على أساس المبادئ الدستورية.

يخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة وإن بشكل غير مباشر حتى في أكثر الأنظمة علمانية

واللافت والمثير للجدل في كتاب سترنيسكي، الذي يرصد التحولات التاريخية لعلاقة الدين بالسياسة، أنّ صاحبه لا يتوقف عن إثارة الأسئلة التي تصدم القارئ، وكلما اعتقد أنّه قد قارب الحصول على الجواب الذي يعزز قناعته، أو اكتشف الثغرة التي يمكن الدخول من خلالها لرفض ما يخالف تلك القناعة، يدفعه سترنيسكي من جديد للدخول في دوامة الأسئلة؛ فلماذا سار التاريخ على هذا الوجه ولم يسر على الوجه المعاكس؟ وكيف خرج "دين الدولة" من رحم الكنيسة وحل محله؟ وكيف عاد الدين للظهور من جديد تحت اسم السياسة رغم محاولات مفكري العصر السياسيين المقصودة لتطهير المجال العام من الدين؟ وكيف آلت محاولتهم الرامية إلى عزل الدين في نطاق الضمير الفردي والخاص إلى تقديس السياسة بعكس ما أرادوا؟ وكيف انتقلت هالة القدسية مما هو إكليريكي إلى "السيادة الدنيوية"؟ وكيف أصبحت الدولة تستحق "الفداء" أكثر من الدين؟ ولماذا صارت سلطتها الشرعية على الحياة والموت غير قابلة للنقاش مثل أي بيان صادر عن الفاتيكان بمقتضى السلطة المطلقة؟ وكيف احتكرت الدولة القومية استخدام السلطة المطلقة دون وجه حق؟ ألم يستمد ميكافيلي الشهير بكتابه "الأمير" نماذجه للاستبداد من الأنظمة الاستبدادية القائمة سلفاً؟ وهل من غير المنطقي ألا نظن أن ميكافيلي ربما ألهمته الكنيسة المستبدة ذاتها؟ وهل تتعدى النخب الدينية أو الثيوقراطية كونها مشروعات ينطوي فيها الدين على اعتبارات سياسية بحتة كما هو الحال في الجمهورية الإسلامية الإيرانية؟ أين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمجال الخاص، وأين يبدأ وينتهي النطاق المتعلق بالمصلحة العامة للدولة؟ وهل يتوفر لدينا بالتالي فهم مشترك لمفهوم السياسة أفضل أو أقل التباساً عن مفهومنا للدين؟

اقرأ أيضاً: علمانيون ضد الديمقراطية... ديمقراطيون ضد العلمانية
يختم سترينسكي كتابه بفصل يختبر فيه استقصاءات الدين والسلطة والسياسة في محاولة إيجاد تفسير للأعمال الانتحارية، في الشرق الأوسط ودراستها دراسة سوسيولوجية من خلال اختبار مفهومي السلطة الشرعية، والسلطة القسرية، اللذان اتكأ عليهما في تحليله لعلاقة الدين بالسياسة، والقراءة النقدية لما كتبه الآخرون حولها، سواء من يلقون اللوم على الإسلام في ذلك؛ أي ما بات يعرف "بالإسلاموفوبيا"، أو من يصنفونها في حقل السياسة ولا يرون أي دور للإسلام في هذه الظاهرة.

اقرأ أيضاً: مأزق العلمانية الكندية بعد منع الرموز الدينية في كيبيك
ويخلص الباحث إلى أنّ الدين ما زال حاضراً بقوة في السياسة، وإن كان بشكل خفي أو غير مباشر، حتى في أكثر الأنظمة علمانية، وأنّه ما زال يضفي القيمة على الأعمال أو يمنحها السلطة الشرعية، لكنّ طابع هذا الحضور يختلف بين الدول الحديثة التي ترسخ فيها مفهوم السياسية، واتسع فيها المجال العام وحق المشاركة والاختلاف، فاستطاعت أن تحل صراعاتها بمنطق العقل والحوار والمشاركة، وصارت السياسة فيها امتداداً للحرب بوسائل أخرى، وبين الدول الشمولية التي لا سياسة فيها غير سياسة الحرب.

للمشاركة:

بركة النساء: من طرد المرأة من محراب القداسة؟

صورة منى يسري
صحافية وكاتبة مصرية
2020-02-06

في ظلّ تصاعد التيارات النسائية الإسلامية في مختلف البلدان، التي يرى العديد من الباحثين في هذا المجال، أنّها تحمل الطابع الإصلاحي لمجال حقوق النساء، وما تزال متشحة برداء ذكوري، يتكشّف عند أول احتكاك فعلي بها، ويظل أكبر ملمح بارز في تلك القضية، هو التهميش الثقافي والحضور التاريخي للنساء في كتب التاريخ، ومساهمات المرأة في الحقول الدينية والروحية، الذي لم ينل قدره من البحث والتنقيب بالقدر الذي ناله الحضور الذكوري.

على الصعيد الإسلامي الفروق بين الرجال والنساء تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى

إلى جانب قداسة النساء التي تم تغييبها في الكتابة حول "تاريخ الولايات الصوفية"، الذي بقي كغيره من الكتابات التي احتكرها الرجال، فالمناقب ترصد لنا قداسة يهيمن عليها الأولياء والصلحاء الذكور، أما النساء فيبقين على الهامش من الذكر، رغم ما لهنّ من مساهمات كبيرة في هذا الحقل المهمّ من التراث الديني؛ بل إنّ الخصوصية العاطفية للنساء، والتي غالباً ما تمّ استخدامها ضدّهن، تجعلهن في إطار متفوق على الرجال، في مسألة الولايات الصوفية.
في هذا السياق يأتي كتاب "بركة النساء"، للباحث المغربي وأستاذ الأنثربولوجيا بجامعة ابن طفيل في القنيطرة بالمغرب، رحال بوبريك، ليناقش قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي، وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار، لأسباب استطرد في سردها والردّ عليها.
التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور

التكوين الفيسيولوجي ونفي الطهارة
يستهل بوبريك رحلته حول التأصيل الجذري لهذا الشكل من التهميش الثقافي، المبتعد كلّ البعد عن النصّ الإلهي، معوّلاً على كلّ العوائق التي تعترض طريق المرأة نحو الحضور التاريخي والديني، إلّا أنّ إصرارها الذي ظهر حتى في الدين المسيحي، في القرن الثالث عشر، كان أكبر الأدلة على نجاحها؛ حيث ستظهر نساء باعتراف العامة، متبوعات بالكنيسة، بدور الوساطة مع المسيح، عبر الرؤيا والتنبؤ والتجربة الوجدانية، بل الحلول في جسد المسيح.

اقرأ أيضاً: النسوية الإسلامية: حضور متزايد يُقيّد أفق المرأة
ومثّلت هذه التجربة إلحاحاً وعزيمة من المرأة، على المطالبة بمكانة لها في الحقل المقدس، ورفضها إقصاءها من المشاركة في الحقل الديني إلى جانب الرجل، معتبرة أنّه في الحقل الديني، للمرأة مثل الرجل في القرب من الله والتقوى.
وعلى الصعيد الإسلامي؛ فإنّ الفروق بين الرجال والنساء، تكاد تنمحي في الطريق إلى الله تعالى، بالنظر إلى ما كُتب في سير الأولين، كما أورد كتاب فريد الدين العطار "سير الأولياء"، متحدثاً عن رابعة العدوية، كأحد أعلام الولاية النسائية في التاريخ الديني، استخدم العطار النصّ الديني في الحديث النبوي: "إنّ الله لا ينظر إلى صوركم"، تعليلاً على تلاشي الذكورة والأنوثة في طريق الحبّ الإلهي.

يناقش الكتاب قضية القداسة المؤنثة في الحقل الصوفي وما نالته المرأة من تهميش في هذا الإطار

ورغم المساواة التي أقرّها النصّ الديني بين الرجال والنساء في الإيمان، والتي تجلّت في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، إلا أنّ الواقع الاجتماعي فرض سطوته على النصّ، وموازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال، حالت دون تلك المساواة، فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي الذي حملته المرأة عبر قرون من الزمان، والذي ما يزال حائلاً بينها وبين اختراق هذا الحقل من الولاية والقداسة الدينية، ليظلّ الاختلاف الجنسي حاضراً وبقوة في حقل الولاية الصوفية، ومحددات التكوين الفيسيولوجي للمرأة مكانتها كجنس أقل من الرجل.
بذلك، كان من الطبيعي، وفق بوبريك، أن تحاول المرأة نفي أنوثتها وإخفاء دم حيضها، الذي يعدّ أحد أسباب تدنيها وتقليل قداستها، في كلّ الديانات، فحيضها نجاسة، وطهارتها هي الشرط الأول من شروط الولاية، وتمّ استخدام النصّ الديني لتبرير نقصان عقل المرأة بسبب حيضها، رغم أنّ الأوائل كانوا يرون أنّ هذا الدّم ميزة اقتنصتها المرأة من الطبيعة، لتملك هي لغز الحياة الذي يتحقق بالولادة.
غلاف الكتاب

مقومات الإقصاء والتهميش
  يواصل المؤلف رحلته في البحث، مستعرضاً مقومات الإقصاء والتهميش من حقل القداسة الدينية، فنجد الجسد الأنثوي بطبيعته معرّضاً للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية، فتحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية، ومنبت للفساد في نفوس الرجال، وأصبحت المرأة في التصور الديني جسداً جميلاً يسكنه الشيطان، ليوقع الرجال في الخطيئة، فهنّ فتنة الأنبياء والمرسلين، فما بالنا بالرجال العاديين! فالتراث الديني، بما فيه النصّ، إنما يضع الرجل في موقف سلبي تجاه الأنثى، التي تفرض عليه الخطئية، فبجمالها يمتنع الرجل عن العبادة، ويخضع لغواية تحول بينه وبين طريق الله تعالى.

الجسد الأنثوي بطبيعته معرّض للهجوم الذي يطرد المرأة من الحقّ في الولاية

لذا، وبحسب ما يرى الباحث، فإنّ إخضاع أداة الفتنة المتمثلة في الجسد لضوابط دينية تعمل على تدجينه وتنميطه، وإخضاعه للمراقبة، والعمل على إخفائه قدر الممكن، بات لزاماً على المجتمع، سواء بإخفاء المرأة، ومنعها نهائياً، مثل المرأة المحجبة، أو فرض حجاب يسترها، إن هي أرادت الخروج مؤقتاً للمجال العام، فيما عمِل النصّ الديني، وفق بوبريك، على ترسيخ مفهوم إغواء المرأة، وهو ما يجعلها مستبعدة من معترك المكانة الدينية، ولا يرقى جسد المرأة لمكانة أعلى، إلا حين تؤدي دورها الطبيعي في الإنجاب، الذي يختزل وجودها في الحياة، باعتبارها مصنعاً لإنتاج الخام البشري، فيرتقي جسد المرأة حد القداسة، كونها واهبة الحياة، ومصدر الخصوبة، وهو السبب نفسه الذي رفع من مكانة النساء في الحضارات القديمة.

اقرأ أيضاً: فاطمة حافظ: ما يقدمه السلفيون من نسوية يسيء للإسلام

على اختلاف الديانات الإبراهيمية في تشريعاتها، اتفقت جميعها في نجاسة المرأة الحائض، مع اختلاف درجات المعاملة، فنجد مثلاً؛ أنّ المرأة في الشريعة اليهودية، في فترة النفاس، تعدّ نجساً لمدة أربعين يوماً، إذا كان المولود ذكراً، وثمانين يوماً إذا كانت المولودة أنثى، وهو ضمنياً يعني نجاستها حتى وهي تخرج إلى العالم من رحم الأم، فقد اجتمعت اليهودية والمسيحية، على اعتبار الحيض والنفاس أصل الشرور والمفاسد، وسرّ نقصان المرأة، أمّا الإسلام فكان أكثر إنصافاً، خاصّة بعد نزول الآية: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ ۖ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ ۖ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ) (سورة البقرة: آية 222)، فقد اقتصرت نجاسة الحيض في الإسلام على العبادات والمعاشرة الزوجية.
موازين القوى التي آلت إلى أيدي الرجال حالت دون المساواة فضلاً عن الإرث التاريخي والاجتماعي

القداسة الشعبية تحقّق تطلعات النساء
بعد أن استعرض الكاتب عوامل إعاقة النساء عن دخولهنّ حقل القداسة الدينية، يستفيض في دراسة حول تحقيق القداسة الشعبية التي منحت المرأة نصيبها المهدور؛ حيث تشترك هؤلاء النساء في كونهنّ لم يكنّ من صنف العابدات أو المصطفيات أو الصالحات، اللواتي وردت سيرهنّ في كتب المناقب، دون أن يكون لذلك تأثير كبير على رأسمالهن الديني في حقل القداسة، بل نجدهنّ أكثر حضوراً وشهرة وزيارة من اللواتي وردت سيرهنّ في المتون المناقبية، بل ظلّت السيرة شفهياً متداولة عبر الأجيال، مؤسسة لقداستهم، في بعدها الزمني.

تحوّلت زينة المرأة وجمالها إلى رمز الغواية ومنبت للفساد في نفوس الرجال

وفي هذا الصدد نجد دراسة مهمّة، للباحثة صوفي فرشيو، حول زيارة الأضرحة، ومن وجهة نظرها؛ أنّ زيارة الأضرحة وارتياد الزوايا، ظاهرة لها علاقة بالتصوف، والممارسات الإحيائية، ولا تشبع احتياجاً دينياً فقط؛ بل نفسياً واجتماعياً، فالمسجد الذي أغلق أبوابه أمام النساء، جعلهنّ يبحثن عن فضاءات دينية لممارسة شعائرهن والبحث عن الخلاص الدنيوي والديني؛ حيث تفتح الزاوية ومكان الولي أبوابهما أمام النساء دون ضوابط شرعية مقننة.

يستكمل الباحث رحلته حول كشف أبواب القداسة النسائية، وعن ارتباطها بالماء، وهو ما يتجلى في بعض الأسماء المشهورة للوليّات، مثل: "عائشة البحرية، وعائشة مولات المرجة (صاحبة المستنقعات)"، لنجد الماء حاضراً بقوة، كرمز للطهارة بالنسبة إلى النساء؛ فالأمواج والماء تطهّر من النجس، ويتساءل الكاتب: هل الأمر يتعلق ببقايا لطقوس إحيائية وثنية وسحرية ما قبل إسلامية، أو استمرارية لهذه الطقوس بدون انقطاع؟

اقرأ أيضاً: كيف أصبحت النسوية المعاصرة ذراعاً خفياً للنظام الرأسمالي الذكوري؟
هنا يجيب بأنّ بعض منابع وعيون المياه لم تتحوّل كأماكن مقدسة وذات بركة إلا بعد دخول الإسلام بقرون، فالأمر إذاً لا يتعلق ببقايا؛ بل باستمرارية شروط وضرورية حضور الماء المقدس في الطقوس الدينية الإسلامية، وهو ما يكثر الحديث حوله في أدبيات التصوف، فيروى أنّه حين كانت تأتي الزائرات لعائشة مولات المرجة، فعلى الموجة أن تحمل هداياهن للوليّة عربوناً لقبولها زيارتهنّ، ويغتسلن كذلك بماء الحوض الذي يوجد فيه حجر ينسب لعائشة، أو ضريحها، وتتكثف صورة الماء في المتخيّل الشعبي من مادة مطهر إلى مسكن للقوى الخفية، وتعدّ الولية في هذا الموضع بالنسبة إلى مريداتها من النساء، الشفيع والوسيط بينها وبين الله تعالى.
يتمكّن الباحث في نهاية أطروحته من التأكيد على انتزاع المرأة لنفسها مكاناً في حقل القداسة الدينية، ارتفعت فيه وتفوقت على الرجال، رغم كلّ المعوقات التي وضعها النصّ والمجتمع والإرث الذكوري في طريقها، ومكّن التصوف المرأة من تجاوز المكانة السلبية التي وصمها المجتمع بها، واستطاعت اعتلاء هرم القداسة، وفرض بنات جنسها على حقل يعجّ بالذكورية، إذاً يمكننا القول: إنّ التصوف كان الملجأ الوحيد للنساء المطرودات من حقل التدين السلفي المفعم بالذكور، هناك تحقّقن، ووجدن طريقاً إلى الله تعالى.

للمشاركة:

"الجهادي الهادئ".. ماذا تعرف عن الأب الروحي لأبي مصعب الزرقاوي؟

2020-01-30

هناك شبه إجماع بين خبراء ومتابعي تطورات السلفية الحديثة، والسلفية الجهادية، خاصة في الأردن والعالم العربي، بأنّ عصام طاهر البرقاوي، الملقب بـ "أبو محمد المقدسي"، وهو أردني من أصل فلسطيني، يعتبر من أبرز منظري تيار السلفية الجهادية المعاصرة، وقد بدأت شهرته بعد نشره كتاب "ملة إبراهيم"، الذي كفّر فيه السعودية.
المقدسي و"جماعة التوحيد"
اعتقلت السلطات الأردنية المقدسي لأسباب أمنية تتعلق بالإرهاب مرات عديدة؛ من أشهرها عام 1994 عندما تمّ اعتقال أعضاء "تنظيم بيعة الإمام"، أو ما يسميه أعضاؤه "جماعة التوحيد"، الذي كان يضم أبو مصعب الزرقاوي، وعبد المجيد إبراهيم المجالي المُلقّب بـ "أبو قتيبة الأردني"، إلى جانب  14 عضواً آخر.

وأفتى المقدسي للجماعة بجواز القيام بعملية ضد قوات الاحتلال الصهيوني في فلسطين، على إثر مذبحة المسجد الإبراهيمي في الخليل، التي نفذها المتطرف الصهيوني باروخ غولدشتاين، 25 شباط (فبراير) 1994، وقتل فيها 29 مصلياً، وخلّفت 150 جريحاً، قبل أن ينقض عليه مصلون آخرون ويقتلوه، كما أمدّ المقدسي التنظيم بالقنابل والأسلحة، التي كان قد جلبها معه من الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي عام 1992، وهرّبها ضمن أثاث بيته، وكانت عبارة عن 4 ألغام مضادة للأفراد، و7 قنابل يدوية، ومجموعة من الصواعق، وذلك كما جاء في إفادة المقدسي لمحكمة أمن الدولة الأردنية التي وثقها الباحث الأردني فؤاد حسين في كتابه المهم "الزرقاوي الجيل الثاني للقاعدة"، الذي سبق أن قدمنا عرضاً له في حفريات.
المقدسي والزرقاوي
اعتبر المقدسي الأب الروحي لأبي مصعب الزرقاوي منذ التقاه في باكستان عام 1993، ثم عندما جمعهما السجن 1994، حتى انتهت تلك العلاقة بطريقة عنيفة نتيجة لاختلاف الاجتهادات بين الطرفين، خاصة بعد الإفراج عنهم بعفو ملكي عام في آذار (مارس) 1999.   
الجهادي الهادئ
بعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001 الإرهابية ضد أمريكا، أفتى المقدسي بمشروعية هذه العمليات ودافع عن المهاجمين، وألف رسالة بعنوان "هذا ما أدين الله به"، ثم اعتقل على إثر ذلك لعدة أشهر، ويمكن القول بأنّه منذ هذا التاريخ بدأت مرحلة أخرى في سيرة المقدسي، حيث أصبح محط أنظار الغرب وأجهزته الاستخبارية والأمنية ومثار اهتمام الباحثين أيضاً.

اقرأ أيضاً: الإرهاب.. أول الدم من الزرقاوي إلى البغدادي
ومن هنا جاء كتاب؛ "الجهادي الهادئ: أيديولوجية وتأثير أبو محمد المقدسي" للباحث الهولندي يواس فجيمكرز "Joas Wagemakers"، الأستاذ المساعد للدراسات الإسلامية والعربية في جامعة أوترخت في هولندا.
وصدرت الطبعة الأولى من الكتاب، الذي يتكون من 312 صفحة، عام 2012 باللغة الإنجليزية؛ حيث استند المؤلف إلى أطروحته لنيل الدكتوراه في كتابة الكتاب.

غلاف الكتاب
ويتألف الكتاب من مقدمة و4 أجزاء مقسمة إلى مراحل تاريخية ومباحث، إضافة الى قائمة مفيدة جداً من معاني المصطلحات الإسلامية الواردة في الكتاب؛ الذي تناول حياة المقدسي منذ الطفولة وتنقله من السلفية المحافظة إلى الجهادية وعلاقته مع "أبو مصعب الزرقاوي" وتنظيم القاعدة والجهاد العالمي، ثم تأثيره في المعارضين الإسلاميين السعوديين، خاصة بعد حرب الخليج الأولى وظهور تنظيم القاعدة في جزيرة العرب، وصولاً إلى طروحات المقدسي في مسائل الجهاد والولاء والبراء والاستعانة بالكفار، وهي المسائل الرئيسة التي وسّعت الطريق للسلفية الجهادية المقاتلة، وفي الجزء الرابع يتحدث المؤلف عن تأثير المقدسي كشخص صاحب رؤية "مُبصر في أرض العميان"، كما يصفه المؤلف (ص208)، وكزعيم للسلفيين في الأردن، فضلاً عن حديثه عن تجربة السجن في الأردن. 

يقدم المؤلف منظوراً بديلاً وداخلياً عن صعود الإسلام الراديكالي مع التركيز على حركات المعارضة السلفية

بشكل عام يقول المؤلف، إنّ الأردني أبو محمد المقدسي المولود في قرية برقة في مدينة نابلس الفلسطينية، عام 1959، برز بعد 11 أيلول (سبتمبر) 2001 كأحد أهم المفكرين المسلمين الراديكاليين الأحياء، وفي حين أنه قد لا يكون اسماً معروفاً في الغرب، إلّا أنّ تأثيره بين المسلمين المتشابهين في التفكير يمتد عبر العالم من الأردن، حيث يعيش اليوم، إلى جنوب شرق آسيا، وقد ألهمت كتاباته وتعاليمه بشأن الإسلام السلفي الإرهابيين من أوروبا إلى الشرق الأوسط، بمن فيهم أبو مصعب الزرقاوي، وأيمن الظواهري، زعيم القاعدة الحالي، والتيار المتشدد في تنظيم "حراس الدين" الممثل لتنظيم القاعدة في سوريا.

ويمكن أنّ يُعد هذا الكتاب أول تقييم شامل للمقدسي وحياته وأيديولوجيته ونفوذه، يشرح ويفسر النسخة السلفية التي يمثلها المقدسّي، يستند فيه المؤلف إلى كتابات المقدسي نفسه وكتابات الجهاديين الآخرين، وكذلك إلى المقابلات التي أجراها المؤلف مع الجهاديين السابقين بمن فيهم المقدسي نفسه؛ حيث زاره في بيته أكثر من مرة وتناول عنده الطعام، إضافة إلى مقابلة بعض أهم السلفيين السابقين والخبراء الأردنيين مثل حسن أبو هنية، ومروان شحادة، والباحث فؤاد حسين.

أمدّ المقدسي تنظيم بيعة الإمام بالأسلحة التي جلبها معه من الكويت بعد انسحاب الجيش العراقي 1992 وهرّبها مع أثاث بيته

كما يقدّم المؤلف منظوراً بديلاً وداخلياً عن صعود الإسلام الراديكالي، مع التركيز بشكل خاص على حركات المعارضة السلفية في المملكة العربية السعودية والأردن.
ويتخصص المؤلف بالحركة والتيارات السلفية، وقد سبق أن قدمنا قراءة لكتابه الآخر عن السلفية في الأردن الذي كان بعنوان "السلفية في الأردن: الإسلام السياسي في مجتمع هادئ"، وقد سبق أن ذكرت بأنّ المؤلف يقصد بمفهوم "هادئ"، و"السلفية الهادئة"؛ السلفية المحافظة المعارضة للسلفية الجهادية أو المقاتلة التي يمثلها المقدسي.
في الخلاصة؛ فإنه سواء وافقنا المؤلف في تسمية المقدسي بالجهادي "الهادئ" أو "المحافظ"؛ يبدو أنّ فجيمكرز قد قام بعملية استكشاف معرفية غير مسبوقة؛ كما أنّها محايدة بالنسبة لباحث غربي.
لكنّ الهدف الرئيس من عملية البحث المضني؛ هو الوقوف على حقيقة سيرة ومواقف المقدسي باعتباره رمزاً ومنظراً لتيار ديني طوباوي عنيف وعنيد، ما يزال العالم الغربي يقف عاجزاً عن فهم محركاته الأيديولوجية، ولذلك يبحث عن الوسيلة والوصفة الأمثل لاتقاء شره ومعرفة كيفية مكافحته ومحاربته كلّما استدعت الضرورة.

للمشاركة:



الكشف عن موعد توقيع اتفاق السلام بين طالبان والولايات المتحدة

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

أعلنت حركة طالبان؛ أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتمّ توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري.

وقال أحد قادة طالبان البارزين وعضو اللجنة السياسية، الملا عبد السلام حنفي، في الدوحة: "الآن، اختتمت المفاوضات، وبدأ الجانبان المسودة النهائية لاتفاقية السلام"، وفق ما نقلت "الحرة".

وأضاف حنفي: "اتفق الجانبان على توقيع الاتفاقية بحلول نهاية هذا الشهر، بعد تهيئة بيئة مواتية قبل توقيع الاتفاقية".

ولم يعطِ أيّة تفاصيل أخرى حول ما تعنيه بيئة مواتية، كما أنّ المسؤولين الأمريكيين والأفغان لم يفصحوا عن تفاصيل كثيرة عن الاتفاقية.

حركة طالبان تعلن أنّ اتفاق السلام مع الولايات المتحدة سيتم توقيعه بحلول نهاية الشهر الجاري

بدوره، قال المبعوث الأمريكي، زلماي خليل زاد، كبير المفاوضين مع طالبان: "أنا متفائل بحذر"، وأضاف: "لكنّني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة".

وأشار زاد إلى أنّه حصل على ضمانات أمنية من كلّ من الحكومة الأفغانية وحركة طالبان، بعد أشهر من المفاوضات.

وبمناسبة 40 عاماً من الصراع في أفغانستان، قال متحدثاً من إسلام أباد، أمس، في مؤتمر للأمم المتحدة حول اللاجئين: "أعتقد أن هذا الوقت ربما أفضل من أي وقت خلال العقدين الأخيرين، هناك فرصة للسلام".

وقال بعض المسؤولين الأفغان؛ إنّ "الحدّ من العنف سيكون في جميع أنحاء البلاد"، وإنّ جميع أطراف النزاع ستوقف عملياتها الهجومية، ورغم أنّهم لم يحددوا موعد وقف العنف، إلا أنّه من المتوقع أن يكون هذا الأسبوع، وفق صحيفة "واشنطن بوست" الأمريكية.

وبحسب وسائل إعلام أمريكية؛ فإنّه إذا استمر التراجع في العنف، فسيتبع ذلك توقيع اتفاقية أوسع نطاقاً بين الولايات المتحدة وحركة طالبان، والتي بموجبها تنسحب الآلاف من القوات الأمريكية، وتبدأ طالبان في مفاوضات مباشرة مع القادة الأفغان.

زاد: "أنا متفائل، لكنني واقعي بما فيه الكفاية، وأعرف أنّ هناك الكثير من التحديات المقبلة

من جانبه، أشار حنفي إلى أنّ المفاوضات مع الحكومة الأفغانية لن تتم إلا بعد تبادل جماعي للأسرى، وأضاف: "سيتم تبادل 5000 أسير من طالبان مقابل 1000 من قوات الأمن الأفغانية".

لكنّ المسؤولين الأفغان قالوا في وقت سابق إنّ التبادل ستتمّ مناقشته خلال المحادثات الأفغانية وليس قبل ذلك.

وتتطابق اتفاقية السلام بين الولايات المتحدة وحركة طالبان مع تلك التي تمّ التفاوض عليها في أيلول (سبتمبر) الماضي، وألغاها ترامب، قبل توقيعها، بعد هجوم لطالبان أسفر عن مقتل جندي أمريكي.

وتنصّ الاتفاقية على انسحاب القوات الأمريكية من أفغانستان، مقابل تعهّد طالبان بعدم إيواء الجماعات الإرهابية بنية مهاجمة الغرب.

 

للمشاركة:

900 ألف لاجئ جديد في حاجة إلى المساعدة في سوريا

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

حذّرت الأمم المتحدة من أنّ جهود الإغاثة في شمال شرق سوريا "مستنزفة"؛ بسبب ارتفاع عدد النازحين مع استمرار هجوم القوات الحكومية في محافظة إدلب.

وأجبر 900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، على الفرار من منازلهم بسبب القتال الدائر، بحسب ما نقلت شبكة "بي بي سي".

وجاء التحذير الأممي في الوقت الذي تعهد فيه رئيس النظام السوري، بشار الأسد، بمواصلة عمليات الجيش في شمالي البلاد.

وقال الأسد: "معركة تحرير ريف حلب وإدلب مستمرة"، بعد أن تقدمت قواته في مناطق جديدة في نهاية الأسبوع.

900 ألف شخص، معظمهم من النساء والأطفال، فروا من منازلهم في إدلب بسبب القتال الدائر

وأكّد، أمس؛ أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها غداة استعادتها كامل محيط مدينة حلب في شمال البلاد وإبعاد الفصائل المعارضة عنها.

ويأتي إعلان الأسد بعيد أيام من تهديد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، باستهداف القوات السورية إذا تعرض جندي تركي واحد للأذى في شمال سوريا حيث تنتشر القوات التركية وتقيم نقاط مراقبة وفق اتفاق سابق مع روسيا.

لكن وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، مارك لوكوك، حذّر في بيان، من أنّ "أكبر قصة رعب إنساني في القرن الحادي والعشرين" لا يمكن تجنبها إلا بوقف إطلاق النار.

وقال إن الرضع والأطفال يموتون بسبب البرد، إذ يضطر الناس للنوم في العراء في البرد الشديد مع اكتظاظ المخيمات بالنازحين.

ونبه لوكوك إلى أن العنف في المنطقة كان عشوائياً، مؤكداً أنّ "البنية التحتية الأساسية تعرضت لهجمات خلال المعارك".

وقال: "استُهدفت المرافق الصحية والمدارس والمناطق السكنية والمساجد والأسواق".

الأسد يؤكد أنّ قواته عازمة على مواصلة القتال حتى "تحرير" كافة الأراضي الخارجة عن سيطرتها

كما تحدث عن تقارير تفيد بوقوع هجمات على مناطق يقيم بها النازحون، وهو ما أدّى إلى سقوط قتلى ومصابين.

وأضاف: "عملية الإغاثة الرئيسة التي تتمّ إدارتها عبر الحدود في تركيا تتخطى القدرة الاستيعابية لجهود الإغاثة".

وتعدّ محافظة إدلب آخر معقل رئيس تسيطر عليه المعارضة في سوريا، إلا أنّ تقدم قوات الحكومة، المدعومة من روسيا وميليشيات موالية لإيران، رفع من مستوى الضغوط على النازحين.

وأغلقت تركيا، التي تدعم العديد من الجماعات المعارضة في المحافظة، حدودها مع سوريا لمنع دخول مزيد من اللاجئين.

 

للمشاركة:

ميليشيا الحوثي الإرهابية تحرم أبناء صنعاء من مساجدهم.. بهذه الممارسات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-18

استهدفت ميليشيا الحوثية الإرهابية المساجد في العاصمة صنعاء، لكن هذه المرة ليس بالقذائف والصواريخ، كما فعلت سابقاً، بل فكرياً وعقائدياً؛ حيث حوّلت بعض منها لـ "حُسينيات".

وأكّد سكان محليين نقلت عنهم وكالات أنباء محلية؛ أنّه شوهد العشرات من العناصر الحوثية مؤخراً، وهم يرتدون عمائم وملابس سوداء في عدد من أحياء صنعاء، خصوصاً منذ مقتل قاسم سليماني، قائد مليشيا فيلق القدس التابعة للحرس الثوري الإيراني المصنف إرهابياً، بضربة أمريكية في العراق، مطلع كانون الثاني (يناير) الماضي.

وأشارت وسائل إعلام محلية إلى أنّ أبرز المساجد التي حولها الحوثيون إلى "حُسينيات"، هي "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"، وجميعها في منطقة "الجراف" التي تعدّ من أبرز معاقل الأسر الحوثية، شمال صنعاء.

ميليشيات الحوثي الإرهابية تحوّل مساجد صنعاء لـ "حُسينيات" وثكنات وتقدّم فيها الدروس الطائفية

وتسبّبت الخطوة الحوثية في عزوف عدد من السكان عن مساجد صنعاء التي حولتها المليشيا الحوثية إلى "حوزات" طائفية هدفها طمس هوية المجتمع اليمني، ونسف التعايش في أوساط المجتمع.

وقال مصدر لـ "العين" الإخبارية: إن الميليشيا الحوثية بدأت خلال الأسابيع الماضية بإصدار تعميمات إلى وسائل الإعلام التابعة لها، أو التي ما تزال تعمل في صنعاء، ولا تتبعهم، بضرورة دعوة المجتمع إلى المشاركة في حضور الدروس الطائفية التي تشهدها مساجد صنعاء.

وأشار المصدر إلى أنّ قيادات حوثية تلقت دروساً في "قُم" بإيران، هي من تقوم حالياً بإدارة "الحُسينيات"، داخل صنعاء، فيما بدأت الميليشيا الحوثية بالمجاهرة برفع صور المرشد الإيراني، علي خامئني، وكذلك "حسن نصر الله" زعيم حزب الله اللبناني، وذلك إلى جانب صورة الإرهابي "عبد الملك الحوثي"، وشقيقه الذي قتل عام 2004، حسين الحوثي.

وأكد سكان أنّ مأمورَي المديريات الذين عينتهم الميليشيا الحوثية في صنعاء، يقومون بتنفيذ نزول ميداني في الأحياء السكنية لدعوة الناس إلى ضرورة حضور ما يطلقون عليها "الدورات الثقافية" في المساجد.

وتقوم الميليشيا بجلب الأطفال والشريحة الفقيرة بالمجتمع "إجبارياً" إلى حوزاتها الجديدة، وتلقينهم محاضرات تدعو الناس للانخراط بالقتال في صفوفهم ضد القوات الحكومية.

أبرز المساجد التي حوّلها الحوثيون إلى "حُسينيات": "بلال، والفردوس، والحشوش، وبدر"

وأكدت مصادر أنّ الخطوات الحوثية لم تتوقف عند المساجد؛ حيث قامت خلال الأيام الماضية بتدشين فعاليات طائفية متضامنة مع إيران وحزب الله في ساحة كلية التربية بجامعة صنعاء.

ونصبت الميليشيا الحوثية لافتات عملاقة للمرشد الإيراني وحسن نصر الله وعبد الملك الحوثي داخل الحرم الجامعي، كما أجبرت الطلاب على ترديد الصرخة الإيرانية، في تمزيق غير مسبوق للنسيج الاجتماعي اليمني.

يذكر أنّ ميليشيا الحوثي تسعى بكل الوسائل إلى طمس الهوية، وذلك بفرض ومحاولة ترسيخ مناسبات وأنشطة طائفية إيرانية دخيلة على المجتمع اليمني في صنعاء والمناطق الخاضعة لسيطرتها.

 

 

 

للمشاركة:



لماذا يحتفل الأمريكيون بمولد مارتن لوثر كينغ؟

2020-02-18

قليلون هم من يتركون أثراً يمتدّ بعد موتهم، قليلون هم من ضحّوا بحياتهم من أجل ما يؤمنون به، مارتن لوثر كينغ واحد من الذين مكثوا عمراً قصيراً، لكنّهم عاشوا لقضية أكبر من أعمارهم، ووهبوها من دمائهم وأرواحهم، فامتدت بعدهم لعقود عديدة.

نشأ مارتن لوثر كينغ في مدينة أتلانتا التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية

فارق كينغ الدنيا وعمره لم يتجاوز ٣٩ ربيعاً، قضى أكثرها في النضال في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، رافضاً العنف بكل أنواعه، مترفعاً عن التورط في صراع السود، من خلال صبره وحكمته؛ بل سعى كثيراً لإنهائه والدعوة لإحلال السلام، قدم حياته "شهيداً للتسامح" في عصر يقدّس العنصرية والتحزب والتعصب الأعمى والتنمر.
وُلد مارتن لوثر كينغ في 15 كانون الثاني (يناير) العام 1929، تحت اسم "مايكل كينغ" لأب يعمل قسّاً لكنيسة معمدانية، اعتمد الأب اسم "مارتن لوثر كينغ" نسبة لمؤسس البروتستانتية الألماني "مارتن لوثر"، ثم أتبعه بـ"مايكل"، واعتمد الاسم نفسه، ليصبح اسمه "مارتن لوثر كينغ الابن".

نشأ "مارتن لوثر كينغ" الابن في مدينة أتلانتا الأمريكية، التي كانت تشهد وقتها أبشع مظاهر التفرقة العنصرية، وشاهد كيف نبذه أقرانه البيض، وتألم من منع أمهات زملائه البيض في المدرسة أبناءهنّ من اللعب معه، لكنّ كلمات أمه كانت تنير له الطريق وتشدّ من أزره، فكانت إذا رأته يتألم لابتعاد زملائه عنه، تقول له: "لا تدع هذا يؤثر عليك أو يجعلك تشعر بأنّك أقل من البيض فأنت لا تقلّ عن أي شخص آخر".

اقرأ أيضاً: خطبة مارتن لوثر كنج: الأحلام حين تهزم أوهامَ القوة
ومضت الأعوام، ودخل كينغ المدارس العامة، العام 1935، والتحق بالجامعة في أواخر العام 1942؛ حيث درس بكلية "مورهاوس" التي ساعدت على توسيع إدراكه لثنايا نفسه والخدمة التي يستطيع أداءها للعالم.
في العام 1947 تمّ تعيينه مساعداً في كنيسة أبيه، وصار قسّاً معمدانياً، ثم حصل على درجة البكالوريوس في الآداب، العام 1948، ولم يكن عمره قد تجاوز 19 عاماً، وحينها التقى بفتاة  تدعى "كوريتا سكوت"، وتزوجها العام 1953، ثم حصل على الدكتوراه في الفلسفة من جامعة بوسطن، وفي العام 1951 حصل على بكالوريوس في اللاهوت، ثم انتقل مع زوجته إلى مدينة مونتجمري بولاية ألاباما، عام 1954، وكُلّف بخدمة الكنيسة المعمدانية، ونجح وقتها في الحصول على درجة الدكتوراه في علم اللاهوت العام 1955.
بداية النضال
حمل الأول من كانون الأول (ديسمبر) العام 1955، بذور حركة نضالية من أجل استعادة القيم الإنسانية للمواطن الأسود في الولايات المتحدة، عندما رفضت روزا باركس، وهي سيدة سوداء، أن تخلي مكانها في حافلة لراكب أبيض، حسبما كان متبعاً، فما كان من السائق إلا أن استدعى رجال الشرطة الذين ألقوا القبض عليها، ومن ثم اعترض مارتن لوثر كنيغ على هذه التفرقة  العنصرية، ونادى بمقاطعة شركة الحافلات واستمرت المقاطعة عاماً كاملاً؛ ما أثر كثيراً في إيرادات الشركة، وأدت المقاطعة السلمية إلى كسر قانون العزل العنصري في ألاباما.

أدرك الأمريكيون أنّ كينغ غيّر وجه بلادهم للأبد وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً

فرح الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء بإنجازات مارتن، وصار زعيماً لهم، وعقدوا عليه الأمل في تحريرهم من العنصرية البغيضة، ليبدأ رحلة نضال ضدّ الكراهية والعنصرية، ومن أقواله: "الظلام لا يمكن أن يطرد الظلام، الضوء فقط يستطيع أن يفعل ذلك، الكراهية لا يمكن أن تطرد الكراهية، الحب فقط يمكن أن يفعل ذلك".
قام بزيارة للهند العام 1959، وعبّر عن اعتقاده الكامل بأيديولوجيا السلام عند نِهرو وغاندي من قَبله، وكان شديد الانتقاد لسياسة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وكافأته الحكومة الهندية، العام 1966، بمنحه جائزة نهرو للسلام الدولي، بعد وفاته.

خلال رحلته في سبيل الحرية وحقوق الإنسان، نضجت شخصية كينغ كثيراً، وركز على الظلم بدلاً من كراهية شخص بعينه؛ إذ تعرّف إلى فكرة العصيان المدني كسلاح من أجل التغيير، والمقاومة السلبية السليمة.
ضاعف كينغ، العام 1963، جهوده لمواجهة العنصرية في الولايات المتحدة، ونظم سلسلة من المظاهرات في برمنغهام، وعبأ الشعور الاجتماعي بمظاهرة رمزية في الطريق العام، وأُلقي القبض عليه لمخالفته أمراً قضائياً بمنع كلّ أنواع الاحتجاج والمسيرات الجماعية وأعمال المقاطعة والاعتصام، وبمجرد إطلاق سراحه قاد مظاهرات أخرى، أوقفها تدخل الرئيس الأمريكي آنذاك، جون كينيدي، وإعلانه حالة الطوارئ، ليتدخل مارتن ويهدئ من ثورة الشارع.

في 4 نيسان 1968 اغتاله متعصب أبيض أثناء الاستعداد لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"

وفي 28 آب (أغسطس) 1963، نظّم الأمريكيون من ذوي البشرة السوداء مسيرة سلمية لم يسبق لها مثيل في قوتها، فقد اشترك فيها 250 ألف شخص، منهم نحو 60 ألفاً من البيض، متجهة صوب نصب لنيكولن التذكاري، فكانت أكبر مظاهرة في تاريخ الحقوق المدنية، وهنالك ألقى كينغ أروع خطاب له: "لدي حلم" (I have a dream)، التي قال فيها: "لدي حلم بأنّه يوماً من الأيام أطفالي الأربعة سيعيشون في شعب لا يكون فيه الحكم على الناس بألوان جلودهم، ولكن بما تنطوي عليه أخلاقهم".
ووصف كينغ المتظاهرين كما لو كانوا قد اجتمعوا لاقتضاء دين مستحق لهم، ولم تفِ أمريكا بسداده "فبدلاً من أن تفي بشرف ما تعهدت به، أعطت أمريكا الزنوج شيكاً بدون رصيد، شيكاً أعيد وقد كتب عليه: الرصيد لا يكفي لصرفه".
وفي ذروة الانتشاء بانتصارات الإنسانية ضدّ التعصب والعنصرية، قام المتعصبون العنصريون بإلقاء قنبلة على الكنيسة المعمدانية التي كانت وقتذاك ممتلئة بتلاميذ يوم الأحد من الزنوج؛ فعاد كينغ مرة أخرى إلى مدينة برمنغهام، وكان له الفضل في تفادي انفجار العنف بين السود والبيض.

نادى بمقاطعة شركة الحافلات في ألاباما عاماً كاملاً ما أدى إلى كسر قانون العزل العنصري
مهّد نضال كينغ لصدور قانون الحقوق المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية، العام 1964، وفي العام نفسه أطلقت مجلة "تايم" على كينغ لقب "رجل العام"، فكان أول رجل من أصل أفريقي يمُنح هذا اللقب، ثم حصل، العام 1964، على جائزة نوبل للسلام لدعوته إلى اللاعنف، فكان بذلك أصغر رجل في التاريخ يفوز بهذه الجائزة بعمر ٣٥ عاماً، ولم يتوقف عن مناقشة قضايا الفقر والسود، وعمل على الدعوة إلى إعادة توزيع الدخول بشكل عادل؛ إذ كانت البطالة قد انتشرت بين الأفارقة.
رصاصة التعصب
في 4 نيسان (أبريل) 1968؛ أثناء الاستعداد لأحد لقاءاته لتأييد إضراب "جامعي النفايات في ممفيس"، قام أحد المتعصبين البيض، ويدعى جيمس إرل راي، بإطلاق رصاصة من بندقية قناصة أصابت حنجرته، فاغتيل رجل السلام والتسامح والمحبة واغتيلت معه أحلامه في زرع المحبة بدلاً من الكراهية، اغتاله التعصب والكراهية والعنصرية، لتندلع أعمال العنف في ولايات عدة، منها واشنطن ونيويورك وشيكاغو وبوسطن، لكنّ المحبة التي زرعها كينغ لم تذهب سدى؛ إذ أصدرت زوجته المكلومة بياناً طالبت فيه المحتجين بوقف العنف وتحقيق أحلام الزعيم بالسلام والمطالبة بالمساواة والعدل، فخمدت الفتنة، وأدرك الأمريكيون أنّ مارتن لوثر كينغ غيّر وجه أمريكا للأبد، وأنّ عليهم تغيير الواقع العنصري فوراً.

اقرأ أيضاً: التطرف الذي يغذي العنصرية
عندها وقّع الرئيس الأمريكي، ليندون جونسون، قانون الحماية المدنية، الذي يضمن العدل والمساواة بين الأعراق والألوان والجنسين في جميع الولايات الأمريكية؛ لتتحقق أحلام الزعيم الأسود بعد رحيله.
رأى كثيرون أنّ رسالة لوثر كينغ قد تحققت، وأنّ التفرقة العنصرية قد انتهت في اليوم الذي فاز فيه باراك أوباما بالانتخابات الرئاسية، في 20 كانون الثاني (يناير) 2009؛ حيث تفخر دول كثيرة في العالم بوصول رجل من أصول أفريقية إلى كرسي الحكم في الولايات المتحدة.
يوم مارتن لوثر كينغ
واعترافاً بفضل "شهيد التسامح" على أمريكا؛ وقّع الرئيس، رونالد ريغان، في 2 تشرين الثاني (نوفمبر)، 1983، تشريعاً ينصّ على تحديد عطلة رسمية لتكريم ذكرى مارتن لوثر كينغ، ثم أعلن الكونغرس العام 1994، أنّ ١٥ كانون الثاني (يناير)، أحد الأعياد الفدرالية السنوية هو "يوم مارتن لوثر كينغ"، داعياً الأمريكيين من جميع الأطياف والشرائح لأن يتطوعوا بوقتهم ومجهودهم للمساعدة في تحقيق رؤية كينغ بقيام "مجتمع المحبين"، وبحلول العام 1999، أصبحت جميع الولايات الخمسين تحتفل بهذه العطلة، لتنتصر الإنسانية والمحبة على الكراهية والتعصب.

للمشاركة:

كيف رد طه حسين وآخرون على الإخوان؟

2020-02-18

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي، وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين في مصر، التي بدأ نشاطها العام 1928، وفي أقلّ من عقدين سقط عنها قناع الدعوة الإسلامية المعتدلة، ودخلت في مواجهة عنيفة ودامية مع الدولة المصرية؛ حيث اغتالت عدداً من الشخصيات الرسمية مثل؛ رئيس الوزراء الراحل محمود فهمي النقراشي، والمستشار أحمد الخازندار وكيل محكمة الاستئناف، بالإضافة لتنفيذها عدداً هائلاً من التفجيرات في العاصمة المصرية القاهرة، ثم مروراً بمحاولة اغتيال جمال عبد الناصر رئيس الوزراء حينها في 24 تشرين الأول (أكتوبر) 1954، وحتى اغتيال النائب العام المستشار هشام بركات بتاريخ 29 حزيران (يونيو) 2015، ويبدو أنّ ملف عنف تلك الحركات لن ينغلق أبداً بل إنّه يتضخم، ما دامت تمتلك هذا الإصرار الهائل على تنفيذ مخططاتها للوصول إلى السلطة بأي ثمن.

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذتها حركة الإخوان المسلمين في الأربعينيات والخمسينيات من القرن المنصرم غضب النخبة الثقافية، التي تأسست في المرحلة الليبرالية بعد ثورة 1919، والتي لم تعتد على أن يوجه مصري فوهة مسدسه إلى قلب أخيه المصري؛ فالجميع يواجهون خطرين واضحين هما؛ الاستعمار والملك، وبعد ثورة تموز (يوليو) 1952 أثارت محاولة اغتيال جمال عبدالناصر بما عُرف بـ"حادثة المنشية" غضب واستياء واستهجان كبار المثقفين المصريين مثل؛ عميد الأدب العربي الدكتور طه حسين، والصحفي اللامع محمد التابعي وغيرهم من الكتاب الصحفيين، حتى أنّهم أصدروا كتاباً أسموه (هؤلاء...هم الإخوان) يضم مقالات تحمل تحليلات ومواقف طه حسين والصحفيين محمد التابعي وجلال الدين الحمامصي وعلي أمين وغيرهم.

يمتلئ ملف إرهاب التيارات الإسلامية بمئات الوثائق القضائية التي تدين حركات الإسلام السياسي

في البداية تعجب عميد الأدب العربي من تلك العمليات الإرهابية والاغتيالات التي نفذتها جماعة الإخوان المسلمين، "التي تدعي زوراً أنّها تطبق شرع الله وتعبر عن صحيح الإسلام، والأديان جميعها تستنكر قتل النفس وتحرمه والإسلام آخر الأديان السماوية التي تمسكت بمبدأ تقديس الحياة وحرمت الاعتداء على حرمة النفس، وأفرد القرآن الكريم آيات كثيرة تحرم القتل ظلماً وغيلة".
ويتعجب طه حسين من تلك الجماعة "التي سعت لإغراق مصر في بحور الدم برغم أنّ ثورة يوليو نجحت في إخراج طاغية مثل الملك فاروق بدون إراقة قطرة دم واحدة، فالإخوان أرادوا أن يفسدوا على المصريين حلماً جميلاً كان من الممكن أن يدوم لولا خطط الإخوان التي كانت ستجر مصر إلى أتون حرب أهلية وفتنة؛ تغري الاستعمار للعودة مجدداً أكثر شراسة. وجماعة الإخوان المسلمين، كما يراها طه حسين، ينطبق عليهم حديث الرسول، عليه السلام، أنّهم يقرأون القرآن الكريم لا يتجاوز تراقيهم، فلو فهمت الجماعة ما بين يديها من كتاب الله تعالى ما لجأت يوماً للاغتيالات".

وكعادة جماعة الإخوان المسلمين التي لا تعي دروس التاريخ، يصف الصحفي محمد التابعي ملامح الصدمة والذهول التي ارتسمت على وجه القاتل محمود عبد اللطيف –مرتكب محاولة اغتيال عبد الناصر- حينما رأى قيادات الإخوان المسلمين "أشباه الرجال" تتنصل من محاولة الاغتيال، حانثة بقسمها الذي أقسمت به أمام المحكمة لتبرئ نفسها، وهي من قدمت له المسدس وحرّضته على الجريمة، وتدعي أنّها تسير على هدي النبوة والإسلام، وتكررت المأساة مؤخراً عندما صرح إبراهيم منير الأمين العام للتنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين أنّ التنظيم لم يضرب شباب الإخوان المعتقلين على أياديهم لينضموا للجماعة وتبرأ منهم قائلاً: "نحن لم ندخلهم السجن ولم نجبرهم على الانضمام لجماعة الإخوان، من أراد منهم أن يتبرأ من الإخوان فليفعل..".

أثارت العمليات الإرهابية التي نفذها الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات غضب النخبة الثقافية

نفس ما فعله مرشد الإخوان، حسن الهضيبي، مع عبد اللطيف كرره منير مع المئات من كوادر الجماعة! وتلك هي الجماعة التي يذهب إليها شبان وفتيان مسلمون امتلأت صدورهم بحماس الشباب، وقلوبهم بحمد الله تعالى والرسول الكريم يطلبون مزيداً من الهداية ومن نور الله تعالى! وأن تبصّرهم الجماعة بأمور دينهم وأن تهديهم سواء السبيل.
ويلفت التابعي النظر إلى مدى الانقلاب والتحول الهائل الذي شهده الرأي العام تجاه الإخوان، الذي تكشف له حجم الخطط والمؤامرات التي كانت ستتعرض لها مصر لو نجح محمود عبد اللطيف في اغتيال الرئيس عبد الناصر، فالمجتمع المصري الذي تبنى موقفاً "مايعاً" –على حد وصفه- قد حسم موقفه في اتجاه رفض الجماعة فكراً وممارسة وتنظيماً، وتأكد من أنّ القتل والاغتيال سمة أساسية متجذرة في التنظيم، وأنّ جرائم الأربعينيات لم تكن محض صدفة ورد فعل. وقد شاهد المحاكمات وعرف أنّ قيادة الإخوان تسلمت من الضباط الأحرار كميات ضخمة من الذخائر؛ لكي تستعملها في معركة القناة ضد الاحتلال، ولكن بعض هذه الأسلحة بيع لحساب بعض زعماء الجماعة لكي يقتني به البعض الأطيان ويشيد به العمارات، والبعض الآخر أودع في مخابئ سرية لا لاستعماله ضد الإنجليز وإنما لاستعماله ضد المواطنين المصريين.

اقرأ أيضاً: كيف ترك لنا طه حسين عينَيه لنرى بهما اليوم؟
ويتطرق التابعي لموقف الإخوان المسلمين من ثورة يوليو 1952 في يومها الأول حينما كان الهضيبي في مصيفه برمل الإسكندرية، وطلب بعضهم منه أن يصدر بياناً للناس يؤيد فيه باسم الجماعة الثورة ورجالها وأهدافها، ولكن الهضيبي رفض قائلاً ما معناه (إنّ الله مع الصابرين) والصبر معناه التريث وعدم الإسراع في تأييد الثورة انتظاراً لما ستسفر عنه الأحداث التي انتهت بخروج الملك وانتصار الثورة في أول معاركها، فما كان من الهضيبي إلا أن عاد من الإسكندرية ليطالب رجال الثورة بطاعة أوامره، إنّها براغماتية جماعة الإخوان المسلمين المعروفة والرغبة المحمومة العمياء للوصول إلى السلطة التي اتسموا بها عبر تاريخهم.

ويتندر الكاتب الصحفي على هذا البون الشاسع بين المرشد الأول حسن البنا والمرشد الثاني حسن الهضيبي؛ فالأول كان يقضي مصيفه في صعيد مصر يحشد الأتباع ويجمع التمويل للجماعة، فيما داوم الهضيبي على قضاء الصيف في مصيفه برمل الإسكندرية، وكان يصر على أن يلحق اسمه بلقب البكوية.

دفعت حادثة المنشية كبار المثقفين المصريين وعلى رأسهم طه حسين لإصدار كتاب: هؤلاء...هم الإخوان

يذكر الصحفي علي أمين أنّه ربما لا يعلم كثيرون أنّ المخطط لم يكن يستهدف اغتيال جمال عبد الناصر فقط، ولكنه استهدف التخلص من جميع أعضاء مجلس الضباط الأحرار ومعهم 160 ضابطاً بالقتل أو الخطف، ثم تكوين جماعة تأتمر بأمر الإخوان لتمهيد الطريق لحكومة من الإخوان، ربما يكذب الرأي العام ذلك السيناريو ولكن الكتاب يذكر وقائع حادثة من محاكمة الشعب للإخوان مع عبد القادر عودة حين سئل عن رأيه في اغتيال النقراشي فابتسم وكيل الإخوان وقطب الدعوة قائلاً: النقراشي؟..عيل داسته عربية الإخوان! بتلك البساطة يشبه عودة اغتيال رئيس وزراء مصر الراحل النقراشي بعيل داسته عربية الإخوان، وبالتالي ليس مستبعداً أن تطيح تلك السيارة بذلك العدد من الضحايا حتى تصل إلى هدفها النهائي بالوصول إلى السلطة في مصر.

اقرأ أيضاً: طه حسين إذ يدعو لتذوق القرآن الكريم أدبياً
في مقال آخر يتعجب الكاتب الصحفي جلال الدين الحمامصي من شهادات المذنبين والشهود بخصوص قضية "الجهاز السري لجماعة الإخوان المسلمين"، وكيف استطاعت الجماعة أن تخدّر وتخدع أعضاءها بأن أفهمتهم بنود اتفاقية الجلاء من زاوية عكسية صنعها المتآمرون، وحاولوا بها إثارة الناحية الوطنية في قلوب بعض المساكين من الفئات التي تسمع لنفر من الناس، ولكنها لا تبحث ولا تدقق ويوصي الحمامصي الشعب المصري بأن يقول "لا" يقولها في كل وقت وكل حين متى تطلب الموقف ذلك وإلا فما معنى الاستقلال.

للمشاركة:

لحوم الأدغال.. مرتع للفيروسات والميكروبات

صورة حفريات
"حفريات" صحيفة إلكترونية ثقافية، عالمية الأفق، إنسانية التوجّه، تتطلع إلى تفكيك خطاب التطرّف والكراهية.
2020-02-17

أكمل عبد الحكيم

تشير التقارير المتواترة، وغير المؤكدة حتى الآن، إلى أن مصدر فيروس كورونا الجديد، أو الكوفيد19، هو أصناف من الحيوانات البرية كانت تباع بشكل غير قانوني في أحد أسواق مدينة ووهان بوسط الصين. وهو ما عاد ليلقي بالضوء مرة أخرى على ظاهرة استهلاك بعض المجتمعات البشرية للحوم الأدغال (Bushmeat)، إما نتيجة لظروف اقتصادية، مثل الفقر وانعدام المصادر الغذائية الأخرى، أو بسبب عادات غذائية محلية، أو معتقدات ثقافية تربط بين هذه النوعية من اللحوم وبين الصحة والجمال والفحولة.
ويشير مصطلح لحوم الأدغال إلى لحوم الحيوانات البرية، مثل الثدييات، والزواحف، والبرمائيات، والطيور.. التي يتم اصطيادها من الغابات لغرض الاستهلاك البشري. وتعتبر هذه النوعية من اللحوم، مصدراً هاماً للغذاء في الدول الفقيرة، وخصوصاً سكان المناطق الريفية، ولدرجة أن عدد الحيوانات التي تم قتلها والاتجار بها خلال عقد التسعينيات مثلا في غرب ووسط أفريقيا، أصبح غير مستدام، مهدداً هذه الحيوانات بالانقراض والفناء. وبحلول عام 2016، قُدر أن أكثر من 300 نوع من الثدييات الأرضية أصبحت مهددة بالانقراض، بما في ذلك أصنافاً من القردة العليا، والحيوانات ذات الظلف، مثل الزراف والأيل والظبي، بالإضافة إلى الخفافيش، والجربيات، والقوارض، والحيوانات المفترسة آكلة اللحوم. ويحمل هذا السلوك البشري في طياته مشكلتين رئيسيتين، الأولى هي فقدان التنوع الحيوي نتيجة انقراض العديد من أنواع الحيوانات، والثانية هي انتقال الأمراض الفيروسية والبكتيرية والطفيلية من الحيوانات إلى الإنسان.
وتأتي أهمية التنوع الحيوي من أن البيئات الطبيعية هي عبارة عن حالة من التوازن بين التركيبات الوراثية المختلفة (أي أشكال الحياة)، بحيث غالباً ما يعتمد بقاء شكل من أشكال الحياة على وجود أشكال أخرى من الحياة في بيئته نفسها، ولذا يمكن أن يؤدي انخفاض التنوع الحيوي في بيئة ما إلى تداعي النظام البيئي وانهياره بالكامل. وكما تعتمد الحيوانات والنباتات على بعضها البعض في البقاء والاستمرار، يعتمد أيضاً أفراد الجنس البشري على التنوع الحيوي، للاستمرار في الحياة، وللحفاظ على صحتهم، وللوقاية من الأمراض والعلل. فالهواء الذي نتنفسه، والماء الذي نشربه، والغذاء الذي نتناوله، والأدوية التي نستخدمها، هي نتاج للتنوع الحيوي للكوكب الذي نعيش عليه.
أما المشكلة الثانية التي تنتج عن استهلاك لحوم الأدغال، أي مشكلة انتقال الأمراض الحيوانية إلى الإنسان، فالمعروف والمؤكد أن الإنسان والحيوان يشتركان في عدد من الأمراض المعدية، تُعرف بالأمراض حيوانية المنشأ، وهي الأمراض التي تصيب الحيوانات في الأساس، الفقارية في الغالب، لتنتقل منها إلى الإنسان الذي يمكن أن يكون بدوره مصدر عدوى للآخرين. حيث تعود جذور الكثير من الأمراض التقليدية إلى منشأ حيواني، مثل السُعْار (أو داء الكَلَب)، والجمرة الخبيثة، وفيروس النيل الغربي، هذا بالإضافة إلى عدد من الأمراض التاريخية، مثل الحصبة، والجدري، والدفتيريا، وحتى أمراض شائعة مثل البرد العادي، والسل الرئوي.. تردّ هي الأخرى إلى منشأ حيواني. ومن بين أكثر من 1400 مرض معد يصيب الإنسان، سواء في شكل عدوى فيروسية، أو بكتيرية، أو فطرية، أو طفيلية، تشكل الأمراض حيوانية المنشأ أكثر من 60 بالمئة من هذه الأمراض، أي ما يعادل تقريباً ثلثا الأمراض المعدية التي تصيب أفراد الجنس البشري. ويمكن إدراك أهمية الأمراض حيوانية المنشأ، من حقيقة كونها شكلت أخطر أوبئة الأمراض المعدية بين البشر في الذاكرة الحديثة. هذا الخطر أصبح يتزايد بشكل مضطرد، مع ازدياد استهلاك لحوم الأدغال، والتي يُعتقد أنها المسؤولة مؤخراً عن انتقال أمراض جديدة، كانت محصورة سابقاً داخل صنف أو نوع من الحيوانات يسكن بيئات برية في أعماق الغابات. وعلى سبيل المثال، وباء فيروس نقص المناعة المكتسبة أو الإيدز، الذي يصيب حالياً 35 مليون شخص، ووباء فيروس إيبولا الذي اجتاح دول غرب أفريقيا منذ شهر مارس العام الماضي، وتسبب حتى الآن في أكثر من 11 ألف وفاة مسجلة. وعلى المنوال نفسه، ترد أوبئة الإنفلونزا الحديثة بأنواعها المختلفة (الخنازير والطيور وغيرها) إلى أصول حيوانية.
وهناك أيضاً، فيروس مرض سارس، والذي انتشر عام 2003 ليصيب أكثر من 8 آلاف شخص، توفي منهم 774 شخصاً، ويعتقد أنه انتقل للإنسان من أحد أنواع القطط البرية (Civet Cat). ومؤخراً فيروس كورونا الجديد الذي يعتقد، وإن لم يؤكد بعد، أنه انتقل من الخفافيش عبر وسيط من الطيور والثدييات، وليس من الثعابين كما كان يُعتقد في البداية.
وتظل العلاقة بين الإنسان والأمراض الحيوانية علاقة شائكة، مع التوقع بأن تزداد هذه العلاقة تعقيداً، نتيجة ازدياد أعداد البشر، وبسبب تغولهم على البيئات الطبيعية، واستهلاكهم للمزيد من الحيوانات البرية التي تحمل في أعضائها وأنسجتها ميكروبات، تتعايش معها في سلام ووئام، لكن قد تتسبب هذه الفيروسات والميكروبات في أمراض وأوبئة وجائحات، إذا ما نجحت في القفز لأحد أفراد الجنس البشري.

عن "الاتحاد" الإماراتية

للمشاركة:
الصفحة الرئيسية